بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالحِلابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ الله لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ ... " (١).
ويصرف عنك السُّوء أن تكون عبدًا مُخْلَصًا، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف]، فَعِلَّة صرف السُّوء والفحشاء عن يوسف ﵇ أنّه من عباد الله المخلصين.
ويدفع ميتة السّوء وينجي من سوء الخاتمة التّقوى والصِّلة، روى أحمد بإسناد قويّ عن عليّ ﵁، قال: قال ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٢).
واصطناع المعروف يقي من مصارع السّوء، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوء" (٣).
فاصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله؛ فالمعروف حتّى لو ضاع عند
стр. 37
المصطنع إليه ولم يصب أهله فإنَّه لا يضيع عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ... (١١٥)﴾ [آل عمران].
إيثار الدنيا، والغفلة عن الآخرة
حُبُّ الدُّنيا وإيثارها والغفلة عن الموت أمات قلوب كثير من النَّاس، وقد عَابَ الله تَعَالَى قَوْمًا بإيثار الْحَيَاةِ والغفلة عن الآخرة؛ حتّى لا نكون أمثالهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ [النّجم]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم]، فأحال الله تعالى كلَّ ذلك على الغفلة. وبَعْدَ غفلة يا ويح نفسي مِنْ غفلة، إذا فاز مَنْ فاز وكنت الخاسر!
تعجيل التوبة
لتأخير التّوبة آفات وشرور، فلو أَدْرَكَ العبدَ المَوْتُ وهو في غفلة، لتمنَّى لو أنَّ بينه وبين الموت بُعْدًا بَعِيدًا وأَمَدًا مَدِيدًا؛ ليدرك ما فوَّته، ويكَفِّرَ عَنْهُ كلَّ ذنب أَزْلَفَه وأَسْلَفَه.
فَحَرِيّ بمن ركب ذنبًا أو قَارَفَ مَعْصِيَةً بجهالة أن يبادر إلى المغفرة بالتَّوبة الْخَلْصاءِ قبل الفوت والنَّدم، فالله تعالى يتفضّل على عبده التّائب بقبول توبته ومغفرة ذنبه؛ فقد أوجب الله تعالى مغفرته للتَّائبين، فقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ
стр. 38
تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه]. وعلى العبد أن يحمد الله تعالى أن أمدَّ في عمره أمدًا يتوب فيه وينيب إليه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... (١٧)﴾ [النّساء]، وكُلُّ تَوْبَةٍ قَبْلَ معاينة المَوْتِ فَهُوَ مِنْ قَرِيبٍ.
أمَّا التَّوْبَة عِنْدَ المعَايَنَةِ والغرغرة فلَا تَنْفَعُ، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النّساء]، وقال النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" (١).
فإيّاك والأمانيّ فقد غرَّت أقوامًا وأَرْدَت آخرين، فكم من النَّاس ابتلوا بتسويف أنفسهم، وفارقوا الدُّنيا ولم يحدثوا توبة: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ [سبأ].
وكم من رَجُل افْتُلِتَتْ نَفْسُه، وقد قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ والآثام، وحيل بينه وبين التّوبة، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال]. ...
فَخَلِّ سَبِيلَ الْعَيْنِ بعدك للبكا ... فليس لأيَّام الصَّفاء رجوعُ
وقد رأينا كيف يختطف الموتُ مِنْ بين أيدينا مَنْ في القلوب مقامهم،
стр. 39
أصفياء لا يَصْفُو عَيْشٌ بَعْدَ بعادهم، ومن العجب أن فارقونا ونقوى على العيش بعد فراقهم! ولم نستطع أن ندفع عنهم، أو نحول بينهم، فاخْتُلِجُوا مِنْ بيننا، وخرجوا من الدُّنيا وقد تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وصارت كلّ نفس رهينة عملها، وحبيسة كسبها: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ... (٥١)﴾ [إبراهيم].
فيا أَصَمَّ الأُذْنِ، يا من شغلتْه الشّواغِل، وحالت دون توبته الحوائل، الإنابةَ قبل أن يمدَّ لك الموت يدًا ويسدّ باب الإجابة، إيّاك أن تموت مصرًّا على مَعْصِيَة أَو قانطًا من رَحمة، فتقيم عَلَى مَا لَا قِبَلَ لَكَ بِهِ. إنّ في تأخير التّوبة من الضَّرر ما لا يخطر لك على بال، ولا يدور لك بخيال، فابعد عن المعاصي بعدًا لا بُعْد بَعْده، فَوَاحَسْرَتَاهُ حتّى متى اللَّهْو والسَّهو، ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ... (٥)﴾ [العنكبوت]، وكلّ آت قريب.
كم ودِّع بعد طيب حياة إِلْف حبيب، وتفطَّرت عليه من وَجْد أكباد، وتقطَّعت قلوب، بعد أن رحل إلى محلّةِ الأمْواتِ، وكِفاتِ الرُّفاتِ، أصبح بعد الحياة مواتًا، وبعد غضارة العيش رفاتًا.
فاحرص على عمل يُغْفَر به ذنبُك، ويرفع به ذكرك قبل أن تخرج نفسُك، فكم إنسان غاب عنّا في التُّرْب عَيْنًا، وبقي مَعْنىً، وكم من حاضر مَعَنا غائب مَعْنىً، فاستقبِل الموت بتوبة وعمل به ترضى.
الاستعداد للرّحيل والتّأهب للموت
إنَّ امتداد العمر ينذر بفواجع الدّهر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
стр. 40
قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ... (٥٤)﴾ [الرّوم]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ... (٧٠)﴾ [النّحل]. وعَنْ أَنَس ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَدْعُو: "أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ وَالكَسَلِ، وَأَرْذَلِ العُمُرِ" (١)، فما الرّغبة في أرْذَل العمر؟ !
هذا وَمَنْ عُمِّر وارى الأحبَّة كُلَّهم في التّراب، وأُسْلِم لهموم طارقات وغموم سابغات، فَمَنْ لم يذق الموت ذاق ما هو أوجع! قَالَ الإمام الْبُخَارِيُّ:
إنْ عِشْتَ تُفجع بالأحِبّةِ كلِّهم ... وفناءُ نَفْسِك لا أبالَكَ أفْجعُ
ومَنْ عُمِّر وأُخِّر فهو كزَرْع آنَ حَصَادُهُ، ولا عذر له، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ... (٣٧)﴾ [فاطر]، وقال النَّبيُّ ﷺ : "أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ، حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً" (٢).
ومع هذا فمن النَّاس مَنْ يكبر وتكبر معه الرَّغبة في طول العمر، قال النَّبيُّ ﷺ : "يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ المَالِ، وَطُولُ العُمُرِ" (٣).
إنّ الاسْتِعدادَ لِلْمَوْتِ، وتَوْطِينَ النَّفْس عَلَيْهِ، والتَّجافي عن هذه الدّار، علامةُ خير، فما في الحياة بقاء لأحد ولا خلود، فكم من مصبح ينتظر المساء لم يبْلُغْه، وكم من مُسْتَقْبِلٍ ليلة لم يَسْتَكْمِلْها، وكم من رجل مدَّ يده إلى طعام متلذّذًا لم
стр. 41
يرفعها! وكمْ من طامع غير قانع نَافَسَ النّاس في شَيْءٍ واحتال ثُمَّ تركه وراء ظهره وَخَلَّاهُ، وكم مِنْ سَاعٍ وراء شهواته فَجَأَهُ الموْتُ وأَصَابَهُ قَدَرُهُ، فانطوى صدْرُه على
حسراته، فَوَيْحَكَ حتّى متّى تُفَرِّق عمرك بين الهزل واللّعب؟ !
حَتّى مَتى أنْتَ في لَهْوٍ وفي لَعِبٍ ... والمَوْتُ نَحْوَكَ يَهْوي فاغِرًا فَاهُ
تَلْهو وَلِلْمَوْتِ مُمْسَانا وَمُصْبَحُنا ... مَنْ لَمْ يُصبِّحْهُ وَجْهُ المَوْت مَسَّاهُ
حقيق على كلِّ ذي قَلْبٍ مُنِيبٍ أن يأخذ من دار مماته لدار معاده، وأن يعلم أنَّ الله تعالى أخفى ساعة الموت، فليس له عمر معلوم؛ لنكون على حَذَرٍ فنحن بلا ريب بالأثر.
وَلَوْ أَنَّ العبد أدرك أنَّ له نفسًا تراوده وتطغيه، وشيطانًا يغويه ويعاديه، وقال لنفسه إذا أمرته بالسُّوء: "تَحَمَّدِي يا نَفْسُ لا حَامِدَ لَكِ"، فقد تكون هذه خاتمة عملك ونهاية أجلك، ما تجرّأ على معصية، ولله القائل:
يَا نَفْسُ تُوبِي فَإنَّ المَوْتَ قَدْ حَانَا ... وَاعْصِي الْهَوى فالْهَوى مَا زَالَ فَتَّانَا
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَاشِرَ عَشْرَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا نَبِيَّ الله، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ، وَأَحْزَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: "أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَكْثَرُهُمُ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ، قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ أُولَئِكَ هُمُ الْأَكْيَاسُ، ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا، وَكَرَامَةِ الْآخِرَةِ" (١).
стр. 42
وكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ" (١). فإذا تنبَّهت إلى الموت، فهذا ممَّا أراده الله تعالى لك من الخير.
الدنيا يوم غده الآخرة
النَّاس على ثَلَاثة أَحْوَال متباينة في معيشتهم، فمن النَّاس مَنْ يعيش في طاعة، ومنهم من يعيش في معصية، ومنهم من يعيش في غفلة.
وخليق بمن قرأ كلام الله تعالى ألّا يغفل عن أمر آخرته وَالتَّزَوُّدِ لَهَا، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ... (١٨)﴾ [الحشر].
وانظر كيف عبَّر الله تعالى عن يوم القيامة بكلمة (غد) لقربه وتحقّق وقوعه، ونكَّر كلمة (نفس) وأفردها للإشارة إلى أنَّ الأنفس النَّاظرة في معادها قليلة، فَقَلَّ أن تجد نفسًا ناظرة، كما نكَّر كلمة غد؛ لتعظيم هذا اليوم وإبهامه، لتذهب النَّفسُ كلّ مذهب في تصوِّر عظمته وهول مطلعه.
فيا مقبلًا على أمله، لا يدري منتهى أجله، أَمْسِك واعمل لغدك وامهد لنفسك، فلو علمت ما بقي لك من الأجل لزهدت كثيرًا في طول الأمل.
وقد حثَّ النَّبيُّ ﷺ على قِصَرِ الْأَمَلِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِبَغْتَةِ الْأَجَلِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا، فَقَالَ: "هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ
стр. 43
جَاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ" (١).
ما ينتظر أحدنا ؟ !
كم في هذه الدَّار من أذى وقذى، كم أضحكت باكيًا وأبكت ضاحكًا، كم عاش فيها من سقيم وتخطّاه الموت، وكم من صحيح مات فيها من غير بَلِيَّةٍ، وكم عاش فيها من عاش مائة عام ومات آخر قبل فطام، وكم عمل فيها عَبْدٌ بعمل أهل
الجنّة فلم يختم له بخير، وعمل آخر بعمل أهل النَّار وختم له بخير.
فيا مَنْ يُؤَمِّلُ دارًا لا تُؤَمَّلُ، ويَأْمَنُ موتًا لا يُؤْمَنُ، ويودّ أن يعمَّر عُمْرًا طَوِيلَ الْآبَادِ بَعِيدَ الْآمَادِ، هَيْهَاتَ أن تَبْقَى في دار لا بقاء لها ولا ثبوت! فَخَبِّرْنِي مَا تنْتَظِرُ إِلَّا المرض أو الهرم أو الموت؟ !
الأمراض تكفّر الخطايا وإن قلّت
قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ الله ﷺ : "أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا مَا لَنَا بِهَا؟ قَالَ: كَفَّارَاتٌ، قَالَ أُبَيٌّ: وَإِنْ قَلَّتْ؟ قَالَ: وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا" (٢). ودَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ بِمِنًى، وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ (أي حَبْل خِبَاء)، فَكَادَتْ عُنُقُهُ، أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ، فَقَالَتْ: لَا تَضْحَكُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً، فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ" (٣).
стр. 44
القسم الثّاني
المرض وأحكامه
ثواب الصّبر على البلاء
مَنْ مُتِّع بكبر قيَّده هرم وبلي بسهر وَعِبَر، وعَضَّه ريب الدَّهر، فإذا صبرت على نكبات الدَّهر فإنَّ الله تعالى يدَّخر لك الأجر، وإن لم تصبر فما أنت بصانع؟ ! فماذا بعد أن يطول عليك سَالِف الأَبَد إلّا الموت في يوم أغرّ مشهَّر؟ !
إنّ الطَّريق إلى الجنَّة محفوف بِالمَكَارِهِ، والمؤمنون مُبْتَلَوْنَ في الأموال والأنفس، وممتحنون بضروب من البلاء وصنوف من المحن الصَّمَّاءِ، والفتن العمياء المُطْبِقَةِ، وممتحنون في الصَّبر والإيمان، ليمحِّصَ الله ﷻ الذُّنوبَ ويغفر الْحُوبَ، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمّد].
وقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ في غير حديث أنَّ الصَّبر على الأذى من مرض فما عداه يرفع الله تعالى به الدَّرجات ويحطُّ به السَّيِّئَاتِ، فيلقى العبد ربَّه نَقِيًّا مِنْ رَيْنِ الذُّنُوبِ، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا يَزَالُ البَلاءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ، حَتَّى يَلْقَى الله وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ" (١).
فالْأَمْرَاض من مُكَفِّرَاتِ الذُّنوب الّتي تَغْسِلُ الْخَطَايَا، قال النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ الله لَهُ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ
стр. 45
الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا" (١).
ولذلك إذا أحبّ الله تعالى عبدًا ابتلاه، قال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ" (٢)، وقال ﷺ : "إِذَا أَحَبَّ اللهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ" (٣).
والمؤمن مبتلى شَاءَ أَمْ أَبَى، قال ﷺ : "مَثَلُ المُؤْمِنِ كَالخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً، وَمَثَلُ المُنَافِقِ كَالأَرْزَةِ، لا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً" (٤).
وإنّما يُجْزَى المسلم بمصائب الدُّنيا من المرض والْهَمِّ والشِّدَّة والمشقَّة وَضِيقِ المَعِيشَةِ وَالْحُزْنِ وَالنَّصَبِ والخوف وَغَيْرِ ذَلِكَ لِما يُرْجَى مِنْ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ... ... (١٢٣)﴾ [النِّساء].
ومن رحمة الله تعالى أنّه لَيْسَ فِي الآية تَقْيِيدُ الْجَزَاءِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وإلّا لم يَنْجُ أَحَدٌ مِنْ عَمَلِ السُّوءِ فِي الْآخِرَةِ، ولذلك فإنَّ هَذَا الْجَزَاءَ قَدْ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِلَلِها ومحنها.
وقد أَشْكَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَمْرُ النَّجَاةِ مَعَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَظَنَّ أَنَّ
الْجَزَاءَ فِي الْآخِرَةِ لَا بُدَّ منه على عمل السُّوء، فَأَخْبَرَهُ ﷺ أَنَّ جَزَاءَ المؤمن بِمَا يَعْمَلُه
стр. 46
مِنَ السُّوءِ فِي الدُّنْيَا مَا يُصِيبُهُ مِنَ النَّصَبِ وَالْحُزْنِ وَالمَشَقَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ
حَتَّى لا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ.
عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ... (١٢٣)﴾ [النِّساء]؟ فَكُلُّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ جُزِينَا بِهِ، قَالَ: "غَفَرَ الله لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ـ قَالَهُ ثَلَاثًا ـ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْتَ تَمْرَضُ، أَلَسْتَ تَحْزَنُ، أَلَسْتَ تَنْصَبُ، أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهُوَ مَا تُجْزَوْنَ بِهِ فِي الدُّنْيَا" (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ... (١٢٣)﴾ [النِّساء]، بَلَغَتْ مِنَ المُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا" (٢).
وهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فيها بِشَارَةٌ للمؤمن بما له عند الله تعالى من الكرامة في الآخرة، فالمؤمن لَا يَنْفَكُّ عنه غالبًا مَرَضٌ أَوْ هَمٌّ أَوْ نَحْو ذَلِكَ من الْأَمْرَاض والأعراض والأسقام وَالْآلَام البدنيّة أَوْ القَلْبِيَّة، الّتي إذا قارنها الصَّبر عليها يكفِّر الله تعالى بها مَا شَاءَ مِن ذُنُوب مَنْ تَقَعُ لَهُ.
حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْعَافِيَةِ يَتَمَنَّوْنَ يوم القيامة أنَّ أجسادهم قرضت بالمقاريض
بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ الله لِي، قَالَ: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله أَنْ يُعَافِيَكِ" (١) فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ الله لِي أَنْ لا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.
وفيه فضل الصَّرع وثوابه، وَفِيهِ دفع الْأَمْرَاض بِالدُّعَاءِ واللّجوء إِلَى الله تعالى بصدق قصد وإخلاص نيَّة، وفيه أنَّ تلك المرأة المؤمنة صبرت على مرض الصَّرع ولم تصبر على التَّكَشُّفِ، فيا ليت نساء المؤمنين يدركْنَ اليوم ذلك!
فضل عيادة المريض
قال رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ، قِيلَ يَا رَسُولَ الله وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: جَنَاهَا" (٢).
وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ " (٣).
حكم عيادة المريض
عيادة المريض قُرْبَة إلى الله تعالى، يستحقُّ صاحبها الثَّواب إِذَا خَلصَتْ نِيَّتُهُ
لله تعالى. وعيادة المريض وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، لقول النَّبيِّ ﷺ : "حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى
المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ،
стр. 49
وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ" (١).
ولذلك بوَّب البخاريّ في كتاب المرضى (باب وُجُوبِ عِيَادَةِ المَرِيضِ) فَجَزَمَ بِالْوُجُوبِ، وأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا: عن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ" (٢).
والثّاني: حَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي الْأَمْرِ بِسَبْعٍ وَالنَّهْيِ عَنْ سَبْعٍ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ المَرِيضِ ... " (٣)
ولعلَّ ما يؤكِّد أن عيادة المريض واجب على الكفاية ما وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ" (٤).
استحباب السّؤال عن حال المريض إذا تعذرت زيارته
إذا تعذَّرت زيارة المريض، وصار الدّخول عليه عسيرًا، فإنَّه يستحبّ سؤال أهله عن حاله، وينبغي لمن يُسْأَل أن يجيب السَّائل بِمَا يَطْمَئِنُّ بِهِ خَاطِرُهُ، عن ابْن عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: "يَا أَبَا حَسَنٍ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ الله ﷺ ؟
стр. 50
فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ الله بَارِئًا" (١).
البكاء عند المريض
يستحبُّ لأهل الفضل زيارة المريض، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: "اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵃، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ (٢)، فَقَالَ: قَدْ قَضَى (٣)؟ قَالُوا: لا يَا رَسُولَ الله، فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا ... " (٤). وفيه جواز البكاء عند المريض إشفاقًا وحزنًا عليه وحرقة لحاله، وجواز اتّباع القوم لمن بكاه دون الزِّيادة على ذلك.
ما يقال عند المريض
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ، أَوِ المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ" (٥).
ما يُقال للمريض إذا دخل عليه
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، فَقَالَ: "لا بَأْسَ عَلَيْكَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله" (٦).
стр. 51
الدّعاء للمريض عند عيادته
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلا عُوفِيَ" (١). فينبغي لمن عاد مريضًا أن يدعو له بهذا الدّعاء سبع مرّات؛ فالنَّبيُّ ﷺ كَمَا أَخْبَرَ الله تَعَالَى عَنْهُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النّجم].
ما جاء في دعاء المريض لعوّاده
أمّا ما جاء في دعاء المريض لِعُوَّادِهِ، واستحباب طَلَب الدُّعَاءِ مِن المَرِيضِ لحديث عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مَرِيضٍ، فَمُرْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَكَ؛ فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ المَلَائِكَةِ" (٢)، فهذا حديث ضعيف لا يحتجّ به.
وما روي عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "عُودُوا المَرْضَى وَمُرُوهُمْ فَلْيَدْعُوا لَكُمْ، فَإِنَّ دَعْوَةَ المَرِيضِ مُسْتَجَابَةٌ وَذَنْبَهُ مَغْفُورٌ" (٣)، فهو موضوع، وما روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تُرَدُّ دَعْوَةُ المَرِيضِ حَتَّى يَبْرَأَ " (٤)، موضوع.
стр. 52
ما يدعو إذا رأى مبتلى
أرشدنا النَّبيُّ ﷺ إلى ما يمنع ويدفع عنَّا البلاء النَّازل بأحد الخلق كَائِنًا مَا كَانَ، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ رَأَى مُبْتَلًى، فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ " (١). فإذا رأيت مبتلى فاحمد الله تعالى أن عافاك، وادع بهذا الدّعاء، فمن دعا به عُوفِيَ -إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى- مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ مَا عَاشَ.
استحباب رقية المريض
مِنَ النَّاس مَنْ يدخل على المريض، ويجده يجود بأنفاسه، ولا يعرف هدي النَّبيِّ ﷺ في عيادة المريض، فيسأله عن حاله، وعَمَّا فَعَلَ ... ويترك السُّنَّة بجهله، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ، قَالَ: "أَذْهِبِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا " (٢).
وعنها ﵂، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَرْقِي يَقُولُ: "امْسَحِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، بِيَدِكَ الشِّفَاءُ، لا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا أَنْتَ" (٣).
وكان النَّبيُّ ﷺ يرقي المَرِيضَ بِالمُعَوِّذَاتِ وَالنَّفْثِ عليه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ
стр. 53
أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي" (١).
مسح الرّاقي وجع المريض بيده اليمنى
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بِيَدِهِ اليُمْنَى، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البَاسَ، اشْفهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا" (٢).
هذا وليعلم الرَّاقي والمرقيّ أن وضع اليد على الوجع أثناء الرّقية ليس لخصوصيَّة في يد الرَّاقي لصلاحه وتقواه، أو لأنَّه فاضل ويده كريمة ومباركة كما يتوهّم بعضهم، لا وإنّما هو اتّباع للنَّبيِّ ﷺ .
وبعض الرّقاة من الجهلة يضع يده على المريضة، قياسًا بالطَّبيب، ولا يقاس عليه، وما وقع النَّاس في المحذور إلّا لجهلهم بالمأمور.
رش وضوء العائد على المريض
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: "دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ، فَتَوَضَّأَ فَصَبَّ عَلَيَّ أَوْ قَالَ: صُبُّوا عَلَيْهِ، فَعَقَلْتُ (٣) " (٤).
وهذا الحديث بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ المرضى (بَاب وُضُوءِ العَائِدِ لِلْمَرِيضِ) وبوّب عليه في كتاب الوضوء (باب صَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَضُوءهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ) وفيه أنَّ وضوء العائد للمريض إذا كان مِنْ أَهْلِ الفضل المُتَّبِعِينَ لَسُنَنِ
стр. 54
النَّبيِّ ﷺ يُرْجَى نفعه، وصفة ذلك أن يؤخذ فضل وضوئه ويصبّ على المريض أو يرشّ عليه أو ينضح في وجهه.
عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: "عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ مَاشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ﷺ لا أَعْقِلُ شَيْئًا، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ" (١).
وعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "اشْتَكَيْتُ وَعِنْدِي سَبْعُ أَخَوَاتٍ لِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ ، فَنَضَحَ فِي وَجْهِي فَأَفَقْتُ" (٢).
وضع المريض يده على موضع الألم والدعاء بالشفاء
ويستحبُّ لِلْعَلِيلِ أن يضع يده على موضع الألم وَيَذْكُر اسْمَ الله ثَلَاثَ مِرَارٍ، ويَتَعَوَّذ بِالله سَبْعَ مِرَارٍ مِنْ شَرِّ مَا يَجِد وَيُحَاذِر، ويدعو الله تعالى بقوَّة يقين وصدق نيَّة، فلعلَّ الله تعالى يذهب عنه مَا كَانَ مِن الْأَلَمِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ ﵁، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ بِاسْمِ الله ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِالله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ" (٣).
الحمّى تكفّر الخطايا
الإنسان لا يخلو من علّة أو نقص أو قلّة في الحياة الدُّنيا، وكلّ ذلك لا يخلو
стр. 55
من نعمة، فمن صبر خرج من ذنوبه، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ المُسَيِّبِ فَقَالَ: "مَا لَكِ؟ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا ... أُمَّ المُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ (تُرْعَدِينَ)؟ قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ" (١).
فالمسلم إِذَا اعْتَرَته الْحُمَّى فِي دَارِ الدُّنْيَا، وصبر عليها وَسَلَّم لحكم الله تعالى كَانَتْ طَهُورًا له لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا مَثَلُ الْعَبْدِ المُؤْمِنِ حِينَ يُصِيبُهُ الْوَعْكُ، أَوِ الْحُمَّى كَمَثَلِ حَدِيدَةٍ تَدْخُلُ النَّارَ فَيَذْهَبُ خَبَثُهَا وَيَبْقَى طِيبُهَا" (٢)، فكما أنَّ النَّار تنفي عن الحديدة خبثها، كذلك الوعك أو الحمّى تنفي الخطايا عن المؤمن، فينصع طيبُه.
عَادَ رَسُولُ الله ﷺ مَرِيضًا وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ وَعْكٍ كَانَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "أَبْشِرْ، إِنَّ الله ، يَقُولُ: نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي المُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ" (٣)، فالْحُمَّى يستوفى عَلَيْهَا الثَّوَاب فِي الْعُقْبَى.
إبراد الحمى بالماء
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا
стр. 56
بِالمَاءِ" (١). وصِفَةُ التَّبْرِيدِ المُطْلَقِ فِي الحديث وكيفيّته وَرَدَ في فعل أسماء ﵂، فعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵄: "كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِالمَرْأَةِ قَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا، أَخَذَتِ المَاءَ، فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا (٢) " (٣).
ما في شدّة المرض من الفضل
من النَّاس من يشتدُّ عليه المرضُ عند موته، وهذه الشِّدَّة ليست من المنذرات بسوء الْعَاقِبَة، بل من المبشِّرات برفع الدَّرجات العالية، ولذلك تقول عَائِشَةُ ﵂: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ " (٤).
وعنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ قَالَ: أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا" (٥).
يُكْتَبُ لِلْمَرِيضِ مَا كَانَ يعمل وهو صحيح
من فضل الله تعالى أنَّه يجري عمل المريض عليه إذا حَبَسَهُ المَرَضُ مثل ما
стр. 57
كان يعمل في صحَّته، ويَكْتُب لَهُ أَجْرَ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، ويُعْطيه أَجْرَهُ مَا كَانَ مَحْبُوسًا مَوْثُوقًا حتّى يصير طَلِيقًا، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ، إِلَّا أَمَرَ اللهُ الْحَفَظَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ، مَادَامَ مَحْبُوسًا فِي وَثَاقِي" (١).
وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا اشْتَكَى الْعَبْدُ المُسْلِمُ، قِيلَ لِلْكَاتِبِ الَّذِي يَكْتُبُ عَمَلَهُ: اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذْ كَانَ طَلِيقًا، حَتَّى أَقْبِضَهُ أَوْ أُطْلِقَهُ" (٢).
استحباب طلب الموت في بلد شريف
ويسْتَحَبُّ طَلَبُ المَوْتِ فِي بَلَدٍ شَرِيفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ ﷺ " (٣).
والعاقل مَنْ تفطَّن لأجله وعمل لما بعد الموت وأبْصر الْعَاقِبَة، والجاهل من عمي عَنْ ذلك.
стр. 58
القسم الثالث
أحكام المحتضر: ما على المحتضر
لكل مؤجَّل أجل
ماذا بعد الحياة إلّا الممات، ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ... (٢٦)﴾ [الجاثية]، فإذا دنا أجل الإنسان، ولم يبْقَ إلّا بَقِيَّة رُوح، وأَشْفَى عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَبَاتَ يُحَشْرِجُ، وأخذت نفسه تتَرَدَّد فِي حَلْقِه تكابد غُصَصَ المَوْت، وَضَاقَ الصَّدْرُ، وزاغ الْبَصَرُ، وبَلَغَت الرّوحُ التَّرَاقِي، واقْشَعَرَّ الْجِلْدُ، وَتَشَنَّجَتِ الْأَصَابِعُ، ومَالَ الأَنْفُ، وانخسف الخدَّان، وغارت العينان، واسترخت القدمان، وأتى اليقين، وعرق الجبين ... فهل إلى خلاصٍ بعد ذلك من سبيل؟ !
هَاكَ نصحي فأَصِخ له ولا تجعله منك بظهر، وأَقْبِل قَبْل أن تعاين الموت وتضيق بك بلاد الله رحبها! اتَّقِ الله فأنت يومًا إلى الله صائر بأعمالك قَدَرًا، واندم على ما فات، وكفَّ عن اجْتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ، مخافةَ أن يخونَك لسانُك ساعةَ الاحتضارِ، فتكون ذميمَ المصْرعِ، وخيمَ المرتع، ضيِّقَ المضجع.
إنّ عِنْدَ الله مسأَلَةً فَاحِصَةً، فَأَعِدَّ لها جَوَابًا وجلبابًا، قال الله تعالى: ... ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر].
ماذا على من نزل به الموت أن يفعل ؟ !
دخلت على كَثِير مِنَ المُحْتَضرِينَ، وأعْزِزْ عليَّ بأنْ أراهم مفارقين وعن هذه الدَّار راحلين، وزاد أحزانًا فِي نَفْسِي أنِّي عرفت أنَّ كثيرًا منهم لا يعرف ما عليه فعله في هذه السَّاعة؛ فمن الأمور الَّتي تلزم من كان فِي سِيَاقِ المَوْتِ: أن يرضى بالقضاء ويحمد الله تعالى حتّى على نزع روحه، وأن يحسن الظَّنَّ بالله تعالى، وأن
стр. 59
يكون بين الخوف والرّجاء، وألّا يتمنَّى الموت، وأن يؤدِّي ما عليه، وأن يكثر من الذِّكر والاستغفار والدُّعاء، وأن يسأل الله ﷻ أن يقبضه على لا إله إلّا الله، وأن يوفّقه لعمل صالح بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ، وأن يتعوّذ بالله من أن يتخبَّطه الشَّيطان عند موته، وأن يكتب وصيَّته، وَإِلَيْك بَيَان ذَلِك.
أوّلاً: أن يرضى بالقضاء ويحْمَد اللهَ حَتّى عَلَى قَبْضِ رُوحِه
على المحتضر أن يصبر ويرضى بقضاء الله تعالى، فالمُؤْمِنُ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ، قال النَّبيُّ ﷺ : "عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" (١).
وعليه أن يحْمَدَ اللهَ تعالى حَتىَّ عَلَى قَبْضِ رُوحِه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ يَقُولُ: إِنَّ عَبْدِي المُؤْمِنَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ كُلِّ خَيْرٍ، يَحْمَدُنِي وَأَنَا أَنْزِعُ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ" (٢)، وقال النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ المُؤْمِنَ تَخْرُجُ نَفْسُهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ وَهُوَ يَحْمَدُ اللهَ " (٣).
فقابل قضاء الله تعالى بعين الرِّضا ولا تجزع ما دام الجزع لا يَدْفَع حتفًا قاضيًا، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان].
أَتَجْزَعُ إنْ نَفْسٌ أَتَاهَا حِمَامُها ... فهلَّا الَّتِي عَن بَين جنبَيْك تَدْفعُ
стр. 60
ثانيًا: أن يحُسْنَ الظَّنَّ بِالله تَعَالَى عِنْدَ المَوْتِ
حذَّر النَّبيُّ ﷺ من القنوط واليأس، وَحَثَّ على الرَّجاء عند الخاتمة، ودعا إلى مُجَانَبَةِ سُوءِ الظَّنِّ بالله تعالى، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَقُولُ: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِالله " (١).
والمراد بحسن الظَّنِّ بالله تعالى أَنْ يظنَّ العَبْدُ أنَّ الله تعالى يرحمه ويعفو عنه إذا نزل به الموت؛ ولذلك ينبغي أن يُبَشَّرَ الإنسانُ عند موته، ويُذَكَّر بمحاسن عمله حَتَّى يلقى الله تعالى وَهُوَ حسن الظَّنِّ به، فالله تعالى يجازي بحسب الظَّنِّ به، فَمَنْ رَجَا رحمة الله تعالى، وظنَّ أنّه يعفو عنه ويغفر له فله ما أَمَّلَ وَرَجَا، قال النَّبيُّ ﷺ : يَقُولُ الله تَعَالَى: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي" (٢)، وقال ﷺ : قَالَ اللهُ : "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ" (٣)، وقال ﷺ : قَالَ اللهُ : "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي" (٤)، وقال ﷺ : إِنَّ الله جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظنَّ شرًّا فله" (٥).
стр. 61
والظَّنُّ نوعان: حسن مُنْجٍ، وقبيح مُرْدٍ، فالأوّل: مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة]، والثّاني: قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصّلت].
فتَحْسِين الظَّنِّ بالله تَعَالَى مَنْدُوبٌ لِلْمَرِيضِ، خاصّة المريض مرض الموت، واليأس من رحمة الله ذنب عظيم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف]، وقال تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر].
ثالثًا: أن يكون بين الخوف والرّجاء
عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: ... "كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: والله يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَرْجُو الله، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ الله مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ" (١).
وقد امتدح الله تعالى أهل الخوف والرّجاء، فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ... (٩)﴾ [الزّمر].
стр. 62
رابعًا: ألّا يَتَمَنَّى المَوْتَ
زجر النَّبيُّ ﷺ عن تمنّي الموت وكرَّه إلينا الدُّعاء به سواء كان الإنسان محسنًا أو مسيئًا، وبيَّن لنا الحكمة من ذلك، فلعلّه إن كان محسنًا يزداد خيرًا، وإنْ كان مسيئًا يرجع عَنْ إِسَاءَتِهِ، قال ﷺ : "وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ: إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ" (١).
وقال ﷺ : "لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي" (٢).
خامسًا: أن يؤدِّي ما عليه من حقوق
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" (٣).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ" (٤).
مِنْ لَيْلَتِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" (١). وأن يكثر من الدُّعاء، سَمِعَتْ عائشةُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ إليها ظَهْرَهُ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ" (٢)، وأن يحرص أن يكون آخر عهده في الدُّنيا، لَا إِلَهَ إِلَّا الله.
سابعًا: أن يسأل الله تعالى أن يوفّقه لعمل صالح بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ
عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ، حَتَّى تَنْظُرُوا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ، أَوْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ، بِعَمَلٍ صَالِحٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ" (٣).
وقال ﷺ : "إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، قِيلَ: وَمَا عَسَلُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ؟ قَالَ: يُفْتَحُ لَهُ عملٌ صالحٌ بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ" (٤).
ثامنًا: أَنْ يَتَعَوَّذَ بالله تعالى من أن يتخبّطه الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْتِ
وعليه أن يتعوّذ بالله تعالى مِنْ أن يستولي عليه الشَّيطان عند الموت، عن
أبي اليَسَر ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كان يدعو: "وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ
стр. 65
عِنْدَ المَوْتِ" (١)، ودعا به ﷺ تعليمًا لنا؛ فالشَّيطان يجتهد على الإنسان من المهد إلى اللّحد، قال النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ" (٢).
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فاعلم أنَّ لك جِيرَانًا يجب التيقّظ لهم والاستعاذة بالله من شرِّهم: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون]، وأنَّ لك جِيرَانًا يجب أن لا تسيء جوارهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار].
وخير سبيل للنَّجاة من الشّيطان اللُّجُوءُ إلى الله تعالى والاستعاذة به، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف]، والتّقوى نجاة للإنسان مِن مسِّ الشَّيطان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف].
وكيد الشَّيطان ضعيف: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النِّساء]،
стр. 66
وإذا ذكرت الله تعالى انخنس: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ [النَّاس]، ومع ذلك لا نستغني عن مجاهدة الشَّيطان، وَالتَّيَقُّظِ لِكَيْدِهِ ما دام فينا عِرْق يَنْبِضُ، أو عَيْنٌ تَطْرِفُ.
ولا ريب أنّ الله تعالى يوفِّق عباده المحسنين إلى سدِّ مداخل الشّيطان ويرزقهم الثَّبات عند الممات: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء]، وفضل الله ﷻ لَا يُخاف فَوْتُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف].
أمّا اعتقاد بعض النّاس أَن الشَّيَاطِين يأْتونَ ويحضرون المحتضر على صفة أَبَوَيْهِ فِي زِيِّ يهود ونصارى، حَتَّى يعرضُوا عَلَيْهِ كل مِلَّة ليُضِّلوه، فهذا لا يصحّ، قَالَ ابن حجر الهيثميّ في الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ نقلًا عَنِ السّيوطِيِّ: "لم يَرِدْ ذلك" (١).
وعلّة التَّخصيص في قوله ﷺ (عِنْدَ المَوْتِ) في الحديث المتقدّم "وَأَعُوذُ بِكَ
أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْتِ" أنَّ المدار على العاقبة والخاتمة، قال النَّبيُّ ﷺ : "وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ" (٢)، وقال ﷺ : "إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ، فِيمَا يَرَى النَّاسُ، عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ
الجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا" (٣).
فابتهل إليه سبحانه أن يلهمك عَمَلًا صَالِحًا قُبَيلَ مَوْتِك، وأن يَقْبِضك
стр. 67
عَلَيْهِ، فالشّيطان حريص على أن لا تفلت منه إذ حضرتك الوفاة، وأن يتخبَّطك عند مغادرة الدّنيا، وأن يلقي الباطل في قلبك ويجريه على لسانك، فيحول بينك وبين التّوبة، ويخوفك اللهَ خَوْفًا يُؤَيِّسُكَ مِنْ رَحْمَتِهِ، ويكرِّه لك الموت ولقاء الله تعالى، ويجعلك تتأسّف على الحياة الدّنيا ومَنْ فيها، حتّى يُختَم لك بِسُوءِ. ولذلك حذَّرالنَّبيُّ ﷺ مِنْهُ ونبَّه عَلَى مُلَازَمَتِهِ لِلْإِنْسَانِ ما دامت روحه في جسده؛ لنتَأَهَّبَ ونَحْتَرِزَ مِنْهُ، فقال ﷺ : "إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ: بِعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ مَا دَامَتِ الْأَرْوَاحُ فِيهِمْ، فَقَالَ لَهُ اللهُ: فَبِعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" (١).
تاسعًا: أن يكتب وصيّته ويشهد عليها
على مَنْ أوشك على الموت ولم يكتب وصيّته أن يكتبها، قال تعالى: ... ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة]، وَيُسْتَحَبّ تَعْجِيلُهَا، أي أن يَكْتُبَهَا فِي صِحَّتِهِ، لقول النَّبيِّ ﷺ : "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ " (٢).
وقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: "مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي" (٣).
стр. 68
وعليه أن يشهد عليها شاهدان عدلان مَنْعًا للنّزاع، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ... (١٠٦)﴾ [المائدة]، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ شرطًا، وإنّما تصحُّ الوصيَّة باللَّفظ المسموع من الموصي.
كيف تكتب الوصية ؟
له أن يكتب في صدر (١) وصيّته إن شاء:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، أَوْصَى أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحجّ]. أوْصي مَنْ تَرَكت مِنْ أَهْلِي أَنْ يَتَّقُوا الله، وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وأوصيهم بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا
стр. 69
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة].
ثمّ يذكر ما يحبُّ أن يوصي به مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ أو أقلّ من ذلك للوالدين اللَّذين لا يرثان، وللأقارب الفقراء الّذين لا يرثون؛ فهي عليهم صدقة وصلة، ويذكر الوكيل على ذلك، ويذكر ما له وما عليه من دَيْن أو قرض أو حقّ أَوْ وَدِيعَة وَنَحْو ذلك، ويبرأ إلى الله تعالى مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ الله ﷺ ، ويُشْهِد عليها.
وله أن يوصي أن يصلّي عليه (١) عَدْلٌ، فقد أوصى أبو بكر ﵁ أن يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁، وعمر ﵁ أوصى أن يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ ﵁، وعائشة ﵂ أوصت أن يُصَلِّيَ عليها أبو هريرة ﵁، وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ: "أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ" (٢)، وله أنْ يغيّر في وصيّته ويرجع فيما شاء منها، قبل أن يلقى منيَّته.
حكم الوصيّة
الوصيَّة عطيّة مَنْ أَتَاهُ المَوْتُ، جعلها الله تعالى له لتعود عليه عند الموت بالخير والأجر، والميراث عطيَّة الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ... (١١)﴾ [النّساء].
والوصيّة إمَّا واجبة أو مستحبّة أو محرّمة، فهي واجبة إذا كان على الإنسان
стр. 70
حقّ لله تعالى أو للعباد. وحقّ الله تعالى كأن يكون عليه فدية، أو كفَّارة، أو زكاة، أو صيام واجب من قضاء أو نَذْر، أو نحو ذلك.
فَمَنْ مات مثلًا وعليه صيام مبيّن في وصيّته لزم وليَّه الصِّيام عنه، عَنِ ... ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" (١)، وقَالَ الحَسَنُ: "إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ" (٢).
وحقّ العباد كالدّيون والأمانات والأجور والودائع والقروض ونحوها، فيلزمه أن يخبر بما له لاقتضائه، وما عليه لقضائه، لتردّ الحقوق إلى أهلها، فإن كان عليه دين لازم، أو حقّ واجب، وجب عليه أن يوصي بقضائه بعد موته.
وهي ليست واجبة على كلّ أحد، فمن لم يكن عليه حقّ لله أو لعباده، فهي مستحبَّة لمن ترك خيرًا، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ... (١٨٠)﴾ [البقرة]، على أن تكون بثلث المال أو دونه لقول النَّبيِّ ﷺ : "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (٣) وذلك بأن يوصي به لقريب غير وارث، أو لعمل من أعمال البرّ، أو وجه من وجوه الخير، أو معونة أهل الحاجة ... وقد جعلها
стр. 71
الله تعالى زيادة له في أعماله، فهي له صدقة وصلة وطُهْرَة وَزَكَاة وقربة لله ﷻ .
والوصيّة محرّمة إذا كان المراد منها الإضرار بالورثة، كأن يوصي بحرمان بعض الورثة، أو يفضّل بعضهم على بعض، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النّساء]، ولقوله ﷺ : "وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ الله عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ " (١). والمسألة لا تخلو من أخذ وردّ واستدراك وتفصيل وتأصيل واستقراء بين الفقهاء.
حكم تبديل الوصيّة
هذا ولا يجوز تبديل الوصيَّة إذا كانت بالحقّ ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ... (١٨١)﴾ [البقرة]، لكن إذا خرج الموصي في وصيَّته عن الحقّ خطأ أو عمدًا، فإنّه يجوز تبديلها، وينبغي لمن علم أنَّ فيها جنفًا أو إثمًا أن ينصح للموصي، ويصلح بردّ الوصيّة إلى الشّرع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة]، فاستثنى الله تعالى من إثم التّبديل من بدّل للإصلاح، ووعده بالمغفرة والرّحمة.
المبادرة إلى تنفيذ الوصيّة قبل الدّفن
إذا كانت وصيّة الميّت بالواجب، وجب المبادرة إلى إنفاذها قبل أن يدفن، وبالتّطوع يسنّ، والإِسراع مطلوب سواء كانت واجبة أو مستحبّة عند أهل العلم، فإذا كان عليه دين وَجَبَ الإسراعُ في قضائِه عنه، لأنّ الميّت ينتفع بذلك، ويرفع
стр. 72
عنه العذاب.
وإنك تجد في هذا الزَّمان مَنْ يؤخّر الوفاء بدين ميِّته، وربّما يكون الميّت قد ترك وراءَه مالًا، ومع هذا لا يقضي وارثه عنه دينه إلى حين الانتفاع من هذا المال وكسب ما يقضي به دينه، وهذا ظلم بيِّن، وعقوق ظاهر، وجحود لحقٍّ واجب للميّت، ولا يجوز تأخير الواجب عن وقته طمعًا في تحصيل منفعة مستحبّة، وصدق رسول الله ﷺ : "وَلا يَمْلَأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ" (١).
والإجماع منعقد على أن دين الميّت يُقضى من ماله قبل أن ينتقل مالُه إلى الورثة، فالميّت أحقّ مَنْ ينتفع بماله.
ومِنَ النّاس مَنْ يبخل بماله في حياته لما يخوّفه الشّيطان من الفقر، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ... (٢٦٨)﴾ [البقرة]، فتجده يجمع ويمنع، فإذا بلغت نفسه إلى حلقه، وانقطع أمله في الحياة، ولم يعد للمال مكانة في قلبه، فزع إلى الصَّدقة وبالغ بها وأضرّ بالورثة، فيكون قد عصى الله تعالى في حياته بإمساكه وتفريطه، وعصاه حال موته بإسرافه وتبذيره وتضييعه ورثته، وتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، فلربّما خاب من الانتفاع به في يوم العوز والحاجة إليه.
قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الغِنَى، وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ" (٢). فالصّدقة عند الموت
ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ عُرْيٍ (١) فَعَقَلَهُ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ (٢) بِهِ، وَنَحْنُ نَتَّبِعُهُ، نَسْعَى خَلْفَهُ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ ـ أَوْ مُدَلًّى ـ فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ" (٣). أَوْ قَالَ شُعْبَةُ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ.
فَيَا لأنْفُسٍ صَفَتْ لا كَدَرَ فِيها وَلا عَكَرَ، ولقلوب رُغِّبَتْ في الآجلة فزهدت في العاجلة! ولصدور سُلَّت سخائمها، وظهور حطّت عنها أثقالها ووضعت عنها أوزارها! ومُهَج سلمت بصائرها، وطابت سَرَائِرُها!
الفرق بين المتوفِّي والمتوفَّى
المُتَوفِّي اسم فاعل، والمتوفَّى اسْم مفعول، والمتوفِّي حقيقة هو الله تعالى، الّذي يتوفَّى الأنفس، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ... (٤٢)﴾ [الزّمر]، وقد يسند ذلك إلى الملائكة المكلّفين بقبض الأرواح، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ... (٢٨)﴾ [النّحل]. أما المُتَوفَّى فهو المَيِّت الَّذِي توفاه الله وأَمَاتَهُ. وكثير مِنَ النّاس لا يفرِّق بين الكلمتين، قَالَ أحد اللّغويين: "مَرَرْتُ فِي طريقي فَرَأَيْتُ جَنَازَة تُشَيَّع، وَسمعت رجلًا يسْأَل: مَن المتوفِّي؟ فَقلت لَهُ: الله ، فَضُرِبْتُ حَتَّى كدت أَمُوت" (٤).
стр. 75
القسم الرابع
ما على من حضر المحتضر
ماذا على من حضر المحتضر أن يفعل ؟
مِن الأمور الَّتِي ينبغي أن يفعلها مَنْ حَضَر مَنْ حضرته الوفاة: أن يدعو له ولا يقول عنده إلّا خيرًا، وأن يُطْمِعَه برحمة الله تعالى وفضله، وأن يُلَقِّنَه الشَّهادة، وهذا بيان ذلك.
أوّلًا: على مَنْ حَضَر الدّعاء لمن حُضِر
على من حَضَرَ الدُّعاء لمن حُضِر، وقول الخير عنده، وترك الدُّعاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ؛ فإنَّ الملائكة تحضر وتؤمِّن (يَقُولُونَ آمِينَ) على دعائهم فيستجاب دعاء الملائكة فيهم، عنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ، أَوِ المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ" (١).
ثانيًا: يستحب لمن حضر أن يطمع المحتضر في رحمة الله تعالى
نعم، يستحبُّ لمن حَضَرَ أن يُطْمِعَ المحتضِر في رَحمةِ الله تعالى بتذكيره بمحاسن عمله، وَفَعَلَ ذلك ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لِعُمَرَ ﵁ عِنْدَ احْتِضَارِهِ، فلمَّا طُعِنَ عُمَرُ ﵁ جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: "يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ