← Джавами‘

Джавами‘ · id 151152

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى

صغير بن محمد الصغير

Полный текст (494 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عموماً: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وفضل الله واسع، وتُذْكر مثل هذه لشحذ الهمم .. " إضاءة قنديل: " فرصتك! أيها المذنب المفرط الظالم لنفسه - وكلنا ذاك المقصر- فرصتك اسكب عبراتك، ورتّب أوراقك، فأنت على أبواب شهر الغفران! " إضاءة قنديل: " يسأل عن الغبار هل يفطر؟ ! وصحفه مليئة بالغيبة والنميمة، والنظر والسماع المحرم، والنوم وترك الصلاة في نهار رمضان! ! ! " إضاءة قنديل: إذَا هَبَّتْ رِياحكُ فاغتنمها * * * فَعُقْبَى كُلّ خَافِقَةٍ سكونُ وَلا تَغْفلْ عَنِ الإحسان فِيهَا * * * فَلا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ إضاءة قنديل: " إذا أرادَ الله بعبده خيرًا، فَتَحَ له أبوابَ التوبة والندم، والانكسار والذل، والافتِقار، والاستعانة به، وصِدْق اللجوء إليه، ودوام التضرُّع والدعاء والتقرُّب إليه بما أمكنَ من الحسنات." ابن القيم. إضاءة قنديل: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» متفق عليه (١).

стр. 422

إضاءة قنديل: "رمضان .. ها هو طرق بابك .. تهيأ للعبادة .. تجاوز .. اكظم .. انس الخلافات. أحسن الظن .. تذكر العمر قصير. لا تضيعه بترهات لن تنفعك". إضاءة قنديل: «إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» رواه أحمد وصححه الألباني (١). اللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه واستعملنا في طاعتك يا رب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. * * *

стр. 423

كيف يغيّر الشكر اليومي حياتك ؟ نِعَمٌ تتوالى علينا بحمد الله .. وقد أصيب أقوامٌ بالخوف والقلق والقتال، نِعَمٌ وأرزاقٌ تأتينا رغدًا من كل مكان وإخوانٌ لنا لا يجدون لقمة العيش إلا بتعب وعناء، وربما ماتوا من الجوع والإقلال، وإن لم يكن فالقتال وتسلط الضُّلال. فالحمد لله على نعمة التوحيد والحمد لله على نعمة الأمن والإيمان والرزق والصحة. كثيراً ما يتحدث علماء التنمية البشرية عن أنّ: ممارسة عبادة الحمد والشكر لله في الحياة اليومية له تأثير عجيب يبعث طمأنينة وسعادة وسكينة وتوفيقاً (١)، والحقيقة أنّ الكتاب والسنة سبقتهم في ذلك، بل الأمر أعم وأشمل من هذا، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢).

стр. 424

فالشكر يزيد النعم .. كما أن الكفر يذهبها، هكذا كانت نصوص المفسرين إنها صريحة الدلالة ... إنها عامة .. إن الزيادة في كل شيء .. في الصحة ... في المال .. في الجاه .. في النصر .. في العز والرفعة .. في كل شيء. قال ابن القيم: "قرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به فقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (١) .. إلى أن قال: وعلق سبحانه المزيد بالشكر، والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره" ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢) (٣) انتهى كلامه. كثيرةٌ هي آيات الشكر في القرآن تزيد على الخمسين آية، ويكفي أن الله تعالى وصف العظماء من خلقه بأنهم من الشاكرين، فنوح ﵇: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (٤).

стр. 425

وإبراهيم ﵇: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). وأوصى الله موسى ﵇ بقوله: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢). ومحمد ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه قالت عَائِشَةَ ﵂: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» (٣). أيها الأخ المبارك: بعد المحافظة على الفرائض والواجبات تكون ممارسة الشكر اليومية بما يلي: : أولاً: أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وأذكار النوم: والتي منها التسبيح بحمد الله، كما جاء في حديث جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ أم المؤمنين ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ » قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،

стр. 426

لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١). ومنها ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (٢). ومنها كذلك ما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ» (٣). ثالثاً: الصدقة اليومية ولو بشكل يسير: والأصل في ذلك ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (٤). ثالثاً: صلاة الضحى:

стр. 427

عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» متفق عليه (١). رابعاً: الشكر عند ممارسة النعم: كالأكل والشرب واللبس ونحو ذلك .. فعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». قَالَ: وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي، وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (٢). وأما سجود الشكر: فيكون عند تجدد نعمة أو حدوثها كان النَّبِيِّ ﷺ «كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ سَاجِدًا، شُكْرًا لِلَّهِ ﵎» (٣). يقول الإمام البهوتي الحنبلي: "وَتُسْتَحَبُّ سَجْدَةُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ ظَاهِرَةٍ عَامَّتَيْنِ لَهُ وَلِلنَّاسِ أَوْ فِي أَمْرٍ يَخُصُّهُ نَصًّا كَتَجَدُّدِ وَلَدٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ نُصْرَةٍ عَلَى عَدُوٍّ ..

стр. 428

وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ فِي النِّعْمَةِ الظُّهُورُ فَنِعَمُ اللَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا تُحْصَى وَالْعُقَلَاءُ يُهَنِّئُونَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَارِضِ وَلَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ " (١) انتهى كلامه. خامساً: الشكر المطلق في أي وقت: إذ كما أنّ الشكر يكون عند تناول النعم، فيكون أيضاً في أي حال وأي وقت قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢). سادساً: شكر من أسدى لك خدمةً أو معروفاً من الناس: فقد روى الترمذي عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» (٣). وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ، لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ» (٤). سابعاً: المحافظة على النعم: بعدم كفرها ومن كفرها عدم شكرها ضد الاسراف ..

стр. 429

قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١)، فلا تأخذ ما هو زائد عن حاجتك، وإن فضل شيء فأعطه من هو محتاج وإياك ورميها فقد تضيع منك وقت ماتكون أشد حاجةً إليها، ومن أخطر كفران النعم ارتكاب ما يغضب الله تعالى إذ كيف ينعم عليك وأنت تعصيه! ! وهذا مؤذن بزوال النعمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٢). وأخيراً تذكر أن الشكر كما يقول ابن القيم: "أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْقَلْبِ خُضُوعًا وَاسْتِكَانَةً، وَبِاللِّسَانِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَبِالْجَوَارِحِ طَاعَةً وَانْقِيَادًا" (٣) انتهى كلامه. هذه النقاط إذا مارستها بشكلٍ يومي أخي الكريم وحافظت عليها، فستجد أن حياتك الدنيوية تغيّرت تغيّراً جذرياً نحو الأفضل وكنت من الله أقرب وفزت برضوانه، ولقد قام بعض الأطباء بتجارب كثيرة لدراسة تأثير الشكر على الدماغ ونظام المناعة والعمليات الدقيقة في العقل الباطن، ووجدوا أن للشكر تأثيراً محفزاً لطاقة الدماغ الإيجابية، مما يساعد الإنسان على مزيد من الإبداع وإنجاز الأعمال الجديدة. كما تؤكد بعض الدراسات أن الامتنان للآخرين وممارسة الشكر والإحساس الدائم بفضل الله تعالى يزيد من قدرة النظام المناعي للجسم!

стр. 430

يقوم الدكتور Robert Emmon وفريق البحث في جامعة كاليفورنيا بدراسة الفوائد الصحية للشكر، وقد وجد بنتيجة تجاربه على الطلاب أن الشكر يؤدي إلى السعادة، وإلى استقرار الحالة العاطفية وإلى صحة نفسية وجسدية أفضل. فالطلاب الذين يمارسون الشكر كانوا أكثر تفاؤلاً وأكثر تمتعاً بالحياة ومناعتهم أفضل ضد الأمراض، وحتى إن مستوى النوم لديهم أفضل (١)، أسعدك الله وجعلك من أوليائه، والحمد لله أولاً وآخرا. * * *

стр. 431

موضة إنكار الأحاديث الصحيحة ! في مثل هذا الزمن العجيب لا يعلم المرء من أين يبدأ ولا كيف يبدأ؟ وهو يسمع بعض الجهلة المتعالمين يقذف بالكفريات، ويتطاول بالاعتداء على الشريعة المحمدية، وعلى جنابه ﷺ ، إي والله يردّ أحاديث في الصحاح بحجة أوهى من بيت العنكبوت زاعماً أنّ عقله لم يقبلها! ! وهذا أصلٌ عند كل مبتدع في العقائد أو ملوثٍ في الفكر .. فتجد المفتون بمثل هذا يقدّس عقله بجرأة بالغة .. ويضرب بنصوص الكتاب أو السنّة عرض الحائط .. ونسي هذا المخلوق الضعيف أنّ النصوص (منزلة) من خالق العقل فيا لِسخف عقول بعض بني آدم! ! ولعلّ من أوضح الأمثلة في العصور الماضية على ذلك ما رواه عبيد الله بن معاذ عن أبيه أنّه سمع عمرو بن عبيد - إمام المعتزلة- يقول وذكر حديث الصادق المصدوق: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك .... إلخ الحديث (١).

стр. 432

قال المعتزلي: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته! ! ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته! ! ولو سمعت ابن مسعود يقول هذا لما قبلته! ! ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته! ! ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا! ! (١) .. فانظر - رعاك الله - كيف قاده عقله إلى فكر الزندقة لمجرد رد عقله لنصوص غيبية من الوحي! ! ؟ .. وانظر كيف دار الزمان وأثبت الطب مصداق حديث الصادق المصدوق ﷺ وبقيت الحسرة على من كذب الوحي وردّه لمجرد مخالفة العقل! ! ؟ وأمّا الأمثلة في عصرنا فحدّث ولا حرج من أقوامٍ لا يأتون قيد أنملة من علم المعتزلي أبي عبيد! ! فيا هذا إن كنت تؤمن فعلاً بربوبية الله تعالى وألولهيته وأسمائه وصفاته، وأنّه قد بعث محمد بن عبدالله ﷺ رسولاً ونبياً، فاعلم إذاً أنّ الله تعالى قد أوجب عليك التسليم التام لكلام النبي ﷺ وحديثه وحكمه وطاعته، ألم يقل الله تعالى في كتابه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)، وقال في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣)، وقال جل

стр. 433

ثناؤه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣)، فهذه الآيات وغيرها جعلت طاعة الرسول ﷺ طاعة لله ومتممة لها، وأناطت الهدى والرشاد والرحمة باتباع سنته وهديه ﷺ ، ولا يكون ذلك مع عدم العمل بها وإنكارها والقول بعدم صحتها (٤). حتى لقد أقسم بنفسه سبحانه أن من سمع كلام النبي ﷺ ثم رده ولم يقبله: أنه ليس من الإيمان في شيء، ف قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥). قال الإمام إسحاق بن راهويه: "من بلغه عن رسول الله ﷺ خبرٌ يُقرُّ بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر"، وقال السيوطي: "اعلموا رحمكم الله أنَّ مَن أنكر كون حديث النبي ﷺ قولاُ كان أو فعلاُ بشرطه المعروف في الأصول حجة

стр. 434

كفر، وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو من شاء من فرق الكفرة "ـ (١). جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة": "السنة هي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية بعد القرآن، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣)، وقد أجمع المسلمون على وجوب العمل بالسنة، أما الذي ينكر العمل بالسنة فيكون كافراً، لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين" (٤). هذا وإن بعض من فُتِن بمثل هذا البلاء - نسأل الله العافية - يشكك بنقل الأحاديث الصحاح وكيف وصلت إلينا؟ فأقول اعلم أن الله تعالى كما تكفل بحفظ القران الكريم فقد تكفل بحفظ السنة النبوية فكلاهما دين وشرع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٥)، قال الإمام ابن حزم الظاهري: "فأخبر تعالى أن كلام نبيه ﷺ كله وحي، والوحي بلا خلاف ذكر، والذكرُ محفوظ بنص القرآن، فصح بذلك أن كلامَه ﷺ كلُّه محفوظ بحفظ الله ، مضمونٌ لنا أنه لا يضيع منه شيء، إذ ما

стр. 435

حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله" (١). قال ابن القَيِّم: "فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدِّينِ كُلِّهِ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلُّ وَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ ذِكْرٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٢) فَالْكِتَابُ: الْقُرْآنُ، وَالْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (٣)، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُوتِيَ السُّنَّةَ كَمَا أُوتِيَ الْكِتَابَ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَمِنَ حِفْظَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ؛ لِيُقِيمَ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَى الْعِبَادِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ" (٤). ولذا فقد بدأ تدوين الأحاديث وكتابتها بمرحلة مبكرة منذ عصر النبي ﷺ ، فبعد ما منع النبي ﷺ كتابة الأحاديث خشية أن تلتبس مع القران الكريم، أمر بتدوينها لمّا أُمن ذلك اللبس فعن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ،

стр. 436

فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ» (١). وفي حجَّة الوداع عندما خطب رسول الله ﷺ خطبته الجامعة قال أبو شاه - رجل من اليمن - اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» (٢)، وهكذا كان العلماء يكتبون الأحاديث ويحفظونها في صدورهم وكتبهم إلى أن انتشرت بحمد الله، وقد سخر الله تعالى مناهج في الكتابة والحفظ حتى لا تختلط الأمور. قال الحافظ ابن رجب: "فأقامَ اللهُ تعالى لحفظِ السُّنَّةِ أقواماً ميَّزوا ما دخلَ فيها من الكذبِ والوهم والغلطِ، وضبطُوا ذلكَ غايةَ الضبطِ، وحفظوه أشدَّ الحفظِ" (٣). فالعلماء لا يكتبون ولا ينقلون الأحاديث هكذا جزافاً أو اعتباطاً، ولا يحكمون بصحتها وضعفها بمجرد أهوائهم كما يظن أولئك المفتونون، إنّ لحكم صحة الحديث عندهم شروطاً وضوابط لا توجد عند أي مذهب أو ملة أو نحلة، ولا يتقنها إلا خبير بارع بها أمضى عمره في دراستها، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً -كما يقول الشافعي، منها: أن يكون من حَدَّثَ به ثقةً في دينه،

стр. 437

معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى، لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى حرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يُخاف فيه إحالته الحديث، حافظاً إذا حدّث به من حفظه، حافظاً لكتابه إذا حدث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، بَرِيًّا من أن يكون مدلساً يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ ، ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولاً إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه" (١). وهكذا وصلت إلينا الأحاديث النبوية مُنقَّاةً محفوظة بحفظ الله لها ثم بجهود رجال مخلصين صادقين فهي ليست حوادث تاريخية نقلت برواياتٍ عابرة، ومن المفارقات العجيبة أن تجد بعضاً من أولئك المنكرين للصحاح عندما يمر بصنم أو معلم تاريخي في بعض البلدان كُتب عليه أنه من عهد كذا وكذا يقف مستلماً مصدقاً مشدوهاً من غير أي إثبات صحة وضعف، أمّا إذا تعلق الأمر بالحديث النبوي الصحيح من محمد ﷺ وبدينه أنكره لمجرد أنه خالف هواه وعقله! . فاللهم إنا نعوذ بك أن نفتن في ديننا. * * *

стр. 438

من تدابير الخالق (إنّ لهذه العقرب لشأنا) قال ابن باكويه: وحدثنا بكران بن أحمد قال: سَمِعْتُ يوسف بن الحسين يقولُ: كنت مع ذي النون المصري على شاطئ غدير، فنظرت إلى عقرب أعظم ما يكون على شط الغدير واقفة فإذا بضفدع قد خرجت من الغدير فركبتها العقرب فجعلت الضفدع تسبح حتى عبرت. فقال ذو النون: إن لهذه العقرب لشأنا فامض بنا فجعلنا نقفوا أثرها فإذا رجل نائم سكران، وإذا حية قد جاءت فصعدت من ناحية سرته إلى صدره وهي تطلب أذنه فاستحكمت العقرب من الحية فضربتها فانقلبت وانفسخت. ورجعت العقرب إلى الغدير فجاءت الضفدع فركبتها فعبرت. فحرك ذو النون الرجل النائم ففتح عينيه فقال: يا فتى! انظر مما نجاك الله: هذه العقرب جاءت فقتلت هذه الحية التي أرادتك. ثم أنشأ ذو النون يقول: يا غافلا والجليل يحرسه ... من كل سوء يدب في الظلم كيف تنام العيون عن ملك ... تأتيه منه فوائد النعم

стр. 439

فنهض الشاب وقال: إلهي! هذا فعلك بمن عصاك فكيف رفقك بمن يطيعك؟ ثم ولى فقلت: إلى أين؟ قال: إلى البادية والله لا عدت إلى المدن أبدا! (١) وروي أنَّ امرأة دخلت على داود ﵇ فقالت: يا نبيَّ الله، ربك ظالم أم عادل؟ ! فقال داود: ويحك يا امرأة! هو العدل الذي لا يجور، ثم قال لها: ما قصتك؟ قالت: إني امرأة أرملة، عندي عيال وثلاث بنات أقوم عليهم من عمل يدي، فلما كان الأمس شددتُ غزلي في خرقة حمراء، وأردت أن أذهب للسوق لأبيعه وأبلغ به أطفالي، فإذا أنا بطائر قد انقضَّ عليَّ وأخذ الخرقة والغزْل وذهب، وبقيتُ حزينة لا أملك شيئًا أبلغ به أطفالي، فبينما المرأة مع داود ﵇ في الكلام وإذا بالباب يطرق على داود، فأذِن بالدخول، وإذا بعشرة من التجار كل واحد بيده مئة دينار، قالوا: يا نبي الله، أعطها لمستحقها، فقال داود: ما حملكم على دفْع هذا المال؟ قالوا: يا نبيَّ الله، كنا في مركب فهاجت علينا الرِّيح، وأشرفنا على الغرق، فإذا بطائر قد ألقى علينا خِرقةً حمراء وفيها غزل، فسدَدْنا به عيب المركب، فهانت علينا الريح، وانسدَّ العيب، ونذرنا لله أن يتصدَّق كل واحد منا بمئة دينار، فهذا المال بين يديك، فتصدق به على من أردتَ، فالتفت داود إلى المرأة، وقال: "ربٌّ يتَّجر لك في البَرِّ والبحر، وتجعلينه ظالمًا؟ ! وأعطاها مئة دينار، وقال لها: أنفقيها على عِيالك" (٢).

стр. 440

ما يحصل من أمور في هذا الكون فهي من تدابير الخالق، فلا تقلق ولا تيأس وتفاءل، وتوكل عليه سبحانه فهو أرحم بنا من أمهاتنا وآبائنا، فربَّ محنة تحمل بين طياتها منحاً عظيمة، فهو سبحانه من ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ القدري والأمر الشرعي، الجميع هو المتفرد بتدبيره، نازلة تلك التدابير من عند المليك القدير ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ﴾ فَيُسْعِدُ بها ويُشْقِي، ويُغْنِي ويُفْقِرُ، ويُعِزُّ، ويُذِلُّ، ويُكرِمُ، ويُهِينُ، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين، ويُنزل الأرزاق. ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي: الأمر ينزل من عنده، ويعرج إليه ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١)، وهو يعرج إليه، ويصله في لحظة. ﴿ذَلِكَ﴾ الذي خلق تلك المخلوقات العظيمة، الذي استوى على العرش العظيم، وانفرد بالتدابير، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فبسعة علمه، وكمال عزته، وعموم رحمته، أوجدها، وأودع فيها، من المنافع ما أودع، ولم يعسر عليه تدبيرها (٢). قال ﷺ : «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (٣).

стр. 441

وتأمل قول الله تعالى: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ (١)، قال ابن كثير: على كل تقدير، فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم، ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: ندامة، حيث لم تجد شيئا، لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومعلن كلمته، ومظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم، رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات، فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي (٢). أبعد هذا أيمكن لك أن تحزن! * * *

стр. 442

مصابيحُ قُرطُبيَّة (١) حول القرطبي وقرطبة والكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، رب يسِّر وأعن وبارك يا كريم، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعه .. وبعد: فهذه سلسلة كلمات مختصرات في تفسير آيات الأحكام وتدبر بعض الآيات مقتبسةٌ غالباً من الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمن من السنة وأحكام الفرقان، المشهور بـ "تفسير القرطبي" للإمام أبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. أركز فيها على الفوائد العقدية، والأحكام الفقهية المستنبطة مع اللفتات التدبرية، نسأل الله الإخلاص والتوفيق. أولاً: حول المؤلف (القرطبي): هو الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، فقيه مفسر عالم باللغة وُلد في مدينة قرطبة بالأندلس، وقد رحل بعد سقوطها إلى الإسكندرية، ثم إلى صعيد مصر حيث استقر فيه، كان القرطبي عالمًا كبيرًا منقطعًا إلى العلم منصرفًا عن الدنيا، فترك ثروة

стр. 443

علمية تقدر بثلاثة عشر كتابًا ما بين مطبوع ومخطوط، أبرزها تفسيره الكبير الجامع لأحكام القرآن الكريم الذي بين أيدينا نقتبس منه، والتذكرة بأحوال الموتى، أحوال الآخرة، التذكار في أفضل الأذكار، التقريب لكتاب التمهيد. توفي القرطبي ودفن في صعيد مصر ليلة الإثنين التاسع من شهر شوال سنة ٦٧١ هـ. وقبره الآن بالمنيا بشرق النيل، غفر الله له، يا الله وكم من خالدٍ عبر السنين خلّد الله ذكره بسبب علمه الذي يُنتفع به لمّا كان خالصاً. ثانياً: حول قرطبة: قرطبة: قال عنها ياقوت الحموي: قُرطبة - بضم أوله، وسكون ثانيه، وضم الطاء المهملة، وباء موحدة -: مدينة عظيمة بالأندلس، وكانت سريرًا لملكها وقصبتها، وبها كانت ملوك أمية، وبينها وبين البحر خمسة أيام (١)، وهي الآن: مدينة كوردو، واقعة على نهر الوادي الكبير، وتقع على بُعد ١٣٨ كلم شمالي شرق (٢). وقرطبة أيام حكم المسلمين لأسبانيا من أشهر حواضر المسلمين ومدنهم، ذكرها الكثير من المؤرخين العرب في كتاباتهم ومنهم ياقوت الحموي، حيث كانت قرطبة في عهد عبد الرحمن الثالث الأموي عاصمة لدولة الأندلس، ويستضيء الماشي

стр. 444

بسراجها من على بعد عشرة أميال، وبلغ عدد سكانها حوالي المليون نسمة بينما كانت أكبر مدينة في أوروبا لا يزيد سكانها عن ربع مليون نسمة، وبلغ عدد قصورها ثمانون ألفا، غير البيوت والمنازل الأخرى، وكان فيها مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، وتحتوي المدينة على خمسين مستشفى، وفيها ستمائة مسجد ومن أهم مساجدها مسجد قرطبة، والذي لم يوجد له مثيل أو نظير في الفخامة والزخرفة وروعة البنيان! ! وأمّا جامعها المشهور بجامع قرطبة ففي عهد عبد الرحمن الداخل بدأ العمل عليه ولا زال قائماً في المدينة اليوم، واستمر الحكم بيد الأمويين من سلالة عبد الرحمن الداخل في تلك الفترة (١). قال الحموي: إلى حدود سنة ٤٤٠ هـ فإنه انقضت مدة الأمويين وابن أبي عامر وظهر المتغلبون بالأندلس وقويت شوكة بني عبّاد وغيرهم، واستولى كلّ أمير على ناحية، وخلت قرطبة من سلطان يرجع إلى أمره وصار كل من قويت يده عمرت مدينته، وخربت قرطبة بالجور عليها، فعمّرت إشبيلية ببني عباد عمارة صارت بها سرير ملك الأندلس، فهي إلى الآن على ذلك من العمارة، وخربت قرطبة وصارت كإحدى المدن المتوسطة، وقد رثوها فأكثروا فيها، وممن تشوّق إليها القاضي محمد بن أبي عيسى بن يحيى الليثي قاضي الجماعة بقرطبة فقال فيها:

стр. 445

ويلُ امِّ ذكراي من ورق مغرّدة ... على قضيب بذات الجزع ميّاس رددن شجوا شجا قلبي الخلّي فقل ... في شجو ذي غربة ناء عن الناس ذكّرنه الزمن الماضي بقرطبة ... بين الأحبّة في لهو وإيناس هجن الصبابة لولا همّة شرفت ... فصيّرت قلبه كالجندل القاسي (١) يا ترى هل ستعود قرطبة؟ الأمل بالله كبير .. اللهم عودةً صادقة لأمةِ محمد ﷺ . ثالثاً: حول الكتاب (تفسير القرطبي): قال: "فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع الذى استقل بالسُّنَّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ فيه منتي، بأن أكتب فيه تعليقاً وجيزاً يتضمن نكتاً من التفسير، واللُّغات، والإِعراب، والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعاً بين معانيها، ومبيناً ما أشكل منها بأقاويل السَلَف ومَن تبعهم من الخَلَف .. وشرطي في هذا الكتاب: إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يُضاف الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يُضاف القول إلى قائله، وكثيراً ما يجئ الحديث في كتاب الفقه والتفسير مبهماً، لا يعرف من

стр. 446

أخرجه إلا مَن اطلع على كتب الحديث، فيبقى مَن لا خبرة له بذلك حائراً لا يعرف الصحيح من السقيم، ومعرفة ذلك علم جسيم، فلا يُقبل منه الاحتجاج به ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى مَن خرَّجه من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام، ونحن نشير إلى جُمَل من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. وأُضرب عن كثير من قصص المفسِّرين، وأخبار المؤرخين، إلا ما لا بد منه، وما لا غنى عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تُفسِّر عن معناها، وتُرشد الطالب إلى مقتضاها، فضمنت كل آية تتضمن حكماً أو حكمين فما زاد مسائل أُبيِّن فيها ما تحتوى عليه من أسباب النزول، والتفسير، والغريب، والحكم، فإن لم تتضمن حكماً ذكرتُ ما فيها من التفسير والتأويل ... وهكذا إلى آخر الكتاب، وسميته بـ "الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السُّنَّة وأحكام الفرقان ... ". كانت تلك كلمات الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره. ووصف العلامة ابن فرحون هذا التفسير فقال: "هو من أجَلِّ التفاسير وأعظمها نفعاً، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ" (١). والذي يقرأ في هذا التفسير يجد أن القرطبي قد وفَّى بما شرط على نفسه في هذا التفسير، فهو يعرض لذكر أسباب النزول، والقراءات، والإعراب، ويبين الغريب من ألفاظ القرآن، ويحتكم كثيراً إلى اللُّغة، ويُكثر من الاستشهاد بأشعار

стр. 447

العرب، ويرد على المعتزلة، والقدرية، والروافض، والفلاسفة، وغلاة المتصوفة، ولم يسقط القصص بالمرة، كما تفيده عبارة ابن فرحون، بل أضرب عن كثير منها، كما ذكر في مقدمة تفسيره، ولهذا يروى أحياناً ما جاء من غرائب القصص الإسرائيلي، هذا .. وإن المؤلف ينقل عن السَلَف كثيراً مما أُثِر عنهم في التفسير والأحكام، مع نسبة كل قول إلى قائله وفاءً بشرطه، كما ينقل عمن تقدمه في التفسير، خصوصاً مَن أَلَّف منهم في كتب الأحكام، مع تعقيبه على ما ينقل منها. وممن ينقل عنهم كثيراً: ابن جرير الطبري، وابن عطية، وابن العربي، والكياالهراسى، وأبو بكر الجصَّاص. وأما من ناحية الأحكام، فهو يفيض في ذكر مسائل الخلاف ما تعلق منها بالآيات عن قُرْب، وما تعلق بها عن بُعْد، مع بيان أدلة كل قول، ومن خير ما في هذا الإمام أنه لا يتعصب لمذهبه المالكي، بل يمشي مع الدليل حتى يصل إلى ما يرى أنه الصواب أياً كان قائله (١). هذا ولازالت المصابيح باقية فللحديث صلة إن شاء الله .. نسأله الله الإعانة والتوفيق. * * *

стр. 448

مصابيحُ قُرطُبيَّة (٢) حول فضائل القرآن، وكيفية التلاوة لكتاب الله تعالى، وما يكره منها وما يحرم أولاً: حول فضائل القران الكريم. قوله: "الْقُرْآنِ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، غَيْرُ مخلوق، كلام من ليس كمثله شيء، وَصِفَةُ مَنْ لَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ وَلَا نِدٌّ، فَهُوَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ أَصْوَاتُ الْقُرَّاءِ وَنَغَمَاتُهُمْ، وَهِيَ أَكَسَابُهُمُ الَّتِي يُؤْمَرُونَ بِهَا فِي حَالٍ إِيجَابًا فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ، وَنَدْبًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَيُزْجَرُونَ عَنْهَا إِذَا أَجْنَبُوا، وَيُثَابُونَ عَلَيْهَا وَيُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِهَا، وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ أَهْلُ الْحَقِّ " لا إشكال فيه بذاته وسليم لكنه قد لا يميز مذهب أهل السنة عن غيره ومحتمل .. فالقرآن كما قال شيخ الإسلام في الفتاوى: "فَصْلٌ: وَمِنْ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ؛ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً لَا كَلَامُ غَيْرِهِ؛ وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ عِبَارَةٌ عَنْهُ بَلْ إذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ بِذَلِكَ فِي الْمَصَاحِفِ: لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً فَإِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً

стр. 449

إلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا لَا إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ؛ حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ؛ لَيْسَ كَلَامُ اللَّهِ الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي وَلَا الْمَعَانِيَ دُونَ الْحُرُوفِ" (١). وكما وضح سماحة الشيخ ابن باز: وأجمعوا على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، حروفه ومعانيه، تكلم الله به جل وعلا وسمعه جبرائيل، وبلغه محمد ﵊، ومن قال أنه مخلوق فقد كفر عند أهل السنة والجماعة (٢). عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقُولُ الرَّبُّ ﵎ مَنْ شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ - قَالَ: - وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» (٣). رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (٤). رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا

стр. 450

طِيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا مُرٌّ» (١). كان أبو عبدالرحمن السُّلَمِيَّ إِذَا خَتَمَ عَلَيْهِ الْخَاتِمُ الْقُرْآنَ أَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَوَضَعَ يَدُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ! فَمَا أَعْرِفُ أَحَدًا خَيْرًا مِنْكَ إِنْ عَمِلْتَ بِالَّذِي عَلِمْتَ (٢). رَوَى مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» (٣). التَّتَعْتُعُ: التَّرَدُّدُ فِي الْكَلَامِ عِيًّا وَصُعُوبَةً، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ مِنْ حَيْثُ التِّلَاوَةِ وَمِنْ حَيْثُ الْمَشَقَّةِ، وَدَرَجَاتُ الْمَاهِرِ فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ الْقُرْآنُ مُتَعْتَعًا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَرَقَّى عَنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ شُبِّهَ بِالْمَلَائِكَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارَتْقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخَرَ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» (٤).

стр. 451

قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: "فَضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ أَلَّا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الآخرة .. " (١). قَالَ اللَّيْثُ يُقَالُ مَا الرَّحْمَةُ إِلَى أَحَدٍ بِأَسْرَعَ مِنْهَا إِلَى مُسْتَمِعِ الْقُرْآنِ، لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: "وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ". وَ" لَعَلَّ" مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ" (٢). ثانياً: حول كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى، وما يكره منها وما يحرم. روى البخاري عن قتادة قال: سألت رسول الله ﷺ فَقَالَ: «كَانَ يَمُدُّ مَدًّا إِذَا قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ» (٣). وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثُمَّ يَقِفُ ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف، وكان يقرؤها" ﴿ملك يوم الدين﴾. قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ غَرِيبٌ (٤). (كراهة رفع الصوت والتطريب بالقراءة عند بعض السلف): روى عن قيس بن عبادة أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الذِّكْرِ.

стр. 452

وَمِمَّنْ رُوِىَ عَنْهُ كَرَاهَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ عند قراءة القرآن سعيد ين الْمُسَيَّبِ وَسَعِيد بْنُ جُبَيْرٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيِّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَرِهَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، كُلُّهُمْ كَرِهَ رَفْعَ الصَّوْتِ. الْقُرْآنِ وَالتَّطْرِيبَ فِيهِ. معنى ما روي عنه ﵇: «زَيَّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١). لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْمَقْلُوبِ، أَيْ زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَرَوَاهُ طَلْحَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «زَيَّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» أَيِ الْهَجُوا بِقِرَاءَتِهِ وَاشْغَلُوا بِهِ أَصْوَاتَكُمْ، اتخذوه شِعَارًا وَزِينَةً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْحَضُّ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالدُّءُوبُ عَلَيْهِ (٢). قُلْتُ (القرطبي): وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يرجع قوله علية السلام: «وليس مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» (٣) أَيْ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَسِّنْ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، كَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيِ مُلَيْكَةَ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي مُوسَى لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِي لَحَسَّنْتُ صَوْتِيَّ بالقرآن، وزينته ورتلته، وهذا يدل على أَنَّهُ كَانَ يَهُذُّ فِي قِرَاءَتِهِ مَعَ حُسْنِ الصَّوْتِ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ، وَالتَّحْبِيرُ: التَّزْيِينُ وَالتَّحْسِينُ، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْمَعُهُ لَمَدَّ فِي قِرَاءَتِهِ وَرَتَّلَهَا، كَمَا كَانَ يَقْرَأُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي حُسْنِ صَوْتِهِ بِالْقِرَاءَةِ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أن يَقُولَ: إِنَّ الْقُرْآنَ يُزَيَّنُ بِالْأَصْوَاتِ أَوْ بِغَيْرِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ هَذَا فَقَدْ وَاقَعَ أَمْرًا عَظِيمًا أَنْ يُحْوِجَ

стр. 453

الْقُرْآنَ إِلَى مَنْ يُزَيِّنُهُ، وَهُوَ النُّورُ وَالضِّيَاءُ وَالزَّيْنُ الْأَعْلَى لِمَنْ أُلْبِسَ بَهْجَتَهُ وَاسْتَنَارَ بِضِيَائِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَمْرَ بِالتَّزْيِينِ اكْتِسَابُ الْقِرَاآتِ وَتَزْيِينُهَا بِأَصْوَاتِنَا وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ، أَيْ زينوا الْقِرَاءَةَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَيَكُونُ الْقُرْآنُ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ. قُلْتُ: (القرطبي بعدما ناقش مسألة التطريب والتغني بالقران): وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ مَا لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَى الْقُرْآنِ بِتَرْدِيدِ الْأَصْوَاتِ وَكَثْرَةِ التَّرْجِيعَاتِ، فإن زاد الأمر على ذلك لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ فَذَلِكَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، كَمَا يَفْعَلُ الْقُرَّاءُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ أَمَامَ الْمُلُوكِ وَالْجَنَائِزِ، وَيَأْخُذُونَ عَلَى ذَلِكَ الْأُجُورَ وَالْجَوَائِزَ، ضل سعيهم، وخاب عملهم، فسيحتلون بِذَلِكَ تَغْيِيرَ كِتَابِ اللَّهِ، وَيُهَوِّنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الِاجْتِرَاءَ عَلَى اللَّهِ بِأَنْ يَزِيدُوا فِي تَنْزِيلِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، جَهْلًا بِدِينِهِمْ، وَمُرُوقًا عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَرَفْضًا لِسَيْرِ الصَّالِحِينَ فِيهِ مِنْ سَلَفِهِمْ، وَنُزُوعًا إِلَى مَا يُزَيِّنُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، فَهُمْ فِي غَيِّهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَبِكِتَابِ اللَّهِ يَتَلَاعَبُونَ، فإنا لله وإنا إليه راجعون! هذا وأسأل الله أن يجعلنا من أهل القران الذين هم أهل الله وخاصته .. وإلى لقاء في مصابيح أخرى إن شاء الله. * * *

стр. 454

مصابيحُ قُرطُبيَّة (٣) حول تحذير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره وحول ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به ولا يغفل عنه أولاً: حول تحذير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنْ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرِفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرِفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ العلم ليقال علام وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأعطاه من أنصاف الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرِفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ

стр. 455

ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النار» (١)، قال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيمَنْ لَمْ يُرِدْ بِعَمَلِهِ وَعِلْمِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى (٢). يَجِبُ عَلَى حَامِلِ الْقُرْآنِ وَطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ وَيُخْلِصَ العمل لله، فإن كان تقدم له شيء مما يكره فليبادر التوبة والإنابة، وليبتدئ الإخلاص في الطلب عمله، فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُ غَيْرُهُ، كَمَا أَنَّ لَهُ من الأجر ما ليس لغيره. رَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كيف أنتم! لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَهْرَمُ الْكَبِيرُ، وَتُتَّخَذُ سُنَّةً مُبْتَدَعَةً يَجْرِي عَلَيْهَا النَّاسُ فَإِذَا غير منها شيء قيل: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ. قِيلَ: مَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثر قراؤكم، وقل فقهاؤكم، وَكَثُرَ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقُلْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ (٣). قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: بَلَغَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ أَخَذُوهُ بِحَقِّهِ وَمَا ينبغي لأحبهم الله، ولكن طلبوا بِهِ الدُّنْيَا فَأَبْغَضَهُمُ اللَّهُ، وَهَانُوا عَلَى النَّاسِ (٤).

стр. 456

ثانياً: حول ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به ولا يغفل عنه: أوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ يُخْلِصَ فِي طَلَبِهِ لِلَّهِ كما ذكرنا، وَأَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لئلا ينساه. روى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» (١). إِذَا قام صاحب القرآن فقرأه بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ حَامِدًا، وَلِنِعَمِهِ شَاكِرًا، وَلَهُ ذَاكِرًا، وَعَلَيْهِ مُتَوَكِّلًا، وَبِهِ مستعينا وإليه راغبا، وبه معتصما، وللموت مُسْتَعِدًّا. يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا مِنْ ذَنْبِهِ، رَاجِيًا عَفْوَ رَبِّهِ، وَيَكُونَ الْخَوْفُ فِي صحته أغلب عليه، إذا لَا يَعْلَمُ بِمَا يُخْتَمُ لَهُ، وَيَكُونَ الرَّجَاءُ عِنْدَ حُضُورِ أَجْلِهِ أَقْوَى فِي نَفْسِهِ، لِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ. يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَهْلِ زَمَانِهِ، مُتَحَفِّظًا مِنْ سُلْطَانِهِ، سَاعِيًا فِي خَلَاصِ نَفْسِهِ، وَنَجَاةِ مُهْجَتِهِ، مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عَرَضِ دُنْيَاهُ، مُجَاهِدًا لِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ. يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يكون أهم أموره عنده الْوَرَعِ فِي دِينِهِ، وَاسْتِعْمَالُ تَقْوَى اللَّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ فيما أمره به ونهاه عنه.

стр. 457

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَنْبَغِي لِقَارِئِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إِذَا النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذَا الناس مستيقظون، وببكائه إذ النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِصَمْتِهِ إِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ، وَبِخُضُوعِهِ إِذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ، وَبِحُزْنِهِ إِذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ (١). يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلْفُقَرَاءِ، وَيَتَجَنَّبَ التَّكَبُّرَ وَالْإِعْجَابَ، وَيَتَجَافَى عَنِ الدُّنْيَا وَأَبْنَائِهَا إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ، وَيَتْرُكَ الْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ، وَيَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالرِّفْقِ والأدب. ينْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ الْمَكِّيَّ مِنَ الْمَدَنِيِّ لِيُفَرِّقَ بِذَلِكَ بَيْنَ مَا خَاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَمَا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ، وَمَا افْتَرَضَ اللَّهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ فِي آخِرِهِ، فَالْمَدَنِيُّ هُوَ النَّاسِخُ لِلْمَكِّيِّ فِي أَكْثَرِ الْقُرْآنِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْسَخَ الْمَكِّيُّ الْمَدَنِيَّ، لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ فِي النُّزُولِ قَبْلَ النَّاسِخِ لَهُ. وَمِنْ كَمَالِهِ أَنْ يَعْرِفَ الْإِعْرَابَ وَالْغَرِيبَ، فَذَلِكَ مِمَّا يُسَهِّلُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةَ مَا يَقْرَأُ، وَيُزِيلُ عَنْهُ الشَّكَّ فِيمَا يَتْلُو، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ سَمِعْتُ الْجَرْمِيَّ يَقُولُ: أَنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أُفْتِي النَّاسَ فِي الْفِقْهِ مِنْ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا عُمَرَ الْجَرْمِيَّ كَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ، فَلَمَّا عَلِمَ كِتَابَ سِيبَوَيْهِ تَفَقَّهَ فِي الْحَدِيثِ، إِذْ

стр. 458

كَانَ كِتَابُ سِيبَوَيْهِ يُتَعَلَّمُ منه النظر والتفسير، ثم فِي السُّنَنِ الْمَأْثُورَةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١) قُلْتُ (القرطبي): فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ كَانَ مَاهِرًا بِالْقُرْآنِ، وَعَالِمًا بِالْفُرْقَانِ، وَهُوَ قَرِيبٌ عَلَى مَنْ قَرَّبَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حَتَّى يُخْلِصَ النِّيَّةَ فِيهِ لِلَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ أَوْ بَعْدَ طَلَبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَقَدْ يَبْتَدِئُ الطَّالِبُ لِلْعِلْمِ يُرِيدُ بِهِ الْمُبَاهَاةَ وَالشَّرَفَ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يَزَالُ بِهِ فَهْمُ الْعِلْمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى خَطَأٍ فِي اعْتِقَادِهِ فَيَتُوبَ مِنْ ذَلِكَ وَيُخْلِصَ النِّيَّة لِلَّهِ تَعَالَى فَيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ وَيَحْسُنَ حَالُهُ، قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا فَجَرَّنَا إلى الآخرة. وقاله سفيان الثوري. وقال ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ: طَلَبْنَا هَذَا الْأَمْرَ وَلَيْسَ لَنَا فِيهِ نِيَّةٌ ثُمَّ جَاءَتِ النِّيَّةُ بَعْدُ (٢) اللهم فقهنا في دينك. وإلى لقاء في مصابيح أخرى إن شاء الله. * * *

стр. 459

مصابيحُ قُرطُبيَّة (٤) حول بعض ما جاء في فضل تفسير القرآن وأهله ما يلزم قارئ القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته قَالَ مُجَاهِدٌ: أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْلَمُهُمْ بِمَا أُنْزِلَ. قَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً إِلَّا أَحَبَّ أَنْ يُعْلَمَ فيما أنزلت وما يعني بها. قال الشهبي: رَحَلَ مَسْرُوقٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي تَفْسِيرِ آيَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَ الَّذِي يُفَسِّرُهَا رَحَلَ إِلَى الشَّأْمِ: فَتَجَهَّزَ وَرَحَلَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى عَلِمَ تَفْسِيرِهَا. قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَثَلُ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَهُ، كَمَثَلِ قَوْمٍ جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ مَلِكِهِمْ لَيْلًا وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِصْبَاحٌ، فَتَدَاخَلَتْهُمْ رَوْعَةٌ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِي الْكِتَابِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَعْرِفُ التَّفْسِيرَ كَمَثَلِ رَجُلٍ جَاءَهُمْ بِمِصْبَاحٍ فَقَرَءُوا ما في الكتاب.

стр. 460

روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ تَعْظِيمِ جَلَالِ اللَّهِ إِكْرَامُ ثلاثة: الإمام المقسط وذي الشيبة وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ» (١). قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَحَمَلَةُ الْقُرْآنِ هُمُ الْعَالِمُونَ بِأَحْكَامِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَالْعَامِلُونَ بِمَا فِيهِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ: "فَمِنْ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ أَلَّا يَمَسَّهُ إلا طاهراً. ومن حرمته أن يقرأه على طهارة. ومن حرمته أن يستاك ويتحلل فَيُطَيِّبَ فَاهُ، وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَتَلَبَّسكَمَا يَتَلَبَّسُ لِلدُّخُولِ عَلَى الْأَمِيرِ لِأَنَّهُ مُنَاجٍ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِقِرَاءَتِهِ. وَكَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ إِذَا قَرَأَ اعْتَمَّ وَلَبِسَ وَارْتَدَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا تَثَاءَبْتَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَأَمْسِكْ عَنِ الْقُرْآنِ تَعْظِيمًا حَتَّى يَذْهَبَ تَثَاؤُبُكَ. وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ لِلْقِرَاءَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَيَقْرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إن كان ابتدأ قِرَاءَتِهِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ أَوْ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ.
следующие страницы →