عامًا يَدْعوهُم سرًّا وجَهْرًا، وبالتَّوْبيخِ وبالوعد، ومع ذلك ما آمَنَ معه إلا قليلٌ.
وَقَوْله تعالى: ﴿رُسُلٌ﴾ التَّنْكيرُ هنا للتَّكْثيرِ والتَّعْظيم؛ أي: رُسُلٌ كثيرةٌ ورُسُلٌ عَظيمَة أيضًا كُذِّبَت؛ كُذِّبَ نوحٌ، وكُذِّبَ إبراهيمُ، وكُذِّبَ مُوسى، وكُذِّب عيسى، وهؤلاء هم أولو العَزْمِ من الرُّسُل، وآخِرُ الرُّسُلِ كُذِّبوا، فتَكْذيبُكَ إِذَن ليس بِبِدْعٍ.
ويُرادُ بهذا تَسْلِيَة النَّبِيِّ ﵊، فإنَّ الإِنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ غَيْره أُصيبَ بِمِثْل مُصيبَتِه تسلَّى بذلك؛ لو أنَّ أَحَدًا أصيب بحادِثٍ، ثم رَأَيْنا الحوادِثَ فيها من انْكَسَرَتْ يَدُه، ومن انْكَسَرَتْ أُصْبُعُه، ومن انْكَسَرَ فَخِذُه، ومن انكسر صُلْبُه، فقام الذي انْكَسَرَتْ أُصْبُعُه يَصيحُ وَيتَضَجَّر، قلنا له: فلان انكسر صُلْبُه، فيَخِفُّ عليه الأَلَمُ وينساه؛ لأن تَسَلِّيَ النَّفْس بالغَيْرِ له أثرٌ عظيمٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، فاشْتِراكُكُم في العذاب لن يُخَفِّفَ عنكم كما هو الشَّأْن في حال النَّاسِ في الدُّنْيا، وقالت الخَنْساءُ تَرْثي أخاها صَخْرًا (١):
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ... أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي
قالتْ: (أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي) أقول: هذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، فأَنتِ وغيرُكِ سواءٌ.
قَوْله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ هنا الجارُّ والمَجْرورُ مُتَعَلِّق بـ ﴿تُرْجَعُ﴾ وقُدِّم لإفادَةِ الحَصْرِ؛ يعني: إلى الله لا غَيْرِهِ تُرْجَع الأُمُور، وقد يقال: إنَّه قُدِّمَ أيضًا لفائِدَةٍ
стр. 37
لَفْظِيَّةٍ وهي مراعاةُ الفواصِلِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [تُرْجَعُ الأُمُورُ في الآخِرَة فيُجازِي المُكَذِّبين ويَنْصُرُ المُرْسَلينَ] وهذا أيضًا من القُصُور؛ لأنَّ الأُمُورَ تُرْجَعُ إليه في الآخِرَة وفي الدُّنْيا أيضًا، فإنَّ الله يَنْصُرُ المُرْسَلين في الدُّنْيا ويُعاقِبُ المُكَذِّبين؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
إِذَن: قَوْله تعالى: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ هذا عامٌّ في أُمُور الدُّنْيا والآخِرَة، وأُمُورِ الشَّرْع وأُمُورِ القَدَر، فكلُّ الأُمُورِ تُرجَع إلى الله ، هو الأوَّلُ والآخِرُ، منه المُبْتَدَى وإليه المُنْتَهَى، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، قال ابْنُ عمر ﵄: "مَنْ كَانَ لَهُ شَيءٌ فَلْيَأْتِ بِهِ؛ لأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ " وماذا يبقى؟ إذا كان الخلق - وهو الإيجاد - لله، والأمر في التَّصَرُّف والتَّصَرُّف لله ماذا بقي لنا؟ ما بَقِيَ شَيْءٌ.
ولهذا لم يبقَ شَيْءٌ في الدُّنْيا والآخِرَة لأَحَدٍ أبدًا، فالأُمُورُ كُلُّها لله.
والأُمُورُ هنا جَمْعُ (أَمْر) بمَعْنى الشَّأْن؛ أي: شُؤُونُ الدُّنْيا والآخِرَة والشُّؤون القَدَرِيَّة والشَّرْعِيَّة؛ كلُّها تُرْجَع إلى الله ، إذا كانت تُرْجَع إلى الله وقد كُذِّبَت الرُّسُلُ، فما مصيرُ الرُّسُلِ والمُكَذِّبينَ؟
الجواب: مصيرُ الرُّسُلِ النَّصْرُ في الدُّنْيا والآخِرَة، ومَصيرُ المُكَذِّبينَ الخِذْلانُ والخِزْيُ والعارُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ تَكْذيبَ الرَّسُولِ ﵊ ليس ببِدْعٍ؛ فالرُّسُلُ قد كُذِّبَتْ من قبله، وهذا واضِحٌ من اللَّفْظ.
стр. 38
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ عِنايَةِ الله بِرَسولِه ﷺ ، وهذا مَأْخوذٌ من أنَّ الله سلَّى رسولَهُ بِذِكْر من كُذِّبَ مِن قَبْلِه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ سُنَنَ الله تعالى في خَلْقِه واحِدَةٌ؛ لأَنَّه أَهْلَكَ من كَذَّبوا الرُّسُل وهَدَّد من كذَّبوا مُحَمَّدًا ﷺ .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ الله؛ لأنَّه قال: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ يعني: أنت رسولٌ وهم رُسُلٌ، ولولا ذلك لم يكن لِقَوْله تعالى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ فائِدَةٌ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ مرْجِعَ الأُمُور والشُّؤونِ كُلِّها إلى الله ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ووجه اختصاصِ هذا بالله تقديمُ المعمول؛ فتَقْديمُ المَعْمولِ يُفيدُ الحَصْرَ، إِذَن: إلى الله لا إلى غَيْره تُرْجَع الأُمُور.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّه يَنْبَغي للإِنْسَان إذا أصابَتْه الضَّرَّاء أن يَرْجِعَ إلى رَبِّه وأن يتعَلَّقَ به فإذا كانت الأُمُور تُرْجَعُ إلى الله فليَكُنْ طَلَبُ إزالَةِ الضَّرَر من الله.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: وجوبُ تَحْكيمِ الكِتابِ والسُّنَّة، وأنَّه لا يَجوزُ العُدولُ عمَّا دَلَّ عليه الكِتابُ والسُّنَّة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ لأنَّ الأُمُورَ والشُّؤونَ تُرجَع إلى الله، ومنها الحُكْمُ بين النَّاس، فيجب أن يكونَ مَرْجِعُه إلى الله.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ من حَكَّمَ غَيْرَ الكِتَاب والسُّنَّة فقد اعْتَدَى على حَقِّ الله؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ أي: إليه وَحْدَه ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّه لا يجوز للإِنْسَان أن يُسْنِدَ ما رَزَقَه الله مِن رِزْق، سواءٌ كان علمًا أم مالًا أم جاهًا أم ولدًا أم زَوْجَة، إلى نَفْسِه، فيقول: إنَّما أوتِيتُه على عِلْمٍ عندي؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
стр. 39
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثْباتُ نِعْمَةِ الله على العبادِ بإِرْسالِ الرُّسُلِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ وإِرْسالُ الرُّسُلِ من أكْبَرِ النِّعَمِ؛ لأنَّنا لا نَسْتَطيعُ أن نَعْرِف كيف نَعْبُدُ الله إلا عن طريق الرُّسُلِ، فالإِنْسَانُ يَعْرِف مثلًا بِفِطْرَتِه أنَّ الله تعالى موجودٌ، وأنَّ له ربًّا خالِقًا مدبِّرًا، لكن لا يَعْرِف كيف يَصِلُ إلى هذا الرَّبِّ إلا من طريق الرُّسُلِ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِثْباتُ حِكْمَةِ الله ؛ حيث جعل للرُّسُل من يُكَذِّبُهم؛ لأنَّه لولا تَكْذيبُهُم ما حصل الإمْتِحانُ، فهذه من الحِكَم العَظيمَة؛ أن يَجْعَل الله للرُّسُلِ من يُكَذِّبُهم، فلولا تَكْذيبُهُم لم يَحْصُلِ الإمتحان؛ إذ لو كان النَّاسُ كُلُّهُم على الطَّاعَة ما تَميَّز الخَبيثُ من الطَّيِّب ولا تَبَيَّن المُؤْمِنُ من الكافِرِ، ولا قامَتِ سوقُ الجهادِ، ولا الأَمْرُ بالمعروفِ، ولا النَّهْيُ عن المُنْكَر؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [مُحَمَّد: ٤].
فهذه من الحِكْمَة في وجودِ المُكَذِّبين للرُّسُلِ، وهناك حِكَمٌ كثيرة؛ منها أيضًا: أنَّه لا يَتَبَيَّنُ الحَقُّ حتى يُعْرَفَ الباطِلُ كما قيل (١):
.................... ... وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأَشْيَاءُ
فلولا الباطِلُ الذي يُنازِعُ الحَقَّ ما عَرَفوا الحَقَّ، ولكان الكُلُّ سواءً، ولا نَعْرِفُ حقًّا من باطِلٍ.
* * *
стр. 40
الآية (٥)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥].
* * *
النِّداءُ هنا مُوَجَّهٌ لعمومِ النَّاسِ؛ لكُلِّ النَّاسِ المُؤْمِنِ والكافِرِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبَعْثِ وغَيْرِه] وصَدَقَ، فكُلُّ ما وَعَدَ الله به فإنَّه حَقٌّ، سواءٌ البَعْثُ، أو العِقابُ، أو الثَّواب، أو النَّصْر، أو الخِذْلان، أو غَيْر ذلك مِمَّا وَعَدَ الله به، فإنَّه حقٌّ.
و﴿حَقٌّ﴾ هنا بمَعْنى صِدْق وثابِت، فهو باعتبارِ الإِخْبارِ به صِدْقٌ، وأنَّه سيكونُ، وباعْتِبارِ وُقوعِهِ ثابِتٌ، ولا بُدَّ؛ فالحَقُّ هنا بمَعْنى الصَّادِق من حيثُ الخَبَرُ به، الواقِع من حيثُ ثُبوتُه، وأنَّه أمرٌ كائِنٌ لا محالَةَ، فليس وَعْدُ الله كوَعْدِ غَيْرِهِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ عن الإيمان بذلك] ﴿تَغُرَّنَّكُمُ﴾ والنَّهْيُ هنا مؤكَّدٌ بالنُّونِ: ﴿تَغُرَّنَّكُمُ﴾، بدون النون: (تَغُرَّكُمْ)؛ أي: تَخْدَعَنَّكم، وهذا مُفَرَّعٌ على ما قبله؛ لأنَّ الإِنْسَانَ الذي تَخْدَعُه الدُّنْيا يكون إيمانُه بِوَعْدِ الله تعالى ضعيفًا؛ إذ إنَّ الدُّنْيا تُلْهيه وتَخْدَعُه حتى يَنْجَرِف وراءها.
وَقَوْله تعالى: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا شَكَّ أنَّنا في حياةٍ، وضِدُّها المَوْتُ، و (دنيا): اسْمُ تَفْضيلٍ، مذكَّرُه (أَدْنى) مثل: عُلْيا وأَعْلى، سُمِّيَتْ دُنْيا من وَجْهَيْنِ:
стр. 41
الأَوَّلُ: أنَّها مُتَقَدِّمَة عن الآخِرَة، فهي أَدْنى إلى النَّاسِ مِنَ الآخِرَة؛ ولهذا تُسَمَّى الحالَ الأُولى.
الثاني: وسُمِّيَتْ دنيا أيضًا من دُنُوِّ مَرْتَبَتِها.
فهي دانيةٌ بمَعْنى قَريبةٍ؛ لأنَّها هي الأُولى، وهي دانيةٌ بمَعْنى دُنُوِّ المَرْتَبَة؛ لأنَّ ما فيها من النَّعيمِ - إنْ قُدِّرَ - فإنَّه مُنَغَّصٌ تَنْغِيصًا مُسْتَقْبَلًا أو تَنْغِيصًا حاضِرًا؛ تَنْغيصًا حاضِرًا؛ لأنَّ نَفْسَ النَّعيمِ الذي تُنَعَّمُ به في الدُّنْيا لا بُدَّ أن يُشابَ بِكَدَرٍ؛ كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لنَا ... وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَّرْ (١)
وهذا لو تَأَمَّلْتَه لوَجَدْتَه كذلك، كلَّ يومٍ في أُسْبوعٍ ناظِرْ نَفْسَكَ؛ يومٌ تكونُ فَرِحًا مسرورًا، وَيوْمٌ تَغْتَمُّ، ويوم تأتيكَ أَشْياءُ خارِجِيَّة تُفْرِحُك، ويوم آخَرُ بالعَكْس، ثم لو قُدِّرَ أنَّ صَفْوَها خلا من ذلك؛ يعني: لم يُشَبْ بأذًى، فإنَّ المُسْتَقْبَل يُنَغِّصُ عليك هذا الصَّفاءَ؛ كما قال الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ... لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ المَوْتِ وَالهَرَمِ (٢)
فلا بُدَّ من أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا مَوْتٌ عاجِلٌ، وإمَّا هَرَمٌ مُذْهِبٌ.
فالإِنْسَانُ إذا قُدِّرَ أنَّ الله تعالى مَدَّ له في العُمُر فإنَّه يَرْجِعُ إلى حاله الأولى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] يَرْجِع إلى حاله الأولى يَسْقُط
стр. 42
تَمْييزُه، ويكون أشَدَّ من الصَّبِيِّ؛ يعني: كونه عالَةً على غَيْره أَشَدُّ من كَوْنِ الصَّبِيِّ عالَةً على غَيْرِهِ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ ليس عنده عَقْلٌ وتَمْييزٌ، غايَةُ ما هنالِكَ أنَّه يصيحُ، وإن أُعْطِيَ شيئًا لَعِبَ به وسَكَتَ، لكنَّ هذا الهَرِمَ عنده شَيْءٌ من التَّمْييزِ.
تَجِدُه يصيحُ على أهْلِه، ويَرْفَعُ صَوْتَه عليهم، ويقول: كيف تَنْسَوْن حاجتي، حينما كُنْتُ شابًّا كنت أعْمَلُ وأُنْفِقُ عليكم، وأُحْضِرُ لكم الطَّعام والشَّراب، واليومَ تَنْسَوْن، فهو يُفْزِعُهُم أكْثَرَ، ثم هو أيضًا ثَقيلٌ، أمَّا الصَّبِيُّ فيَسْتَطِيع الواحِدُ أن يَحْمِلَه على يَدِه ويَمْشي به يمينًا ويَسارًا؛ حتى يَسْكُت، لكنَّ هذا الهَرِمَ هو الإِشْكالُ؛ لذلك إذا تذَكَّرَ الإِنْسَانُ أنَّه إمَّا أن يموتَ أو أن يَصِلَ إلى هذه الحالِ، فمهما كان عَيْشُه فسوف يَتَنَغَّصُ؛ ولهذا نقول: هذه الحياةُ دُنْيا، وهي مَأْخوذَةٌ من دُنُوِّ الزَّمَنِ ودُنُوِّ المَرْتَبَةِ والقَدْر.
قَوْله: [عن الإيمانِ بذلك]؛ أي: بِوَعْدِ الله، وما أَكْثَرَ الذين غَفَلوا عن وَعْدِ الله! وما أكْثَرَ الذين اعْتَمَدوا على الأَسْبابِ الظَّاهِرَة فَنَسُوا الأَسبَاب التي وراءها!
فكَثيرٌ من النَّاسِ يقول في قَوْلِه تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] كيفَ يَنْصُرُ الله المُسْلِمينَ وهم على هذه القِلَّة على أعدائِهِم الكُفَّارِ وهم بهذه الكَثْرَة وبهذه القُوَّة، كيف يكون هذا؟ !
فيعْتَمِدُ على الحياة الدُّنْيا وعلى الأَسْبابِ المادِّيَّة دون ما وراءها، والواجِبُ علينا أن نُؤْمِنَ بِوَعْدِ الله، فالله تعالى وَعَدَ أن يَنْصُرَ من يَنْصُرُه كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النُّور: ٥٥].
стр. 43
يقول قائل: كيفَ يَسْتَخْلِفُنا الله في الأَرْضِ وعندنا الأُمَم القَوِيَّة الكَثيرَةِ ما الجواب على ذلك؟
الجواب: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا تَغُرَّكَ الدُّنْيا حتى في النَّصْر، أَسْبَابُ النَّصْرِ ليست هي المادَّة فقط، بل هناك شَيْءٌ وراءها وهي قُوَّة العزيز ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ في حِلْمِه وإِمْهالِهِ ﴿الْغَرُورُ﴾ الشَّيْطانُ]؛ يعني: لا يَخْدَعْكُم أيضًا مَن وَصْفُه الخِداعُ؛ ولهذا جاء وَصْفُ ﴿الْغَرُورُ﴾ و (غَرورٌ): فَعولٌ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ؛ لأنَّ غُرورَهُ كان وصفًا لازِمًا له لُزُومَ الوُجُوبِ.
و(الغَرورُ) غَيْرُ (الغُرُور) بالضَّمِّ؛ (الغُرورُ) بالضَّمِّ مَصْدَرٌ، و (الغَرورُ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ دالَّةٌ على المَعْنى ومن قام به المَعْنى، (فالغَرورُ) إِذَن هو الشَّيْطانُ، سواء كان إنسِيًّا أم جِنِّيًّا؛ فمن شَياطِينِ الجِنِّ من يَغُرُّ، وهو معروف، وهو الشَّيْطانُ الذي يُلْقِي في قلبِكَ ما يَخْدَعُك، ومن شياطينِ الإِنْسِ أيضًا من يَغُرُّ، وهم جُلَساءُ السُّوءِ الذين يأتون الإِنْسَانَ فيَدْخُلونَ فيه كما يَدْخُلُ الماء في المَدَر، أو النَّار في الفَحْم، يدخلون له دخولًا بحيث يكون كالنَّائِمِ أو كالمَيِّت بين يَدَيِ الغاسِل، فالله حَذَّرَنا من هؤلاء.
وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ في حِلْمِه وإمهاله ﴿الْغَرُورُ﴾ الشَّيْطانُ].
[في حِلْمِه وإِمْهالِهِ]، صحيح أَنَّ الإِنْسَانَ قد يَغْتَرُّ بالله في حِلْمِه وإِمْهالِهِ فيقول لنفسه: لو كُنْتُ على خَطَأٍ لعاقَبَني الله، وما دام الله يَرْزُقُني ويُعافِيني فهذا دليلٌ على أنِّي على حقٍّ، لكنَّ هذا من الأَمانِيِّ الباطِلَة التي حذَّرَ عنها رسولُ الله ﷺ فقال:
стр. 44
"الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لمِا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ" (١)؛ أي: الأمانِيَّ، وهذا الحديث وإن كان فيه ما فيه من حيثُ الصِّحَّة، لكنَّ معناه صحيحٌ بلا شَكٍّ، فإنَّ الكَيِّسَ الحازِمَ هو الذي يَعْمَل لمِا بعد المَوْت.
فَقَوْله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: ولا يَخْدَعَنَّكُم بالله في حِلْمِه وإمهاله، وغير ذلك مِمَّا يَتَعَلَّقُ بأَفعالِهِ وأحكامِهِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: الخادِعُ وهو الشَّيْطانُ؛ قَوْل المُفَسِّر ﵀: [الشَّيْطانُ] هذا اسْمٌ للشَّيْطان (إِبْليسُ) وهو مُشْتَقٌّ من شاطَ يَشِيطُ إذا غَضِبَ، أو من شَطَنَ يَشْطِنُ إذا بَعُدَ، والوَصْفان ثابتانِ للشَّيْطانِ؛ لأن عِنْدَه طَيْشًا وسُوءَ تَصَرُّفٍ، كالذي يَشيطُ غضبًا، وهو أيضًا شاطِنٌ؛ أي: بعيدٌ عن رَحْمَةِ الله ، فإنَّ الله لَعَنَه فقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أَهَمِّيَّة التَّصْديقِ بِوَعْدِ الله ، وَجْهُ ذلك أنَّه صَدَّرَه بالنِّداء، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الكُفَّارَ مخُاطَبونَ بالفُروعِ؛ لأنَّ الخِطابَ هنا عامٌّ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ وَعْدَ الله لا بُدَّ أن يَقَعَ؛ لأَنَّه خَبَرٌ من صادِقٍ قادِرٍ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: صِدْقٌ في حال الخَبَرِ عنه، واقِعٌ في حال إيقاعِهِ.
стр. 45
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه يَجِبُ على الإِنْسَان ألَّا يَرْتَبِطَ بالدُّنْيا مهما حَصَلَ له من زَهْرَتِها ونَعيمِها؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ من اغَتَرَّ بالدُّنْيا فإنَّه مَخْدوعٌ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ أي: تَخْدَعَنَّكم؛ لأنَّ العاقِلَ لا يَنْخَدِعُ بذلك.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارَةُ إلى وجوبِ العِنايَةِ بالآخِرَة؟ لِقَوْله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ فإذا نُهينا عن الحَياةِ الدُّنْيا، فمعناه أنَّنا نُلْزَمُ أو نُؤْمَرُ بالعنايَةِ بالآخِرَة؛ لأنَّها في الحَقيقَةِ هي المُنْتَهى، أمَّا هذه الدُّنْيا فإنَّ الإِنْسَانَ يَمُرُّها عابرًا فقط، حتى القُبُور التي يبقى فيها الإِنْسَانُ مِنَ السَّنَواتِ لا يَعْلَمُها إلا اللهُ هي مَحلُّ عُبُورٍ، قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢] سَمِعَ أعرابِيٌّ فتًى يَقْرَأُ هذه الآيَةَ، فقال: (والله ما الزَّائِرُ بِمُقيمٍ) أو (إنَّ الزَّائِرَ لظاعِنٌ)؛ لأَنَّه قال: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ﴾ والمعروف أنَّ الزَّائِرَ يَبْقى مُدَّةً ثم يَنْصَرِف.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: دُنُوُّ الدُّنْيا مَرْتَبَةً ودناءتُها؛ لِقَوْله تعالى: ﴿الدُّنْيَا﴾ فهي وإن كانت حياةً لكنها دُنْيا، ويَسْتَلْزِمُ ذلك الثَّناءَ على الآخِرَة؛ لأنَّ وَصْفَ الضَّرَّة بالعَيْبِ يدلُّ على وَصْفِ ضَرَّتِها بالكَمالِ، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: جوازُ تَنَعُّمِ الإِنْسَانِ بالدُّنْيا على وجهٍ لا تَغُرُّه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ ولم يَقُلْ: (فلا تَتَنَعَّمُوا في الدُّنْيا بشَيْءٍ)، بل قال: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عِظَمُ الخَطَرِ من كثرة المالِ ويُسْرِ العَيْشِ؛ لأنَّ هذا قد يَخْدَعُ المَرْءَ، قال النَّبِيُّ ﵊: "فَوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكَنِّي أَخْشَى أَنْ
стр. 46
تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" (١).
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: وُجُوبُ الحَذَرِ من الشَّيْطانِ ووَساوِسِه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وسواءٌ كان الشَّيْطانُ إنسيًّا أم جنيًّا؛ لأنَّ الشَّيْطانَ الإنْسِيَّ يَغُرُّ الإِنْسَانَ كما يَغُرُّه شيطانُ الجِنِّ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الحَذَرُ الشَّديدُ من هذا الذي يَغُرُّنا؛ من شياطينِ الإِنْسِ والجِنِّ؛ لأنَّه وَصَفَه بِقَوْله تعالى: ﴿الْغَرُورُ﴾ والغَرورُ - كما سبق - إمَّا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وإمَّا صيغَةُ مُبالَغَةٍ.
* * *
стр. 47
الآية (٦)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
* * *
هذه الجُمْلَةُ مُؤَكَّدَة بـ ﴿إِنَّ﴾، وقال: ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ولم يَقُلْ: (إنَّ الشَّيْطان عَدُوُّكم) لثُبُوتِ هذه العداوَةِ؛ ولهذا أتى بالجُمْلَةِ الإسْمِيَّة المُكَوَّنَةِ من مُبْتَدَأ وخَبَرٍ، فـ ﴿عَدُوٌّ﴾: مُبْتَدَأ مُؤَخَّرٌ و ﴿لَكُمْ﴾: خبَرُ مقدَّمٌ, وتقديمُ الخَبَرِ هنا يفيد الحَصْر؛ يعني: كأنَّه ليس عَدُوًّا إلا لكم، ومعلومٌ أنَّ من انْحَصَرَت عداوَتُه في شَخْصٍ فإنَّه يَجِب عليه أن يَحْتَرِز منه أكثَرَ وأكثر.
وَقَوْله تعالى: ﴿عَدُوٌّ﴾ على وَزْنِ فَعُولٍ، فهي صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، والعَدُوُّ ضِدُّ الوَلِيِّ، فإذا كان الوَلِيُّ هو النَّاصِرَ المُتَوَلِّيَ لأَمْرِك المُعْتَنِيَ به، فالعَدُوُّ هو الخاذِلُ الذي لا يُهِمُّه أَمْرَك، فالشَّيْطانُ عَدُوٌّ، يقول الله : ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ لمَّا أكَّد أنَّه عدُوٌّ لنا رَتَّبَ على ذلك فقال: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ والفاءُ هنا يُسَمُّونَها فاءَ التَّفْريعِ؛ أي: فِبَسَبَب ثُبوتِ كَوْنِه عَدُوًّا اتَّخِذوه عَدُوًّا؛ يعني: اجْعَلوه عَدُوًّا لكم بحيث تَنْفِرون منه نُفُورَكُم من الأَعْداءِ.
فإذا قال قائل: كيف نَتَّخِذُه عدُوًّا؟
الجوابُ: نَتَّخِذُه عَدُوًّا بِكَرَاهَتِه وبُغْضِه، وبِعَدَمِ الإنْصياعِ لِأَمْرِهِ وَوَسْوَسَتِهِ؛
стр. 48
لأنَّه كما قال الله عنه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] فهو لا يأمُرُ إلا بالفَحْشاءِ والسُّوءِ ومَعْصِيَةِ الله ، فإذا أَحْسَسْتَ من نَفْسِك أنَّكَ تَهْوَى المَعْصِيَة فاعْلَمْ أنَّ هذا من إملاءِ الشَّيْطانِ، فيَجِبُ عليك أن تَنْفِرَ من هذا؛ لأنَّ هذا صادِرٌ من عَدُوٍّ لك، لا يريدُ إلا إِضْرارَكَ وخِذْلانَك؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بطاعَةِ الله، ولا تُطيعوه] يعني: أطيعوا اللهَ ولا تُطيعوا الشَّيْطانَ، وأنتم إذا أَطَعْتُم الله فإنَّ هذا أَعْظَمُ سلاحٍ يَغيظُ هذا الشَّيْطانَ، فإذا أَطَعْتَ الله فإنَّك بذلك تَغيظُ الشَّيْطانَ وتَدْحَرُه وتُذِلُّه كما أنَّك تُذِلُّ أولياءه أيضًا وتَغيظُهُم، قال الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] إلى أن قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار﴾ [الفتح: ٢٩]، فهؤلاء القَوْمُ بِصِفَتِهِمُ المذكورةِ يَغيظونَ الكُفَّار، والكُفَّارُ أَوْلِياءُ الشَّيْطانِ، فإذا كانوا يَغيظونَ الكُفَّارَ فإنَّهم يَغيظونَ الشَّيْطانَ أيضًا، فأَعْظَمُ شَيْءٍ لإغاظَةِ الشَّيْطانِ هو أن تقومَ بطاعَةِ الله .
يُرْوَى أنَّ الشَّيْطانَ يقول عن بني آدم: "أَهْلَكْتُهُمْ بالذُّنُوبِ، وَأَهْلَكُونِي بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ والإسْتِغْفَارِ" (١)، فالتَّوْحيدُ وسُؤالُ المَغْفِرَة لا شكَّ أنَّه يَغيظُ الكُفَّارَ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ أتباعَهُ في الكُفْرِ ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ النَّارِ الشَّديدَةِ].
﴿إِنَّمَا﴾ أداة حَصْرٍ تفيدُ إثباتَ الحُكْمِ في المذكورِ ونَفْيَه عمَّا سواه؛ يعني: ما
стр. 49
يدعو حِزْبَه إلا لهذا الأَمْرِ؛ لأنْ يكونوا من أصْحابِ السَّعِير، واللَّامُ في قَوْله تعالى: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ اللَّامُ هذه لِلعاقِبَة؛ يعني: يدعو حِزْبَه للشَّرِّ والفَحْشاءِ لِأَجْلِ أن يكونوا من أصحابِ السَّعيرِ.
وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [﴿حِزْبَهُ﴾ أتباعَهُ في الكُفْرِ] قد يقال: إنَّ فيه قُصُورًا؛ لأنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ الحِزْبُ المُطْلَقُ لا شَكَّ أنَّهُم الكُفَّارُ، لكِنْ من عصى الله ولو لم يكن كافِرًا في مَعْصِيَةٍ من المعاصي فله من حِزْبِيَّةِ الشَّيْطانِ بِقَدْرِ ما عصى الله، لكنَّ الحِزْبَ المُطْلَقَ هم الكُفَّارُ.
قَوْله تعالى: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني: من أصحابِ النَّارِ، والسَّعيرُ هو النَّار الشَّديدَةُ، وإنَّما يدعوهم لذلك؛ لأنَّه لما غَوى - والعياذ بالله - وتكَبَّرَ عن عِبَادَة الله قال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩].
لما خُذِل - والعياذ بالله - وطُرِدَ وصار غاويًا حَرَصَ على أن يكون له أَتْباعٌ في غَيِّهِ، وهذا أمرٌ مُشاهَدٌ؛ فأَهْلُ الحَقِّ يَوَدُّون أن يكون لهم أتباعٌ في الحَقِّ، وأهْلُ الباطِل يودون أن يكون لهم أتباعٌ في الباطِل، فالشَّيْطان - والعياذ بالله - لمَّا كان من أصحابِ النَّار أحَبَّ أن يكون النَّاسُ - أي: بنو آدَمَ - أن يكونَ النَّاسُ كُلُّهم من أصحابِ النَّار، هؤلاء الذُّرِّيَّة ذُرِّيَّة آدَمَ، وشقاء إبليسَ إنَّما كان لتَرْكِه السُّجُود لآدَمَ، فلا جَرَمَ أن يُغْوِيَ ذُرِّيَّتَه وأن يحارِبَ بِكُلِّ ما يَسْتَطِيع إغواءَهم حتى يكونوا من أصحابِ النَّار.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ الشَّيْطانِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
стр. 50
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثْباتُ عَدَاوَته المُؤَكَّدَة للإِنْسَان؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَهَمِّيَّة إيمانِنا بذلك؛ أي عِلْمنا بأنَّه عَدُوٌّ، لكنْ ما وَجْهُ ذلك؟
الجوابُ: تَقَدَّمَ في (البَلاغَة): أنَّ الخِطابَ الخَبَرِيَّ هو الخِطابُ الذي يُلْقَى إلى المُخاطَبِ بدون تَوْكيدٍ، وأنَّه لا يُؤَكَّدُ في مقامِ الخِطابِ الخَبَرِيِّ إلا لِسَبَبٍ؛ الخطابُ الخَبَرِيُّ إذا أُلْقِيَ إلى إِنْسَانٍ خالي الذِّهْنِ فإنَّه لا يُؤَكَّد؛ لأنَّه لا داعِيَ للتَّوْكيدِ، فالتَّوْكيدُ ليس فيه إلا زيادَةُ كَلِماتٍ لا فائِدَةَ منها، لكِنْ إذا كان الأَمْرُ ذا أَهَمِّيَّة فإنَّه يؤَكَّدُ ولو كان لإِنْسَانٍ خالي الذِّهْن، فإذا كان عالمًا بالأَمْرِ صار أيضًا تَوْكيدُهُ أَبْعَدَ، ولا نَحْتاجُ إلى التَّوْكيدِ على كُلِّ حالٍ.
فالآن نقول: كَوْنُ اللهِ أَكَّدَ هذا الكَلَامَ، والإِنْسَانُ خالي الذِّهْن أو عالِمٌ به من قَبْلُ يدُلُّ على أَهَمِّيَّة الإيمانِ بهذا الأَمْرِ الذي عليه الشَّيْطانُ، وهو أنَّه هنا عَدُوٌّ.
وقد قال عُلَماءُ البلاغَةِ: إنَّ الخَبَر إذا أُلقِيَ إلى عالِمٍ به مُؤَكَّدًا كان ذلك من أجل أنَّ هذا المُخاطَبَ نُزِّل مَنْزِلَةَ المُنْكِر؛ لِكَوْنِه لم يَقُمْ بما يَقْتَضيه هذا الخِطاب، ومثلوا لذلك بِقَوْله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] فكُلٌّ يَعْلَمُ أنَّه سيموت، كُلُّنا نَعْلَمُ أنَّنا مَيِّتونَ، لكِنْ لماذا أَكَّدَ لنا المَوْتَ ونحن نَعْلَمُ به ونتأَكَّدُ منه؟
الجوابُ: لأنَّ فِعْلَنا فِعْلُ المُنكِرِ للمَوْت؛ حيث إننا لا نُصَدِّقُ ولا نَعْمَلُ لما بعد الموت.
إذن: نأخذ من هذه الآيَةِ: أَهَمِّيَّةَ إيمانِنا بأنَّ الشَّيْطانَ لنا عَدُوٌّ؛ لأنَّه أكَّدَ الخَبَر مع أنَّه مُلْقًى إلى إِنْسَانٍ خالي الذِّهْنِ لا يدري بأنَّ الشَّيْطانَ عَدُوٌّ، أو إلى إِنْسَانٍ عالِمٍ به لكِنَّه نُزِّلَ مَنْزِلَة المُنْكِر؛ لِكَوْنِه لم يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ عَدُوًّا له.
стр. 51
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجُوبُ البُعْدِ عمَّا يَأْمُرُ به الشَّيْطانُ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: ذِكْرُ الأَوْصافِ المَذْمومَةِ إذا كان المَقْصودُ بها نُصْحَ المُخاطَبِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ﴾ فلو رَأَيْتَ شَخْصًا مُغْتَرًّا بآخَرَ، يَحْسَبُه صَديقَه، وهذا الشَّخْصُ الذي اغْتَرَّ به صاحِبُه عَدُوٌّ له، نعلم أنَّه يريدُ أن يُوقِعَ به كلَّ سُوءٍ، فإنَّه يَجِبُ علينا أن نَنْصَحَهُ عنه، ونَذْكُر معايبَ هذا الشَّخْص حتى لا يَغْتَرَّ به، فنقول: إنَّكَ تُصاحِبُ فلانًا وهو عَدُوٌّ لك، حتى وإن كانت عَداوَتُهُ لِكَوْنِه يَهْديه إلى صِراطِ الجحيمِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيانُ رَحْمَةِ الله تعالى بعبادِهِ، لأنَّ العِلْمَ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ غَيْرُ مُدرَكٍ لنا ولَكِنَّ الله تعالى هو الذي أَخْبَرَنا به، ثم حثَّنا بل أَمَرَنا بِمُخالَفَتِه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾.
مَسْأَلَة: لكِنْ هل هذه الآيَةُ فيها دليلٌ على أنَّ مِن النَّاسِ من يَدْخُلُ النَّار ولا يُخَلَّدُ فيها فلا يكون من أصحابِها؟
نقول: يُمْكِنُ، فإنَّ الشَّيْطانَ يُريدُ من النَّاس أن يَبْلُغوا الذِّرْوَة في المُخالَفَة، وإذا بَلَغوا الذِّرْوَة في المُخالَفَة وكَفَروا حينئذٍ يكونون من أصحابِ النَّارِ الذين يُخَلَّدون فيها، أمَّا المَعاصي التي دون ذلك فإنَّ أصحابَها وإن دخلوا النَّار - كما دَلَّتْ عليه النُّصُوص - فلا يكونون من أصحابِها.
* * *
стр. 52
الآية (٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر: ٧].
* * *
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُه جُمْلَةُ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ والعذابُ: العُقوبَةُ، وأتى بالجُمْلَة الإسْمِيَّةِ لِثُبوتِ هذا العَذابِ واسْتِمْرارِه؛ لأنَّ الكافِرينَ مُخَلَّدونَ في نار جَهَنَّم، و (الشَّديدُ) بمَعْنى القَوِيِّ، وأمَّا غَيْرُهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ الذين آمنوا؛ الإيمانُ مَحلُّه القَلْبُ؛ أي: صدَّقوا بما يَجِبُ الإيمانُ به مع القَبولِ والإِذْعانِ، فالإيمانُ ليس مُجَرَّد التَّصْديقِ، بل هو تصديقٌ مَقْرُونٌ بِقَبولٍ وإذعانٍ؛ قبولٍ لمِا آمَنَ به، وإذعانٍ يَقْتَضيه هذا الإيمانُ، أمَّا مُجَرَّدُ التَّصْديقِ فليس إيمانًا، ولو شِئْتُم لَضَرَبْنا مثلًا بأبي طالِبٍ؛ فإنَّ أبا طالِبٍ كان مُصَدِّقًا للنَّبِيِّ ﷺ ، ولكِنَّه لم يَقْبَل، ولم يُذْعِنْ، فلم يَنْفَعْه هذا التَّصْديقُ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدَّقوا بما يَجِبُ الإيمانُ به تصديقًا مُسْتَلْزِمًا للقَبُولِ والإِذْعانِ، وأمَّا قَوْله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلا بُدَّ من العَمَلِ الصَّالِح حتى يَتِمَّ الإيمانُ ويَتحَقَّق ويَتَبَيَّن.
قال العُلَماءُ ﵏: العَمَلُ الصَّالِحُ هو الذي كان خالِصًا صوابًا؛ أي: خالصًا لله، صوابًا في مُوافَقَةِ شَريعَةِ اللهِ، وهذا التَّعْريفُ يَعُمُّ هذه الأُمَّةَ وغَيْرَها، فما كان
стр. 53
خالِصًا لله مُوافِقًا لِشَريعَتِهِ فهو صالِحٌ، وما لم يكن كذلك فهو فاسِدٌ، فلو فُقِدَ الإخلاصُ من العَمَلِ لم يكن صالِحًا، ولو وُجِدَ الإخلاصُ لكن لم يكن على وَفْقِ الشَّريعَة لم يكن صالِحًا، وعلى هذا فالأَعْمالُ البِدْعِيَّةُ - وإن أَخْلَصَ فيها صاحِبُها - ليست بصالِحَةٍ، والأَعْمالُ الشَّرْعِيَّة إذا شارَكَها الرِّياءُ وإِرادَةُ الخَلْقِ لم تكن صالحِةً.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذه تتكَرَّرُ في القُرْآنِ كثيرًا، وهي على ما قال النَّحْويُّونَ: من بابِ حَذْفِ المَنْعوتِ ووجودِ النَّعْتِ للدَّلالَةِ عليه؛ لأنَّ أَصْلَها: وعَمِلوا الأَعْمالَ الصَّالحِاتِ.
قَوْله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ الذين آمنوا وعَمِلوا الصَّالحِاتِ ذَكَرَ لهم عَمَلًا وذكر لهم جَزاءَيْنِ، أمَّا الذين كفروا فذَكَرَ عملًا واحدًا وجزاءً واحدًا، فالذين كفروا لهم عَذابٌ شديدٌ، العَمَلُ: الكُفْرُ، والجزاءُ: العذاب الشَّديد، أمَّا الذين آمنوا وعَمِلوا الصَّالحِاتِ فهذان عَمَلانِ والجزاءُ: لهم مَغْفِرَةٌ وأجرٌ كبيرٌ، فمَغْفِرَةٌ لِذُنوبِهِم، وأَجْرٌ كَبيرٌ على أعمالهِمُ الصَّالحِاتِ.
والمَغْفِرَةُ هي سِتْرُ الذَّنْبِ والتَّجاوُزُ عنه؛ لأنَّها مَأْخوذَةٌ من المِغْفَرِ، وهو ما يُسْتَرُ به الرَّأْسُ للوِقايَةِ من السِّهامِ، وهذا لا يكون إلا إذا كان قَوِيًّا يمنع، وليست المَغْفِرَة مُجَرَّدَ السِّتْر؛ لأنَّ مُجَرَّدَ السِّتْر والعُقوبة ليس بِمَغْفِرَة، بل لا بُدَّ من أَمْرَيْنِ: السِّتْرِ، وعَدَمِ المُؤاخَذَة.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَأَجْرٌ﴾ الأَجْرُ: الثَّوابُ الذي يُجَازَى به العامِلُ، حتى الأُجْرَة مثلًا إذا اسْتَأْجَرْتَ رجلًا يَعْمَل لك عملًا وأَعْطَيْتَهُ أُجْرَةً، فهذا أَجْرٌ، وسَمَّى الله الثَّوابَ أَجْرًا؛ لأنَّه لا بُدَّ أن ينالَهُ العامِلُ، فهو كأُجْرَةِ الأَجير، فلا بُدَّ أن ينالَهَا العامِلُ، وهذا كقَوْلِهِ تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فسمَّى
стр. 54
العَمَلَ لله قَرْضًا؛ لأنَّ القَرْضَ يَجِبُ إيفاؤُهُ؛ فمِثْلُ هذه الآياتِ تَدُلُّ على أنَّ الله أَوْجَبَ على نفسه أن يُثيبَ العامِلَ.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هل هو كبيرٌ في حَجْمِه أو كبيرٌ في معناه؟
الجواب: كلاهما؛ لأنَّ "أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ إِلَى مُلْكِهِ أَلْفَيْ عَامٍ يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ" (١)، وهذا لا شَكَّ أنَّه كبيرٌ واسِعٌ، وكذلك في المَعْنى؛ لأنَّه دائمٌ وثابِتٌ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هذا بيانُ ما لمِوافِقِي الشَّيْطانِ وما لمُخالِفيهِ] مُوافِقُو الشَّيْطانِ هم الذين كفروا، ومخالِفُوه الذين آمنوا وعملوا الصَّالحِاتِ.
إذن: يَجِبُ علينا أن نَتَّخِذَ الشَّيْطانَ عَدُوًّا بالإيمانِ والعَمَلِ الصَّالِحِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إِثْباتُ الثَّوابِ والعِقابِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بلاغَةُ القُرْآنِ؛ حيث يَجْمَع بين الشَّيْءِ وضِدِّه، وهو مِصْداقُ قَوْله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] قال: ﴿مَثَانِيَ﴾ مثاني أنَّه تُثَنَّى فيه المعاني، وهنا لمَّا ذَكَرَ عذابَ الكافرينَ ذكر ثوابَ المُؤْمِنينَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَلاغَةُ القُرْآنِ أيضًا من وجهٍ آخر: حيث بدأ بذِكْرِ عذابِ
стр. 55
الكافرينَ بعد أن ذَكَرَ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ فبدأ بما فيه التَّحْذيرُ قبل ما فيه التَّبْشيرُ من أجل المناسَبَة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الكافِرَ عذاُبهُ شديدٌ؛ يعني: ليس بالعذاب السَّهْل، ووَجْهُ شِدَّتِه بالكمِّيَّة والكَيْفِيَّة؛ لأنَّه دائِمٌ؛ ولأنَّه عذابٌ لا نظيرَ له.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الأَجْرَ لا يَثْبُتُ إلا باتِّصافٍ تامٍّ بِوَصْفَينِ؛ أحدهما: الإيمانُ، والثاني: العَمَل الصَّادِقُ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَقْسيمُ الأَعْمالِ إلى صالِحٍ وفاسِدٍ، وهذا مَاْخوذٌ من قَوْله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والضَّابِط في ذلك: أنَّ ما كان خالِصًا صوابًا فهو صالِح، وما كان فيه شِرْك أو بِدْعَةٌ فليس بصَالِحٍ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الذين آمنوا وعَمِلُوا الصَّالحِاتِ ينالونَ أَجْرَهُم من وَجْهَيْنِ؛ من زوالِ المَكْرُوهِ الثَّابِت؛ بِقَوْله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وحُصُولِ المَطْلوبِ الثَّابِتِ بِقَوْله تعالى: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: بلاغَةُ القُرْآنِ؛ لأنَّه لَّما ذَكَرَ عملًا واحدًا في الكُفَّار ذكر جزاءً واحدًا، ولمَّا ذكر وَصْفَيْنِ في المُؤْمِنين ذكر وَصْفَيْنِ في ثوابِهِم، وهذا ظاهرٌ أيضًا في سورة (الإِنْسَان): ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إذا تَأَمَّلْتَها وجدت الله لم يَذْكُرْ في الكافرين وعذابِهِم إلا قليلًا بالنِّسْبَة للأَبْرارِ.
والسَّبَبُ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ فقال تعالى: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ فقط، ولم يَقُلْ شيئًا عن هذه، فكان الجزَاء مُخْتَصَرًا ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ وذكر الأبرارَ وأطال في ذكر ما لهم من نَعيمٍ؛ لأنَّه ذَكَرَ عِدَّةَ أَعْمالٍ من أَعْمالهِم:
стр. 56
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٥ - ٩] الإخلاص التامُّ ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٩ - ١٠].
فذكر عِدَّةَ أوْصافٍ من أوصافِهِم، فأطال في ذِكْر جزائِهِم؛ لمَّا أطال في ذكر أعمالهِم أطال في ذكر الجزاء بِخلافِ الكافرينَ، وهذا بلا شَكٍّ من بَلاغَة القُرْآن.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ الأُجُورَ تَخْتَلِفُ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ فالأُجُور تَخْتَلِفُ باختلاف العَمَلِ، وتَخْتَلِف باختلافِ العامِلِ، وإذا كانت مُتَعَدِّيَة فإنَّها تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ من انْتَفَعَ بها.
فمثلًا: تَخْتَلِف باختلافِ العَمَل كما في حديث: "أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا" (١)، والواجِبُ أفضل من المُسْتَحَبِّ.
وباختلاف العاملِ كما في قَوْلِه ﷺ : "خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى" (٢) وقال النَّبِيُّ ﵊: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" (٣).
стр. 57
وتَخْتَلِف أيضًا باختلاف المحَلِّ إذا كانت مُتَعَدِّيَةً، فالصَّدَقَة على القَريبِ صَدَقةٌ وصِلَة، والصَّدَقَة على من هو أشَدُّ حاجَةً أَفْضَلُ من الصَّدَقَة على من دونه، وهكذا.
فاختلاف الأَعْمالِ يَسْتَلْزِمُ اختلافَ الأُجُور أيضًا، وتَخْتَلِفُ أيضًا باختلاف الإِخْلاصِ؛ فكلَّما كان الإِنْسَان في عمله أَخْلَصَ كان عَمَلُه أفضَلَ.
ويُمْكِن أن نقول أيضًا: تَخْتَلِفُ باختلافِ الإتِّباعِ، فكلَّما كانتِ العبادَةُ أتْبَعَ لله كانت أكْمَلَ.
وعلى كُلِّ حالٍ: فهذه الإختلافات في وُجُوهِها تَخْتَلِفُ لها الأُجُور.
* * *
стр. 58
الآية (٨)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [ونزَل في أبي جهلٍ (١) وغيره: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ بالتَّمْويهِ] أبو جَهْلٍ كان يُسَمَّى في الجاهِلِيَّة أبا الحكم؛ يعني: أنَّه ذو حِكْمَة وعَقْل ورَوِيَّة، لكنَّه سُمِّيَ في الإِسْلام أبا جَهْلٍ؛ لأنَّ أعْظَمَ الجَهْلِ أن يَبْقَى على كفره، ولا يُؤْمِنُ بالله، نزل فيه ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾: ﴿أَفَمَنْ﴾ الهَمْزَةُ هنا للإسْتِفْهام، والفاء: حَرْفُ عطف، والمعطوف عليه مخُتلَفٌ فيه؛ فمنهم من قال: إنَّه مقدَّرٌ بين الهَمْزَة وحَرْفِ العَطْف فيكون بحَسَبِ السِّياقِ، ومنهم من قال: إنَّ المعطوفَ عليه ما سَبَقَ، فعلى الأَوَّل نُقَدِّرُ المَحْذوفَ بما يناسِبُ المقامَ، فمثلًا قَوْله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٩] التَّقْديرُ: أغَفَلُوا فلم يَسِيروا في الأَرْض، وهنا نقول: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ نُقَدِّرُها بما يناسِبُ، فنقول: التَّقْديرُ: أَتُدْرِكونَ هذا الشَّيْءَ فمن زُيِّنَ له سوءُ عَمَلِه، أو نقول: أَيَسْتَوي المؤْمِنُ والكافِرُ فمن زُيِّنَ له سوء عَمَلِه.
ولكن القَوْل الثاني في المَسْأَلة أنَّه معطوفٌ على ما سبق أحسن؛ لأنَّ الأَصْلَ
стр. 59
عدمُ التَّقْديرِ، ولأنَّه في بعضِ الأحيانِ يَصْعُبُ على الإِنْسَانِ أن يقدِّر المَحْذوفَ، وعلى هذا القَوْلِ يقولون: إنَّ حَرْفَ العَطْفِ (الفاء) يُقَدَّرُ سابقًا للهَمْزَة، فيكون فيه تقديمٌ وتَأْخيرٌ، والتَّقْديرُ على هذا: (فَأَمَنْ زُيِّنَ له سُوءُ عَمَلِه).
وَقَوْله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ مَن المُزَيِّنُ؟
ذكر الله أنَّ المُزَيِّنَ الشَّيْطانُ، وذكر أنَّ المُزَيِّنَ هو الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، وفي بعض الآيات يكون المُزَيِّنُ مُبْهَمًا كما في هذه الآيَة، وكما في قَوْله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤].
فالمُزَيِّنُ الله، والمُزَيِّن الشَّيْطان، فإذا قلْتَ: كيف تَجْمَعُ بين هذا وهذا؟
فالجواب: أنَّ المُزَيِّنَ المُباشِرَ هو الشَّيْطان، أمَّا الله فهو مُزَيِّنٌ بالتَّقْديرِ؛ يعني: هو الذي قدَّر على الشَّيْطان أن يُزَيِّنَ لهم، ومعلومٌ أنَّ الله تعالى خالِقُ الشَّيْطانِ، وما نتج من أعماله فهو مضافٌ إلى الله؛ كما نقول في الإِنْسَانِ: إنَّه مَخْلوقٌ لله، وما نتج من أعماله فهو مَخْلوقٌ لله ، فيكون تَزْيينُ الله تعالى حَسَب التَّقْديرِ؛ يعني: هو الذي قدَّر أن يُزَيِّنَ الشَّيْطانُ لهم أَعْمالَهُم.
قَوْله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: (عمل) مفردٌ مضافٌ، فيَشْمَلُ كُلَّ الأعمال، سواء كانت شِرْكًا أو عُدْوانًا على الغَيْر، أو سوءَ السُّلوكِ وفَسادَ الأخلاقِ، أو غَيْر ذلك.
стр. 60
المُهِمُّ: أنَّه شامِلٌ لكُلِّ الأَعْمالِ.
وَقَوْله ﵀: [بالتَّمْوِيهِ]؛ أي: أنَّه يُمَوِّهُ على النَّاس أنَّ هذا العَمَلَ الذي يقوم به عملٌ حَسَنٌ.
قَوْله تعالى: ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ أي: رأى سُوءَ عمَلِه حَسَنًا، وهذا أشَدُّ ما يكون؛ أن يكون الإِنْسَانُ على خَطَأٍ ويرى أنَّه على صوابٍ؛ لأنَّ مِثْلَ هذا لا يكاد يظهر عن غَيِّهِ؛ حيث إنَّه يَعْتَبِرُه صوابًا، ومن ذلك مَثَلًا أصحابُ الحِيَل (المخادعون)، فالمُنافِقُ مثلًا زُيِّنَ له سُوءُ عَمَلِه؛ لأنَّه يرى أنَّه ذَكِيٌّ ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وهذا من سوء العَمَلِ.
وكذلك المُتَحَيِّلون على الرِّبا بأَنْواعِ الحِيَلِ هؤلاء أيضًا زُيِّنَ لهم سُوءُ أعمالهم؛ ولهذا لا تكاد تَجِدُهم مُقْلِعينَ عمَّا هم عليه؛ لأنَّه قد زُيِّنَ ذلك في نُفُوسِهم فلا يُقْلِعونَ عنه؛ المُهِمُّ أنَّ هذا له أمْثِلَة كثيرةٌ.
بقي علينا أن نقول: (من) مُبْتَدَأ فأين خَبَرُه؟ قال المُفَسِّر ﵀: [مَنْ: مُبْتَدَأ، خَبَره: كمن هداه اللهُ، لا؛ دَلَّ عليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾].
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يعني: (كَمَنْ لم يُزَيَّنْ له سُوءُ عَمَلِه ورأى سوءَ عَمَلِه سَيِّئًا)؛ لأنَّ الذي زُيِّن له سوءُ عَمَلِه سيسْتَمِرُّ عليه، والذي رآه سيئًا سوف يَتَجَنَّبُه، وهذا ما يقَوْلُه المُفَسِّر ﵀: [كمن هداه الله]، ومِثْلُ هذا التَّعْبيرِ يأتي في القُرْآن كثيرًا؛ كما في قَوْلِه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] فالخَبَرُ مَحْذوفٌ؛ أي: كمن ليس كذلك.
стр. 61
فَقَوْله: [لا]؛ يعني: ليس هذا كهذا، قال: بينهما فَرْقٌ؛ فإنَّ من زُيِّنَ له سوء عَمَلِه فسوف يبقى على ضَلالِهِ، ومن لم يُزَيَّنْ له سُوء عَمَلِه ورآه سيئًا فَسَيَتَجَنَّبُه ولا يقع فيه.
وَقَوْله: [دلَّ عليه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾]، وعلى هذا، فالفاء هنا ليست واقِعَة في خَبَرِ المُبْتَدَأ، بل خَبَرُ المُبْتَدَأ مَحْذُوفٌ، لكنها عَطْفٌ على ذلك الخَبَر؛ أي: فإنَّ الله يُضِلُّ من يشاء عن الحَقِّ فلا يهتدي إليه، ويهدي من يشاء إلى الحَقِّ فَيَلْتَزِمُه، وهنا يقول: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ تقدَّمَ كثيرًا تعليقُ الأشياءِ بالمَشيئَة، ولكنَّنا قلنا ونقول: إنَّ هذه المَشِيئَةَ مَقْرُونَةٌ بالحِكْمَةِ؛ من اقْتَضَتْ حِكْمَةُ الله أن يُضِلَّه أَضَلَّه، ومن اقتَضَتْ حِكْمَتُه أن يَهْدِيَه هداه، من الذي تَقْتَضي حِكْمَة الله أن يُضِلَّه؟
هو الذي أراد الضَّلال؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
فإذن: إضْلالُ الله تعالى للعَبْدِ في مَحَلِّه، وذلك بأن يكون هذا الرَّجُل لا يريد الخَيْر، وإنَّما يريد الشَّرَّ.
واعلم أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَ إمَّا عَدْلٌ وإمَّا فَضْلٌ، فالضَّلالُ عَدْلٌ؛ لأنَّه جُوزِيَ بحَسَب ما أراد، لمَّا أراد الضَّلالَ - والعياذ بالله - وزاغ قَلْبُه أُزيغَ، وأمَّا الهِدايَة فإنَّها فَضْل من الله يَتَفَضَّلُ بها على من يشاء من عباده.
ولهذا لو قال قائِلٌ: كيف يَجْعَلُ الله تعالى هذا مُهْتَدِيًا وهذا ضالًّا، أليس هذا ظُلْمًا؟
والجواب: لا؛ لأنَّ مَنْعَ الهِدايَة من هذا الضَّالِّ إنَّما هو لمُقْتَضَى عَدْلِه، أمَّا هِدايَة المهتدي فبِفَضْله.
стр. 62
فنقول: إنْ مَنَعَكَ ما هو لك فقد ظَلَمَك، وإن مَنَعَك فَضْلَه فَفَضْلُ الله يؤتيه من يشاءُ، ولولا أنَّك لَسْتَ أَهْلًا للهِدايَة ما منعك الله هدايته.
قَوْله تعالى: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ المُرَاد بالهِدايَة هِدايَةُ التَّوفيقِ، وربَّما نقول: هِدايَة التَّوفيق والدَّلالَة، ولكنَّ الأَهَمَّ هو هِدايَة التَّوْفيقِ، ولَعَلَّ هذا هو المُرَادُ هنا؛ لأنَّ الذين أضَلَّهُم الله قد هداهم الله هِدايَةَ الدَّلالَةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] وهذا عامٌّ، ولكنَّ الهِدايَة أن يهدي من يشاء إلى صراطٍ مُسْتقيمٍ.
وَقَوْله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ هل هذا النَّهْيُ نَهْيٌ عما كان أو نَهْيٌ عما لم يَكُنْ؟ الظَّاهِرُ أنَّه نَهْيٌ عما كان، وأنَّ الرَّسُول ﵊ يتَحَسَّر على هؤلاء المُكَذِّبين الذين كانوا يُكَذِّبونَه ويَضيقُ صَدْرُه، ويقول : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، فـ ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ أي: مُهْلِكٌ نَفْسَك، ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
فالرَّسُول ﵊ تَحَسَّر لهؤلاء لعَدَمِ إيمانِهِم، والنَّهْي عن الشَّيْء قد يكون نَهْيًا عما كان وقد يكون نَهْيًا عمَّا لم يكن؛ فَقَوْله للنَّبِيِّ ﵊: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣ - ٢١٤] هذا نهيٌ عما لم يكن؛ لأنَّ الرَّسُول لم يَدْعُ.
قَوْله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ يعني: لا تذهب نَفْسُك من أجْلِهم، كما يقال: (بكيت عليكَ الدَّهْرَ) أي: من أجْلِكَ، فالمَعْنى: لا تَذْهَبْ نَفْسُك من أجلهم حَسَرَاتٍ.
قَوْله تعالى: ﴿حَسَرَاتٍ﴾ قيل: إنَّها حالٌ على أنَّها مَصْدَرٌ أريد به اسْمُ الفاعِلِ؛ أي: حاسِرَةً، والحَسْرَة هي الهَمُّ الشَّديدُ والغَمُّ على ما فات، وكلُّ من فاته شَيْء يُحِبُّه
стр. 63
ويَطْلُبه فاهْتَمَّ لذلك واغْتَمَّ يقال: (تَحَسَّر)، وقيل: إن ﴿حَسَرَاتٍ﴾ مَصْدَرٌ وأنَّه مفعولٌ من أجله، والمَعْنى: فلا تذهب نَفْسُك؛ أي: تَهْلِكْ؛ من أجل الحَسَراتِ عليهم.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ على المُزَيَّنِ لهم ﴿حَسَرَاتٍ﴾ باغْتِمامِكَ ألَّا يُؤْمنوا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فيُجازيهِمْ عليه] في هذه الجُمْلَةِ تَهْديدٌ وتَسْلِيَة؛ تَهْديدٌ لهؤلاء المُخالِفينَ، وتَسْلِيَة للرَّسولِ ﵊؛ يعني: لا يُهِمَّنَّكَ أَمْرُهم؛ فإنَّك سائِرٌ مع الله وسوف يُجازيهِم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ من النَّاس من يَعْمَى قَلْبُه حتى يرى السَّيِّئَ حَسَنًا، وفي مقابِلِ ذلك يرى الحَسَنَ سَيِّئًا؛ لِقَوْله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إبهامُ الفاعِلِ لِيَشْمَلَ كلَّ ما يُمْكِن أن يقع منه هذا الفِعْل؛ لِقَوْله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وقد سبق أنَّ المُزَيِّنُ هو الله في الأَصْلِ، والشَّياطينُ في المُباشَرَة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: انْقِسامُ الأَعمالِ إلى سَيِّئ وصَالِح؛ لِقَوْله تعالى: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فيها الرَّدُّ على الجَبْرِيَّة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فأضافَ العَمَل إليه، وهم يقولون: إنَّ الأَعْمالَ لا تُضافُ إلى الإِنْسَان؛ لأنَّه مُجْبَرٍ عليها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ مَن هذه حالُهُ لا يستوي مع من ليس كذلك، بحيث يرى السَّيِّئ سيِّئًا والحَسَنَ حَسَنًا، ونأخذها من أنَّ المَحْذُوف يكون مُقابِلًا للمَذْكور؛ لأنَّ الهَمْزَةَ هنا للتَّسْوِيَة؛ يعني: (أَيَسْتَوي هذا وهذا؟ ) والجواب: لا يستويانِ.
стр. 64
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الِهدايَة والإِضْلالَ بِيَدِ الله، لِقَوْله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: وهي تَتَفَرَّع على هذه الفائِدَة، أنَّنا إذا عَلِمْنا ذلك فإنَّنا نسأل الهِدايَةَ من الله، ونَسْتَعيذُ من الضَّلالِ بالله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إِثْباتُ مَشيئَةِ الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ وقد تَقَدَّمَ أنَّ كلَّ فعلٍ علَّقَه الله بِمَشيئَته فإنَّه مَقْرُونٌ بالحِكْمَةِ، ودليلُ هذا قَوْله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: الرَّدُّ على القَدَرِيَّة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
فإنَّ القَدَرِيَّة يقولون: إنَّ أفْعالَ العَبْدِ من ضَلَالةٍ أو هِدايَة لا تَتَعَلَّقُ بها مَشيئةُ الله؛ لأنَّ مَذْهَبَ القَدَرِيَّة أنَّ الإِنْسَانَ مُسْتَقِلٌّ بِعَمَلِه، ليس لله تعالى فيه تعلُّقٌ إطلاقًا حتى إنَّ غُلاتَهُم يزعمون أنَّ الله لا يَعْلَمُ عَمَلَ العَبْدِ حتى يقع، ويقولون: إنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ؛ أي: مُسْتَأْنَفٌ؛ أي: إِنَّ عِلْمَ الله يحدث بعد أنْ لم يَكُنْ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ رسولَ الله ﷺ وعزَّ مَن أرسلَه كان يَحْزَنُ حزنًا عظيمًا تكادُ تَذْهَبُ نَفْسُه من شِدَّتِه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وَجْهُ ذلك أنَّ الأصل في النَّهْي أن يكون عمَّا وقع، وقد يكون عمَّا لم يقع، وهو كثيرٌ أيضًا، ويدلُّ على أنَّ هذا أمرٌ واقِع قَوْلَه تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: شَفَقَة النَّبِيِّ ﷺ على أُمَّتِه.
стр. 65
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الرَّسُول ﷺ لا يَحْزَنُ لِعَدَمِ إيمانهم أو طاعَتَهِم لمصلحته هو ولَكِنْ لمِصْلَحَتِهم؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَرٌ يتأثَّر بما يتأثَّرُ به البشر من أَسْبَاب الفَرَحِ وأَسْبَاب الحُزْن، وهذا أمرٌ واقِعٌ، وقد قالت عائِشَةُ ﵂: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ" (١).
ففَرِحَ ﷺ حتى ظهر ذلك على وَجْهِه؛ فالأَعْراضُ البَشَرِيَّة من الفَرَح والحُزْن، والغَمِّ والإسْتِبْشارِ، والنِّسيان وعَدَمِ العِلْم، وغير ذلك تطرأ على النَّبِيِّ ﷺ كغيره من البَشَر؛ لأنَّه لا يتمَيَّز عن البَشَرِ إلا بشَيْء واحد وهو الوَحْيُ، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] وكَلِمَة ﴿بَشَرٌ﴾ تُغْنِي عن ﴿مِثْلُكُمْ﴾ لكن هذا من باب التَّأْكيدِ؛ لئلَّا يَذْهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّه بَشَرٌ قد خُصِّصَ بشَيْءٍ، فقال: ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ثم ذكَرَ المَيْزَة فقال: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وفي هذا ردٌّ واضِحٌ على أولئك القَوْمِ الذين يدَّعُون أنَّ للنبي ﷺ تأْثيرًا في الخَلْقِ كتأثير رُبوبِيَّةِ الله ؛ لأنَّه لو كان كذلك ما ذَهَبَتْ نَفْسُه عليهم حَسَراتٍ، ولهداهم وسَلِمَ من هذه الحَسَراتِ التي تكون على نَفْسِه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إثبات عِلْمِ الله لِكُلِّ ما نَعْمَلُ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
стр. 66
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: عناية الله برسوله ﷺ في مِثْلِ هذه الجُمْلَة التي تفيد تَسْلِيَتَه وتَهْوينَ الأَمْرِ عليه وأنَّه ما من حسابِ هؤلاء عليه مِنْ شَيْء كما أنَّه ليس من حِسابِهِ هو عليهم من شَيْءٍ.
* * *
стр. 67
الآية (٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ وفي قِراءَةٍ: (الريحَ)] الله - وَحْدَه - هو الذي يُرْسِلُ هذه الرِّياحَ دون غَيْره، فلن يَسْتَطيعَ أحدٌ أن يُرْسِلَ شَيْئًا من هذه الرِّياحِ، حتى الخَلْقُ كُلُّهم لو اجتمعوا على أن يُرْسِلوا الرِّيحَ ما استطاعوا، لو اجْتَمَعوا على أن يُهَوِّنوا عَصْفَها ما استطاعوا، ولكن ذلك بِيَدِ الله ، فاللهُ وَحْدَه الذي يُرْسِلُ الرِّياحَ.
وتأمَّلْ قَوْله تعالى: ﴿أَرْسَلَ﴾ حيث جعلها رسولًا كأنَّها تُبَلِّغ أو كأنَّها تَفْعَلُ ما أُمِرَتْ به كما أنَّ الرَّسُولَ يُبَلِّغُ ما أُرْسِلَ به فهي مُرْسَلَةٌ؛ ولهذا ثبت عن النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيُ عن سَبِّ الرِّيحِ (١)؛ لأنَّ سَبَّ الرِّيحِ يعود حَقيقَةً إلى الله ؛ لأنَّه هو الذي أَرْسَلَها، فهي مُدَبَّرَة مُسَخَّرَةٌ.
وَقَوْله: [﴿الرِّيَاحَ﴾ وفي قِراءَةٍ: (الريح)] والقِراءَة هنا سَبْعِيَّة، والفَرْقُ بينهما أن (الرياح) جَمْع، و (الرِّيح) مُفْرَد، لكنَّ هذا المُفْرَد في مَعْنى الجمع؛ لأنَّه محلًّى بـ (أل)
стр. 68
وهي لِلإسْتِغْراقِ، فيَشْمَلُ كُلَّ الرِّياحِ، سواء أتَتْ من الشَّمال، أو الجَنوب، أو الشَّرْق، أو الغَرْب، فالله تعالى هو الذي أَرْسَلَها.
واعلم أنَّ الغالِبَ أن (الرياحَ) مجموعةً تكون في الخَيْر، و (الرِّيح) مفردة تكون في ضِدِّه، ولهذا يُروَى عن النَّبِيِّ ﵊ في دُعَاء الريح: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا" (١).
ولكنْ مع ذلك تأتي هذه مَحَلَّ هذه، ويكون هناك قِرينَةٌ، ففي قَوْلِه تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، هذه في الشَّرِّ، وَقَوْله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] هذه في الخَيْرِ؛ لأنَّها وُصِفَت، وَقَوْله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] هذه في الخَيْرِ، وهنا تكون في الخَيْر أيضًا.
قَوْله تعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ تُثيرُ عَطْفُ المضارِعِ على الماضي، وكان مُقْتَضى النَّسَق أن يَعْطِفَ على الماضي ماضيًا مثله، فيقول: (والله الذي أرسل الرياح فأَثارَتْ)، لكن لماذا عَدَلَ عن الماضي إلى المضارع؟
بَيَّنَه المُفَسِّر ﵀ فقال: [﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ المضارعُ لحكايةِ الحالِ الماضِيَة]؛ يعني: عبَّرَ بالمضارعِ عن الماضي حكايةً للحال حين إرسالِها؛ لأنَّه أبْلَغُ في التَّصَوُّر، كأنَّها الآن أمامك وهي تُثيرُ هذا السَّحابَ، وهذا أَبْلَغُ في تصوُّر الإِنْسَان؛ لأنَّه يَسْتَحْضِر الحالَ الماضِية كأنَّها الآن؛ إذ إنَّ المضارِعَ - كما هو معلوم - يَصْلُحُ للحال والإستقبال،
стр. 69
ولكنه قد يَقْتَرِنْ به ما يُعَيِّنُه للحال، ويقترن به ما يُعَيِّنه للإستقبال، ويقترن به ما يُعَيِّنُه للماضي، إنَّما الأصل فيه أنَّه للحاضِرِ والمُسْتَقْبَل، ولا يكون للماضي إلا بِقَرينَةٍ، فعليه نقول: عُدِلَ عن التَّعْبيرِ بالماضي هنا لحكايَةِ الحالِ الماضِيَة حتى كأنَّك تُشَاهِدُها الآن وهي تُثيرُ هذا السَّحابَ.
قال المُفَسِّر ﵀ في مَعْنى ﴿فَتُثِيرُ﴾ قال: أي [تُزْعِجُه]، وهذا مَعْنى قد يُناقَشُ فيه؛ لأنَّ الإِزْعاجَ أَخَصُّ من الإثارة؛ لأنَّ الإثارَةَ بمَعْنى إنْهارِ الشَّيْءِ كما يقال: (أَثَرْتُ البَعيرَ)؛ أي: أنْهَضْتُه حتى صار قائِمًا بعد أن كان بارِكًا.
وَقَوْله تعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ كأنَّ هذا السَّحابَ في الأصل في الأَرْضِ، ثم أَثارَتْه هذه الرِّياحُ، ومعلومٌ أنَّ السَّحاب يكون من بُخارِ البَحْرِ، ويكون أحيانًا من الجَوِّ المُتَلَبِّد بالرطوبة حسبما تَقْتَضيه حِكْمَةُ الله ، وهذا أمرٌ يَرْجِعُ إلى مَعْرِفَة العلوم الطبيعيَّة.
قَوْله تعالى: ﴿سَحَابًا﴾ السَّحابُ هو هذا الغَيْم المعروفُ في الجَوِّ كما تشاهدونه؛ فلذلك سُمِّيَ سحابًا لانْسِحابِهِ في الجَوِّ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَسُقْنَاهُ﴾ فيه الْتِفاتٌ عن الغَيْبَة]؛ أي: إلى التَّكَلُّم، وفيه أيضًا التفاتٌ من المضارِعِ إلى الماضِي؛ ولذا قال: ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ عدل عن المضارِعِ إلى الماضي لاختلاف الفاعِلِ في الفِعْلَينِ؛ لأنَّ (تثير) الفاعِلُ فيها (الرِّياحُ)، و (سُقْناه) الفاعِلُ فيها (الله).
إذن: يَحْسُنُ أن تكون بِلَفْظِ الماضي عَطْفًا على قَوْله تعالى: ﴿أَرْسَلَ﴾ لأنَّ المُرْسِلَ هو الله، فلما اتَّحَدَ الفاعِلُ في الفِعْلَيْن (أرسل، وسُقْنا) كان الأَفْصَحُ أن يكونا جميعًا
стр. 70
بلَفْظِ الماضي، لكنْ فيه عدولٌ عن الغَيْبَةِ في قَوْله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ إلى التَّكَلُّم في قَوْله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ لماذا؟
الجواب: سبق أنَّ الإلتفاتَ له فائِدَةٌ دائِمَةٌ وهي التَّنْبيهُ؛ لأنَّ سياق الكَلَامِ على نَسَقٍ واحِدٍ يقتضي أنَّ الذِّهْنَ يَنْساقُ معه ولا يَتَوَقَّف، لكن إذا اختلف السِّيَاق يَقِفُ الذِّهْنُ، ويَنْظُر ما الذي حدث؟ وحينئذٍ يكون في تغييره تنبيهٌ للمُخاطَب؛ فهذا واحِدٌ.
لكن هنا أيضًا فيه فائِدَةٌ ثانِيَةٌ: وهي بيانُ قُدْرَة الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ أي: نحن، فأضافَهُ إلى نَفْسِه؛ لأنَّه أدَلُّ على القُدْرَة، فإذا اجتمع ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ ثم الله ساق هذا السَّحابَ الذي أَثارَتْه الرِّيحُ فهو أدَلُّ على القُدْرَة مِمَّا لو جاء على نَسَقٍ واحِدٍ.
قول المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ بالتَّشْديدِ والتَّخْفيفِ: لا نبات بها].
كَلِمَةُ ﴿مَيِّتٍ﴾ فيها قراءتان، ﴿مَيِّتٍ﴾ و (مَيْتٍ) وقد قيل: إن (المَيْتَ) لمِنْ مات بالفِعْل، والمَيِّت لمن سَيموتُ، وجعلوا على ذلك شاهدًا في قَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]؛ أي: ستموت، وَقَوْله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] فـ ﴿مَيْتًا﴾ هنا لمن قد مات، هكذا فرَّقَ بعضهم.
والظَّاهِر أنَّ اللُّغَة العَرَبِيَّة تأتي بالوَجْهَيْنِ على المَعْنَيَيْنِ، ومنه هذه الآيَةُ، فـ ﴿مَيِّتٍ﴾ هنا هل معناها: سيموتُ، أو المَعْنى: قد مات بالفِعْل؟
الجواب: قد مات، ومع هذا جاءت بالتَّشْديدِ.
стр. 71
قول المُفَسِّر ﵀: [لا نبات بها] وهذا هو مَوْتُ البَلَدِ، والمُرَاد بالبَلَدِ هنا ليس المَسْكونَ من الأَرْضِ، بل ما هو أَعَمُّ، فيَشْمَلُ المَسْكونَ وغيْرَ المَسْكونِ، وتَخْصيصُ البَلَدِ بالمسكونِ تَخْصيصٌ عُرْفِيٌّ، وإلا فإنَّ كُلَّ الأَرْض بلد لانْبِلادها وتَسَطُّحها؛ ولهذا يقول الله : ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ أحيينا به، سُقْناه فأَحْيَيناه، هنا الأفعال والضَّمائِرُ على نسقٍ واحد.
قَوْله: [﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ من البلد]: [من البلد]؛ يعني: أَرْضَ البَلَد هذه التي كانت مَيِّتَةً أحياها الله ؛ أحياها بالنبات؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يُبْسِها؛ أي: أَنْبَتْنا به الزَّرْعَ والكَلَأ] وهذا أمرٌ مُشاهَدٌ، تأتي الأَرْض يابِسَةً هامِدةً عيدان تَتَكَسَّر فيُنْزِلُ الله المَطَر عليها، ثم تَهْتَزُّ خَضْراءَ فيها من كلِّ زوجٍ بَهيجٍ، فمن الذي أحياها؟
الله ، لا يَسْتَطِيعُ الخَلْقُ أن يُحْيُوها أبدًا مهما كان، حتى الكَلَأ الذي يُنْبَتُ بالمَطَرِ لا يُنْبِتُه الماء الجاري كما هو مُشاهَدٌ؛ يعني: لو تَسْقي هذه الأَرْضَ مهما سَقَيْتَها بالماءِ الجاري فإنَّ الكَلَأَ الذي يَنْبُت من المَطَر لا يُنْبَت بهذا الماء.
إذن: فالله هو الذي أحيا هذه الأَرْضَ بعد مَوْتِها؛ أي: بعد أن كانتْ يابِسَةً هامِدَةً ليس بها نباتٌ، أحياها الله بقُدْرَته.
قَوْله: [﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: البَعْثُ والإِحياءُ]
﴿كَذَلِكَ﴾ الكافُ هنا اسْم بمَعْنى: (مثل)، وهي خبرٌ مُقَدَّمٌ و ﴿النُّشُورُ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ؛ أي: النُّشُورُ مثل ذلك، ويجوز أن تقول: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكافُ حرفُ جَرٍّ، ليست اسمًا بمَعْنى: (مثل) وتجعلها جارًّا ومَجْرورًا خبرًا مقدَّمًا، و ﴿النُّشُورُ﴾: مُبْتَدَأً
стр. 72
مُؤَخَّرًا، والتَّقْدير: (النُّشُورُ كائنٌ كذلك)، و ﴿النُّشُورُ﴾ هو نَشْرُ الأَمْواتِ على وَجْهِ الأَرْضِ وإِحْياؤُهُم بعد أن كانوا أمواتًا.
والتَّشْبيهُ هنا هل هو تشبيهٌ للسَّبَبِ والنَّتيجَةِ أو للنَّتيجَةِ فقط؛ أي: هل المَعْنى أنَّ النُّشُور الذي يكون للأَمْواتِ يكون بِواسِطَةِ ماءٍ يُنْزِلُه الله فَتَنْبُتُ هذه الأَجْسامُ ثم تَحْيا، أو أنَّ التَّشْبيهَ للنَّتِيجَةِ فقط؛ أي إِنَّ إحياءَ الموتى كإحياءِ الأَرْضِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عن السَّبَب؟
الجوابُ: الأوَّلُ؛ لأنَّه وَرَدَ عن النَّبِيِّ ﵊ أنَّ الله تعالى يُرْسِلُ على الأَرْض مِن تَحْتِ العَرْشِ مطرًا غَليظًا حتى يَصِلَ إلى الأَجْسامِ فتَنْبُتُ في القُبُورِ كما تَنْبُتُ الحَبَّةُ في الأَرْضِ، وإذا تكامَلَتِ الأَجْسامُ نُفِخَ في الصُّورِ، فخَرَجَتِ الأَرْواحُ إلى أَجْسامِها (١)، وعلى هذا فيكون التَّشْبيهُ هنا عائدًا إلى السَّبَب والنَّتيجَة أيضًا، هذا هو المشهور عند أَهْلِ العِلْمِ ﵏.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ قُدْرَة الله في إِرْسالِ هذه الرِّياحِ اللَّطيفَةِ التي تَحْمِل أو تُثيرُ هذا السَّحابَ الثَّقيلَ، قال الله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإثباتَ بالأَسْبابِ وأنَّ المسبَّباتِ مربوطةٌ بأَسْبابِها لِقَوْله تعالى: ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ﴾ فإنَّ الفاء هنا للسَّبَبِيَّة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه يَنْبَغي في الأُمُور الهامَّة أن يُصاغَ الماضي بِصيغَةِ الحاضِرِ
стр. 73
استحضارًا له في الذِّهْنِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ فإنَّ تَصْويرَ الماضي بِصيغَة الحاضِرِ لا شَكَّ أنَّه يَحُثُّ الإِنْسَانَ إلى تَصَوُّرِه أكثَرَ من الشَّيْء الماضي.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ هذا السَّحابَ يَجْري بأَمْرِ الله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هذا السَّحابَ له شعورٌ؛ يعني: معناه يَعْدُو ويَجْري، وهذا يُمْكِنُ أن يُؤْخَذُ من قَوْله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ أي: كما يُساقُ البَعيرُ، وعلى هذا جاء الحديثُ الصَّحيحُ في قِصَّةِ الرَّجُلِ الذي سَمِعَ صوتًا في سحابَةٍ: "اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ" (١)، فإنَّ تَوْجيهَ الأَمْرِ إليه يدُلُّ على أنَّه ذو شُعورٍ، ولا شَكَّ أنَّ جَميعَ الكائناتِ بالنِّسْبَةِ لأمر الله أنَّها ذاتُ شعور، قال الله تعالى في الأَرْض والسَّماء: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بيان قُدْرَةِ الله بإحياءِ الأَرْض بعد مَوْتِها؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: صِحَّةُ وَصْفِ الأَرْض بالحياةِ والمَوْتِ مع أنَّها لَيْسَت من الحيواناتِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الرَّدُّ على أَهْل الكَلَام الذين يقولون: إنَّه لا يُوصَفُ بالحياةِ والمَوْت شَيْءٌ من الجَماداتِ؛ لأنَّه هنا أَثْبَتَ الحياةَ والمَوْتَ للأَرْض وهي من الجماداتِ، وقال تعالى في الأَصْنَام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١].
стр. 74
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بَيَانُ قُدْرَة الله بإحياء الأَرْض بعد موتها؛ فإنَّ هذه الأَرْضَ التي كانت يابِسَةً هامِدةً تعود فتَهْتَزُّ خُضْرَةً وازدهارًا؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ فأضاف الإحياء إلى نَفْسِه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثْباتُ الأَسْبابِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ فإنَّ الباءَ هنا للسَّبَبِيَّة.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جواز إضافَةِ الشَّيْء إلى سَبَبِه المَعْلومِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾.
وإضافَةُ الشَّيْءِ إلى سَبَبِه المعلومِ أمرٌ واقِعٌ في القُرْآن وفي السُّنَّة؛ بمَعْنى: أنَّه لا يُشْتَرَطُ أن تَقْرِنَ معه الله ، فاذا أَضَفْتَ الشَّيْءَ إلى سَبَبِه المعلوم - وإن لم تكن تَقْرِنُ الله به - فلا بأسَ، لكِنَّ المحرَّمَ أن يُضافَ إلى سببٍ غَيْرِ مَعْلومٍ لا شرعًا ولا حِسًّا، أو أن يضاف إلى سَبَبِه المعلومِ مَقْرونًا مع الله بِحَرْفٍ يقتضي التَّسْوِيَة.
فمثلًا: إضافَةُ الشِّفاءِ إلى التَّمائِمِ والحِلَقِ والخُيُوطِ، وما أشبهها، هذا لا يجوز؛ لأنَّ هذا السَّبَبَ غَيْرُ معلوم فلا يَصِحُّ، وإضافَةُ تَلْيينِ البَطْنِ إلى العَقَّارِ الذي تَناوَلْتَه حتى لَيَّنَ بَطْنَكَ صَحيحٌ؛ لأنَّه سببٌ معلومٌ بالحِسِّ، وإضافَةُ الشِّفاءِ إلى قِراءَة الفاتِحَةِ جائِزٌ؛ لأنَّه سَبَبٌ معلومٌ بالحِسِّ وبالشَّرْعِ؛ "وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ" (١).
فالمَحْظُور إذن أن يُضافَ الشَّيْءُ إلى غَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ أو حِسِّيٍّ، أو أن يضافَ إلى سبب شَرْعِيٍّ أو حِسِّيٍّ مقرونًا مع الله بِحرْفٍ يقتضي التَّسْوِيَة؛ مثل: (لولا الله وكذا) فإن هذا لا يجوز؛ لأنَّه من الشِّرْك؛ حيث قَرَنَ الله مع غَيْره بالواوِ التي تَقْتَضي
стр. 75
التَّسْوِيَةَ، ولكن قل: (لولا اللهُ ثم كذا).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ صِحَّةِ القياسِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ وإثباتُ القياسِ كثيرٌ في القُرْآن، فكُلُّ مَثَلٍ ضَرَبَه الله فهو دليلٌ على القياسِ؛ فكُلُّ مَثَلٍ سواء للدنيا أو للإِنْسَان أو للأوثان أو لأي شَيْء، فإنَّه دليلٌ على ثبوتِ القياسِ وصِحَّتِه؛ لأنَّ المقصودَ بالمَثَلِ قياسُ المَضْروبِ بالمَضْروب فيه، وهذا هو القياسُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الإشارَةُ إلى أنَّ إحياءَ المَوْتى كإحياءِ الأَرْضِ بعد مَوْتِها؛ أي: كما جاء في الآثارِ أنَّ المَطَر يَنْزِل على الأَرْضِ كمَنِيِّ الرِّجالِ، يبقى أربعينَ يومًا تَنْبُت منه الأجسامُ، ثم بعد ذلك يُنْفَخُ في الصّور، فتعودُ الأَرْواحُ إلى أجسامِهَا.
* * *