أبناؤنا والانحراف الفكري (١)
تُفَاجَأَ بعضُ الأُسَر بين الفَيْنَة والأخرى بانحرافاتٍ لأبنائهم؛ إمَّا غُلُوًّا وتَطَرُّفًا، وإمَّا تَمَيُّعًا وسُقوطًا أخلاقيًّا - عافانا الله والمسلمين مِن ذلك كلِّه - ومَن ذا الذي يأمَن على نفسه أو أبنائه إلا مفتونٌ مخدوعٌ ... زَيَّنَ له الشيطان سوء عمله، وأغْوَاه وأهلَكَه ...
قال ابن القيِّم: "وتحتَ قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ... ﴾ (٢)، كنزٌ عظيمٌ، مَن وُفِّقَ لمظنَّتِه وأحسَنَ استخراجَه واقتِناءَه، وأَنفَق منه فقد غَنِمَ، ومَن حُرِمَه فقد حُرِم؛ وذلك أن العبد لا يَستغني عن تثبيت الله له طَرْفة عين، فإن لم يُثبِّتْه وإلا زالت سماء إيمانه وأرضُه عن مكانهما، وقد قال الله تعالى لأكرمِ خلْقِه عليه، عبدِه ورسوله ﷺ : ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (٣)(٤) ".
стр. 466
ومهمَّة شياطين الجن والإنس إضلالُ بني آدم، ومِن طُرُق إغواءِ شياطينِ الإنس والجن للمسلم - كي يَصطَّف مع الباطل أو جزءٍ منه، شَعُر أم لم يَشعر - طريقان رئيسان:
الطريق الأول: هو طريق الشهوات والملذَّات ... يُساعدُهم في ذلك النفْسُ الأمَّارة بالسوء؛ ولذا نجد النبي ﷺ محذِّرًا مِن هذا الطريق الخَطِر على دينِ المرءِ وسلوكِه وخُلُقه ... ومبِّشرًا للمُبْتعِد عنه بقوله ﵊: «حُجِبَتِ الجَنَّةُ بالمكاره، وحُجِبَتِ النارُ بالشهوات» متفق عليه (١).
الطريق الثاني: مِن طُرُق إغواء شياطين الإنس والجن: طريق الشُّبهات والتأويلات.
فإنَّه ما نشَأت الفِتَنُ المُدلَهمَّة، والتفرُّق في الأمَّة، والضلال المبين إلا مِن هذا الطريق ... حِينَ يَتْرُكُ المَفْتُونُ اليَقِينَ وَيَتَّجِهُ للشُّبْهَةِ فَتَصْرِفُهُ بِالتَّأْوِيلِ عَنِ الحَقِّ إِلَى أَنْ يَزِيغَ.
وَفِي آثَارِ التَّأْوِيلِ يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ تَعَالَى فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ نَفِيسٍ، أذكر طرفًا منه: "وَإِنَّمَا أُرِيقَتْ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَصِفِّينَ، وَالْحَرَّةِ، وَفِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهَلُمَّ جَرًّا بِالتَّأْوِيلِ ... فَمَا اُمْتُحِنَ الْإِسْلَامُ بِمِحْنَةٍ قَطُّ إِلَّا وَسَبَبُهَا التَّأْوِيلُ ... وقال: وَمَا الَّذِي سَفَكَ دَمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، وَأَوْقَعَ الْأُمَّةَ فِيمَا أَوْقَعَهَا فِيهِ حَتَّى الْآنَ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي سَفَكَ دَمَ عَلِيٍّ ﵁، وَابْنِهِ الْحُسَيْنِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ
стр. 467
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي أَرَاقَ دَمَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَصْحَابِهِ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي أَرَاقَ دَمَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَحُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَادَاتِ الْأُمَّةِ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي أُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاء الْعَرَبِ فِي فِتْنَةِ أَبِي مُسْلِمٍ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي قَتَلَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ الْخُزَاعِيَّ، وَخَلَّدَ خَلْقًا مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي السُّجُونِ حَتَّى مَاتُوا غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وَمَا الَّذِي سَلَّطَ سُيُوفَ التَّتَارِ عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى رَدُّوا أَهْلَهَا غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ " (١) انْتَهَى.
أيها القارئ الكريم: لستُ بصدد تعظيم سفْك الدم الحرام وخطورته، وجُرم مرتكبه ... فهذا معلوم مِن الدين بالضرورة، وقد بيَّن العلماءُ والدعاة ذلك تبيينًا لا لَبْس فيه؛ هذا مِن جهة شناعة الفعْل شرعًا، وأما مِن جهة فساده في السياسة الشرعية في زماننا؛ فإنَّ المشروع الاستعماريَّ الغربيَّ لإحداث الفوضى في بلاد المسلمين قد ظهَر مِن السِّرِّ إلى العَلَن، وبُدئ في تنفيذه عمليًّا؛ وذلك بعد فشَل الغزو المباشر لأفغانستان والعراق؛ لتكون الفوضى بدلَ الغزو، كما تكون الفوضى أيضًا فوضَى خلَّاقة؛ ومِن ثَمَّ فقد خَلَق بُؤَرًا للصِّراع بأسباب مذهبية أو عرقية أو غيرها، وأشعَل نارَ الفتنة التي تحرِّك أكثرهم، وأمدَّهم بالسِّلاح لِيَقتُل بعضُهم بعضًا، حتى إذا ما أُنهكوا جميعًا جاء المستعمر لِيَفرِض نفوذَه، ويُملي شروطَه، ويُقسِّم المقَسَّم مِن بلاد المسلمين إلى دُوَيلات صغيرة مُتعادِية، يَسهُل إشعالُ الصراع بينها في أي
стр. 468
وقتٍ يُريد. فهل يكون ذا عقلٍ مَن يَضع نفسَه أداةً لتنفيذ هذا المخطَّط الإجراميِّ، الذي يقضي على ما تبقَّى مِن بلدان المسلمين وأراضيهم؟ !
وأما المشروع الصَّفَوِيُّ الفارسيُّ فإنه لَمَّا بان له العجْز الكبير عن المواجهة المباشرة لإعادة مملكة كسرى؛ استَجْلَب الفكرة الغربية في نشْر الفوضَى، ولا يَستطيع ذلك إلا عن طريق صناعة الفعْل ورَدِّ الفعل، بالتخريب والتفجير، والقتل، والتدمير، ومِن الغَبْن العظيم، والقهْر والإثم الكبيرِ أنْ يتمَّ تنفيذُ هذه السياسة الفارسية الخبيثة بأيدي أبناء المسلمين ...
ومع ذلك كلِّه لِنبحَثِ الأسبابَ التي جَعلَت مِن بعضِ أبنائنا أداةً لِتنفيذ المشروعات الصفوية والاستعمارية في تقسيم المقسَّم وإحداثِ الفوضى - شَعروا أم لم يَشعُروا، ولِمعرفة سبيلِ التخلُّص منها ومدافعتها، والحذَر مِن أنْ تؤثِّر على البقيَّة.
والأسباب التي تؤدي إلى الانحراف الفكري كثيرة؛ منها ما يلي:
أولًا: الجهل.
إنَّ خطورة الجهل وضرَّره لا تخفَى على عاقل؛ ولذلك يقول أهل العِلم: "إنَّ الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعصية، ويقوَى بالعمل، ويضعُف بالجهل) " كما نُقل عن الإمام أحمد وغيره.
بل اعتَبَر الإمامُ الحسَن البصري أن الجهل أشدُّ مِن الفقر؛ حيث يقول: "لا فقرَ أشدُّ مِن الجهل، ولا مالَ أَعوَد مِن العقل، ولا عبادةَ كالتفكُّر، ولا حسَب كحُسن الخُلُق، ولا وَرَع كالكَفِّ).
والجهل الذي يقع فيه المنحرفون فكريًّا على أحوال:
стр. 469
إمَّا جهل مظلمٌ بالشريعة ونصوصها ودلالاتها، فهو لا يَعرف الأدلَّة أصلًا! ! وإما جهل في دلالتها ومقاصدها، فهو يَعرف الدليلَ، ولكن ينحو به التأويل مَنحًى بعيدًا لِيُوافقَ ضلالتَه فينحرف به ... وهذا الصنف يَغلُب عليهم - مع جهلهم - اتِّباعُ الهوى؛ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (١)، وهذا الصنف لا يُقيم لِكلام أهلِ العِلم سلفًا وخلفًا وزنًا، ويَطير فرحًا إنْ وَجَد مُؤلفًا وافَقَ هوًى في نفسه! ! كما تُشاهدونهم في وسائل التواصل والقنوات الموجَّهة! !
وإمَّا - وهذه الحالة الثالثة - وهي مِن الخطورة بمكان، أن يكون عالِمًا بالشريعة ودلالاتها، ولكنه جاهلٌ جهلًا مركَّبًا في كيفيَّة تطبيقها على الوقائع، مُغْفِلٌ للشروط والأركان؛ فيتخبَّط في ذلك، ويصبح تائهًا، ظانًّا أنه وَجَد الطريق! ! وكلُّ ذلك عن جهل وحمق غالبًا، لا عن قصد، بل ربما طالبًا المثوبة والأجر والجَنَّة ... وفي هؤلاء: أخشَى أن تَشْملهم الآية الكريمة ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَاءِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٢).
قال علي بن أبي طالب ﵁، والضحاك، وغيرُ واحد: هم الحرورية - يعني: الخوارج - ومعنى هذا كما جاء عن علي ﵁؛ أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية، كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلَت في هؤلاء على الخصوص، والعجيب في تأمُّل هذا الصنف أنَّه يفتن فتنةً عظيمةً بالكلام في الأشخاص شذبًا
стр. 470
وقطعًا وسوء ظن، مبتدئًا بالحكام والعلماء في بلاد المسلمين، مختتمًا بالجندي والحارس على أعراضهم وأموالهم، بل ربما وَصَل إلى أقرب أقربائه كأبيه وأخيه وكفَّرهم وذمَّهم أو عرَّض بذلك، وهم في الحقيقة أتقَى وأنقَى منه عند ربِّ العالمين مُستدلًّا بآية أو حديث، جاهلًا في كيفية تطبيقها على واقع يعيشه ... فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثانيًا: اتباع الهوى وإرواء الشعور النفسي بالنقص:
وهذان متلازمان؛ أعني: اتِّباع الهوى، والشعور النفسي بالنقص؛ فعندما يَشعر المنحرفُ بشعوره بالنقص غالبًا يتَّبع هواه ... ولا يعني هذا أن كل مَن اتبع هواه شعر بالنقص قبل اتِّباعه، ولكن هذه هي السِّمة الغالبة لمرضى القلوب أولئك ...
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ (١)، ومريض الهوى يكون سببًا في حجْب هذا العون، وذلك التأييد الإلهي للعمل للإسلام، بل يعمل على النقيض.
ولذا نجد أنَّ بعضهم لا يُجدي معه النصْح والإرشاد؛ بل يفتح على نفسِه مداخلَ للشيطان، وبابَ الابتداع في دِين الله، ثم يُصاب بالتخبُّط وعدم الهداية إلى الطريق المستقيم، والمصيبة عندما يتحوَّل إلى إضلال الآخرين، وإبعادِهم عن الطريق، ومِن ثمَّ يُحرم مِن توفيق الله ، وتكون خاتمتُه سيئةً. والعياذ بالله ...
ثالثًا: الكِبر والتعالي:
стр. 471
هذا المنحرف غالبًا ما يكُون الكِبر قد أَخَذ منه مَبْلغه ... ولذلك نرى أنَّ كثيرًا مِن المنحرفين فكريًّا لا يرى غيرَه سوى أمثالِ الذَّرِّ تمشي على الأرض والعياذ بالله، ويكفي في ذمِّ الكِبر قوله ﷺ : «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَمْثَالَ الذَّرِّ، فِي صُوَرِ النَّاسِ، يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الصَّغَارِ، حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ، يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ، فَتَعْلُوَهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ، عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ» رواه أحمد، والترمذي (١).
وأهمِس هنا في أذن الآباء والمربِّين، وأقول لهم: إنَّ كثرة مدْحك الزائدِ لهذا الابنِ أو الطالبِ بأنه فتى زمانِه، وعالمُ عصْره، وفريدُ دهْره، وشعورك بالارتياح حينما يُناقِش قضيةً مِن كُبرى القضايا، وتخطئة غيرِه وتَصْويبه، فإنَّ ابنَك هذا سيَقَع فريسةً سهلةً للانحراف الفكري، مالم يحفظه الله ، وهذا مُشاهَد محسوس، ولا يعني ذلك العكس بأن تستخدم أسلوبَ التهميش والتحطيم، كلَّا، وإنما أَعْطِه ما يكفيه لا ما يضره، كما تعطيه جرعة الدواء المناسبة حين مرضه.
ومَن يَجِد في نفسِه شيئًا مِن هذا الداء، فليعلمْ أن التواضُع هو مجامع حُسْنِ الخُلُق، وهو هدْي النبيِّ ﷺ : «إنَّ مِن أَحَبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يومَ القيامة أَحَاسِنكم أخلاقًا» (٢).
رابعًا: البيئة والجُلَساء بما فيهم: الصاحب، والكتَّاب، والجهاز الذكي ...
стр. 472
وهذه مؤثِّرةٌ تأثيرًا كبيرًا؛ ولذا حذَّر النبيُّ ﷺ مِن جليس السوء، ومجالسةِ أهل الباطل؛ لأنَّ العَدْوَى سريعةُ الانتقال، فالعاقل مَن يَفِرُّ عن المنحرفِ فرارَه مِن الأسَد ... وبعضُ الشباب يتساهل في ذلك؛ معتذرًا لنفسه أنه سيُصلح الانحرافاتِ الموجودة ... نَعَمْ عليك الدعوة، والمجادلة بالتي هي أَحسَن بشرط العِلم، ثم إذا لم يُلْقِ لك هذا المنحرفُ بالًا فلا تُهلك نفسَك بالإكثار مِن مجالسته - خاصة في المسائل الشرعية؛ فمَن لم يقتنع بكبار العلماء لن يقتنع بك أنتَ، وابنُ عباس ﵄ حاوَرَ وناظَرَ الخوارج، ورجَع منهم مَن رجَع، وبعد ذلك صفَّ جنديًّا مع عليٍّ ﵁ ... لم يستمرَّ في الجدال والمناقشة.
إنَّ أثَر الجليس خطيرٌ، سواء كان إنسانًا أو كتابًا أو قناةً أو جهازًا ذكيًّا، يُشَكل فِكْرك حسب ما يريد هو؛ فإذا كان منحرفًا فماذا ستصبح أنت! !
وانظر إلى هذا التشبيه البليغ منه ﷺ حين قال ﵊: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ، وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ، إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً» (١).
إنَّ عمليَّة اختيارك لجليسك، أو كتابك، أو قناتك، أو مَن تُتابعهم، وتَدخُل مواقعهم ... هي عملية تكوينٍ لِفِكْرك وشخصيَّتك أنتَ، شئتَ أم أبَيْتَ! !
قال علي ﵁: «الصحبة سارية، والطبيعة سارقة».
стр. 473
خامسًا: الشعور بالظلم:
لا شك أنَّ الشعور بالظلم سببٌ مِن مسبِّبات الخَلَل الفكري، ومِن أعظمِ الظلمِ ظلمُ النفسِ بالإسراف في المعاصي، والتي مِن أعظمِها: الشركُ بالله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١)، ثم ظلمُ الآخرين مِن البشَر، بغمْطهم حقوقَهم وسلبِها، فيُبتلى الظالمُ بنخرةٍ في قلبه، تجرُّه إلى الانحراف، خاصةً إذا لم يَتُبْ ويعطِ الناسَ حقوقَهم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ﴾ (٢)، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإنَّ مَن يَشعر بالظلم مِن البشَر - مهما كان على درجة مِن الصلاح الظاهر - إذا شعر بالضيم يَتعلَّق بقشَّة - إلا مَن رَحِم اللهُ - لأخْذ حقِّه واسترجاعِه، ويرى في نفسه أنَّ كلَّ مَن وقف تجاه الظالم في أيِّ قضيَّة فهو على حق! ! وتجبُ نُصْرتُه حتى لو كان أحيانًا منحرفًا فكريًّا، ومِن ثَمَّ يَنشأ التأثُّر؛ وقد بَيَّن ذلك شيخُ الإسلام ابنُ تيمية.
سادسًا: وسائل الإعلام:
وهذه مِن أخطر الأسباب للانحراف الفكري - وأقصد بها جميع وسائل الإعلام، بما فيها (الإعلام الجديد)؛ إذ من الحقائق الثابتة؛ أنَّ وسائل الإعلام تؤثِّر في الأفراد والمجتمعات، وجميعُ الإعلاميِّين في العالم يُقِرُّون بأنَّ الوظائف الرئيسة التي
стр. 474
تؤدِّيها وسائلُ الاتصال الجماهيرية، وظيفة تكْوين الآراء والاتجاهات لدى الأفراد والجماعات والشعوب.
ولا يَشُكُّ عاقلٌ في أنَّ كل منظومةٍ أو منظمة أو حزب أو جماعة، تُكَرِّسُ أغلبَ جهودِها للدفاع عن فكْرها في تكْوين ترسانةٍ إعلاميَّة ضخمة، تُصْرف عليها أموالٌ طائلة ...
وهذا ما يجب أن يَحذَر الشابُّ منه، خاصة مع التطوُّر الهائل للتقنية الحديثة ... فالعقل اللاواعي للإنسان يُكَوَّن فكرُه مِن خلال رسائل الإعلام الموجَّهة، فيُصبح في يوم من الأيام مسلكًا لتمرير أهدافِ غيرِه ...
وهذا المدخل هو مالم يُحسِن استغلالَه للأسف أصحابُ الفكْر، والتوجُّه السليم أحيانًا، فهم مُنشغلون دائمًا في الدِّفاع دون البناء الأساسي، وإذا كان السلف ﵏ لا يَقبَلون رواية المجاهيل، فكيف تُقبَل رواية وسائل الإعلام الموجَّهة، والمعرِّفات المجهولة؟ والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١).
سابعًا: الإحباط من واقع المسلمين المرير:
فإذا رأى الشابُ واقعَ المسلمين في كثيرٍ مِن بلادهم، وما هم عليه مِن فتنٍ، وقتْل وحربٍ، وتشريدٍ وآلامٍ، وتسلُّطٍ للأعداء ... دَبَّ التحسُّر والألمُ في قلبه، وحُقَّ له ذلك وأصبح للشيطان مدخلًا عليه مِن جهتين:
стр. 475
الأولى: الشك في موعود الله في النصر والتمكين؛ خاصةً إذا صاحبَ ذلك انبهارٌ بحضارة الغرْب المادِّيَّة، وبَريقِها الأخَّاذ، فتبدأ تَتَخَلَّل المبادئَ عنده شيئًا فشيئًا، فيبدأ بقراءةِ فلسفاتهم، كما يَقرأ لِكبار كُتَّابهم في ذلك ... فينحرف انحرافًا فكريًّا، وينتج عنده خللٌ في المقدِّمات والنتائج؛ لأنه نسيَ، أو تناسَى شرْطَ النَّصْر والتمكين؛ ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (١) ... إنه جهلٌ بالسُّنَنِ الشرعيَّة والكونيَّة، وجهلٌ بالتاريخ، وإرضاءٌ للرغبات والأهواء ...
الثانية: وأعني بها الجهة الثانية مِن مداخل الشيطان للشابِّ المسلم إذا رأى واقع المسلمين: الاستعجال بالنصر، ومخالفة السُّنَن الكونية والشرعية في ذلك أيضًا، فتستغلُّه بعضُ المنظَّمات التي تكوَّنت عندها تصوُّرات فكريَّة مُعيَّنة، مِن قِبَل المجتهدين الجهَلة والحمْقى لِتطبيقِ الشريعة، أو المخترِقين لهم مِن أعداءِ الإسلام؛ تحت مُسمَّى الجهاد، وتطبيقِ شرع الله، فيستعجلون النصر، ويُخالِفون السُّنَن الكونيَّة، ثم يأخذ بهم الغُلُوُّ مَبْلَغَه ...
ويقع مثل ما وقع من الجرائم الخطيرة في الأيام الماضية، ويُصبح العالَمُ كلُّه عدُوًّا لهم، فينقلب العالِمُ الشرعيُّ في نظرهم مِن مُوَجِّهٍ إلى عدوٍّ لَدُود، والجنديُّ المجاهدُ إلى مرتدٍّ مُرتَزِق، وتنشأ الفِتَن، وتعمُّ الفوضى، وهذا ما يسعَى إليه أعداءُ شريعة ربِّ العالمين، فهُم بذلك قد اختَصَروا الطريقَ لهم كما بيَّنتُ آنفًا ... ولو أَدرَكوا
стр. 476
فقط أن قيام الدولة الإسلامية في ازدهار عصرها - العصر الذهبي مِن أقاصي شرق الصين شرقًا إلى الأندلس إسبانيا غربًا - تَطلَّبَ وقتًا بَدَأه النبيُّ ﷺ في الدعوة المكِّيَّة ثلاثَ عشرةَ سنَة، ثم عشر سنوات في المدينة، ثم تَمَّ الأمْر بَعد وفاته ﷺ بتِسعِينَ سنةً تقريبًا مِن الإعداد والدعوة والجهاد ... وهو نبيُّ اللهِ ﵊ ... أقول: لو أدركوا ذلك لَعَلِموا أنهم متخبِّطون، ضائعون، مستغَلُّون، وهم لا يشعرون ...
إنَّ الفتح بالدعوة مقدَّم على الفتح بالقتال؛ لسببٍ واضحٍ جدًّا، وهو أنَّ هذا هو ما فعَله النبيُّ ﷺ ، وفي عصرنا الحاضر مجالاتُ الفتح - مِن خلال الدعوة والفكر - أثبتَتْ ذلك.
ثامنًا: انشغال دُعاة أهلِ السُّنَّة والجماعة بالردود، وإغفال جانب البناء ...
الرَّدُّ على المنحرفين فكريًّا وعقديًّا مِن أعظمِ القُرَب، وما ذاك إلا لأنَّ فيه الذَّوْدَ عن حِيَاض الشريعة، والدفاع عنها، بل ومِن الحِكَم أصلًا في مشروعية الجهاد - سواءً كان بالنفس، أو بالمال، أو بالكلمة - هي الدفاع عن دِين الله .
هذه مقدِّمة مُسلَّم بها ... لكنَّ الملاحظ على كثيرٍ مِن الدُّعاة والمربِّين والمعلِّمين للشباب، الاهتمام بهذا الجانب فقط، دون الالتفاتِ إلى البناء والتربية ... والمتأمِّل في سيرة النبي ﷺ يَجِدُ أنَّه يَهتمُّ بالبناء كثيرًا ... ولولا خشية الإطالة لذكرتُ كثيرًا مِن الأمثلة (١).
стр. 477
تاسعًا: عدم اهتمام المحاضِن التربوية الاهتمامَ الكافيَ باستغلال طاقات الشباب:
فالشابُّ الموهوب، صاحبُ الطاقة العالية، إذا لم يجد مناخًا خصبًا لإفراغها، فقد يُفرغها في مجالات منحرفة - خاصةً مع قِلَّة التوجيه - وهذا أمرٌ معروف، وليس عُذْرًا للشابِّ في الانحراف وتبريرًا له، فالشابُّ مكلَّفٌ ومحاسَب، لكن قد يكُون هذا سببًا في انحراف بعضهم ...
إنَّ صرْف الطاقاتِ أمرٌ مهمٌّ، وأخطرُ منه أنْ يتمَّ التوجيه بشكلٍ خاطئ، ثم يَكتَشف الشابُّ أنَّه قضَى جزءًا مِن عمره في تفاهاتٍ، فيُحاوِل التعويضَ عن ذلك بانحراف أخطرَ منه ... كمَن يَصْحو ويَغْفو على تحليل مباريات، أو فنٍّ وتمثيل، ثم يَكتَشِف تفاهةَ مساره، فيُغيرِّه لأخطرَ مِن ذلك، كانحلالٍ فكريٍّ أو سلوكيٍّ ... وبعضُ الشَّرِّ أَهوَنُ مِن بعض لا شك، لكن لو كان إفراغُ الطاقة الشبابية في شيءٍ مُثمرٍ لَمَا وَقع مثلُ هذا الخلل بإذن الله؛ لأن هذا الشاب سيَرضَى، ويَتصَالح مع نفسِه بخلاف الأَوَّل.
عاشرًا: تجاهل وإغفال المرجعيَّات الشرعية والعلماء الربانيِّين:
стр. 478
وهذا ملاحَظٌ؛ فكُلَّما تجاهَلَ الناسُ آراءَ العلماء بأيِّ حجةٍ كانت، أو شبهة أُضْرِمَت - كلما كَثُر الانحراف.
قديمًا طَعَنَ أعداءُ الإسلام في صحابة رسول الله ﷺ نَقَلَةِ الشريعة، وبَثُّوا في الناسِ التهوينَ مِن شأنهم؛ والهدَفُ معروف؛ وهو الطعْن في الدِّين نفسه ... ولمَّا بَرَزَتْ ظاهرةُ الاستشراق كان أوَّلَ مَن طُعِنَ فيه أبو هريرة ﵁، والسببُ واضح، فهو رَوَى أكثرَ مِن خمسة آلافِ حديث ... ويتكرَّر هذا في كل عصر؛ حتى يُطعن في علماء الأمَّة؛ لأنهم هُم حرَّاس الفكْر، والعقيدة الإسلامية، بعد الله ...
ولذا قال ﷺ : «إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ، كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ، أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الهُدَاة» رواه الإمام أحمد (١).
اللهم احفَظنا، وثبِّتْنا وذَرَاريَّنا، ومَن نُحِبُّ! !
* * *
стр. 479
الاعتذار الصادق من شيم الكبار
تربَّى الكثيرُ منَّا على أن الاعتذار ضَعْفٌ وذُلٌّ؛ إذ من تكوين شخصيات أولئك أن الخطأ بعيدٌ عنهم؛ بل حتى إن اكتُشِفَتْ أخطاؤهم وعلِمَ بها الناسُ، ولم تنجح تبريراتُهم أقرُّوا بها، ليس على سبيل الاعتراف بالخطأ؛ بل لإظهار شجاعتِهم الزائفة بكونهم اعتذروا، بغضِّ النظر عن الخطأ ذاته!
تلك فلسفةٌ لا أريد التعمُّق فيها، ما يهمُّني أن يُدرِكَ المسلم أن «كل بني آدم خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائين التوَّابُون» (١)، وأن من التوبة الاعتراف بالخطأ ومحاولة علاجه، وألَّا يكون في الاعتذار هَرَبٌ أو مخالفةٌ أو رياءٌ وسُمْعةٌ، فإن ذلك من أفعال المنافقين: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، فهنا قد اتَّضَح مقصدهم السيئ، ففضَحهم الله وفضح اعتذارهم، فاحذَر القصد السيئ من الاعتذار؛ لأنه قد يُسبِّب لكم فَضْحًا عند الخَلْق لا تُطيقه، عافا الله من ذلك!
стр. 480
كن من أهل الاعتذار الممدوح الذين يزيدهم اعتذارُهم رِفْعةً في الدنيا والآخرة، كما حصل مع نبينا ﷺ في قصَّةٍ ذكَرَها أصحابُ السِّيَر، وفيها أن رسول الله ﷺ عَدل صفوفَ أصحابه يوم بَدْر، وفي يده قدحٌ يُعدِّل به القوم، فمَرَّ بسَواد بن غَزيَّة حليف بني عدي بن النجار، وهو مُسْتَنْتِل من الصَّفِّ، فطعَن رَسُولُ اللهِ في بطنه بالقِدْح، وقال: «اسْتَوِ يا سَوادُ»، فقال: يا رسول الله، أوجعتني وقد بعثَكَ الله بالحَقِّ والعَدْل، فأقِدْني، قال: فكشَف رسول الله ﷺ عن بطنه، وقال: «استَقِدْ»، قال: فاعتنقه فقَبَّل بطنه، فقال: «ما حمَلَكَ على هذا يا سَوادُ؟ » قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردْتُ أن يكون آخِرُ العَهْد بكَ أن يمسَّ جِلْدي جِلْدَكَ! فدعا له رسولُ الله ﷺ بخير» (١).
فانظر كيف لم تمنَع النبي ﷺ مكانتُه وهو القائد، ولم يمنعه ظَرْفُ الحال وهو في معركة من الإقرار على نفسه، ثم محاولة إصلاح الخطأ - بأبي هو وأُمِّي ﷺ - بقوله: «استَقِدْ»! ! يا لها من شِيمةٍ لا تكون إلَّا في كبير!
وأجمل الاعتذار وأهنأه وأروعه، هو الاعتذار لرَبِّ العالمين، والالتجاء إليه، والدعاء بقبول التوبة والمغفرة والرحمة، والستر على الدوام؛ كما قال الله تعالى عن أبينا آدم وأُمِّنا حواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
стр. 481
قال لي صاحبي ذات مرة: في عملي لامني وعاتبني زميلٌ على خطأ ظننْتُ أني ارتكبتُه! فبادرت بالاعتذار له وللزملاء ومحاولة الإصلاح، فتبيَّنَ لي وله فيما بعد أن الخطأ سببه هو! بل هو مصدره كاملًا! ولا علاقة لي به من قريب ولا بعيد، فلم يعتذر ولم يُبادِر كما بادرْتُ قبلَه، قلت له: لا تقلق؛ الاعتذار الصادق من شِيَم الكبار!
* * *
стр. 482
شركات التأمين
بين الفتاوى المجيزة والتطبيق المتلاعب (١)
توطئة:
"الحديث عن الأغلب استقراءً جزئياً قد (للتقليل) يأخذ حكم الأغلب"
في حقبة زمنية ماضية دار نقاش ساخن في الأوساط الفقهية عن حكم التأمين التجاري للمركبات والإلزام به، بين مانعٍ وهم (الجمهور) وبين مجيز وهم فئة غلبوا جانب النظر في المصالح بناءً على واقع معين درسوه! .
ولست بصدد عرض الخلاف والأقوال والأدلة والترجيح .. فهو موجود في مظانّه.
لكن المُلْفِت حقاً أنّ من حماس بعض المجيزين ذلك الوقت أن جعلوا من ضمن حججهم (المُبهرة) دليلاً عاطفياً: أن محدود الدخل أو الفقير مثلاً: - لولا قدر الله - وقع عليه حادث وتحمّل نسبة من الخطأ وكانت الأضرار كبيرة من أين يُوفِي ما عليه؟ هل يسجن ويَتْرك أبناءه؟ ! هكذا استدلوا .. !
ودار الزمن دورته، ودخلت شركات التأمين في السوق، وحتى يهربوا من الخسائر لجئوا إلى أمرين:
стр. 483
أ- ارتفاع أسعار التأمين حوالي سبعة أضعاف ولازالت في طور الارتفاع! هذا في المركبات التي لم يسبق عليها حوادث ..
ب- أما المركبات التي سبق عليها حوادث، فيرتفع السعر حسب الحادث .. فربما وصل إلى عشرين ضعفاً أو أكثر.
همسة: هل ذلك الدليل العاطفي أصبح معتبراً عند من يقول به الآن؟ أليس في آية التوبة غنية عن تلك الحجة المبهرة! ؟ حديث الأشعريين (التعاوني) ألا يمكن تطبيقه نظاماً؟ وكلام ابن عابدين في (السوكرة) ألا يجعل بعض مُفْتِيّ الشركات يعيدوا النظر في بعض الأحوال، أمّا تلاعب الشركات في الأسعار فلا تعليق عليه!
* * *
стр. 484
عندما اتصل يبكي !
جاء يلومني عندما تكلمت عن بر الوالدة، وأغلظتُ القولَ على أولئك الجفاة مع والديهم قائلاً: أنت لم تذق ما ذُقتُه من أمي من مرِّ الكلام عليّ وعلى أبنائي من كلام جارح وعدم احترام، فمرّةً فعلت كذا ومرةً قالت كذا .. ! ومرةً نصرت أختي عليّ .. إلخ من التوافه التي تشغل صغار العقول.
ثم كرر المقولة الخاطئة والخطيرة التي كثيراً ما يردُّ به المنصوح على الناصح: من يده في النار ليس كمن يده في الماء! ! تلك المقولة هي ذاتها التي قالتها المرأة للرسول ﷺ عندما وجدها تبكي عند قبر فقال: «اتقي الله واصبري»، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي ﷺ فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». رواه البخاري (١).
أقول: فلما انتهى من لومه وعتابه لم يدع لي مجالاً للحديث وولّى. حاولت ثنيه ومحاورته فلم أستطع! !
стр. 485
وبعد سُنّيات اتصل يبكي يقول: ماتت والدتي في مكة وأنا ذاهب الآن وأريد أن آخذ لها عمره من أين أحرم؟ وأن أفعل لها وأفعل .. وسوف يصلون عليها في الحرم وأريد كذا وكذا .. ، شعرت وهو يحدثني بكمية الأسى والحزن وكأنّه يقول ليتني كنت بها باراً يوم كانت مريضةً تحتاجني! ! ليتني لم أعاتبها يوماً! ! ليتني وليتني! !
ثم تكرر المشهد مع آخر من نوع آخر ..
في المقبرة يقفز على قبر أبيه يثير غباراً، يحاول بناء اللبن يلتقط أنفاسه يتنهد، يصرخ صارخٌ بجانبه كبير بالسن يا فلان: لقد كان لديك فسحةً لبر والدك عندما كان على قيد الحياة مريضاً يتمنى أنّك تخدمه! ! يتمتم ودموعه على خدّيه تتساقط على بياض عوارضه، كأنّي به يقول: لا تزد حسرتي والله إني نادم أشدّ الندم! !
البر لا ينتهي بالموت نعم! ! فعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا» رواه أبوداود (١).
لكن قد يعاقب الإنسان على ترك بر والديه أو أحدهما بالحياة! والعكس صحيح.
стр. 486
وقد يحس الإنسان بجرمه وعقوقه فيريد أن يقلع ويتوب فلا يستطيع!
ذكر ابن قدامة في كتابه التوابين أنّ الحسن بن علي، ﵄، حدَّث قائلاً: "بينا أنا أطوف مع أبي حول البيت في ليلة ظلماء، وقد رقدت العيون، وهدأت الأصوات، إذ سمع أبي هاتفاً يهتف بصوت حزين شجي وهو يقول:
يا من يجيب دعا المضطر في الظلمِ ... يا كاشف الضر والبلوى مع السقمِ
قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا ... وأنت عينك يا قيوم لم تنمِ
هب لي بجودك فضل العفو عن جرمي ... يا من إليه أشار الخلق في الحرمِ
إن كان عفوك لا يدركه ذو سرف ... فمن يجود على العاصين بالكرمِ؟
قال: فقال أبي: يا بني، أما تسمع صوت النادب لذنبه، المستقيل لربه؟ الحقه فلعل أن تأتيني به، فخرجت أسعى حول البيت أطلبه، فلم أجده حتى انتهيت إلى المقام، وإذا هو قائم يصلي، فقلت: أجب ابن عم رسول الله ﷺ ، فأوجز في صلاته واتبعني، فأتيت أبي، فقلت: هذا الرجل يا أبت، فقال له أبي: ممن الرجل؟ قال: من العرب، قال: وما اسمك؟ قال: منازل بن لاحق، قال: وما شأنك، وما قصتك؟ قال: وما قصة من أسلمته ذنوبه، وأوبقته عيوبه، فهو مرتطم في بحر الخطايا، فقال له أبي: علي ذلك، فاشرح لي خبرك؟ قال: كنت شاباً على اللهو والطرب لا أفيق عنه، وكان لي والد يعظني كثيراً، ويقول: يا بني احذر هفوات الشباب وعثراته، فإن لله سطوات ونقمات، ما هي من الظالمين ببعيد، وكان إذا ألح علي بالموعظة ألححت عليه بالضرب، فلما كان يوم من الأيام ألح علي بالموعظة، فأوجعته ضرباً، فحلف بالله مجتهداً ليأتين بيت الله الحرام، فيتعلق بأستار الكعبة، ويدعو علي، فخرج حتى انتهى إلى البيت، فتعلق بأستار الكعبة، وأنشأ يقول:
стр. 487
يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا ... عرض المهامه من قرب ومن بعدِ
إني أتيتك يا من لا يخيب من ... يدعوه مبتهلا بالواحد الصمدِ
هذا منازل لا يرتد عن عققي ... فخذ بحقي يا رحمنُ من ولدي
وشل منه بحول منك جانبه ... يا من تقدس لم يولد ولم يلدِ
قال: فوالله ما استتم كلامه حتى نزل بي ما ترى، ثم كشف عن شقه الأيمن، فإذا هو يابس، قال: فأبت ورجعت، ولم أزل أترضاه، وأخضع له، وأسأله العفو عني إلى أن أجابني أن يدعو لي في المكان الذي دعا علي، قال: فحملته على ناقة عشراء، وخرجت أقفو أثره حتى إذا صرنا بوادي الأراك طار طائر من شجرة، فنفرت الناقة، فرمت به بين أحجار، فرضخت رأسه، فمات فدفنته هناك، وأقبلت آيساً، وأعظم ما بي ما ألقاه من التعيير، أني لا أعرف إلا بالمأخوذ بعقوق والديه، فقال له أبي: أبشر فقد أتاك الغوث، فصلى ركعتين، ثم أمره، فكشف عن شقه بيده، ودعا له مرات يرددهن، فعاد صحيحاً كما كان، وقال له أبي: لولا أنه قد كان سبقت إليك من أبيك في الدعاء لك بحيث دعا عليك لما دعوت لك.
قال الحسن: " وكان أبي يقول لنا: احذروا دعاء الوالدين، فإن في دعائهما النماء والانجبار، والاستئصال والبوار".
إي والله ذلك في دعائهما على الولد، أمّا دعاؤهما للولد ففيه الفوز والنجاح والسعادة والتوفيق في الدنيا والآخرة.
كان أبو هريرة ﵁ كلما أراد أن يدخل أو يخرج من دار أمه وقف على بابها فقال: "السلام عليك -يا أمتاه- ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك -يا بني- ورحمة
стр. 488
الله وبركاته، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا، فتقول: ورحمك الله كما سررتني كبيرًا" (١).
وثبت عند أحمد وغيره عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ ! فَقَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ» (٢).
وأمّا أويس القرني؟ ! فقد أنبأ النبي ﷺ بقدومه، ونوّه ببره بأمه، وقال لعمر ﵁ كما في صحيح مسلم: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن، له والدةٌ هو بارٌّ بها، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» (٣).
وهذا حيوة بن شريح، من أئمة الدنيا، يقعد في حلقته ويأتيه الطلاب من كل مكان، فتقول له أمه -وهو بين طلابه-: "قم -يا حيوة- فأعلف الدجاج، فيقوم ويترك التعليم".
فأين نحن من أولئك والله المستعان.
* * *
стр. 489
الثقافة العكسية للأنظمة الجنائية
من المعلوم أن النظام أو القانون غير الإجراء واللوائح؛ فالنظام أو القانون يكاد يتَّفِق الشُّرَّاحُ بوجهٍ عامٍّ على أنَّه مجموعة القواعد الملزمة، المنظمة لسلوك الأفراد في المجتمع (١)، وحتى يكون النظام موافِقًا للشريعة الإسلامية فيُصبِح مفهومه: "مجموعة القواعد العامة والمجرَّدة التي تُنظِّم سلوك الأفراد والجماعات، ويُلزَمُون بها ولو بالقوة عند الاقتضاء في مجالات مُحدَّدة يضعُها وليُّ الأمر بالدولة المسلمة بما لا يُخالِف الشريعة في شيء".
أمَّا الإجراء فهو وسيلة لتحقيق تلك الأنظمة والقوانين - إن صحَّ التعبيرُ - تُوضَع من صاحب السُّلْطة حسب المصلحة العامة، وأمَّا اللوائح فهي لا تعدو كونها شرحًا أو تفسيرًا لتلك الأنظمة.
وما يُقصَد هنا هو ذات الأنظمة والقواعد التي تشتمل على أحكام مُقرَّرة، وخُصَّت الجنائية لكونها تختصُّ بالعقوبات التي تضبط مسيرة الناس في مجتمعاتهم.
وفي مجال تلك الأحكام قرَّر ابن القيم أنَّ: "الأحكام نوعان: نوع لا يتغيَّر عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة؛
стр. 490
كوجوب الواجبات، وتحريم المحرَّمات، والحدود المقدَّرة بالشَّرْع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرَّقُ إليه تغييرٌ ولا اجتهاد يخالف ما وُضِعَ عليه، والنوع الثاني: ما يتغيَّر بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها؛ فإن الشارع يُنوِّع فيها بحسب المصلحة" (١).
فكثيرٌ من الجرائم والمخالفات والجُنَح دون الحُدُود، تدخُل تحت النوع الثاني، فيُرجَع فيها إلى المصلحة والعُرْف؛ فلذلك كان فقه الشريعة صالحًا لكل زمان ومكان، بل قبل ذلك لربانيَّة مصدره، وعندما يحاول المسؤول سَنَّ نظامٍ مُعيَّنٍ من النوع الثاني أيًّا كان فيُحدِّده، عندها سيجد صعوبةً في ذلك؛ حيث إن الوقائع والأزمنة والأمكنة تختلف! فيكثُر الانتقاد وتوجد الثغرات فيه! ولربما صار هدفُه عكسَ ما وُضِع لأجله، فيعالج أمرًا ويظهر آخر.
صحيحٌ أنَّ هناك ضوابطَ يعرفُها المختصُّون ربما تُخفِّف هذه القضية؛ لكن كُلَّما جُعِلت الواقعة للحاكم أو القاضي نفسه يَحكُم فيها بما يتناسب مع المكان والزمان، كان ذلك أدعى للعدل وأضبط للمجتمع، ولو حصل خلَلٌ أو تبايُنٌ في الأحكام، فالخَلَلُ في تقدير القاضي نفسه، وليس الحل بإنشاء نظامٍ جديد؛ بل الحل في تدقيق الجهة القضائية الاستئنافية للحكم وتقدير العقوبة، وهنا تنتهي القضية، أمَّا لو أُنشئ نظامٌ جديدٌ، فسيحصُل نفس الخَلَل وتكثُر وتترهَّل الأنظمة، بخلاف الآخر، فحتمًا سيجد الجاني عقوبته، ولن يجد ثغراتٍ تُخفِّفُها أو تزيلها عنه.
стр. 491
إذًا فليس من السليم من وجهة نظري كثرة المناداة بسنِّ أنظمة جنائية جديدة، فكُلُّها موجودة في الفقه الإسلامي، ويبقى جهد القاضي - أعانه الله - وما فُتِح له بتقدير العقوبات التي تتناسب مع مكانه وزمانه، وحال القضية ذاتها عكس الإجراءات، فهي التي تتطوَّر مع الوسائل الحديثة، وتُسهِّل للوصول للحُكْم.
* * *
стр. 492
كيف تخطط لحياتك ؟
بنيَّ، حياتك ووقتك هي من أغلى ما تملك، وإذا لم تستدركه وتستغله فأنت لا مشروع لك ولا هدف، ومن لا مشروع له ولا هدف ولا رسالة فبالتأكيد يستخدمه الآخرون لأهدافهم، وسيأتي يوم تُسأل فيه عن عمرك فيما أفنيته، نعم لا مانع أن تكون مؤثراً لصناعة أهداف غيرك إذا كانت نبيلة، لكن الأفضل والأنبل أن تصنع مشروعك وأهدافك أنت بنفسك فأنت لم تخلق عبثاً ..
ما أروعك حينما تضع لك خطة حياة علمية فتعصم بإذن الله من الشبهات، وتضع خطة حياة تعبدية فتُعصم بإذن الله من الشهوات، وتضع خطة حياة مادية فتُعصم بإذن الله من الفقر والذلة، واجتماعية وهكذا ..
والآن كيف تخطط لحياتك؟
هاك هذه الطريقة السهلة بإذن الله ..
(١) - قبل كل شيء استعن بالله وتوكل عليه ثم أحضر كراسة وقلماً ..
واعلم أن التخطيط بدون كتابة ووضوح وهدوء لا تستفيد منه بل يبقى مجرد أمنيات ..
(٢) - يفضل في البداية أن تكتب رسالتك في الحياة، وتكون عامة بحيث أغلب الأهداف التي ستضعها ستصب فيها ..
стр. 493
واعلم أن من يصنعها هو أنت لا تتقمص من الآخرين ..
مثال على الرسالة: رسالتي في الحياة أن أكون مؤثراً في الفكر الإسلامي، وأخدم شباب مجتمعي من الانحراف العقدي والفكري ..
مثال آخر: أن أكون داعيةً إلى الله .. أو مثلاً أن أكون اقتصادياً مؤثرا أساهم في خدمة مجتمعي .. إلخ
(٣) - بعد ذلك ابدأ في صناعة الأهداف .. باختصار الهدف لابد أن يكون واضحاً محدداً بوقت، لا يمنع أن يكون صعباً لكن غير مستحيل بمعنى ممكن الوقوع ..
(٤) - نوّع في أهدافك، مثال: هدف بالعبادة حفظ القران الكريم خلال كذا .. هدف مادي: يكون عندي سيارة خلال كذا، هدف اجتماعي ... إلخ
(٥) - وهكذا اكتب أمنياتك على شكل أهداف محددة وواضحة ونوّع فيها، ولا تزد على ثمانية أو عشرة حتى لا تصاب بإحباط، وتختلط الأمور وتكثر عليك ..
(٦) - واحرص حينما تكتب أهدافك أن تكون لوحدك صاف الذهن، هادئ غير منشغل بشيء، في مكان محبب إليك، مستشعرا أن الله تعالى لا يرد سائلا ولا يخيب رجاءً ..
(٧) - إذا كتبت أهدافك ضع كل هدف في صفحة مستقلة، ثم حدد زمن الوقوع المتحقق بإذن الله واكتب التاريخ، ثم قسم الزمن المحدد إلى مراحل لتحقيق الهدف ..
(٨) - إذا قسمت المراحل ضعها على شكل أهداف صغرى داخل الهدف الأعلى الذي تريد تحقيقه ثم ضع خانه لما تحقق من هذه الأهداف الصغرى، وتابعها بشكل دوري تحت مسمى ما تم إنجازه ..
стр. 494
(٩) - بعد ذلك رتب أيام الأسبوع على حسب مراحل الأهداف عندك، فتكون بعده في كل يوم تتابع مشروعاً أو هدفاً عندك ...
وأخيراً: التوكل والتفاؤل والدعاء من المبادئ المهمة لإنجاح خطتك ومشروعك في الحياة.
وفقك الله وأسعدك.
* * *