← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151154

الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (344 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور

стр. 2

الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور أحمد محمود الشوابكة تقديم ومراجعة العلّامة المحدّث شعيب الأرنؤوط أ. د. محمود السرطاوي ... أ. د. محمّد الملكاوي كليّة الشّريعة- الجامعة الأردنيّة ... كليّة الشّريعة - جامعة اليرموك أ. د. سمير استيتية كليّة الآداب - جامعة اليرموك ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾

стр. 3

وأكبر الظَّنِّ أنَّ هذا الكِتَابَ وما دوَّنه فيه المؤلِّفُ مِنْ مَعَانٍ مأخوذة من كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ يُعَدُّ فريدًا في بَابِه فضيلة العلّامة المحدِّث: شعيب الأرنؤوط

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الإهداء إِلى مَنْ أوْصَاني ربِّي بهما خَيرًا، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء]. إِلى مَنْ أَسْأَلُ رَبِّي لهما خَيرًا، فأقول: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]. وإلى صَفِيِّي وفرطي عبيدة، الّذي أجاب ربّه، وأوجعني فقده! عسى اللهُ أَنْ يَجْمَعَني بهم جميعًا في مُسْتَقِرِّ رحمته، مع الأحبَّة: النَّبيِّ ﷺ وصحبه. وإلى أهل بيتي، لا أَذَاقَنِي اللَّهُ فَقْدَهم، وَقَدَّمَنِي قَبْلَهم. الرّاجي عفو ربّه أحمد محمود الشّوابكة أبو عبيدة

стр. 5

تقديم فضيلة العلّامة المحدِّث: شعيب الأرنؤوط الحَمْدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد، وعلى آلهِ وصحبه وسلَّم، وبعد: فإنَّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزّمر]، وهذا ينطبق على كلِّ مخلوق من الإنس والجنِّ والملائكة. لقد مَنَّ الله تعالى على أخينا الأستاذ الشَّوابكة، فألَّف كتابًا يتضمَّنُ أحكام الموت من ساعة خروج الرُّوح إلى مبعث النَّاس يوم القيامة. وقد توثَّق من النُّصُوصِ الَّتي احتجَّ بها وذهب إليها بالتَّصحيح والتَّضعيف، ينسب كلَّ قول إلى قائله ممَّن يتعاطى صناعة الحديث. ولم يفته أن يذكر ما هو مستشهد به ممَّا لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، وقد قرأت كتابه هذا فرأيت فيه الاهتمام بالنُّصوص والاحتفال بها. وبما أنَّ الموت لا بدَّ أنْ يذوقَه كلُّ مخلوق، فلم يكن بحاجة إلى مراجعة بقيَّة النُّصوص في الكتب الفقهيَّة؛ لأنَّ الموضوع يتعلَّق بالقرآن الكريم والحديث الشَّريف. وهو كتاب جَدِير بِأَنْ يقرأَهُ كلُّ مسلم؛ ليأْخُذَ العظة والعبرة بالنِّهاية الحتميَّة الَّتي ينتهي إليها كلُّ مسلم، نعم مثل هذا الكتاب في هذا الزَّمن جدير بأَنْ يطبع وينشر، ويدخل إلى كُلِّ بيت مسلم، فإنَّ معظم النَّاس لا يفكِّرون بالموت، فَحُبُّ الدُّنيا والانهماك في شهواتها أَنْسَاهم ذِكْرَ الموتِ والتَّأثُّر به، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 6

كان يقول لأَصْحَابِه: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" (١)، حتَّى يكون المؤمن آخر عهده مُسْتَعِدًّا للقاء الله تعالى بالأعمال الصَّالحة الَّتي يقدِّمها. وقد ذكر الشَّيخ أحمد الشّوابكة في هذا الكتاب المراحِلَ الَّتي يمرُّ بها الإِنسانُ في مرضه، وما ينبغي أَنْ ينْظُرَ فيه كلُّ مكلَّف من الأحكام حتَّى يتعبَّد بها المسلم، ويكون حريصًا على لقاء الله تعالى بالأعمال الصَّالحة والطَّاعة الواعية لما جاء في كتاب الله الكريم، وفي سنَّة النَّبيِّ ﷺ الصَّادق الوعد الأمين، ولا يليق بالمسلم أن يتجاهل هذه الأمور الَّتي تقرِّبه من الله تعالى، وتغرس الخوف في قلبه منه سبحانه، وتجعله مِنَ المُصْطَفيْنَ الْأَخْيَارِ، ويفوز برضوان الله تعالى وكرمه. وأنا أنصح كُلَّ مسلم باقتناء هذا الكتاب؛ فإنَّه نِعْمَ المذكِّر للإنسان في مراحل حياته، ونعم المقوِّي لإيمان المرء وطاعته لله تعالى والخوف منه، والإقبال على كلِّ ما يتقرَّب به إليه. ومن الجدير بالذِّكر أنَّ الأستاذ الشَّوابكة مَلَأَ كتابه بالاستدلال المحكم بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله ﷺ ، ورجع إلى أمَّهات كتب السُّنَّة وأخذ ما صَحَّ منها، وهو أمر ينْدرُ في هذا الزَّمن الَّذي شاعت فيه الأحاديثُ الَّتي لا تثبت ولا تصحُّ عن النَّبيِّ ﷺ . وأكبر الظَّنِّ أنَّ هذا الكتاب وما دوَّنه فيه من معان مأخوذة من كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ يُعَدُّ فريدًا في بَابِه، ونسألُ اللهَ تعالى أن يُوَفِّقَه للمزيد من هذه الأعمال الطَّيِّبة الموثَّقة، الَّتي تسهم في رَدِّ المسلمين إلى جَادَّة الصَّواب، وتوقفهم

стр. 7

على المستندات العلميَّة الَّتي ينبغي أن تُعْتَبر في هذه الأعمال. وختامًا، إنِّي لأعجب ممَّن على غبراء قد سكنوا، وهم يعلمون أنَّهم عن قريب سيرقدون مع من رقدوا، ولسوف يعلمون ما عنه قد غفلوا، كيف تطيب أنفسهم بعد هذا البيان أن يعرضوا عنه أو يغضوا منه! موتوا على ما مات عليه رسولكم ﷺ تفلحوا، قال ﷺ عند نزول الموت به «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى» (١)، فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبيُّ ﷺ كما قالت أمُّنا عائشة ﵂. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران]. شعيب الأرنؤوط ٢/رجب/١٤٣٦ هـ ٢١/نيسان/٢٠١٥ م

стр. 8

تقديم أ. د. محمود السّرطاوي الحمدُ لله الحيِّ القَيُّوم، الواحد الأحد، الفرد الصَّمد، المُحْيِي المُمِيت، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ (١٢٣)﴾ [هود]، سُبْحَانَه، تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وتنزَّهت عن التَّشبيه صفاته، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ما لنا من ملجأ إلَّا إليه. غفَّارَ الذُّنوبِ، قَابِلَ التَّوبةِ، واسِعَ الرَّحمةِ، أدْخلنا بعفوك وفضْلِكَ في رحمتك، إِلَهِي ما لنا سواك، اعفُ عنَّا، وارحمنا: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ [الشّعراء]، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ [عبس]، ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار]. والصَّلاة والسَّلام على نبيِّ الهدى وخاتمِ الأنبياءِ محمَّد بن عبدالله ﷺ ، النّعمة المهداة والرَّحمة المسداة، صاحب الحوض المورود والشَّفاعَة الكبرى يوم الخلود، وعلى آله وصحبه والتَّابعين بإحسان إلى يوم الدِّين. اللَّهُمَّ اجعلنا من أهل شفاعته، وأوردنا حَوْضَه، واسقنا منه شربة لا نظْمَأُ بعدها أبدًا، وبعد: فقد طالعت كتاب (الصَّحيح المأثور) لمؤلِّفه الأخ الأستاذ أحمد محمود الشَّوابكة ـ حفظه الله ومَنَّ عليه بالصِّحة والعافية ونفع بعلمه ـ فنَقَلَنِي إلى رحلة في

стр. 9

عالم الرُّوح، بعبارة بارعة جامعة تباشر القلوب، وتأخذ بالقارئ حيثما تريد مِنْ عالم الرّوح، فتطوف به في جنبات ذلك العالم، وتنقله من الدُّنيا وزينتها وزخرفها ومتعها وملذّاتها، ومن همومها وصخبها وآلامها، إلى ميادين فسيحة ورحبة في عالم الرّوح. تنقله برفق مِنْ مَرْتَبَة من مراتبها إلى مرتبة أخرى، فمن الزُّهد في الدُّنيا إلى لحظات المرض وسكرات الموت، وبين كلِّ مرتبة وأخرى جرعة بلسم تؤهِّله للارتقاء، فهو مثلًا يتحدَّث بين المرتبتين السَّابقتين عن التَّوبة وتكفير الخطايا، ولطف الله بعباده، وهكذا سائر أقسام الكتاب. لقد تناول الكاتب موضوعات البحث وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة المتعلِّقة فيه، والَّتي شغلت الكثير من السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بعد أن وقف على الصَّحيح والحسن من الحديث، ونبَّه إلى الضَّعيف، فجاء كلامه مُعَزَّزًا بالأدلَّة مُعَضَّدًا بالبراهين. وكان للأسلوب الأدبيّ الَّذي وهبه الله تعالى للكاتب، أَثَرٌ كبير في وضع المادَّة العلميَّة في ثوب قشيب بهيج. ومما يحمد للباحث تخليص الموضوع من البدع والخرافات، والعجائب والغرائب، والموضوعات والمعضلات. والكتاب يبعث في القارئ السَّكينة والطُّمأنينة، ويحفزه إلى النَّجاة والعمل لما ينفعه في دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ. أسأل الله تعالى أن يجزي أخانا الشَّوابكة خير الجزاء وأَبرَّه، وأنْ يَنْفَعَ به وبعلمه

стр. 10

﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصَّافات]. الفقير إلى عفو ربِّه أ. د. محمود علي السّرطاوي أستاذ الفقه المقارن نائب رئيس جامعة العلوم الإسلاميّة العالميّة وعميد كليّة الشّريعة / الجامعة الأردنيّة سابقًا ١٣/رجب/١٤٣٦ هـ ٢/ أيار/ ٢٠١٥ م.

стр. 11

تقديم أ. د. محمّد ملكاوي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة]، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نبيِّنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أجمعين، وتابعيهم بإحسان، وبعد: فقد أُهديت إليَّ مخطوطةُ كتاب: (الصّحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور)، للأستاذ الفاضل أحمد محمود الشّوابكة أبي عبيدة حفظه الله تعالى، وكان الأستاذ ... أبو عبيدةَ قد استقصى فيه جميعَ المسائل المتعلِّقةِ بأحد عوالم الغيبِ، وهو عالم البرزخِ والقبور، فكنْتُ كلَّما قرأتُ قسْمًا من أقسامه ازددتُ إعجابًا بحُسْنِ تنسيقِهِ وإخراجِهِ، وبخاصّة أنَّه التزمَ فيه الدَّليلَ النَّقليَّ من كتابِ الله تعالى، وما صحَّ أو حَسُنَ من أحاديثِ المصطفى ﷺ ، ونبَّه فيه إلى الأسانيد الضَّعيفةِ والموضوعةِ، ونقَلَ فيه بعضَ أقوالِ العلماءِ المعتبَرين، فجاءَ الكلامُ في مسائلِهِ منسجِمًا مع عقيدةِ أهل السُّنَّة والجماعةِ الَّذين وصفَهمُ الرَّسولُ ﷺ بأنَّهم الفِرْقةُ النَّاجيةُ. وجاءَ الكتابُ سِفْرًا جليلًا وافيًا بالمقصودِ من تأليفه، وموضِّحًا للعقائد الإسلاميَّة الصَّحيحة الَّتي من خرج عنها شذَّ إلى أودية الضَّلالِ، وَتَنَكَّبَ سَبِيلَ الْحَقِّ. وأسألُ الله تعالى أنْ يجزيَهُ عنَّا وعن سائرِ المسلمين خيْرَ الجزاء على جهْدهِ وجَلَدِهِ وصَبْرِه وسهَرِه، ودقَّة استقصائِه، وعظيم اعتنائه، بارك الله تعالى أخانا أبا عبيدةَ، وباركَ له في أهلِهِ ومالِهِ، وفي وقته وصحَّته، وأعانه على الاستمرار في إخراج المزيد من الكُتُبِ الدُّررِ والمؤلَّفات الغُرَر، إنَّه سبحانه وليُّ التَّوفيق، والهادي

стр. 12

إلى سَوَاءِ السَّبِيلِ. وَصَلَّى الله تعالى وسلَّم وبارك على النَّبِيِّ الأمِّيِّ محمَّد ﷺ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ. أ. د. محمّد أحمد عبد القادر ملكاوي أستاذ العقيدة الإسلاميّة ومقارنة الأديان ـ قسم أصول الدّين كليّة الشّريعة والدّراسات الإسلاميّة ـ جامعة اليرموك ـ إربد ٢٤ /رجب/١٤٣٦ هـ ١٣/أيّار/٢٠١٥ م

стр. 13

تقديم أ. د. سمير استيتية اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ كما ينبغي لجلال وجهك العظيم، وسلطانك القديم، أحمدك بكل حمدٍ حمدتَ به نفسك، وبكل حمدٍ تحبُّ أَنْ تُحْمَدَ بِهِ، وبكل ما حمدتك به الملائكة والأنبياء والمرسلون، وعبادُ الله الصالحون، وأحمدك يا مولانا بكل حمدٍ خَصَصْتَ به أحدًا مِنْ خلقك، فأجريته على لسانِه، فَقَبِلْته وأحبَبْته، وأشهد لك بكل ما شَهِدْتَ به لنفسك، وكما شهدت الملائكة والأنبياء والمرسلون، وعبادُ الله الصالحون. وأشهدُ لعبدك ونبيِّك ورسولك محمَّد ﷺ ، بكلِّ ما شَهِدْت به له مِنَ النُّبُوَّةِ والرِّسالة والخُلُق العظيم، اللَّهُمَّ صَلِّ عليه أزكى صلاة، وسلِّم عليه أتمّ تسليم، وعلى آل بيته الأطهار، وأصحابه الأخيار، وأزواجه أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وألحقنا به وبهم يا مولانا وأنت راضٍ عنَّا، اللَّهُمَّ آمِينَ، وبعد: فلِلهِ دَرُّكَ أبا عبيدة، لقد جمعتَ فأوعيتَ، وقدحت فأوريت، وأبليتَ فأَحْسَنْتَ وَأَجْمَلْتَ. ولقد نظرتُ في هذا العمل، ورأيت فيه الحياة الدُّنيا، كما أراد الله أن نراها؛ إنَّها طريقُ الآخرة، فهي ممرُّنا ومعبرنا إلى دار المستَقَرِّ، ومهما اتَّسعت بنا عَرَصاتُها، وتعدَّدت أفناؤُها، وتكاثرت زخارِفُها، وتعالت مباهجها، فإنَّ في اتساعها ضيقًا، وفي فرحتها غصَّة, وفي مباهجها فناءً، وفي زخارفها زوالًا، لكنّ الآخرة هي دارُ المستَقَرِّ والخلود، إنَّها السَّعادة الَّتي لا شقاء معها، أو الشَّقاء والعذاب اللَّذَانِ لا سعادة معهما.

стр. 14

لقد دلَّنا كتابُ الله تعالى على حقيقة الدُّنيا، وما حُفَّت به من الشَّهوات، ودلَّنا على عظمة شأن الآخرة، بأيسر العبارات، وأدقّها مضمونًا، وأنفذها إلى القلب، وأعلاها بيانًا، وأبان عن بعض ما في الآخرة من ثواب وعقاب، ولم يفصِّل صورهما ولا أشكالهما، ووضَّح لنا النَّبِيُّ ﷺ بعض ما يكون في عَالمِ الْبَرْزَخِ، ولم يفصِّل فيه القولَ تفصيلًا شاملًا؛ لأنَّ الهدف من ذكر ذلك العالم تذكيرُ ذوي الألباب، وتحذيرُ العباد من مغبَّة الوقوع في المعاصي والآثام الَّتي تفسد على الإنسان آخرته، وليس الهدف منه أن يعطي صورة تفصيليَّة للآخرة، ولا ما يكون في البرزخ وهو بعضها. وعندما تختزن ذاكرة الإنسان هذه المفاهيم ينضبط سلوك الإنسان، أو هكذا ينبغي أن يكون الحال. فضبط السّلوك في النِّهاية هو الهدف, وضبط السلوك إنّما يكون بقناعة الإنسان وإيمانه، بتوسط بين التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ؛ فما جاء في القرآن العظيم وَالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ من مُسَاءَلَة في الحياة الآخرة، ليس الهدف منه تحويل حياة الإنسان إلى رعاب في الدُّنيا. وقد أدرك المؤلِّف - جزاه الله خيرًا- هذا الأمرَ أَحْسَنَ إدراك، فتجد في عمله هذا ما يجعل الموعظة قريبةً إلى القارئ، فموعظته - بحقّ- تشقُّ طريقها إلى النَّفس دون استئذان. لا يكون العلم بخبر الآخرة والبرزخ إلا بما أخبرنا الله ﷻ به، وما عرَّفنا به رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ ذلك من الغيب الَّذي نؤمن به، والغيب لا يتوصَّل إليه إلَّا بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَصَحِيحِ الْأَثَرِ. ولذلك كان المؤلّف ـ حفظه الله ـ يروي الأحاديث الصَّحيحة في هذا الباب، بحرص شديد، وهذا هو المسلك الذي ينبغي أن يكون؛

стр. 15

فصحَّة الاعتقاد لا تبنى إلَّا على الحديث الصَّحيح، فكان يقف عند الحديث وقفة مستأنية، يروي ما يقوله العلماء في صحَّة سنده، فيوافق - وهذا هو الأغلب عنده بحمد الله - ويناقش أهل العلم، ويرجِّح أو ينتهي إلى نظر مستقل، وهذا هو شأن أهل العلم. وكنت أحترم رأي المؤلِّف وأقدِّره، ولو رأى رأيًا غير الَّذي أراه, فالعبرة في المنهج الَّذي يتَّبعه العالم، وليست العبرة في الاختلاف في الفرعيات. لقد كنت أحسُّ وأنا أقرأ هذا الكتاب أن المؤلِّف ـ جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا ـ يَنْطَوِي على قدر كبير من التَّأَسِّي بعلمائنا المتقدِّمين، حتَّى في أسلوبهم، وعلى الَّذين لا يعرفون هذه القيمة أن يعلموا أنَّ المنهج التُّراثيَّ، وأسلوبَ أسلافنا في الكتابة قد بَلَغَا مبلغًا عظيمًا من الرَّصَانَة والقُوَّة، مصحوبين بدقَّة العبارة, وعمق المعنى، وسلاسة السَّرد. ومن المحزن حقًّا أنَّ عاديات هذه الأيام قد فصلتنا عن التَّأَسِّي بِعُلَمَائِنَا المُتَقَدِّمِينَ إلى حَدٍّ كبير. أَسْأَلُ الله الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أن يتقبَّل هذا العملَ وصاحبه، وأن ينْفَعَ بهِ أمَّةَ سيِّدنا محمَّد ﷺ . ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة]. أ. د. سمير شريف استيتية كلية الآداب ـ جامعة اليرموك ١٨/رجب/١٤٣٦ هـ ٧/ أيّار/٢٠١٥ م

стр. 16

المقدمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة]، افْتَتَحَ بالحمد كتابه، وجعله آخر دعوى سَاكِنِي دار مَقَامه وثوابه ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس]. الْحَمْدُ لله الّذي قَصَّ علينا في كتابه المُبِين، مِنْ سِيَرِ المُرْسَلِينَ، وأنباء الغابرين، وأخبار الماضين، ما فيه عظة وعبرة وذكرى على مرِّ الدَّهر المديد، والأمد البعيد ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق]. الحمد لله الَّذي جعل الموت على عباده حتمًا مقضيًّا، فسوَّى فيه بين مَنْ كان رسولاً أو نبيًّا، أو رفيعًا أو دنيًّا، أو ضعيفًا أو قويًّا، فقال : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾ ... [العنكبوت]. والصَّلاة والسَّلام على رسُولِ الله ﷺ ما ذرَّ شارِقٌ ولاح بارق، خاطبه ربُّه في حياته، وقال له: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء]. ألا فَلْيَتَّقِ اللهَ أُنَاسٌ نَعَاهم الله تعالى بعد نبيِّه ﷺ ، فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزّمر]، وإنَّ إنسانًا قرأ هذه الآية لَمَحْقُوقٌ أنْ يستشعر أنَّ نفسه نُعِيَتْ إلى الرَّحيل! يعيش الواحد منَّا مع صفيّ أو حليف، وينسى أنَّ لهذه الدَّار بأهليها صروفًا، فلكلِّ اجتماع من حميمين فرقة وغربة، والموت لا يبقي عزيزًا لعزيز؛ فكلّ

стр. 17

أخٍ مفارقٌ أخاه، فإذا قَضَى يومًا نَحْبَهُ أَغْمَضَهُ وَسَجَّاه، ثمّ صلَّى عليه وأمكن الأرض منه وحدره في جوانب حفرة وفي التُّرب واراه، وبوَّأه جَدَثَهُ بيديه ورجع وخلَّاه، فيبكي قَليِلاً لَحْدًا ثواه، وينكر قلبًا خافقًا ودَّع ساكنًا ثُمَّ يَنْساهُ. ويْحَكِ يا نَفْسُ، فما النَّاس إلَّا مُسْتَقْدِم ومُسْتَأْخِر، وسالف وتابع، وسابق ولاحق، وجاء وذاهب، وسار وسارب، فلا المعزِّي ولا المعزَّى بباق ولا خالد. مَنْ مِنَ الْأَنَامِ راح بالخلود، ونجا من ضمة القبر وَاللُّحُودِ؟! فما مِنْ باكٍ اليوم إلّا غدًا سَيُبْكى، وما مِنْ ناعٍ إلّا سَيُنْعَى، وما مِنْ مشيِّع إلّا سَيُشَيَّع، وكلّ مُغَسِّل سيُغَسَّل، وكلّ حامل ودافن سيُحْمَل ويدفن، وكُلُّ اثْنَينِ إِلَى افْتِراقِ، وكلّ واحد حسابه ملاق، فلا جَرَمَ أنَّ سَبِيلنا إِلَى الْآخِرَةِ، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ ... (٤٣)﴾ [غافر]. فماذا بعد الشَّباب إِلَّا الهرم، والصّحة إِلَّا السّقم، والسَّلامة إِلَّا المَنُون، ولو أُخِّرَ الحَيْنُ إلى حِين؟! لا شكّ أنَّ المنايا بالأحبّة تفجع، وفِطَام النَّفس عَنْ إلفها أعسر محملًا من الجبال الشَّوَامِخ إذا رُمْتَ نقلها، ومصيبة الموت فاجعة من فواجع الدَّهر، تحطم العظم وتُعْظِم الحطم، لكن الغنيمة أن تردَّها بصبر وحسْنِ عزاء، وترضى بالقضاء، فالأجر على قدر الصَّبر والنَّصب؛ فإذا جَلَّت مصيبتُك فَتَجَمَّلْ، لعلَّ الخير عقباك، والأمور إذا تضايقت تلاها اتِّساع، والنَّكَبَاتُ إذا توالت تولَّت، وما أنت في مصيبة الموت بأوحد، ولا بِأَلَمِ الْفِرَاقِ بفريد. وخير مَا يسلي عن فقد الأصفياء المصيبة بسيِّد الأنبياء ﷺ ! فَمَنْ كانت

стр. 18

مصيبةُ الموت عنده عظيمة، فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بالنَّبيِّ ﷺ فهي أعظم، وَلْيَتَعَزَّ بذَلِكَ عَنْ مُصِيبَتِهِ؛ فلم يُصَبْ أَحَدٌ بمثله ﷺ ، وهل بعد فقد الحبيب ﷺ فقيد؟! وَهَلْ عَدَلَتْ يَوْمًا رَزِيَّةُ هَالِكٍ ... رَزِيَّةَ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ مُحَمَّدُ فَمَنْ غَالَبَ الحزن وترك دواعي الشَّجَن، وصبر وتجلَّد، وذَكَّرَه مصابُه بمصابِه بالنَّبيِّ محمَّد ﷺ ، فقد مَلَأَ يديه مِنَ الخير، ومَنْ سخط ونقم، وهلك أسىً وحسرة، وهو يعلم أنَّه غير مخلَّد، فقد خاب وخسر، وصار بين ذمّ ووزر، وأمر الله تعالى ماضٍ. وقد أخبر الله تعالى أنَّ هذه الدَّار دار بلاء، وأمر بالصَّبر، وجعل لِلصَّابِرِينَ الْبُشْرَى وحسن العُقْبَى، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة]. وأخبر النَّبيُّ ﷺ أنّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاء، ثُمَّ الأَمْثَل فَالأَمْثَل، عن سَعْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: فَقَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ" (١). والبلاء لم يكتب علينا وحدنا، وإنّما أصاب مَنْ قبلنا، قال تعالى تَطْيِيبًا

стр. 19

لقلوبنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ... (٢١٤)﴾ [البقرة]. فهَوِّنْ عَلَيْكَ ولا تولع بأحزان ولا تظلّ رهينًا؛ فأَيُّ كريمٍ أَخْطَأَتْه الحَبائلُ، أو سالمته القواصم، وما نزلت به القَوارِعُ؟! وأي حزين على ميِّته بقي بعده ولم يلحق به؟! فالأَمْر إِذا تَمَّ دنَا نَقْصُه، فَالْكُلُّ مفارق، سابق ولاحق، أَفَإِنْ عاد أحد إلى بطن الأرض، فَأَنْتَ باق على ظهرها؟! فَهَلَّا رضينا بقضاء قد سَرَى، وصبرنا على ما قدَّر وقضى، واعتبرنا بِمَنْ قضى ومضى، فليس وراءَ ذلك وَايْمُ الله مِنْ خير. فيا للنَّاس في غَفَلاتِهِمْ، كيف لا ينهاهم نُهَاهُمْ عن التَّسَخُّطِ عَلَى قدر الله تعالى الفعَّال لما يريد، الَّذي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]! لا حَسْرَة وربِّي تنفع ولا جَزَع يشفع إذا ذكرت مَنْ ليس له إلى الدُّنيا مُرْتَجَعٌ،؛ فكلّ جديد لا أبا لك يمسي باليًا، فما البكاء على ميّت أصبح في قبره ثاويًا؟! سيَلْحَقُ آخِرُنَا بِأَوَّلِنَا، ويلقى مَنْ يَبْقَى ما لقي مَنْ مَضى. نيطوها في رقبتي واعْصِبُوهَا برأسي، واحملوا النَّاس على أن يقولوا: بَرَدَ قلبُه رجاءَ رَحْمَةِ ربِّه، ولا تجمعوا بين مصيبتين: مصيبة الموت، ومصيبة ذهاب الأجر، فالجزع لا يردُّ المصائب وإنّما يضاعفها، وشفاء النَّفس ليس بالتَّندُّم. إنَّ الموت وعد موعود، وورد مورود، فما الجزعُ مِنْ قَدَر مقدور؟! وما الطَّمع في دنيا غرور، كلّ ما فيها يزول! أَلَا يا قومي، إِنَّ الله تعالى قد بَيَّنَ في كتابه صفات عباده بيانًا، فقال:

стр. 20

﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان]، فكونوا من المتيقّظين، وانظروا مصارع السَّابقين، ومصائر الغابرين، واعتبروا بالرَّاحلين، فكم وقعت أعينكم على محتضر، وقبر حفر، وإنسان قبر، أما لكم مُعْتَبر؟ "كَفَى بِالمَوْتِ وَاعِظًا يَا عُمَر"! بالله رَبِّكُمْ ألم تروا إلى تلك الدِّيار الغابرة، كيف غدت؟! صارت أطلالًا بالية ومنازل خاوية وديارًا خالية، مضى أهلها في الأرض ترابًا، وأضحى قوم في أعقابهم عظامًا. يُرَاعُ النَّاسُ إذا حملوا إلى القبور جنازة، وهم يعلمون أنَّهم لن يتلبَّثوا بعدها إلّا يسيرًا، فإذا نفضوا أيديهم من التُّراب وأسلموها، رَتَعُوا في نعمة زمنًا، ثمَّ لحقوا بها وصاروا في برزخ إلى يوم يبعثون، سادِمين نادمين على كلِّ ساعة لم يتزوَّدوا فيها من التَّقوى. لله دَرُّ الدَّافنين لأحبَّة أما راعهم مثوى من الأرض ضيِّق؟! ما لهم لم تعِظْهم دموعٌ تستهلّ على من يغيَّب في ضريح، أو تهزّهم قلوب تحنو على من يوسَّد في حفرة عفراء تعاف نفوس وردها؟! لا جَرَمَ أنَّ حسرة الإنسان تعظم حين تحضره الوفاة؛ لأجل ساعة لم ينفقها في طاعة الله تعالى، وَلَا غَرْوَ أنَّ فرحته تعظم لما قدَّمت يداه من تُقَىً لله؛ فَنَفْسَك نَفْسَك فاغنمها، شمِّر هُدِيت عن ساق واتَّزر، وشدَّ مئزرك مِنْ قبل التّنَدُّمِ وَالتَّحَسُّرِ على ما فرَّطت في جنب الله تعالى، واضْرَعْ إليه مبتهلًا، ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ [المؤمنون].

стр. 21

ألا بُعْدًا لمَنْ أنفق عمره في الشَّهوات ومقارفة السَّيِّئات، لا يخشى أن يحيق به سوء مكره، ولا يخاف أن تصيبه المَثُلَاتُ! ألا تَعْسًا ونُكْسًا لمن غَدَا وَرَاحَ ضاربًا فِي غمرة اللَّهْو يَعْمَهُ في ضلالته، وقد فتَّح أَبْوَابَ شَرٍّ لِنَفْسِهِ، ولم يَسُؤْه سُوءُ عمله، ولَمْ يَشِنْهُ شَيْن فعله، بل رآه حسنًا، مغترًّا بعمر قصير، غافلًا عن أجل ومصير، متى يعوّض هذا الخاسِرُ الدَّابِرُ ما أنفقه، ويدرك ما ضيَّعه، ويستدرك على نفسه ما سبقها الصّالحون إليه؟! فارجع قبل الحسرات، وقبل أن يقولوا مات. وتعجب حين تعلم أنَّ من النَّاس من يأتيه الموت واعظًا فلا ينتفع، ويأتيه الشّيب نذيرًا فلا يرتدع! ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ... (٨)﴾ [فاطر]، ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾ [محمّد]. هذا وطوبى لمن استجاب لله تعالى والرَّسول ﷺ ، ووضع عن نفسه أَوْزَارَهَا، وحَطَّ عنها أَثْقَالَها. أُخَيّ، هذا كتاب وسمته بالصَّحيح المأثور، أردت أن أطَيِّب بِهِ الأَنْفُسَ عَنْ مَوْتَاها، لأنَّه لا يَعْرَى أحدٌ من مصيبة بحميم أو فاجعة بكريم، فلَعَلَّهُ يأْسُو الكَلْم، ويرمّ الثَّلْم، ويجلو الهمَّ، ويداوي السّقم، ويدمل الجرح، ويطفئ الجمر، ويأخذ باليد، ويحسر الكرب، ويُذلّ الخطب. أحسبه مُتَّعَظًا ناجعًا، وذخرًا نافعًا، وجوابًا شافيًا، وزادًا وافيًا، وبرهانًا عذبًا نميرًا صافيًا، لمن أراد النّجاة وثواب الدَّار الآخرة. فيه من الحُجَّة ما يحمل على المَحَجَّةِ، ومن العظات ما يملأ القلوب رغبة

стр. 22

ورهبة، ولا أيأس من رَوْحِ الله تعالى، فكم من حُجَّة أتت على مُهْجَة. أذكر فيه باختصار دون احتفال وإكثار: فضل الزُّهد في الدُّنيا المدبرة والتَّقَلُّل منها، والاستعداد للآخرة المقبلة وَالتَّأَهُّب لها، والمرض وفضله، وساعة الموت، وَمَا يَرِدُ على الميِّت حال الاحتضار، وصفة ملك الموت ورسله، وَحَال الرُّوح بعد مُفَارقَة البدن وصعودها إِلى الله تَعَالَى، والتقائها بالأرواح ومقرّها بعد ذَلِك، والْقَبْر وضمَّته وفتنته ونعيمه وعذابه وسعته وضيقه وَمَا ينفع فِيهِ، والخروج منه. وَضَمَّنْتُهُ بعض سنن وآداب وأحكام: المحتضر، والميِّت، والجنازة؛ إِتْمَامًا لِلْفَائِدَةِ، وبلوغًا إلى الغاية، مُتَتَبِّعًا لذَلِك من القرآن الكريم، والحديث الشَّريف المنيف، والمأثور عن الصَّحابة? والتَّابعين، والمنقول عن جمهور الفقهاء والأصوليين، والرَّاجح من أقوال العلماء المتقدِّمين والمتأخِّرين، مُسْتَمْسِكًا بالدَّليل، مقدِّمًا الأعلى سندًا ومتنًا، جامعًا بين الرِّواية والدّراية، موفِّقًا بين الرِّوايات الَّتي يبدو فيها تعارض، مستوعبًا تضارب الآراء، دون تعصُّب إلّا للدَّليل، ساعيًا للوصول إلى الْحَقِّ جَهْدِي، ناظرًا إلى سلامة الاستدلال ومقاصد الشَّريعة، وفقه الواقع وتغير الحال وفقه المآل، آخذًا بإحكام بالأحكام، ملحقًا فروعها بأصولها، دون تفصيل وتطويل، منبّهًا إلى بعض الأخطاء الشَّائعة، والأباطيل الذَّائعة: ... ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ... (٩)﴾ [النّحل]، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [المائدة]. وقد استغرقت في إملائه ثلاث سنوات وبضعة أشهر، فلم أكن كَحَاطِبِ لَيْلٍ لا يبالي ما يأخذ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وكان ابتدائي به في الثّاني والعشرين من شهر

стр. 23

صفر عام ألف وأربعمائة وثلاثة وثلاثين للهجرة، الموافق للسّابع عشر من شهر كانون الثّاني عام ألفين واثني عشر للميلاد، وكان الفراغ من تحريره في الثّالث من شهر محرّم عام ألف وأربعمائة وسبعة وثلاثين للهجرة، الموافق للسّابع عشر من تشرين الأوّل عام ألفين وخمسة عشر للميلاد، فَلَكَ الْحَمْدُ رَبَّنَا على تمام هذا العمل قبل انقضاء الأجل وتمام العدّة وذهاب المدّة. ورحمة الله تعالى ومغفرته والسُّقيا سجالًا على مَنْ أعانني في هذا العمل ما لاح نجم أو أَفَل. وختامًا، إن أصبت فإنّي بأجر المصيب أمنِّي النَّفس، وإن أخطأت بشيء فَإِنِّي أسليها بمعذرة لبيب أو دعاء حبيب ينفعني في الرَّمس. رِضَاكَ ربّي قبل لِقَاكَ! هَبْ لي توبة تذهب ذنوبي، واعفُ عَنِّي ما كَان منِّي، واستر ما علمت من عيوبي! المؤلّف أحمد محمود الشّوابكة أبو عبيدة

стр. 24

القسم الأوّل ساعة الموت فضل الزهد في الدّنيا والتّقلّل منها ليس من إنسان عَلَتْه يومًا ضحكة إلَّا عرَتْهُ بعدها عَبْرَةٌ، ولا أتته ساعة يحبُّها إلَّا أعقبتها ساعة يكرهها، وَلَمْ تَمُرَّ عليه ليلة وهو سليم إلَّا جاءته أخرى وهو سقيم، ولم تظلّه سحابة رخاء إلَّا هطلت عليه سحائب بلاء، لهفي عليك لا تأمن الدَّهر وصروفه، وانظر الموت وصنوفه. إنَّ الدُّنيا متاع غرور قليل فخلِّها، ولا تطمئنَّ بها، ولا تُطَوِّل أَمَلَك فِي عِمَارَتها، فلم تُخْلَق لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، فهي دار مَمَرٍّ إلى دار مقرّ، سرعان ما ترحل عنها إلى دار سواها: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ [غافر]. فأقلّ الهَمَّ فيها، وبعِّد أَمَلك عَنْهَا، وقرِّب عَلَى نَفْسِك أَجَلك، فما فيها لحيٍّ مِنْ بقاء، وصدق القائل: على زهرَةِ الدُّنْيَا السَّلَام من امرئٍ ... يرى كُلَّ مَا فِيهَا يَزُولُ وَيذْهبُ وحدِّث نفسك بذكر هاذم اللَّذَّاتِ واغلظ عليها، فكم روَّع الموت قلوبًا، فاستعدّ له لعلَّ وطأته تخفّ عليك إذا نزل بساحتك، قال النَّبيُّ ﷺ : "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" (١). فلا تأمن الدُّنيا وإن طالت سلامتك؛ فأنت على سفر لا رجعة فيه، فَهَلَّا أعددت الزَّاد لحسن المآب! والنَّفْسُ عَزُوفٌ أَلُوفٌ؛ إنْ زَهَّدْتها زهِدَتْ وإن رَغَّبْتها رَغِبَتْ، فخذ مِنْ

стр. 25

نفسك لنفسك، واسع فِي دُنْيَاكَ لِآخِرَتِكَ، وأعدّ الْعُدَّةَ لِبُعْدِ الشُّقَّةِ، وتزوَّد من التَّقوى لِلَيْلَةٍ صَبِيحَتُهَا يَوْم الْقِيَامَةِ؟ ! وَعَظَ النَّبيُّ ﷺ رجلًا، وقال له: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ" (١). ازهد في الدُّنيا مقتديًا بالنَّبيِّ ﷺ الَّذي زهد في المباح، وكَرِهَ لِابْنَتِهِ مَا كَرِهَ لِنَفْسِهِ مِنْ تَعْجِيلِ الطَّيِّبَاتِ فِي الدُّنْيَا، أَتَى النَّبيُّ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ ﵂، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، وَجَاءَ عَلِيٌّ ﵁، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا. مَا لِي وَلِلدُّنْيَا" (٢). ومَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِالسُّوقِ، دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ (٣)، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ (جَانِبَهُ)، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ (صَغِير الأذنين) مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ: ... "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ قَالُوا: وَالله لَوْ كَانَ حَيًّا، كَانَ عَيْبًا فِيهِ، لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ فَقَالَ: فَوَالله لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله، مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ" (٤).

стр. 26

ولذلك فإنَّ المؤمن يَسْتَعِدُّ لِلِارْتِحَالِ عن الدُّنيا، وَيَتَشَوَّفُ إلى الآخرة، بخلاف الكافر الَّذي يحرص على طول المقام فيها، ويمدّ عينيه إلى زخرفها، ويحذر فوات نعيمها، ويرغب في الخلود فيها، قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ... (٩٦)﴾ [البقرة]، وقال النَّبيُّ ﷺ : "الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ" (١). فاحذر زهرة الدُّنيا والمغالبة عليها، واحذر سطوة الموت أن تأتي على مهجة أودت بها الغفلة، قال النَّبيُّ ﷺ : "فَوَالله مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" (٢). وَلَا يَغْرُرْكَ أنَّ أعداءَ الله تعالى فِي رَخَاءٍ وَلِينِ عَيْشٍ، قَالَ تَعَالَى تَسْلِيَةً للمؤمنين: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التّوبة]، وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الحجر]. وانظر إلى فعل الأمر (ذَرْ) وما ينطوي عليه من تهديد لهؤلاء الّذين يؤمِّلون

стр. 27

طول الأعمار وقضاء الأوطار، وتحقيق الآمال والأحلام. فما أقبلت الدُّنيا على قوم إلّا تنافسوها، فوقع بينهم لأجل ذلك التَّحاسد والتَّدابر، وقدَّموا نصيبهم من الدُّنيا على حظِّهم من الآخرة، وقاتلوا عليه، إلّا مَنْ رحم الله تعالى. فلا تصحب الدُّنيا، ولا تأنس فيها كما أَنِس فيها الغافلون، قَال النَّبيُّ ﷺ : "أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرُ الله وَمَا وَالاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ" (١). أرأيت ذَمَّ ما ألهى من الدُّنيا عن ذكر الله تعالى وأشغل عن طاعته؟ وقد أخبر الله تعالى عَنْ خُسْرَانِ مَنْ لَهَا عَنْ ذكر الله تعالى بِغَيْرِه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون]. وأمَّا ما أعان على طاعة الله تعالى من الدُّنيا فليس مذمومًا، قال تعالى: ... ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النّور]. فلا تَفْرَحَنَّ من الدّنيا بلذيذ عيش؛ فإنّ قصاراه لَحْدٌ ضيّق: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾ [الرّعد].

стр. 28

واحذر أهل المعاصي ومَنْ يلحق بهم مِن أصحاب خوارم المُرُوءَةِ، فالفرع يحمل على الأصل، فَنَفْسَكَ احْفَظْهَا وشرِّد بها عنْهم، لعلّك تَنْجو سالِمًا مِنْ مندمٍ، وتفوز بنعيم مقيم وَتَغْنَم! قلة لبث الإنسان في هذه الدّار دَخَلَ عُمَرُ ﵁ على النَّبيِّ ﷺ ، وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقَالَ: ... يَا نَبِيَّ الله، لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا، إِلا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا" (١). ولذلك يقول عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ ﵄: أَخَذَ رَسُولُ الله ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" (٢). و(أو) للإضراب بمعنى (بل)، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ... (٧٧)﴾ [النّحل]. وَمعنى أو الإضرابيّة الإضراب عَن الأول وَالْإِثْبَات للثَّانِي، فهو لا يريدك أن تكون في الدّنيا غريبًا مستوحشًا فيها، بل أكثر من ذلك، يريدك أن تكون فيها عابِرَ سبيل، وعابرُ السَّبيل مَنْ يسير طالبًا وطنه، أو الَّذي يمرّ بالمكان دون أن يقيم فيه، ويجتازه قاصدًا منزله. قلّة متاع الدّنيا قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ... (٧٧)﴾ [النّساء]،

стр. 29

وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التّوبة]، وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ... (٤٥)﴾ [الكهف]. الزّجر عن اغترار المرء بما أوتي من هذه الدّنيا الفانية وزهوه في شيء منها حَضَّ الله تعالى عباده على الزُّهد في الدُّنيا وعدم الاغترار بشَيْءٍ مِنْها، وعلى الرَّغبة في الآخرة، قال تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ [الشّورى]، وقال ﷺ : "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الخُيَلاءِ، خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (١)، فلا تُعْجِبكَ نَفْسُكَ بما أوتيت من حطامها، فهذه الدُّنيا تَغُرُّ وَتَضُرُّ فكُنْ منها على حذر. الأجل أسرع من العمل كم مِن آمل مبتلى ببعد الأمل والغفلة عن الأجل، مرَّ النَّبيُّ ﷺ بِالصَّحَابِيِّ الجليل عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو ﵄، وكان يطيّن حائطًا له هو وأمّه، فأرشدهما ﷺ إلى أنَّ المَوْت أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ، وأنّ إصلاح العمل للآخرة أولى، وأنّ الموت قريب، ليقصر أملهما، عنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: مَرَّ بِنَا رَسُولُ الله ﷺ وَنَحْنُ نُصْلِحُ خُصًّا لَنَا، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ قُلْنَا: خُصًّا لَنَا، وَهَى فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ، قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنَّ الْأَمْرَ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ" (٢).

стр. 30

فيا أيّها الغافل أفق، فكلّ مقيم على سفر، وكلّ عمل سينهيه أجل، وما انقضت ساعة من الدَّهر إلّا زادتك نقصًا من العمر. السّفر القصير والسّفر الطّويل السَّفر نوعان: سفر قصير، وسفر طويل. وقد اجتمع ذكرهما في قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزّخرف]. فالإنسان في هذه الدُّنيا ضيف، والضَّيف لا بدَّ له أن يرتحل، ومبدأ سفره أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق]، وقد أجاد من قال: النّاسُ في هذِه الدُنيا عَلَى سَفرٍ ... وعن قَرِيبٍ بِهِم مَا يَنْقَضِي السَّفَرُ والسّفر الطّويل لا رجعة فيه إلى الدُّنيا فتجهّز للظَّعَنِ، قال تعالى: ... ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ [يس]. فماذا تنتظر إلّا مثل أيام أقوام أناخوا ثمّ رحلوا، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾ [يونس]، فَلَا بُدَّ يومًا أن تقطع سفر الدُّنيا القصير، وتمرّ

стр. 31

سِنُوكَ، فاجهد أن تتوسَّد التّراب خيرًا إذا ما وَارَاكَ لاحِد. النوم موت أصغر والموت نوم أكبر النَّوم شبيه الموت وشقيقه، وقد سمَّاه الله تعالى وفاة، والقيام منه بعث ونشور، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ [الأنعام]. وحين نضع جنباتنا لِنَنَامَ تصعد أرواحُنا، فمن كان أجله قد حان أمسك الله تعالى روحه فلا ترجع إليه، ومن كان في عُمُرِه بقيَّة باقية أرسل الله تعالى إليه روحه إلى أجل مسمَّى، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ... (٤٢)﴾ [الزّمر]. ولشبه النَّوم بالموت يسنُّ للعبد الدَّعاء، فقد كان النَّبيُّ ﷺ إذا أوى إلى فراشه يدعو الله تعالى بهذا الدّعاء: "بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ" (١) فإذا توفّاه الله تعالى كان آخر عهده ذكر الله تعالى. وكَانَ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا. وَإِذَا اسْتَيْقَظَ، قَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا

стр. 32

أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" (١). والنّوم ينافي صفات الكمال، ولذلك حَمِدَ اللهُ تعالى نفسه بِكَوْنِهِ ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ... (٢٥٥)﴾ [البقرة]، كما حَمِدَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ لَا يَمُوتُ، فقال ﷻ : ... ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ... (٥٨)﴾ [الفرقان]. المنيّة سنة كونيّة جارية لا تتبدل ولا تتحوّل الموت سُنَّة مِن سنن الحياة الَّتي لا تتخلَّف، فحكم المنيّة في البريّة ماضٍ لا مفرّ منه ولا مَحِيصَ عَنْهُ ولا محيد لأحد عنه، ولَا مَدْفَعَ لَهُ، ولا مناص ولا نجاة منه أبدًا، فلا بدَّ مِنْ حَتْفِ أَنْف وغوائل حتف، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ... (٨)﴾ [الجمعة]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ... (١٦)﴾ [الأحزاب]، وقال تعالى: ... ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ... (٧٨)﴾ [النّساء]. وكُلُّ إِنْسَانٍ مَاتَ شهيدًا أَوْ غريقًا أو حريقًا أو مريضًا أو بغتة، أَوْ وَقَصَتهُ دابة، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ بِأَيِّ حَتْفٍ زهقت نفسه، فَبِأَجَلِهِ؛ فلكلِّ أجل كتاب لا يعدوه، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف]، ولكل إنسان كتابٌ يتلوه ﴿ ... وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]، وهذا الكتاب كما قال ﷻ : ﴿ ... لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا

стр. 33

وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف]. وَأَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ الَّذِي كَانَت فِيهِ منيّته إنّما وقع بإرادة الله تعالى وحكمته، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ... (١٤٥)﴾ [آل عمران]، ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾ [الواقعة]، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... (١١)﴾ [التّغابن]، ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ... (١١)﴾ [فاطر]. فالله تعالى ضرب للخلائق آجالًا معلومة، وأنفاسًا معدودة، وخطوات محسوبة، بِحَيْثُ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ طَرْفَة عَيْنٍ. قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ ذات يوم: اللهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ الله ﷺ ، وَبِأَبِي ... أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ الله أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ" (١). والموت حَتْمٌ لَازِمٌ على الإنس والجنِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ" (٢).

стр. 34

جهل العبد بوقت موته وموضع حتفه الموت لا يؤمن في حال، فلا تدري متى يَغْشَاكَ وأين يلقاك، فما يمنعك أن تتهيَّأ له قبل أن يَبْغَتك ويَفْجَأكَ؟ ! قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ... (٣٤)﴾ [لقمان]، ومَنْ عَلِمَ ذلك عَمِلَ بقدر علمه، فمِن النَّاس مَنْ يحسن عمله ويبقى مستعدًّا لقدوم أجله، ومنهم من طال أمله وساء عمله، فاتّقوا الله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة]، فَلَهْفِي عليك لهفي؛ لا تدري متى يصيبك الموت فاحذر، وأَدِم فيه النَّظر. ما يذكّر بالموت ممَّا يبعث على ذكر الموت زيارة القبور، قال النَّبِيُّ ﷺ : "فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ" (١)، وقال ﷺ : "إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ" (٢). ولذلك كَانَ ﷺ يكثر مِن زيارة أهل البقيع، والدُّعاء والاستغفار لهم، فكُلَّمَا كَانَ لَيْلَة عائشة ﵂ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، كَانَ ﷺ يخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللهُمَّ، اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ" (٣). ويحمل على الشُّعور بالموت وتذكّر الآخرة عيادة المرضى، واتّباع الجنائز،

стр. 35

وما يتعلَّق بها، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "عُودُوا المَرْضَى، وَاتَّبِعُوا الْجَنَائِزَ تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ" (١)، فليكن الموت منك على بال. ما يقي من المكاره والكرائه ويصرف مصارع السّوء من أسباب السَّلَامَةِ مِنْ نوازل الدَّهرِ ودوائر الشَّرِّ مكارمُ الأخلاق، فلمّا خشي النَّبيُّ ﷺ على نفسه مِنْ مَجِيءِ المَلَكِ، قالت له خديجة ﵂: "كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَالله لا يُخْزِيكَ الله أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ" (٢)، فمعنى كلام خديجة ﵂ أنّه لا يصيبه مكروه لما جمع من مكارم الأخلاق وحميد الفعال. ويقي من موارد السُّوء أن تحفظ حدود الله تعالى، قال النَّبيُّ ﷺ يومًا لابن عبّاس ﵄: "احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ" (٣). وبرُّ الوالدين يدفع المكاره ويقي من سوء المصار ع، وقد جعله الله تعالى سببًا في إجابة الدُّعاء، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: " بَيْنَمَا ثَلاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لله صَالِحَةً، فَادْعُوا الله بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ، كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ

стр. 36

بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالحِلابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ الله لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ ... " (١). ويصرف عنك السُّوء أن تكون عبدًا مُخْلَصًا، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف]، فَعِلَّة صرف السُّوء والفحشاء عن يوسف ﵇ أنّه من عباد الله المخلصين. ويدفع ميتة السّوء وينجي من سوء الخاتمة التّقوى والصِّلة، روى أحمد بإسناد قويّ عن عليّ ﵁، قال: قال ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٢). واصطناع المعروف يقي من مصارع السّوء، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوء" (٣). فاصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله؛ فالمعروف حتّى لو ضاع عند

стр. 37

المصطنع إليه ولم يصب أهله فإنَّه لا يضيع عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ... (١١٥)﴾ [آل عمران]. إيثار الدنيا، والغفلة عن الآخرة حُبُّ الدُّنيا وإيثارها والغفلة عن الموت أمات قلوب كثير من النَّاس، وقد عَابَ الله تَعَالَى قَوْمًا بإيثار الْحَيَاةِ والغفلة عن الآخرة؛ حتّى لا نكون أمثالهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ [النّجم]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم]، فأحال الله تعالى كلَّ ذلك على الغفلة. وبَعْدَ غفلة يا ويح نفسي مِنْ غفلة، إذا فاز مَنْ فاز وكنت الخاسر! تعجيل التوبة لتأخير التّوبة آفات وشرور، فلو أَدْرَكَ العبدَ المَوْتُ وهو في غفلة، لتمنَّى لو أنَّ بينه وبين الموت بُعْدًا بَعِيدًا وأَمَدًا مَدِيدًا؛ ليدرك ما فوَّته، ويكَفِّرَ عَنْهُ كلَّ ذنب أَزْلَفَه وأَسْلَفَه. فَحَرِيّ بمن ركب ذنبًا أو قَارَفَ مَعْصِيَةً بجهالة أن يبادر إلى المغفرة بالتَّوبة الْخَلْصاءِ قبل الفوت والنَّدم، فالله تعالى يتفضّل على عبده التّائب بقبول توبته ومغفرة ذنبه؛ فقد أوجب الله تعالى مغفرته للتَّائبين، فقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ

стр. 38

تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه]. وعلى العبد أن يحمد الله تعالى أن أمدَّ في عمره أمدًا يتوب فيه وينيب إليه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... (١٧)﴾ [النّساء]، وكُلُّ تَوْبَةٍ قَبْلَ معاينة المَوْتِ فَهُوَ مِنْ قَرِيبٍ. أمَّا التَّوْبَة عِنْدَ المعَايَنَةِ والغرغرة فلَا تَنْفَعُ، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النّساء]، وقال النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" (١). فإيّاك والأمانيّ فقد غرَّت أقوامًا وأَرْدَت آخرين، فكم من النَّاس ابتلوا بتسويف أنفسهم، وفارقوا الدُّنيا ولم يحدثوا توبة: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ [سبأ]. وكم من رَجُل افْتُلِتَتْ نَفْسُه، وقد قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ والآثام، وحيل بينه وبين التّوبة، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال]. ... فَخَلِّ سَبِيلَ الْعَيْنِ بعدك للبكا ... فليس لأيَّام الصَّفاء رجوعُ وقد رأينا كيف يختطف الموتُ مِنْ بين أيدينا مَنْ في القلوب مقامهم،

стр. 39

أصفياء لا يَصْفُو عَيْشٌ بَعْدَ بعادهم، ومن العجب أن فارقونا ونقوى على العيش بعد فراقهم! ولم نستطع أن ندفع عنهم، أو نحول بينهم، فاخْتُلِجُوا مِنْ بيننا، وخرجوا من الدُّنيا وقد تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وصارت كلّ نفس رهينة عملها، وحبيسة كسبها: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ... (٥١)﴾ [إبراهيم]. فيا أَصَمَّ الأُذْنِ، يا من شغلتْه الشّواغِل، وحالت دون توبته الحوائل، الإنابةَ قبل أن يمدَّ لك الموت يدًا ويسدّ باب الإجابة، إيّاك أن تموت مصرًّا على مَعْصِيَة أَو قانطًا من رَحمة، فتقيم عَلَى مَا لَا قِبَلَ لَكَ بِهِ. إنّ في تأخير التّوبة من الضَّرر ما لا يخطر لك على بال، ولا يدور لك بخيال، فابعد عن المعاصي بعدًا لا بُعْد بَعْده، فَوَاحَسْرَتَاهُ حتّى متى اللَّهْو والسَّهو، ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ... (٥)﴾ [العنكبوت]، وكلّ آت قريب. كم ودِّع بعد طيب حياة إِلْف حبيب، وتفطَّرت عليه من وَجْد أكباد، وتقطَّعت قلوب، بعد أن رحل إلى محلّةِ الأمْواتِ، وكِفاتِ الرُّفاتِ، أصبح بعد الحياة مواتًا، وبعد غضارة العيش رفاتًا. فاحرص على عمل يُغْفَر به ذنبُك، ويرفع به ذكرك قبل أن تخرج نفسُك، فكم إنسان غاب عنّا في التُّرْب عَيْنًا، وبقي مَعْنىً، وكم من حاضر مَعَنا غائب مَعْنىً، فاستقبِل الموت بتوبة وعمل به ترضى. الاستعداد للرّحيل والتّأهب للموت إنَّ امتداد العمر ينذر بفواجع الدّهر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ

стр. 40

قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ... (٥٤)﴾ [الرّوم]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ... (٧٠)﴾ [النّحل]. وعَنْ أَنَس ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَدْعُو: "أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ وَالكَسَلِ، وَأَرْذَلِ العُمُرِ" (١)، فما الرّغبة في أرْذَل العمر؟ ! هذا وَمَنْ عُمِّر وارى الأحبَّة كُلَّهم في التّراب، وأُسْلِم لهموم طارقات وغموم سابغات، فَمَنْ لم يذق الموت ذاق ما هو أوجع! قَالَ الإمام الْبُخَارِيُّ: إنْ عِشْتَ تُفجع بالأحِبّةِ كلِّهم ... وفناءُ نَفْسِك لا أبالَكَ أفْجعُ ومَنْ عُمِّر وأُخِّر فهو كزَرْع آنَ حَصَادُهُ، ولا عذر له، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ... (٣٧)﴾ [فاطر]، وقال النَّبيُّ ﷺ : "أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ، حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً" (٢). ومع هذا فمن النَّاس مَنْ يكبر وتكبر معه الرَّغبة في طول العمر، قال النَّبيُّ ﷺ : "يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ المَالِ، وَطُولُ العُمُرِ" (٣). إنّ الاسْتِعدادَ لِلْمَوْتِ، وتَوْطِينَ النَّفْس عَلَيْهِ، والتَّجافي عن هذه الدّار، علامةُ خير، فما في الحياة بقاء لأحد ولا خلود، فكم من مصبح ينتظر المساء لم يبْلُغْه، وكم من مُسْتَقْبِلٍ ليلة لم يَسْتَكْمِلْها، وكم من رجل مدَّ يده إلى طعام متلذّذًا لم
следующие страницы →