← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151155

المساجد بيوت الله

أيمن إسماعيل

Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أما آداب التوجه إلى المسجد وقد ورد فى الشرع جملة من الأثار في آداب التوجه إلى المسجد، نذكر منها: ١ - أنْ يعدِّد النوايا وهو في طريقه إلى المسجد: فقد قال النبي ﷺ : (إنَّما الأعمال بالنيات) وعن أبي هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ : من أتى المسجد لشيء فهو حظه. (١) فقوله ﷺ (فهو حَظُّهُ) كَقَوْلِهِ ﵇: " إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ فِي إِتْيَانِ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يَكُونَ مُخْتَلِطًا بِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَالتَّمْشِيَةِ وَالْمُصَاحَبَةِ مَعَ الْأَصْحَابِ بَلْ يَنْوِي الِاعْتِكَافَ وَالْعُزْلَةَ وَالِانْفِرَادَ وَالْعِبَادَةَ وَزِيَارَةَ بَيْتِ اللَّهِ وَاسْتِفَادَةَ عِلْمٍ وَإِفَادَتِهِ وَنَحْوَهَا. (٢) ففي هذا الحديث تنبيه على أهمية تصحيح النية وتعديدها في هذا المقام.

стр. 37

فيعدِّد المرء نوايا وهو في طريقه إلى المسجد، ومن هذه النوايا: ١ - ينتوي الامتثال لأمر الله - تعالى - في تعمير المساجد. ٢ - ينتوي التقرب إلى الله -تعالى- بأداء فريضة من فرائضه -وهي صلاة الجماعة، وقد ورد في الحديث القدسي "وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه " (١) ٣ - ينتوي طلب العلم الشرعي، وذلك بسماع كلمة أو درس علم، وقد قال ﷺ : ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده " (٢).

стр. 38

٤ - ينتوي تعليم الجاهل، كالذي يجهل أحكام الوضوء أو الصلاة مثلاً. ٥ - ينتوي رؤية إخوانه في المسجد. (١) ٦ - ينتوي إفشاء السلام على من مرعليه في طريقه إلى المسجد. ٧ - ينتوي دعوة من مرَّ عليه إلى صلاة الجماعة وهو في طريقه إلى المسجد. ٨ - ينتوي استجلاب دعوات واستغفار الملائكة كما في الحديث " فإذا صلَّى - أي في المسجد- لم تزل الملائكة تصلِّي عليه ما دام في مصلَّاه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، اللهم اغفر له اللهم تب عليه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. (٢) ٩ - ينتوي الإعتكاف في المسجد مدة إقامته فيه. ٢ - الأدب الثاني: التطَّهر والوضوء في البيت: عن أبي أُمامة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: مَا مِنْ أَحَدٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا حَتَّى يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ الَّتِي بَعْدَهَا إِلَّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. (٣)

стр. 39

-وعن عثمان- ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلَّاها، غُفر له ذنبه " وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا تَغْتَرُّوا» (١) وعن أبى هريرة-رضى الله عنه - قال: قال النبي ﷺ : إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة. (٢) وعن أبي أمامة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر كان له كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى سبحة الضحى كان له كأجر المعتمر. (٣) فتنبه أخي: فهذه الأحاديث قد نصَّت على أنَّ مغفرة الذنوب واستغفار الملائكة وحط الخطايا ورفع الدرجات وأجر الحاج المحرم، لمن قصد المسجد، إنما تكون لمن خرج من بيته متطهراً، والله أعلم.

стр. 40

٣ - الأدب الثالث: احتساب الخطى إلى المسجد: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ- ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ يُصَلِّي الْقِبْلَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَبْعَدَ مَنْزِلًا مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الرَّمْضَاءِ وَالظُّلْمَةِ، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ فَنُمِيَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرَدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُكْتَبَ لِي إِقْبَالِي إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِلَى أَهْلِي إِذَا رَجَعْتُ، فَقَالَ: «أَعْطَاكَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، أَنْطَاكَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مَا احْتَسَبْتَ كُلَّهُ أَجْمَعَ» (١)

стр. 41

تأمل: فإنَّ النبي ﷺ قد علَّق الأجر في ذهاب المسلم إلى المسجد وإيابه منه على احتساب الأجر في ذلك. ٤ - الأدب الرابع: أدعية الخروج إلى المسجد: ١ - عن أم سلمة- ﵂ أنَّ النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته، قال: " بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك من أن نزل أو نضل، أو نظلم أو نظلم، أو نجهل أو يجهل علينا. (١) - وفى رواية أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: مَنْ قَالَ - يَعْنِي - إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ. (٢) ٢ - عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَآذَنَهُ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِى قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا. (٣)

стр. 42

آداب دخول المسجد: أن يدخل المسجد برجله اليمنى، ويخرج برجله اليسرى ، ودليل ذلك في قول أنس ﵁ قال: (من السنة أن تدخل المسجد برجلك اليمنى، وتخرج برجلك اليسرى) (١) قال ابن تيمية: وَقَدْ اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي تَشْتَرِكُ فِيهَا الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى: تُقَدَّمُ فِيهَا الْيُمْنَى إذَا كَانَتْ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ؛ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالِابْتِدَاءِ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي السِّوَاكِ؛ وَنَتْفِ الْإِبِطِ؛ وَكَاللِّبَاسِ؛ وَالِانْتِعَالِ وَالتَّرَجُّلِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْمَنْزِلِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخَلَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَتُقَدَّمُ الْيُسْرَى فِي ضِدِّ ذَلِكَ كَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَخَلْعِ النَّعْلِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجد. ا. هـ (٢)

стр. 43

تنبيه: وقد ورد فى حديث عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في تنعله. (١) أي لبسه النعل. ويستطيع المسلم أن يجمع بين سنة خروجه من المسجد برجله اليسرى، وسنة تنعله باليمنى بأن يُخرج رجله اليسرى من المسجد أولاً فيضعها على الأرض، ثم يُخرج اليمنى فيضعها في النعل، ثم ينتعل اليسرى. أذكار دخول المسجد والخروج منه: عن عبدالله بن عمرو - رضى الله عنهما- قال: كان النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ. (٢) -عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ ". (٣)

стр. 44

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " (١) فتحصَّل ممَّا سبق أنَّ سنن الدخول والخروج من المسجد تشتمل على: السلام على النبي ﷺ وسؤال الله أن يفتح أبواب رحمته، والتعوذ من الأربع عند الدخول. ٢ - الدخول باليمنى والخروج اليسرى والسلام على النبي ﷺ وسؤال الله العصمة من الشيطان، وسؤال الله فضله عند الخروج . (٢)

стр. 45

تنبيه: ما ورد من التسمية والصلاة على النبي عند دخول المسجد، وكذلك ما ورد من سؤال الله المغفرة عند الدخول والخروج، فهذا ممَّا لا يصح سنده، والله أعلم. فضائل المكث في المسجد: - والمكث فى المسجد لانتظار الصلاة ممَّا رغَّب فيه الشرع فعن أبي هريرة -رضى الله عنه -أنَّ النبي ﷺ قال: لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف، أو يحدث "، قلت: وما يحدث؟ قال: " يفسو أو يضرط " (١) وعن عقبة بن عامر - رضى الله عنه- قال النبي ﷺ : القاعد على الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إلى بيته) (٢)

стр. 46

وممَّا ورد في ذلك حديث أبي سعيد الخدري - رضى الله عنه - قال: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟ » قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ » قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي، أَنَّ اللهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» (١) * عن أبي هريرة- رضى الله عنه - عن النبي ﷺ قال: " ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات، ويكفر به الخطايا؟ كثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره. (٢) قال ابن رجب: وكذلك حبس النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مألوفاتها من الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إليها، إما لكسب الدنيا أو للتنَزُّه، هو مِنْ هذه الجهة مؤلم للنفس، فيكونُ كفارةً. ا. هـ (٣)

стр. 47

وعن أبي هريرة-رضى الله عنه - قال: قال النبي ﷺ : وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده. (١) هَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ لِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَمُدَارَسَتِهِ، وَهَذَا إِنْ حُمِلَ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ. عن عَنْتَرة بن عبد الرحمن قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى ابن عباس ﵄ -فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَى الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " ذكر الله، اللَّهِ أَكْبَرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ "، ثُمَّ قَالَ: مَا جَلَسَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بيوت الله ﵎، يَتَدَارَسُونَ كتاب الله تعالى، وَيَتَعَاطَوْنَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا أَظَلَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَإِلَّا كَانُوا أضياف الله ﵎ حَتَّى يَقُومُوا. (٢)

стр. 48

والمسجد هو المقر الرسمي لتقسيم ميراث النبي ﷺ : ... وميراث النبي ﷺ الذي هو الكتاب والسنة إنما محله هو المسجد، ففيه تُذكر آيات الكتاب والحكمة، فيه قرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، فجراً وبالأسحار. عن عُقْبَةَ بن عامرٍ الجُهَنِي- ضى الله عنه- قال: خرج علينا رسول الله- ﷺ -فقال: " أيكُمْ يحب أن يغدوَ إلى بُطْحَانَ أو العقيقِ، فيأخذَ ناقتين كَوْمَاوينِ زَهْرَاوبنِ بغير إثم بالله ، ولا قَطْع رَحِم؟ قالوا: كلنا يا رسول الله، قال: " فَلأنْ يغدوَ أحدُكم كل يوم إلى المسجدِ، فيتعلَّمَ آيتين من كتاب الله : خيرٌ له من ناقتين، وإن ثلاثٌ فثلاثٌ، مثلَ أعدادهنَّ من الإبل ". (١)

стр. 49

* فهذا هو ميراث النبي ﷺ من الكتاب والسنة، فالأنبياء ما ورَّثوا درهماً ولا ديناراً، إنما ورَّثوا هذا الدين، ميراث ليس محله بيت المال، إنما محله بيت الله ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) تأمل: فالآيات بدأت بذكر الله وتسبيحه فى المسجد، وخُتمت بقوله تعالى "وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ "، ولنعم الرزق للمرء طاعة الله، ولنعم الميراث هدي النبي ﷺ (١)،

стр. 50

فهذا هو الباقي للمرء بعد موته ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق ... ﴾ وقال أبو خلَّاد المصرى: من دخل في الإسلام دخل في حصن، ومن دخل المسجد فقد دخل في حصنين، ومن جلس في حلقة يُذكر الله فيها فقد دخل في بيته حصونا. (١) آداب وفضائل ترديد الأذان: وإذا دخل المسلم المسجد عند الأذان اُستحب له أن يردد الأذان ، وقد ورد الأمر بذلك في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- رضى الله عنهما - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ. (٢)

стр. 51

وجاء ذلك موضحاً في حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ " (١)

стр. 52

وفى روايه سعد بن أبى وقاص - رضى الله عنه - مرفوعاً: ... "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ﴾ يتشهد ﴿(١) أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ ". (٢) - ويشرع أحياناً لمن يردد الأذان أنْ يقتصر على قوله (وأنا وأنا) عند نطق المؤذن للشهادتين، وذلك لحديث مُعَاوِيَة بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، - رضى الله عنه -، أنه سمع المُؤَذِّن يقول: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قفَالَ مُعَاوِيَةُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ»، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «وَأَنَا»، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «وَأَنَا»، فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا المَجْلِسِ، «حِينَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُ، يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّى مِنْ مَقَالَتِى. (٣)

стр. 53

كذلك فمن السنن المتعلقه بالأذان: الذكر بعد الأذان: وفى ذلك ورد جملة من الأحاديث نذكر منها: حديث جابر - رضى الله عنه - أنَّ النبى ﷺ قال: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ " (١) وفى رواية عبدالله بن عمرو -رضى الله عنهما - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّواعَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ، حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَة. (٢)

стр. 54

كذلك يسن الدعاء بعد الفراغ من هذه الأذكار: عن عبد الله بن عمرو- رضى الله عنهما -أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ المؤذنين يَفْضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : " قُلْ كما يقولون، فإذا انتهيت فَسَلْ تعْطَهْ " (١) قال ابن القيم: في الأذان خمس سنن: إجابته، وقول "رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً- " وسؤال الله تعالى لرسوله ﷺ الوسيلة والفضيلة، والصلاة عليه ﷺ ، والدعاء لنفسه ما شاء. (٢) فائدة: قد اشتهر على الألسنة زيادة (الدرجة الرفيعة) في هذا الدعاء، وهي زيادة لا أصل لها في شيء من الأصول المفيدة، وقد قال الحفاظ السخاوي في (المقاصد الحسنة): (لم أرها في شيء من الروايات) وقال شيخه الحافظ العسقلاني في (التلخيص): (وليس في شيء من طرقه ذكر: الدرجة الرفيعة) (٣) ثم يصلي ركعتي تحية المسجد: عن أبي قتادة - رضى الله عنه - قال النبي ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) (٤) وقد اختلف العلماء فى حكم هاتين الركعتين، فقال الظاهرية والشوكاني بوجوبها؛ وذلك للأمر بها كما في حديث أبي قتادة السابق، والأمر للوجوب. (٥) والراجح - والله أعلم - هو استحبابها، وهو قول الأئمة الأربعة وابن حزم. (٦)

стр. 55

فالواجب على المسلم هو خمس صلوات لا غير، ودليل ذلك: ١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك- رضى الله عنه - أنَّ النبي ﷺ ذكر حديث الإسراء، وفيه أنَّ الله - تعالى - قَال (هِي خَمْسٌ، وَهِي خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ) (١) ٢ - عن طلحة بن عبيد الله - رضى الله عنه - أنَّ النبي ﷺ لمَّا سأله الأعرابي عن الصلوات، قال له النبي- ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال الرجل: هل على غيرهنَّ؟ قال له النبى ﷺ -لا، إلا أن تتطوع. (٢) قال ابن حجر: اتفق أئمة الفتوى على أنَّ الأمر في ذلك - أي ركعتين تحية المسجد - للندب. ا. هـ (٣) قال القرطبي: وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالرُّكُوعِ عَلَى النَّدْبِ والترغيب. وَقَدْ ذَهَبَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ لَحَرُمَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ عَلَى الْمُحْدِثِ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ فِيمَا أَعْلَمُ ا. هـ (٤) ٣ - عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنَّ رسول الله ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى اليَمَنِ، قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ. (٥)

стр. 56

وهذا الحديث هو أقوى ما يُستدل به؛ لأنَّ بعث معاذ لليمن كان قبل وفاة النبي ﷺ بيسير، ولو كانت تحية المسجد واجبة، لأمره ﷺ أن يخبرهم بأنَّ الله - تعالى - قد فرض عليهم ست صلوات، لا خمساً. (١) ويؤيد هذا الإستحباب: حديث أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا. (٢) - لكن إذا كانت تحية المسجد سنة - على الراجح - فهي سنة مؤكدة لا تترك بحال، قال النووي: تحِيَّة الْمَسْجِد لَا تُتْرَكُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ تُبَاحُ فِى كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ فِي حَالٍ لَكَانَ هَذَا الْحَالُ أَوْلَى بِهَا، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ فَلَمَّا تُرِكَ لَهَا اسْتِمَاعُ الْخُطْبَةِ وَقَطَعَ النَّبي ﷺ لَهَا الْخُطْبَةَ وَأَمَرَهُ بِهَا بَعْدَ أَنْ قَعَدَ، وَكَانَ هَذَا الْجَالِسُ جَاهِلًا حُكْمَهَا دَلَّ عَلَى تَأَكُّدِهَا وَأَنَّهَا لَا تُتْرَكُ بِحَالٍ وَلَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٣)

стр. 57

*فإن قيل: وهل لهاتين الركعتين حكمة في الشرع؟ فجوابه: لا شك أنَّ تأدية هاتين الركعتين لهما أثر فى نفوس الداخل إلى المسجد؛ إذ أنه يشعرهم أنَّهم قد ولجوا مكاناً ذا خاصية مميزة، فتتهيأ النفوس لذلك الأمر بما يليق به. فرع: هل للبيت الحرام تحية كغيره من المساجد؟ قال شيخ الإسلام: الْمُحْرِمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ بِشَيءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ومَن قَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى الطَّوَافِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فقوله هذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ تَحِيَّتُهُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَهِيَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ، وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لَمْ يَبْدَءُوا بِشَيءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، أما من كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ ذَكَرَهَا حِينَ الدُّخُولِ، بَدَأَ بِهَا قَبْلَ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهَا وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ حِينَ يَذْكُرُهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَدْرَكَ مَكْتُوبَةً فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَخْشَى فَوَاتَ الطَّوَافِ. ا. هـ (١)

стр. 58

قال الحافظ العرافي: وَإِنَّمَا تُترك تحية المسجد لمن دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَوْ دَخَلَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ يَخَافُ فَوْتَهَا، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْفَرْضَ أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهِ الطَّوَافُ وَتَتَأَدَّى التَّحِيَّةُ بِالْفَرْضِ وَرَكْعَتَى الطَّوَافِ، فَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَدْ مَنَعَ النَّاسَ مِنْ الطَّوَافِ لِقُرْبِ الصَّلَاةِ أَوْ خُرُوجِ الْخَطِيبِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ حِينَئِذٍ رَكْعَتَا التَّحِيَّةِ. (١) سؤال: - من دخل المسجد في وقت النهي، هل يصلي ركعتي تحية المسجد في وقت النهي؟ ؟ الجواب: الراجح والله أعلم- هو قول الشافعي رواية لأحمد، بجواز ذلك، يدل عليه: ١ - ثبت جواز ركعتي الطواف في كل وقت كما في حديث جبير بن مطعم - رضى الله عنه - أنَّ النبي ﷺ قال: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. (٢)

стр. 59

٢ - عن يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ» (١) وفي قوله "فإنها له نافلة ": دليل على أنَّ صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس، إذا كان لها سبب. (٢) ٣ - عن أبي هريرة- رضى الله عنه - قال: قال نبي الله ﷺ لبلال عند صلاة الفجر: " يا بلال، أخبرني بأرجى عمل عملته منفعة في الإسلام، فإني قد سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة "، قال: ما عملت يا رسول الله في الإسلام عملاً أرجى عندي منفعة، من أني لم أتطهر طهورا تاما قط في ساعة من ليل أو نهار، إلا صلَّيت بذلك الطهور لربي، ما كتب لي أنْ أصلي. (٣)

стр. 60

- سُئل شيخ الإسلام ﵀ عن تحيَّةِ الْمَسْجِدِ هَلْ تُفْعَلُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْي، أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: قوله ﷺ ﴾ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ﴾ فَهَذَا فِيهِ الْأَمْرُ بِرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، وَالنَّهْي عَنْ أَنْ يَجْلِسَ حَتَّى يَرْكَعَهُمَا، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَقْتٍ عُمُومًا مَحْفُوظًا لَمْ يَخُصَّ مِنْهُ صُورَةً بِنَصِّ وَلَا إجْمَاعٍ. وَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ طَرَفَي النَّهَارِ، وَلَوْ كَانُوا مَنْهِيِّينَ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ لَكَانَ هَذَا مِمَّا يَظْهَرُ نَهْي الرَّسُولِ عَنْهُ، كما أَنَّ النَّهْي عن الصلاة في هذه الأوقات كَانَ لِسَدِّ ذَرِيعَةِ الشِّرْكِ وَذَوَاتِ الْأَسْبَابِ فِيهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَالْفَاعِلُ يَفْعَلُهَا لِأَجْلِ السَّبَبِ لَا يَفْعَلُهَا مُطْلَقًا فَتَمْتَنِعُ فِيهِ الْمُشَابَهَةُ. إذَا كَانَ النَّبِي ﷺ -أَمَرَ بِالتَّحِيَّةِ إذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْمَسْجِدَ وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ وَقْتُ نَهْى عَنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَشْغَلُ عَنْ الِاسْتِمَاعِ، فَأَوْقَاتُ النَّهْى الْبَاقِيَةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، والله أعلم. (١)

стр. 61

ومن جملة الأخطاء التي تتعلق بركعتي تحية المسجد: - أننا نرى بعض إخواننا إذا قدم المسجد يوم الجمعة فوجد المؤذن يؤذن لصلاة الجمعة، تراه يظل واقفاً يردد الأذان حتى إذا شرع الخطيب فى خطبته، بدأ هو فى صلاة تحية المسجد، وهذا من الخطأ البيِّن؛ وذلك لأنَّ ترديد الأذان مستحب - على الراجح - أما سماع الخطبة فهو واجب؛ لقوله تعالى (فاسعوا إلى ذكر الله) وإذا تعارض المستحب مع الواجب فالمقدم هنا الواجب، لذا فإنَّ الواجب عليه في مثل هذه الحالة أن يبادر الداخل إلى ركعتي تحية المسجد حتى يستمع إلى الخطبة من أولها. ويمكن أنْ نلخِّص هذا المسألة فيما يلي: ١ - الحالة الأولى: من دخل المسجد يوم الجمعة قبل الأذان فله أن يصلي ما شاء من النفل المطلق، حتى يصعد الخطيب على المنبر ، وذلك لحديث سلمان - رضى الله عنه - أنَّ النبي ﷺ قال: " لا يغتسل الرجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر، ثم يدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يروح فلم يفرق بين اثنين، ثم صلى ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " (١)

стр. 62

٢ - الحالة الثانية: أن يدخل المسجد والمؤذن يؤذن للجمعة ، فكما ذكرنا أنه عليه أن يبادر لصلاة ركعتي تحية المسجد ولا يردد الأذان، ليستمع إلى الخطبة من أولها، وإذا كان النبي ﷺ قد أمر الداخل يوم الجمعة إذا وجد الخطيب يخطب، أمره بترك سماع الخطبة - رغم وجوب سماعها - ليبادر إلى ركعتي تحية المسجد، كما في قوله ﷺ ﴿إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ﴾ فلأن يترك ترديد الأذان، الذي هو مستحب، ليبادر إلى ركعتي تحية المسجد من باب أولى. (١) ٣ - الحالة الثالثة: أن يدخل المسجد والخطيب على المنبر فإنه يصلى ركعتي تحية المسجد ويتجوَّز فيهما ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ- رضى الله عنه - قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» ثُمَّ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (٢)

стр. 63

قال ابن حزم: والآثار متواترة عن الصحابة توجب العلم بأمره ﵇ بصلاة ركعتين لمن جاء الجمعة والإمام يخطب ولا مخالف لهم، فمن أعجب شأناً ممن يدع الصحابة ويقتدي بغيرهم. ا. هـ (١) قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض العلماء، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعضهم: إذا دخل والإمام يخطب فإنه يجلس ولا يصلي، والأول أصح. (٢) فوائد: ١ - ما يفعله البعض إذا جاء والإمام يخطب، تراه يجلس دون صلاة، حتى إذا جلس الخطيب الجلسة التي بين الخطبتين، قام فصلى ركعتين، فهذا ممَّا يخالف ما أمر به النبي- ﷺ ، فلما جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، "، والله أعلم. ٢ - من أتى الجمعة والخطيب على المنبر يخطب، فلم يحد مكاناً إلا خارج المسجد، فإنه يجلس ولا يصلي تحية المسجد؛ لأنَّ المصلي خارج المسجد ليس له حكم المسجد، والله أعلم.

стр. 64

٣ - تحية المسجد لا تسقط بالجلوس، فمن دخل المسجد فجلس ساهياً أو جاهلاً بصلاة هاتين الركعتين، فله أن يقوم ويركعهما؛ وذلك لحديث جابر- رضى الله عنه -: " أنَّ النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة فدخل رجل فجلس، فقال النبي ﷺ "أصليت؟ قال: لا. قال: "قم فاركع ركعتين " (١) ومن الفوائد التي تتعلق بركعتي تحية المسجد: نرى الكثير من المصلين في صلاة العيد يصلون ركعتي تحية المسجد قبل الجلوس في مصلى العيد، وهذا من الخطأ؛ ذلك لأنَّ مصلى العيد ليس مسجداً، ولا تنطبق عليه أحكام المسجد، وقد علَّق الحديث الأمر بذلك على دخول المسجد. (٢) كما أنَّ ذلك لم يثبت فعله عن النبي ﷺ ، ففي حديث ابن عباس - رضى الله عنهما -: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى فَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بعدها. (٣) أما في حال المطر: فإذا صلى الناس العيد في المسجد، فإنَّ الداخل يصلي ركعتين قبل الجلوس، والله أعلم.

стр. 65

من جملة أداب انتظار الصلاة في المسجد: الدعاء بين الأذان والإقامة: عن أنس - رضى الله عنه - أنَّ النبي ﷺ : ... " الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة " (١) وبعد صلاه ركعتي تحية المسجد والسنة القبلية للصلاة، إن كان لها سنة راتبة، وبعد الدعاء بين الأذان والإقامة، يُقبل المسلم على قراءة ورده اليومي وهو في انتظار الصلاة، فإنَّ المرء بإمكانه أنْ يتم ورده اليومي باستغلال هذه الأوقات الثمينة بين الأذان والإقامة وذلك في الصلوات الخمس. وإنك لتعجب ممَّن يستثقل هذا الوقت الذي بين الأذان والإقامة، على الرغم من الفضائل الكثيرة لهذا الوقت. مسألة: - حكم التنفل إذا أقيمت الصلاة: - نرى بعض إخواننا المصلين إذا قاموا لصلاة نفل، كتحية المسجد أو سنة راتبة مثلاً، ثم أقيمت صلاة الفريضة، نراهم يُتمُّون هذه النافلة، رغم أنَّ صلاة الفريضة قد أقيمت، بل ترى منهم من يُكمل النافلة ولا يلحق بالإمام إلا وهو راكع، وهذا ممَّا قد نهى النبي ﷺ -عنه كما في حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (٢)

стр. 66

- وفي رواية" إذا أخذ المؤذن في الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة" (١) وفى هذا بيان أنه ممنوع من أي صلاة، ولو كانت ركعتي سنة الفجر وغيرها من السنن، إلا المكتوبه، والْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ هي السُّنَّةُ، فَمَنْ أَدْلَى بِهَا فَقَدْ أَفْلَحَ وَتَرْكُ التَّنَفُّلِ عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَتَدَارُكُهَا بَعْدَ قَضَاءِ الْفَرْضِ أَقْرَبُ إِلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْإِقَامَة حَيّ على الصلاة مَعْنَاهُ هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاةِ أَيِ الَّتِي يُقَامُ لَهَا فَأَسْعَدُ النَّاسِ بِامْتِثَالِ هَذَا الْأَمْرِ مَنْ لَمْ يَتَشَاغَلْ عَنْهُ بِغَيْرِهِ. (٢) وحكمة هذا النهي: أَنْ يَتَفَرَّغَ لِلْفَرِيضَةِ مِنْ أَوَّلِهَا فَيَشْرَعُ فِيهَا عَقِبَ شُرُوعِ الْإِمَامِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى مُكَمِّلَاتِ الْفَرِيضَةِ أَوْلَى مِنَ التَّشَاغُلِ بِالنَّافِلة، ولئلا يفوته فضل تحرمه مع الإمام الذي هو صفوة الصلاة، وما يناله من أجر الفعل لا يفي بما يفوته من صفوة فرضه، ولأنه يشبه المخالفة للجماعة. (٣) وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «يَا فُلَانُ، أَيَّتُهُمَا صَلَاتُكَ؟ الَّتِي صَلَّيْتَ وَحْدَكَ، أَوِ الَّتِي صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ » (٤)

стр. 67

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْإِقَامَةِ نَافِلَةً وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ؛ لأنَّ قوله "أو التي صليت معنا "يدل على أنه قد أدرك الصلاة مع رسول الله ﷺ بعد فراغه من الركعتين. وقوله ﷺ " أيتهما صلاتك " فيه إنكار يريد بذلك تبكيته على فعله. والمعنى: أَيِ الصَّلَاتَيْنِ مَقْصُودَةٌ عِنْدَكَ وَخَرَجْتَ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَجْلِهَا فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ فَكَيْفَ أَخَّرْتَهَا وَقَدَّمْتَ عَلَيْهَا غَيْرَهَا وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ هِيَ السُّنَّةُ فَذَاكَ عَكْسُ الْمَعْقُولِ إِذِ الْبَيْتُ أَوْلَى مِنَ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ السُّنَّةِ. (١)

стр. 68

فإن قيل: ما حكم النافلة التي يصلِّيها المرء عند إقامة الصلاة؟ نقول: من أحرم بالنافلة قبل إقامة الصلاة، ثم أقيمت الصلاة وهو في النافلة، فأعدل الأقوال أنْ يقال: ١ - إن علم أنه يُنهى صلاته النافلة دون أن تفوته تكبيرة الإحرام (١)، أتم صلاته، وَلَمْ يَقْطَعْهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. ٢ - إن علم أنه تفوته تكبيرة الإحرام إذا أكمل النافلة قطعها، لهذه الأحاديث، ويكون الخروج منها بالسلام؛ وذلك لقوله ﷺ "تحليلها التسليم "، ولحديث الرجل الذي صلَّى مع معاذ ﵁ فلمَّا أطال معاذ الصلاة سلَّم الرجل وخرج ثم صلَّى وحده، فالصلاة التي خرج منها الرجل لم تكن صلاة كاملة، ومع ذلك فقد خرج منها بالتسليم والله أعلم. (٢) أما أن يستمر في صلاة النافلة حتى تفوته تكبيرة الإحرام مع الإمام، فالراجح - والله أعلم - هو عدم إجزاء النافلة التى صلاها؛ وذلك لقوله ﷺ . إذا إقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) فقوله ﷺ . (لا صلاة) هو نفي صحة لا نفي كمال، ويؤيد هذا التوجيه قوله ﷺ لمن صلَّى النافلة بعد إقامة الصلاة: يَا فُلَانُ بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟ فدل أنَّ الذي أجزأه هي صلاة واحدة فقط، وهي الفريضة؛ وذلك لقوله ﷺ : فلا صلاة إلا المكتوبة، والله أعلم.

стр. 69

فائدة: ما رُوي مرفوعاً (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، إلا ركعتي الصبح) فهذا ممَّا لا يصح سنده. (١) وعليه فما ذهب إليه جملة من العلماء، كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة, من جواز صلاة ركعتي سنة الفجر إذا أقيمت الصلاة فجر، فهذا ممَّا لا دليل عليه. قال ابن عبد البر: وَلَيْسَ هَذَا- أي صلاة النافلة عند إقامة الصلاة - عِنْدِي بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ أَنْ تُصَلَّيَا مَعًا وَأَنْ يُصَلِّيَ إِذَا أُقِيمَتِ الْمَكْتُوبَةُ غَيْرَهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَكْتُوبَةٍ وَيَشْتَغِلَ عَنْهَا بِمَا سِوَاهَا. ا. هـ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَثْرَمِ سُئل أحمد بن حنبل -وأنا أسمع- عن رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَمْ يَرْكَعِ الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ، وَقَالَ أَيْضًا أَصَلَاتَانِ مَعًا. ا. هـ (٢)

стр. 70

عدم جواز الخروج من المسجد بعد الأذان: يحرم على من دخل المجسد بعد الأذان أنْ يخرج منه إلا لعذر؛ ودليل ذلك حديث أبي هريرة - رضى الله - عنه أنّه رأى رجلاً قد خرج من المسجد بعد الأذان، فقال رضى الله عنه: أما هذا فقد عصى أبا القاسم، (ثم قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي) (١) وقول الصحابي عن فعل ما أنَّه معصية للنبي ﷺ فهذا ممَّا له حكم الرفع إلى رسول الله ﷺ . قال القرطبي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِدَلِيلِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ وَكَأَنَّهُ سَمِعَ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ فَأَطْلَقَ لَفْظَ الْمَعْصِيَةِ عَلَيْه. ا. هـ (٢) قال الترمذي: وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ -ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر مثل أن يكون على غير وضوء , أو أمر لابد منه. (٣)

стр. 71

*عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يُوَدِّعُهُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَقَالَ لَهُ: لَا تَبْرَحْ حَتَّى تُصَلِّيَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْرُجُ بَعْدَ النِّدَاءِ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَّا، مُنَافِقٌ، إِلَّا رَجُلٌ أَخْرَجَتْهُ حاجةُ، وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ» فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابِي بِالْحَرَّةِ قَالَ: فَخَرَجَ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ سَعِيدٌ يَوْلَعُ بِذِكْرِهِ، حَتَّى أُخْبِرَ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَانْكَسَرَتْ فَخِذُهُ ". (١) ثمَّ إِن الْأَذَان إِنَّمَا هُوَ استدعاء للغائبين، فَإِذا خرج الْحَاضِر فقد فعل ضد المُرَاد. وعليه فلا يجوز الخروج من مسجد بعد الأذان بلا عذر، أو نية الرجوع. ا. هـ (٢) ولكن: يجوز لمن كانت له حاجة أن يخرج من المسجد بعد الأذان، ففي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ. (٣)

стр. 72

قال البغوي: ففي هذا الحديث دلالة أَنَّ الْخُرُوجَ عَنِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الإِقَامَةِ بِعِلَّةِ طَهَارَةٍ أَوْ عُذْرٍ جَائِزٍ، فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ منِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَذَانِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم. (١) قَالَ ابن عبد البر: أَجْمَعُوا عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ - أي حديث أبي هريرة في النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان - لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ وَكَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، فَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بِإِجْمَاعٍ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ لِلْوُضُوءِ وَيَنْوِيَ الرُّجُوعَ ا. هـ (٢) ويُلْحَقُ بِالْجُنُبِ الْمُحْدِثُ وَالرَّاعِفُ وَالْحَاقِنُ وَنَحْوُهُمْ، وَكَذَا مَنْ يَكُونُ إِمَامًا لِمَسْجِدٍ آخَرَ وَمَنْ فِي مَعْنَاه. (٣) توطُّن الأماكن في المساجد: ومن جملة الأمور التي نهى عنها الشرع أنْ يوطِّن الرجل المكان في المسجد لا يصلَّي إلا فيه.

стр. 73

عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبْعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ. (١)

стр. 74

ــ وللنهي الوراد في هذا الحديث جملة من العلل منها: ١ - أنَّ آفة ذلك هي فتنة الرياء وحب محمدة الناس. ٢ - حرمان المسلمين من ذلك المكان بحجزه عنهم , وأخذه منهم دون تبكير له أو مبادرة إليه. ٣ - أن يألف الرجل مكاناً معلوما من المسجد لا يصلي إلا فيه كالبعير لا يأوي من عطنه إلا مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخاً لا يبرك إلا فيه. (١) قلت: وذلك موافقاً لجملة من المناهي التي نهى فيها الشرع عن التشبه بالحيوانات في هيئات الصلاة. فدل ذلك على أنَّ من السنة أن يغيِّر المرء الموطن الذي يصلي فيه في المسجد ,ولا يلازم موطناً بعينه، فإنَّ هذه المواطن التي يصلِّي فيها المرء تشهد له يوم القيامة.

стр. 75

قال الشوكاني: وَالْعِلَّة فِي ذَلِكَ تَكْثِير مَوَاضِع الْعِبَادَة كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالْبَغَوِيِّ لِأَنَّ مَوَاضِع السُّجُود تَشْهَد لَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] أَيْ تُخْبِر بِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا، وَوَرَدَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] " إنَّ الْمُؤْمِن إذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ مُصَلَّاهُ مِنْ الْأَرْض وَمِصْعَدُ عَمَلِهِ مِنْ السَّمَاءِ ". (١)
следующие страницы →