سورَةُ فاطِرٍ
* * *
الحمدُ للهِ ربِّ العَالمِينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا محُمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد:
قال المفسِّر (١) ﵀: [مَكِّيَّة، وآياتُها خَمْسٌ وأَرْبعونَ أو سِتٌّ وأربعون].
قَوْله: [مَكِّيَّة] أصَحُّ الأَقْوَالِ في المكِّيِّ والمَدَنِيِّ أنَّ ما نزل بعد الِهجْرَة فهو مَدَنِيٌّ وإن نزل بمَكَّة، وما نزل قبل الهِجْرة - أي: قبل وصول النَّبِيِّ ﷺ المدينةَ - فإنَّه مَكِّيٌّ ولو نزل في غَيْر مَكَّةَ؛ هذا هو أصحُّ ما قيل في تَعْريفِ المكِّيِّ والمَدَنِيِّ.
والغالبُ في الآياتِ المَكِّيَّة قُوَّةُ العِبارَةِ وشِدَّتُها وقِصَر الآياتِ، ومَوْضوعها غالبًا في أصول الدِّين وتَقْريرِ التَّوْحيدِ.
وأمَّا الآياتُ المَدَنِيَّة فإنَّها بالعَكْسِ؛ تَجِدُ عباراتِها أسهَلَ وأَطْوَلَ، وغالب مَوْضوعها في فروع الدِّينِ؛ لأنَّ النَّاسَ غالبَهُم قد قاموا بالتَّوْحيدِ، ولها ضوابِطُ معروفَةٌ في أُصولِ التَّفْسيرِ وعَلاماتٌ.
وهنا يقول ﵀: إنَّها [مَكِّيَّة]، واعلمْ أنَّ السُّورَة إذا كانت مَكِّيَّة، واسْتُثْنِيَ بعضُ آياتِها - مثلًا يقول: (مَكِّيَّة إلا آيَةَ كذا وكذا) - فإنَّ هذا الإستثناءَ غَيْرُ مَقْبولٍ من قائِلِه إلا بِدَليلٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ أنَّ السُّورَة جُزءٌ واحِدٌ؛ بمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ إذا
стр. 4
نزلت آيَةٌ، قال: ضعوها في موضِعِ كذا من سورَةِ كذا (١).
فالسُّورَة المَكِّيَّة مَكِّيَّةٌ ولا يُسْتَثْنَى منها شَيْءٌ، والسُّورَةُ المَدَنِيَّة مَدَنِيَّة ولا يُسْتَثْنَى منها شَيْء إلا بِدَليل، ولا يَكْفي أن يقولَ العالِمُ: (إلا كذا، إلا كذا)، بل لا بُدَّ فيه من سنَدٍ؛ لأنَّ هذا خَبَرٌ, والأَخْبارُ لا بُدَّ من سَنَدٍ لها حتى تَصِلَ إلى غايَةِ السَّنَد.
وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [إنَّها خَمْسٌ وأربعونَ آيَةً، أو سِتٌّ وأربعونَ آيَةً] هذا لا يَضُرُّ؛ فالإختلافُ في عَدَدِ الآياتِ أَمْرٌ ليس بضارٍّ؛ ولهذا في سورةِ (الفاتحة) اختلف العُلَماءُ ﵀: هل البَسْمَلَة آيَةٌ من آياتِها أو مُسْتَقِلَّة مع الإتِّفاقِ على أنَّ الفاتِحَة سَبْعُ آياتٍ.
* * *
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
* * *
*قَالَ اللهُ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* * *
البَسْمَلَةُ آيَةٌ من كِتَابِ الله مُسْتَقِلَّة، لا تكون تَبعًا لما قَبْلها ولا مُقَدِّمَة لما بعدها؛ بمَعْنى أنَّها ليست من التي قبلها ولا مِنَ التي بعدها؛ لكنْ يُؤْتى بها في ابتداءِ السُّورَة علامَةً على ابْتِدائِها إلا في سورة (براءة) فإنَّ الله تعالى لم يُنْزِلْ فيها البَسْمَلَة.
يقول بعضُ العُلَماءِ ﵀: لأنَّها بعْضٌ من سورة (الأنفال).
ويقول آخرون: لأنَّها نَزَلَتْ بالسَّيْفِ والشِّدَّةِ على المُنافِقين والكُفَّارِ، وهذا لا يُناسِبُه البراءةُ بالبَسْمَلَة التي هي (بسم الله الرَّحْمَن الرَّحيم) فإنَ البَسْمَلَة بَرَكَةٌ ورَحْمةٌ لا تتناسَبُ مع الشِّدَّة والغِلْظة والقَتْل والقِتال، ولكن هذا ليس بصحيحٍ، بل أَقْرَبُ شَيْءٍ أنَّ الصَّحابَة ﵃ أُشْكِلَ عليهم: هل هي من (الأنفال) أو مُسْتَقِلَّة؟ فوضعوا فاصلًا ولم يضعوا البَسْمَلَة (١)، فلم يجزموا لا بهذا ولا بهذا، على أنَّنا نَعْلَمُ بأنَّ الله تعالى لم يُنْزِلْها؛ لأنَّ البَسْمَلَة لو نَزَلَت بين (الأنفال) و (براءة) لكان بقاؤها حتمِيًّا؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وعلى هذا فيكون اجتهادُ الصَّحابَةِ ﵃ مُوافِقًا تمَامًا لواقِعِ الحالِ.
стр. 6
أما إِعْرابُها فقد تقدَّم مِرارًا، وذكرنا أنَّ أحْسَنَ الإِعْراباتِ فيها أنَّ الجارَّ والمَجْرور متعلِّقٌ بمَحْذُوفٍ مُؤخَّرٍ فِعْلِيٍّ مُناسِبٍ، فإذا أردْتَ أن تتوضَّأَ، وقلت: (بسم الله الرَّحْمن الرَّحيم)؛ فالتَّقْديرُ: (بسم الله أَتَوَضَّأُ).
* * *
стр. 7
الآية (١)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١].
* * *
اعلم أنَّ الحَمْد هو وَصْفُ المَحْمودِ بالكَمال مع المَحَبَّةِ والتَّعْظيمِ، وقد حَمِدَ اللهُ نَفْسَه في أوَّلِ الأُمُور وآخِرِها.
ففي أوَّلِ الأُمورِ الكَوْنِيَّة قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١].
وفي أوَّلِ الأُمورِ الشَّرْعِيَّةِ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١].
كما حَمِدَ نَفْسَه على مُنْتَهى الأُمُور أيضًا، قال الله تعالى في آخِرِ سورة الزُّمَر: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
فحَمِدَ الله نَفْسَه في أوَّلِ الأَمْرِ وفي مُنْتَهى الأمر؛ لأنَّ الله تعالى له الأَمْرُ أوَّلًا وآخِرًا، وكُلُّ أَمْرِه فإنَّه مَحْمودٌ عليه؛ لأَنَّه مَبْنِيٌّ على الحِكْمَة والرَّحْمَة.
وهنا يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الحَمْد: مُبْتَدَأ، لله: خَبَرُه، واللَّام هنا للإسْتِحْقاق والإخْتِصاص؛ لِلْمَعْنيَيَنِ جميعًا، أمَّا كَوْنُها للإسْتِحْقاقِ؛ فلأنَّه لا أحَدَ أَحَقُّ بالحَمْدِ من الله ؛ فإنَّه مَحْمودٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ كلَّ ما يَفْعَلُه وكُلَّ ما يُشَرِّعُه فإنَّه مَحْمودٌ
стр. 8
عليه لكماله، وأمَّا كونُها للإختصاصِ فلأنَّ (أل) في (الحَمْد) هنا للإسْتِغْراقِ؛ أي: كلُّ حَمْدٍ فهو لله، ثابتٌ له، ومَعْلومٌ أنَّه لا أحَدَ يَخْتَصُّ بهذا الوَصْفِ العامِّ الشَّامِلِ إلا اللهُ ؛ لأنَّ من يُحْمَد سوى اللهِ لا يُحْمَد إلا على أشياءَ جُزْئِيَّةٍ غَيْرِ شامِلَةٍ، لكنَّ الذي يُحْمَدُ على كلِّ شَيْءٍ هو الله، وبهذا عَرَفْنا أنَّ اللَّام للإسْتِحْقاقِ والإخْتِصاصِ أيضًا.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حَمِدَ الله تعالى نَفْسَه بذلك كما بيَّن في أوَّلِ سورَةِ (سبأ)].
ففي أوَّلِ (سبأ) قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سبأ: ١]، لكنْ هناك حَمِدَ نَفْسَه لعُمومِ مُلْكِه الذي له ما في السَّمَواتِ والأَرْض، وهنا حَمِدَ نَفْسَه لابتداءِ خَلْقِه.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: خالِقِهِما على غَيْرِ مثالٍ سَبَقَ].
وَقَوْله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ لهم عُقُولٌ أخصُّ من عُقولِ البَشَرِ؛ لأنَّ عُقولَ البَشَرِ قد تستولي علمِها الشَّهْوَةُ فيُضَيِّعُ الإِنْسَانُ عَقْلَه. قَوْله تعالى: ﴿رُسُلًا﴾ جَمْع (رسولٍ) يقول: [إلى الأَنْبِياءِ]، والأَصَحُّ إلى الأنبياءِ وغَيْرِهم؛ يقولُ الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] رُسُلُ اللهِ تعالى إلى هذا المُحْتَضَر لِيَقْبِضوا رُوحَه، فهم رُسُلٌ إلى الأنبياءِ وإلى غَيْرِهم؛ فتَخْصيصُ الآيَةِ بالأَنْبِياءِ يُعْتبَرُ قُصورًا في التَّفْسيرِ.
قَوْله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾: ﴿أُولِي﴾ بمَعْنى أَصْحاب؛ يعني أنَّ المَلائِكَة لهم أَجْنِحَة، وهو جَمْع (جَناحٍ)، هذا الجَناحُ يَطيرونَ به بِسُرْعةٍ فائِقَة أَسْرَع من الجِنِّ؛
стр. 9
بدليلِ أنَّ العِفْريتَ من الجِنِّ قال لسُلَيْمانَ لمَّا قال ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٣٩] وكان له عادة أنَّه يقوم في وقتٍ مُعَيَّنٍ فقال: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: في الوَقْتِ المُعَيَّنِ وإلَّا لكانَ الأَمْرُ مُبْهَمًا ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠].
يعني مثلًا: إن نَظَرْتَ مثلًا أَبْعَد شَيْءٍ - هم قالوا هكذا - قَبْلَ أن يرتَدَّ إليه طَرْفُه، فإنَّه يأتيه به، وفِعْلًا أتاه؛ ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾ [النمل: ٤٠].
قال العُلَماء ﵏: إنَّ الذي عنده عِلْمٌ من الكِتابِ كان يَعْرِفُ اسْمَ الله الأَعْظَمَ، وأنَّه دعا باسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ، فحَمَلَتْه الملائِكَةُ وأَلْقَتْه بين يَدَيْ سُلَيْمانَ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المَلائِكَة أَسْرَعُ من الجِنِّ، ولا شَكَّ في هذا؛ أنَّهم أسْرَعُ وأَقْوى، فهم لَهُم أَجْنِحَةٌ يَطيرون بها بِسُرْعَة فائقة عَظيمَةٍ.
جبريل ﵊ كان له سِتُّ مِئَة جَناحٍ (١)، كلُّ جناحٍ له قوَّة عظيمَةٌ في الحَمْل والطَّيَران، ماذا تكون سُرْعَتُه؟
لا شكَّ أنَّها سُرْعَةٌ فائِقَة جدًّا؛ لأنَّنا إذا رأينا الآن الطَّيَّاراتِ النَّفَّاثَةَ أَجْنَحِتُها التي تَحْمِلُها وهي المراوِحُ التي تُدْخِلُ الهواءَ ليَحْمِلَ الطَّائِرَةَ لا تَبْلُغُ هذا المبْلَغَ ولا عُشْرَه، ومع ذلك تَنْتَقِل بهذه السُّرْعَة العَظيمَة وهذا الإرتفاعِ العَظيمِ، فجبريلُ ﵊ له سِتُّ مِئَة جَناحٍ قد سَدَّ الأُفُقَ، وهذا يَدُلُّكَ على أنَّ لهم سُرْعَةً فائِقَةً عَظيمَةً.
стр. 10
وهذه الأَجْنِحَة ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وأكْثَرُ؛ ولذا قال: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾.
قَوْله تعالى: ﴿مَثْنَى﴾ ظاهِرُها أنَّ ذلك في العَدَدِ لا في الصِّنْفِ؛ لأنَّ هذا هو الأَصْلُ، ويُحْتَمَل أن يكون في الصِّنفِ؛ لأنَّنا نرى الطَّائِر مثلًا له جناحان، لكنْ كُلُّ ريشة مِن هذه الأَجْنِحَة لها عملٌ خاصٌّ في تَكْييفِ الطَّيَرانِ، منها مثلًا ما يَنْصِبُه حتى يرتَفِع، ويَخْفِضُه حتى يَنْزِل، وَيفْرِشُه حتى يَسْتَقِرَّ، هذا شَيْءٌ مُشاهَد؛ ولهذا بعض الأحيان تُنْتَفُ أَشْياءُ مُعَيَّنةٌ من الجناح ثُمَّ لا يَطيرُ، مع أنَّ الباقِيَ في جناحه أكثَرُ مَمَّا نُتِفَ بكثيرٍ، فيُحْتَمَل أنَّ قَوْله تعالى: ﴿مَثْنَى﴾ يعني: باعتبار الصِّنفِ.
﴿وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ويُحْتَمَل أنَّه باعتبارِ العَدَدِ وأنَّ المَلائِكَةَ بَعْضُهم له جناحان، وبَعْضُهم له ثلاثة، وبَعْضُهم له أربعَةٌ، ولا ينافي ذلك أنَّ جبريل ﵊ له سِتُّ مِئَة جناح؛ لأنَّ الله يقول: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ ويكون مِمَّا زاده أنْ جَعَلَ لجِبْريلَ سِتَّ مِئَةِ جناحٍ.
فإذا قُلْتَ: هل نعرف كيَفِيَّة هذه الأَجْنِحَة؟
فالجواب: لا؛ كَيْفِيَّة هذه الأَجْنِحَة لا نعلمها، وهذا نَظيرُه تمامًا ما جاء في صِفاتِ الله ؛ فإنَّنا نَعْلَمُ مَعْنى الصِّفَة، ولكِنَّنا نَجْهَل كَيْفِيَّة الصِّفَة، للهِ وَجْهٌ، نعلم مَعْنى الوَجْه، لكن هل نَعْلَمُ كَيْفِيَّته؟
الجوابُ: لا؛ لأنَّ ما غاب عنك لا يخاطِبُك الله به إلا بِبَيانِ معناه فقط، وأمَّا كَيْفِيَّته فلا يُمْكِنُك إدراكُها؛ لأنَّه غائِبٌ ولا نَظيرَ له، والشَّيءُ لا يُعْرَفُ إلا بِمُشاهَدَتِه أو مُشاهَدَة نَظيرِهِ أو الخَبَرِ الصَّادِقِ عنه.
ونُعْرِبُ: ﴿مَثْنَى﴾ بدلًا أو صفةً لـ ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ وبدَلُ المَجْرورِ مَجْرورٌ، وعلامة جَرِّهِ فَتْحَةٌ مُقَدَّرَة على الأَلِف نيابَةً عن الكَسْرَة، والمانِعُ من الصَّرْف الوَصْفِيَّةُ والعَدْلُ.
стр. 11
وكذلك نقولُ في ﴿وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ولذلك قال: (ثُلَاثَ) ولَمْ يَقُلْ: (ثُلَاثٍ)، وقال: ﴿وَرُبَاعَ﴾ ولم يَقُلْ: (وُرَباعٍ).
قَوْله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: يزيدُ في الخَلْقِ سواء كان في المَلائِكَة أو غَيْرِهم، يزيدُ ما يشاءُ مِمَّا تَقْتَضيه حِكْمَتُه ؛ ولذلك تَجِدُ المَخْلوقاتِ لَها أَيْدٍ وأَرْجُلٌ بِحَسَب حاجَتِها إلى هذه الأَيْدي والأَرْجُل، فبنو آدم لهم أَرْجُلٌ يَمْشون بها، ولهم أيدٍ يَبْطِشونَ بها ولا يَمْشون بها؛ لأنَّ هذه الأَيْديَ مَحَلُّ الأَخْذِ والعطاء، فَأُكْرِمَ الإِنْسَانُ بأن تكونَ يداه غيرَ مُسْتَعْمَلةٍ في المَشْي، بخلاف الحيوانِ؛ فالحيوانُ يداه مُسْتَعْمَلةٌ في المَشْيِ؛ لأنَّه يأخُذُ بِفَمِه، ويُعْطي بفَمِه، وَينْقل بفَمِه، حتى الهِرَّة إذا أرادَتْ أن تنقل أولادَها تَنْقِلُهم بفَمِها، لكنَّ الآدَمِيَّ مُكَرَّمٌ، فجعل الله تعالى يَدَيهِ غيرَ مُسْتَعْمَلَتينِ في المَشْيِ، فهو يَزيدُ في الخَلْقِ ما يشاءُ على حَسَب ما تَقْتَضيهِ الحِكْمَةُ وحاجَةُ ذلك المَخْلوقِ، وكلُّ ما ذكره الله مِمَّا هو مُعَلَّقٌ بِمَشيئَتِه فقد تقدَّم أنَّه مَقْرونٌ بالحِكْمَة.
قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذا تَعْليلٌ لِقَوْله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: كأنَّ سائلًا يسأل: وهل ذلك صعبٌ عليه؟
فكان الجوابُ من هذه الجُمْلَة أنَّه سَهْلٌ؛ لأنَّ الله على كُلِّ شَيْء قديرٌ، فكلُّ شَيْءٍ مَوْجودٍ قادِرٌ على إعْدامَهِ، وكُلُّ مَعْدومٍ قادِرٌ على إيجادِهِ.
لكنْ لو قال لك قائِلٌ: هل يَقْدِرُ على أن يَجْعَلَ الشَّيْءَ المُتَحَرِّك ساكِنًا في آنٍ واحِدٍ؟
نقولُ: كَلِمَة (مُتَحَرِّك) نَقيضُ (ساكِن) إذا وَصَفْتَه بالمُتَحَرِّك فيقينًا ليس بساكنٍ، وإذا وَصَفْتَه بأنَّه ساكِنٌ، فيَقينًا ليس بِمُتَحَرِّك؛ فلذلك قال العُلَماءُ ﵏:
стр. 12
إنَّ المستحيلَ غَيْرُ وارِدٍ؛ لأنَّ المُسْتَحيلَ لا يمكنُ وُجودُهُ، ليس المَعْنى أنَّه لا يُمْكِنُ باعتبارِ قُدْرَة الله، لكنَّ الله إذا أراد أن يَجْعَلَ هذا المُتَحَرِّكَ مُتَحَرِّكًا صار مُتَحَرِّكًا لا ساكِنًا، أمَّا أن يكونَ مُتَحَرِّكًا ساكنًا في آنٍ واحدٍ، كيف ذلك والمُتَحَرِّكُ غَيْرُ ساكِنٍ؟
يقال (١): إنَّ الشَّيطانَ كان يَفْرَحُ بِمَوْتِ العالِم، إذا قيل: (مات فلان العالِمُ) فرح واسْتَأْنَسَ، لكن إذا قيل: (مات عابِدٌ) يقولُ: هذا هَيِّنٌ، فقال له جنوده: لماذا تَفْرَحُ بِمَوْت العالِم هذا الفَرَحَ العَظيمَ، ومَوْتُ العابِد لا يُهِمُّك مع أنَّ العابِدَ مُنْقَطِعٌ عن الدُّنْيا، وزاهِدٌ في الدُّنْيا، ويُكْثِرُ الذِّكْر والصَّلاة وغيرها؟
قال: لأنَّ العالِمَ أشَدُّ عليَّ من العابِد، قالوا: كيف؟ قال: سأُثْبِتُ لكم الآن، اذهبوا إلى العابِدِ وَقولوا له: هل يَقْدِرُ الله على أن يَجْعَلَ السَّمَواتِ والأَرْضَ في جَوْفِ بَيْضَة أو لا؟ فذهبوا إلى العابِدِ، قالوا له: هل يَقْدِرُ الله على أن يَجْعَلَ السَّمَواتِ والأَرْضَ في جَوْفِ بَيْضَة؟ قال: هذا مُسْتَحيلٌ، ولا يَقْدِرُ الله على هذا، ثم قال لهم قولوا له: هل يَقْدِرُ الله أن يَخْلُق مِثْلَه؛ أي: أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ الله؟ فذهبوا له، وقالوا له: ما تقولُ: هل يَقْدِرُ الله أن يَخْلُقَ مِثْلَ الله؟ قال: نَعَمْ، إنَّ الله على كلِّ شَيْءٍ قَديرٌ، يَقْدِرُ الله على أن يَخْلُقَ ربًّا مِثْلَه.
إِذَن: كَفَرَ هذا العابِدُ سلبًا وإيجابًا؛ نَفْيُه القُدْرَةَ في الأَوَّلِ كُفْر، وإثباتُهُ القُدْرَةَ في الثاني كُفْر.
ثم قال لهم: اذهبوا إلى العالِمِ، واسْأَلوهُ عن هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ، فذهبوا إلى العالم
стр. 13
قالوا له هَلْ يَقْدِرُ الله على أن يَجْعَلَ السَّمَواتِ والأَرْضَ في جَوْفِ بَيْضَة؟ قال: نعم، يقولُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] إمَّا أن تَصْغُرَ السَّمَواتُ والأَرْض، أو تَكْبَر البَيْضَة، المهمُّ إذا أراد قال فكانَ، قالوا: فهل يَقْدِرُ الله أن يَخْلُقَ مِثْلَه؟
قال: هذا أمرٌ مُسْتَحيلٌ، والمِثْلِيَّةُ لا يُمْكِنُ أن تتطابَقَ أبدًا؛ لو لم يكن من الفارِقِ العَظيمِ إلا أنَّ هذا حادِثٌ وذاك واجِبُ الوجودِ، هذا مُسْتَحيلٌ.
المهمُّ: أنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ، لكنَّ الشَّيْءَ المُسْتَحيلَ الذي لا يُتَصَوَّر لا يُتَصَوَّر، وليس المُرادُ هنا المُسْتَحيلَ عادةً؛ فالمُسْتَحيلُ عادةً يُخْلِفُه الله ؛ لأنَّ الله هو خالقُ العادَةِ وقادرٌ على تَغْييرِها، وهذه النَّارُ التي تَحْرِق كانت بَرْدًا وسَلامًا على إبراهيمَ، وهذا الماءُ السَّيَّال صار جامِدًا كالطَّوْدِ العَظيمِ، والعادَةُ يُمْكِنُ أن يُغَيِّرَها الله بكُلِّ سهولَةٍ، لكنَّ الكَلامَ على الأَمْرِ المُمْتَنِع المُسْتَحيلِ.
يقولُ العُلَماءُ ﵏: إنَّه لا تتعلَّقُ به القُدْرَة؛ لأنَّه مُسْتَحيلٌ؛ ولهذا قال السَّفاريني في العقيدة (١):
" ................... ... .................... وَاقْتَدَرْ
بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِن ... .......................... "
وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه عند العُقَلاءِ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذا ليسَ فيه اسْتِثْناءٌ، كتب الجلال ﵀ وهو السيوطي - على هذه الآيَة في سورة (المائِدَة) قال: "وَخَصَّ العَقْلُ ذَاتَهُ فليس عليها بقادرٍ"؛ يعني: على كلِّ شَيْء قديرٌ إلَّا على ذاتِه فليس عليها بقادِرٍ.
стр. 14
نقول: هذا الإسْتِثْناءُ لا شَكَّ أنَّه باطِلٌ؛ لأنَّ الآيَةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فقال: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ وَقَوْله: "إنَّ العَقْلَ خَصَّ ذاتَه فليس عَلْيها بقادِرٍ" نقولُ: إنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُه أن يُخَصِّصَ هذا الخَبْر بدون دليلٍ، ولو ذَهَبْنا نخصِّص مثل هذه العُموماتِ بالعُقولِ لَأَبْطَلْنا كثيرًا من دَلالاتِ الكِتَابِ والسُّنَّة.
وماذا تريد بِقَوْلك: "خَصَّ العَقْلُ ذاتَهُ فليس عَلَيْها بقادِرٍ؟ " إن أردْتَ أنَّه لم يكُنْ قادرًا على ذاتِهِ؛ بمَعْنى أنَّه لا يَقْدِر مثلًا أن يُمْرِضَ نفسه أو أن يُعْدِمَ نَفْسَه فهذا أَصْلٌ لم تتعَلَّقْ به القُدْرَة؛ لأنَّ هذا من الأُمورِ المُسْتَحيلَة، وإن أردتَ أنَّه ليس قادِرًا على أن يفعل، فلَعَلَّ هذا مُرَادُه - لأنَّ الأشاعِرَة ومن شابَهَهُم يُنْكِرون الأَفْعالَ الإخْتِيارِيَّةَ - فهذا كَذِبٌ؛ بل العَقْلُ يدلُّ على أنَّه لم يَزَلْ ولا يزال فعَّالًا لمِا يُريدُ.
وتُوجَدُ عِبارَةٌ تقع كثيرًا بين النَّاس تقول: (إنَّ الله على ما يشاءُ قَديرٌ) نقولُ: هذه عِبارَة خَطَأٌ؛ لأنَّ هذا يُوهِمُ أنَّ ما لا يَشاؤُهُ فليس قادِرًا عليه، هذا أوَّلًا.
وأمَّا قَوْله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]، فالمشيئة هنا ليست عائِدةً على القُدْرَة بل عائِدَةٌ على الجَمْع؛ يعني: إذا شاء جَمْعَهُم فإنَّه قديرٌ عليه ردًّا على من أنكروا البَعْثَ، وقالوا: كيف يَجْمَعُ الله النَّاسَ وَيبْعَثُهم بعد أن ماتوا؟
ثانيًا: أنَّكَ إذا قُلْتَ: (إنَّه على ما يشاءُ قَديرٌ) فقد خالَفْتَ التَّعْبيرَ القُرْآنِيَّ الذي أطلق الله فيه وعَمَّمَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ثالثًا: أنَّ هذا مَأْخوذٌ مِن مَذْهَبِ القَدَرِيَّةِ؛ لأنَّ القَدَرِيَّةَ يقولون: (إنَّ الله لا يَقْدِرُ على عَمَلِ العَبْدِ) فهو غَيْرُ داخِلٍ في قُدْرَة الله، وإذا لم يَقْدِر عليه فإنَّه لا يَشاؤُه، وكذلك
стр. 15
يقولون: إنَّه إذا كان فِعْلُ العبد في غَيْر مَشيئَتِه فإنَّه غَيْر قادرٍ عليه؛ لأنَّ اللهَ قادرٌ على ما يشاء فقط.
فلأَجْلِ هذا نقول: إنَّ هذه العِبارَة لا تَنْبَغي، وإن كان صاحِبُها يريد بها معنًى صحيحًا، فقد يُريدُ بها معنًى صحيحًا كما هو ظاهِرُ عبارَةِ كَثيرٍ من المُسْلمينَ الذين يَنْطِقونَ بهذا الشَّيْءِ، ونقول: إنَّ الأكْمَل أن تقول: "إنَّ الله على كُلِّ شَيْء قديرٌ".
فإن قلت: إنَّه ورد في قِصَّةِ آخِرِ من يُدْخِلُه اللهُ الجَنَّة فيقول اللهُ له: لمَّا قال هذا لكَ وعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، قال الله له: "إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ" (١) هذا حديثٌ قدسيٌّ؟
فالجواب: أنَّ هذا في قَضِيَّة مُعَيَّنَة؛ يعني: لو وَقَعَ شَيْء يَسْتَغْرِب الإِنْسَانُ وُقوعَهُ وَيسْتَبْعِدُه، فلنا أن نقول: إنَّ الله تعالى إذا شاء شيئًا فهو قادرٌ عليه؛ بمَعْنى أنَّه فاعِلُه كقَوْله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] بخلاف القُدْرَة المُجَرَّدَة عن الفِعْل، فإنَّ هذه لا تُقَيَّد بالمَشيئَة.
وظاهِرُ الآيَةِ الكَريمَةِ أنَّ جميعَ المَلائِكَة رسلٌ، فهل هذا الظَّاهِرُ مُرادٌ؟
الجواب: غَيْرُ مُرَادٍ بدليلِ قَوْله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ كَمالِ الله ؛ حيْثُ أَثْنى على نَفْسِه بالحَمْدِ، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
стр. 16
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الله رحيمٌ بعبادِهِ يُعَلِّمُهم كيف يَحْمَدونَه؛ لأنَّ قَوْله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ خَبَرٌ, لكن معناها الإرشادُ والتَّوجيه؛ كما قال الله تعالى في آيَة أخرى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١].
ولهذا ذَهَبَ بعضُ العُلَماء ﵏ إلى أنَّه كلَّما جاءت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فهي على تَقْدير: (قل) حتى قالوا في قَوْله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] المَعْنى: (قل: الحَمْدُ لله).
ولكنَّ الصَّوابَ خلافُ ذلك، وأنَّ هذا خَبَرٌ من الله ونَحْنُ نَتْلوه نُثْنِي به على الله، ولا حاجَةَ إلى أنْ يَأْمُرَنا الله بذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إِثْباتُ اسْمِ (الله) للرَّبِّ ، وهذا الإسْمُ خاصٌّ به، لا يقال لغيره، وهو أَصْلُ الأَسْماءِ؛ ولذلك تأتي الأَسْماء بعده في الغالِبِ صِفَةً له، ولا تأتي سابِقَةً عليه إلا نادِرًا كما في قَوْلِه تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١ - ٢] وإلا فإنَّ الغالِبَ أنَّ الأَسْماء تأتي تابِعَةً له، فهو أصل الأَسْماءِ؛ ولهذا لا يُسَمَّى به غَيْره أبدًا لا عَلَمًا ولا صِفَةً بأيِّ حالٍ مِنَ الأَحْوالِ.
وهل هو مُشْتَقٌّ أو اسمٌ جامِدٌ؟
الصَّحِيح بلا شَكٍّ: أنَّه مُشْتَقٌّ؛ لأنَّ جَميعَ أَسْماء الله تعالى مُشْتَقَّة؛ بمَعْنى أنَّها دالَّةٌ على المعاني التي أُخِذَتْ منها؛ فهو مُشْتَقٌّ من الأُلُوهِيَّةِ؛ لأنَّ الإشتقاقاتِ تكونُ من المَصْدَرِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الله هو فاطِرُ السَّمَواتِ والأَرْضِ لم يُشارِكْه أحدٌ في ذلك لِقَوْله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
стр. 17
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: كَمالُ قُدْرَته وحِكْمَتِه؛ حيث ابتدأ خَلْقَ هذه السَّمَواتِ العَظيمَةِ وهذه الأَرْضِ على هذا النِّظامِ البَديعِ من غَيْر أن يَسْبِقَ مثالٌ يَحْتذيهُ وَيقْتَدي به، ومعلومٌ أنَّ مُبْدِعَ الصَّنْعَة يُشْهَدُ له بالخِبْرَة والقُدْرَة؛ لأنَّه أَنْشَأَ شيئًا جديدًا وصارَ هذا الشَّيْءُ الجَديدُ مُنْتَظِمًا على تمَامِ الإنْتِظامِ وغايَةِ الإِحْكامِ فإنَّه يُشْهَد له بالكمالِ والخِبْرَة، ففي كَوْنِه فاطِرَ السَّمَواتِ والأَرْضِ دليلٌ على القُدْرَةِ وعلى الحِكْمَةِ؛ لأنَّه خَلَقَهُما على غَيْر مثالٍ سَبَقَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ السَّمَواتِ مُتَعَدِّدةٌ، وقد بيَّنها الله تعالى في آيَةٍ أخرى أنَّها سَبْعٌ، وقال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المُؤْمِنون: ٨٦]، وأمَّا الأَرْض فذُكِرَت مفْرَدَةً باعتبارِ الجِنْسِ، وهي سَبْعُ أَرَضينَ، والدليلُ من القُرْآنِ قَوْله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، ومن السُّنَّة: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ إيَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (١).
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات المَلائِكَةِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ من المَلائِكَة مَنِ اصْطَفاهُم الله تعالى رُسُلًا إلى الخَلْقِ بالوَحْيِ وغَيْرِ الوَحْيِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ هؤلاء الرُّسُلَ لهم أجْنِحَة مُتَعَدِّدَةُ الأَصْنافِ ومُتَعَدِّدَةُ الأَعْيان، يعني أنَّها مُتَعَدِّدَةٌ كمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً؛ لِقَوْله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ فيها إِشَارَةً إلى سُرْعَةِ تَنَقُّلِ المَلائِكَةِ لِقُوَّةِ أجْنِحَتِهم؛ لِقَوْله
стр. 18
تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ وإنَّما قُلْتُ: (لِقُوَّةِ أَجْنِحَتِهم)؛ لأنَّه لولا أنَّ لهذه الأجنحة مَزِيَّة عظيمَةً اسْتَحَقَّتْ أن يُنَصَّ عليها لذُكِرَ غَيْرُ الأَجْنِحَة كالرُّؤوسِ مثلًا، ولكنْ ذَكَرَ الأجنِحَةَ لما فيها من القُوَّة لحَمْلِها هؤلاء المَلائِكَةَ؛ ولأنَّها تكون عند الإرْسالِ أَسْرَعَ، وقد ذكرنا مثالًا لذلك يدُلُّ على أنَّ المَلائِكَة أسْرَعُ من غَيْرها في الطَّيَران في قِصَّة عَرْشِ بِلْقِيسَ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الله يزيدُ على الإثنين والثَّلاثة والأَرْبَعة بما شاء؛ لِقَوْله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الله تعالى فضَّلَ المخلوقاتِ بَعْضَها على بعضٍ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ﴾ والزِّيادَةُ مُقابِلُها نَقْصٌ.
إذن: فهناك مُفاضَلَةٌ بين المَخْلوقاتِ بعضِها مع بعضٍ، ولكن هل المُرَادُ القُوَّةُ أو كِبَرُ الجِسْمِ أو العقل أو العِلْم أو غَيْر ذلك؟
الجوابُ: العُمومٌ؛ لأنَّه قال: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ فهذا يزيدُهُ قوةً في الجِسْم، وهذا يزيدُهُ قوَّةً في العَقْلِ، وهذا يَزيدُهُ قُوَّةً في الطُّولِ، وهذا يزيده قوةً في العِلْم ... إلخ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّك إذا وَجَدْتَ من نَفْسِك نَقْصًا في خَلْقِكَ فاطْلُبْ إِكمالَهُ من الله؛ لأنَّ قَوْله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ معناه: لا تَسْأَلِ الزِّيادَةَ في خَلْقٍ ولا خُلُقٍ إلا من الله ؛ لأنَّه هو المانُّ بما يزيد به .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إِثْباتُ المَشيئَةِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ وقد تَقَدَّمَ أنَّ المَشيئَةَ كلَّما ورَدَتْ وَرَدَتْ معلَّقَةً بالحِكْمَةِ، واسْتَدْلَلْنا لذلك بِقَوْله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإِنْسَان: ٣٠].
стр. 19
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: إِثْباتُ القُدْرَةِ العامَّةِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو قادِرٌ على أن يَزيدَ في الخَلْقِ ما يشاء وقادِرٌ على الإيجادِ والإِعْدامِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على القَدَرِيَّة الذين يزعمون أنَّ أفعالَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلوقةٍ ولا مقدورَةٍ لله؛ لِعُمومِ قَوْلِه تعالى: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأَفْعالُ العَبْدِ من الأَشياءِ.
* * *
стр. 20
الآية (٢)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢].
* * *
﴿مَّا﴾ شَرْطِيَّةٌ تَجْزِمُ بدليلِ الفِعْلِ بعدها، ولكنَّ الفِعْلَ بعدها أمامنا مكسورٌ ﴿يَفْتَحِ﴾ فنقول: إنَّ هذه الكَسْرَة عارِضَةٌ من أجل تَوَقِّي الْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ، وإلا فإنَّها مَجْزومةٌ، وهذا كقَوْله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ البَيِّنَة: ١] وأَصْلُها: (لم يَكونْ).
قَوْله تعالى: ﴿يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ فَتْحُ الشَّيْءِ: إزالَةُ الحَواجِزِ دونه؛ يعني: متى فتحْتَ البَيْتَ؛ يعني: أزَلْتَ الحاجِزَ المانِعَ مِن دُخُولِهِ وهو البابُ، والرَّحْمَة إذا فُتِحَتْ فإنَّ الإِنْسَانَ يَدْخُل إليها ويَلِجُ فيها.
وَقَوْله تعالى: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾: ﴿مِن﴾ بيانٌ لـ ﴿مَّا﴾، و ﴿مَّا﴾ شَرْطِيَّةٌ مُفيدَةٌ للْعُمومِ، وعلى هذا فيكونُ في الآيَةِ عُمومٌ؛ أي: أيُّ رَحْمةٍ يَفْتَحْها الله للنَّاسِ فلا أَحَدَ يَسْتَطيعُ إِمْساكَهَا.
وَقَوْله تعالى: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [كَرِزْقٍ ومَطَرٍ]، وهذا على سبيلِ التَّمْثيلِ لا الحَصْر؛ لأنَّ رَحْمَة الله أكْثَرُ من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] فرَحْمَة الله لا تُحْصَى في أَنْواعِها فضلًا عن أَفْرادِها.
стр. 21
قَوْله تعالى: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ أي: فلا أحد يُمْسِكُها، بل سَتَصِلُ إلى مَن فَتَحَها الله تعالى له، ولا يَرُدُّها أحد، كما جاء في الحديث الصَّحيحِ؛ أنَّ الرَّسُول ﷺ بعد أن يَرْفَعَ من الرُّكوعِ كان يقول: "اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" (١) ويقَوْلُهُ كذلك بعد الصَّلاة (٢)، وقال النَّبِيُّ ﷺ لعبد الله ابن عباس: "وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَم يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَو اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ ... " (٣).
فلا أحد يَسْتَطِيعُ أن يُمْسِكَ رَحْمَةَ الله مهما عَمِلَ، حتى لو حاول الحَسَدَ والتَّشْوِيهَ ومَنْعَ الرِّزْق لا يَسْتَطِيعُ، إذا فتح الله الرَّحْمَة للعَبْدِ فلا أحد يَسْتَطِيعُ أن يَحُولَ بينه وبينها؛ ولهذا جاءتْ: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾.
و(لا): نافيةٌ للجِنْس، وهي أنَصُّ شَيْء على العُمومِ؛ ولهذا عُمومُ لا النافِيَةِ للجِنْسِ لا تَخْصيصَ فيه أَبَدًا.
والضَّميرُ في ﴿لَهَا﴾ يعود على الرَّحْمَةِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ لعلَّكَ تتوقَّع أن يكون نَصُّ الآيَة الكريمَةِ (وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهَا)؛ لأنَّ الكَلَام الآن في الرَّحْمَة وهو في الجُمْلَة الأولى قال: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فيَقْتَضي أن تكون الجُمْلَةُ الثانية كالأُولى؛ أي: (وَمَا
стр. 22
يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهَا) هكذا تتوقَّعُ، ولكن ليس الأمر كذلك.
لأنَّ قَوْله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ لم يُخَصَّصْ بالرَّحْمَة حتى نَقولَ: إنَّ المُتَوَقَّع أن يقول: (فَلَا مُرْسِلَ لَهَا) بل قال: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ وحَذَفَ المُتَعَلَّق لِيُفيدَ العُمومَ؛ أي: (وما يُمْسِكْ من رَحْمَةٍ وما يُمْسِك من شَرٍّ فلا مرسل له) حتى الضَّرَر الذي يُمْسِكُه الله لا أحد يرسله إليك، حتى الرَّحْمَة التي أَمْسَكَها الله عنك لا يُمْكِنُ أن يُرْسِلَها أحدٌ إليك.
ولهذا يسعى الإِنْسَانُ أحيانًا إلى ما يراه من رَحْمَةِ الله مِن رِزْقٍ أو غَيْرِه، ثم يَحُول القَدَرُ بينه وبينه، يتعَرَّضُ الإِنْسَان أحيانًا لأخطارٍ ولكن يَسْلَمُ منها، قد يَحْصُل للسَّيَّارة انقلابٌ أو تصادمٌ، فيموت أناسٌ أقوى مِنْكَ أجسامًا، وأقوى منك مَنَعَةً، وتبقى أنت.
إذن: أمسك الله عنك الضَّرَر، ولولا هذا الإِمْساكُ لَهَلَكْتَ فيمن هلك.
إذن نقول: (ما يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ له) أي: لِمَا أَمْسَكَهُ، فعاد الضَّميرُ في ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ على لفْظِ ﴿وَمَا﴾ ولفظ ﴿وَمَا﴾ مُذَكَّرٌ، بخلافه في الأَوَّل، فعاد على ﴿رَحْمَةٍ﴾ لأنَّها مُؤَنَّث.
الآن تبيَّنَ لنا: أنَّ السِّياقَ على أتَمِّ ما يكون من البلاغَةِ، وأنَّ ما كنا نتوقَّعُه من أن يقال: (فلا مُرْسِلَ لها) ليس على ما نتوقَّع؛ لأنَّ قَوْله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ لا يعني الرَّحْمَةَ، إذن هو عامٌّ؛ ولهذا نقول: إنَّ قَوْلَ المُفَسِّر ﵀: [وما يُمْسِكْ من ذلك] فيه قُصورٌ؛ لأنَّ قَوْله: (من ذلك) يعود إلى الرَّحْمَة، ولكن نقول: (وما يُمْسِكْ من ذلك وغَيْرِه).
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: بعد إِمْساكِهِ]، وهذا لا شكَّ
стр. 23
أنَّه احتمال، وأنَّه يُحْتَمَل أن يكون الضَّميرُ راجعًا إلى إمساك المُسْتَفادِ من قَوْله تعالى: ﴿يُمْسِكْ﴾.
فإذا قيل: هل لهذا نظير؛ أن يعودَ الضَّميرُ على المَصْدَر المفهومِ من الفِعْل قبله؛ لأنَّ مِنَ المعلومِ أنَّ مَرْجِعَ الضَّميرِ لا بُدَّ أن يكون اسْمًا مذكورًا مطابِقًا قبل أو بعد، أو مُقَدَّرًا، المُهِمُّ أنَّ مَرْجِعَ الضَّمير اسْمٌ، والإسْمُ إمَّا أن يُذْكَر بلفظه الصَّريحِ مقدَّمًا أو مُؤَخَّرًا أو مُقَدَّرًا، وإمَّا أن يُؤخَذَ من مصدرِ فعلٍ سابقٍ، هنا على كَلَام المُفَسِّر ﵀ ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد إمساكٍ؟
فالجوابُ: كَلِمَة (إمساك) سَبَقَتْ؛ لأن ﴿يُمْسِكْ﴾ فعل مَأْخوذٌ من (الإمساك).
إذن: فقد تضمَّنَ الفِعْلُ ذلك اللَّفْظَ وهو الإمساكُ، ونظيره قَوْله : ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ﴿هُوَ﴾؛ أي: العَدْلُ المَفْهومُ من قَوْلِه تعالى: ﴿اعْدِلُوا﴾.
والأَصْلُ في مَرْجِع الضَّمير أن يكون اسْمًا مذكورًا متقَدِّمًا مطابِقًا، وقد يتأخَّرُ، وقد يُقدَّرُ، وقد يكون مفهومًا من مَصْدَرِ فِعْلٍ سابِقٍ، كما هو في قَوْله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وكما في هذه الآيَة على تَقْديرِ المُفَسِّر ﵀.
وهل يُمْكِن أن يُحْتَمَل عَوْدُ الضَّميرِ على غَيْرِ (الإمساكِ)؟
الجواب: نعم، فيُحْتَمَلُ أن يعود على (الله) ؛ لأنَّه قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ أي: من بعد اللهِ، وتكون كقَوْله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، ويكونُ الضَّميرُ في قَوْله تعالى:
стр. 24
﴿مِنْ بَعْدِ﴾ عائِدًا إلى الله ، وهذا أَقْرَبُ؛ لأنَّها أدَلُّ على كمالِ التَّصَرُّف في حقِّ الله .
قَوْله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال ﵀: [﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالِبُ على أَمْرِه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في فِعْلِه] وهذا التَّفْسيرُ من المُفَسِّر ﵀ قاصِرٌ؛ لأنَّ قَوْله: [﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالِبُ على أمْرِه]، هذا أحَدُ معاني (العزيزِ)؛ فإن (العزيزَ) له ثلاثَةُ معانٍ: عِزَّةُ القَدْرِ، والقَهْرِ، والإمْتِناعِ.
١ - القَهْرُ وهو مَعْنى قَوْله: [الغالب على أَمْرِه]، ونقول: إنَّه يَشْمَلُ الغالِبَ على أمره الذي لا يُغلَب، وهذا هو القَهْرُ.
٢ - ذو القَدْرِ الرَّفيعِ العالي، وهذا مَعْنى قَوْلنا: (عِزَّةُ القَدْر).
٣ - أمَّا عِزَّةُ الإمتناعِ؛ يعني: أنَّه يَمْتَنِع أن ينالَه سوءٌ أو نَقْصٌ أو عَيْبٌ.
فالعِزَّةُ إذن ثلاثةُ معانٍ، وليست معنًى واحدًا.
أما ﴿الْحَكِيمُ﴾ فقال المُفَسِّر ﵀: [في فِعْلِه]، وهذا أيضًا قصورٌ؛ لأنَّ الله حكيمٌ في فعله وَقَوْله، في قَدَرِه وشَرْعِه، في الكُلِّ، بل إنَّ الحكيمَ لها مَعْنًى آخرُ؛ لأنَّها مَأْخوذةٌ من الحُكم والإِحْكامِ، فهو ذو حُكمٍ وذو إحكامٍ، والحُكْمُ كَونيٌّ وشَرْعِيٌّ، والإحكامُ في الغاية أو في الصُّورَة التي عليها الشَّيْء، فالجميعُ أربعةُ أَنْواعٍ، ويَقْرِنُ الله تعالى دائمًا بين العِزَّةِ والحِكْمَةِ؛ لما في ذلك من كمال عِزَّتِه وحِكْمَتِه.
* * *
стр. 25
الآية (٣)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣].
* * *
تصديرُ الخِطابِ بالنِّداءِ يدلُّ على الإهتمامِ به والعِنايَةِ به؛ لأنَّ النِّداءَ يتضَمَّنُ التَّنْبيهَ؛ ولهذا إذا قلْتَ للطَّالِبِ: (يا وَلَدُ) فإنَّه يَنْتَبِهُ، فتصديرُ الحُكْمِ بالنِّداء يدلُّ على العِنايَةِ به؛ لأنَّ النِّداءَ يُفيدُ التَّنْبيهَ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أَهْل مَكَّةَ].
وهذا بلا شَكٍّ قصورٌ؛ لأنَّ النَّاسَ عامٌّ، والواجِبُ علينا في القُرْآن والسُّنَّة أن نُبْقِيَ العامَّ على عُمومِه حتى يقومَ دليلٌ على إِرادَة الخُصوصِ، وإلَّا فإنَّ الواجِبَ إبقاؤُهُ على عُمُومِهِ؛ لأنَّه ليس لنا الحَقُّ في أن نَتَصَرَّفَ في مدلولاتِ الأَلْفاظِ المُخالِفَة لظاهِرِها إلا بِدَليلٍ من المُتَكَلِّم أو من يَتَكَلَّم مبيِّنًا كَلَامَه؛ كالرَّسُولِ ﵊، فالنِّداءُ إذن عامٌّ لجميعِ النَّاسِ.
قَوْله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ المُرَادُ بالذِّكْرِ هنا ذِكْرُ النِّعْمَة بالقَلْبِ، وذِكْرُها باللِّسانِ، وذِكْرُها بالفِعْل (بالجوارِحِ).
فذِكْرُها بالقَلْبِ بأن يتأمَّلَ الإِنْسانُ، من أين أتت هذه النِّعْمَة؟ ومَن الذي خلقه؟ ومن الذي أمَدَّهُ بالرِّزْق وهو في بَطْنِ أمِّه لم يَخْرُجْ بَعْدُ؟ ومن الذي أعَدَّه لقَبُولِ
стр. 26
ما يَمُرُّ به وتَصَوُّره وتَعَقُّله وتَنْفيذه؟
الجواب: الله، فأنت إذا تذكَّرْتَ في قلبك - ونَسْأَلُ الله أن يُعيذَنا وإيَّاكُم مِنَ الغَفْلَةِ - عَرَفْتَ أنَّ ما بكَ من نِعْمَة فهو مِن اللهِ ، فيتأمَّلُ الإِنْسَانُ: يقول: مَنِ الذي أَوْجَدَني؟ من الذي أمَدَّنِي بالنِّعَم وأنا في بطن أمي، ولا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أن يُوصِلَ إليه لُقْمَة العَيْشِ أو جَرْعَةَ الماء، ثم مَن الذي أعدَّني وهيَّأَني لأن أكونَ قابِلًا لمِا فيه مَنْفَعَتِي في الدُّنْيا والآخِرَة؟
الجواب: الله .
فالنِّعَم إيجادٌ وإمْدادٌ وإعدادٌ، وكُلُّ ذلك من الله ؛ هذا ذِكْرُها بالقلب.
وأمَّا ذِكْرُها باللِّسان أن يُثْنِيَ على الله بها ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] فيتَحَدَّثُ بالنِّعَم لا على سَبيلِ الإفْتِخارِ، ولكنْ على سبيل الثَّناءِ.
ذِكْرُها بالجَوارِحِ أن يُرَى أَثَرُ هذه النِّعْمَة عليه، فإن كانت النِّعْمَةُ عِلْمًا رُؤِيَ أَثَرُ هذه النِّعْمَة عليه بِحُسْنِ التَّصَرُّف، والوَقارِ، والسَّكِينَة، والأَدَب، ونَشْر العِلْمِ، والدَّعْوَةِ إلى الله ، هذا مثال، وإذا كان بِمالٍ يُرَى أثَرُ النِّعْمَة عليه بالإِنْفاقِ فيما يُحِبُّه الله من الزَّكاةِ، والنَّفَقاتِ الواجِبَة، والصَّدَقاتِ المُسْتَحَبَّة، والثِّيابِ الجَميلَةِ، وما أَشْبَه ذلك: "إِنَّ الله يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ" (١) هذا ذكرٌ بالجوارِحِ.
ومِن ذِكْر النِّعْمَة بالجَوارِحِ أيضًا أن يقوم بالشُّكْر، والله أَمَرَنا بذِكْرِ
стр. 27
نِعْمَتِه للغايَة؛ وهي كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] ليس المُرَادُ أيضًا أن تَذْكُرَ النِّعْمَةَ فقط، بل لا بُدَّ من قَرْنِ هذا الذِّكْرِ بالشُّكْرِ.
فصار الذِّكْرُ يَشْمَلُ ثلاثَةَ أُمورٍ: الذِّكْر بالقَلْبِ، واللِّسانِ، والجوارِحِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: (نِعْمَةَ) مفردٌ مضاف، فيَشْمَلُ جميع النِّعَمِ، وهي كثيرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِإِسْكانِكُمُ الحَرَمَ ومَنْعِ الغاراتِ عنكم] هذا التَّفْسيرُ بناءً على أنَّ المُخاطَبَ أَهْلُ مَكَّة، ولكن نقول: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالنِّعَمِ التي لا تُحْصَى، وهي كثيرةٌ جدًّا كما أسْلَفْنا الأَمْثِلَة عليها، فتكونُ نِعْمَةً بالإيجادِ والإِمْدادِ والإِعْدادِ، كلُّ هذه مِنَ الله .
قَوْله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يعني: إذا تَقَرَّرَ أنْ شَكَرْتُم نِعْمَةَ الله عليكم فإنَّنا نُوَجِّهُ إليكم هذا السُّؤالَ المُتَضَمِّنَ للنَّفْيِ.
قال: [﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ زائِدَةٌ، ﴿خَالِقٍ﴾: مُبْتَدَأ، ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ بالرَّفْعِ والجَرِّ نعتٌ لـ ﴿خَالِقٍ﴾ لفظًا ومَحَلًّا، وخَبَرُ المُبْتَدَأ ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾].
﴿هَلْ﴾: حرفٌ فهي أداة اسْتِفْهام.
و﴿مِنْ﴾ زائِدَةٌ زائِدَة، وكيف (زائِدَةٌ زائِدَة)؟ أي: زائِدَةٌ لَفْظًا زائِدَةٌ للمَعْنى؛ لأنَّها تُفيدُ توكيدَ النَّفْيِ والتَّنْصِيصَ على الأُمُور، و ﴿خَالِقٍ﴾ إذن مُبْتَدَأ مرفوع بضَمَّةٍ مُقَدَّرَة على آخِرِه مَنَعَ من ظُهورِها اشْتِغالُ المَحَلِّ بحركَةِ حَرْفِ الجَرِّ الزَّائِد.
стр. 28
و ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ فيه قراءتان (غَيْرُ) و (غَيْرِ)، وكلاهُما صحيحٌ، أمَّا على قِراءَة الجَرِّ (غيرِ الله) فهي صِفَةٌ تابعةٌ لِلَفْظِ ﴿خَالِقٍ﴾ لأنَّ ﴿خَالِقٍ﴾ مَجْرورٌ، وأمَّا على قِراءَة الرَّفْعِ فهي صِفَةٌ تابعةٌ لمَحَلِّ ﴿خَالِقٍ﴾؛ لأنَّ محلَّه الرَّفْع على الإبْتِداء.
ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [بالرَّفْعِ والجَرِّ نعتٌ لخالِقٍ لفظًا ومَحَلًّا] في كَلَام المُفَسِّر ﵀ لفٌّ ونشرٌ مُشَوَّش، ونقول: (غيْرُ مُرَتَّبٍ) إذا صار في القُرْآن أو في الحديثِ، أمَّا في كَلَامِ النَّاسِ فنقول: (مُشَوَّش).
فهو (بالرَّفْع والجَرِّ نَعْتٌ لخالِق) لو كان مُرَتَّبًا لقال: (نَعْتٌ لخالقٍ محلًّا)؛ لأنَّه بالرَّفْعِ يكون نعتًا للمَحَلِّ، وبالجَرِّ يكون نعتًا للَّفْظ.
وعلى كُلِّ حالٍ: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان، ولكلٍّ منهما وجْهٌ في اللُّغَة العَرَبِيَّة.
قال المُفَسِّر ﵀: قَوْله [﴿يَرْزُقُكُمْ﴾: خَبَرُ المُبْتَدَأ] هل الفِعْلُ نَفْسُه خَبَرُ المُبْتَدَأ أو الجُمْلَة؟
الجواب: الجُمْلَة، لكنَّهُم عند الإِعْراب يتساهَلونَ فمثلًا يقول: (فلانٌ في المَسْجِد) يقولُ: (في المسجد): جارٌّ ومَجْرورٌ خَبَرُ المُبْتَدَأ.
قَوْله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ استِفْهامٌ بمَعْنى النَّفْي، وقد ذَكَرْنا سابقًا أنَّ الإسْتِفْهامَ إذا كان بمَعْنى النَّفْيِ فإنَّه مُشْرَبٌ مَعْنى التَّحَدِّي؛ يعني: لو قال: (لا خَالِقَ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقكُمْ) استقامَ الكَلَامُ، لكن إذا قال: (هل من خالِقٍ) صار أَبْلَغَ؛ لأنَّه يَتَضَمَّن النَّفْيَ والتَّحَدِّيَ، كأنَّه يقول: (أروني خالِقًا غَيْرَ الله يَرْزُقُكم من السَّماء والأَرْض) كما قال الله تعالى في آيَةٍ أخرى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠].
وَقَوْله تعالى: ﴿خَالِقٍ﴾ الخَلْقُ في اللُّغَةِ: التَّقْديرُ، ومنه قَوْلُ الشَّاعِرِ:
стр. 29
وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ ... وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي (١)
فَقَوْله: (تَفْرِي مَا خَلَقْتَ)؛ يعني: ما قدَّرْتَ، ولكنه يُطْلَقُ على الإيجادِ المَسْبوقِ بتَقْديرٍ، فهنا ﴿خَالِقٍ﴾ بمَعْنى مُوجِدٍ إيجادًا مَسْبوقًا بتَقْديرٍ، وَقَوْله تعالى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؟
الجواب: لا، لا خالِقَ غَيْرُ الله يَرْزُقُنا من السَّماء والأَرْضِ، وقد سبق لنا مِرارًا على نَفْيِ الخَلْقِ عمَّا سِوى الله، وقلنا: إنَّه قد جاءت نُصُوصٌ تَدُلُّ على أنَّ غَيْرَ الله يَخْلُق.
وأَجَبْنا على ذلك بأنَّ خَلْقَ غَيْر الله ليس إيجادًا، ولكنه تَحْويلٌ من صُورَةٍ إلى صورَةٍ، وأيضًا ليس عامًّا، وكذلك خَلْقُ غَيْرِ اللهِ هو مِنْ خَلْقِ اللهِ في الواقِعِ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] حتى لو أنَّنِي الذي خلَقْتُ هذا الشَّيْءَ يعني: أَوْجَدْتُه؛ بمَعْنى: غَيَّرْتُه من حالٍ إلى حالٍ، فإنَّ فِعْلي هذا مخلوقٌ لله ، فعليه نقول: إنَّ الخالِقَ الحَقيقِيَّ هو الله.
وَقَوْله تعالى: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ بمَعْنى يُعْطيكُم؛ لأنَّ الرِّزْق بمَعْنى العَطاءِ؛ كما في قَوْلِه تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨].
قَوْله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ فسَّرَ المُفَسِّر ﵀ الرِّزْقَ من السَّماءِ بالمَطَرِ، وهذا لا شكَّ أنَّه داخِلٌ فيه؛ فإنَّ المَطَرَ من الرِّزْق النَّازِل من السَّماءِ، وهل هناك رِزْقٌ غَيْرُه يَنْزِلُ من السَّماء؟
نعم، الوَحْيُ وهو رِزْقٌ مَعْنَوِيٌّ.
стр. 30
ولماذا لا نقول: الطُّيُور مطلقًا؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ [النحل: ٧٩] فهي تَنْزِلُ من السَّماء وهي رِزْقٌ للعِبادِ أيضًا؟
والجوابُ: هي رِزْقٌ من الأَرْضِ ومِنَ السَّماء.
ويُمْكِن أن نقول: إنَّ الطَّلَّ مِنَ الرِّزْقِ الذي هو المَطَر (الرُّطوبَة)، وهي من السَّماء أيضًا وهي رِزْقٌ؛ لأنَّها تَنْفَعُ الأَشْجار.
قَوْله: [﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ومِن (الْأَرْضِ)] قدَّرَ ﴿مِّنَ﴾ إِشَارَة إلى أن (الأَرْضَ) معطوفةٌ على السَّماء.
قَوْله: [﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المَطَرَ، ومِنَ (الْأَرْضِ) النَّباتَ]، وهذا صحيح، لكنه قاصِرٌ؛ لأنَّ الرِّزْقَ من الأَرْض أكْثَرُ من النَّباتِ، فالرِّزْق من الأَرْض يَشْمَلُ النَّباتَ والمَعادِنَ، والمياه؛ وغيْرُ ذلكَ كَثْيرٌ من الأَرْضِ.
وَقَوْله: [والإسْتِفْهامُ للتَّقْريرِ؛ أي: لا خالِقَ رازِقٌ غَيْرُه] قَوْله: [للتَّقْريرِ] ثم قال: أي: [لا خالِقَ] هذا شِبْهُ تناقُضٍ؛ لأنَّ قَوْله: [لا خالِقَ] يقتضي أن يكون معناه النَّفْيَ، وهو كذلك، فهو للنَّفْيِ المُشْرَبِ بالتَّحَدِّي، وأنَّه لا خالِقَ إلا الله، وإذا كان لا خالِقَ إلا اللهُ ، فإنَّ الواجِبَ أن نعبد الله وَحْدَه، قال الله : ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]؛ أي: (لا معبود حقٌّ إلا هو)، وكيف تعلمونَ أنَّه لا رازِقَ يَرْزُقُنا من السَّماء والأَرْض إلا اللهُ، ثم تذهبون فتَعْبدونَ غَيْره؟ ! هل هذا إلا نَقْصٌ في التَّصَوُّر، ونقصٌ في العَقْلِ أيضًا والتَّصَرُّفِ؟ ! فهو نَقْصٌ في التَّصَوُّر والعقل والتَّصَرُّف.
فإذا كان لا رازِقَ إلا اللهُ كيف تَعْبُد اللَّاتَ والعُزَّى ومَناةَ وهُبَلَ، والأشْجارَ
стр. 31
والأَحْجارَ، والشَّمْس والقَمَر، والبَقَر أيضًا، فيوجَدُ أناسٌ يَعْبدونَ البَقَرَ، وأنَّه إذا مَرَّتِ البَقَرَة على طريقِ القِطارِ الحَديدِ فإنَّه يجب أن يَقِفَ ولو تكَسَّرَ كلُّ مَن فيه، وطبعًا القطارُ يَمْشِي بِسُرْعَة إذا وقف تصادَمَتِ الأقراص، ومات مَنْ فيها، أو تَكَسَّر، ومع ذلك يقول هؤلاء يجب أن تَقِفَ؛ لأنَّ هذه إله، أو أن تَدْخُل دكَّانه وتأكُلَ ما شاءت وتَدَعَ ما شاءت!
هل هذه عُقُولٌ؟ ! الجواب: لَيْسَت عُقُولًا، وكانوا في الجاهِلِيَّة يصنعون آلِهَة من التَّمْر، فإذا جاعوا أَكَلوها، أكلوا الإِله، فإذا كان الله هو الرَّازِقَ وَحْدَه بإقْرارِكُم واعْتِرافِكُم فيجب أن يكون هو المَعْبودَ وَحْدَه؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣].
وأمَّا إِعْرابُ هذه الجُمْلَةِ العَظيمَةِ التي بها يَدْخُل الإِنْسَانُ في الإِسْلام أو يَخْرُج؛ يَدْخُل إن نَطَقَ بها، ويَخْرُج إن أَنْكَرَها.
فإِعْرابُها فيه سِتَّةٌ أَوْجُهٍ للنَّحْوِيِّينَ، وألَّفَ بَعْضُ العُلَماءِ رسالَةً في ذلك، ولكن أَحْسَنُ ما يُقالُ في إِعْرابها أنَّ: (لا): نافِيَةٌ للجِنْسِ، و (إلَه): اسْمُهَا، وخَبَرُها مَحْذُوفٌ تَقْديرُهُ: (حَقٌّ)؛ أي: لا إِلَه حَقٌّ و (إلا): أداة استثناء، و (الله): بدلٌ من الخَبَرِ المَحْذوفِ.
وهل النَّفْيُ هنا مُسَلَّطٌ على (الوجود) أو على الوجود بِحَقٍّ؟
الجواب: (على الوُجودِ بِحَقٍّ)؛ لأنَّ هناك آلِهَةً دون الله تُعْبَدُ، لكن لَيْسَتْ بِحَقٍّ، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]، وقال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، فالآلِهَة موجودَةٌ، لكنَّها لا تَسْتَحِقُّ أن تكون آلهةً؛ إذ ليس لها رُبوبِيَّة.
стр. 32
قول المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ من أَيْنَ تُصْرَفون عن تَوْحيدِهِ مع إقرارِكُم بأنَّه الخالِقُ الرَّازِقُ؟ ] لو قال المُفَسِّر ﵀: (عن عِبادَتِه) لكان أحسَنَ؛ لأنَّ (لا إله إلا هو) تَوْحيدُ أُلُوهِيَّة، وليس تَوْحيدَ رُبوبِيَّة، وكَلِمَةُ تَوْحيدٍ تَشْمَل الرُّبوبِيَّةَ أيضًا، فلو قال: (فأَنَّى تُصْرَفون عن عبادَتِه وَحْدَه مع إقرارِكُم أنَّه الخالِقُ وَحْدَه) لكان أَحْسَنَ.
وَقَوْله تعالى: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ قال: أي: [تُصْرَفون]، فـ (الأَفْكُ) بمَعْنى الصَّرْف، ماضيه (أَفَكَ) ومُضارِعُه: (يَأْفِكُ أَفْكًا) أمَّا الإِفْكُ بالكَسْرِ فهو الكَذِبُ.
والكَذِبُ - في الواقِع - يَتَّفِقُ مع (الأَفْكِ) من حيث المَعْنى؛ لأنَّ الكَذِب هو الإخبارُ بِخلافِ الوَاقِعِ، فهو صَرْفٌ للشَّيْء عن حَقيقَتِه، قال الله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩]؛ أي: يُصْرَفُ عَنْهُ من صُرِفَ.
إِذَن: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ أي: تُصْرَفونَ عن عِبادَتِه وَحْدَه مع إقرارِكُم بأنَّه الخالِقُ وَحْدَه.
والإسْتِفْهامُ في قَوْله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ الإسْتِفْهامُ للتَّوْبيخِ والتَّقْريعِ، يعني: كيفَ تُقِرُّونَ بأنَّه الخالِقُ وَحْدَه ثم تَعْبدونَ معه غَيْرَهُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وُجُوب ذِكْرِ نِعْمَةِ الله بالقَلْبِ واللِّسانِ والجوارِحِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَهَمِّيَّة ذِكْر النِّعْمَة؛ لأنَّها صُدِّرَت بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا يدُلُّ على الأَهَمِّيَّة؛ لأنَّ ما صُدِّرَ بالنِّداءِ معناه تَنْبيهُ المُخاطَبِ على الإسْتِماعِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الكُفَّارَ مخُاطَبونَ بالشَّرائِعِ، وهذا مَأْخوذٌ من قَوْلِه تعالى:
стр. 33
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فكما يَجِبُ على المُسْلِم أن يَذْكُرَ نِعْمَة الله يَجِبُ على الكافِرِ أيضًا أن يَذْكُر نِعْمَةَ الله، وبناءً عليه فإنَّه يُعاقَب على عَدَمِ ذِكْر النِّعْمَةِ في الآخِرَة، وقد يُعاقَبُ عليه أيضًا في الدُّنْيا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بيانُ فَضْلِ الله على عبادِهِ بالنِّعَم؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١] وليس نِعْمَةً فقط، ولكنَّها جنس، فيشمل جميعَ ما أَنْعَم الله علينا من نِعَمِ الدِّينِ والدُّنْيا سواءٌ عادت إلى البَدَنِ، أو العَقْل، أو العِرْض، أو المال.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّه لا خالِقَ إلا اللهُ بدليل قَوْله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ووَجْهُ ذلك أنَّ الإسْتِفْهامَ هنا بمَعْنى النَّفْي، كأنَّه قال: (لا خالِقَ إلا الله).
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الرِّزْقَ يأتي الإِنْسَانَ من فوق ومن تَحْت، مِنَ السَّماء والأَرْض؛ كما قال تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيَانُ أنَّ الله له الإيجادُ والإِعدادُ والإِمدادُ؛ فالإمدادُ مَأخوذٌ من قَوْلِه تعالى: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ الرِّزْقَ إمدادٌ للإِنْسَانِ، والإيجادُ مَأْخوذٌ من قَوْلِه تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ وأمَّا الإِعدادُ فقد أعَدَّنا الله لِقَبُولِ الحَقِّ، فإذا كان اللهُ أَعَدَّكُم لهذا القَبُول والإسْتِدْلال بالأَدِلَّة على مَدْلولاتِها، فأنَّى تُؤْفكونَ عنها؟
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الإقرارَ بتَوْحيدِ الرُّبوبِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ الإِقْرارَ بتَوْحيدِ الأُلُوهِيَّة، وهذا مَأْخوذٌ من قَوْلِه تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ فكما أنَّه هو الخالِقُ وَحْدَه فيجب أن يكون هو المَعْبودَ وَحْدَه؛ ولهذا نقولُ: تَوْحيدُ الأُلُوهِيَّة يَتَضَمَّن تَوْحيدَ الرُّبوبِيَّةِ
стр. 34
والأَسْماءِ والصِّفاتِ؛ لأنَّه لا يُعْبَدُ إلا من عُلِمَ بأنَّه الرَّبُّ الخالِقُ الكامِلُ في صفاته، وتَوْحيدُ الرُّبوبِيَّة يَسْتَلزِم تَوْحيدَ الأُلُوهِيَّة وتَوْحيدَ الأَسْماءِ والصِّفاتِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بُطلانُ أُلُوهِيَّةِ ما سوى الله ، وهذا مَأْخوذٌ من قَوْلِه تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لكنْ كيف تَجْمَعُ بين هذا النَّفْيِ وبين إثباتِ الآلِهَة لغير الله في قَوْله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود: ١٠١]؟
الجواب: أنَّ الأُلُوهِيَّةَ الحَقَّ ليسَتْ إلا لله، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: سَفاهَةُ أولئكَ القَوْمِ الذين يَعْبُدونَ مع الله غَيْرَه مع إِقْرارِهِم بأنَّه هو الخالِقُ الرَّازِقُ، وهذا مَأْخوذٌ من قَوْلِه تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ لأنَّ الإسْتِفْهامَ هنا بمَعْنى الإنكارِ والتَّوْبيخ.
* * *
стр. 35
الآية (٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر: ٤].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ يا مُحَمَّدُ في مَجيئِكَ بالتَّوْحيدِ والبَعْثِ، والحِسابِ والعقابِ، ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾].
قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾: (إنْ) هنا شَرْطِيَّةٌ، وفِعْلُ الشَّرْط ﴿يُكَذِّبُوكَ﴾ وجوابه ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ واقْتَرَن بالفاء؛ لأنَّه مُصَدَّرٌ بـ (قد).
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: يَنْسِبوكَ إلى الكَذِب، فيقولون: إنَّكَ كاذِبٌ، لست رسولًا مِنَ الله ، بل أنت ساحِرٌ ومَجْنونٌ وكاهِنٌ وشاعِرٌ وما أشبه ذلك، وبَعْضُهم يقول: لا بَعْثَ ولا جزاءَ ولا حِسابَ ولا عِقابَ، إن كَذَّبوك فهذا أمرٌ ليس بِبِدْعٍ مِن بني آدم وليس غريبًا من صنيعِ بني آدَمَ.
﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مَنْ كَذَّبَهُم؟ كَذَّبَهُم أَقْوامُهُم حتى قال الرَّسُولُ ﵊: "فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ والرَّجُلان، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ" (١) حتى إنَّ نوحًا ﵊ لَبِثَ في قَوْمِه ألْفَ سنةٍ إلا خَمْسينَ
стр. 36
عامًا يَدْعوهُم سرًّا وجَهْرًا، وبالتَّوْبيخِ وبالوعد، ومع ذلك ما آمَنَ معه إلا قليلٌ.
وَقَوْله تعالى: ﴿رُسُلٌ﴾ التَّنْكيرُ هنا للتَّكْثيرِ والتَّعْظيم؛ أي: رُسُلٌ كثيرةٌ ورُسُلٌ عَظيمَة أيضًا كُذِّبَت؛ كُذِّبَ نوحٌ، وكُذِّبَ إبراهيمُ، وكُذِّبَ مُوسى، وكُذِّب عيسى، وهؤلاء هم أولو العَزْمِ من الرُّسُل، وآخِرُ الرُّسُلِ كُذِّبوا، فتَكْذيبُكَ إِذَن ليس بِبِدْعٍ.
ويُرادُ بهذا تَسْلِيَة النَّبِيِّ ﵊، فإنَّ الإِنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ غَيْره أُصيبَ بِمِثْل مُصيبَتِه تسلَّى بذلك؛ لو أنَّ أَحَدًا أصيب بحادِثٍ، ثم رَأَيْنا الحوادِثَ فيها من انْكَسَرَتْ يَدُه، ومن انْكَسَرَتْ أُصْبُعُه، ومن انْكَسَرَ فَخِذُه، ومن انكسر صُلْبُه، فقام الذي انْكَسَرَتْ أُصْبُعُه يَصيحُ وَيتَضَجَّر، قلنا له: فلان انكسر صُلْبُه، فيَخِفُّ عليه الأَلَمُ وينساه؛ لأن تَسَلِّيَ النَّفْس بالغَيْرِ له أثرٌ عظيمٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، فاشْتِراكُكُم في العذاب لن يُخَفِّفَ عنكم كما هو الشَّأْن في حال النَّاسِ في الدُّنْيا، وقالت الخَنْساءُ تَرْثي أخاها صَخْرًا (١):
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ... أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي
قالتْ: (أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي) أقول: هذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، فأَنتِ وغيرُكِ سواءٌ.
قَوْله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ هنا الجارُّ والمَجْرورُ مُتَعَلِّق بـ ﴿تُرْجَعُ﴾ وقُدِّم لإفادَةِ الحَصْرِ؛ يعني: إلى الله لا غَيْرِهِ تُرْجَع الأُمُور، وقد يقال: إنَّه قُدِّمَ أيضًا لفائِدَةٍ
стр. 37
لَفْظِيَّةٍ وهي مراعاةُ الفواصِلِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [تُرْجَعُ الأُمُورُ في الآخِرَة فيُجازِي المُكَذِّبين ويَنْصُرُ المُرْسَلينَ] وهذا أيضًا من القُصُور؛ لأنَّ الأُمُورَ تُرْجَعُ إليه في الآخِرَة وفي الدُّنْيا أيضًا، فإنَّ الله يَنْصُرُ المُرْسَلين في الدُّنْيا ويُعاقِبُ المُكَذِّبين؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
إِذَن: قَوْله تعالى: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ هذا عامٌّ في أُمُور الدُّنْيا والآخِرَة، وأُمُورِ الشَّرْع وأُمُورِ القَدَر، فكلُّ الأُمُورِ تُرجَع إلى الله ، هو الأوَّلُ والآخِرُ، منه المُبْتَدَى وإليه المُنْتَهَى، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، قال ابْنُ عمر ﵄: "مَنْ كَانَ لَهُ شَيءٌ فَلْيَأْتِ بِهِ؛ لأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ " وماذا يبقى؟ إذا كان الخلق - وهو الإيجاد - لله، والأمر في التَّصَرُّف والتَّصَرُّف لله ماذا بقي لنا؟ ما بَقِيَ شَيْءٌ.
ولهذا لم يبقَ شَيْءٌ في الدُّنْيا والآخِرَة لأَحَدٍ أبدًا، فالأُمُورُ كُلُّها لله.
والأُمُورُ هنا جَمْعُ (أَمْر) بمَعْنى الشَّأْن؛ أي: شُؤُونُ الدُّنْيا والآخِرَة والشُّؤون القَدَرِيَّة والشَّرْعِيَّة؛ كلُّها تُرْجَع إلى الله ، إذا كانت تُرْجَع إلى الله وقد كُذِّبَت الرُّسُلُ، فما مصيرُ الرُّسُلِ والمُكَذِّبينَ؟
الجواب: مصيرُ الرُّسُلِ النَّصْرُ في الدُّنْيا والآخِرَة، ومَصيرُ المُكَذِّبينَ الخِذْلانُ والخِزْيُ والعارُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ تَكْذيبَ الرَّسُولِ ﵊ ليس ببِدْعٍ؛ فالرُّسُلُ قد كُذِّبَتْ من قبله، وهذا واضِحٌ من اللَّفْظ.
стр. 38
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ عِنايَةِ الله بِرَسولِه ﷺ ، وهذا مَأْخوذٌ من أنَّ الله سلَّى رسولَهُ بِذِكْر من كُذِّبَ مِن قَبْلِه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ سُنَنَ الله تعالى في خَلْقِه واحِدَةٌ؛ لأَنَّه أَهْلَكَ من كَذَّبوا الرُّسُل وهَدَّد من كذَّبوا مُحَمَّدًا ﷺ .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ الله؛ لأنَّه قال: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ يعني: أنت رسولٌ وهم رُسُلٌ، ولولا ذلك لم يكن لِقَوْله تعالى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ فائِدَةٌ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ مرْجِعَ الأُمُور والشُّؤونِ كُلِّها إلى الله ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ووجه اختصاصِ هذا بالله تقديمُ المعمول؛ فتَقْديمُ المَعْمولِ يُفيدُ الحَصْرَ، إِذَن: إلى الله لا إلى غَيْره تُرْجَع الأُمُور.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّه يَنْبَغي للإِنْسَان إذا أصابَتْه الضَّرَّاء أن يَرْجِعَ إلى رَبِّه وأن يتعَلَّقَ به فإذا كانت الأُمُور تُرْجَعُ إلى الله فليَكُنْ طَلَبُ إزالَةِ الضَّرَر من الله.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: وجوبُ تَحْكيمِ الكِتابِ والسُّنَّة، وأنَّه لا يَجوزُ العُدولُ عمَّا دَلَّ عليه الكِتابُ والسُّنَّة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ لأنَّ الأُمُورَ والشُّؤونَ تُرجَع إلى الله، ومنها الحُكْمُ بين النَّاس، فيجب أن يكونَ مَرْجِعُه إلى الله.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ من حَكَّمَ غَيْرَ الكِتَاب والسُّنَّة فقد اعْتَدَى على حَقِّ الله؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ أي: إليه وَحْدَه ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّه لا يجوز للإِنْسَان أن يُسْنِدَ ما رَزَقَه الله مِن رِزْق، سواءٌ كان علمًا أم مالًا أم جاهًا أم ولدًا أم زَوْجَة، إلى نَفْسِه، فيقول: إنَّما أوتِيتُه على عِلْمٍ عندي؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
стр. 39
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثْباتُ نِعْمَةِ الله على العبادِ بإِرْسالِ الرُّسُلِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ وإِرْسالُ الرُّسُلِ من أكْبَرِ النِّعَمِ؛ لأنَّنا لا نَسْتَطيعُ أن نَعْرِف كيف نَعْبُدُ الله إلا عن طريق الرُّسُلِ، فالإِنْسَانُ يَعْرِف مثلًا بِفِطْرَتِه أنَّ الله تعالى موجودٌ، وأنَّ له ربًّا خالِقًا مدبِّرًا، لكن لا يَعْرِف كيف يَصِلُ إلى هذا الرَّبِّ إلا من طريق الرُّسُلِ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِثْباتُ حِكْمَةِ الله ؛ حيث جعل للرُّسُل من يُكَذِّبُهم؛ لأنَّه لولا تَكْذيبُهُم ما حصل الإمْتِحانُ، فهذه من الحِكَم العَظيمَة؛ أن يَجْعَل الله للرُّسُلِ من يُكَذِّبُهم، فلولا تَكْذيبُهُم لم يَحْصُلِ الإمتحان؛ إذ لو كان النَّاسُ كُلُّهُم على الطَّاعَة ما تَميَّز الخَبيثُ من الطَّيِّب ولا تَبَيَّن المُؤْمِنُ من الكافِرِ، ولا قامَتِ سوقُ الجهادِ، ولا الأَمْرُ بالمعروفِ، ولا النَّهْيُ عن المُنْكَر؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [مُحَمَّد: ٤].
فهذه من الحِكْمَة في وجودِ المُكَذِّبين للرُّسُلِ، وهناك حِكَمٌ كثيرة؛ منها أيضًا: أنَّه لا يَتَبَيَّنُ الحَقُّ حتى يُعْرَفَ الباطِلُ كما قيل (١):
.................... ... وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأَشْيَاءُ
فلولا الباطِلُ الذي يُنازِعُ الحَقَّ ما عَرَفوا الحَقَّ، ولكان الكُلُّ سواءً، ولا نَعْرِفُ حقًّا من باطِلٍ.
* * *
стр. 40
الآية (٥)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥].
* * *
النِّداءُ هنا مُوَجَّهٌ لعمومِ النَّاسِ؛ لكُلِّ النَّاسِ المُؤْمِنِ والكافِرِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبَعْثِ وغَيْرِه] وصَدَقَ، فكُلُّ ما وَعَدَ الله به فإنَّه حَقٌّ، سواءٌ البَعْثُ، أو العِقابُ، أو الثَّواب، أو النَّصْر، أو الخِذْلان، أو غَيْر ذلك مِمَّا وَعَدَ الله به، فإنَّه حقٌّ.
و﴿حَقٌّ﴾ هنا بمَعْنى صِدْق وثابِت، فهو باعتبارِ الإِخْبارِ به صِدْقٌ، وأنَّه سيكونُ، وباعْتِبارِ وُقوعِهِ ثابِتٌ، ولا بُدَّ؛ فالحَقُّ هنا بمَعْنى الصَّادِق من حيثُ الخَبَرُ به، الواقِع من حيثُ ثُبوتُه، وأنَّه أمرٌ كائِنٌ لا محالَةَ، فليس وَعْدُ الله كوَعْدِ غَيْرِهِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ عن الإيمان بذلك] ﴿تَغُرَّنَّكُمُ﴾ والنَّهْيُ هنا مؤكَّدٌ بالنُّونِ: ﴿تَغُرَّنَّكُمُ﴾، بدون النون: (تَغُرَّكُمْ)؛ أي: تَخْدَعَنَّكم، وهذا مُفَرَّعٌ على ما قبله؛ لأنَّ الإِنْسَانَ الذي تَخْدَعُه الدُّنْيا يكون إيمانُه بِوَعْدِ الله تعالى ضعيفًا؛ إذ إنَّ الدُّنْيا تُلْهيه وتَخْدَعُه حتى يَنْجَرِف وراءها.
وَقَوْله تعالى: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا شَكَّ أنَّنا في حياةٍ، وضِدُّها المَوْتُ، و (دنيا): اسْمُ تَفْضيلٍ، مذكَّرُه (أَدْنى) مثل: عُلْيا وأَعْلى، سُمِّيَتْ دُنْيا من وَجْهَيْنِ: