← Тафсир

Тафсир · id 151156

تفسير العثيمين: فاطر

ابن عثيمين

Полный текст (321 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

- أي يَجِبُ - أن يكون الإِنْسَانُ فَطِنًا كَيِّسًا حازِمًا؛ كما يُرْوَى عن النَّبِيِّ ﵊: "الكَيِّسُ من دانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَواهَا وتَمَنَّى على اللهِ الأَمَانِيَّ" (١) فالوعود التي يُوعَدُ بها الإِنْسَانُ من قِبَلِ الظَّالمينَ أو من قِبَل نَفْسِه إذا كانت مخُالِفَة للشَّرْع؛ فما هي إلا غرورٌ وباطِلٌ، فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ منه. * * *

стр. 282

الآية (٤١) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]. * * * ثم قال ﵎ مُبَيِّنًا تمامَ قُدْرَتِهِ ومِنَّتِهِ على عبادِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أي: يَمْنَعُهُمَا من الزَّوَالِ]. قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الإمساكُ بمَعْنى القَبْضِ على الشَّيْء والتَّمَكُّن منه، وفَسَّره المُفَسِّر ﵀ بالمَنْعِ وهو لازِمٌ للإِمْساكِ. وَقَوْله تعالى: ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ أنْ هذه مَصْدَرِيَّة حُذِفَ منها حرف الجَرِّ؛ لأنَّه يَطَّرِدُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مع (أنَّ) و (أنْ) إذا أُمِنَ اللَّبْسُ، وهنا اللَّبْس مأمون، وإذا كان الكَلَام على تَقْديرِ (مِن) فَحَوِّلْ (أنْ) وما دَخَلَتْ عليها إلى مَصْدَرٍ يَكُنْ سَبْكَ الكَلَام: إنَّ الله يُمْسِكُ السَّمَواتِ والأَرْضَ مِنَ الزَّوَالِ. وَقَوْله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تَرِدُ هذه العِبارَة كثيرًا في القُرْآن، وهي جَمْعُ السَّمَواتِ وإفْرَادُ الأَرْضِ، ولم تَأْتِ الأَرْضُ مَجْموعَةً في القُرْآنِ بِلَفْظِها، ولكن جاءت بِلَفْظٍ يدلُّ على التَّعَدُّدِ، وهو قَوْله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فإنَّ المِثْلِيَّة هنا تتعَيَّن أن تكون في العَدَدِ؛ لأنَّه لا يُمْكِن أن تكون الأَرْضُ

стр. 283

مِثْلَ السَّمَواتِ في الحَجْمِ ولا مِثْلَها في الصِّفَة، وإذا امتنع أن تكون مُماثِلَة للسَّماء في الحجم وفي الصِّفَة تعيَّنَ أن تكون مُماثِلَة للسَّماء في العدد. والسُّنَّة جاءتْ باللَّفْظِ الصَّريحِ مِنْ أنَّ الأَرَضينَ سَبْعٌ؛ كما في قَوْلِه ﷺ : "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (١). وَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [لام قسم] اللَّامُ لامُ القَسَمِ و (إن) شَرْطِيَّةٌ و ﴿زَالَتَا﴾ الفِعْلُ هنا فِعْلُ الشَّرْطِ، و ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ الجُمْلَةُ جوابُ الشَّرْطِ و ﴿إِنْ﴾ هنا يقول المُفَسِّر ﵀: [ما] أي تكونُ نافِيَةً ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يُمْسِكهُما] إِشَارَةً إلى أن ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ فعل ماضٍ لَكِنَّه بمَعْنى المضارِعِ، لأنَّه وقع جوابًا للشَّرْطِ، ومعلومٌ أنَّ جواب الشَّرْط يكونُ للمُسْتَقْبَلِ ولا يكون للماضي؛ لأنَّه لا يكون إلا بعد تحَقُّقِ الشَّرْطِ، وتحَقُّقُ الشَّرْطِ أمرٌ مُسْتَقْبَل. وَقَوْله تعالى: ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾: (من) هذه زائِدَةٌ زائِدَة؛ زائِدَةٌ في الإِعْرابِ ولَكِنَّها تزيدُ في المَعْنى. و(زائِدَةٌ) اسْمُ فاعِلٍ من زاد يزيدُ، ونحن نعرف أنَّ زاد يأتي مُتَعَدِّيًا ويأتي لازمًا، فإذا قلت: زاد الشَّيْءُ؛ يعني: ارْتَفَعَ وكَثُرَ، وما أشبه ذلك، فهي لازمة، وإذا قلت زِدْتُه خَيْرًا صارت مُتَعَدِّيَة؛ لهذا نقول: هي زائِدَةٌ زائِدَة؛ ولهذا يقول بعضُ النَّاسِ - إذا رأى هذا الكَلَام -: هذا تناقُضٌ كيف يكون الشَّيْءُ (زائدًا زائدًا)؟ !

стр. 284

ونقول: (مِنْ) زائِدَة إِعْرابًا زائِدَةٌ مَعْنى؛ فتزيد في المَعْنى وهو تأكيدُ النَّفْي. وَقَوْله تعالى: ﴿أَحَدٍ﴾ فاعِلُ أَمْسَكَ مَرْفوعٌ بضَمَّة مُقَدَّرَةٍ على آخره منع من ظهورِهَا اشْتِغالُ المَحَلِّ بحَرَكَةِ حَرْفِ الجَرِّ الزَّائِدِ. والمَعْنى: لَئِنْ قُدِّرَ أن تزولَ السَّمَواتُ والأَرْضُ فإنَّه لا أَحَد يَسْتَطِيعُ أن يُمْسِكَهُما سوى اللهِ وهو كذلك؛ وهذا هو الواقِع، بل لو زال ما دون السَّمَواتِ والأَرْضِ من النجومِ والكواكبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ ما استطاع أَحَدٌ أن يُمْسِكَه سوى اللهِ ، بل لا يَسْتَطِيع أَحَدٌ أن يَصْرِفَ شيئًا من هذه الكواكِبِ أو النُّجُومِ أو الشَّمْسِ أو القَمَرِ؛ أن يصرفه عن جِهَةِ سَيْرِه إلا اللهُ ، ولا أن يَمْنَعَه مِن سَيْرِه إلا اللهُ . قال في الإِعْراب هنا: قلنا إن اللام في (لَئِنْ) لامُ القَسَمِ و (إن) شَرْطِيَّة و (إن أَمْسَكَهُما) جوابُ القسم؛ لأنَّ لدينا قاعِدَةً: إذا اجتمع الشَّرْطُ والقَسَمُ حُذِفَ جوابُ المُتَأَخِّرِ منهما، قال ابن مالك ﵀ مُقَرِّرًا هذه القاعِدَة: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوُ مُلْتَزَمْ (١) إذن: فالمُؤَخَّر هنا الشَّرْطُ، فيكون جوابه هو المَحْذُوفَ؛ دَلَّ عليه جوابُ القَسَمِ. يقول ﵀: [﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي في تأخير عقابِ الكُفَّار]. قَوْله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ هذه الجُمْلَة مناسَبَتُها لما قبلها أنَّها تعليلٌ لما قبلها، فارتباطُها به ارتباطُ العِلَّة بالمَعْلولِ؛ يعني أنَّه في إمساكِهِ للسَّموات والأَرْض كان

стр. 285

حليمًا غفورًا، ولولا حِلْمُه ومَغْفِرَتُه لزالت السَّمَواتُ والأَرْضُ وهَلَكَ من فيهما. و(الحليمُ) اسمٌ من أَسْماء الله، ومعناه ذو الحِلْم، والحِلمُ هو تأخير العقوبة عن مُسْتَحِقِّها، تأخيرُ عُقُوبةٍ وليس تركَ عقوبةٍ؛ لأنَّ تَركَ العُقُوبَة عَفْوٌ، ولكنَّ تأخيرَ العُقُوبَة عن المُسيءِ يُسَمَّى هذا حِلْمًا؛ قال ابن القيم ﵀: فَهُوَ الحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ... بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيانِ (١) فبِحِلْمِه تتأَخَّرُ العقوبات؛ لعلَّ النَّاس يتوبون إلى الله . وَقَوْله تعالى: ﴿غَفُورًا﴾ هذا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويمحو أَثَرَهُ بالكُلِّيَّة، وسبق لنا: أنَّ المَغْفِرَة هي سِتْرُ الذَّنْب والتَّجاوُزُ عنه؛ وذلك لأنَّها مَأْخوذَةٌ من المِغْفَر الذي يُغَطِّي الرأس ويَقيهِ السِّهامَ، وليست - كما قيل - مُجَرَّدَ السِّتْرِ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ السِّتْرِ لا تَحْصُلُ به الوِقايَة، بل لا بُدَّ مع السِّتْر من الوِقايَةِ. ويدل لهذا المَعْنى قَوْلُه لِعَبْدِه إذا خلا به وقَرَّرَهُ بِذُنوبِهِ يقول: "كُنْتُ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ" (٢)؛ فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّ السِّتْرَ غَيْرُ المَغْفِرَة، وأنَّ المَغْفِرَة لا بُدَّ فيها مِنْ عَدَمِ المُؤاخِذَةِ وعَدَمِ العُقُوبَةِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ قُدْرَةِ الله على إِمْساكِ السَّمَواتِ والأَرْضِ فهذه الأَجْرامُ العَظيمَة أَمْسَكَها الله تعالى بقُدْرَته بدون معاناةٍ وبدون تَعَبٍ وإنَّما يقولُ

стр. 286

للشَّيْء: (كن) فيكونُ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] , قال الله تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصِّلَت: ١١]. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ رَحْمَة الله بعباده؛ حيث سخَّر لَهُم السَّمَوات والأَرْض - بل سَخَّرَ لهم ما في السَّمَواتِ والأَرْضِ أيضًا - وهذا من كمال رَحْمَتِه، فلولا رَحْمَةُ الله بعباده لوَقَعَتِ السَّمَواتُ على الأَرْض وهَلَكَ النَّاسُ وما تَرَكَ عليها من دابَّةٍ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ السَّمَواتِ والأَرْضَ مَخْلوقتانِ من جُمْلَة المَخْلوقاتِ، مُسَخَّرتانِ بأَمْرِ الله؛ ففيه ردٌّ على الفلاسِفَة الذين يقولون بقِدَمِ العالَمِ وقِدَمِ الأَفْلاكِ وأنَّ الفَلَكَ التَّاسِعَ - كما يزعمون - هو المُدَبِّرُ لما تحته! ! بل نقول: هذه الأَفْلاكُ كُلُّها مَخْلوقَةٌ لله مُسَخَّرَةٌ بِأَمْرِه، ولو شاء الله أن تَزولَ لَزالَتْ ولم يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أن يُمْسِكَها؛ وجه الفائِدَة: أنَّها مَخْلوقَةٌ من مَخْلوقات الله فليست قديمَةً، فإنَّ إِمْساكَهَا دَليلٌ على أنَّها قائمةٌ بِأَمْرِهِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه لا أَحَد يَسْتَطِيعُ أن يُدَبِّرَ هذه المَخْلوقاتِ العَظيمَةَ الكبيرةَ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: توجيه الخَلْقِ أنَّهم إذا رأوا في هذه الآياتِ؛ السَّمَواتِ والأَرْضِ، إذا رَأَوْا ما يُزْعِجُهم ويُقْلِقُهم ألَّا يَرْجِعوا إلى أَحَدٍ إلا إلى الله . فالزَّلازِلُ والبَراكينُ والكسوفُ والصَّواعِقُ وغَيْرُها مِمَّا يُخَوِّفُ العالَم لا نرجع فيه إلا إلى الله؛ لأَنَّه هو الذي يُمْسِكُ السَّمَواتِ والأَرْضَ أن تزولا، ولا أَحَد يُمْسِكُهُما إذا زالتا إلا اللهُ.

стр. 287

ولكن كيف نلجأ إلى الله في هذه الأُمُور؛ هل نلجأ إليه بالصِّفَة التي أَرْشَدَنا إليها النَّبِيُّ ﵊ في صلاة الكسوف؟ أو نلجأ إلى الله تعالى بالصِّفَة التي أَرْشَدَنا إليها النَّبِيُّ ﵊ في صلاة الكُسُوفِ فقط وما عداه فإننا نلجأ إلى الله تعالى بالدُّعَاء المُطْلَق؟ هذا مَحَلُّ خلافٍ بين العُلَماء ﵏؛ فمنهم من قال إنَّه إذا وُجِدَتْ آياتٌ أُفُقِيَّة تُخيفُ العبادَ فإنَّه يُشْرَعُ للعباد أن يُصَلُّوا صلاة الكُسُوفِ حتى يَذْهَبَ ما بهم. فالذين قالوا بالأَوَّلِ؛ أنَّه يُصَلَّى لِكُلِّ آيَةٍ تُخَوِّفُ العبادَ، اسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا - يَعْنِي كاسِفَتَيْنِ - فَصَلُّوا وادْعُوا ... " (١) إلخ. قالوا: وتخويفُ العبادِ بالصَّواعِقِ والزَّلازِلِ أَشَدُّ وَقْعًا في نُفُوسِهِم من الكُسُوفِ، فإذا شُرِعَتِ الصَّلاةُ للكُسُوفِ فَمْشُروعِيَّتُها لهذه الآياتِ من بابِ أولى. وهذا اختيارُ شَيْخِ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ (٢) ﵀، واسْتَدَلَّ بفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ حين صلَّى صلاةَ الكُسوفِ في زَلْزَلَةٍ (٣). ولكنْ في المذهب (٤) يقولونَ: إنَّه لا تُصَلَّى صلاةُ الكُسوفِ إلا لِكُسوفٍ أو للزلزلة؛ احتجاجًا بفِعْلِ ابْنِ عباس ﵄.

стр. 288

ولكنَّ الصَّوابَ ما اختاره شيخُ الإِسْلام ابْنُ تَيْمِيَةَ ﵀؛ فإنَّ هذا الذي ذهب إليه يدلُّ عليه التَّعْليلُ في الحديث: "آيتانِ مِنْ آياتِ الله يُخَوِّفُ الله بهما عِبادَهُ". الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إِثْباتُ العِلَّة والسَّبَبِ في أفعال الله ، لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. وإثبات العِلَلِ في أفعال الله أو في أَحْكَامه يدُلُّ على كماله لا على نَقْصِه خلافًا للنَّاقِصِينَ الذين زَعَمُوا أنَّ إِثْباتَ الحِكْمَةِ فِي أَفْعالِ الله تعالى وأَحْكَامه تدلُّ على النقص؛ ولهذا نَفَوُا الحِكْمَةَ عن أفعال الله وأَحْكَامِهِ؛ يقولون: لأنَّ ذلك يَقْتَضي النَّقْص وأَنَّه فَعَلَ لِغَرَضٍ أو حَكَمَ لِغَرَضٍ، والفاعِلُ لِغَرَضٍ ناقصٌ بدونه، وعلى هذا فيكون نَفْيُ الحِكْمَة عن أفعال الله وأَحْكَامه مِن تَنْزِيهِ الله تعالى عَنِ النَّقْصِ! وفي الحَقيقة: أنَّ أيَّ إِنْسَانٍ يَعْتَقِدُ أن إثباتَ الحِكْمَةِ في أفعال الله تعالى وأَحْكَامِهِ نَقْصٌ فهو النَّاقِصُ، حتى إنَّ الإِنْسَان بمُجَرَّدِ ما يتأمَّل في المَسْأَلَة يَعْرِف أنَّ مَنْ فَعَلَ لِغَيْرِ حِكْمَة فقد أتى سَفَهًا، ومن فَعَلَ لحِكْمَةٍ فقد أتى رُشْدًا؛ لأنَّ الرَّشيدَ هو الذي يَفْعَلُ الشَّيْء لحِكْمَةٍ وحُسْنِ تَصَرُّف والسَّفيهُ بالعَكْس؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]. وعلى هذا ففي الآيَة هذه وغيرها من النُّصوص الكثيرة في الكِتَاب والسُّنَّة والعَقْل الصَّريحِ ما يدلُّ على إثباتِ الحِكْمَة لله ، وأنَّ الحِكْمَةَ من أجَلِّ صفاتِ الله ، وبيانُها في أَحْكَامِ الله وأفعاله من أَعْظَمِ الأُمُور وأَظْهَرِها. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إِثْباتُ الحِكْمَة لأَنَّه عَلَّلَ إمساكَ السَّمَواتِ والأَرْضِ بَكَوْنِ ذلك مُقْتَضَى حِلْمِهِ وَمَغْفِرَتِهِ.

стр. 289

الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إِثْباتُ هذين الإسْمَيْنِ لله وهما (الحليم) و (الغَفور) وإثباتُ ما تَضَمَّن ما تضمَّناه من الصِّفَة؛ لأنَّ كل اسمٍ من أَسْماء الله فهو مُتَضَمِّنٌ لصِفَةٍ؛ ليس في أَسْماءِ الله اسمٌ جامِدٌ أبدًا حتى اسْم الجلالة (الله) ليس بجامِدٍ بل هو مُشْتَقٌّ من الأُلُوهِيَّة، وكذلك بَقِيَّةُ الأَسْماءِ كُلِّها ليست جامدة بل هي مشتقةٌ من مَعانٍ تَدُلُّ عليها، والمعاني التي تدلُّ عليها أَسْماءُ الله قد تكون مُتَعَدِّدَةً في اسْمٍ واحد، كما تقدَّمَ في الدَّلالَة أنَّها تكون دَلالَةَ مُطابَقَةٍ ودَلَالَةَ تَضَمُّنٍ ودَلَالَةَ الْتِزَامٍ. * * *

стр. 290

الآية (٤٢) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]. * * * ثم قال الله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ أقسموا؛ قال المُفَسِّر ﵀: [أي كُفَّار مَكَّة] وهذا يَحْتَمِلُ ما قاله ﵀ من أنَّ الضَّمير يعود على كُفَّار مَكَّة، ويُحْتَمَل أنَّه أَعَمُّ وأنَّ من النَّاس من أَقْسَموا وهم من غَيْرِ كُفَّار مَكَّة. وَقَوْله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي حَلَفُوا به، وَقَوْله تعالى: ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي غايَةَ الأَيْمانِ؛ يعني: الأَيْمان التي بذلوا فيها الجَهْد وهي أَيْمانٌ مُغَلَّظَة بصيغتها كمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً، فالأَيْمانُ المُغَلَّظَة بصيغتها كمِّيَّة وكَيْفِيَّة هي الأَيمان التي بَلَغَتِ الجَهْدَ؛ أيك غايَةَ الطَّاقَةِ بالنِّسْبَة للمُقْسِم. والأَيمانُ - كما قال العُلَماء ﵏ تُغَلَّظُ بالكمِّيَّة والكَيْفِيَّة والزَّمان والمَكانِ والهَيْئَة؛ خَمْسَةُ أشياءَ: ١ - بالكمِّيَّة؛ مثل: أن يقول: واللهِ واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو العظيمُ العزيزُ الغالِبُ، وما أشبه ذلك من الأَسْماءِ التي تدُلُّ على الإنتقام فيما لو كان الإِنْسَانُ كاذِبًا. ٢ - بالكَيْفِيَّة؛ بأن يأتي بها يعني بانفعالٍ شديدٍ يدلُّ على تَأَثُّرِه بالقَسَمِ.

стр. 291

٣ - وأمَّا في الزَّمان؛ فأن تكون بعد صلاة العَصْرِ؛ كما قال الله : ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي: من بعد صلاة العَصْرِ. ٤ - وفي المكان؛ بحيث يكون الإقسامُ في مكانٍ فاضِلٍ، وأَفْضَلُ الأَماكِنِ في البلدان المساجِدُ، قالوا: وتكون عند المِحْرابِ أو المِنْبَر في الجوامِعِ وعند الكَعْبَة؛ بَعْضُهُم قال تَحْتَ الميزابِ وفي الرَّوْضَة في المدينةِ. ٥ - وفي الهَيْئَةِ؛ بأن يكون قائِمًا لأنَّه يَحْلِفُ وهو قائم، قال العُلَماءُ ﵏: لأنَّ العُقُوبَةَ أَقْرَبُ إلى القائِمِ منها إلى القاعِدِ. فهذه خَمْسَةُ أشياء في تغليظِ اليمينِ. لكن هل هؤلاء الكُفَّارُ أَقْسَموا جَهْدَ أَيْمانِهِم على هذه بهذه التَّغْليظاتِ الخَمْسَة؟ الله أعلم. وعلى كُلِّ حالٍ: هم بذلوا أَقْصى ما يَسْتَطِيعون من اليَمينِ: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾. وَقَوْله تعالى: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ هذه الجُمْلَة نقول في إِعْرابها كما قلنا في الجُمْلَة الأولى ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ اجتمع فيها شَرْطٌ وقَسَم وحُذِفَ جواب الشَّرْط، ولهذا جاءتِ اللَّام في الجواب: ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ ولو كان المَحْذُوفُ جوابَ القَسَمِ لم تأتِ اللَّام في الجوابِ؛ لأنَّ جواب الشَّرْط لا يَحْتاجُ إلى اللَّام وإنَّما يُرْبَطُ بالفاء في مَحَلِّه وبِحَذْفِها ولا يحتاج إلى رابِطٍ إذا لم يكن من المواضِعِ السَّبْعَة المَعْروفَةِ. يقول الله : ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ بمَعْنى مُنْذِرٍ، وهو الرَّسُولُ ﴿لَيَكُونُنَّ

стр. 292

أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ قَوْله تعالى: ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وهو مُشْكِلٌ: كيف ضُمَّتِ النون، والمَعْروف أنَّ الفِعْلَ المُضارِعَ مع نون التَّوْكيد يُبْنَى على الفَتْحِ؛ كما في قَوْلِه تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهَمْزَة: ٤] وهنا قال: ﴿لَيَكُونُنَّ﴾؟ والجوابُ على ذلك: أنَّ نون التَّوْكيد لا يُبْنَى معها الفِعْلُ إلا إذا كانت مباشِرَةً له لَفْظًا وتَقْديرًا، والنون هنا مباشِرَةٌ للفِعْلِ لَفْظًا لَكِنَّها غَيْرُ مباشرة له تَقْديرًا؛ لأنَّ الفِعْلَ هنا للجماعَةِ وليس للمُفْرَدِ، وأصله (يكونُونَنَّ) فحُذِفَتِ النُّونُ لتَوالِي الأَمْثالِ؛ لأنَّهم يقولون إنَّ العرب يَكْرَهونَ أن تَجْتَمِعَ ثلاثُ كَلِماتٍ من نوعٍ واحِدٍ بَعْضها إلى بَعْضٍ فيحذفون أَوْلَاهَا بالحَذْفِ، وأولاها بالحَذْف على حَسَب قياسِهِم نونُ الرَّفْعِ؛ لأن حذفها معتادٌ، ولأن نون التَّوْكيد جاءت لمَعْنًى لو حُذِفَتْ لاخْتَلَّ ذلك المَعْنى؛ لأنَّها جاءت للتَّوْكيدِ فلا نَحْذِفُها، لكن نحذف نون الرَّفْع؛ لأن حَذْفَها معتادٌ؛ فحذفنا نونَ الرَّفْعِ، وهي النونُ الأولى من الثَّلاثَة؛ بَقِيَتِ الواو تَلي النونَ، والنون حرفٌ مُشَدَّدٌ في هذا التَّركيبِ والحَرْفُ المُشَدَّد أَوَّلُه ساكِنٌ فحذفنا الواو لالتقاءِ السَّاكنَيْنِ فصارَتْ ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ حَذَفْنا الواوَ التي بين نونِ الفِعْل؛ لأنَّ النون في (يَكُونُنَّ) نون الفِعْل؛ ولهذا ما حذفناها لأنَّها أَصيلَةٌ، وحذفنا الواو لالتقاء الساكنينِ. فإن قال قائل: عندنا الآنَ ثلاثُ نوناتٍ، فلماذا لا تحذفوا واحِدَةً منها؟ فالجواب: أولًا: أنَّ هذه النونات ليست مُتَّصِلَةً تَقْديرًا، يعني ليس بعضها متصلًا ببعضها الآخر من حيثُ التَّقْديرُ؛ لأنَّ كان قد فصل بينهما الواوُ التي حذفناها لالتقاءِ السَّاكِنَيْنِ. ثانيًا: أنَّ النون التي بعد الواو في ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ النون الموجودة الآن نون الفِعْل فهي من بِنْيَةِ الكَلِمَة ولا يُمْكِن أن تُحْذَفَ.

стр. 293

على كُلِّ حالٍ: يَجِبُ أن نَعْرِفَ الفَرْقَ بين (لَيَكُونَنْ) وبين (لَيَكُونُنَّ)؛ ففي القُرْآن (لَيَكُونَنْ) كقَوْله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢]. ففرق بين لَيَكُونَنْ وبَيْنَ ليَكُونُنَّ: فَقَوْله: (لَيَكُونَنْ) هذه للواحِدِ؛ ولهذا بُنِيَ الفِعْل معها على الفَتْحِ لاتصاله بنون التَّوْكيدِ لفظًا وتَقْديرًا، و (ليكونُنَّ) للجماعة؛ ولهذا لم يُبْنَ الفِعْل معها؛ لأن نون التَّوْكيدِ لم تُباشِرْه تَقْديرًا. إذن: نون التَّوْكيد لا يُبْنى معها الفِعْل إلا إذا كانت مباشِرَةً له لفظًا وتَقْديرًا، وفي هذه الجُمْلَة: ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ لم تباشِرْه تَقْديرًا، أمَّا لفظًا فقد باشَرَتْه، وإنَّما قلنا لم تُباشِرْه تَقْديرًا؛ لأَنَّه حُذِفَ منها واوُ الجماعة، فلم تباشِرْه تَقْديرًا. وَقَوْله تعالى: ﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾: ﴿أَهْدَى﴾ هذه خَبَر (يكون) فهي منصوبَةٌ به بالفَتْحَة المُقَدَّرَة على الألف منعَ من ظهورها التَّعَذُّر، وهو اسْم تَفْضيلٍ. وَقَوْله تعالى: ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهمْ؛ أَيْ: أَيِّ وَاحِدَة مِنْهَا؛ لمِا رَأَوْا مِنْ تَكْذِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؛ إذْ قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ]. وَقَوْله تعالى: ﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ فأَتَوْا بـ ﴿إِحْدَى﴾ الدَّالَّة على الإبهام، فلم يقولوا: أَهْدَى من النَّصارى ولا أَهْدى من اليهودِ، بل قالوا: أهدى من إِحْدى الأُمَم؛ لأنَّ الأَمْر الْتَبَسَ عليهم؛ حيث إنَّ اليهود يقولون لَيْسَتِ النَّصارى على شَيْء والنَّصارى يقولون لَيْسَتِ اليَهودُ على شَيْء، وهؤلاء المُشْرِكونُ - كُفَّار مَكَّة - أُمَّةٌ جاهِلِيَّة لا يَدْرونَ مَنِ الحَقُّ معه، فلم يقولوا: أهدى من النَّصارى ولا أهدى من

стр. 294

اليهود، بل قالوا: أهدى من إحداهُما؛ أهدى من أيِّ واحِدَةٍ؛ لأنَّ الأَمْرَ عندهم الْتَبَس. ولكن يبقى النَّظَر: ما هو الدَّليلُ على تَخْصيصِ كَلِمَة ﴿الْأُمَمِ﴾ بالأُمَّتَيْنِ اليَهودِيَّة والنَّصْرانِيَّة، ولماذا لا يقال إنَّها أَعَمُّ من اليهود والنصارى، فهناك مَجوسٌ يدينون بعِبَادَة النِّيرانِ، ويُمْكِن أن يُوجَدَ أناسٌ آخرون يدينون بديانةٍ أخرى؟ الجواب: إمَّا أن نَلْتَزِمَ بالعموم ونقول: إنَّهم يقولون أهدى من إحدى الأُمَمِ؛ من أيِّ أُمَّةٍ كانَتْ من اليهود أو النَّصارى أو المجوس أو الوَثَنِيِّينَ الذين يعتقدون أنَّهم على دينٍ أو ما أشبه ذلك، فكأنَّهم يقولون أهدى مِنْ كُلِّ الأُمَمِ، لكن لم يُعَيِّنوا لأنَّهم لم يَدْرُوا مَن هو الذي على حَقٍّ. وإما أن يُقالَ خُصَّ هذا الجانِبُ بأُمَّتينِ فقط لأنَّ المَعْروفَ أنَّهم على دينٍ هُمُ اليهود والنَّصارى. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ هنا قال الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ ولم يَقُل: فلما جاءهم الرَّسُولُ؛ ليطابِقَ ما قالوه حتى يكون أبْلَغَ في إلزامِهِم بما قالوا؛ لأنَّهم قالوا: إن جاءهم نذيرٌ ليكُونُنَّ، فلما جاءهم نذيرٌ على حَسَبِ ما فرضوه وما قَدَّروه: جاء الأَمْرُ كذلك؛ فلما جاءهم نذيرٌ كما يقولون هم، والمُرَادُ به مُحَمَّد ﷺ بلا شَكٍّ، ولكن - كما أشرت - نُكِّرَ ولم يُعرَّفْ متابعةً لكَلَامِهِم؛ حيث قالوا لئن جاءنا نذيرٌ؛ يعني: فلمَّا جاءهم نذيرٌ، وكما طلبوا تمامًا وباللَّفْظِ: ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. وَقَوْله تعالى: ﴿فَلَمَّا﴾ هنا شَرْطِيَّةٌ، وفِعْلُ الشَّرْطِ ﴿جَاءَهُمْ﴾ وجوابه ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.

стр. 295

و (لمَّا) تأتي في اللُّغَة العَرَبِيَّة على أَوْجُه: أَحَدها - كما هنا -: شَرْطِيَّة. والثاني: أن تأتي جازِمَةً كـ (لَمْ) إلا أنَّه بينهما فروقًا ليس هذا مَوْضِعَ ذِكْرِها؛ لأنَّنا لا نَتَكَلَّمُ عن النَّحْو؛ كقَوْله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] أي: بل لم يذوقوا عذابي، ولَكِنَّهم حَرِيُّونَ بأن يَذوقوه. والثالث: أن تكون بمَعْنى (إلَّا) كقَوْله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أي: إلا عليها حافظ. والرابع: أن تكون بمَعْنَى (حين) مُجَرَّدَةً عن الشَّرْطِ؛ مثل أن تقول: زُرْتُكَ لمَّا طَلَعَ الصُّبْحُ؛ أي: حين طَلَعَ الصُّبْحُ. فهذه أربعة معانٍ لـ (لمَّا). وَقَوْله تعالى: ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾: ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مَجيئُه] يعني أنَّهم جاءَهُم نذيرٌ كما فرضوا ولَكِنَّهم ما كانوا أهدى من إحدى الأمم، بل لم يَزِدْهُم إلا نفورًا عن الحَقِّ وبُعْدًا عن اتّباعِهِ؛ قال: [تَباعدًا عن الهُدى] والعياذُ بالله. وهذا أمرٌ مُشاهَد؛ فإنَّ قريشًا لما بُعِثَ فيهم النَّبِيُّ ﷺ نَفروا منه وآذَوْه بالقَوْلِ وبالفِعْلِ، ووَصَموه بِكُلِّ عَيْبٍ، وكانوا قبل أن يُبْعَثَ يُجِلُّونَه ويَحْتَرِمونَه ويُسَمُّونَه (الأَمينَ) فلما بُعِثَ لم يكن أمينًا وكأنَّه رَجُلٌ غَيْرُ الرَّجُلِ الذي كانوا يَعْرِفونه! ! كُلُّ هذا يُكَذِّبُ قَوْلَهم: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢]. * * *

стр. 296

الآية (٤٣) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]. * * * قال ﵀: [﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ عن الإيمانِ مفعولٌ له] يعني أنَّ كَلِمَة ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ مفعولٌ له؛ أي مَنْصوبَة على أنَّها مفعولٌ له؛ أي ما زادهم إلا نفورًا لأَجْلِ الإسْتِكْبارِ في الأَرْض، وهذا أَحَدُ الإحْتِمالَيْنِ في الآيَة الكريمَةِ. والإحتمال الثاني: أن ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ بَدَلٌ من كَلِمَة ﴿نُفُورًا﴾ أي: ما زادهم إلا نُفورًا، وهذا النُّفور هو الإسْتِكْبار في الأَرْضِ، وهو احتمالٌ قويٌّ جدًّا: أن تكون اسْتِكْبارًا بدلًا أو عَطْفَ بيانٍ من كَلِمَة ﴿نُفُورًا﴾؛ إذن ما زادهم هذا الكَلَامُ، هذا المجيء، إلا البُعْدَ عن الحَقِّ والإسْتِكْبارَ في الأَرْض. قَوْله تعالى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ مَعْطوفٌ على ﴿اسْتِكْبَارًا﴾. ﴿وَمَكْرَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [العَمَلِ ﴿السَّيِّئِ﴾ من الشِّرْكِ وغَيْرِه] فقَدَّر العَمَل قَبْل السَّيِّئ ليكون السُّوءُ مَوْصوفًا به العَمَلُ، والعَمَلُ السَّيِّئُ يكون مكرًا، هذا ما ذهب إليه المُفَسِّر ﵀، فجعل المَكْرَ مضافًا إلى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ وهو العَمَل، وجَعَلَ السَّيِّئَ صفةً لذلك الشَّيْءِ المَحْذُوفِ؛ أي: مَكْرَ العَمَلِ السَّيِّئ، بمَعْنى: أنَّهم

стр. 297

ما زادهم إلا نُفُورًا واسْتِكْبارًا في الأَرْض وأن يَمْكُروا مَكْرَ العَمَلِ السَّيِّئِ. والمَكْر هو الخديعة وهو التَّوَصُّل بالأَسْبَابِ الخَفِيَّة إلى الإيقاعِ بالخَصْم والعَدُوِّ، وأمَّا التَّوَصُّلُ بالأَسْبَابِ الظَّاهِرةِ فليس بِمَكْر. فإن قلتَ: هذا المَعْنى لا يَنْطَبِقُ على عمل هؤلاء؛ لأنَّ هؤلاء يُظْهِرون عَمَلَهُمُ السَّيِّئَ؟ فالجواب: أنَّ هؤلاء تارةً يُظْهِرونَه، وتارةً يُخْفونه كما في اجتماعِهِم بدار النَّدوة ماذا يصنعون بالرَّسُولِ ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وإنَّما ذُكِرَ المَكْر دون الشَّيْء المُعْلَن الظَّاهِرِ؛ لأنَّه أَعْظَمُ قُبْحًا من الشَّيْءِ المُعْلَن الظَّاهِرِ فصار هؤلاء جَمَعوا إلى الكَذِبِ المَكْرَ والخِداعَ، والعياذُ بالله. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [وهو الماكر ... ] إلخ؛ يعني أنَّ هؤلاء مَكَروا السُّوء وعَمِلُوا السُّوء بِصِفَةٍ عَلَنِيَّة وصِفَةٍ خَفِيَّة، وهل الماكر بِغَيْرِه يَنْجو؟ الجوابُ: إذا كان مكرًا سَيِّئًا فإنَّه لا ينجو، بل سَيحيقُ به مَكْرُهُ ويُهْلِكُه ويُدَمِّرُه؛ كما قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] أمَّا إذا كان المَكْرُ بحَقٍّ فإنَّه لا يَحيقُ بأَهْلِه، بل يَحيقُ بِعَدُوِّهِ؛ ذلك لأنَّ المَكْرَ بحَقٍّ مَمْدوحٌ وليس بِمَذْمومٍ. وقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهنا لم يَقُلْ إلا بالماكِرِ بل قال إلا بأَهْلِهِ؛ إِشَارَة إلى بيانِ الإسْتِحْقاق لهذه الجَريمَةِ التي وقعت منه وأنَّه أَهْلٌ لأن يَحيقَ به مَكْرُهُ، فكُلُّ ماكِرٍ بِغَيْرِ حَقٍّ أَهْلٌ لأن يَحيقَ به مَكْره.

стр. 298

قال: [وَوَصْفُ المَكْرِ بالسَّيِّئِ أَصْلٌ، وإضافَتُه إليه قَبْلُ اسْتِعْمالٌ آخَرُ قُدِّرَ فيه مُضَافٌ حَذَرًا من الإِضافَةِ إلى الصِّفَة] هذا كَلَام قليلُ الفائِدَة مُعقَّدُ المَعْنى في الواقِعِ. فَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [أَصْلٌ] يعني جارٍ على الأَصْلِ؛ لأنَّ الأَصْلِ أنَّ الوَصْفَ يَنْفَصِلُ عن المَوْصوفِ ولا يُضافُ إليه المَوْصوفُ؛ فأنت تقول: مَرَرْتُ بزيدٍ الفاضِلِ، فتجعل الصِّفَةَ مُنْفَصِلَةً عن المَوْصوفِ تابعةً له، وليس مضافًا إليها. قال تعالى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ مَكْر السَّيِّئِ، فهنا لم يُوصَفِ المَكْر بالسَّيِّئِ ولكنْ أُضيفَ المَكْر إلى السَّيِّئِ، وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [إضافَتُه إليه قَبْلُ] مَعْنى (قَبْلُ) يعني: قبلَ هذه الجُمْلَةِ، ويعني بذلك قَوْله تعالى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾. وَقَوْله: [استعمالٌ آخَرُ] على خلافِ الأَصْلِ؛ لأنَّ الأَصْلَ أنَّ الصِّفَةَ تَقَعُ تبعًا للمَوْصوفِ لا أنَّ المَوْصوفَ يُضافُ إلى الصِّفَة. لكن يَجوزُ أن يُضافَ المَوْصوفُ إلى الصِّفَة؛ ولهذا يَمُرُّ بكم دائمًا قَوْلُ العُلَماء ﵏: "هذا من بابِ إضافَةِ المَوْصوفِ إلى صِفَتِهِ" مثل قَوْلهم: هذا مَسْجِدُ الجامِعِ؛ أصله: (هذا المَسْجِدُ الجامِعُ) لكن أضيفَ إلى صِفَتِه وهو كثيرٌ، كما أنَّ - أيضًا - الصِّفَةُ تضافُ إلى المَوْصوفِ أحيانًا؛ مثل: طاهِر القَلْبِ؛ هذه صِفَةٌ مُضافَةٌ إلى مَوْصوفِها؛ كما قال ابْنُ مالِكٍ ﵀ في الأَلْفِيَّة: ................... ... كَطَاهِرِ القَلْبِ جَميلِ الظَّاهِرْ (١) فهذا من بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصوفِ. إذن: نأخُذُ من هنا أنَّه يجوز إضافَةُ الصِّفَةِ إلى المَوْصوفِ، وإضافَةُ المَوْصوفِ

стр. 299

إلى صِفَتِه؛ والأصل من ذلك أن تقع الصِّفَةُ تَبَعًا للمَوْصوفِ على أنَّها نعتٌ له وتُعْرَبُ بإِعْرابه. وفي الآيَة الكَريمَة: إضافَةُ المَوْصوفِ إلى الصِّفَة ووَصْفُ المَوْصوفِ بالصِّفَةِ في أَوَّلهِا وآخِرِها؛ فإضافَةُ المَوْصوفِ إلى الصِّفَةِ قَوْله تعالى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ ولو كان في غَيْرِ القُرْآن وأردنا أن نُحَوِّلَه إلى أن تكون الصِّفَةُ تبعًا للمَوْصوف لقلنا: استكبارًا في الأَرْض والمكْرَ السَّيِّئِ؛ لكن هنا صار من بابِ الإِضافَةِ. وفيها أيضًا وَصْفُ المَوْصوفِ بالصِّفَةِ قَوْله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ أيُّهُما الأَصْلُ هنا بين المُفَسِّر ﵀ قال: [وَوَصْفُ المَكْرِ بالسَّيِّئِ أَصْلٌ] لو قال بَدَلَ [أصل]: جارٍ على الأَصْلِ؛ لكان أَوْضَحَ وهذا هو مُرَادُه، قال: [وإِضافَتُه إليه قَبْلُ] يعني به إضافَةَ المَوْصوفِ إلى الصِّفَةِ في قَوْلِه: مَكْرَ السَّيِّئِ؛ يقول: [استعمالٌ آخَرُ] يعني جارٍ على اسْتِعْمالٍ آخَرَ في اللُّغَة العَرَبِيَّة؛ لأنَّ اللُّغَة العَرَبِيَّة أحيانًا تُضيفُ المَوْصوفَ إلى صِفَتِهِ؛ واضِحٌ؟ قال: [قُدِّرَ فيه مُضَافٌ] حَسَب شَرْحِهِ هو وتَفْسيرِهِ؛ حيث قال: [﴿وَمَكْرَ﴾ العَمَلِ ﴿السَّيِّئِ﴾ حَذَرًا من الإِضَافَةِ إلى الصِّفَة]. وهذا الذي قاله الأخير يُنازَعُ فيه، وذلك لأنَّه لا داعِيَ إلى ذلك، فلا حاجة إلى أن نُقَدِّرَ مَحْذُوفًا لِأَجْلِ أن نَمْنَعَ إضافَةَ المَوْصوفِ إلى الصِّفَة؛ لأن إضافَةَ المَوْصوفِ إلى الصِّفَةِ في اللُّغَة العَرَبِيَّة كثيرٌ شائِعٌ ليس هذا أمرًا محذورًا في اللُّغَة العَرَبِيَّة حتى نقولَ نَحْتاجُ إلى تَقْديرِ ما يُصَحِّحُه؛ ولهذا نقول: ﴿مَكْرَ السَّيِّئِ﴾ جارٍ على أَصْلِهِ؛ بمَعْنى أنَّه لا حاجَةَ إلى أن يُقَدَّرَ فيه شيءٌ مَحْذُوفٌ. ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يَنْتَظِرونَ] هذا تَفْسيرٌ

стр. 300

لِيَنْظرونَ بمَعْنى يَنْتَظِرون، وهناك ضابطٌ - وليس قاعِدَةً -: أنَّ (يَنْظُر) إن تَعَدَّتْ بـ (إلى) فهي بمَعْنى النَّظَر بالعَيْنِ؛ كقَوْله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] وإن تَعَدَّتْ بـ (في) فهي بمَعْنى النَّظَر الفِكْرِيِّ؛ كما في قَوْله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وإن تَعَدَّتْ بِنَفْسِها فهي بمَعْنى الإنْتِظارِ، مثلما هنا في قَوْله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ معناها: (هل يَنْتَظِرون) من الإنتظارِ وهو التَّرَقُّب، فهل يَنْظرونَ؛ يَنْتَظِرون يعني يَتَرَقَّبون. وَقَوْله تعالى: ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ سُنَّة بمَعْنى الطَّريقَةِ، والإضافَةُ هنا إلى ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ من باب الإخْتِصاصِ؛ يعني إلا السُّنَّة التي جرت لِلَأَوَّلينَ وليس المُرَادُ السُّنَّةَ التي فعلها الأولون؛ لأنَّ الأولين مفعولٌ بهم وليسوا هم الفاعلينَ، وإنَّما الفاعِلُ من الله . وَقَوْله تعالى: ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [سُنَّةَ اللهِ فِيهِمْ مِنْ تَعْذِيبِهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ] يعني ما يَنْتظِرُ هؤلاء الذين كذَّبوا الرَّسُول ﷺ إلا سُنَّةَ الأَوَّلينَ، وهي - أي سُنَّة الأولين- تَعذيبُهُم بِتَكْذيبِ الرُّسُلِ. قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ لَنْ تَجِدَ لسُنَّة الله تبديلًا بِرَفْعها أو تبديلًا بِتَحْويلِها إلى قومٍ آخرين؛ يعني أنَّ سُنَّة الله ستَقَعُ في أعيان الذين يَسْتَحِقُّونَها، فلن تُبدَّلَ فتُرْفَعَ ولن تُحَوَّل إلى قومٍ آخرين فيَسْلَمَ منها من اسْتَحَقُّوها، بل هي واقِعةٌ على من استحَقُّوها عَيْنًا. مثال ذلك: المُشْرِكونُ - من قريش - كَذَّبوا الرَّسُولَ ﵊؛ التَّحْويلُ معناه أن تُحَوَّلَ عُقوبَتُهُم إلى بني تمَيمٍ مثلًا، هذا لا يُمْكِن؛ لأنَّ هذا ظُلْمٌ؛ أن يؤاخَذَ قومٌ بجريمَةِ آخرينَ، هذا مَعْنى قَوْله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.

стр. 301

ومثال آخَرُ: كذَّبَتْ قريشٌ الرَّسُولَ ﵊ فبَدلًا من أن يعاقِبَهم الله نَعَّمَهُم، وهذا مَعْنى قَوْله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ فالعذابُ لن يُبَدَّلَ بِنَعيمٍ، ولن يُحَوَّلَ عن مُسْتَحِقِّه إلى قومٍ آخرينَ. فسُنَّةُ الله لا بُدَّ أن تقع فيمن يَسْتَحِقُّها بدون تبديلٍ لها بنِعْمَةٍ وبدون تحويلٍ لها إلى غَيْرِهِم؛ لأنَّ الله كامِلُ الحِكْمَة، كامِلُ العَدْل، فهو كامِلُ الحِكْمَة فلن يُبَدِّلَ النِّقْمَة بنِعْمَةٍ على من استحَقَّها، وكامِلُ العدل لا يُمْكِنُ أن يُحَوِّلَ الإنْتِقامَ إلى قومٍ آخرينَ لا يَسْتَحِقُّونه. فهذه الصِّفَةُ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ... ﴾ إلخ، هي من بابِ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ لَكِنَّها تَتَضَمَّنُ كمالَ عَدْلِ الله وكَمالَ حِكْمَتِه، ويُمْكِنُ أن نقول: وتمام سُلْطانه أيضًا بحيث لا يُكْرِهُه أَحَدٌ إلى أن يُحَوِّلَ النِّقْمَة إلى آخرين أو أن يُبَدِّلَها بنِعْمَة. قال المُفَسِّر ﵀: [أَيْ لَا يُبَدَّلُ بِالْعَذَابِ غَيْرُهُ ولَا يُحَوَّلُ العَذَابُ إِلَى غَيْر مُسْتَحِقِّهِ]. من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الإِنْسَان إذا كان في عافية أو إذا كان قبل أن يَنزِل به الأَمْرُ قد يجد من نَفْسِه القُوَّةَ على تنفيذه فإذا نزل به الأَمْرُ تَغَيَّرتْ حالُه؛ وَجْهُ الدَّلالَة: أنَّ هؤلاء أَقْسَموا بالله لَئِنْ جاءَهُم نذيرٌ ليكونُنَّ أهدى من إِحْدى الأُمَمِ، فلما جاءهم النَّذيرُ تَغَيَّرتْ حالُهم، وهذا يقع كثيرًا للبَشَرِ، فما دام الإِنْسَانُ لم يَنْزِلْ به الأَمْر يَظُنُّ أنَّه قادِرٌ عليه فإذا نزل به الأَمْرُ عَجَزَ عنه؛ ولهذا يَنْبَغي للإِنْسَان ألَّا يتعَجَّلَ فيحْكُم على نَفْسِه بالحال التي كان فيها سالِمًا من نزولِ الأَمْر به، بل يَنْتَظِرُ حتى يَنْزِلَ به الأَمْر، فكثيرٌ من النَّاس مثلًا يقول أنا أستطيعُ الصَّبْرَ على الحَجِّ مثلًا وسأَحُجُّ، ولكن عندما

стр. 302

يحين الأَمْرُ يَجِدُ من نفسه العَجْزَ، أو يقول: أنا أستطيع أن أقومَ ثُلُثَ اللَّيْلِ الآخِرِ كُلَّه، ولكن إذا جَدَّ الجِدُّ وجد نَفْسَه عاجزًا. فالمُهِمُّ: أنَّه يَنْبَغي للإِنْسَانِ ألَّا يكونَ مُتَسَرِّعًا فيقيس حالَه في حالِ الرَّخاء على حاله بحالِ نُزولِ الأَمْرِ به؛ لأنَّ الإِنْسَانَ بَشَرٌ تَخْتَلِفُ حالُه بين سلامَتِهِ من الأَمْرِ وبين وقوعِ الأَمْرِ فيه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: دليلٌ على عُتُوِّ هؤلاء المُكَذِّبينَ لرسول الله ﷺ ؛ حيث كانوا قبل أن يُبْعَثَ إليهم يُقْسِمونَ أَغْلَظَ الأَيْمانِ بأنَّهم سيكونونَ أهدى من غَيْرِهم، ولكن لمَّا جاءهم الرَّسُولُ ﵊ ما زادهم مَجيئُهُ إلا نُفورًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإِشَارَةُ إلى أنَّه لا يَنْبَغي للإِنْسَانِ النَّذْرُ - أي أن يَنْذِرَ الطَّاعَة - لأنَّه قد لا يوفَّق في القيام بها، فهؤلاء أَقْسَموا ولما وُجِدَ مُوجِبُ الطَّاعَةِ لم يقوموا بالطَّاعَةِ. وهذا نظيرُ قَوْله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النُّور: ٥٣] فهم أَقْسَموا بالله أنْ لو أَمَرَهم الرَّسُولُ ﷺ لَخَرجوا فنهاهم الله بل أمَرَ نَبِيَّه أن يقول لهم لا تُقْسِموا. ونظير ذلك قَوْله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التَّوْبَة: ٧٥ - ٧٦]. ولهذا جاء النَّهْي من النَّبِيِّ ﷺ عن النَّذْر، وبيانُ أنَّه "لا يأتي بِخَيْرٍ" (١).

стр. 303

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ هؤلاء رَدُّوا الحقَّ استكبارًا في الأَرْض - أي يريدون الإسْتِكْبارَ - وهذا على وَجْهِ إِعْرابها بأنَّها مفعولٌ لأَجْلِه؛ أي إنَّه ما رَدُّوا الحَقَّ إلا أن يكون لهم الكبرياءُ والعُلُوُّ في الأَرْض. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تسميَةُ أَعْمالِ الكافرينَ مَكرًا؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ وقد ذكرنا في التَّفْسيرِ: أنَّ أَعْمالَ الكافرينَ تَنْقَسِمُ إلى قِسَمَيْنِ: قِسْم يجاهرون فيه بِكُفْرِهِم ولا يأتون به على سبيلِ المَكْرِ، وقسمٌ آخر يأتونَ به على سبيلِ المَكْرِ، والثاني أشَدُّ؛ ولهذا ما مكر قومٌ بأنبيائِهِم إلا مَكَرَ الله بهم وآخِرُهُم مُحَمَّد ﷺ ؛ حيث اجتمع القومُ في دار النَّدْوَةِ يَتَشاوَرونَ ماذا يفعلون به فمَكَرَ الله بهم (١). الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ من أراد السُّوءَ حاقَ به السُّوء؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ومن قواعد العامَّةِ يقولون: (مَنْ حَفَرَ لِأَخيهِ حُفْرَةً وقع فيها) فالإِنْسَانُ إذا أراد المَكْرَ، والعياذُ بالله، فإنَّ مَكْرَهُ يَحيقُ به. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الإِشَارَةُ إلى أنَّ المَكْرَ يكون سيِّئًا ويكون حسنًا؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وَقَوْله قَبْلُ ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ وهو كذلك، فإنَّ مَكْرَ الله تعالى بأعدائه الذين يَمْكُرون به مكرٌ حَسَنٌ يُثْنَى عليه به، ومَكْرُ أولئك سَيِّئٌ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الفاعِل للسَّبَبِ مُنْتَظِرٌ للمُسَبَّب شاء أم أبى، فالإِنْسَانُ العاصي نقول له: أنت مُنْتَظِرٌ العُقوبَةَ الآن مُتَرَقِّبٌ لها حتى وإن كان لا يطرأ على باله أنَّه سيُعاقَبُ؛ لأنَّ فاعِلَ السَّبَبِ مُنْتَظِرٌ للمُسَبَّب ولا بُدَّ.

стр. 304

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: ثُبُوتُ القياسِ - أو إن شِئْتَ فقل: استعمال القياسِ - لِقَوْله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ فيقيس حالَ هؤلاء بحال الأَوَّلين الذين كَذَّبوا فعُوقِبوا. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: ومِنْ فوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ أنَّ سُنّةَ الله في عِبادِهِ واحِدَةٌ فكل من أطاع اللهَ أثابَهُ وكُلُّ من عصى الله عاقَبَه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ولا يقالُ مثلًا إننا أُمَّةٌ شَرَّفَنا الله وعَظَّمَنا وكَرَّمنا فلا يؤاخِذُنا كما آخَذَ مَن قَبْلَنا، بل نقول: إنَّ مُقْتَضَى التَّشْريفِ أن نكون نحن أشَدَّ عِبَادَةً له مِمَّن سبقنا؛ لأنَّ الإِنْسَانَ إذا كُرِّم يَنْبَغي أن يقومَ بمُقْتَضَى هذا التَّكْريمِ، وليس إساءَةُ من لم تُكْرِمْه إليك كإساءَةِ من أَكْرَمْتَه بلا شَكٍّ؛ ولهذا كُلُّ من كان مُغْتَبِطًا بنِعْمَة الله وَجَبَ عليه مِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ الله ما لا يَجِبُ على مَن سِواه. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: كمال قُدْرَةِ الله وحِكْمَتِه؛ حيث إنَّ سُنَّتَهَ لا تُبَدَّلُ ولا تُغَيَّر؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ وَجْهُ كَوْنِها من كمال القُدْرَة: أنَّ العاجِزَ لا يَسْتَطِيعُ أن يجعل أفعالَهُ على وتيرةٍ واحِدَةٍ، بل قد تتخَلَّف وتتغَيَّر لِعَجْزِه عن الإطِّرَادِ، وأمَّا كَوْنُه من تمام الحِكْمَةِ فلأنَّ مُعاقَبَةَ السَّابِقينَ كان لِسَبَبٍ، وهذا السَّبَبُ إذا وُجِدَ في الآخِرِينَ فإنَّه يَعْمَل عمله لأنَّ مُقْتَضَى الحِكْمَةِ أنَّ الأَسْبَابَ لا تتخلَّفُ عنها مُسَبَّباتُها؛ ففي قَوْلِه: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ فيها إثباتُ تمام القُدْرَةِ وتمَامِ الحِكْمَة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الشَّيْءَ الذي يَسْتَمِرُّ ويؤخَذُ به يسمَّى سُنة، يقال: هذه سُنَّة فلانٍ؛ أي طريقَتُه؛ ولهذا يُفرَّقُ بين السُّنَة وبين العارِضِ؛ فالعارِضُ لا يُمْكِن

стр. 305

أن يُجْعَلَ طريقَةً مُتَّبَعَةً، والشَّيْءُ المطَّرِدُ يُسمَّى سُنة، ويَدُلُّ على هذا التَّفريقِ قَوْلُه ﷺ : "صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ" ثم قال في الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شاءَ" (١) كراهية أن يتَّخِذَها النَّاسُ سُنَّة؛ يعني سُنَّة مطَّرِدَة يَفْعلونَها دائمًا. * * *

стр. 306

الآية (٤٤) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرً﴾ [فاطر: ٤٤]. * * * ثم قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ الهَمْزَةُ هنا للإسْتِفْهامِ، والمُرَادُ به التَّوْبيخُ والتَّقْريعُ، وهذه الهَمْزَةُ الإسْتِفْهامِيَّةُ هل هي داخِلَةٌ على الجُمْلَة الموجودةِ المَذْكورَةِ، أو على جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ يُعَيِّنُها السِّيَاقُ؟ في هذا قَوْلانِ لأَهْلِ العِلْمِ في النحو؛ فمنهم من يقول: إنَّها داخِلَةٌ على هذه الجُمْلَة المَذْكورَة، وعلى هذا القَوْلِ يقولون: إنَّ التَّقْديرَ (وَأَلَمْ يَسيروا) فيجعلون الواوَ مُقدَّمَةً على الهَمْزَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِن أن تُجْعَلَ الهَمْزَة مُقَدَّمَةً على الواو، والواو حَرْف عَطْف تَقْتَضي معطوفًا عليه، فيقولون: إنَّ الهَمْزَة مُتَأَخِّرَةٌ والواو حَرْفُ عطف، وهذه الجُمْلَة مَعْطوفة على ما سبق. وهذا الوَجْهُ لا شَكَّ أنَّه أَسْهَلُ وأَيْسَرُ؛ إذ لا يَتَكَلَّفُ الإِنْسَانُ فيه العَناءَ في ذلك الشَّيْءِ المَحْذُوفِ المقَدَّرِ. وهو القَوْلُ الثاني: أنَّ الهَمْزَة داخِلةٌ على مَحْذُوفٍ يُعَيِّنُه السِّيَاقُ، ففي مثل هذه الآيَة، نقول: تَقْديرُ الكَلَام: أَغَفَلُوا ولم يَسيروا في الأَرْض أو كَلِمَةً نحوها، وهذا

стр. 307

التَّقْديرُ قد يكون سهلًا في بَعْضِ المواضِعِ، بمَعْنى أن بعض المواضِعِ قد يكون المَعْنى فيها ظاهِرًا ويُمْكِنك بِكُلِّ سهولَةٍ أن تُقَدِّرَ ذلك المَحْذُوفَ، لكن أحيانًا يَصْعُبُ عليك أن تُقَدِّرَ ذلك المَحْذُوفَ لاحتمالِ السِّيَاقِ لأَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَة؛ لهذا نقول: إنَّ القَوْلَ الآخَر أَقْرَبُ وأَسْهَلُ أن نَجْعَلَ الواوَ حَرْفَ عَطْفٍ والجُمْلَة هذه معطوفة على ما سبق، والأَصْلُ تَقديمُ ذلك الحرف العاطِفِ على الجُمْلَة، والتَّقْدير: وَأَلَمْ يسيروا. وَقَوْله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ السَّيْرُ هنا هل هو سَيْرُ القُلوبِ أو سَيْرُ الأَقدامِ أو كِلاهُما؟ نقول: الأَوْلَى أن نقول إنَّه شامِلٌ فيكون سَيْرُ القلوب هو سَيْرُ الأَقْدامِ، أمَّا سَيْرُ القلوب فإنَّه بالنَّظَر في تاريخ الأُمَم السَّابِقَةِ وما جرى عليهم وما جرى لأَهْلِ الخَيْرِ العاملين بالقِسْط، فيسيرُ الإِنْسَانُ بِقَلْبِه في أرجاء العالَم وهو جالسٌ على كُرْسِيِّه لا يَتَحَرَّكُ. وأمَّا السَّيْرُ بالأقدام فهو أن يتقَدَّمَ الإِنْسَانُ إلى هذه المواضِعِ ليَعْتَبِر، ومن ذلك قَوْلُ الرَّسُول ﵊: "زُوروا القُبُورَ فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ" (١) فإنَّ زيارَةَ القُبورِ سيرٌ بالأقدام، يذهب الرَّجُلُ إلى المَقْبَرة ويَقِفُ ويشاهد هذه القُبُورَ ويَعْتَبِرُ بهؤلاء القومِ الذين كانوا أشَدَّ منه قُوَّة وكانوا أكْثَرَ منه مالًا، ومع ذلك آلُوا إلى ما آلُوا إليه حتى يَعْرِفَ أنَّه سوف يَؤُولُ إلى ما آل إليه هؤلاء، طالَتِ المُدَّة أم قَصُرَت. إذن: السَّيْرُ في الأَرْض يكون بالقَلْبِ وبالقَدِمِ، وأيُّهما أَنْفَعُ للمَرْءِ: السَّيرُ بالقَلْبِ أم السَّيْرُ بالقَدَمِ؟

стр. 308

الجواب: السَّيْرُ بالقَلْبِ أَشْمَلُ وأَهْوَنُ؛ لأنَّه بإمكانِ الإِنْسَانِ أن يَطوفَ الدُّنْيا كُلَّها في ساعَةٍ واحِدَةٍ، وأسهل؛ والسَّيْرُ بالقَدَمِ أشَدُّ تأثيرًا لأنَّه يشاهِد؛ فـ (ما راءٍ كَمِنَ سَمِعَ) ولهذا أمر النَّبِيُّ ﷺ إذا دخلنا على ديار المُعَذَّبينَ، أَمَرَنا ألَّا نَدْخُلَ إلا ونَحْنُ باكون أن يُصيبَنا ما أصابَهُم (١) حتى نَعْتَبِرَ ونُصَحِّحَ المَسيرَ. وَقَوْله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: ﴿فِي﴾ هنا قال العُلَماءُ ﵏: إنَّها بمَعْنى (على) ولا تصح أن تكون للظَّرْفِيَّةِ؛ لأنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَقْتَضي أن يكون السَّائِرُ في جوف الظَّرْفِ، ومعلومٌ أنَّ السَّائِرَ في الأَرْضِ لا يَسيرُ في جَوْفِ الأَرْضِ، هل هو يفتح نَفَقًا ليسير فيه؟ لا، بل يسير على ظَهْرِها؛ قالوا فـ (في) بمَعْنى (على) ونظيرها قَوْله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على جُذوعِ النَّخْل. وَقَوْله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: (أل) يُحْتَمَل أن يُرادَ به الجِنْسُ، ويُحْتَمَل أن يراد بها العَهْدُ، فعلى الأَوَّل يكون المُرَادُ بالسَّيْر في جِنْسِ الأَرْض التي أصيبَتْ بِغَضَبٍ والتي لم تُصَبْ، وعلى الثاني يكون المُرَادُ بالأَرْض التي أصيبت بالغَضَبِ، فتكون (أل) هنا للعَهْدِ الذِّكْري؛ لأنَّ العَهْدَ الذِّكْري لا بُدَّ أن يكون هناك مذكورٌ تعود عليه (أل) أمَّا إذا لم يكن هناك مذكورٌ فهو عَهْدٌ ذِهْنِيٌّ. وَقَوْله تعالى: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فينظروا الفاء هنا قيل إنَّها عاطِفَة، وقيل إنَّها سَبَبِيَّة؛ فعلى أنَّها عاطفة يكون الفِعْلُ بعدها مَجْزومًا، وعلى أنَّها سَبَبِيَّة يكونُ الفِعْل بعدها مَنْصوبًا؛ فعلى كَوْنِها سَبَبِيَّة يكون التَّقْديرُ: أَوَلَمْ يسيروا في الأَرْض

стр. 309

فِبَسَبَبِ سَيْرِهِم يَنْظُروا، وعلى أنَّها عاطِفَةٌ يكون المَعْنى: أوَلَمْ يسيروا في الأَرْض ولَمْ يَنْظُروا كيف كان عاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهم؟ والنَّظَرُ هنا هل هو نَظَرُ القَلْبِ أو نَظَرُ العَيْنِ؟ الجوابُ: إذا قلنا إنَّ السَّيْرَ سَيْرَ القَدَمِ فالنَّظَرُ نَظَرُ العَيْنِ، وإذا قلنا إنَّ السَّيْرَ سَيْرُ القَلْبِ فالنَّظَرُ نَظَرُ القَلْبِ؛ إذن: تكون شاملةً للأَمْرَيْنِ حَسَبَما نُفَسِّرُ السَّيْرَ فيما سبق. وَقَوْله تعالى: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ هذه الجُمْلَة الإسْتِفْهامِيَّة عَلَّقَتْ (ينظروا) عن العَمَلِ، يعني: فينظروا كيف كان عاقِبَتُهُم؛ يعني أيَّ عاقِبَةٍ كانت لَهُم: هل نُعِّموا وأُكْرِموا أو عُذِّبوا وأُهْلِكُوا فينظروا، فإذا نظر الإِنْسَان العاقِلُ فسوف يَعْتَبِرُ ويقيس الحاضِرَ على الغائِبِ. وَقَوْله تعالى: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾: (عاقِبَةُ) الشَّيْءِ مآلُهُ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عاقِبَة الذين من قَبْلِهِمُ الهلاكُ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] فانظروا إلى آثارِهِم كانت الدَّمار فإذا كانت الدَّمار وسَبَبُه التَّكْذيب والإسْتِكْبار فإنَّ السَّبَبَ الذي كان فيما سبق مُؤَدِّيًا إلى هذا الهلاكِ فإنَّه سيكون مؤدِّيًا إليه فيما لَحِقَ ولا فَرْقَ. قال الله تعالى: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: (كانوا) الضَّميرُ يعود على السَّابِقينَ ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ يعني: أقوى منهم قُوَّةً، ومع ذلك لم تَنْفَعْهم قُوَّتُهم ولم تَمْنَعْهُم، وأَهْلكوا، وانظر إلى قَوْل عادٍ: مَنْ أَشَدُّ منا قُوَّة؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وكانت عادٌ مِن أقوى الأُمَمِ أَجْسامًا وصَلَابَةً وعَزْمًا، حتى إنَّهم تَحَدَّوْا وقالوا: من أشَدُّ منا قُوَّة؛ فقال الله :

стр. 310

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وأَهْلَكَهُم بأَلْطَفِ الأَشْياءِ؛ أَهْلَكَهُم بالرِّيحِ؛ قال فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزُّخرُف: ٥١] فافتَخَرَ بِجَرَيانِ الأَنْهارِ وهي المياه من تحته، فأُهْلِكَ بالغَرَقِ بالماء الذي كان يَفْتَخِرُ به. فالإِنْسَانُ العاقل إذا رأى حالَ هذه الأمم وقُوَّتها وأنَّ هذا لم يَنْفَعْهُم ولم يَمْنَعْهم من عقابِ الله فلا بُدَّ أن يَعْتَبِرَ. قال: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ الواو هنا في قَوْله تعالى: ﴿وَكَانُوا﴾ يُحْتَمَلُ أن تكون عاطِفَة ويُحْتَمَل أن تكون للحالِ والتَّقْدير: وقد كانوا أشَدَّ منهم قُوَّةً. قال المُفَسِّر ﵀: [فأَهْلَكَهُم الله بِتَكْذيبِهِمُ رُسُلَهُم] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ هنا إذا تأمَّلَ الإِنْسَان الآيَةَ، يقول: إنَّ الله تعالى لم يذكر عاقبة هؤلاء المُكَذِّبينَ في الآيَة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فلماذا لم يَذْكُرْها؟ الجواب: اعتمادًا على هذا السَّائِرِ الذي يسير فيَنْظُرُ، فمعناه: احْكُمْ أنت بِنَفْسِكَ على هؤلاء؛ فلا حاجة لأن أُخْبِرَك بأنَّ الله أَهْلَكَهُم؛ لأنَّه سوف تحكم على هذا بما تراه من آثارِهِم. قال ﵀: [﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ يَسْبِقَه ويَفُوتَهُ ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾]. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ اللَّام هنا يُسَمِّيها النَّحْويُّون لام الجُحُودِ وهو النَّفْيُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ بعده - أي بعدَ النَّفْيِ - وضابِطُ لام الجحود أن تقع بعد كَوْنٍ مَنْفِيٍّ، وإذا أردنا أن نُقَرِّبَها إلى المبتدئ نقول: أن تقع بعد (ما كان) أو (لم يكن) قال

стр. 311

تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧] اللَّام نُسَمِّيها لامَ الجُحُود، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] اللَّام لامُ الجُحُودِ. فإذا وقعت اللَّامُ بعد (ما كان) أو (لم يكن) داخِلَةً على الفِعْل المضارِعِ فإنَّها تَنْصِبُ الفِعْل المضارع أو ننْصِبُه بـ (أن) مُقَدَّرَةً بعد اللَّامِ على الخلاف، إنَّما نُسَمِّي هذه اللَّامَ لامَ الجُحودِ، لكنَّ الضَّابِطَ الذي قُلْتُ أولًا: وهي الواقِعة بعد كونٍ مَنْفِيٍّ أَعَمُّ من قَوْلنا هي المَسْبوقَةُ بـ (ما كان) أو (لم يكن)؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن تأتي بعد (كائِنٍ) تقول: لَسْتُ بكائنٍ لِأُعَذِّبَكَ؛ مثلًا، أو غَيْر كائنٍ ليكون وما أشبه ذلك، فإذا قلنا بعد كونٍ منفي كانت أعَمَّ، لكن إذا كنا نخاطِبُ شَخْصًا مُبْتَدِئًا في النَّحْو فقد يصعب عليه تَصَوُّر كَلِمَة (كونٌ مَنْفِيٌّ) فنقول له: إذا وَقَعَتْ بعد ما كان أو لم يكن، فهي لام الجُحُودِ. وتنصب الفِعْل المضارع إمَّا بِنَفْسِها كما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وإمَّا بأن مُضْمَرةً بعد اللام. قَوْله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ حَرْفُ جر زائدٌ زائد؛ زائد في الإِعْرابِ، زائِدٌ في المَعْنى أي أنَّه يزيدُ في المَعْنى، وما هي زيادَةٌ المَعْنى؟ توكيدُ النَّفْي، يعني أنَّ هذا النَّفْيَ مُؤَكِّدٌ. وَقَوْله تعالى: ﴿لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قلنا ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد فنُعْرِب ﴿شَيْءٍ﴾ على أنَّها فاعِلٌ مرفوع بضَمَّة مُقَدَّرَة على آخره مَنَعَ من ظهورها اشتغالُ المَحَلِّ بحَرَكَةِ حَرْفِ الجَرِّ الزَّائِدِ. قال المُفَسِّر ﵀: [يَسْبقه ويَفوتهُ] وهذا تَفْسيرٌ لا بأس بِبعْضِ اللَّوازِمِ،

стр. 312

كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤] ولكِنَّ العَجْزَ في الواقِع هو عَدَمُ القُدْرَةِ على الشَّيْء، وهذا أولى من تَفْسيرِ المُفَسِّر ﵀. يقول: ما كان الله تعالى ليَحُولَ بينه وبين ما يُريدُ عَجْزٌ في قُدْرَتِهِ بل هو قادِرٌ على كلِّ شَيْءٍ من إيجادِ مَعْدومٍ أو إيجادِ مَعْدومٍ أو تَغْييرِ حالٍ أو غَيْرِ ذلك، فالله تعالى لا يُعْجِزُه شَيْءٌ؛ لا في السَّمَوات ولا في الأَرْض؛ لأنَّ أَمْرَه إذا أراد شيئًا أن يقول كُنْ فيكونُ، بدون أيِّ عَمَلٍ، كَلِمَةٌ واحِدَةٌ تَجْعَلُ الشَّيْء على حَسَب مُرَادِهِ ﵎ فلا يُعْجِزُه شَيْء لا في السَّمَوات ولا في الأَرْض، وإذا كان لا يُعْجِزُه شَيْء، لا في السَّمَوات ولا في الأَرْض فإنَّه لن يَعْجِزَ عن إهلاكِ المُكَذِّبينَ الذين كَذَّبوا رسول الله ﷺ . يقول ﵀: [﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا﴾ أي بالأشياءِ كُلِّها ﴿قَدِيرًا﴾ عليها] الجُمْلَة مَوْقِعُها مِمَّا قبلها أنَّها تعليلٌ؛ فلما قال ما كان الله لِيُعْجِزَه عَلَّلَ هذا الحُكْمَ المنْفِيَّ بِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. والعِلْم إدراك الشَّيْء على ما هو عليه، والقُدْرَةُ التَّمَكُّنُ من الفِعْل بلا عجز، والقُوَّةُ التَّمَكُّن من الفِعْل بلا ضَعْفٍ، فهي أخَصُّ من القُدْرَة من وَجْهٍ، وأعَمُّ منها من وجهٍ آخر كما سَنَذْكُره. فما هو وَجْهُ كَوْنِه لعِلْمِه وقُدْرَتِهِ لا يُعْجِزُه شَيْء؟ الجواب: لأنَّ العاجِزَ عن الشَّيْء إمَّا أن يكون لعَدَمِ عِلْمِه للأَسْبَاب التي يغيِّرها به، وإمَّا أن يكون لعَدَمِ قُدْرَتِهِ، فلو تأمَّلْتَ عَجْزَ أيِّ عاجِزٍ لوجدت السَّبَبَ في عَجْزِه إمَّا أنَّه لا يَعْلَمُ وإمَّا أنَّه لا يَقْدِرُ.

стр. 313

فلو قِيل لرجُلٍ: نُريد أن تُصلِحَ هذه السَّاعَة الخَرِبَة قال: أعطني إيَّاها، وهو لا يَعْرِف أبدًا وما دَرَسَ، وعنده آلاتٌ لإِصْلاحِها وعنده قُوَّةٌ بَدَنِيَّة، فهل يَقْدِرُ أن يُصْلِحَها؟ والجواب: لا؛ لأنَّه ليس عنده عِلْمٌ، فلا يقدر أن يُصْلِحَها بل يُمْكِن أن يُفْسِدَها أكْثَرَ. ورجل آخر: عنده عِلمٌ وقد درس عِلْمَ تَصْليحِ السَّاعاتِ مثلًا، لكن ليس عنده قُدْرَةٌ بَدَنِيَّة وهو مشلول، فهل يُمْكِن أن يُصْلِحَها؟ الجواب: لا يُمْكِن؛ لِعَدَمِ القُدْرَة. إذن: انتفاء عجْزِ الله لكمالِ عِلْمِهِ وكمال قُدْرَتِهِ، وبهذا نعرف أنَّه لا يوجَدُ نَفْيٌ مَحْضٌ في صفاتِ الله، بل كُلُّ نَفْيٍ في صفاتِ الله فهو مُتَضَمِّنٌ لِثُبوتِ كمالِهِ، ولا يُمْكِن أن يوجد نفيٌ مَحْضٌ؛ ولهذا لما نفى العَجْزَ بيَّن السَّبَب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّنا يَنْبَغي أن نَنْظُرَ إلى عاقِبَةِ السَّابِقين نَظَرَ اعْتِبارٍ بِمآلهِم حين كَذَّبوا رُسُلَهُم وليس اعتبارًا بقُوَّتِهم وصناعَتِهِم وطِرازِهِم وما أشبه ذلك، وإذا طبَّقْنا هذا على واقِعِ النَّاسِ اليوم الذين يَذْهَبون إلى ديارِ ثَمودَ؛ وجدنا أنَّهم يَذْهَبون إليها لا لِيَعْتَبِروا بما صَنَعَ الله بهم من العُقُوبَةِ لتَكْذيبِهِمُ الرُّسُلَ، ولكن لِيَنْظُروا كيف كانت قُوَّتُهم وصِناعَتُهم وزخارِفُهم وما أشبهه، وهذا حرامٌ، فلا يجوز أن يذهب الإِنْسَان إلى ديار هؤلاءِ المُكَذِّبينِ لهذا الغَرَضِ؛ لِقَوْل الرَّسُولِ ﵊: "لا تَدْخُلوا على

стр. 314

هَؤُلاءِ المُعَذَّبينَ إِلَّا أَنْ تَكُونوا بَاكِينَ، فإنْ لَمْ تَكُوُنوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ" (١). مَسْأَلَة: السَّيْرُ في الأَرْض لِلإعْتِبَارِ لَا بَأْسَ بِهِ، وإذا كانت مَصْلَحَتُه أكثر من نقصه كان مَحْمُودًا، وإن كان نَقْصُه أَكْثَرَ من مَصْلَحَتِه فإنَّه لا يَنْبَغي، فمثلًا لو ذهب ينظر في آياتِ الله تعالى في الجبالِ الشَّاهِقَة وفي الأَنْهار وفي البِحارِ وما أشبه ذلك، فهذا حسنٌ مَحْمودٌ، لكن إذا كان يُكَلَّفُ من النَّفَقَة أكثر مِمَّا يَنْتَفِعُ به الإِنْسَان فإنَّه يُنْهَى عنه؛ لأنَّ في ذلك إِضاعَةَ المالِ، أمَّا إذا كانت النَّفَقَة قَليلَةً أو كان هذا الرَّجُلُ ذا مالٍ كثيرٍ لا يَتَضَرَّر به، ولَكِنَّه يَنْتَفِع به من النَّاحِيَة الإيمانِيَّةِ فلا بأس به. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ في التاريخ عِبَرًا يَعْتَبِرُ بها العاقِلُ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اسْتِعْمالُ قياسِ الْأَوْلَى؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فإذا كان الله تعالى أَهْلَكَهُم مع كَوْنِهِم أَشَدَّ منهم قُوَّة، فإنَّ إهلاكَ هؤلاء من باب أولى. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن قُوَّة البَشَرِ مهما عَظُمَتْ لا تمنع من الله شيئًا؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ولذلك لما قالت عادٌ: مَنْ أَشَدُّ منا قُوَّةً، قيل لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ في السَّيْرِ في الأَرْض قَلْبًا أو قَدَمًا عِبْرَةً لا للمُرْسَلِ إليهم، بل وللرُّسُلِ أيضًا؛ فإنَّ إِهْلاكَ المُكَذِّبينَ للرُّسُلِ انتصارٌ للرُّسُل، فمَعْلومٌ أنَّ الله إذا أَهْلَكَ عَدُوَّكَ فإنَّه انتصارٌ لك بلا شَكٍّ.

стр. 315

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: نَفْيُ العَجْزِ عن الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنَّ فيها نَفْيَ العَجْزِ عنه لِكَمالِ عِلْمِه وقُدْرَتِهِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ من صفاتِ الله تعالى ما يكون سَلْبِيًّا - أي مَنْفِيًّا عن الله - والقاعِدَة العامَّة: أنَّ كلَّ صِفَةِ نَقْصٍ فهي مَنْفِيَّةٌ عن الله ، كما أنَّ كلَّ صِفَةِ كَمالٍ فهي ثابتَةٌ له، ولكنَّ التَّفْصيلَ لا بُدَّ فيه من دليلٍ؛ لأنَّ هذه قاعِدَة عامَّة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، ولِقَوْله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] لكِنَّ التَّفْصيلَ بأنَّ هذه الصِّفَة المُعَيَّنة ثابِتَةٌ لله أو مُنْتَفِيَةٌ عنه لا بُدَّ فيها من دليلٍ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الله لا ينفي شيئًا عن نَفْسِه إلا لِثُبُوتِ كَمالِ ضِدِّه؛ لأنَّه لما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ فيُسْتَفادُ من ذلك: أنَّ كُلَّ صِفَةٍ مَنْفِيَّةٍ عن الله لا يرادُ منها مُجَرَّدُ النَّفْي؛ لأنَّ مُجَرَّدَ النَّفْيِ المَحْضِ ليس فيه فائِدَةٌ؛ إذ إنَّ النَّفْي المحض عدمٌ مَحْضٌ، والعَدَمُ ليس بشَيْءٍ، فضلًا عن أن يكون كَمَالًا؛ ولأنَّ النَّفْيَ قد يكون سَبَبُه العَجْز، كما في قَوْلِ الشَّاعِرِ: قُبَيِّلةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ... وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ (١) هذا ذَمٌّ؛ لأنَّهم لعَجْزِهِم لا يَسْتَطِيعون، فلا يَظْلِمونَ النَّاسَ ولا يَغْدِرونَ بالذِّمَم. وقد يكون سَبَبُه عَدَمَ القابِلِيَّة لا لِلْكَمالِ، ولكن لأنَّه غَيْرُ قابِلٍ لهذه الصِّفَة، كما لو قلتَ: إنَّ جدارَ بَيْتِنا لا يَظْلِمُ، فهو صحيح أنَّه لا يَظْلِمُ أَحَدًا، لكن لا لأنَّه كامِلُ

стр. 316

العَدْلِ، ولكن لأنَّه لا يَقْبَلُ كَلِمَةَ ظُلْمٍ، فنَفْيُها عنه كثُبُوتِها له، حتى لو قلتَ: جِدارُنا يَظْلِمُ، فلا أَحَد يُصَدِّقُكَ. إذن: فصِفاتُ الله المَنْفِيَّة التي يُسَمِّيها العُلَماءُ ﵏ السَّلْبِيَّةَ تَتَضَمَّنُ كمال الضِّدِّ، يعني لكمال عِلْمِه وقُدْرَتِهِ، فلا يُعْجِزُه شَيْءٌ في السَّمَوات ولا في الأَرْضِ. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إِثْباتُ أنَّ السَّمَواتِ أَكْثَرُ من واحِدَةٍ؛ لأنَّها جاءت بصيغة الجَمْعِ: السَّمَوات، وهي سَبْعٌ بنَصِّ القُرْآنِ والسُّنَّة؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥]، والسُّنَّةُ كذلك ظاهِرةٌ في أنَّ السَّمَواتِ سَبْعٌ، كقول النَّبِيِّ ﵊: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَواتِ السَّبْعِ ومَا أَظْلَلْنَ" (١). الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثْباتُ اثنينِ مِنْ أَسْماءِ اللهِ؛ وهما العليم والقديرُ، وما تَضَمَّناه من صِفَةٍ أو حُكمٍ من صِفةٍ وهي العِلم والقُدْرَةُ، أو صِفَةٌ أو حُكمٌ وهو: أنَّه يَعْلم وَيقْدِرُ على كُلِّ شَيْء. * * *

стр. 317

الآية (٤٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]. * * * (لو) هذه شَرْطِيَّةٌ، و (لو) تأتي شَرْطِيَّةً كما هنا، وتأتي للتَّمَنِّي مثل قَوْله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، وتقول مثلًا: لو كان لي مِثْلَ مالِ فلانٍ، يعني أتمنى أن يكون لي مثل مال فلان، فتأتي شَرْطِيَّة وتأتي للتَّمَنِّي، وتأتي أيضًا مَصْدَرِيَّة بمَعْنى (أنْ). فهنا هي شَرْطِيَّة، وإذا كانت شَرْطِيَّةً، فإما أن يكون جوابُها مثبتًا وإمَّا أن يكون مَنْفِيًّا، فإن كان مُثْبَتًا فالأكْثَرُ فيه إثباتُ اللَّام، وإن كان مَنْفِيًّا فالأكْثَرُ فيه حذف اللام. مثال ذلك في الإثبات: قَوْله : ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقِعة: ٦٥] الجواب: ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾ وفيه اللامُ، وقال تعالى في نفس السُّورَة: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقِعة: ٧٠] الجواب: ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ وحُذِفَتْ منها اللام. أما إذا كان جوابُها منفيًّا بـ (ما) فإنَّ الأكثر عدم اقتران (ما) باللَّامِ فتقول مثلًا: لو جاءني ما أَهَنْتُه، وهنا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا

стр. 318

تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. وقد تقترن اللَّام بـ (ما) لَكِنَّها قليلةٌ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: وَلَو نُعْطَى الْخِيَارَ لمَا افْتَرَقْنَا (١) ... ........................... والأَكْثَرُ (ما افْتَرَقْنا). يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. قَوْله تعالى: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ أي يعاقِبُ، والمؤاخَذَةُ بالذَّنْبِ العُقوبَةُ عليه. وَقَوْله تعالى: ﴿النَّاسَ﴾ عامٌّ يَشْمَلُ الكُفَّارَ ويَشْمَلُ العُصاةَ من المُؤْمِنين. وَقَوْله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾: (ما) يجوز أن تكون مَصْدَرِيَّةً؛ أي بِكَسْبِهم، ويجوز أن تكون مَوْصولةً، فإذا كانت مَوْصولَةً فلا بُدَّ من تَقْدير العائِدِ، وتَقْديره: بما كَسَبوهُ. وَقَوْله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بما اكْتَسَبوا من المعاصي، وسَمَّى الله تعالى المعاصيَ كَسْبًا؛ لأنَّ العامِلَ ينالُ جَزاءَها، فكأنَّه كَسَبَ هذا الجزاء، مع أنَّه كَسْبٌ خاسِرٌ؛ ولهذا إذا اقْتَرَنَ مع العَمَلِ الصَّالِحِ أتى بغير هذا اللَّفْظِ؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ففرَّقَ بينهما. أما إذا أُفْرِد أحدهما عن الآخَرِ فيصِحُّ الكَسْبُ في الخَيْراتِ وفي السَّيِّئاتِ.

стр. 319

وَقَوْله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ أي الأَرْضِ؛ قال المُفَسِّر ﵀: [أي الأَرْضِ] وأعاد الضَّميرَ على غَيْر مذكورٍ، قال بعضهم: إنَّه أعاده على مذكورٍ، وهو قَوْله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، والكَلَام كُلُّه في سياق واحِدٍ، في سياق العاصينَ ومآلهِم وعُقُوبَتِهِم، فالكَلَامُ نَسَقٌ واحِدٌ فالأَرْض إذن: مذكورة. وقال بعضهم: هي غَيْر مذكورة، لَكِنَّها معلومَةٌ من السِّيَاقِ لأنَّ الدَّوابَّ إنَّما هم على ظَهْرِ الأَرْضِ، فمَعْلومَةٌ من السِّيَاق، وما عُلِمَ من السِّيَاقِ فإنَّه لا يَحْتاجُ إلى مَرْجِعٍ مذكورٍ؛ ألم تَرَ إلى قَوْله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] فَقَوْله تعالى: ﴿تَوَارَتْ﴾ أي: الشَّمْسُ، مع أنَّه لم يَسْبِقْ لها ذِكر، لَكِنَّها معلومَةٌ فإنَّها هي التي تتوارى بالحِجابِ. وَقَوْله ﵀: [﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ نَسَمَة تَدِبُّ عليها] ﴿مِنْ﴾ حرف جَرٍّ (زائدٍ زائد)؛ لأنَّها جاءَتْ بعدَ النَّفْي: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: ما ترك عليها دابَّةً لَكِنَّها دخلت عليها ﴿مِنْ﴾ لتُؤَكِّدَ العُمومَ؛ وقال المُفَسِّر ﵀: [نَسَمَةً تَدِبُّ عليها] النَّسَمَة هي كل ذاتٍ تَتَنفَّسُ، لأنَّها مَأْخوذة من النَّسَم وهو التَّنَفُّس وكل شَيْء فيه رُوحٌ فإنَّه يتَنَفَّس. والمَعْنى: لَهَلَكَ كُلُّ شَيْءٍ على الأَرْض؛ أمَّا البَشَرُ العاصون فهَلاكُهُم واضِحٌ، وأمَّا غَيْرُهُم فبِشُؤْمِ الأَوْساط تَمُوتُ هذه الدَّوابُّ، إمَّا بأن يَمْنَعَ اللهُ المَطَرَ والنَّباتَ فتموتُ هذه الدَّوابُّ؛ لأنَّها لا تجد عَيْشًا أو أنَّها تموت بأوْبِئَةٍ تَجْتاحُها بسبب أعمالِ النَّاسِ. وقال ﵀: [﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: يَوْم القِيامَةِ].

стр. 320

﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: النَّاسَ، والفاعِلُ هو الله، ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ أي: مُدَّةٍ ﴿مُسَمًّى﴾ مُعَيَّنٍ، وهو يومُ القِيامَة، كما قال الله ﵎ في سورة هود: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٤] أي: أَجَلٍ مُسَمًّى مُعَيَّنٍ عند الله ﵎، ولا يَعْلَمُ هذا الأَجَلَ إلا اللهُ؛ فإنَّ عِلْمَ السَّاعَةِ لا يكون إلا لله ؛ وقد حجز عنه أَعْلَمَ البَشَرِ وأَعْلَم المَلائِكَة حين سأل جبريلَ النَّبِيُّ ﷺ عن السَّاعَةِ قال: "مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" (١). والأَجَلُ المُسَمَّى لا بُدَّ أن يَجيءَ، فكُلُّ شَيْءٍ مُسَمَّى فهو قريبٌ، لكنَّ الأَجَلَ المُبْهَم هو الذي يَنْتَظِرُه الإِنْسَانُ إلى أن يَحْصُل، أمَّا المُسَمَّى فلا بُدَّ أن يُوصَلَ إليه. وَقَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني: انْتَهَتِ المُدَّة وصار يومُ القِيامَة، سواء كانَتِ القِيامَةُ الكُبْرَى أو القِيامَة الصغرى، فالقِيامَةُ الكُبْرَى العامَّةُ لجميعِ النَّاسِ، والصُّغْرى مَوْتُ كُلِّ إِنْسَانٍ. وَقَوْله ﵀: [﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ فيجازيهم على أَعْمالهِم بإثابَةِ المُؤْمِنينَ وعِقابِ الكافرينَ]. جُمْلَة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ جوابُ شَرْطِ قَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾. فإذا قال قائِلٌ: ما وَجْهُ ارتباطِ الجوابِ بالشَّرْطِ في قَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ يعني قد تَتَوَقَّعُ: فإذا جاء أجلهم عاقَبَهُم الله؟ فيقال: إنَّ قَوْله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ أَبْلَغُ من: (فإذا جاء
следующие страницы →