← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151154

الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (344 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الله تعالى زيادة له في أعماله، فهي له صدقة وصلة وطُهْرَة وَزَكَاة وقربة لله ﷻ . والوصيّة محرّمة إذا كان المراد منها الإضرار بالورثة، كأن يوصي بحرمان بعض الورثة، أو يفضّل بعضهم على بعض، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النّساء]، ولقوله ﷺ : "وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ الله عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ " (١). والمسألة لا تخلو من أخذ وردّ واستدراك وتفصيل وتأصيل واستقراء بين الفقهاء. حكم تبديل الوصيّة هذا ولا يجوز تبديل الوصيَّة إذا كانت بالحقّ ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ... (١٨١)﴾ [البقرة]، لكن إذا خرج الموصي في وصيَّته عن الحقّ خطأ أو عمدًا، فإنّه يجوز تبديلها، وينبغي لمن علم أنَّ فيها جنفًا أو إثمًا أن ينصح للموصي، ويصلح بردّ الوصيّة إلى الشّرع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة]، فاستثنى الله تعالى من إثم التّبديل من بدّل للإصلاح، ووعده بالمغفرة والرّحمة. المبادرة إلى تنفيذ الوصيّة قبل الدّفن إذا كانت وصيّة الميّت بالواجب، وجب المبادرة إلى إنفاذها قبل أن يدفن، وبالتّطوع يسنّ، والإِسراع مطلوب سواء كانت واجبة أو مستحبّة عند أهل العلم، فإذا كان عليه دين وَجَبَ الإسراعُ في قضائِه عنه، لأنّ الميّت ينتفع بذلك، ويرفع

стр. 72

عنه العذاب. وإنك تجد في هذا الزَّمان مَنْ يؤخّر الوفاء بدين ميِّته، وربّما يكون الميّت قد ترك وراءَه مالًا، ومع هذا لا يقضي وارثه عنه دينه إلى حين الانتفاع من هذا المال وكسب ما يقضي به دينه، وهذا ظلم بيِّن، وعقوق ظاهر، وجحود لحقٍّ واجب للميّت، ولا يجوز تأخير الواجب عن وقته طمعًا في تحصيل منفعة مستحبّة، وصدق رسول الله ﷺ : "وَلا يَمْلَأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ" (١). والإجماع منعقد على أن دين الميّت يُقضى من ماله قبل أن ينتقل مالُه إلى الورثة، فالميّت أحقّ مَنْ ينتفع بماله. ومِنَ النّاس مَنْ يبخل بماله في حياته لما يخوّفه الشّيطان من الفقر، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ... (٢٦٨)﴾ [البقرة]، فتجده يجمع ويمنع، فإذا بلغت نفسه إلى حلقه، وانقطع أمله في الحياة، ولم يعد للمال مكانة في قلبه، فزع إلى الصَّدقة وبالغ بها وأضرّ بالورثة، فيكون قد عصى الله تعالى في حياته بإمساكه وتفريطه، وعصاه حال موته بإسرافه وتبذيره وتضييعه ورثته، وتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، فلربّما خاب من الانتفاع به في يوم العوز والحاجة إليه. قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الغِنَى، وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ" (٢). فالصّدقة عند الموت

стр. 73

جائزة بضوابطها، ولكنَّها فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَفْضَل. ولمّا سمع الصّحابة ﵃ قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ... (٢٤٥)﴾ [البقرة]، بَادَرُوا بأموالهم، جاء رجل إلى النَّبِيِّ ﷺ يشكو له أنَّه يريد أن يقيم حائطه، ولجاره نخلة لا يصلح حائطه إلّا بها، فعَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى صَاحِبِ النَّخْلَةِ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَأَبَى، فَاشْتَرَاهَا أَبُو الدَّحْدَاحِ ﵁ بِبُسْتَانٍ لَهُ، وأقرضها لله تعالى. عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: "يَا رَسُولَ الله، إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ، فَأَبَى، فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي (بُسْتَانِي). فَفَعَلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي. قَالَ: فَاجْعَلْهَا لَهُ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : كَمْ مِنْ عَذْقٍ (نخلة) رَدَاحٍ ... (مثقلة حملًا) لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ. قَالَهَا مِرَارًا. قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: يَا ... أُمَّ الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَتْ: رَبِحَ الْبَيْعُ. أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا" (١). ولمّا مات أَبُو الدَّحْدَاحِ ﵁ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عليه وتبع جنازته، ثمّ أُتِيَ بِفَرَسٍ لا سَرْج عليه، فَرَكِبَهُ، فسمعه رَجُلٌ يعيد تلك العبارة. عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁، قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ،

стр. 74

ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ عُرْيٍ (١) فَعَقَلَهُ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ (٢) بِهِ، وَنَحْنُ نَتَّبِعُهُ، نَسْعَى خَلْفَهُ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ ـ أَوْ مُدَلًّى ـ فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ" (٣). أَوْ قَالَ شُعْبَةُ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ. فَيَا لأنْفُسٍ صَفَتْ لا كَدَرَ فِيها وَلا عَكَرَ، ولقلوب رُغِّبَتْ في الآجلة فزهدت في العاجلة! ولصدور سُلَّت سخائمها، وظهور حطّت عنها أثقالها ووضعت عنها أوزارها! ومُهَج سلمت بصائرها، وطابت سَرَائِرُها! الفرق بين المتوفِّي والمتوفَّى المُتَوفِّي اسم فاعل، والمتوفَّى اسْم مفعول، والمتوفِّي حقيقة هو الله تعالى، الّذي يتوفَّى الأنفس، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ... (٤٢)﴾ [الزّمر]، وقد يسند ذلك إلى الملائكة المكلّفين بقبض الأرواح، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ... (٢٨)﴾ [النّحل]. أما المُتَوفَّى فهو المَيِّت الَّذِي توفاه الله وأَمَاتَهُ. وكثير مِنَ النّاس لا يفرِّق بين الكلمتين، قَالَ أحد اللّغويين: "مَرَرْتُ فِي طريقي فَرَأَيْتُ جَنَازَة تُشَيَّع، وَسمعت رجلًا يسْأَل: مَن المتوفِّي؟ فَقلت لَهُ: الله ، فَضُرِبْتُ حَتَّى كدت أَمُوت" (٤).

стр. 75

القسم الرابع ما على من حضر المحتضر ماذا على من حضر المحتضر أن يفعل ؟ مِن الأمور الَّتِي ينبغي أن يفعلها مَنْ حَضَر مَنْ حضرته الوفاة: أن يدعو له ولا يقول عنده إلّا خيرًا، وأن يُطْمِعَه برحمة الله تعالى وفضله، وأن يُلَقِّنَه الشَّهادة، وهذا بيان ذلك. أوّلًا: على مَنْ حَضَر الدّعاء لمن حُضِر على من حَضَرَ الدُّعاء لمن حُضِر، وقول الخير عنده، وترك الدُّعاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ؛ فإنَّ الملائكة تحضر وتؤمِّن (يَقُولُونَ آمِينَ) على دعائهم فيستجاب دعاء الملائكة فيهم، عنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ، أَوِ المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ" (١). ثانيًا: يستحب لمن حضر أن يطمع المحتضر في رحمة الله تعالى نعم، يستحبُّ لمن حَضَرَ أن يُطْمِعَ المحتضِر في رَحمةِ الله تعالى بتذكيره بمحاسن عمله، وَفَعَلَ ذلك ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لِعُمَرَ ﵁ عِنْدَ احْتِضَارِهِ، فلمَّا طُعِنَ عُمَرُ ﵁ جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: "يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ

стр. 76

عَنْكَ رَاضُونَ" (١). وفعله ابنُ عبَّاس ﵄ مع عائشة ﵂، فقد دخل عليها قَبْلَ مَوْتِهَا وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ، فقال: "فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ الله، زَوْجَةُ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ" (٢). وفي رواية أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اشْتَكَتْ، فَجَاءَ ... ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ: " يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، تَقْدَمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ: عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ" (٣). ولمّا حضرت عَمْرَو بْن الْعَاصِ الوفاة، بكى طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: "يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ الله ﷺ بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ الله ﷺ بِكَذَا؟ " (٤). ثالثًا: أن يُلقِّن مَنْ حضرته الوفاة لا إله إلا الله أوَّلُ أحكام المُحْتَضَرِ تَلْقِينُه لَا إِلَهَ إِلَّا الله، والتّلقين سُنَّةٌ أُمِرْنا بِهَا، فقد نَدَبَ النَّبيُّ ﷺ إليها، وقال: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" (٥) أي ذكِّروهم بها، وذلك في آخر يوم من أيَّام الدُّنيا، وأوّل يوم من أيَّام البرزخ. وصفة التَّلقين أن تأمر المحتضر أن يقول لا إله إلّا الله، فإن قالها فلا تكلّمه

стр. 77

بكلمة بعدها لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ، فإن قالها ثمَّ تكلّم بكلام آخر أُعِيدَت عَلَيْهِ، رجاء أن يموت عليها، فيفلح. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: "يَا خَالُ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ: أَخَالٌ أَمْ عَمٌّ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ خَالٌ، قَالَ: فَخَيْرٌ لِي أَنْ أَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ" (١). ويقتضي عَدْلُ الله ﷻ أنَّ مَنْ عاش على كَلِمَة التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) مات عليها، وبعث عليها في زمرة الموحّدين، قال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ الله عَلَيْهِ" (٢)، ويفسّره قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ المَرَاتِبِ بُعِثَ عَلَيْهَا" (٣) يعني الرِّبَاط أو الحَجّ أَوْ نَحْو ذَلِكَ، ويؤكّده قول النَّبِيِّ ﷺ : " يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ" (٤)، فكلمة التّوحيد عَلَيْهَا نَحْيَا، وَعَلَيْهَا نَمُوتُ، وعليها نبعث، وعليها نلقى الله . العلّة التي من أجلها أمر النّبيّ ﷺ بِتَلْقِينِ الشَّهَادَةِ مَنْ حَضَرَتْهُ المَنِيَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلِمَتِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله عِنْدَ المَوْتِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ،

стр. 78

وَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ" (١). فمَنْ كان آخر لفظه وخاتمة نطقه عِنْد خُرُوجِه من الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا الله دخل الجنَّة، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: قَالَ لَنَا مُعَاذٌ فِي مَرَضِهِ: قَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ شَيْئًا كُنْتُ أَكْتُمُكُمُوهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: ... "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ " (٢). الكلمة التي يجد المؤمن لجسده وروحه رَوْحا إذا قالها عند الموت ويشرق لها لونه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله: "مَا لِي أَرَاكَ قَدْ شَعِثْتَ وَاغْبَرَرْتَ مُنْذُ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ ؟ لَعَلَّكَ سَاءَكَ يَا طَلْحَةُ إِمَارَةُ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ: مَعَاذَ الله، إِنِّي لَأَجْدَرُكُمْ أَنْ لَا أَفْعَلَ ذَاكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا رجلٌ عِنْدَ حَضْرَةِ المَوْتِ إِلَّا وَجَدَ رُوحهُ لَهَا رَوْحًا حِينَ تَخْرُجُ مِنْ جَسَدِهِ، وَكَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَمْ أَسْأَلْ رَسُولَ الله ﷺ عَنْهَا، وَلَمْ يُخْبِرْنِي بِهَا، فَذَلِكَ الَّذِي دَخَلَنِي، قَالَ عُمَرُ: فَأَنَا أَعْلَمُهَا، قَالَ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَمَا هِيَ؟ قَالَ: هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا لِعَمِّهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ طَلْحَةُ: صَدَقْتَ" (٣). وفي رواية قال النَّبِيُّ ﷺ : "كَلِمَةٌ لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلا فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ

стр. 79

كُرْبَتَهُ، وَأَشْرَقَ لَوْنُهُ " (١). والكلمة الّتي أراد النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهَا عَمَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الله، فإنَّ أَبَا طَالِبٍ لمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَيْ عَمِّ، قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله" (٢). حكم قراءة سورة يس على من حضرته الوفاة قراءة سورة يس على مَنْ حَضَرَتْهُ المَنِيَّةُ لَمْ يَصِحَّ فيها حديث عن رسول الله ﷺ ، وجملة ما روي أحاديث ضعيفة لا يحتجُّ بها، ومنها ما أخرجه أحمد عن عَارِم، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ مرفوعًا، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "وَيس قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللهَ والدَّارَ الْآخِرَةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ، وَاقْرَؤوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ" (٣). وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس" (٤). وَقَدْ أَنْكَرَ مَالِكٌ ـ كما في المدخل (٥) ـ الْقِرَاءَةَ عِنْدَهُ بِسُورَةِ يس.

стр. 80

حكم توجيه المحتضر إلى القبلة نقل النّووي في (المجموع) الإجماع على استحباب توجيه المحتضر عِنْدَ نَزْعِهِ إلى القبلة، قال: "يُسْتَحَبُّ أَنْ يسْتَقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ المُسْتَحَبَّةِ وَجْهَانِ" (١). وقال في المجموع: "وَاحْتَجَّ لِلْمَسْأَلَةِ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ" (٢). قلت: وفي نقله الإجماع نظر، فقد كره مالك ـ كما في المدخل ـ أن يوجّه المحتضر إلى القبلة اقتداء، قال: "لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ، وَكَرِهَ أَنْ يُعْمَلَ ذَلِكَ اسْتِنَانًا" (٣). وكره ذلك سعيد بن المسيّب، فقد حُوِّلَ فِرَاشُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي مَرَضِهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعَادَ كَمَا كَانَ، عن زُرْعَة بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ شَهِدَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ فِي مَرَضِهِ وَعِنْدَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَغُشِيَ عَلَى سَعِيدٍ، فَأَمَرَ أَبُو سَلَمَةَ، أَنْ يُحَوَّلَ فِرَاشُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَفَاقَ، فَقَالَ: "حَوَّلْتُمْ فِرَاشِي؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: أُرَاهُ عَمَلَكَ، فَقَالَ: أَنَا أَمَرْتُهُمْ، فَقَالَ: فَأَمَرَ سَعِيدٌ أَنْ يُعَادَ فِرَاشُهُ" (٤). قلت: والاحتجاج بحديث أبي قتادة أنَّ البراء بن معرور أَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ

стр. 81

إِلَى القِبْلَةِ لمّا احْتُضِرَ لا يحتجّ به لضعفه، قال الحاكم: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، ثنا جَدِّي، ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ سَأَلَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَقَالُوا: تُوُفِّيَ وَأَوْصَى بِثُلُثِهِ لَكَ يَا رَسُولَ ... الله، وَأَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ لمّا احْتُضِرَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَصَابَ الْفِطْرَةَ" (١). وأعلّه الألباني في "الإرواء" (٢) بعلّتين: فيه نعيم بن حمّاد، ضعيف، والثّانية: الإِرسال، فإِنّ عبد الله بن أبي قتادة ليس صحابيًّا. قلت: وفيه علّة أخرى، وهي أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّد بْنِ الْفَضْلِ، من شيوخ الحاكم، لم يوثّقه أحد، وتكلّم الحاكم في سماعه، فقال: "ارْتبت في لقيه بعض الشّيوخ" (٣). وجدّه الفَضْل فيه كلام أيضًا، أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتّعديل، وقال: "كتبت عنه بالرّي وتكلّموا فيه" (٤). أضف إلى ذلك الاختلاف على متنه، فقد روي أنّ البراء أَوْصَى لمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ في قبره، فالتّوجيه المقصود هو التَّوجيه في القبر بعد الموت،

стр. 82

أخرج البيهقي وابن سعد عن حَمَّاد، قال: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّد بنُ مَعْبَدِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: "أَنَّ الْبَرَاءَ، كَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَكَانَ أَحَدَ السَّبْعِينَ النُّقَبَاءِ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَجَعَلَ يُصَلِّي نَحْوَ الْقِبْلَةِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَسُولِ الله ﷺ يَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ، وَقَالَ: وَجِّهُونِي فِي قَبْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ" (١). أمّا ما أخرجه الصّنعاني عن الزُّهْرِيِّ، أَنَّ الْبَرَاءَ لمّا حَضَرَهُ المَوْتُ، قَالَ لِأَهْلِهِ: «اسْتَقْبِلُوا بِيَ الْكَعْبَةَ» (٢) فهو مرسل، فالزُّهريّ تابعيّ صغير لم يدرك القصّة. قلت: وكلّ ما يستدلُّ به على استحباب توجيه المحتضر إلى القبلة لا يخلو من علَّة، ومن ذلك ما جاء في المسند من أنَّ فاطمة ﵂ اسْتَقْبَلَتِ الْقِبْلَةَ في مرضها الّذي ماتت به، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَلِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلْمَى، قَالَتْ: "اشْتَكَتْ فَاطِمَةُ شَكْوَاهَا الَّتِي قُبِضَتْ فِيهَا، فَكُنْتُ أُمَرِّضُهَا، فَأَصْبَحَتْ يَوْمًا كَأَمْثَلِ مَا رَأَيْتُهَا فِي شَكْوَاهَا تِلْكَ، قَالَتْ: وَخَرَجَ عَلِيٌّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَتْ: يَا أُمَّهْ اسْكُبِي لِي غُسْلًا، فَاغْتَسَلَتْ كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُهَا تَغْتَسِلُ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أُمَّهْ أَعْطِينِي ثِيَابِيَ الْجُدُدَ، فَأَعْطَيْتُهَا فَلَبِسَتْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أُمَّهْ قَدِّمِي لِي فِرَاشِي وَسَطَ الْبَيْتِ، فَفَعَلْتُ، وَاضْطَجَعَتْ، وَاسْتَقْبَلَتِ الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَتْ يَدَهَا تَحْتَ خَدِّهَا ثُمَّ قَالَتْ: يَا أُمَّهْ إِنِّي مَقْبُوضَةٌ الْآنَ، وَقَدْ تَطَهَّرْتُ الْآنَ، فَلَا يَكْشِفنِي أَحَدٌ، فَقُبِضَتْ مَكَانَهَا، قَالَتْ:

стр. 83

فَجَاءَ عَلِيٌّ فَأَخْبَرْتُهُ" (١). وفي سنده ضعف وفي متنه نكارة، فكيف تغتسل فاطمة للْمَوْت قبل المَوْتِ وتكفّن نفسها، وتوصي بأن تدفن بغسلها، ويقرّها عليّ، وحاشا لعليّ ﵁ وفاطمة ﵂ أن يخفى عليهما مثل هذا. ثمّ إنّ المشهور أنّ فاطمة غسّلها عليّ ﵁، عَنْ أُمِّ جَعْفَرٍ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَتْ: "يَا أَسْمَاءُ، إِذَا أَنَا مِتُّ فَاغْسِلِينِي أَنْتِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَغَسَّلَهَا عَلِيٌّ، وَأَسْمَاءُ" (٢). ومن ذلك أثر عن حذيفة ﵁، قال: "وجّهوني إلى القبلة". قال الألباني في الإرواء: "لم أجده عن حذيفة" (٣). وتعقّبه صاحب التّكميل، وقال مقيّده:

стр. 84

"وجدته عن حذيفة، رواه ابن أبي الدّنيا في المحتضرين، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق، وإسناده صحيح عن رِبْعِيِّ بن حِرَاش" (١). قلت: نعم أخرجه ابن أبي الدّنيا، وابن عساكر، عن عَبَّاد بْن الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ أُخْتَهُ وَهِيَ امْرَأَةُ حُذَيْفَةَ قَالَتْ: "لمّا كَانَ لَيْلَةُ تُوُفِّيَ حُذَيْفَةُ جَعَلَ يَسْأَلُنَا: أَيُّ اللَّيْلِ هَذَا؟ فَنُخْبِرُهُ. حَتَّى كَانَ السَّحَرُ، قَالَتْ: فَقَالَ: أَجْلِسُونِي. فَأَجْلَسْنَاهُ، قَالَ: وَجِّهُونِي. فَوَجَّهْنَاهُ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ صَبَاحِ النَّارِ وَمِنْ مَسَائِهَا" (٢). قلت: أمّا قوله: إسناده صحيح، فهو كما قال، مع أنَّ في سنده أخت ... ربعي بن حراش، وثّقها العجلي (٣)، "والعجلي معروف بتساهله في التّوثيق" (٤) كما قال الألباني، ولم يرو عنها غير ربعي بن حراش. لكن في المتن كلام، فقد ذكر قصَّة احتضار حذيفة، ابْنُ شَبَّةَ في "تاريخ المدينة" (٥) من طريق، ولم يذكر قوله: "وَجِّهُونِي". ومن ذلك ما في المصنّف عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي

стр. 85

يَحْيَى بْنُ أَبِي رَاشِدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: "إِذَا حَضَرَتِ الوَفَاةُ، فَاصْرِفْنِي" (١). قلت: في سنده يَحْيَى بْن أَبِي رَاشِد، وحديثه عن عمر مرسل، قال ابن أبي حاتم: "يحيى بن راشد البصري روى عن عمر ﵁، مرسلًا، روى عنه عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر سمعت أبي يقول ذلك" (٢). ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن عُمَرَ بْن هَارُونَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: "كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَجَّهَ المَيِّتُ عِنْدَ نَزْعِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ" (٣). لكن في سنده عمر بن هارون، قال عنه الحافظ: متروك (٤). ومن ذلك قول النَّبيِّ ﷺ في البيت الحرام: "قِبْلَتكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا" (٥)، وفي الاستدلال به بُعْد؛ فالمراد أنّ البيت قِبْلَة أحيائنا عند الصّلاة وَوجهة أمواتنا فِي اللَّحْدِ، فهذا الحديث لا يتناول المحتضر. والخلاصة، توجيه (٦) المحتضر إلى القبلة قال به جمهور من العلماء، ولم ينهض دليلهم عليه، ولم أَرَ دليلًا يثبت على استحباب توجيه المُحْتَضَرِ إذا ظَهَرَتْ

стр. 86

عليه عَلَامَاتُ قُرْبِ المَوْتِ. أمّا مَنْ يتعلّل بما رواه عبد الرّزاق الصّنعاني عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْتَ حُرُوفَ المَيِّتِ إِلَى الْقِبْلَةِ حِينَ يَحِينُ فَوْضُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، أَسُنَّةٌ ذَلِكَ؟ قَالَ: "سُبْحَانَ الله مَا عَلِمْتُ مِنْ أَحَدٍ يَعْقِلُ تَرَكَ ذَلِكَ مِنْ مَيِّتِهِ، والله إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْمَلُ فِرَاشُهُ حَتَّى يُحَرَّفَ بِهِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ" (١). فالجواب: هذا قول التَّابعيّ الجليل عطاء بن أبي رباح، والسُّنَّة هنا بمعنى ما تعارف عليه النَّاس، ولَا حُجَّةَ فِيه لنتّبعه، ولا نتّبع إلّا ما قام عليه دليل. وقد عدّ الألباني في الأحكام (٢) توجيه المحتضر إلى القبلة من بدع الجنائز، ولا نوافقه؛ لأنّ هذه المسألة ليست من المسائل الّتي لا يسوغ فيها الاجتهاد ويبدَّع فيها المخالف، بل هي من المسائل الّتي يتَّسع فيها الاجتهاد ويسوغ فيها الاختلاف. وعلى كلِّ حال إذا كان وجه المحتضر إلى القبلة أو لغير القبلة فلا حرج، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ... (١١٥)﴾ [البقرة]. حكم دخول الحائض والنّفساء والجنب على من حضرته الوفاة يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ أو النّفساء ما يحرم على الجنب من: الصّلاة، واللُّبْثِ فِي المَسْجِدِ، والطّواف في البيت الحرام، ومَسِّ المُصْحَفِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَة، وقراءة القرآن. وتزيد الحائض والنّفساء عن الجنب في أمور: منها الصّيام، والوطء، ولا

стр. 87

تُمنع من شيء إلا بدليل. وقد استحبَّ بعضُ أهل العلم ألّا يدخل على من حضرته الوفاة حائض ولا جنب ولا نفساء، وكذلك بعد الوفاة، لأحاديث فيها نَفْي دُخُولِ المَلَائِكَةِ الدَّار الَّتِي فِيهَا أحد من هؤلاء، وهي أحاديث مُعَلَّةٌ وإن كان ظاهرها الصِّحَّة، منها ما رواه أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ جِبْرِيل ﵇ قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّهَا ثَلاثٌ لَنْ يَلِجَ مَلَكٌ مَا دَامَ فِيهَا أَبَدًا وَاحِدٌ مِنْهَا: كَلْبٌ، أَوْ جَنَابَةٌ، أَوْ صُورَةُ رُوحٍ" (١) وفي إسناده عَبْدُ الله بْنُ نُجَيّ مختلف فيه، وأبوه نُجَيّ الْحَضْرَمِيّ لَمْ يَرْوِ عنه غير ابنه، ولم يوثّقه غير ابن حبان، وَقَال: "لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد" (٢). ومنها ما رواه أحمد عَنِ ابْنِ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "لَا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ، وَلا صُورَةٌ، وَلا كَلْبٌ" (٣). وما رواه أحمد عنْ جَابِرٍ، عن عَبْد الله بْن نُجَيّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ" (٤)، وإسناده ضعيف لضعف جابر الجعفي وانقطاعه بين عبد الله بن نجيّ وبين عليّ.

стр. 88

وأصل الحديث في "الصَّحيحين" دون ذكر الجنب من حديث أبي طلحة، "لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ" (١). ويشهد لقوله "ولا جنب" ما روى أبو داود عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ المَلَائِكَةُ: جِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ (٢)، وَالْجُنُبُ، إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ" (٣) والحسن بن أبي الحسن (البصري) لم يسمع من عمّار. وما أخرجه البزّار بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ... "ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ المَلَائِكَةُ: الْجُنُبُ وَالسَّكْرَانُ وَالمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ" (٤). ولعلّ المراد بالجنب الّذي يتهاون في رفع الجنابة عادة، فيترك الاغتسال ويقضي أغلب وقته جنبًا، وإلّا فقد صَحَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان ينام وهو جنب، عنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، قَبْلَ أَنْ يَنَامَ" (٥). ولذلك يجوز نَوْم الْجُنُبِ، ويستحبّ لَهُ الْوُضُوء

стр. 89

قبل أن يَرْقُد. ولعلَّ المراد بالملائكة الَّذين ينزلون بالخير والرّحمة والبركة دون الملائكة الحفظة، فإنَّهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب، ودون ملك الموت ورسله فكم من جنب وحائض ونفساء دخل عليها ملك الموت. ونحن نعلم أنَّ حَنْظَلَةَ بْن أَبِي عَامِرٍ الْأَنْصَارِيّ غَسِيل المَلَائِكَةِ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ فَغَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ المَلَائِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لمَّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ" (١). قال ابن قدامة في المغني: قال أحمد: "يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ تَغْمِيضُهُ، وَأَنْ تَقْرَبَاهُ" (٢)، وفي مصنف ابن أبي شيبة، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: "كَانُوا إِذَا حَضَرُوا الرَّجُلَ يَمُوتُ أَخْرَجُوا الْحُيَّضَ" (٣). وقَالَ مَالِكٌ فِي المُخْتَصَرِ: "لَا بَأْسَ أَنْ تُغْمِضَهُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ" (٤). والخلاصة لَا يحرم حُضُورُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ والنّفساء وَقْتَ الِاحْتِضَارِ، وليس هناك ما يمنع دخولهم، وقد عَدَّ الألبانيّ إخراج الحائض والنّفساء والجنب من عند

стр. 90

الميّت من بدع الجنائز (١). التوجع للميِّت عند احتضاره عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: "وَا كَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ التُّرَابَ" (٢). فإذا تألّمنا لألم محتضر لنا، وتأثَّرنا لتأثّره، فما علينا مِنْ سبيل. ما يَجِبُ عَلَى أهل الميّت أن يقولوا عند موته نحن والبنون والأهلون لله تعالى، وقد جعل الله تعالى الْوَاحِدَ مِنَّا كالوديعة أو الْعَارِيَّةِ، والوديعة لا بدَّ أن تردَّ والْعَارِيَّة أن تؤدّى وترجع إلى مالكها، ولذلك على مَنْ أصابته مصيبة أن يسترجع، كَمَا أَمَرَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة]، وأن يدعو الله تعالى بهذا الدّعاء: "اللَّهُمَّ أجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا". عن أمِّ سَلَمَة ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة]،

стр. 91

اللَّهُمَّ أجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا. قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبو سَلَمَةَ، قُلْتُ: كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ ، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ، رَسُولَ الله ﷺ " (١). وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَنْجَعُ علاج للمصاب، وَأَنْفَعُ فِي عَاجِلَتِهِ وَآجِلَتِهِ، وأعلى درجة له عند الله تعالى وأرفع. وقد يسأل سائل: هل استرجع النَّبيُّ ﷺ لموت أحد؟ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ الله بْنَ ثَابِتٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ الله ﷺ " (٢). ما يَجِبُ عَلَى أهل الميّت مِنَ التّقوى ولُزُومِ الصّبر والرِّضَا بِالْقَضَاءِ وعليهم أن يلزموا التّقوى والصَّبر وضبط النّفس، وترك التَّسَخُّط، لا سيّما عند فَجْأَة المُصِيبَة، فهذا هو الصّبر الكامل المحمود، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: اتَّقِي الله وَاصْبِرِي. قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى" (٣).

стр. 92

فالصَّبر إذا لم يصادف محلّه لا ينفع، ومن هنا نفهم التَّسوية في صيغة الأمر في قول الله تعالى حكاية لما يُقال لأهل النار: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطّور]، فلا ينفع صبر في غير محلّه. ولذلك فإنَّ كلَّ ذي مَرْزِئَةٍ إنّما يُحْمَد صبره عند حرِّ المصيبة عند الصَّدمة الأولى، ويعلو صبره وقدره إذا كان رَاضِيًا بِقَضَاءِ الله رَاجِيًا ثوابَه، ويزاد فيه إذا لم يَشْكُ بثَّه وحزنه إلّا لخالقه ﷻ ، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (٨٦)﴾ [يوسف]، فإن فعل ذلك كان إن شاء الله تعالى من الصَّابرين. ومن لم يصبر عند لقاء الكرائه ونوازل الدَّهر سلا سُلُوَّ البهائم، وصبر صبر السَّوَائِمِ. فإذا أخذ الله تعالى، فلا يكون لأحد أن يعترض، فالله تعالى أخذ ما له. وإنّما أخذ ما أعطى ليبتليك بالأخذ كما ابتلاك بالعطاء، قال النَّبيُّ ﷺ : "لله مَا أَخَذَ ولله مَا أَعْطَى، كُلٌّ بِأَجَلٍ، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ" (١). ولا ريب أنَّ مصيبة الموت جرعة ألم لا يعرفها إلّا من تجرَّع مرارتها، واصطلى بحرّها!

стр. 93

القسم الخامس علامات حسن الخاتمة وشرف الموت في زمان أو مكان علامات حسن الخاتمة هناك علامات على موت المؤمن، يستدلّ بها على حسن خاتمته، منها: النّطق بالشّهادة عند الموت، قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁ فِي مَرَضِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" (١). ومنها: الموت بِرَشْحِ الجَبِينِ، عَنِ بُرَيْدَةَ ﵁، أَنَّهُ كَانَ بِخُرَاسَانَ، فَعَادَ أَخًا لَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَوَجَدَهُ بِالمَوْتِ، وَإِذَا هُوَ يَعْرَقُ جَبِينُهُ فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ! سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَوْتُ المُؤْمِنِ بِعَرَقِ الْجَبِينِ" (٢). ومنها: الشَّهَادَة فِي سَبِيلِ الله تَعَالَى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران]. وقال النَّبِيُّ ﷺ : ... "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ الله سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ" (٣).

стр. 94

هذا ومَنْ سأل الشَّهادة بصدق نِيَّةٍ أُعْطِيَهَا، وإن كان على فراشه، مُجَازَاةً لَهُ عَلَى صِدْقِ نيّته، بدليل قوله ﷺ : "مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ" (١). ومنها: الموت غازيًا في سبيل الله، لقوله ﷺ : "مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ ... " (٢) فقتيل المعركة شهيد، ومن مات في سبيل الله بغير قتال شهيد، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ [آل عمران]، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (١٠٠)﴾ [النّساء]. ومنها: الموت بالطّاعون (٣)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" (٤). وعن عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَقَالَ: "كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ الله عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ الله رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ،

стр. 95

مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ، وَيَمْكُثُ فِيهِ لا يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِ، صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ الله لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ" (١). ومنها: المبطون، عَنْ عَبْدِ الله بنِ يَسَارٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، وَخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ وَهُمَا يُرِيدَانِ أَنْ يَتْبَعَا جِنَازَةَ مَبْطُونٍ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ، أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ يَقْتُلُهُ بَطْنُهُ، فَلَنْ يُعَذَّبَ فِي قَبْرِهِ" (٢)؟ ... فَقَالَ: بَلَى. ومنها: الموت بالغرق والهدم، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ الله" (٣). ومنها: موت المرأة في نفاسها، قال النَّبِيُّ ﷺ : "وَالنُّفَسَاءُ شَهَادَةٌ" (٤)، أو أَن تموتَ المرأة وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا، قال النَّبِيُّ ﷺ : "وَالمَرْأَةُ يَقْتُلُهَا وَلَدُهَا جمْعا شَهَادَةٌ" (٥) فالمرأة إذا ماتت حَامِلًا جَامِعَةً وَلَدَهَا فِي بَطْنِهَا شَهِيدَةٌ. ومنها: الموت بالحرق، وذات الجَنْبِ (قُرْحَةٌ تَكُونُ فِي الْجَنْبِ بَاطِنًا): قال النَّبِيُّ ﷺ : "الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ الله: المَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي

стр. 96

يَمُوتُ تَحْتَ الهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ" (١). ومنها، الموت دون المال والأهل والدِّين والنَّفس، قال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (٢)، وقَالَ ﷺ : "مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ" (٣)، وقال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (٤). فلو صَالَ عليك إنسان يريد مالك، أو عرضك، أو نفسك، فلك دفعه، بما يمكن أن يندفع به، فتدْفَعُ ظُلْمَهُ ابتداءً بِالْأَسْهَلِ والأخفّ، فَإِذَا انْدَفَعَ بالتّهديد لا يدفع بالعصا، وإذا اندفع بِالْعَصَا لا يُدْفَعْ بِالسَّيْفِ، فإذا هَرَبَ وانحسم شرُّه فلا تَعْدُ خَلْفَه. والحاصل، الصَّائِلُ المعتدي بلا تأويل يَسْتَحِقُّ الدَّفع سَوَاء كَانَ مُسْلِمًا أَو كَافِرًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: " يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ" (٥).

стр. 97

ومنها، الموت بمرض السِّلِّ (قُرْحَة الرِّئَة): أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ والأوسط، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "وَالسُّلُّ شَهَادَةٌ" (١). وفي رواية لِأَحْمَدَ زَادَ فِيهَا أَبُو الْعَوَّامِ: "وَالْحَرْقُ، وَالسَّيْلُ" (٢)، وقيَّده الحافظ: "وَالسِّلُّ وَهُوَ بِكَسْرِ المُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ" (٣) يعني مرض السِّل. ومنها، الموت مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ الله، والرِّباطُ: المُقامُ فِي الثُّغور بِإِزاء الْعَدُوِّ لحفظ المسلمين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران]. وقال النَّبِيُّ ﷺ : "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ الله، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ القَبْرِ" (٤). وقال النَّبِيُّ ﷺ : "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ" (٥).

стр. 98

ومنها، الموت على عَمَلٍ صَالِح، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: أَسْنَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِلَى صَدْرِي، فَقَالَ: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (١). وعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ، حَتَّى تَنْظُرُوا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ، أَوْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ، بِعَمَلٍ صَالِحٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ" (٢)، ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ : "وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا" (٣). هذا ولا يقطع للميّت بظهور شيء من هذه العلامات بأنّه من أهل الجنّة، ولكنّها بشارات يرتجى له بها رَحْمَة الله تعالى، كذلك إذا لم يقع له شيء منها فلا

стр. 99

يُقْضَى عليه بسوء الخاتمة، فهذا من الغيب. وشهداء الآخرة كما في حديث مُخَارِقٍ عن النَّبيِّ ﷺ : "قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ، أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ" (١) هؤلاء يُغسَّلون ويُصلّى عليهم، ولهم أجر الشّهداء في الآخرة. هل هناك فضل لمن مات يوم الجمعة أو في رمضان ؟ عَدَّ بعضُ أَهْلِ العِلْم: الموت ليلة الجمعة أو نهارها من علاماتِ حُسْنِ الخاتمة، لما روى التّرمذيّ في آخر كتاب الجنائز بسند منقطع عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ الله فِتْنَةَ القَبْرِ" (٢)، وأعلَّه التِّرْمِذِيّ بِانْقِطَاع مَا بَين ربيعَة بن سيف، وعبد الله بن عَمْرو. قلت: وفي سنده هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، ورَبِيعَة بْن سَيْفٍ، وكلاهما ضعيف، لكن الحديث له شواهد، ولذلك حسّنه الألبانيّ بمجموع طرقه، وتعقّبه الأرنؤوط في

стр. 100

تحقيق المسند بأنّ الشَّواهد لا تصلح لتقوية الحديث. وله طريق أخرى أخرجها أحمد, من رواية بَقِيَّة عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ" (١). وبقيَّة مختلف في الاحتجاج به، وهو ابن الوليد الحمصي يُدلِّس عن الضّعفاء ويسوّي. وقد عقد البخاري في صحيحه (بَاب مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ)، وأورد فيه حديث أبي بكر ﵁ لعائشة ﵂، قَالَ لَهَا: "فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ" (٢). وفهم الحافظ ابن حجر من ذلك أنّ فَضْلَ المَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ البخاريّ، فقد كان أبو بكر يرجو ويرغب أن يموت في يوم الاثنين، ليوافق يوم موته ﷺ ، قال: "وَكَأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي وَرَدَ فِي فَضْلِ المَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا وَافَقَ شَرْطَهُ وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى غَيْرِهِ" (٣). أمّا هل مِنْ فضل لمن مات في رمضان؟ فقد تقدّم أنّ من مات وهو صائم ـ في رمضان وفي غير رمضان ـ دخل الجنّة، قال النَّبيُّ ﷺ : "وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٤). وقال النَّبيُّ ﷺ : "وَمَنْ خُتِمَ لَهُ بِصَوْمِ يَوْمٍ

стр. 101

مُحْتَسِبًا عَلَى الله دَخَلَ الْجَنَّةَ" (١). هذا ويظنّ بعض النّاس أنَّ الموت في مكَّة والدَّفن فيها يختلف عن أيّ بلد آخر، وأنَّ فيه زيادة حسنات أو رفع درجات، قلت: والمعوّل عليه بعد رحمة الله تعالى العمل الصَّالح الخالص، وليس المكان الَّذي يدفن فيه الإنسان. ولو كان للدّفن في مكّة فضيلة لما قال النَّبِيُّ ﷺ لأهل المدينة: "هَاجَرْتُ إِلَى الله وَإِلَيْكُمْ، فَالمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ" (٢)، فقد اختار ﷺ المدينة حيًّا وميّتًا. ولو كان في الموت بمكّة مزيد فضل لأمر النَّبِيُّ ﷺ أصحابه أن يموتوا فيها، لكنّه لم يوص بذلك ولم يشرع نقل الميّت، وأنت ترى قبور الصَّحابة في الأردنّ والشّام والعراق واليمن وغيرها، هُنَا، وهُنَاكَ، وهُنَالِكَ. فإن قيل فإنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا" (٣)، فالمراد الاستقرار في المدينة إلى الموت، والتّوطّن فيها وعدم الخروج منها حتّى يأتي الموت، فيفوز العبد حينها بشفاعة المصطفى ﷺ قضاءً لحقِّ الجوار، وليست الشّفاعة والفضيلة لمن مات خارج المدينة ونقل إليها كما تأوّل بعضهم. لكن يظهر أنّ الموت في المدينة أفضل لمن كان مقيمًا فيها من الموت في

стр. 102

غيرها، والله تعالى أعلم. على كلّ إذا مات الإنسان في مكان أو زمان، لا نقول فيه شيئًا حتَّى ننظر إلى مَا مات عليه؛ فإن مات على عَمَلٍ صَالِحٍ وخُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ، قلنا: أَصَابَ إن شاء الله تعالى خَيْرًا. ثناء النّاس على الميّت وما يرجى به عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: "مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْضِ" (١). والثّناء المراد به من أثنى عليه أهل الفضل، فيكون ثَنَاؤُهُمْ عليه موافقًا لِفعاله؛ لأنّ الّذين أثنوا على الجنازة جماعة من الصّحابة. ومن العلماء من يرى أنَّ الثَّناء على عمومه وإطلاقه، قال النّووي: "كُلّ مُسْلِمٍ مَاتَ فَأَلْهَمَ الله تَعَالَى النَّاسَ أَوْ مُعْظَمَهُمُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِيهِ فَلَا تُحَتَّمُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ بَلْ هُوَ فِي خَطَرِ المَشِيئَةِ، فَإِذَا أَلْهَمَ الله النَّاسَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ اسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ شَاءَ المَغْفِرَةَ لَهُ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الثَّنَاءِ" (٢).

стр. 103

وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابن حبّان وغيره عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَتِهِ الْأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا خَيْرًا إِلَّا قَالَ الله جَلَّ وَعَلَا قَدْ قَبِلْتُ عِلْمَكُمْ فِيهِ وَغَفَرْتُ لَهُ ما لا تعلمون" (١). وأَقَلّ مَا يُكْتَفَى بِهِ شهادة اثنين، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّمَا مُسْلِمٍ، شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ، فَقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ، قَالَ: وَثَلاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَالَ: وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ" (٢). ويفهم ممّا سبق جَوَاز الثّناء على الميّت بِمَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ عند مرور الجنازة، وهذا ليس من الغيبة الَّتي جاء فيها النَّهي عن سبِّ الأموات.

стр. 104

القسم السادس ما على الحاضرين بعد تحقّق موت المحتضر فإذا قضى المحتضر فعلى من حضره من أهله وأهل الخير عدّة أمور، منها: أن يغمضوا عينيه ويدعوا له بخير، وأن يسجّوه بثوب يستره كلّه، إلّا أن يكون مُحْرِمًا، فلا يغطّى رأسه ولا وجهه، وأن يسرعوا بتجهيزه والخروج به، وأن يدفن في الْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وأن يقضوا دينه، وهذا تَفْصِيلُ مَا أُجْمِلَ فيه. أوّلًا: إغماض الميت والدُّعاء له بالمغفرة وإفساح قبره وتنويره: إذا شخص البصر، وقضى الإنسان وحضر، فإنَّه يستحبُّ تغميضه عملًا بالسُّنَّة، وصيانة له عَنِ الْأَعْيُنِ من تغيّر صورته. ويستحب بعد ذلك الدُّعاء له ووصيَّة أهله بالصَّبر والدَّعاء له بالخير، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: "دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ" (١). ثانيًا: تسجية الميّت: ويستحبّ تَسْجِيَةُ (تغطية) المَيِّتِ بعد موته، وذلك بأن يُمدَّ عَلَيْهِ ثَوْبٌ يغطِّي جَمِيع بَدَنِهِ، قبل الاشتغال بتجهيزه، لستره عَنِ الْأَعْيُنِ، وَفِي الْحَدِيثِ: "دَخَلَ

стр. 105

أبو بكر ﵁ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَتَيَمَّمَ (قَصَدَ) رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ (١) " (٢)، وقَالَتْ عائشة ﵂: "سُجِّيَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ" (٣). ويستثنى من ذلك المُحْرِم، فمن مات مُحْرِمًا لا يُغطّى رأسه ووجهه، وَلَا يُمَسّ طِيبًا، ويكفّن فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَقَصَتْهُ (٤) نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ... "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (٥). ثالثًا: المبادرة إلى تجهيز الميت والخروج به: ويستحبّ الإسراع في تجهيز الميت إذا تحقّق موته، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس]، فعطف الفعل (أقبر) على الفعل (أمات) بِالْفَاءِ المفيدة للتَّرتيب والتَّعقيب مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ في الزَّمن، لأنَّه لا ينبغي أن يكون بين موته وإقباره تَرَاخٍ إلّا لضرورة. وقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ ... أي أمر أَنْ يُجْعَلَ في قبر يواريه، ولم يقل (فقبره) لأنَّ القابر هو الدّافن، والمقْبِر هو الله تعالى.

стр. 106

فينبغي الإسراع بتجهيز الميّت وعدم التَّباطؤ به عَنِ الدَّفْنِ إلّا لضرورة، قال النَّبيُّ ﷺ : "أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ" (١). والإسراع يحتاج إلى الإسراع في غسله وتكفينه والخروج به للصَّلاة عليه ودفنه، والإسراع في قضاء دينه. صفة غسل الميت عزَّ في هذا الزَّمان مَنْ يَعْرِفُ أَحْكَامَ غسل الميِّت وتجهيزه فِقْهًا وَعَمَلًا، وكثير ممّنْ عرف الأحكام لَا يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ، ومنهم مَنْ يَهَابُ المَيِّتَ فيحجم عن غُسْلِه وتَجْهِيزِه. وغُسْلُ المَيِّتِ وتكفينه وحَمْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ من فُرُوض الكِفَايَة، وينبغي ألّا يحضر غسل الميِّت إلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يعينه حفظًا لحرمته وكرامته، وَتُسْتَر عَوْرَتُهُ بِمِئْزَرٍ، ثمّ يجرَّد من ثيابه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَت: "لمَّا أَرَادُوا، غُسْلَ رَسُولِ الله ﷺ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالُوا: وَالله مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ؟ أَنُجَرِّدُ رَسُولَ الله ﷺ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ " (٢). وغسل الميّت لا يختلف كثيرًا عن غسل الحيّ، يستحضر الغاسل نيّة الغسل ويسمّي، ويبدأ بغسل يديه، ثمّ يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويمرّ بيده على بطنه برفق ولا يبالغ، ويصبّ عليه الماء، فهذا يُيَسِّر خروج الخارج، ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً يفضي بها إلى السَّبِيلَيْنِ يزيل الأذى وَيُنَجِّيهِ بها، وَيَصُبُّ المَاءَ فِي غَسْلِ مَخْرَجِهِ؛ فهذا أدعى للإنقاء، ويغضّ الطّرف ولا ينظر إلى عورته، ثمّ يوضّئه وضوء الصّلاة،

стр. 107

ولا يدخل الماء في فمه أو منخريه، ثمّ يغسل رأسه ولحيته، ثمّ يأخذ خِرْقَة أخرى أو ليفة لغسل سائر الجسد فذلك أدعى لإزالة درنه. ويُغَسِّلُهُ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَى الْغَاسِلُ لِلْإِنْقَاءِ، وذلك بِمَاءٍ وَسِدْرٍ أو ما يقوم مقامه كالأُشْنَان (شَجَر) أو الصَّابون، وَيُجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ الْكَافُورُ، وَيَبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهُ، فيضعه عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ليغسل الْأَيْمَن، ثُمَّ عَلَى شقّه الْأَيْمَنِ ليغسل الْأَيْسَر وَذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ويسرّح شعره، فإِنْ كَانَ المَيِّتُ امْرَأَةً تُنْقَض ضَفَائِرُهَا فِي الْغُسْلِ، ويُضَفَّرُ شَعْرُها ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ويلقى خَلْفَهَا. وحديث أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّة (نَسِيْبَة) أصل فِي غسل الميت، وهي الَّتي غَسَّلَتْ زَيْنَب بِنْت رَسُولِ الله ﷺ ، زوج أبي العَاصِي بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَتْ ﵂: ... "دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ (١)، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (٢)، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ (إزاره)، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ" (٣). أي اجعلْنَ الإزار ممّا يلي الجسد.

стр. 108

وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا" (١). وعن أُمِّ عَطِيَّة: "أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ الله ﷺ ، ثَلاثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ، ثُمَّ غَسَلْنَهُ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاثَةَ قُرُونٍ" (٢)، وفي رواية: "فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا" (٣). ويفهم جواز غسل المرأة للمرأة ولو كانت أجنبية، وأنّ الذَّكَرَ يتولّى غسله الرِّجالُ، والأنثى يتولّى غسلها النِّساءُ، ويُسْتَثْنَى من ذلك الزَّوجان فإنَّه يجوز لأحدهما أن يغسّل الآخر. وتجدر الإشارة إلى أنَّ حديث "لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمُ المَأْمُونُونَ" (٤) موضوع. الزوجان لكل واحد منهما غسل الآخر يجوز لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غُسْلُ صَاحِبِهِ بعد الموت، فالزَّوْج له غُسْل امْرَأَتِهِ، وَالأَصْل فِي جَوَازِه مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ، وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهْ، قَالَ: بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ، ثم قَالَ: مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ

стр. 109

عَلَيْكِ، وَدَفَنْتُكِ؟ " (١). ولِلْمَرْأَةِ تَغْسِيل زَوْجِهَا، قالت عائشة ﵂: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنَ الْأَمْرِ مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ رَسُولَ الله ﷺ إِلَّا نِسَاؤُهُ" (٢). الشّهيد لا يغسّل ولو كان جنبًا لَمْ يُشْرَعْ غسْلُ الشَّهِيدِ (قَتِيل المَعْرَكَةِ)، وإنّما يُدْفَنُ بِدِمَائِهِ وَثِيَابِهِ، فالنَّبيُّ ﷺ أمَرَ بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، عن جابر ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ" (٣) ـ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ ـ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وعن جَابِر ﵁ أنّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٤). وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا. ويترك غسل الشَّهيد، ولا تنزع ثيابه ويبقى عليه أثر الشَّهادة، لقوله ﷺ في شُهَدَاءِ أُحُدٍ: "زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ" (٥)، ولقوله ﷺ : "مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ الله إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ" (٦). وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ، فَأَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ ... لِأَصْحَابِهِ: "هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ:

стр. 110

هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ. فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا" (١). وفي أحد قتل شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِرٍ ﵁، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ المَلَائِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لمّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ" (٢). ثواب من غسّل ميّتاً وكتم عليه وثواب من كفّنه قال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَمَنْ كَفَّنَ مَيِّتًا كَسَاهُ الله مِنَ السُّنْدُسِ، وَإِسْتَبْرَقِ الْجَنَّةِ" (٣)، وعن أبي رَافِعٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً" (٤). فينبغي للمغسِّل أن
следующие страницы →