← Тафсир

Тафсир · id 151156

تفسير العثيمين: فاطر

ابن عثيمين

Полный текст (321 стр.). Показаны 316–321 · переход к 321.

стр. 316

العَدْلِ، ولكن لأنَّه لا يَقْبَلُ كَلِمَةَ ظُلْمٍ، فنَفْيُها عنه كثُبُوتِها له، حتى لو قلتَ: جِدارُنا يَظْلِمُ، فلا أَحَد يُصَدِّقُكَ. إذن: فصِفاتُ الله المَنْفِيَّة التي يُسَمِّيها العُلَماءُ ﵏ السَّلْبِيَّةَ تَتَضَمَّنُ كمال الضِّدِّ، يعني لكمال عِلْمِه وقُدْرَتِهِ، فلا يُعْجِزُه شَيْءٌ في السَّمَوات ولا في الأَرْضِ. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إِثْباتُ أنَّ السَّمَواتِ أَكْثَرُ من واحِدَةٍ؛ لأنَّها جاءت بصيغة الجَمْعِ: السَّمَوات، وهي سَبْعٌ بنَصِّ القُرْآنِ والسُّنَّة؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥]، والسُّنَّةُ كذلك ظاهِرةٌ في أنَّ السَّمَواتِ سَبْعٌ، كقول النَّبِيِّ ﵊: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَواتِ السَّبْعِ ومَا أَظْلَلْنَ" (١). الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثْباتُ اثنينِ مِنْ أَسْماءِ اللهِ؛ وهما العليم والقديرُ، وما تَضَمَّناه من صِفَةٍ أو حُكمٍ من صِفةٍ وهي العِلم والقُدْرَةُ، أو صِفَةٌ أو حُكمٌ وهو: أنَّه يَعْلم وَيقْدِرُ على كُلِّ شَيْء. * * *

стр. 317

الآية (٤٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]. * * * (لو) هذه شَرْطِيَّةٌ، و (لو) تأتي شَرْطِيَّةً كما هنا، وتأتي للتَّمَنِّي مثل قَوْله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، وتقول مثلًا: لو كان لي مِثْلَ مالِ فلانٍ، يعني أتمنى أن يكون لي مثل مال فلان، فتأتي شَرْطِيَّة وتأتي للتَّمَنِّي، وتأتي أيضًا مَصْدَرِيَّة بمَعْنى (أنْ). فهنا هي شَرْطِيَّة، وإذا كانت شَرْطِيَّةً، فإما أن يكون جوابُها مثبتًا وإمَّا أن يكون مَنْفِيًّا، فإن كان مُثْبَتًا فالأكْثَرُ فيه إثباتُ اللَّام، وإن كان مَنْفِيًّا فالأكْثَرُ فيه حذف اللام. مثال ذلك في الإثبات: قَوْله : ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقِعة: ٦٥] الجواب: ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾ وفيه اللامُ، وقال تعالى في نفس السُّورَة: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقِعة: ٧٠] الجواب: ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ وحُذِفَتْ منها اللام. أما إذا كان جوابُها منفيًّا بـ (ما) فإنَّ الأكثر عدم اقتران (ما) باللَّامِ فتقول مثلًا: لو جاءني ما أَهَنْتُه، وهنا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا

стр. 318

تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. وقد تقترن اللَّام بـ (ما) لَكِنَّها قليلةٌ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: وَلَو نُعْطَى الْخِيَارَ لمَا افْتَرَقْنَا (١) ... ........................... والأَكْثَرُ (ما افْتَرَقْنا). يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. قَوْله تعالى: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ أي يعاقِبُ، والمؤاخَذَةُ بالذَّنْبِ العُقوبَةُ عليه. وَقَوْله تعالى: ﴿النَّاسَ﴾ عامٌّ يَشْمَلُ الكُفَّارَ ويَشْمَلُ العُصاةَ من المُؤْمِنين. وَقَوْله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾: (ما) يجوز أن تكون مَصْدَرِيَّةً؛ أي بِكَسْبِهم، ويجوز أن تكون مَوْصولةً، فإذا كانت مَوْصولَةً فلا بُدَّ من تَقْدير العائِدِ، وتَقْديره: بما كَسَبوهُ. وَقَوْله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بما اكْتَسَبوا من المعاصي، وسَمَّى الله تعالى المعاصيَ كَسْبًا؛ لأنَّ العامِلَ ينالُ جَزاءَها، فكأنَّه كَسَبَ هذا الجزاء، مع أنَّه كَسْبٌ خاسِرٌ؛ ولهذا إذا اقْتَرَنَ مع العَمَلِ الصَّالِحِ أتى بغير هذا اللَّفْظِ؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ففرَّقَ بينهما. أما إذا أُفْرِد أحدهما عن الآخَرِ فيصِحُّ الكَسْبُ في الخَيْراتِ وفي السَّيِّئاتِ.

стр. 319

وَقَوْله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ أي الأَرْضِ؛ قال المُفَسِّر ﵀: [أي الأَرْضِ] وأعاد الضَّميرَ على غَيْر مذكورٍ، قال بعضهم: إنَّه أعاده على مذكورٍ، وهو قَوْله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، والكَلَام كُلُّه في سياق واحِدٍ، في سياق العاصينَ ومآلهِم وعُقُوبَتِهِم، فالكَلَامُ نَسَقٌ واحِدٌ فالأَرْض إذن: مذكورة. وقال بعضهم: هي غَيْر مذكورة، لَكِنَّها معلومَةٌ من السِّيَاقِ لأنَّ الدَّوابَّ إنَّما هم على ظَهْرِ الأَرْضِ، فمَعْلومَةٌ من السِّيَاق، وما عُلِمَ من السِّيَاقِ فإنَّه لا يَحْتاجُ إلى مَرْجِعٍ مذكورٍ؛ ألم تَرَ إلى قَوْله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] فَقَوْله تعالى: ﴿تَوَارَتْ﴾ أي: الشَّمْسُ، مع أنَّه لم يَسْبِقْ لها ذِكر، لَكِنَّها معلومَةٌ فإنَّها هي التي تتوارى بالحِجابِ. وَقَوْله ﵀: [﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ نَسَمَة تَدِبُّ عليها] ﴿مِنْ﴾ حرف جَرٍّ (زائدٍ زائد)؛ لأنَّها جاءَتْ بعدَ النَّفْي: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: ما ترك عليها دابَّةً لَكِنَّها دخلت عليها ﴿مِنْ﴾ لتُؤَكِّدَ العُمومَ؛ وقال المُفَسِّر ﵀: [نَسَمَةً تَدِبُّ عليها] النَّسَمَة هي كل ذاتٍ تَتَنفَّسُ، لأنَّها مَأْخوذة من النَّسَم وهو التَّنَفُّس وكل شَيْء فيه رُوحٌ فإنَّه يتَنَفَّس. والمَعْنى: لَهَلَكَ كُلُّ شَيْءٍ على الأَرْض؛ أمَّا البَشَرُ العاصون فهَلاكُهُم واضِحٌ، وأمَّا غَيْرُهُم فبِشُؤْمِ الأَوْساط تَمُوتُ هذه الدَّوابُّ، إمَّا بأن يَمْنَعَ اللهُ المَطَرَ والنَّباتَ فتموتُ هذه الدَّوابُّ؛ لأنَّها لا تجد عَيْشًا أو أنَّها تموت بأوْبِئَةٍ تَجْتاحُها بسبب أعمالِ النَّاسِ. وقال ﵀: [﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: يَوْم القِيامَةِ].

стр. 320

﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: النَّاسَ، والفاعِلُ هو الله، ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ أي: مُدَّةٍ ﴿مُسَمًّى﴾ مُعَيَّنٍ، وهو يومُ القِيامَة، كما قال الله ﵎ في سورة هود: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٤] أي: أَجَلٍ مُسَمًّى مُعَيَّنٍ عند الله ﵎، ولا يَعْلَمُ هذا الأَجَلَ إلا اللهُ؛ فإنَّ عِلْمَ السَّاعَةِ لا يكون إلا لله ؛ وقد حجز عنه أَعْلَمَ البَشَرِ وأَعْلَم المَلائِكَة حين سأل جبريلَ النَّبِيُّ ﷺ عن السَّاعَةِ قال: "مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" (١). والأَجَلُ المُسَمَّى لا بُدَّ أن يَجيءَ، فكُلُّ شَيْءٍ مُسَمَّى فهو قريبٌ، لكنَّ الأَجَلَ المُبْهَم هو الذي يَنْتَظِرُه الإِنْسَانُ إلى أن يَحْصُل، أمَّا المُسَمَّى فلا بُدَّ أن يُوصَلَ إليه. وَقَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني: انْتَهَتِ المُدَّة وصار يومُ القِيامَة، سواء كانَتِ القِيامَةُ الكُبْرَى أو القِيامَة الصغرى، فالقِيامَةُ الكُبْرَى العامَّةُ لجميعِ النَّاسِ، والصُّغْرى مَوْتُ كُلِّ إِنْسَانٍ. وَقَوْله ﵀: [﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ فيجازيهم على أَعْمالهِم بإثابَةِ المُؤْمِنينَ وعِقابِ الكافرينَ]. جُمْلَة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ جوابُ شَرْطِ قَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾. فإذا قال قائِلٌ: ما وَجْهُ ارتباطِ الجوابِ بالشَّرْطِ في قَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ يعني قد تَتَوَقَّعُ: فإذا جاء أجلهم عاقَبَهُم الله؟ فيقال: إنَّ قَوْله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ أَبْلَغُ من: (فإذا جاء

стр. 321

أَجَلُهُم عاقَبَهُمُ اللهُ)؛ لأنَّ مِن هؤلاء مَن قد يَعْفو الله عنهم فلا يُعاقِبُهُم، ولَكِنَّه ذكَر أنَّه بصيرٌ بأعمالهِم يُجازيهِم عَليها، وإن شاء ألَّا يعاقِبَهُم فعَل فِيمَن يَسْتَحِقُّ العَفْوَ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: سَعَةُ حِلْمِ الله ، وَجْهُهُ: أنَّه لو يُؤَاخِذُهُم بما كسبوا ما ترك عليها من دابَّةٍ، ولكن يَحْلُم ويُمْهِلُ؛ لَعَلَّ النَّاسَ يتوبونَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تمامُ قُدْرَةِ الله تعالى؛ حيثُ يَقْدِرُ على إهلاك العالَمِ بِلَحْظَةٍ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيانُ شُؤْمِ المعاصي وأنَّها قد تَعُمُّ العاصِيَ وغيْرَه، بل المُكَلَّف وغَيْر المُكَلَّف، وإلا فهذه الدَّوابُّ التي هي أكْثَرُ بكثير من البَشَرِ ومن الجِنِّ ما ذَنْبُها وهي غَيْرُ مُكَلَّفَة؟ لكن هذا مِنْ شُؤْمِ المعاصي وأنَّها تَشْمَلُ حتى من ليس بِمُكَلَّفٍ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّدُّ على الجَبْرِيَّة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ فأَثْبَتَ لِلْعَبْدِ كسبًا، والجَبْرِيَّةُ يقولون إنَّ الإِنْسَانَ مُجْبَرٌ على العَمَلِ لا يَسْتَطِيعُ أن يَكْتَسِبَ، بل يُجْبَرُ على أن يَعْمَلَ خَيْرًا أو شَرًّا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إِثْباتُ حِكْمَةِ الله في مجُازاةِ العاملينَ بِعَمَلِهِم؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ولكن لحِلْمِه يُؤَخِّرُهم إلى أجلٍ مُسَمًّى. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّه مهما حَلَّ بالبَشَرِ من عُقُوبَةٍ مُدَمِّرَةٍ أو مُنَغِّصَةٍ، فإنَّما ذلك بما كَسَبَتْ أَيدِيهِمْ. * * *