← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151155

المساجد بيوت الله

أيمن إسماعيل

Полный текст (204 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

*عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يُوَدِّعُهُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَقَالَ لَهُ: لَا تَبْرَحْ حَتَّى تُصَلِّيَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْرُجُ بَعْدَ النِّدَاءِ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَّا، مُنَافِقٌ، إِلَّا رَجُلٌ أَخْرَجَتْهُ حاجةُ، وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ» فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابِي بِالْحَرَّةِ قَالَ: فَخَرَجَ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ سَعِيدٌ يَوْلَعُ بِذِكْرِهِ، حَتَّى أُخْبِرَ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَانْكَسَرَتْ فَخِذُهُ ". (١) ثمَّ إِن الْأَذَان إِنَّمَا هُوَ استدعاء للغائبين، فَإِذا خرج الْحَاضِر فقد فعل ضد المُرَاد. وعليه فلا يجوز الخروج من مسجد بعد الأذان بلا عذر، أو نية الرجوع. ا. هـ (٢) ولكن: يجوز لمن كانت له حاجة أن يخرج من المسجد بعد الأذان، ففي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ. (٣)

стр. 72

قال البغوي: ففي هذا الحديث دلالة أَنَّ الْخُرُوجَ عَنِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الإِقَامَةِ بِعِلَّةِ طَهَارَةٍ أَوْ عُذْرٍ جَائِزٍ، فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ منِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَذَانِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم. (١) قَالَ ابن عبد البر: أَجْمَعُوا عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ - أي حديث أبي هريرة في النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان - لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ وَكَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، فَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بِإِجْمَاعٍ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ لِلْوُضُوءِ وَيَنْوِيَ الرُّجُوعَ ا. هـ (٢) ويُلْحَقُ بِالْجُنُبِ الْمُحْدِثُ وَالرَّاعِفُ وَالْحَاقِنُ وَنَحْوُهُمْ، وَكَذَا مَنْ يَكُونُ إِمَامًا لِمَسْجِدٍ آخَرَ وَمَنْ فِي مَعْنَاه. (٣) توطُّن الأماكن في المساجد: ومن جملة الأمور التي نهى عنها الشرع أنْ يوطِّن الرجل المكان في المسجد لا يصلَّي إلا فيه.

стр. 73

عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبْعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ. (١)

стр. 74

ــ وللنهي الوراد في هذا الحديث جملة من العلل منها: ١ - أنَّ آفة ذلك هي فتنة الرياء وحب محمدة الناس. ٢ - حرمان المسلمين من ذلك المكان بحجزه عنهم , وأخذه منهم دون تبكير له أو مبادرة إليه. ٣ - أن يألف الرجل مكاناً معلوما من المسجد لا يصلي إلا فيه كالبعير لا يأوي من عطنه إلا مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخاً لا يبرك إلا فيه. (١) قلت: وذلك موافقاً لجملة من المناهي التي نهى فيها الشرع عن التشبه بالحيوانات في هيئات الصلاة. فدل ذلك على أنَّ من السنة أن يغيِّر المرء الموطن الذي يصلي فيه في المسجد ,ولا يلازم موطناً بعينه، فإنَّ هذه المواطن التي يصلِّي فيها المرء تشهد له يوم القيامة.

стр. 75

قال الشوكاني: وَالْعِلَّة فِي ذَلِكَ تَكْثِير مَوَاضِع الْعِبَادَة كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالْبَغَوِيِّ لِأَنَّ مَوَاضِع السُّجُود تَشْهَد لَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] أَيْ تُخْبِر بِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا، وَوَرَدَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] " إنَّ الْمُؤْمِن إذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ مُصَلَّاهُ مِنْ الْأَرْض وَمِصْعَدُ عَمَلِهِ مِنْ السَّمَاءِ ". (١)

стр. 76

فإن قيل: روى أحمد وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعاً (لا يُوطِّن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله به حتى يخرج، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم، إذا قدم عليهم). (١) فالحديث يشير إلى مشروعية التوطن في المساجد، فكيف الجمع؟ ؟ فالجواب أن نقول: نقول نفرق بين توطُّن المساجد أي ملازمة المسجد في صلاة الجماعة دون أن يحدد مكاناً بعينه في المسجد , بل يلزم المساجد بصفة عامة ,فهذا ممَّا ورد الشرع بالحث عليه والترغيب فيه ,وأما النهي الوارد في هذا الباب فهي عن ملازمة بقعه بعينها في المسجد ,لا يصلِّي المرء إلا فيها. فإن قيل: عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنَّ النبي ﷺ كان يتحرى الصلاة عند الإسطوانة التى عند المصحف. (٢)

стр. 77

فكيف الجمع بين هذا الحديث وبين النهي الوارد سابقاً؟ ؟ الجواب: - أنه لا بأس بإدامة الصلاة في موضع واحد وملازمته بعينه إذا كان فيه فضيلة , كمن يتحرى الصلاة عند الاسطوانة التي عند المصحف، بالمسجد النبوي؛ لنص الشرع على فضيلة ذلك المكان. (١) ويدخل فى ذلك: ملازمة الصلاة في الروضة؛ لقوله ﷺ : ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " (٢)

стр. 78

وأما النهي فإنما هو عن ملازمة الرجل موضعاً بعينه من المسجد، لا يصلِّي إلا فيه ,من غير أن يكون لهذا المكان فضيلة فيه ولاحاجة إليه ,وقد نقل القاضي عياض اتفاق العلماء على جواز الإيطان للحاجة. (١) وممَّا يتعلق بالنهي عن توطُّن بقعة في المسجد مسألة هامة ، وهي: حجز الأماكن في المسجد للنفس أو للغير: - وممَّا يتعلق بالمسألة السابقة: ما نراه من بعض المصلين، من حجز أماكن لغيرهم، بحيث أنه إذا جاء أحد أوهموا أنَّ صاحب المكان موجود بالفعل، وهذا ممَّا يحرم فعله؛ لأنه غصب لمكان بغير حق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: - ليس لِأَحَدٍ أَنْ يَفْرِشَ شَيْئًا وَيَخْتَصَّ بِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ وَيَمْنَعَ بِهِ غَيْرَهُ. هَذَا غَصْبٌ لِتِلْكَ الْبُقْعَةِ وَمَنْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ وَأَمَّا مَنْ يَتَقَدَّمُ بِسَجَّادَةِ فَهُوَ ظَالِمٌ يُنْهَى عَنْهُ وَيَجِبُ رَفْعُ تِلْكَ السَّجَاجِيدِ وَيُمَكَّنُ النَّاسُ مِنْ مَكَانِهَا، فليْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَدِّمَ مَا يُفْرَشُ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَتَأَخَّرَ هُوَ، وَمَا فُرِشَ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ بَلْ يُزَالُ وَيُصَلِّي مَكَانَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. ا. هـ (٢) ولكن: - من ترك مكانه الذي جلس فيه لقضاء حاجة أو للرد على الهاتف فهو أحق بالرجوع إليه، فلا يجوز لأحد آخر أن يزيل ما وجده في الصف، من شيء وضعه من قام لحاجة ما، ليجلس هو، ومن فعل ذلك دخل تحت نهي النبي ﷺ : «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ» (٣)

стр. 79

قال ابن حزم: وَمَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان مِنْ الْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إخْرَاجُهُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ إنْ قَامَ عَنْهُ غَيْرَ تَارِكٍ لَهُ فَرَجَعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقَامَ أَحَدٌ عَنْ مَكَانِهِ؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» ا. هـ (١) فصل: تطييب المساجد وصيانتها عن الأذى: - وهذا الباب يشتمل على أدب هام حث الشرع عليه ورغَّب فيه، وهو وجوب صيانة المساجد عما يلحق بها أو بعمَّارها من الملائكة والإنس من الأذى، وهذا ممَّا ورد الأمر به في كتاب الله - تعالى - وسنة نبيه ﷺ : ١ - قال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) [النور/٣٦] قال الحسن البصري: معنى قوله "أن ترفع " أي تعظَّم ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار. ا. هـ (٢) - قال تعالى (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة/١٢٦) وقال تعالى (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)) (الحج /٢٦) قال شيخ الإسلام ابن تيميه: أمر الله - تعالى - بتطهير بيته الذي هو المسجد الحرام، وصح عن النبي ﷺ أنه أمر بتنظيف المساجد وقال (جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). ا. هـ (٣) يُؤخَذ مِنْ هَاتين الْآيَتين: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرك عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ قَذَر مِنَ الْأَقْذَارِ، وَلَا نَجَسٌ مِنَ الْأَنْجَاسِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَلَا الْحِسيةِ، فَلَا يُتْرَكُ فِيهِ أَحَد يَرْتَكِبُ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ، وَلَا أَحَد يُلَوِّثُهُ بِقَذَر مِنَ النَّجَاسَاتِ. (٤)

стр. 80

٢ - قال تعالي (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران /٣٥) فقد كان تعظيم المسجد بالخدمة مشروعاً فى الأمم الماضية، ألا ترى أنَّ الله - تعالى- حكى عن السيدة حنة -أم مريم - أنها لمَّا حملت نذرت لله _تعالى _ أن يكون ما في بطنها محرراً، يعنى عتيقاً يخدم المسجد الأقصى ولا يكون لأحدٍ عليه سبيل، ولولا أنَّ خدمة المساجد مما يُتقرب به إلى الله لما نذرت به، وهذا معنى قول ابن عباس: " نذرت لك ما في بطني ": يعني محرراً للمسجد يخدمه. - وممَّا ورد في السنة عن ذلك: عن عائشة ﵂ قالت: أمر سول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأنْ تنظَّف وتطيَّب. (١)

стр. 81

قال ابن حزم: وَالتَّنْظِيفُ وَالتَّطْيِيبُ: يُوجِبَانِ إبْعَادَ كُلِّ مُحَرَّمٍ، وَكُلِّ قَذِرٍ، وَكُلِّ قُمَامَةٍ، وقال ﵀: وَاجِبٌ كَنْسُ المساجد، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُطَيِّبَ بِالطِّيبِ. ا. هـ (١) قال ابن مفلح: وَيُسَنُّ كَنْسُ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِخْرَاجُ كُنَاسَتِهِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ. ا. هـ (٢) وعن عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -رَأَىْ نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى. (٣) قَالَ ابن عبد البر: أَمَّا حَكُّهُ ﷺ الْبُصَاقَ مِنَ الْقِبْلَةِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَنْزِيهِ المساجد من كل ما يُستقذر وَيُسْتَسْمَجُ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ الْبُصَاقَ طَاهِرٌ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَأَمَرَ بِغَسْلِ أَثَرِهِ. (٤)

стр. 82

وتأمل في هذه الواقعة: - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضى الله عنه - أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ (١) فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِا» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. (٢) قلت: وما أًراه ﷺ فعل ذلك إلا لعظيم دورها وحرصها على تنظيف وتطيب بيت الله تعالى، والله أعلم.

стр. 83

ومن ذلك ما رواه أبو هريرة - رضى الله عنه -قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : «دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو ذنوباً من ماء، فإنما بُعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» (١)

стр. 84

ففي هذا الحديث صِيَانَةُ الْمَسَاجِدِ وَتَنْزِيهُهَا عَنِ الْأَقْذَارِ وَالْقَذَى وَالْبُصَاقِ ورفع الْأَصْوَاتِ وَالْخُصُومَاتِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ. (١) فإنَّ كَنْسَ الْمَسْاجِدِ وَتَنْظِيفَها وَإِزَالَةَ مَا يُرَى فِيهِا مِنْ نُخَامَةٍ أَوْ بُصَاقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٌ -رَضِى اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِى ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي الْمَسْجِدِ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، وَفِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. (٢) فرع: ويدخل هذا الباب كذلك وجوب صَوْن المسجد عن الروائح الكريهة التي تؤذي عمَّار المسجد من الملائكة والمصلَّين. عن جابر - رضى الله عنه - أنَّ النبي ﷺ قال: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ " (٣)، وفى رواية مسلم (فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ) (٤) قال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -: ثُمَّ إِنَّكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ، هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا. (٥)

стр. 85

قال القرطبي: وَمِمَّا تُصَانُ عَنْهُ الْمَسَاجِدُ وَتُنَزَّهُ عَنْهُ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ وَالْأَقْوَالُ السَّيِّئَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِهَا. ا. هـ (١) قال ابن حزم: وَمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا فَفَرضٌ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَذْهَبَ الرَّائِحَةُ، وَفرِضٌ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إنْ دَخَلَهُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الرَّائِحَةِ. ا. هـ (٢) قال ابن الأثير: ليس أكل الثوم والبصل من باب الأعذار في الانقطاع عن المساجد، وإنما أمره بالاعتزال عقوبة له ونكالاً؛ لأنه ﷺ كان يتأذَّى بريحها. ا. هـ (٣) فوائد هامة: ١ - من أكَل الثوم أوالبصل فإنه يُنهى عن إتيان المساجد ما بقيت في فمه رائحة ذلك، فإنْ أزالها بشىء جاز له الذهاب للمسجد، لقوله ﷺ : كلوه- أى الثوم - من أكله منكم فلا يقرب هذا المسجد حتى يذهب ريحه منه (٤). قال ابن مفلح: من أكل الثوم أو البصل فلا يدخل المسجد، وحتى ولو كان المسجد خالياً؛ لأنَّ المساجد محل الملائكة ففي ذلك تأذى الملائكة. ا. هـ (٥) وممَّا يغفل عنه إخواننا الكرام ونراه في أيام الاعتكاف خاصة: ادخال الثوم والبصل إلى المسجد؛ وذلك ليطهى به طعام المعتكفين، فهذا ممَّا يحرم فعله للعلة التي ذكرها النبي ﷺ في الحديث السابق.

стр. 86

- فاعتبروا يا أولي الألباب: إذا كان الشرع قد حرَّم على المرء إذا أكل بصلاً أو ثوماً - على الرغم من إباحة أكلهما بالسنة والإجماع (١) - أن يأتي المسجد لئلا يؤذى أهل المسجد، فكيف بمن يجمع بين السوأتين، وذلك حين يؤذى المصلين والملائكة برائحة فمه من آثار رائحة التدخين الذي حرَّمه الشرع، فيجمع بين سوء الفعل -الذي هو التد خين وسوء الرائحة. وإنك لترى العجب من بعض المد خنين، فبدلاً من أن يقلع الواحد منهم عن هذه السيئة التى حرَّمها الشرع، تراه يقلع عن إتيان المساجد بحجة حرصه على عدم إيذاء المصلين! ! (٢) ومن هذا الباب نطرق مسألة أخرى: *وهى ما نراه من بعض إخواننا -الذين يعملون في مهنة إصلاح السيارات مثلاً - يأتون المسجد بثياب العمل التي تؤذى ثياب من يصلِّي بجوارهم، وتسبب وسخاً في فُرُش المسجد، وهذا ممَّا قد نهى عنه الشرع (٣)، فقد

стр. 87

قال تعالى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (الأعراف/٣١) (١) عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، سِوَى ثَوْبَي مِهْنَتِهِ) (٢)

стр. 88

وقد ألحق أهل العلم بهذا من كانت حرفتة لها رائحة مؤذية، ومن كان به مرض يتأذى به الناس، كجذام أو برص. (١) والحاصل: أنه ينبغي لكل مسلم ألا يدخل المسجد إلا وهو طيِّب الرائحة، منظِّف نفسه وثيابه عن كل ما من شأنه أنْ يزكم نفوس المصلِّين ويؤذيهم ممَّا ينبعث منه من روائح منتنة، من شأنها أنْ ئؤذي المصلِّين وتُذهب عنهم الخشوع والارتياح في الصلاة، أو ينتج عنه سب هذا الرجل والوقوع في عرضه لإهماله النظافة في ملبسه وبدنه. ومن الأمورالهامة التي تتعلق بهذا الباب: ١ - حملات التبرع بالدم في المساجد: وهذا مانراه في كثير من المساجد ,وهذا الأمر ممَّا يحذر فعله فى المساجد؛ وذلك لعدة أمور: أ - المساجد لم تبن لهذه الأمور فالأصل في المساجد توظيفها لإقامة الصلاة وذكر الله ودروس العلم والقرآن ونحو ذلك ,قال تعالى: (ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيراً) وقال ﷺ للأعرابي (إنَّ المساجد لم تبن لهذا ,وإنما بنيت لذكر الله)

стр. 89

ب - أنَّ الدم نجس بإجماع العلماء ,والتبرع بالدم في المسجد يعرضه للتنجس , بما قد يقع من إسالة الدماء على أرض المسجد. (١) ج-ما نراه أحيانا فى هذه الحملات من د خول متبرجات إلى المساجد , بل ويكون منهنَّ المرأة الحائض , وهذا ممَّا يحرم فعله على الحائض، والله أعلم. ٢ - الحدث في المسجد: الْحَدَثَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ مِنَ النخامة لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ لَهَا كَفَّارَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ لِهَذَا كَفَّارَةً بَلْ عُومِلَ صَاحِبُهُ بِحِرْمَانِه من اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ وَدُعَاءُ الْمَلَائِكَةِ مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا يشفعون إلا لمن ارتضى) (٢)

стр. 90

وفي ختام هذه المسألة إليك هذا الموقف: عن علي بن محمد بن منصور ﵀ قال: سمعت أبى يقول: كنا في مجلس أبي عبد الله محمد بن إسماعيل- ﵀ فرفع إنسان من لحيته قذاة فطرحها على الأرض، قَالَ: فرأيت محمد بن إسماعيل "البخاري" ﵀ ينظر إليها وإلى الناس، فلما غفل الناس رأيته مد يده فرفع القذاة من الأرض فأدخلها في كمه، فلمَّا خرج من المسجد رأيته أخرجها فطرحها على الأرض، فَكَأَنَّهُ صان الْمَسْجِد عَمَّا تصان عَنهُ لحيته. (١) وما أجمل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: المسجد يُصان حتى عن القذاة، التي تقع في العين. (٢) فصل في: البيع في المسجد: إنَّ المساجد التى هى بيوت الله تعالى قد أذن الله- تعالى- ببناءها ورفعها لتكون مواطن لذكر الله وعبادته. قال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)) (النور/٣٦) وقال تعالى (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (الحج /٤٠) فدل على أنَّ الأصل فى المساجد أنها بُنيت لذكر الله تعالى.

стр. 91

وقال تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (الجن /١٨) والْمُرَادُ بِإضَافَةِ المساجد لِلَّهِ - تَعَالَى - في الآية: هِيَ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ لهذه المساجد، التي هي بيوت الله - تعالى - في الأرض، مَعَ ما في هذه الاضافة من الْإِشْعَارِ بِاخْتِصَاصِ المساجد للَّهِ، أَيْ: بِعِبَادَتِهِ وَذِكْرِهِ، كَمَا في قوله تَعَالَى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاة وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) (النور /٣٦ - ٣٧) وَلِهَذَا مُنِعَتْ مِنَ اتِّخَاذِهَا لِأُمُورِ الدُّنْيَا مِنْ بَيْعٍ وَتِجَارَة. (١) وكذلك ورد في سنة النبي ﷺ ما يؤكد هذا المعنى ,كما في حديث الأعرابي الذي دخل فبال في ناحية المسجد, فلما قضى بوله ,قال له النبي ﷺ : إنَّ هذه المساجد لم تبن لهذا. (٢) قال القرطبي: قول النَّبِيِّ ﷺ -للرَجُل للذي قَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ: (لَا وَجَدْتَ إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَلَّا يُعْمَلَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ الصَّلَوَاتِ وَالْأَذْكَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. (٣)

стр. 92

وتأمل في هذه الواقعة: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- ﵁ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السِّتْرَ، وَقَالَ: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ»، أَوْ قَالَ: «فِي الصَّلَاةِ» (١) ففي هذا الحديث قد نهى النبي ﷺ -عن التشويش على أهل المسجد من المصلين والقارئين، حتى ولو كان هذا التشويش بصوتٍ يعلو من قارىء للقرآن، فكيف إذا كان هذا التشويش بأمر من أمور الدنيا؟ ! ! لذا وبناءً على ما سبق فقد حرَّم الشرع كل ما من شأنه التشويش على عمَّار المساجد من المصلين أو القارئين؛ وذلك لأنَّ هذا ينافى الوظيفة الرئيسية التى من أجلها بُنيت المساجد، والتى هى تعميرها بذكر الله وعبادته. ومن هنا ولهذه العلة فقد ورد فى الشرع النهى عن جملة من الأمور أن تُفعل فى المسجد؛ وذلك لأنَّ من شأنها التشويش على المصلين، ومن ذلك النهي عن البيع والشراء في المسجد. كما أنَّ ممارسة البيع في المسجد تخالف المقصود الذي بُنيت من أجله المساجد. دليل تحريم البيع والشراء فى المسجد: عن أبي هريرة- رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك " (٢)

стр. 93

كذلك فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد. (١) فوائد: ١ - في هذا الحديث دَلَالَة عَلَى تَحْرِيمِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مِنْ رَأَى ذَلِكَ فِيهِ يَقُولُ لِكُلٍّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك يَقُولُ جَهْرًا زَجْرًا لِلْفَاعِلِ لِذَلِكَ وَالْعِلَّةُ هِيَ قَوْلُهُ فِيمَا سَلَفَ: " فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ، فالأمر بالدعاء على من باع في المسجد دل على حرمة البيع في المسجد. ٢ - نهي الرسول - صلى الله علية وسلم - عن البيع في المسجد يعم كل بيع، واحداً كان أو أكثر؛ لأنَّ لفظة "البيع "المذكورة في الحديث تفيد العموم؛ لأنها اسم جنس محلى بـ "الـ "والتي تفيد الاستغراق. (٢) ٣ - أما حكمة الدعاء عليه: فإنَّ المسجد سوق الآخرة فمن عكس وجعله سوقاً للدنيا فحرى بأنه يدعى عليه بالخسران والحرمان. ا. هـ (٣) قال عبدالله: سألت أبي عن الرجل يخيط فى المسجد؟ قال: لا ينبغي أن يتخذ المسجد معاشاً ولا مقيلاً ولا مبيتاً, وإنما بُنيت المساجد لذ كر الله والصلاة. ا. هـ (٤)

стр. 94

فرع: ما حكم البيع والشراء إذا تم في المسجد ؟ والجواب هنا يحتاج إلى تفصيل: ١ - أما حكم الشخص نفسه فهو آثم في فعله هذا؛ لأنه خالف صريح نهي النبي ﷺ عن البيع في المسجد. ٢ - أما حكم البيع من حيث الإنعقاد: فالراجح- والله أعلم - صحة هذا البيع؛ وذلك لتوافر شروطه وأركانه , كما أنَّ النهي عن البيع فى المسجد قد ورد لعلة خارجة عن البيع ,والتي هي التشويش على المصلين، فلا يكون النهي هنا مقتضياً للفساد. (١) فَإِنْ بَاعَ فَالْبَيْع صَحِيح؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ، وَشُرُوطِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ وُجُودُ مُفْسِدٍ لَهُ، وَكَرَاهَةُ ذَلِكَ لَا تُوجِبُ الْفَسَادَ، كَالْغِشِّ فِي الْبَيْعِ وَالتَّدْلِيسِ وَالتَّصْرِيَةِ. وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " قُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ " مِنْ غَيْرِ إخْبَارٍ بِفَسَادِ الْبَيْعِ، دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ. (٢) وقد نقل الحافظ العراقي وابن بطال وابن المنذر الإجماع على صحة ما عُقد من البيع في المسجد، لقوله ﷺ : (لا أربح الله تجارتك) فلمَّا سمَّاها "تجارة " دل على صحة هذا البيع. (٣)

стр. 95

فؤائد هامة: أيُلحق بالبيع الذي نهى عنه النبي ﷺ في المسجد فروع هامة , نذكر منها ما يلي: أ - الإعلان في المساجد عن الأشياء التي يُقصد منها التربح، مثل إعلانات الحج والعمرة أو أعلان عن دار لتحفيظ القرآن أو مأذون شرعي ,أو الإعلان عن المعارض والأسواق الخيرية، سواء في ذلك أكان بها ربح يسير أو لا، فإنَّ هذا ممَّا يحرم فعله؛ لأنَّ هذا الأمر ممَّا يُقصد بها المرابحة، فيدخل تحت نهي النبي ﷺ عن البيع في المسجد. وإذا كان النبي ﷺ قد نهى عن انشاد الضالة في المسجد، رغم حاجة صاحبها إلى ذلك؛ لما في ذلك من التشويش على المصلِّين، فكيف بالإعلان عمَّا سوى ذلك من الأمور التي لا تدخل تحت هذه الضرورة، فضلاً أن تكون ممَّا يُقصد بها التربح؟ ! ومن فتاوى اللجنة الدائمة: سؤال: يقوم مسئول المدارس الأهلية بالدعاية التي تبين برامج المدارس، وأجرة الدراسة فيها، وتوزيع هذه المناشير داخل المساجد، ما حكم مثل هذا العمل؟ الجواب: لا يجوز أن يتخذ المسجد ميداناً لعرض الإعلانات التجارية، والإعلان عن الوظائف، سواء عن طريق المشافهة أو اللوحات الحائطية؛ لأنَّ المساجد إنما بنيت لعبادة الله تعالى، من صلاة وذكر وتعلم علم وتعليمه وقراءة قرآن ونحو ذلك من أمور الدين، فالواجب تنزيه المساجد عما ذكر، ومراعاة حرمتها، والحرص على عدم إشغال الناس بما يصرفهم عن عبادة الله تعالى، أو التشويش عليهم في صلاتهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وقال النبي ﷺ «إذا رأيتم من يبيع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك»، وعرض هذه الإعلانات من التجارة. (١)

стр. 96

ب - تعليم الصبيان داخل المسجد بأجرة محددة سلفاً، سواء في ذلك تعليمهم للقرآن ولغيره، كذلك المعاهد المدرسية التي تدرس المواد التعليمية داخل المسجد بأجرة محددة، فمثل هذه الأمور لا يجوز فعلها في المسجد؛ لأنها داخلة في باب البيع والتربح , وإنما يجوز إذا كان ذلك على سبيل الجُعل الغير محدد سلفاً, بل يكون جُعلاً يُعطى للمعلم دون اشتراط أو تحديد, والله أعلم. (١) ج - وممَّا يتعلق بهذا الباب: عدم جواز "الصرف " في المسجد , وهو ما يعرف بـ " فكة المال "، بأن تُعطي الورقة فئة العشر جنيهات وتأخذ مكانها ورقتين من فئة الخمس، فهذا ممَّا يُنهى عنه؛ لأنه من باب البيع. (٢) د - المحافظون على نعال الناس في المساجد: يوجد في بعض المساجد من يأخذ نعال الداخلين ويحفظها لهم في موضع يغصبه منها بمال يدفع لهم بعد قضائهم الصلاة، فهؤلاء المحافظون ينهون عن ذلك؛ لأنَّ هذا من باب التربح الذي نهى الشرع عن مثله في المساجد، كما أنَّ فيه إعانة لهم على ترك صلاة الجمعة والجماعة.

стр. 97

خلاصة ما سبق: المساجد بيوت الله - تعالى - في الأرض أُسست لتكون محلاً لذكر الله -تعالى - وشكره وحسن عبادته، فهي بحق سوق الآخرة، فيها فليتنافس المنافسون، وليشمِّر عن سواعدهم القائمون العاكفون الركَّع السجود، عن عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ ﵀ أنه كَانَ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ دَعَاهُ فَسَأَلَهُ مَا مَعَكَ؟ وَمَا تُرِيدُ؟ فَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ قَالَ: عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا فَإِنَّمَا هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ. (١) آخْذاً ذلك مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (سُورَةُ فَاطِرٍ: ٢٩) وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُهَا وَكَذَلِكَ انْتِظَارُهَا. (٢) فصل: حكم دخول الجنب والحائض إلى المسجد: وهذه المسألة مما قد اختلفت فيها أقوال العلماء على نحو ما يلي: نقول أولاً: أجمع العلماء على أنَّ المحدث حدثاً أصغر يجوز له الجلوس في المسجد، سواء مكث بغرض شرعي، كانتظار صلاة أو اعتكاف أو تعلم قرآن أوعلم، أو لغير غرض شرعي. (٣) أما عن حكم دخول الحائض إلى المسجد والمكث فيه فهذه المسألة ممَّا قد اختلف فيها العلماء، والراجح فيها - والله أعلم - هو قول الأئمة الأربعة - خلافاً للظاهرية - وهو تحريم مكث الحائض فى المسجد ,وكل ما يُلحق بالمسجد من أدوار قد أعدت للصلاة فيها (٤)، وهو مروي عن ابن عباس وابن مسعود، وأدلة هذا القول ما يلى: ــ

стр. 98

١ - قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (النساء /٤٣) وجه الدلالة: إذا مُنع الجنب من المكث فى المسجد - إلا إذا كان عابراً - رغم كونه أخف حالاً من الحائض، فإنَّ الحائض تمنع من ذلك من باب أولى. (١) ٢ - حديث عائشة - رضى الله عنها - أنَّ النبى ﷺ قال لها لمَّا حاضت: افعلي ما يفعل الحاج، غير أنْ لا تطوفي بالبيت حتى تَغْتَسِلِي. (٢) فِي قَوْلِهِ «لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي»: دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْحَائِضِ وَإِنْ انْقَطَعَ عَنْهَا دَمُهَا عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ قَالَ وَفِيهِ تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنْ الْأَقْذَارِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ. (٣) ٣ - عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي- ﷺ ناوليني الخُمرة من المسجد , فقلت إني حائض، فقال ﷺ : إنَّ حيضتك ليست في يدك. (٤)

стр. 99

وجه الدلالة: فهمت عائشة - رضى الله عنها - -أنَّ الحائض لا تدخل المسجد فأقرها النبى- ﷺ -على هذا الفهم , ولكن بيَّن لها أنَّ دخول يدها بالمناولة لا يعتبر دخولاً لها. (١) ٤ - عن أم عطية- رضى الله عنها- قالت: أُمرنا أن نُخْرِج، في العيدين، العَوَاتق , وذوات الخدور، وأمر الْحُيَّض أن يعتزِلْنَ مصلى المسلمين. (٢) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَهْجُرُ ذِكْرَ اللَّهِ، وَمَوَاطِنَ الْخَيْرِ، وَمَجَالِسَ الْعِلْمِ، إِلا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، ووجه الدلالة من ذلك أنَّ الحائض إذا كانت تُمنع من دخول المصلى، فمن باب أولى تُمنع من دخول المسجد. (٣) ٥ - عن عائشة ﵂ أنَّ النبى ﷺ كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فترجل رأسه وهي حائض (٤)

стр. 100

وفي الحديث فائدة: وهي أنَّ الحائض لا تمكث في المسجد؛ لئلا تلوثه. (١) فلو كان جائزاً للحائض أن تدخل المسجد لكان الأيسر لعائشة ﵂ أن تدخل المسجد لترجل رأس النبي ﷺ بدلاً من أن يخرج رأسه هو ﷺ إلى حجرتها لترجله، والله أعلم. تنبيه: ما روى مرفوعاً (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (٢)

стр. 101

هو حديث لا يصح عن النبي ﷺ . فتوى هامة: سُئل العلامة ابن باز ﵀ عن مسجد يتكون من ثلاثة أدوار: الدور الأعلى مصلى للنساء، والدور الذي تحته المصلى الأصلي، والدور الذي تحته فصول دراسية نسائية ومكان لصلاة النساء أيضاً، فهل يجوز للنساء الحُيَّض دخول هذا الدور السفلي؟ [الْجَوَابُ] الحمد لله: إذا كان المبنى المذكور قد أُعد مسجداً ويسمع أهل الدورين الأعلى والأسفل صوت الإمام صحَّت صلاة الجميع، ولَم يجُز للحُيّض الجلوس في المحل المعد للصلاة في الدور الأسفل؛ لأنه تابع للمسجد، وقد قال النبي ﷺ : (إني لا أُحل المسجد لحائض ولا جنب) (١). ... أما مرورها بالمسجد لأخذ بعض الحاجات مع التحفظ من نزول شيء من الدم فلا حرج في ذلك، لقوله سبحانه: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾. ولما ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر عائشة أن تناوله الخمرة من المسجد، فقالت إنها حائض فقال ﷺ (إنَّ حيضتك ليست في يدك). أما إن كان الدور الأسفل لم ينوه الواقف من المسجد، وإنما نواه مخزناً فإنه لا يكون له حكم المسجد، ويجوز للحائض والجنب الجلوس فيه، ولا بأس بالصلاة فيه في المحل الطاهر الذي لا يتبع دورات المياه، لكن من صلَّى فيه لا يتابع الإمام الذي فوقه إذا كان لا يراه ولا يرى بعض المأمومين؛ لأنه ليس تابعاً للمسجد في الأرجح من قولي العلماء. (٢) وسُئل الشيخ ابن العثيمين ﵀ هل يجوز لمعلمة القرآن في الحِلَق أنْ تجلس في المسجد لتعليم الفتيات وهي حائض؟

стр. 102

الجواب لا، فإنَّ النبي ﷺ أمر الحيَّض أنْ يعتزلن مصلى العيد مع أنه خير ودعوة، وكذلك منع الحائض من أن تطوف بالبيت. ا. هـ فوائد: ١ - الْحَائِضُ وَالنفَسَاء يجوز مرورُهمَا في المسجد إِنْ أَمِنَتا كل وَاحِدَة مِنْهُمَا التلوِيثَ فِي حَالِ الْمُرُورِ، ، وَإِلَّا فَلَا. فقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نَاوِلِينِى الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ» فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِكِ» (١)، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ مُرُورِ الْحَائِضِ فِى الْمَسْجِدِ، وَالنُّفَسَاءُ فِى مَعْنَاهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٢) ٢ - المستحاصة يجوز لها دخول المسجد والمكث فيه , وذلك إذا تلجَّمت بإحكام، ودليل ذلك: حديث عائشة - رضى الله عنها -قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة، والطست تحتها وهي تصلي. (٣) ففِي هذا الْحَدِيثِ دلالة على جَوَاز مُكْث الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَصِحة اعْتِكَافِهَا وَصَلَاتِهَا وَجَوَازُ حَدَثِهَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ أَمْنِ التَّلْوِيثِ وَيَلْتَحِقُ بِهَا دَائِمُ الْحَدَثِ وَمَنْ بِهِ جُرح يَسِيلُ. (٤) قال ابن القيم: وَالْمُسْتَحَاضَةُ يَجُوزُ لَهَا دُخُولُ الْمَسْجِدِ لِلطَّوَافِ إذَا تَلَجَّمَت اتِّفَاقًا. ا. هـ. (٥)

стр. 103

المسألة الثانية: دخول الجنب إلى المسجد: - وهذه المسألة نفصِّل فيها على النحو التالي: ١ - أما عبور الجنب للمسجد: فيشرع للجنب أن يعبر المسجد دون المكث، وهو قول الحسن ومالك والشافعي، لقوله تعالى: - (ولا جنباً إلا عابري سبيل). عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنباً إلا عابري سبيل، قال: تمر به مرَّاً ولا تجلس. (١) وروي نحو ذلك عن عبد الله بن مسعود وأنس وأبى عبيدة وسعيد بن المسيب وأبي الضحى وعطاء ومجاهد ومسروق وإبراهيم النخعي وزيد بن أسلم وأبي مالك وعمرو بن دينار والحكم بن عتيبة وعكرمة والحسن البصري ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن شهاب وقتادة. (٢) وبهذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث فى المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء، وهو قول ابن جرير وابن كثير واختاره جمهور العلماء. (٣)

стр. 104

وعن جابر - رضى الله عنه - قال: كان أحدنا يمر في المسجد جنباً مجتازاً. (١) قال ابن قدامة: يباح عبور الجنب للحاجة من أخذ شيء أو تركه أو كون الطريق فيه, فأما لغير ذلك فلا يجوز بحال. ا. هـ. قال الشافعي: لا بأس أن يمر الجنب في المسجد ماراً ولا يقيم فيه؛ لقوله عزوجل: - (ولا جنباً إلا عابري سبيل). ا. هـ. (٢) ٢ - أما المكث في المسجد: لا يجوز للجنب أن يمكث في المسجد، وهو قول المالكية والشافعية وأصحاب الرأي (٣) , وأدلة ذلك: قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (النساء/٤٣)

стр. 105

فالآية الكريمة أفادت منع الجنب من الإقتراب من مواضع الصلاة والتي هي المساجد، إلا اذا كان عابر سبيل، وعليه فالآيه تدل أنَّ المكث في المسجد للجنب ممنوع من باب أولى. (١)

стр. 106

حكمة هذا النهي: وَحكمة هذا النهي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ الْجُنُبَ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يتوضأ، وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: إذَا أَصَابَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَلَا يَنَامُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ نَفْسَهُ تُصَابُ فِي نَوْمِهِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ لَمْ تَشْهَدْ الْمَلَائِكَةُ جِنَازَتَهُ﴾ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجُنُبَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُعَاوَدَةِ، وَهَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ ذَهَبَتْ الْجَنَابَةُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا تَبْقَى جَنَابَتُهُ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدَثِ كَمَا أَنَّ الْمُحْدِثَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ عَلَيْهِ حَدَثٌ دُونَ الْجَنَابَةِ وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ فَوْقَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَهُوَ دُونُ الْجُنُبِ فَلَا تَمْتَنِعُ الْمَلَائِكَةُ عَنْ شُهُودِهِ فَلِهَذَا يَنَامُ وَيَلْبَثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ تَتَبَعَّضُ فَتَزُولُ عَنْ بَعْضِ الْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. (١)

стр. 107

ولكن: إذا توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد: وهو قول أحمد واسحاق وابن تيميه، وهو الراجح - والله أعلم - والدليل على ذلك ما يلي: ١ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار ﵀ قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُون؛ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ. (١) فقد كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْمَسْجِدِ إِذَا تَوَضَّئُوا وَهُمْ جُنُبٌ، وَلَوْلَا أَنَّ الْجَنَابَةَ تَنْقُصُ بِالْوُضُوءِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ، كما أنَّ هذا الوضوء يرفع الحدثين عن أعضاء الوضوء ,لهذا أُمر الجنب اذا أراد النوم أن يتوضأ, ففي وضوء الجنب تخفيف لجنابته. ا. هـ (٢) قال ابن القيم: جوَّز الإمام أحمد للجنب أن يتوضأ ويلبث في المسجد كما كان الصحابة يفعلونه وإذا ثبت تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن فكذلك الأصغر. (٣) وبناءَ على ما سبق نقول: إذا أصبح المعتكف جنباً لزمه المسارعة والمبادرة إلى الاغتسال فور علمه بجنابته. فصل: إنشاد الضاَّلة في المسجد: ومن جملة المخالفات التي نراها في مساجدنا، والتي قد نهى الشرع عنه، بل وأمر بالدعاء على فاعلها، ألا وهي إنشاد الضاَّلة فى المسجد ,وذلك حينما يفقد الرجل شيئاً فى المسجد , فيقف على رؤوس الناس فيقول: من وجد الشيء كذا كذا؟ ؟ ؟

стр. 108

وهذا ممَّا نهى عنه الشرع , وذلك لما ثبت من حديث أبي هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا أَدَّاهَا اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا " (١) وعن بريدة ﵁ أنَّ رجلاً نشد في المسجد ,فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر ,فقال النبي ﷺ : لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لَمَّا بُنِيَتْ لَهُ- (٢) - حكم إنشاد الضاَّلة في المسجد: - الراجح الصحيح - والله أعلم - هو حرمة إنشاد الضاَّلة في المسجد؛ وذلك لأنَّ النبي ﷺ أمر أن يقال لمن أنشدها: لا ردَّها الله عليك, وهذا دعاء عليه ,ومثل هذا لا يكون إلا لمن فعل محرماً، وممَّن قال بالتحريم مالك وابن حزم والصنعاني. (٣) فإن قيل: وما علة النهي عن انشاد الضوال في المساجد والدعاء على من فعل ذلك؟ فالجواب: أنَّ ذلك ذريعة إلى أنْ تُتخذ المساجد أماكن للأمور الدنيوية، فترتفع فيها الأصوات ويكثر فيها اللغط الذي ينافي احترامها، وحيث إنَّ الضوال قد تكثر فيتوسع أصحابها في السؤال عنها في المساجد وقت اجتماع المصلّين، مما ينافي العبادة، لذلك يُدعى على من سأل عن ضاَّلة: لا وجدت ضالَّتك، فإنَّ المساجد أعدت للعبادة. (٤) وإذا كان النبي ﷺ -قد نهى عن التشويش على المصلين والقارئين، حتى ولو كان هذا التشويش بصوت قارىء القرآن، فكيف إذا كان هذا التشويش بأمر من أمور الدنيا؟ ! !

стр. 109

أما العلة التي من أجلها أمر الشرع بالدعاء على من فعل ذلك: فهذه عقوبة له على مخالفته وعصيانه، وفعله ما نُهي عنه من ذلك. (١) ومن الفوائد التي تتعلق بهذا الباب: - ١ - قد ذهب الشافعية إلى عدم كراهة إنشاد الضاَّلة في المسجد الحرام خاصة؛ لأنه مجمع الناس. (٢) قلت: - وهذا التخصيص للمسجد الحرام دون غيره ممَّا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة , والله أعلم. ٢ - تعريف الضاَّلة لمن وجدها في المسجد: - يدخل في النهي عن انشاد الضاَّلة في المسجد , من وجد شيئاً في المسجد، فليس له أن يعلن بذلك على رؤوس الناس ليعرف صاحبها؛ وذلك أنَّ العلة التي من أجلها نهى عن إنشاد الضاَّلة في المسجد متحققة في تعريف الضالة ,والقاعدة تنص أنَّ: "الأحكام تدور مع علتها حيث دارت، وجوداً وعدماً " يؤيده: أنَّ النهى عن إنشاد الضاَّلة يشمل المعنيين , يقال: نشدت الضاَّلة فأنا ناشد إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرَّفتها ,وهو من النشيد الذي هو رفع الصوت. (٣) فتبين بذلك أنَّ علة النهي متحققة في الأمرين ,لذا يُنهى عنها. قال المناوى: - وألحق جمع - منهم الحافظ العراقي - بإنشاد الضاَّلة تعريفها ,لذا قال الشافعية: يعرفها على باب المسجد. (٤) - فإن قيل: - إذا كان محرَّماً على المرء أنْ ينشد الضاَّلة فى المسجد، وأنْ يعرفها، فماذا يفعل من فقد أو وجد في المسجد شيئاً؟ ؟ الجواب: - ١ - يقف على باب المسجد ويعلن عمَّا فقده أو وجده. ٢ - أنْ تعلِّق ورقة على باب المسجد يعلن فيها عمَّا فقده المرء أو وجده. ٣ - يتم تعليق ورقة في المسجد مفادها أن الأشياء التي يعثر عليها أحد فإنها تُسلَّم للأخ /فلان، مع وضع رقم هاتفه، وكذلك الأشياء التي يفقدها أحد يرجع إليها عند نفس الأخ. قال النووي: لِيَكُنِ التَّعْرِيفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ مِنَ الْجَمَاعَاتِ، وَلَا يُعَرِّفْ فِي الْمَسَاجِدِ، كَمَا لَا تُطْلَبُ اللُّقَطَةُ فِيها. (٥)

стр. 110

فائدة: - كذلك من الظاهرات التي انتشرت في مساجد المسلمين، والتي لها علاقة بإنشاد الضاَّلة , ما تراه من قيام أحد المصلِّين - عقب تسليم الإمام - بسؤال الصدقات. ومع كثرة المتسولين الذين يتكفَّفون الناس، فقد أصبحت المساجد أماكن للتكفف، وحصل بذلك تشويش ورفع أصوات، وقد كثر هؤلاء وظهروا بصفة الضعف والذل والهوان، يرتدون ثيابًا دنسة، ولا شك أنَّ من بينهم من هو بحاجة وفاقة، ولكنَّ الكثير منهم من المحتالين على جمع المال من غير حاجة؛ ومع ذلك فلا مانع من الصدقة فى المسجد للمحتاج، فقد ترجم أبو داود في سننه (باب المسألة في المسجد) ثم روى عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ -قال: «قال رسول الله ﷺ : (هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه» (١). فهذا السائل ذو حاجة، حيث قنع بكسرة رغيف ليسد بها جوعته، وقد بوَّب البخاري في صحيحه: (باب: القسمة وتعليق القنو في المسجد) ثم ذكر حديث أنس ﵁ -قال: «أتي النبي- ﷺ -بمال من البحرين، فقال: (انثروه في المسجد) وكان أكثر مال أُتِيَ به رسول الله ﷺ فخرج رسول الله- ﷺ -ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، فما قام رسول الله ﷺ وثم منه درهم» (٢) ففي هذا الحديث جواز تفريق المال في المسجد، بشرط ألاَّ يشغل المصلِّين، ولا يحصل فيه ازدحام وهيشات أصوات، فإن تيسَّر تفريقه في غير المسجد فهو أولى، ومثله تفريق الزكوات وصدقة الفطر، يجوز في المساجد عند الحاجة. (٣)
следующие страницы →