بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، أشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
[آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشرالأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد
فإنَّ المساجد التي هي بيوت الله - تعالى - في الأرض لها جملة من الأحكام التي ينبغى على المسلم أنْ يتعلمها.
وإذا كان الله - تعالى - قد ذكر في كتابه جملة من الآداب التي يجب على المسلم أن يتبعها عند دخول بيوت الناس، فإنَّ تعلم الآداب والأحكام التي تتعلق ببيوت الله - تعالى - واتباعها واجب من باب أولى.
стр. 2
وإذا كان حق الضيف إكرامه، فإن من واجب الضيف معرفة قدر من يزور، والاستعداد لزيارته، والتأدب في حضرته بما يليق وجلال المزور وعظمته.
قال ابن عثيمين ﵀:
أضاف الله المساجد إلى نفسه وأضافها النبي ﷺ إلى ربه، لذا فإنَّ لهذه المساجد حرمة ولها تعظيم وأحكام. ا. هـ
ولقد اعتبر النبي ﷺ المساجد أمارات تدل على إسلام أهل البلد، -- فعن أنس بن مالك - رضى الله عنه- قال: «كان رسول الله ﷺ يُغير إذا طلع الفجر، فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار». (١)
وهذا دليل على ما للمساجد من أثر بالغ في الإسلام، حيث يعتبر وجودها وعمارتها بالأذان والصلاة صورة حية للمجتمع الإسلامي، كما أنَّ فقدها أو فقد عمارتها بعبادة الله - تعالى - يعني ابتعاد المجتمع عن الإسلام وتلاشي معالمه من واقع المجتمع.
وقد خصَّ الله - تعالى- هذه الأمة بأنْ شرع لها بناء المساجد، والسعي في عمارتها، والمسابقة إليها، وتخصيصها بأنواع من العبادة لا تصح في غيرها.
ولأهمية المساجد في هذه الشريعة أحببنا أن نذكر في هذه الورقات - بعون الله وتوفيقه - جملة من الأحكام والفتاوى التي تتعلق بالمساجد من وقت دخولها والمكث فيها والصلاة وغيرها حتى الخروج من المسجد.
стр. 3
وهذا جهد المقل قد أنفقت فيه جهدي وبذلت وسعي، وقد سطَّرته وأنا أعلم أنَّه عمل بشري يعتريه الخطأ والتقصير، وهذا المعنى قد ذكره الله - عزوجل - في قوله تعالى: "وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢] [النساء: ٨٢] [النساء: ٨٢] وفي هذا المعنى يقول ابن مسعود - رضى الله عنه -: (فإنْ يكُ صواباً فمن الله، وإنْ يكُ خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئآن) (١)، فأستغفر الله عمَّا فيه من خطأ أو تقصير.
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنَّك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم.
لقد مضيتُ وراء الركبِ ذا عَرَجٍ ... مؤمِّلاً جبر ما لاقيتُ من عرجٍ
فإن لحقتُ بهم مِن بعد ما سَبقوا ... فكم لرب الورى في الناسِ من فرجٍ
وإنْ ضللتُ بقَفر الأرض منقطعاً ... فما على أعرجٍ في الناسِ من حرج
ولا يفوتني أنْ التمس من كل أخٍ كريم قرأ هذا الكتاب أنْ يتفضل مشكوراً بإبداء ملاحظاته وتوجيهاته، فإنَّ المؤمن مرآة أخيه المؤمن، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
ونسأل الله - عزوجل - أن يوفقنا في هذا العمل، وأن يجعل ما نسطِّره خالصاً لوجهه، ولا يجعل لأحد فيه شيئاً، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلى الله على النبي وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 4
أولاً: التعريف بالمسجد: -
المساجد: جمع مسجد، بفتح الجيم وكسرها، لغتان، فإنْ أريد به المكان المخصوص فهو بكسر الجيم لا غير، وإنْ أريد به موضع السجود، والذي هو موضع وقوع الجبهة على الأرض، فإنه بالفتح لا غير.
فإنَّ المسجد قد يطلق ويراد به موضع السجود، مسجداً كان أو غيره، وهذا هو الأصل، ودليل ذلك قوله ﷺ : (جُعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً) (١)، وقوله ﷺ (الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام) (٢) وقد يطلق لفظ " المسجد " ويراد به الموضع المعد للسجود، والذى يؤمه الناس للصلاة فيه، كما في قوله ﷺ : "إذا نعَسَ أحدُكم وهو في المسجد فليتحولْ من مجلسه ذلك إلى غيره" (٣)
- ولمَّا كان السجود أشرف أفعال الصلاة؛ لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، اشتق منه اسم المكان الذي خُصص للصلاة فيه.
стр. 5
قال ابن دقيق العيد: المسجد موضع السجود في الأصل، ثم يطلق في العرف على المكان المبنى للصلاة التي السجود منها، وعلى هذا: فيمكن أن يحمل المسجد في الحديث على الوضع اللغوي، أي جُعلت لي الأرض موضع السجود، ويمكن أن تُجعل مجازاً عن المكان المبني للصلاة؛ لأنه لمَّا جازت الصلاة في جمعيها كانت كالمسجد في ذلك. ا. هـ (١)
والمسجد بمعناه الشرعي - الذي هو موضع السجود - هو من خصائص هذه الأمة، لقوله ﷺ (جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)
قال القاضي عياض: لأنَّ من كان قبلنا، كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته، ونحن خُصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض، إلا ما تيقنَّا نجاسته. ا. هـ (٢)
فضائل المساجد:
١ - قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقره / ١١٤)
٢ - وقَال تَعَالَى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]
٣ - وقَال تَعَالَى ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيى لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] وهذه الأيات فيها دلالة عظيمة على فضيلة المسجد؛ فإنَّ الْأَرض كلها للَّه - تعالى - ملْكًا وخلقاً، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وَأما الْمَسَاجد فقد أضافها الِلَّه- تعالى - إلى نفسه إضافة رِفْعَة وَتَشْرِيف؛ كما في قوله " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ ....... "
وقوله تعالى "وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ " ممَّا يدل على فضل المساجد، التي هي بيوت الله - تعالى - في الأرض. (٣)
стр. 6
٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُها. (١)
قال النووي: وأَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ المَسَاجِدُ؛ لِأَنَّهَا بُيُوتُ الطَّاعَاتِ وَأَسَاسُهَا عَلَى التَّقْوَى، وقَوْلُهُ "وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا"؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْغِشِّ وَالْخِدَاعِ وَالرِّبَا وَالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ وَإِخْلَافِ الْوَعْدِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ا. هـ (٢)
٣ - عن أبي عثمان قال: كتب سلمان إلى أبي الدرداء- ﵄: يا أخي عليك بالمسجد فالزمه، فإنى سمعت النبي- ﷺ -يقول " المسجد بيت كل تقي". (٣)
стр. 7
" خير المساجد على الأرض "
نقول: إنّ من سنة الله - تعالى - أن يفضِّل أشياءَ على أشياء، وذلك فضل الله- تعالى - يؤتيه من يشاء.
فلقد خلق الله - تعالى - سبعين أمة، فجعل أمة الإسلام خير أمة أُخرجت للناس.
وخلق الله - تعالى - الناس جميعاً، فجعل محمداً- ﷺ خير البشر أجمعين.
وخلق الله - تعالى -الأيام كلها، فجعل الجمعة خير الأيام جمعياً.
وخلق الله - تعالى - الليالي كلها، فجعل ليلة القدر خير الليالي جمعياً.
وخلق الله - تعالى - الماء جمعياً، فجعل ماء زمزم خير الماء جمعياً.
ومن هذا الباب فلقد أذن الله - تعالى - للكثير من المساجد أن ترفع ويُذكر فيها اسمه، ولكن من بين هذه المساجد الكثيرة، قد خص الله- تعالى - ثلاثة مساجد، جعل لها فضائل عظيمة ليست في غيرها، وهى "المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى "
١ - المسجد الحرام: قال تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمرن /٩٦)
فهذه الآية تفيد أنَّ أول مسجد بُني على الأرض هو المسجد الحرام بمكة ,والذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل ﵉.
стр. 8
وعنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي الْقُرْآنَ فِي السُّدَّةِ، فَإِذَا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ سَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ؟ ! قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ -عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ» (١)
وفى هذا الحديث فوائد:
١ - الأولى: فضيلة هذه الأمة التي منحها الله - تعالى- إياها ,وهى أنّ للمسلم أن يصلي في أي موضع من الأرض , إلا ما استثناه الشرع ,وهذه من خصائص هذه الأمة ,دون غيرها من الأمم , حيث كان مَن قبلنا لا يصلُّون إلا في البيع والكنائس.
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، كَانَ كُلُّ نَبِي يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة. (٢)
стр. 9
٢ - الفائدة الثانية: - أنَّ المسجد الأقصى هو ثاني المساجد التي بنيت بعد المسجد الحرام , وفى قصة بناءه قد ورد حديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ قال لما فرغ سليمان بن داود ﵉ -من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً أنْ يؤتيه حكماً يُصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأنه لا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فقال رسول الله ﷺ : أما اثنتين فقد أُعطيهما، وأرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة. (١)
стр. 10
وممَّا ورد في فضل المساجد الثلاثة:
١ - مضاعفة أجر الصلوات:
عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: صلاة فى مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ " (١)
وعن أبي ذر ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: الصلاة في مسجدي مثل أربع صلوات في مسجد بيت المقدس ,ولنعم المصلى هو. (٢)
وهنا فوائد:
١ - دلت هذه الأحاديث أنَّ الصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما سواه ,إلا المسجد الحرام "مسجد الكعبة " فإنَّ الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة، أماعن مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى فدل حديث أبي ذر- رضي الله - أنَّ الصلاة في المسجد الأقصى بمائتي وخمسين صلاة.
стр. 11
٢ - أجر مضاعفة الصلوات ينسحب على أصل المسجدين الحرام والنبوي، وعلى ما زيد عليهما من توسعات، على الراجح، والله أعلم.
وَلَوْلَا أنَّ هذا التوسعات لها حكم الأصل مَا اسْتَجَازَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَنْ يَسْتَزِيدُوا فِيهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، ولَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
قال شيخ الاسلام: وَمَسْجِدُهُ كَانَ أَصْغَرَ مِمَّا هُوَ الْيَوْمَ وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ لَكِنْ زَادَ فِيهِمَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحُكْمُ الزِّيَادَةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ. (١)
стр. 12
٢ - أنَّ مضاعفة أجر الصلوات في المسجدين المسجد الحرام والمسجد النبوي إنَّما هي خاصة لمن صلى داخل المسجد، خلافاً لما نراه ممن يصلي في مسكنه أو حتى في مسجد قريب من مسكنه، ويقول: مكة كلها حرم! ! نقول: نعم مكة كلها حرم، ولكنَّ مضاعفة أجر الصلوات، إنَّما هي خاصة بمن صلى داخل المسجدين فقط، والله أعلم. (١)
стр. 13
٣ - تَكُونُ النَّوَافِلُ فِي الْمَسْجِدِ مُضَاعَفَةً بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَلْفٍ فِي الْمَدِينَةِ، وَمِائَةِ أَلْفٍ فِي مَكَّةَ؛ وذلك لعموم قوله ﷺ "صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ" وَيَكُونُ فِعْل النوافل فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ من هذه المضاعفات؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» بَلْ وَرَدَ فِى بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي مَسْجِدِهِ ﷺ . (١)
стр. 14
وممَّا ورد في فضيلة هذه المساجد الثلاثة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضى الله عنه- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) (١)
والمعنى: لا يسافر إلى موضع من المواضع الفاضلة التي تقصد لذاتها ابتغاء بركتها وفضل العبادة فيها إلا إلى ثلاثة مساجد، وَأَنَّهُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا قَصْدُ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ لطَلَبِ عِلْمٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ نُزْهَةٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْي. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحال إليه. ا. هـ (٣)
وقال ﵀: بل لو سافر إلى مسجد لله، غير المساجد الثلاثة، ليعبد الله فيها، كان عاصياً لله ورسوله. ا. هـ (٤)
стр. 15
كذلك ممَّا ورد في فضيلة المسجد النبوي:
قال أبوهرَيْرَةَ ﵁ -سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -يَقُولُ: مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ» (١)
стр. 16
تنبيه هام:
ما روى عن حُذَيْفَة -رضى الله عنه-أنه قال لابن مسعود- رضى الله عنه- «أَلَا أَعْجَبَكَ مِنْ قَوْمِكَ عُكُوفٌ بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ الْأَشْعَرِيِّ» يَعْنِي الْمَسْجِدَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -قَالَ: " لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ "؟
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا وَأَخْطَأْتُ، (١) فليس هذا الأثر مقتضياً لمنع الاعتكاف إلا فى المساجد الثلاثة، بل الراجح - والله أعلم - هو مشروعية الاعتكاف فى غيرها من المساجد التى تقام فيها الجمع والجماعات، وهو قول جمهور العلماء.
وظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] , فَعَمَّ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا بِذَلِك، وصيغة الجمع بـ (مساجد) الدالة على صيغة منتهى الجموع، والألف واللام في كلمة (المساجد) للجنس، أي: كل المساجد، أو للعهد، أي: المساجد المعهودة لصلاة الجماعة، أو مساجد الجمعة، فهي المساجد التي تصح فيها صلاة الجماعة, والتخصيص يحتاج إلى دليل قوي، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِي مَسَاجِدِ بُلْدَانِهِمْ , إِمَّا مَسَاجِدُ الْجَمَاعَاتِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَاتُ , وَإِمَّا هِي وَمَا سِوَاهَا، مِنَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَهَا الْأَئِمَّةُ وَالْمُؤَذِّنُونَ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِى ذَلِكَ، ، ولا يمكن أنْ يخاطب الله - تعالى -الأمة بهذا الحكم العام في الاعتكاف ويقول في المساجد، ثم لا يراد به إلا ثلاثة مساجد، قد يدركها الناس، وقد لا يدركونها.
стр. 17
- يؤيده: أنَّ قَوْله : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قد نزل وقت أنْ كان المسجد الحرام في مكة لم يفتح بعد، وكذلك كان المسجد الأقصى تحت يد الرومان.
- وعليه فيؤول الحديث على أنه: لا اعتكاف أكمل ولا أتم من أن يكون في المساجد الثلاثة، لما فيها من الفضل العظيم؛ لقول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) أما في غيرها من المساجد فالاعتكاف فيها جائز في أي مسجد من المساجد، فيكون معنى الحديث: لا اعتكاف كامل، كقوله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"، والله تعالى أعلم.
ومن المساجد التي نص الشرع على فضيلتها، مسجد قباء:
١ - مسجد قباء قد أُسس على التقوى:
قال تعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة /١٠٨] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: " نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قَالَ: «كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ " (١)
وممَّا يؤيد أنَّ المقصود بالمسجد الذي أُسس على التقوى هو مسجد قباء: قوْلَهُ تَعَالَى ﴿مِنْ أول يَوْم﴾ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءَ؛ لِأَنَّ تَأْسِيسَهُ كَانَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ حَلَّ النَّبِيُّ ﷺ فيه. (٢)
يؤيده: ما فى البخاري من حديث هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، قال عروة بن الزبير: (وأسس رسول الله ﷺ المسجد الذي أُسس على التقوى وصلَّى فيه)
قال ابن حجر: فهذه الأخبار تدل على أنه كان معروفا عندهم بأنَّ مسجد قباء هو المسجد الذي أَّسس على التقوى ا. هـ (٣)
стр. 18
يؤيده: سِيَاق الْآيَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَدْ جَاءَتْ قَبْلَهَا قِصَّةُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ بِقَوْلِهِ: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا .... " وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَسْجِدَ الضِّرَارِ كَانَ بِمِنْطَقَةِ قُبَاءٍ، وَطَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فِيهِ تَبَرُّكًا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَتَقْرِيرًا لِوُجُودِهِ يَتَذَرَّعُونَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ.
فإن قيل: قد صح عن أبي سعيد الخدري ﵁ -أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال رجل: هو مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : " هو مسجدي، وَفِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ " (١)
فالجواب: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا" ظَاهِرٌ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ. ا. هـ
стр. 19
قال شيخ الإسلام: وهذا يتناول مسجده، ومسجد قباء، ومسجده أحق بذلك من مسجد قباء، كما قال لأهل الكساء: علي، وفاطمة، وحسن، وحسين: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» أي: هم أحق بذلك من غيرهم، والحصر يكون حصرًا للكمال كما تقول: عبد الله العالم، فالآية قد نزلت بِسَبَبِ مَسْجِدِ قُبَاءَ، ولكن تَنَاوَلَ اللَّفْظُ لمَسْجِدِ قُبَاءَ وَمسْجِدِهِ ﷺ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى، وإلا فالقرآن يدلّ على أنَّ مسجد قباء أسس على التقوى، وعلى أنَّ أزواجه من أهل بيته. ا. هـ (١)
٢ - الصلاة في مسجد قباء كأجر عمرة:
عن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ» (٢)
لكن: إنَّما يكون لمن كان قريباً من مسجد قباء، فلا يشرع السفر إلى مسجد قباء؛ تحصيلاً لأجر العمرة؛ وذلك لعموم قوله ﷺ (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)
стр. 20
قال شيخ الإسلام: نص عامة العلماء على أنَّه لو نذر السفر إلى مسجد قباء، لم يوف بنذره، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم؛ لأنه نهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، وإنما يستحب إتيان مسجد قباء من قريب، مثل أن يكون بالمدينة فيذهب إليه، كما ثبت في الصحيح عن ابن عمر: أنَّ النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبتٍ راكبًا، وماشيًا. ا. هـ (١)
لطيفة:
قال الشنقيطي: وَهُنَا سُؤَالٌ يَفْرِضُ نَفْسَهُ: لِمَاذَا كَانَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِمَاذَا اشْتُرِطَ التَّطَهُّرُ فِي بَيْتِهِ لَا مِنْ عِنْد الْمَسْجِدِ؟ وَلَقَدْ تَطَلَّبْتُ ذَلِكَ طَوِيلًا فَلَمْ أَقِفْ عَلَى قَوْلٍ فِيهِ، ثُمَّ بَدَا لِي مِنْ وَاقِعِ تَارِيخِهِ، وَارْتِبَاطِهِ بِوَاقِعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَنَّ مَسْجِدَ قُبَاءٍ لَهُ ارْتِبَاطَاتٌ عَدِيدَةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ:
فضيلة بناء المساجد: -
نقول: لأنَّ المساجد وسيلة لتحقيق الجماعة، جماعة الصلاة وجماعة الألفة والمودة بين المسلمين، لذا فإنَّ أول ما فعله النبي ﷺ في المدينة هو بناء المسجد، حيث بنى مسجده ﷺ ، وهذا هو فعل الصحابة ﵃.
والمؤمنون -بحمد الله تعالى - متفقون على أنَّ بناء المساجد من الأمور الضرورية للمسلمين.
لذا فقد أمر الشرع ببناء المساجد وحث ورغَّب في ذلك: عن عائشه ﵂ قالت أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظَّف وتطَّيب) (١)
الدور هي: المحال التي فيها الدور، والأمر هنا للوجوب، وعليه فقد نص العلماء على وجوب بناء المساجد الأحياء في السكينة.
وقد ورد في فضل بناء المساجد جملة من الأخبار:
١ - عن عُثْمَانَ بْن عَفَّانٍ- ﵁ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : " مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ» (٢)
وعن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي- ﷺ قال: " من بنى لله مسجداً، ولو كَمَفْحَص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة " (٣) والمفحص) (: بفتح الميم والحاء) الْمَكَانَ الَّذِي تَفْحَصُ الْقَطَاةُ - وهو طائر مشهور - عَنْهُ لِتَضَعَ فِيهِ بَيْضَهَا وَتَرْقُدَ عَلَيْهِ.
стр. 23
وقوله ﷺ : ولو كمفحص قطاه، حَمَلَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِى تَفْحَصُهُ الْقَطَاةُ لِتَضَعَ فِيهِ بَيْضَهَا وَتَرْقُدَ عَلَيْهِ لَا يَكْفِى مِقْدَارُهُ لِلصَّلَاةِ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَزِيدُ فِي مَسْجِدٍ قَدْرًا يُحْتَاجُ إلَيْهِ تَكُونُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ هَذَا الْقَدْرَ، أَوْ يَشْتَرِكُ جَمَاعَةٌ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فَيَقَعُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْقَدْرُ. (١)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ ممَّا يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته , علماً علَّمه ونشره , وولداً صالحاً تركه , ومصحفاً ورَّثه , أو مسجداً بناه , أو بيتاً لابن السبيل بناه , أو نهراً أجراه , أو صدقة أخرجها من ماله فى صحته وحياته , يلحقه من بعد موته. (٢)
стр. 24
لطيفة تتعلق بمسألة بناء المساجد: - مسجد (كأنني أكلت):
إنه جامع صغير في منطقة "فاتح" في اسطنبول، واسمه باللغة التركية هو " صانكي يدم " أى "كأنني أكلت":
وقصته أنَّ رجلاً اسمه "خير الدين أفندي" كان يعيش في منطقة "فاتح"
وكان يمشي فى السوق وتتوق نفسه لشراء فاكهة، "أو لحم، فيقول في نفسه": صانكي يدم" يعني "كأنني أكلت" ثم يضع ثمن ذلك الطعام في صندوق له، ومضت السنوات وهو يكف نفسه عن لذائذ الأكل، ويكتفي بما يقيم بدنه فقط، وكانت النقود تزداد في صندوقه شيئاً فشيئاً، حتى استطاع بهذا المبلغ القيام ببناء مسجد في محلته، ولمَّا كان أهل المحلة يعرفون قصة هذا الشخص الورع الفقير وكيف استطاع أن يبني هذا المسجد أطلقوا على الجامع اسم جامع: "صانكي يدم"أي "كأنني أكلت". (١)
بشرى لمن أراد أن يحصل على أجر بناء مسجد، وليس معه مؤنة ذلك: عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ- ﵂-قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلَّا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ». (٢)
стр. 25
فضائل تعمير المساجد:
١ - تعمير المساجد من علامات الإيمان: قال تعالى (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة/١٨) (١)
ففى الآية فوائد:
الأولى: أنَّ تعمير المساجد بالصلاة وذكر الله - تعالى - علامة من علامات إيمان المرء، فإنَّ الإيمان ما وقر في القلب وصدَّقه العمل.
قال القرطبي: " فالشهادة لعمَّار المساجد بالإيمان صحيحة؛ لأنَّ الله ربطه بها، والآية دليل على ذلك. ا. هـ (٢)
٢ - الثانية: أنَّه بملازمة المرء لبيت الله - تعالى - فهذا من أعظم الأسباب التي تجلب الهداية للمسلم . (١)
٣ - تعمير المساجد من صفات الرجال:
قال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)) (التوبة /٣٧ - ٣٦)
стр. 26
٤ - تعمير المساجد من أسباب الظلال:
عن أبي هريرة- رضى الله عنه - عن النبي ﷺ قال: " سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: ذكر منهم، ورجل قلبه معلقٌ بالمساجد. (١)
قال ابن عبد البر: ومن كان في ظل الله يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله، نجا من هول الموقف إن شاء الله ا. هـ (٢) ... وقَوْلُهُ ﷺ : " مُعَلَّقٌ بالْمَسَاجِدِ": ... ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنَ التَّعْلِيقِ، كَأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالشَّىءِ الْمُعَلَّقِ فِى الْمَسْجِدِ كَالْقِنْدِيلِ مَثَلًا، إِشَارَةً إِلَى طُولِ الْمُلَازَمَةِ بِقَلْبِهِ وَإِنْ كَانَ جَسَدُهُ خَارِجًا عَنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْجَوْزَقِى كَأَنَّمَا قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسْجِدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَلَاقَةِ وَهِى شِدَّةُ الْحُبِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَحْمَدَ "مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِد ". (٣)
стр. 27
٥ - تعمير المساجد نورٌ في ظلمات الآخرة:
عن سهل بن سعد ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِى الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِنُورٍ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (١)
والمعنى: بِالنورِ التَّام الَّذِي يُحِيط بهم من جَمِيع جهاتهم، أَي على الصِّرَاط، لمَّا قاسوا مشقة الْمَشْي فِي ظلمَة اللَّيْل جوزوا بِنور يضيء لَهُم ويحوطهم، قال إبراهيم النخعي: كانوا يرون المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة موجبة. (٢)
٦ - عمَّار المساجد من المبشَرين بالجنَّة:
عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: " من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح " (٣)
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِي- رضى الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ : ذكر منهم: وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ ". (٤)
والمعنى: أنه إذا مات فقد مات في سبيل الله؛ لأنه خرج لعبادة الله - تعالى -ولطاعة الله، وإن رجع فهو محصل أجراً وغنيمة في الآخرة، وإن حصل له رزق بسبب هذا العمل الصالح فهو من الثواب المعجَّل الذي يحصله في الدنيا قبل الآخرة.
стр. 28
٧ - عمَّار المساجد هم أهل المكرمات والدرجات:
عن أبي هريرة - رضى الله عنه - أنَّ النبي ﷺ قال: - صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِى بَيْتِهِ، وَفِى سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً، إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ تُصَلِّى عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِى صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ. (١)
وعن أبي هريرة - رضى الله عنه - أنَّ النبي ﷺ قال: أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ » قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ. (٢)
стр. 29
٨ - عمَّار المساجد في صلاةٍ ذهاباً وعودةً:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلَا يَقُلْ هَكَذَا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. (١) ... وعن عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا تَطَهَّرَ الرَّجُلُ، ثُمَّ مَرَّ إِلَى الْمَسْجِدِ يَرْعَى الصَّلَاةَ، كَتَبَ لَهُ كَاتِبُهُ، - أَوْ كَاتِبَاهُ - بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الْمَسْجِدِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَالْقَاعِدُ يَرْعَى لِلصَّلَاةِ كَالْقَانِتِ، وَيُكْتَبُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ. (٢)
أقول: ومع هذه الأثار الجمَّة التي وردت في فضيلة إتيان المساجد وتعميرها، فإننا نرى أموراً يندى لها الجبين.
نرى عمَّار المساجد في قلة عجيبة.
نرى أناساً أبوا إلا الصلاة في بيوتهم.
نرى أناساً لا يدخلون المسجد إلا مرة واحدة في الأسبوع، يوم الجمعة.
- وهذا الذي تنبأ به النبي ﷺ قال: ... "سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد، ولا يعمِّرونها إلا قليلاً ". (٣)
стр. 30
ووالله لو أنَّ النَّاس عمَّروا بيوت الله - تعالى - كما أمر الله - عزوجل - لاحتاج الأمر إلى بناء أضعاف المساجد التي بُنيت بالفعل.
ونقول لمن أدمن الصلاة في بيته: -
دعاك الله - تعالى - إلى تعمير بيته، فلما قدَّمت بيتك على بيته؟ !
يا لها من فتوحات عظيمة تلك التي يحظى بها رواد المساجد.
وكم أنت مغبون يا من أدمنت الصلاة في بيتك؟ ! ! .
كم ضاع عليك من درجات لم تحصِّلها، وحسنات لم تحصدها، وسيئات لم تُحط عنك، ودعوات من الملائكة قد ضاعت عليك؟ ! !
كم جرَّ عليك كسلك خسائر فادحة لميزان حسناتك؟ ! !
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾
*عن عَبْد الرَّحْمَنِ بنِ عَامِرٍ ﵀ قال: سَمِعْتُ رَبِيْعَةَ بنَ يَزِيْدَ يَقُوْلُ: مَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلَّا وَأَنَا فِي المَسْجِدِ، إلَّا أَنْ أَكُوْنَ مَرِيْضاً أَوْ مُسَافِراً. (١)
*كان أبو يعقوب البويطي- ﵀ مسجوناً، فسمع المؤذن، يوم الجمعة فاغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى بلغ باب الحبس، فقال له السجَّان: أين تريد؟ قال: حيث داعي الله، فقال له السجَّان: ارجع عافاك الله، فقال أبو يعقوب: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني. (٢)
قلت: فالمحبوس بحق هو من حُبس عن طاعة الله ، والمأسور بحق هو من أسره هواه.
واعتبروا يا أولي الأبصار: عن عمرو بن أم مكتوم ﵁ قال: جئت إلى رسول الله ﷺ -فقلت: يا رسول الله، أنا رجل ضرير، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، والْمَدِينَة كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ فهل تجد لي رخصة أن أصلِّي في بيتي؟ قال: " أتسمع النداء؟ " قال: قلت: نعم. قال: " ما أجد لك رخصة " (٣)
стр. 34
*واعتبروا يا أولي الأقدام: إنه السعودي عبد الله عيسى عسيري البالغ من العمر ٧٦ عاماً، الذي لم تمنعه الإعاقة التي أصيب بها منذ طفولته من أداء الصلاة والذهاب في المسجد، حيث قرر الحبو على يديه وقدميه بكل عزيمة وإصرار من أجل طاعة الله .
ولشدة حرارة الأرض وسخونتها فقد أوجدوا له حلاً ليسهل انتقاله إلى المسجد، وذلك بفرش الطريق حماية له من حرارة الشمس أثناء ذهابه إلى المسجد؛ حتى لا يتأثر كفتيه حيث فرشتا البسط ليصل بكل راحة إلى المسجد، وكان عبد الله يتنقل في صغره بين القرى المجاورة مشياً على كفيه، ويذهب لصلاة الجمعة بالجامع الذي يبعد ثلاثة "كيلو متر مشياً أيضاً على كفيه قبل وجود السيارات هكذا كان عبد الله، فهل أنت عبد لله؟؟؟؟؟؟.
مع الساجدين حتي اليقين
قَالَ مُصْعَب: سَمِعَ عَامِرٌ بن عبد الله بن الزبير المُؤَذِّنَ وَهُوَ يَجُوْدُ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: خُذُوا بِيَدِي. فَقِيْلَ: إِنَّكَ عَلِيْلٌ! قَالَ أَسْمَعُ دَاعِي اللهِ، فَلا أُجِيْبُهُ! فَأَخَذُوا بِيَدِهِ، فَدَخَلَ مَعَ الإِمَامِ فِي المَغْرِبِ, فَرَكَعَ رَكْعَةً , ثُمَّ مَاتَ. (١)
حضور صلاة الفجر ليلة الزواج:
عن سماك بن حرب قال: تزوج الحارث بن حسان، وكان له صحبة، فحضر إلي صلاة الفجر، فقيل له: أتخرج وقد بنيت بأهلك هذه الليلة؟!! فقال: والله إنَّ امرأةً تمنعني من صلاة الغداة في جماعةٍ، لامرأةُ سوءٍ. (٢)
стр. 35
تأمل في حال هذا الصحابي الجليل ﵁ لم تلهه دنيا يصيبها ولا امرأة ينكحها عن ذكر الله وإقام الصلاة.
ثم انظر في حال الواحد من شبابنا، إذا نكح امرأةٌ ظل ما يقرب من أسبوع كامل لا , يخرج من بيته ولا يراه أحد! ! (١)
واحذر من هذه الخديعة الشيطانية: -
فحينما تتأخر عن صلاة الجماعة قليلاً، لعذر نوم أو شغل أو نحوه، يأتيك الشيطان ليثبِّطك عن صلاة الجماعة، بحجة أنك لن تدرك الجماعة، وسوف يفوتك الأجر وهذه خديعة شيطانية، والمخرج منها ما ورد في حديث النبي ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئًا. (٢)
فهذا المصلي الذي لم يدرك جماعة المصلين لا ينقص أجره عن أجورهم شيئاً، بل له الأجر الكامل، وهذا إذا لم يكن التأخير ناشئاً عن التقصير، وفضل الله واسع. (٣)
стр. 36
أما آداب التوجه إلى المسجد
وقد ورد فى الشرع جملة من الأثار في آداب التوجه إلى المسجد، نذكر منها:
١ - أنْ يعدِّد النوايا وهو في طريقه إلى المسجد: فقد قال النبي ﷺ : (إنَّما الأعمال بالنيات)
وعن أبي هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : من أتى المسجد لشيء فهو حظه. (١)
فقوله ﷺ (فهو حَظُّهُ) كَقَوْلِهِ ﵇: " إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ فِي إِتْيَانِ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يَكُونَ مُخْتَلِطًا بِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَالتَّمْشِيَةِ وَالْمُصَاحَبَةِ مَعَ الْأَصْحَابِ بَلْ يَنْوِي الِاعْتِكَافَ وَالْعُزْلَةَ وَالِانْفِرَادَ وَالْعِبَادَةَ وَزِيَارَةَ بَيْتِ اللَّهِ وَاسْتِفَادَةَ عِلْمٍ وَإِفَادَتِهِ وَنَحْوَهَا. (٢)
ففي هذا الحديث تنبيه على أهمية تصحيح النية وتعديدها في هذا المقام.
стр. 37
فيعدِّد المرء نوايا وهو في طريقه إلى المسجد، ومن هذه النوايا:
١ - ينتوي الامتثال لأمر الله - تعالى - في تعمير المساجد.
٢ - ينتوي التقرب إلى الله -تعالى- بأداء فريضة من فرائضه -وهي صلاة الجماعة، وقد ورد في الحديث القدسي "وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه " (١)
٣ - ينتوي طلب العلم الشرعي، وذلك بسماع كلمة أو درس علم، وقد قال ﷺ : ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده " (٢).
стр. 38
٤ - ينتوي تعليم الجاهل، كالذي يجهل أحكام الوضوء أو الصلاة مثلاً.
٥ - ينتوي رؤية إخوانه في المسجد. (١)
٦ - ينتوي إفشاء السلام على من مرعليه في طريقه إلى المسجد.
٧ - ينتوي دعوة من مرَّ عليه إلى صلاة الجماعة وهو في طريقه إلى المسجد.
٨ - ينتوي استجلاب دعوات واستغفار الملائكة كما في الحديث " فإذا صلَّى - أي في المسجد- لم تزل الملائكة تصلِّي عليه ما دام في مصلَّاه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، اللهم اغفر له اللهم تب عليه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. (٢)
٩ - ينتوي الإعتكاف في المسجد مدة إقامته فيه.
٢ - الأدب الثاني: التطَّهر والوضوء في البيت:
عن أبي أُمامة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: مَا مِنْ أَحَدٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا حَتَّى يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ الَّتِي بَعْدَهَا إِلَّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. (٣)
стр. 39
-وعن عثمان- ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلَّاها، غُفر له ذنبه " وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا تَغْتَرُّوا» (١)
وعن أبى هريرة-رضى الله عنه - قال: قال النبي ﷺ : إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة. (٢)
وعن أبي أمامة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر كان له كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى سبحة الضحى كان له كأجر المعتمر. (٣)
فتنبه أخي: فهذه الأحاديث قد نصَّت على أنَّ مغفرة الذنوب واستغفار الملائكة وحط الخطايا ورفع الدرجات وأجر الحاج المحرم، لمن قصد المسجد، إنما تكون لمن خرج من بيته متطهراً، والله أعلم.