قول المُفَسِّر ﵀: [لا نبات بها] وهذا هو مَوْتُ البَلَدِ، والمُرَاد بالبَلَدِ هنا ليس المَسْكونَ من الأَرْضِ، بل ما هو أَعَمُّ، فيَشْمَلُ المَسْكونَ وغيْرَ المَسْكونِ، وتَخْصيصُ البَلَدِ بالمسكونِ تَخْصيصٌ عُرْفِيٌّ، وإلا فإنَّ كُلَّ الأَرْض بلد لانْبِلادها وتَسَطُّحها؛ ولهذا يقول الله : ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ أحيينا به، سُقْناه فأَحْيَيناه، هنا الأفعال والضَّمائِرُ على نسقٍ واحد.
قَوْله: [﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ من البلد]: [من البلد]؛ يعني: أَرْضَ البَلَد هذه التي كانت مَيِّتَةً أحياها الله ؛ أحياها بالنبات؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يُبْسِها؛ أي: أَنْبَتْنا به الزَّرْعَ والكَلَأ] وهذا أمرٌ مُشاهَدٌ، تأتي الأَرْض يابِسَةً هامِدةً عيدان تَتَكَسَّر فيُنْزِلُ الله المَطَر عليها، ثم تَهْتَزُّ خَضْراءَ فيها من كلِّ زوجٍ بَهيجٍ، فمن الذي أحياها؟
الله ، لا يَسْتَطِيعُ الخَلْقُ أن يُحْيُوها أبدًا مهما كان، حتى الكَلَأ الذي يُنْبَتُ بالمَطَرِ لا يُنْبِتُه الماء الجاري كما هو مُشاهَدٌ؛ يعني: لو تَسْقي هذه الأَرْضَ مهما سَقَيْتَها بالماءِ الجاري فإنَّ الكَلَأَ الذي يَنْبُت من المَطَر لا يُنْبَت بهذا الماء.
إذن: فالله هو الذي أحيا هذه الأَرْضَ بعد مَوْتِها؛ أي: بعد أن كانتْ يابِسَةً هامِدَةً ليس بها نباتٌ، أحياها الله بقُدْرَته.
قَوْله: [﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: البَعْثُ والإِحياءُ]
﴿كَذَلِكَ﴾ الكافُ هنا اسْم بمَعْنى: (مثل)، وهي خبرٌ مُقَدَّمٌ و ﴿النُّشُورُ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ؛ أي: النُّشُورُ مثل ذلك، ويجوز أن تقول: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكافُ حرفُ جَرٍّ، ليست اسمًا بمَعْنى: (مثل) وتجعلها جارًّا ومَجْرورًا خبرًا مقدَّمًا، و ﴿النُّشُورُ﴾: مُبْتَدَأً
стр. 72
مُؤَخَّرًا، والتَّقْدير: (النُّشُورُ كائنٌ كذلك)، و ﴿النُّشُورُ﴾ هو نَشْرُ الأَمْواتِ على وَجْهِ الأَرْضِ وإِحْياؤُهُم بعد أن كانوا أمواتًا.
والتَّشْبيهُ هنا هل هو تشبيهٌ للسَّبَبِ والنَّتيجَةِ أو للنَّتيجَةِ فقط؛ أي: هل المَعْنى أنَّ النُّشُور الذي يكون للأَمْواتِ يكون بِواسِطَةِ ماءٍ يُنْزِلُه الله فَتَنْبُتُ هذه الأَجْسامُ ثم تَحْيا، أو أنَّ التَّشْبيهَ للنَّتِيجَةِ فقط؛ أي إِنَّ إحياءَ الموتى كإحياءِ الأَرْضِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عن السَّبَب؟
الجوابُ: الأوَّلُ؛ لأنَّه وَرَدَ عن النَّبِيِّ ﵊ أنَّ الله تعالى يُرْسِلُ على الأَرْض مِن تَحْتِ العَرْشِ مطرًا غَليظًا حتى يَصِلَ إلى الأَجْسامِ فتَنْبُتُ في القُبُورِ كما تَنْبُتُ الحَبَّةُ في الأَرْضِ، وإذا تكامَلَتِ الأَجْسامُ نُفِخَ في الصُّورِ، فخَرَجَتِ الأَرْواحُ إلى أَجْسامِها (١)، وعلى هذا فيكون التَّشْبيهُ هنا عائدًا إلى السَّبَب والنَّتيجَة أيضًا، هذا هو المشهور عند أَهْلِ العِلْمِ ﵏.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ قُدْرَة الله في إِرْسالِ هذه الرِّياحِ اللَّطيفَةِ التي تَحْمِل أو تُثيرُ هذا السَّحابَ الثَّقيلَ، قال الله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإثباتَ بالأَسْبابِ وأنَّ المسبَّباتِ مربوطةٌ بأَسْبابِها لِقَوْله تعالى: ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ﴾ فإنَّ الفاء هنا للسَّبَبِيَّة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه يَنْبَغي في الأُمُور الهامَّة أن يُصاغَ الماضي بِصيغَةِ الحاضِرِ
стр. 73
استحضارًا له في الذِّهْنِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ فإنَّ تَصْويرَ الماضي بِصيغَة الحاضِرِ لا شَكَّ أنَّه يَحُثُّ الإِنْسَانَ إلى تَصَوُّرِه أكثَرَ من الشَّيْء الماضي.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ هذا السَّحابَ يَجْري بأَمْرِ الله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هذا السَّحابَ له شعورٌ؛ يعني: معناه يَعْدُو ويَجْري، وهذا يُمْكِنُ أن يُؤْخَذُ من قَوْله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ أي: كما يُساقُ البَعيرُ، وعلى هذا جاء الحديثُ الصَّحيحُ في قِصَّةِ الرَّجُلِ الذي سَمِعَ صوتًا في سحابَةٍ: "اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ" (١)، فإنَّ تَوْجيهَ الأَمْرِ إليه يدُلُّ على أنَّه ذو شُعورٍ، ولا شَكَّ أنَّ جَميعَ الكائناتِ بالنِّسْبَةِ لأمر الله أنَّها ذاتُ شعور، قال الله تعالى في الأَرْض والسَّماء: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بيان قُدْرَةِ الله بإحياءِ الأَرْض بعد مَوْتِها؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: صِحَّةُ وَصْفِ الأَرْض بالحياةِ والمَوْتِ مع أنَّها لَيْسَت من الحيواناتِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الرَّدُّ على أَهْل الكَلَام الذين يقولون: إنَّه لا يُوصَفُ بالحياةِ والمَوْت شَيْءٌ من الجَماداتِ؛ لأنَّه هنا أَثْبَتَ الحياةَ والمَوْتَ للأَرْض وهي من الجماداتِ، وقال تعالى في الأَصْنَام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١].
стр. 74
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بَيَانُ قُدْرَة الله بإحياء الأَرْض بعد موتها؛ فإنَّ هذه الأَرْضَ التي كانت يابِسَةً هامِدةً تعود فتَهْتَزُّ خُضْرَةً وازدهارًا؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ فأضاف الإحياء إلى نَفْسِه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثْباتُ الأَسْبابِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ فإنَّ الباءَ هنا للسَّبَبِيَّة.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جواز إضافَةِ الشَّيْء إلى سَبَبِه المَعْلومِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾.
وإضافَةُ الشَّيْءِ إلى سَبَبِه المعلومِ أمرٌ واقِعٌ في القُرْآن وفي السُّنَّة؛ بمَعْنى: أنَّه لا يُشْتَرَطُ أن تَقْرِنَ معه الله ، فاذا أَضَفْتَ الشَّيْءَ إلى سَبَبِه المعلوم - وإن لم تكن تَقْرِنُ الله به - فلا بأسَ، لكِنَّ المحرَّمَ أن يُضافَ إلى سببٍ غَيْرِ مَعْلومٍ لا شرعًا ولا حِسًّا، أو أن يضاف إلى سَبَبِه المعلومِ مَقْرونًا مع الله بِحَرْفٍ يقتضي التَّسْوِيَة.
فمثلًا: إضافَةُ الشِّفاءِ إلى التَّمائِمِ والحِلَقِ والخُيُوطِ، وما أشبهها، هذا لا يجوز؛ لأنَّ هذا السَّبَبَ غَيْرُ معلوم فلا يَصِحُّ، وإضافَةُ تَلْيينِ البَطْنِ إلى العَقَّارِ الذي تَناوَلْتَه حتى لَيَّنَ بَطْنَكَ صَحيحٌ؛ لأنَّه سببٌ معلومٌ بالحِسِّ، وإضافَةُ الشِّفاءِ إلى قِراءَة الفاتِحَةِ جائِزٌ؛ لأنَّه سَبَبٌ معلومٌ بالحِسِّ وبالشَّرْعِ؛ "وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ" (١).
فالمَحْظُور إذن أن يُضافَ الشَّيْءُ إلى غَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ أو حِسِّيٍّ، أو أن يضافَ إلى سبب شَرْعِيٍّ أو حِسِّيٍّ مقرونًا مع الله بِحرْفٍ يقتضي التَّسْوِيَة؛ مثل: (لولا الله وكذا) فإن هذا لا يجوز؛ لأنَّه من الشِّرْك؛ حيث قَرَنَ الله مع غَيْره بالواوِ التي تَقْتَضي
стр. 75
التَّسْوِيَةَ، ولكن قل: (لولا اللهُ ثم كذا).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ صِحَّةِ القياسِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ وإثباتُ القياسِ كثيرٌ في القُرْآن، فكُلُّ مَثَلٍ ضَرَبَه الله فهو دليلٌ على القياسِ؛ فكُلُّ مَثَلٍ سواء للدنيا أو للإِنْسَان أو للأوثان أو لأي شَيْء، فإنَّه دليلٌ على ثبوتِ القياسِ وصِحَّتِه؛ لأنَّ المقصودَ بالمَثَلِ قياسُ المَضْروبِ بالمَضْروب فيه، وهذا هو القياسُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الإشارَةُ إلى أنَّ إحياءَ المَوْتى كإحياءِ الأَرْضِ بعد مَوْتِها؛ أي: كما جاء في الآثارِ أنَّ المَطَر يَنْزِل على الأَرْضِ كمَنِيِّ الرِّجالِ، يبقى أربعينَ يومًا تَنْبُت منه الأجسامُ، ثم بعد ذلك يُنْفَخُ في الصّور، فتعودُ الأَرْواحُ إلى أجسامِهَا.
* * *
стр. 76
الآية (١٠)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠].
* * *
﴿مَنْ﴾ هنا شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ فيها ظاهِرٌ؛ يعني: يقول: أيُّ إِنْسَانٍ يريدُ العِزَّة فلِلَّهِ العِزَّةُ جميعًا ﴿مَنْ كَانَ﴾ لكنَّها عامَّة؛ لأنَّ أَسْماءَ الإسْتِفْهامِ وأَسْماءَ الشَّرْطِ والأَسْماءَ الموصولَةَ كُلَّها تُفيدُ العُمُومَ؛ يعني: أيُّ أَحَدٍ يريد العِزَّةَ؛ أي: يَطْلُبُها ويَحْرِص عليها، والعِزَّةُ هي الغَلَبَة والمَنَعَة وقهر الأَعْداءِ.
﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أي: فَلْيَطْلُبْها منه، فما دامت العِزَّةُ له مِلْكًا وتَصَرُّفًا فإنَّها لا تُطْلَب إلا منه؛ كما لو قُلْتَ: (من كان يريدُ المالَ فالمالُ عند زَيْدٍ) المَعْنى: فَلْيَطْلُبِ المالَ من زيدٍ، والمَعْنى هنا: من كان يريد العِزَّةَ فلْيَطْلُبِ العِزَّةَ من الله لا من غَيْرِهِ، هذا يُرادُ به الرَّدُّ على أولئك الذين يَعْبُدون الأَصنامَ لأجل أن يتَّخِذوا منها العِزَّة، ففي هذه الآيَة إشارَةٌ إلى أنَّه لا عِزَّة لهذه الأَصْنَام: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١].
الجواب: ﴿كَلَّا﴾ [مريم: ٨٢] لن يكونوا لهم عِزًّا، بل بالعَكْس، سيُذِلُّونَهم في موقعٍ هم أَحْوَجُ ما يكونوا إلى العِزَّة ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾
стр. 77
[مريم: ٨٢] فأين العِزَّةُ في هذه الأصْنامِ أو في هذه الآلِهَة التي اتَّخَذوها من دون الله؟
وردت العِزَّةُ في آياتٍ كثيرةٍ من القُرْآن، ورَدَتْ في آيَةٍ أخرى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنافِقون: ٨] ولا منافاة بينها وبين هذه الآيَة، فإنَّ العِزَّة لله أَصْلًا، ولرَسُولِهِ من الله، وللمُؤْمِنين من الله، وحينئذٍ فالعِزَّةُ كلُّها لله كما قال الله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] فكُلُّ من عنده عِزَّة فإنَّها ليست عِزَّةً ذاتِيَّةً له من ذاتِ نَفْسِه، ولكنها من الله ، وبماذا تكون العِزَّة التي يَكْتَسِبُها الإِنْسَان وهي من الله؟
تكون بما علَّق الله العِزَّة عليه وهي الإيمانُ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنافِقون: ٨] فمتى أراد الإِنْسَانُ العِزَّة فليكن مُؤْمِنًا، وكُلُّ ما كان أكْثَرَ إيمانًا بالله وأقوى إيمانًا بالله كان أكثر عِزَّةً وأقوى عِزَّةً.
ولهذا قال عمر ﵁: "إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسْلَامِ فَلَنْ نَبْتَغِيَ العِزَّة بِغَيْرِهِ" (١) بسواه، أذَلَّنا الله، وصدق ﵁؛ فالعَرَبُ لما كانوا عربًا ليس عندهم إِسْلامٌ كانوا أذِلَّةً فُقَراءَ يَذْهبونَ إلى اليَمَنِ في الشِّتاء ليأتوا بالسِّلَعِ منه، ويَذْهبونَ إلى الشَّامِ في الصَّيْف ليأتوا بالسِّلَع منه، فهم فُقَرَاءُ يَأْكُلون من غَيْرهم، لكِنْ لما آمَنُوا صاروا هم الأَغْنِياء، وصارت كُنُوزُ كِسْرى وقَيْصَرَ تأتي إلى المدينة لتُنْفَقَ عليهم من المدينة.
إذن: نحن مهما أردنا العِزَّة لن نَسْتَعِزَّ إلا بالإِسْلام، لن يكون أعداءُ الله سببًا لعِزِّنا أبدًا، بل إنَّ تَوَلِّيَنا إياهم وموالاتِنا لهم سببٌ للذُّلِّ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 78
لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].
وإذا تَتَبَّعْتَ الواقِعَ وَجَدْتَه شاهدًا لِقَوْلِ الله تعالى هذا، وأنَّ أعداء المُسْلِمين لا يُمْكِن أبدًا أن يَسْعَوْا في إعزازِ المُسْلِمينَ، بل يَسْعَوْنَ بكلِّ جُهْدِهم إلى إذلالِ المُؤْمِنين وخِذْلانِهِم، لكنهم يَمْكُرونَ، ويُخادِعونَ، ويَسْخرونَ، ويَسْتَهْزئون؛ لينالوا مآرِبَهم، ويضربوا النَّاسَ بَعْضَهُم ببعض.
فالحاصِلُ: أنَّه إذا كانت العِزَّة لله فمن أين نَطْلُبُها؟
الجواب: من الله، لا من غَيْره.
قَوْله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ من العِزَّة التي هي المُبْتَدَأ المؤَخَّرُ، وفي قَوْله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ فيها حَصْرُ العِزَّة لله ، ووَجْهُه: تقديمُ الخَبَر؛ لأن تقديم الخَبَرِ يُفيدُ الحَصْر.
إذن: تقديمُ الخَبَر يفيد الحَصْرَ؛ لأنَّ لدينا قاعِدَةً سبقت: وهي أن تقديم ما حَقُّه التَّأخيرُ يُفيد الحَصْرَ.
وَقَوْله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ يراد به عُمومُ الأَنْواعِ وعُمُومُ الأَزْمانِ وعُمُومُ الأَمْكِنَة. عموم الأَنْواعِ هي: عِزَّةُ القَدْر، والقَهْر، والإمْتِناعِ.
والأَزْمان؛ أي: الدُّنْيا والآخِرَة.
والمكان: في مَشارِقِ الأَرْضِ ومَغارِبِها.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أي: في الدُّنْيا والآخِرَة فلا تُنالُ منه - أي: فلا تُنالُ العِزَّةُ من الله - إلا بطاعَتِه، فَلْيُطِعْه] أي: فَلْيُطِعْه
стр. 79
من كان يريد العِزَّةَ، أو (فَلْنُطِعْهُ) بالنون.
أفاد المُفَسِّر ﵀ أنَّ جوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وهو قَوْله: [فَلْيُطِعْهُ]، ولكن الصَّوابَ أنَّ التَّقْدير: (فَلْيَطْلُبْها من الله)، (من كان يريدُ العِزَّة فلِلَّهِ العِزَّة جميعًا فَلْيَطْلُبْها منه) ويَشْمَلُ الطَّلَبَ بلِسانِ الحالِ وبِلِسانِ المَقالِ.
أما على رأي المُفَسِّر ﵀ فإنَّ الطَّلَبَ يَخْتَصُّ بلسانِ الحال فقط، فالصَّوابُ إذن أنَّ جوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، تَقْديره: (فَلْيَطْلُبْها منه) لِيَشْمَل ذلك طَلَبَ الحالِ وطَلَبَ المقالِ، فطَلَبُ المقالِ أن تقول: (اللَّهُمَّ أَعِزَّني)، (اللَّهُمَّ اجعل لي العِزَّةَ على عَدُوِّي) وهكذا، وطَلَبُ الحال: أن تقومَ بطاعَةِ الله بل بطاعَةِ الله مع تَحْقِيق الإيمان؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنافِقون: ٨].
وقد ذُكِرَت العِزَّة في مواضِعَ كثيرةٍ من القُرْآن، ومنها قَوْله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المُنافِقون: ٨]، وَقَوْله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].
قَوْله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾: ﴿إِلَيْهِ﴾ جارٌّ ومَجْرورٌ مُقَدَّمٌ على عامِلِهِ وهو ﴿يَصْعَدُ﴾ والضَّميرُ في ﴿إِلَيْهِ﴾ يعود إلى الله ، لمَّا ذكر أنَّ العِزَّةَ لله جميعًا بيَّنَ ما يكون من أَسْبَابِ العِزَّة، فقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾.
قَوْله تعالى: ﴿يَصْعَدُ﴾ أي: يَرْتَفِعُ ويَعْرُج الكَلِمُ الطَّيِّب.
يقول المُفَسِّر ﵀: [يَعْلَمُه] ففَسَّرَ صُعُودَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ بِعِلْمِ الله إياه، وهذا تحريفٌ للكَلِمِ عن مواضعه، بل المُرَادُ بالآيَة ظاهِرُها، أنَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ يصعد إلى
стр. 80
الله؛ يعني: يَعْرُج إلى الله ، لكن المُفَسِّر - غفر الله لنا وله - أراد أن يَبْعُدَ عن إثباتِ العُلُوِّ الذَّاتِيِّ، فقال: [يَعْلَمُه]، ولو كان المُرَاد العِلْمَ، لم يقل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ لأنَّ العِلْمَ لا يَلْزَمُ منه الصُّعُودُ، بل قد يكون العالِمُ بالشَّيْء أَنْزَلَ من الشَّيْءِ؛ كما لو كُنْتَ في أَسْفَلِ البِئْرِ وأنت تعلم ما فوق.
على كلِّ حالٍ: هذه هَفْوَةٌ من المُفَسِّر ﵀، نسأل الله أن يَعْفُوَ عنه.
ونقول: إلى الله يَصْعَدُ؛ أي: يرتَفِعُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ؛ لأنَّ الله في العُلُوِّ، وأدِلَّةُ العُلُوِّ قد بُيِّنَتْ في العقائِدِ، وأنَّها خَمْسَةُ أَنْواعٍ: الكِتَاب، والسُّنَّة، والإجْماع، والعَقْل، والفِطْرَة؛ كُلُّها مُتَّفِقَة على عُلُوِّ الله بذاتِهِ، وفي كِتَاب (الإقناع) (١) أنَّ شَيْخَ الإِسْلامِ ﵀ يقول: من زَعَمَ أنَّ الله تعالى معنا بذاتِهِ في المكانِ فهو كافرٌ.
وَقَوْله تعالى: ﴿الْكَلِمُ﴾ اسْم، جَمْع (كَلِمَة)، فهو دالٌّ على الجمع، وما المُرَاد بالكَلِمِ الطَّيِّبِ؟
الكَلِمُ الطَّيِّب هو كلُّ كَلِمٍ يُقَرِّبُ إلى الله ، فـ (لا إله إلا الله) من الكَلِم الطَّيِّب، وسبحان الله، والحَمْد لله، والله أكبر، كُلُّها من الكَلِم الطَّيِّب، والقُرْآنُ من الكَلِم الطَّيِّب، والأَمْرُ بالمعروف والنَّهْيُ عن المُنْكَر من الكَلِم الطَّيِّب، وقِراءَةُ العِلْم من الكَلِم الطَّيِّب، وكُلُّ قَوْلٍ يُقَرِّب إلى الله فهو من الكَلِمِ الطَّيِّب.
والكَلِمُ الطَّيِّبُ يقابله نوعان من الكَلَام: كَلِمٌ رَدِيءٌ خَبيثٌ، وكَلِمٌ لا هذا ولا هذا، لا يُوصَفُ بأنَّه طَيِّب ولا يوصف بأنَّه خبيثٌ.
أمَّا الكَلِمُ الخَبيثُ فككَلِمَةُ الكُفْرِ والسَّبِّ والشَّتْمِ واللَّعْن لمن لا يَحِلُّ سَبُّه
стр. 81
ولا شَتْمُه ولا لَعْنُه.
وأمَّا الكَلِمُ الذي لا هذا ولا هذا، فهو أكْثَرُ كَلَامِ النَّاسِ.
والصِّنْفانِ جميعًا لا يُرْفعانِ إلى الله؛ أمَّا الأَوَّل فِلأنَّه خَبيثٌ، و"اللهُ تعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طَيِّبًا" (١)، وأمَّا الثاني فِلأَنَّه لم يُقْصَدْ به الله حتى يُرْفَعَ إلى الله، وهذا الثاني - أعني: الذي ليس هذا ولا هذا - قد يكون طَيِّبًا لا لِذَاتِهِ ولكن لِغَيْرِه؛ لمِا يُوصِلُ إليه من المقاصِدِ الحَسَنَةِ، فإنَّ الإِنْسَانَ قد يَتَحَدَّثُ إلى شخص كَلَامًا ليس هو خَيْرًا في نفسه لكن يَقْصِد به التَّأْليفَ لهذا الرَّجُل وإدخالَ الأُنْسِ عليه والسُّرور، فيكون هذا الكَلَامُ الذي هو لَغْوٌ في نَفْسِه يكونُ مَحْمودًا لمِا قُصِد به، كما أنَّ هذا الكَلَامَ الذي هو لَغْوٌ في نفسه إذا قُصِدَ به الإساءَةُ إلى من لا تَحِلُّ الإساءَةُ إليه صار كَلَامًا خَبيثًا لِغَيْرِه أي: لمِا قُصِدَ به.
وعلى كلٍّ: فالكَلِمُ الطَّيِّبُ لِذاتِهِ أو لِغَيْرِه يَصْعَدُ إلى الله .
فإن قُلْتَ: كيف يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّب والكَلِمُ ليس جِرْمًا؟ بل أصواتٌ تُسْمَعُ بِحَركاتٍ مُعَيَّنَةٍ في الفم واللِّسان والشَّفَة؟
فالجوابُ: أنَّ الله قادِرٌ على أن يَجْعَلَ المَعْقولَ شَيْئًا مَحْسوسًا؛ كما ثبت في الحديثِ الصَّحيحِ أنَّه "يُؤْتَى بِالمَوْتِ كهَيْئةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونِ وَيَنْظُرونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفوُنَ هَذَا، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ
стр. 82
خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ... " (١).
وَقَوْله تعالى: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ إنَّما جَمَعَهُ لِكَثْرَةِ أَنْواعِهِ، وكَثْرَةُ الأَنْواعِ تَدُلُّ على كَثْرَةِ الأَفْرادِ من بابِ أَوْلى، فالأَنْواعُ كثيرةٌ والأَفْرادُ في كلِّ نَوْعٍ كذلك كثيرَةٌ؛ فلهذا جَمَعَهُ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ يَقْبَلُه] أفادنا المُفَسِّر ﵀ بِقَوْله: [يَقْبَلُه] أنَّ الفاعِلَ في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ يعودُ إلى الله، وأنَّ الهاءَ في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ تعود إلى العَمَل الصَّالِحِ؛ يعني: والعَمَلُ الصَّالِحُ يَقْبَلُه الله، فكَوْنُ ضَميرِ الفاعِلِ يعود على (الله) وضَميرِ المَفْعولِ يَعودُ على (العَمَل) هذا لا نُناقِشُ المُفَسِّر ﵀ فيه؛ لأنَّه مُحْتَمَلٌ، لكنَّنا نُناقِشُه في تَفْسيره الرَّفْعَ بالقَبُولِ، وكلُّ هذا فِرارًا من إثباتِ العُلُوِّ الذَّاتِيِّ، غفر الله له، بل نقول: مَعْنى ﴿يَرْفَعُهُ﴾ أي: يَرْفَعُ هذا العَمَل، من الرَّفْعِ الذي هو ضِدُّ النُّزُولِ، يَرْفَعُه إليه ؛ لأنَّه فوق، وهذا التَّفْسيرُ في مَرْجِعِ الضَّمائِرِ الذي ذكره المُفَسِّر ﵀ هو أَحَدُ التَّفاسِيرِ المَذْكورَةِ في هذه الآيَة.
التَّفْسير الثاني: (والعَمَلُ الصَّالِحُ يرفَعُهُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ) فجَعَلَ ضَميرَ الفاعِلِ يعودُ على ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وجعل الهاءَ تعود على ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ فيكون العَمَل الصَّالِحُ مَرْفُوعًا بالكَلِمِ الطَّيِّبِ، واحْتَجَّ هؤلاء بأنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ لا يُقْبَلُ إلا بالإِسْلام، وهو الكَلِمُ الطَّيِّبُ الذي هو (لا إله إلا الله)، فإنَّ الإِنْسَانَ لو عَمِلَ من العَمَلِ الصَّالِحِ الشَّيْءَ الكَثيرَ لكنه غَيْرُ مُسْلِمٍ لا يَرْتَفِعُ هذا العَمَل، فلا يَرْفَعُ العَمَلَ الصَّالِحَ إلا الكَلِمُ الطَّيِّبُ.
стр. 83
والقَوْل الثالثُ: بالعَكْس، يقول: (والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ) فيكونُ الفاعِلُ في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ العَمَلُ الصَّالِحِ، والمفعولُ ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ عكس الذي قبله، ما وَجْهُ ذلك؟
يقول: العَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ؛ لأنَّ الكَلِمَ الطَّيِّب بدون عمل لا ينفع صاحبه فلا بُدَّ في الكَلِم الطَّيِّبِ من عملٍ صَالِح يرفع ذلك القَوْلَ الطَّيِّبَ.
والأَقْرَبُ - والله أعلم - أنَّ ما ذهب إليه المُفَسِّر ﵀ هو الصَّوابُ؛ أي: إِنَّ الله يَرْفَعُ العَمَلَ الصَّالِحَ؛ كما أنَّ الكَلِمَ الطَّيِّب يَصْعَدُ إلى الله، فإذا صَعِدَ الكَلِمُ الطَّيِّب إلى الله امْتَنَّ الله على هذا المُتَكَلِّم بأنْ رَفَعَ العَمَلَ الصَّالِحَ الذي يَعْمَلُه، إلا أنَّنا لا نُوافِقُ المُفَسِّر ﵀ في تَفْسيرِ الرَّفْعِ بالقَبولِ، نُوافِقُه على مَرْجعِ الضَّمائِرِ، لكنْ لا نُوافِقُه على تَفْسيرِ الرَّفْعِ بالقَبُولِ.
وحينئذٍ نقول: والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه الله ، فيكونُ الله في هذه الآيَة - ذَكَرَ القَوْلَ والعَمَل، فذَكَرَ أنَّ القَوْل يَصْعَدُ وأنَّ العَمَل يُرْفَعُ؛ لأنَّ رَفْعَ العَمَلِ كالجَزاءِ على الكَلِمِ الطَّيِّبِ، فإذا تكَلَّمَ الإِنْسَانُ بالكَلِمَةِ الطَّيِّبةِ فصَعِدَت إلى الله قَبِلها، ثم رَفَعَ العَمَلَ الصَّالِحَ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾ المَكَراتِ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ بالنَّبِيِّ في دار النَّدْوَةِ من تَقْييدِهِ أو قَتْلِهِ أو إِخْراجِهِ كما ذُكِرَ في الأنفال ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ يَهْلِك].
الواو للإسْتِئْنافِ، و ﴿وَالَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ خبر المُبْتَدَأ.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ فيه نوعٌ من الإِشكالِ؛ لأنَّ السِّيِّئاتِ لا تُمْكَرُ، وإنَّما يُمْكَرُ بها؛ يعني: يُمْكَرُ بِسَبَبِ السَّيِّئات، فلماذا تعدى الفِعْلُ إليها؟
стр. 84
أفادنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ السَّيِّئاتِ صِفَةٌ لمِصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْديرُ: (المَكَرَات السَّيِّئاتِ) فيكونُ الوَصفُ هنا للفِعْلِ لا لمِا حَصَلَ به المَكْرُ؛ لأنَّ فِعْلَهم نَفْسَه مَكْرٌ سَيِّئٌ، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه﴾ [فاطر: ٤٣]، وسَمَّى الله السَّيِّئاتِ مَكْرًا؛ لأنَّ الإِنْسَانَ في الواقِع يَخْدَعُ نَفْسَه بها، ويَخْدَع غَيْره بها، فيُمَنِّي نَفْسَه التَّوْبَة وأنَّه سيتوب، أو يُمَنِّي نَفْسَه سَعَةَ حِلْمِ الله ومَغْفِرَتِه وأنَّ الله واسِعُ الحِلْم والمَغْفِرَة والرَّحْمَةِ، فلن يؤاخِذَه بهذه العُقُوبَةِ، فتَمَنِّي الإِنْسَانِ في هذا الباب من وَجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأَوَّلُ: أنَّه يُمَنِّي نَفْسَه التَّوْبَة، وما يُدْريهِ فَلَعَلَّه لا يتمكَّنُ منها، لعل سَيِّئاتِه تُحيطُ به ثم لا يَتَمَكَّن من التَّوْبَة، أو لَعَلَّه يَفْجَؤُه الموتُ، ثم لا يتمَكَّنُ من التَّوْبَة.
الوجه الثاني: أنَّه يتَمَنَّى على الله الأَمانِيَّ، فيقول: (إنَّ الله غفورٌ رحيم)، و (الله واسع الرَّحْمَة)، و (سوف يعفو عني) كما يُوجَدُ عند كثيرٍ من النَّاسِ عندما يَعْمَلُ مَعْصِيَةً؛ حيث يقول لك: اللهُ غفورٌ رحيم، بل بَعْضُهُم يحتج بالآيَة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ويقول: أنا لم أُشْرِكْ، وما دون الشِّرْك فإنَّ الله تعالى يَغْفِرُه.
وجوابُنا على ذلك يَسيرٌ جِدًّا، وهو أن نقول له: أَثْبِتْ أنَّكَ مِمَّنْ شاء الله أن يَغْفِرَ له؛ لأنَّ الله ما قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ وسكت، بل قيَّدَه بِقَوْله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأنت أَثْبِتْ أنَّكَ مِمَّن شاء الله أن يَغْفِرَ له، وحينئذٍ يكون لكَ حُجَّةٌ، أمَّا أن تفعل المَعْصِيَةَ التي هي سبب العُقُوبَةِ ثم تتمَنَّى على الله أمرًا لم يَعِدْكَ الله به، بل قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فهذا لا شَكَّ أنَّه ضلالٌ منك.
стр. 85
وَقَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ السَّيِّئاتُ هي ما يَسوءُ الإِنْسَانَ فِعْلُه مثل شُرْبِ الخَمْر، السَّرِقَة، الزِّنا، الرِّبا، وما أشبه ذلك.
فإن قُلْتَ: هذا لا يسوء الإِنْسَانَ فِعْلُه!
فجوابُنا على هذا أن نقول: إن أَرَدْتَ أنَّه لا يَسُوءُ الإِنْسَانَ فِعْلُه أبدًا فهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنَّه يوم القِيامَة سوف يَنْدَمُ، وسوف يَسُوء الإِنْسَانَ فِعْلُه في ذلك اليوم.
أمَّا في الدُّنْيا فإنَّه يسوء الإِنْسَان فعله؛ لأنَّ للذُّنوبِ آثارًا على القُلُوب، فإنَّ المعاصِيَ تكون نُقْطَةً سَوْداءَ في القَلْبِ فإن تاب الإِنْسَانُ انْصَقَلَ قَلْبُه وعاد إلى بياضِهِ، وإلا تَوَسَّعَت هذه النُّقْطَةُ السَّوْداء، وأصْبَحَ القَلْبُ مُظْلِمًا - والعياذ بالله - بل يُخْتَمُ عليه حتى لا يَصِلَ إليه الخير كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
فللذُّنوبِ آثارٌ عظيمَةٌ على القَلْبِ تُوجِبُ أن يكون مُنْقَبِضًا، وإذا تلَذَّذَ بعضَ الشَّيْء في هذه المَعْصِيَةِ فإنَّه يَعْقُبُ ذلك حَسْرَةٌ عَظيمَةٌ في القَلْبِ وضِيقٌ، واقرأ إن شِئْتَ قَوْلَ الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، يتبيَّنْ لك أنَّ المَعْصِيَة تَسُوء فاعِلَها، وإن كان قد لا يَشْعُرُ بها؛ لأنَّه قد ران على قَلْبِه ما كان يَعْمَل.
إذن: السَّيِّئاتُ سَيِّئاتٌ لِكُلِّ حالٍ تَسُوء صاحِبَها في الدُّنْيا، ولكن قد لا يَظْهَر، وقد لا يَتَبَيَّن له، وفي الآخِرَة يَظْهَرُ له ويَتَبَيَّن ويتمَنَّى أن يعود إلى الدُّنْيا ليَعْمَلَ صَالِحًا.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾ المكَرَاتِ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ بالنَّبِيِّ في دار النَّدْوَةِ من تَقْييدِهِ، أو قَتْلِه، أو إخْراجِهِ، كما ذُكِرَ في الأنفال] هذا في الحَقيقة إذا أراد
стр. 86
المُفَسِّر ﵀ أنَّه المُرَادُ بالآيَة دونَ غَيْره فقُصُورٌ، وإن أراد بذلك التَّمْثيلَ فصحيحٌ؛ فإنَّه لا شَكَّ أنَّ هؤلاء مَكَروا بالنَّبِيِّ ﵊ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
مَعْنى ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي: يُقَيِّدوكَ ويَحْبِسوك ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ هذا واضح، و ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أي: من مَكَّة، ولكن الله قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فهُم - الحَمْد لله - ما أَثْبَتُوه، ولا قَتَلُوه، ولا أَخْرَجُوه، كل هذه انْتَفَتْ مع حِرْصِهم الشَّديدِ على تَنْفيذِها، لكنْ ما حصل منها شَيْءٌ.
وجُمْلَة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ هذه الجُمْلَةُ جُمْلَة خَبَرِيَّة، وهي في مَحَلِّ رفعِ خَبَرُ ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾.
والعذابُ بمَعْنى العُقُوبَةِ، والشَّديدُ؛ أي: القَوِيُّ، فهو قويٌّ في إيلامِهِ، وإيجاعِهِ، وفي أَنْواعِهِ المُتَنَوِّعة، من حَرُورٍ، وبَرْد، وعَطَشٍ، وجُوع، وغير ذلك من شِدَّتِه؛ لهم - والعياذ بالله - سَرابيلُ من قَطِرانٍ كُلَّما نَضِجَتَّ جَلودهم قال الله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وانظر إلى قَوْله تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] يَتَبَيَّن لك أنَّ الزيادَةَ تأتي فَوْرًا.
والله قادِرٌ على أن تبقى بزيادَتِها، لكنَّها تخبو ليكون في قُلوبِهِم شَيْءٌ من الطَّمَع في خِفَّةِ العذابِ أو الخُرُوج، ثم يعود: فيكونُ هذا أَشَدَّ؛ لأنَّ ضَرْبَ الإِنْسَانِ بِعُقوبَةٍ بعد الطَّمَعِ في زوالِهَا يكونُ أشَدَّ عليه مِمَّا لو كان الأَمْرُ مُسْتَمِرًّا.
وَقَوْله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ هذا مُفَصَّلٌ في الكِتَاب والسُّنَّة، فمن تَتَبَّعَه
стр. 87
- أي أَنْواع العَذابِ التي للكافرينَ في النَّار - من القُرْآن يكون جَيِّدًا.
قَوْله تعالى: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾: ﴿وَمَكْرُ﴾ مُبْتَدَأ خَبَرُه جُمْلَةُ ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ و ﴿هُوَ﴾ لا تَصِحُّ هنا أن تكون ضَميرَ فَصْلٍ؛ لأنَّ القاعِدَةَ أنَّ ضميرَ الفَصْلِ يكون بين اسْمَينِ لا بين اسْمٍ وفِعْلٍ، لكنها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها جُمْلَةُ ﴿يَبُورُ﴾ والجُمْلَةُ من المُبْتَدَأِ والخَبَر خَبَرُ ﴿وَمَكْرُ﴾ وأتى بهذا التَّركيبِ من بابِ تْعْظيمِ هذا الشَّيْءِ وتَهْويلِهِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾ ولم يَقُلْ: (مَكْرُ هؤلاء) إمَّا اسْتِبْعادًا لهم؛ لأنَّهم ليسوا أَهْلًا لأن يُقَرَّبوا؛ أو لأنَّهم هم جَعَلُوا أَنْفُسَهُم في محل العالينَ الذين يُشارُ إليهم مِن بُعْدٍ، فبيَّنَ أنَّ هؤلاء الذين تَعَالَوْا بِمَكْرِهم - وإن كانوا في القِمَّةِ على حَسَب زَعْمِهِم - فإنَّ هذا المَكْرَ يَبورُ؛ والبوار بمَعْنى الهلاك كما قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩].
فهؤلاء مَكْرُهُم يَبورُ؛ أي: يَتَلاشى وَيضْمَحِلُّ، ولا يفيدهم شيئًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: في هذا الحَثُّ على طلب العِزَّةِ من الله ؛ لأنَّه ليس المَعْنى أنَّ من أرادَ العِزَّة فَلْيَطْلُبْها من الله، فليس المُرَادُ العَرْضَ فقط؛ إذ كُلُّ أحدٍ يريد العِزَّةَ، لكن إذا أرَدْتَ العِزَّةَ فمِمَّنْ تَطْلُبُها؟ من الله، ففيه إثباتُ أنَّ العِزَّةَ تُطْلَب من الله .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه لا عِزَّةَ بدون الله، وذلك بالقيامِ بطاعَةِ الله، والإسْتِعانَة به، والإعتمادِ عليه، فإذا اعْتَزَّ الإِنْسَانُ بِكَثْرَتِه فإنَّه يُهْزَم، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التَّوْبَة: ٢٥]، ولو اعْتَزَّ الإِنْسَانُ بِقُوَّته المادِّيَّة كقُوَّةِ السِّلاحِ مثلًا فإنَّه يُهْزَم،
стр. 88
وإذا استعانَ بالله فإنَّه لا يُهْزَم، اللَّهُمَّ إلا لحِكْمَةٍ تكون مُقْتَرِنَةً بتلك القَضِيَّةِ المُعَيَّنَة فقد يكون.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إِثْباتُ العِزَّةِ لله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ العِزَّة لها كلٌّ وبَعْضٌ، وهذا مَأْخوذٌ من قَوْله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ هناك كُلًّا وبَعْضًا، وذلك أنَّ العُلَماءَ ﵏ قَسَّمُوا العِزَّة التي اتَّصَف الله بها إلى ثلاثة أقْسامٍ: عِزَّة الإمْتِناعِ، وعِزَّة القَدْرِ، وعِزَّة القَهْر.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إِثْباتُ عُلُوِّ الله، وهذا مَأْخوذٌ من قَوْلِه تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ لأنَّ الصُّعُودَ هو العُلُوُّ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الكَلِمَ غَيْرُ الطَّيِّبِ لا يَصْعَدُ إلى الله، لِقَوْله تعالى: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ويؤيِّدُ هذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا" (١).
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الإشارَةُ إلى انْقِسامِ الكَلَام؛ لِقَوْله تعالى: ﴿الطَّيِّبُ﴾ فإن هذا الوَصْفَ إخراجٌ لما سِواهُ، وقد تَقَدَّم: أنَّ الذي يقابِلُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ نوعان من الكَلَام: الخَبيثُ، وما ليس بطَيِّبٍ ولا خَبيثٍ.
أمَّا الخبيثُ فمَرْدودٌ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه خبيثٌ لِذَاتِهِ، وأمَّا ما ليس بطَيِّبٍ ولا خَبيثٍ، فقلنا: إن هذا القِسْمَ من الكَلَام قد يكون طيِّبًا لِغَيْره، وخبيثًا لغيره، وسالِمًا من الوَصْفين، فإذا كان طَيِّبًا لِغَيْره فإنَّه يَصْعَدُ إلى أعلى؛ لعموم قَوْله تعالى: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾.
стр. 89
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ؛ أنَّ الله لا يَرْفَعُ من الأعمال إلا ما كان صَالِحًا؛ لِقَوْله : ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ والعَمَل الصَّالِح ما اشْتَمَلَ على وصفين: الإِخْلاص لله، والمُتابَعَة لِشَرْعِه، فإن فُقِدَ الإِخْلاص فليس بعَمَلٍ صَالِحٍ؛ لأنَّه شِرْك، وإن فُقِدَت المُتابَعَة فليس بعملٍ صَالِح؛ لأنَّه بِدْعَة.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ الأَعْمالَ السَّيِّئَةَ مَكْرٌ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ هذا إذا أَخَذْناها على سبيل العُمومِ، أمَّا إذا قلنا: إنَّ السَّيِّئاتِ عامٌّ أريدَ به الخاصُّ فالمَكْرُ الذي حصل من أَذِيَّة قُرَيْشٍ للرَّسولِ ﵊ فإنَّه يكون خاصًّا، لكِنَّ الأَصْلَ في الكَلَام أن يكون مُرادًا به العُمُومُ وأن يكون باقيًا على عُمُومه حتى يَرِدَ دليلٌ على أنَّه أريد به الخُصُوص أو على أنَّه مُخصَّص.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الوَعيدُ الشَّديدُ على هؤلاء الذين يَمْكُرون السَّيِّئاتِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ مَكْرَ هَؤلاءِ هالِكٌ زائِلٌ لا فائِدَة فيه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ حتى أَعْمالهُم لا تَنْفَعُهم، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
هذه هي الفوائِدُ الظَّاهِرَة من هذه الآيَةِ الكَريمَة، وربَّما عند التأمُّلِ يَجِدُ الإِنْسَان أَكْثَرَ؛ لأنَّ كَلَامَ الله لا يُحاطُ به، ولكِنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفونَ في الفَهْمِ.
* * *
стр. 90
الآية (١١)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١].
* * *
لمَّا بيَّن ما سبق من الآياتِ الدالَّة على قُدْرَتِهِ من إِرْسالِ الرِّياحِ، وإِثارَةِ السَّحَابِ، وسَوْقِه إلى الأَرْض المَيِّتَة، وإحياءِ الأَرْضِ بعد مَوْتِها، وأنَّ الأعمالَ من أَقْوَالٍ وأفعالٍ تُرْفَعُ إلى الله .
قال هنا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ وهذا باعتبارِ الأَصْلِ الذي هو آدَمُ؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [بِخَلْقِ أبيكُم آدَمَ منه] أي: إِنَّ الله تعالى خَلَقَه من ترابٍ، وهذه الآيَةُ فيها أنَّ الله خَلَقَه من تراب، وفي آيَةٍ أخرى أنَّه خَلَقَه من طينٍ، وفي آيَةٍ ثالثة أنَّه خَلَقَه من صَلْصَالٍ من فَخَّارٍ، وفي آيَةٍ رابِعَة: من حَمَأٍ مَسْنونٍ، فما هو الجوابُ عن هذا التَّغَيُّر؟
الجواب: أنَّ هذا تَغَيُّر أوصافٍ، وليس تَغَيُّرَ ذواتٍ وحينئذٍ فلا تناقُضَ؛ إذ يَجوزُ أن تَتَعَدَّدَ الأَوْصافُ على مَوْصوفٍ واحِدٍ، قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ١ - ٤] مع أنَّه واحِدٌ.
الحاصِلُ: أن يقال في هذا التَّغَيُّر: إنَّ هذا تَغَيُّرُ أَوْصافٍ وليس تَغَيُّرَ ذواتٍ
стр. 91
وأعيانٍ، فالعَيْنُ واحِدَة، لكنَّ أَوَّلَها التراب، فإذا أُضيفَ إليها الماءُ صارت طينًا، فإذا أُطْرِي وأَخَذَ مُدَّةً صارت حَمَأً مَسْنُونًا مُتَغَيِّرًا؛ يعني الطِّينُ إذا أَكْثَرْتَ فيه الماءَ تَجِدُه يَسْوَدُّ وتكون له رائِحَة، والرَّابِعُ من صلصالٍ كالفَخَّارِ هذا بعد أن كان حَمَأً مَسْنُونًا يَبِسَ وصار صَلْصالًا كالفَخَّار، ثم نَفَخَ الله فيه الرُّوحَ، فيكون هنا التَّغَيُّر تَغَيُّرَ أوصافٍ، والأَصْلُ فيه التُّرابُ.
قَوْله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أتى بـ (ثم) الدالَّةِ على التَّراخي والتَّرْتيب؛ لأن (ثم) تدلُّ على التَّراخي والتَّرْتيب، و (الفاءُ) تَدُلُّ على التَّرْتيبِ بدون تراخٍ، هنا قال: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ لأنَّه لمَّا خَلَقَ آدَمَ وخَلَقَ ذُرِّيَّتَه تَناسَلَتْ هذه الذُّرِّيَّة بواسِطَةِ هذا الماء الذي هو النُّطْفة، والنُّطْفة هي الماء القَليلُ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: مَنِيٍّ بِخَلْقٍ ذُرِّيَّتِه منها]؛ أي: من هذه النُّطْفَة، والغَريبُ أنَّ هذه النُّطْفَة القَليلَةَ يَذْكُر عُلَماءُ الطِّبِّ أنَّها تَشْتَمِل على ملايينَ من الحيواناتِ المَنَوِيَّةِ، وهذه النُّطْفَة التي يَزْعُمونَ أنَّها ملايينُ - وهم أعلم منا بذلك - لا يَصْلُح منها إلا واحِدٌ في الغالِبِ، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، هذا أنْهى ما سَمِعْت، أنَّه يُولَدُ للمَرْأَةِ أَرْبَعَةُ أولادٍ في بطنٍ واحِدَة، واللهُ على كل شَيْءٍ قَديرٌ، قد يَزيدُ في الخَلْقِ ما يشاء.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ذكورًا وإناثًا].
قَوْله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا﴾ فسَّر المُفَسِّر ﵀ هنا الأَزْواجَ بالذُّكورَةِ والأُنُوثَةِ بِقَرينَةِ قَوْله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ الأَزْواجُ هنا باعْتِبارِ الجِنْسَيْنِ: الذَّكَرِ والأنثى، ويؤيِّدُ تَخْصيصَ الأَزْواجِ هنا بالذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ قَوْله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ أمَّا إذا نَظَرْنا إلى لَفْظِ أَزْواجٍ فإنَّ الأَزْواجَ بِمَعْناها
стр. 92
الأَصْناف، والأَصْنافُ أَعَمُّ من الذُّكورَةِ والأُنوثَةِ، فإنَّه يَشْمَلُ الشَّقِيَّ والسَّعيدَ، والأَسْوَدَ والأَبْيَضَ، والطَّويلَ والقَصيرَ، وغير ذلك، لكِنَّ الذي جعل المُفَسِّر ﵀ يَحْمِلُ الكَلَامَ على الذُّكورَةِ والأُنُوثَةِ فقط قَوْله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾.
فاللهُ بقُدْرَتِه وحِكْمَتِه جَعَلَ هذه الذرِّيَّة التي خرجت من هذا الرَّجُل الواحِد جعلها ذكورًا وإناثًا لبقاءِ النَّسْل؛ لأنَّه لا يُمْكِن بقاءُ النَّسْل إلا بهذا، وإن كان الله قادرًا على أن يُبْقِيَ النَّسْل بدون هذا، فإنَّه يقال: إنَّ البَشَرِيَّة منها ما خُلِقَ بلا أمٍّ وأبٍ، ومنها ما خلق من أبٍ بلا أمٍّ، ومنها ما خُلِقَ من أمٍّ بلا أبٍ، ومنها ما خُلِقَ من أبوين؛ فالذي خُلِقَ بلا أمٍّ ولا أبٍ آدمُ، ومن أبٍ بلا أمٍّ حواءُ، ومن أمٍّ بلا أبٍ عيسى، وسائِرُ النَّاس بين أبوينِ من ذكرٍ وأنثى.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ حالٌ؛ أي: مَعْلومةً له].
(ما) هذه شَرْطِيَّة، هنا ﴿مِنْ﴾ حرف جَرٍّ زائِدٌ ﴿أُنْثَى﴾ فاعِلُ ﴿تَحْمِلُ﴾ مرفوعٌ بضَمَّة مُقَدَّرَة على آخره منع من ظهورها التَّعَذُّر، لكنه في الواقِع من حيث اللَّفْظُ مَجْرورٌ لفظًا.
قَوْله: [﴿أُنْثَى وَلَا تَضَعُ﴾ أي: أنثى ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ حال؛ أي: معلومةً له] أيْ أُنْثَى تَحْمِل من بني آدم، أو مِنْه ومن غَيْره؟
الجواب: منه ومن غَيْره، ما تَحْمِلُ ولا تضع إلا بعلمه، وهذا كقَوْله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩]، فالله يعلَمُ ما تحمل كل أنثى في ابتداء الحَمْل وتَطَوُّر الحمْل، ومآلِ الحملِ، وكل ما يَتَعَلَّقُ به؛ ولا تَضَعُ إلا بعلمه،
стр. 93
فأوَّلُ ما ينشأ الحَمْل في الرَّحِم معلومٌ عند الله، وإذا وَضَعَت فهو معلومٌ عند الله .
وَقَوْل المُفَسّر ﵀: [حال] يعني أنَّ الجارَّ والمَجْرور في مَوْضِعِ نصبٍ على الحال، فمَعْنى ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ قال: إلا مَعْلومَةً له، ويُمْكِن أن نقول: لا حاجة إلى هذا التأويلِ، بل نقول: إنَّ الباءَ هنا للمُصاحَبَة والمقارَنَة؛ أي: لا يَحْصُل الحَمْل ولا الوَضْع إلا مقرونًا بعِلْم الله .
ونضيف إلى ذلك أيضًا أنَّه بعلمه وإرادته، لكنْ سَنَأْخُذ - إن شاء الله - من الفوائِدِ هنا أنَّ فيها دليلًا على أنَّ من أَثْبَتَ العِلْمَ لزم أن يُثْبِتَ الإِرادَة؛ ولهذا قال أَهْل السُّنَّة - الشافعي وغيره - بالنِّسْبَة للقَدَرِيَّة: "ناظِرُوهُم بالعِلْم، فإن أنكروه كَفَروا، وإن أَقَرُّوا به خُصِمُوا" (١) إن قالوا: (الله لا يَعْلمُ عن عباده) كفروا، وإن قالوا: يعلم خُصِمُوا؛ لأنَّه إذا عَلِمَ ذلك، فإما أن يَقَعَ الشَّيْءُ على خلاف مَعْلُومِهِ أو على وِفاقِهِ، فإن كان على وِفاقِهِ فبإرادَتِه، وإن كان على خِلافِهِ فقد أنكروا العِلْمَ؛ أي: إنَّهم بهذا يُنْكِرون العِلْمَ.
قَوْله ﵀: [﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر﴾ أي: ما يُزادُ في عُمُرِ طَويلِ العُمُرِ ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: ذلك المُعَمَّر أو مُعَمَّر آخَر ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ هو اللَّوْحُ المَحْفوظُ ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ].
﴿وَمَا﴾ هذه نافِيَةٌ أيضًا بدليل قَوْله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ودليلٌ آخر؛ قَطْعُ الفِعْل عنها، قَوْله تعالى: ﴿يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ مَعْنى التَّعْميرِ: الزِّيادَةُ في العُمُر؛ أي: لا يُزادُ في عُمُرِ أحدٍ ولا يُنْقَصُ من عُمُرِه إلا في كِتَاب.
стр. 94
فَقَوْله تعالى: ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ هذه زائِدَةٌ داخِلَةٌ على نائب الفاعِلِ، فنقول في ﴿مُعَمَّرٍ﴾: نائبُ فاعلٍ مرفوعٌ بضَمَّة مُقَدَّرَة على آخِرِه منع من ظهورها اشْتِغالُ المَحَلِّ بِحَرَكةِ حرف الجَرِّ الزَّائِدِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ هنا يقول: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أي: ذلك المُعَمَّر أو مُعَمَّر آخر] أمَّا كَوْنُ الضَّميرِ في قَوْله تعالى: ﴿عُمُرِهِ﴾ يعود على مُعَمَّرٍ آخَرَ فهذا لا إشكال فيه؛ لأنَّه يكون مُعَمَّرًا فيكون الثاني ناقِصًا، لكنَّ الإشكال إذا قلنا: إنَّ الضَّميرَ يعود على المُعَمَّر نَفْسِه فكيف يكون معمَّرًا وهو في الوقت نَفْسِه منقوصٌ من عمره؟
الجواب: هذا مَحَلُّ إشكالٍ فيما يظهر؛ قوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ لِنَفْرِضْ أنَّه زَيْدٌ، ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ إذا قلنا: الضَّميرُ يعود على ذلك المُعَمَّر صار يعود على (زَيْد) فيكون زيدٌ مُعَمَّرًا مَنْقُوصًا من عُمُرِه، إذا قلنا: إنَّه عائِدٌ على مُعَمَّرٍ آخر ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: من عُمُرِ مُعَمَّرٍ آخَرَ، لا يلزم الأوَّلُ؛ صار النَّقْصُ يعود على شَخْصٍ آخر، فعِنْدنا زيدٌ مُعَمَّرٌ، وعَمْرٌو مَنْقُوصٌ من عُمُره، فهذا لا إشكال فيه.
لكنَّ الإِشْكالَ الأوَّلَ: اختلف المُفَسِّرون ﵏ في تَوْجِيهِه؛ فقال بعضهم: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ إنَّ النَّقْص هنا في مُقابِلِ الزِّيادَة؛ لأنَّ الإِنْسَان كلَّما تقدَّم يومًا في الدُّنْيا نَقَصَ عُمُره باعتبارِ آخِرِ عُمُره؛ مثلًا الذي له عَشْرُ سَنواتٍ فإذا صار له إحْدَى عَشْرَةَ، وقُدِّرَ أَنَّه سيموت في عِشرينَ سَنَة، فهذا نَقْصٌ، لأنَّه كُلَّما زاد من وَجْهٍ نَقَصَ من وجهٍ آخر.
فالمَعْنى: أنَّه يُكْتَبُ نَقْصُه كما تُكْتَبُ زيادَتُه؛ فيُكْتَب مثلًا: (فلانٌ بَلَغَ من العُمُر
стр. 95
عَشْرَ سنين، ونَقَصَ من عُمُرِه؛ يعني: من آخِرِ عُمُرِه عشر سنين؛ بلغ إحدى عَشْرَةَ، ونَقَصَ من عمره إحدى عَشْرَة، فبقِيَ تِسْعٌ وهكذا، وإلى هذا ذهب بعضُ التَّابعينَ ﵏.
ولكِنَّ آخرينَ من أَهْل العِلْم من المُفَسِّرينَ ﵏ قالوا: إن هذا حينَ أَخْبَرَ به النَّبِيُّ ﵊ بقَوْله: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (١) وبيَّنَ أنًّ الإِنْسَان يُنْقَصُ عُمُرُه ويُزادُ بحَسَب صِلَة الرَّحِم؛ مثلما يُنْقَص من عُمُره إذا لم يَصِلْ رَحِمَه، ويُزادُ في عُمُره إذا وَصَله.
والمَعْنى على هذا التَّفْسيرِ: أنَّ زيادَةَ العُمُر أو نَقْصَه مكتوبٌ عند الله ، فمن قُدِّر له أن عُمُرَه يطولُ بِصِلَة الرَّحِم فسوف يُقَدَّر له أن يَصِلَ رَحِمَه، ومن قُدِّرَ له أن يُنْقَصَ عُمُره بقطيعة الرَّحِم فسوف يكون قاطعًا لِرَحِمِه؛ لأنَّ المُسَبَّباتِ مَرْبوطةٌ بأسْبابِها، معلومةٌ عند الله.
وهذا يُزيلُ عنا الإشكالَ الذي أُشْكِل، أورده بعضُ العُلَماءِ ﵏ في هذا الحديث، وحاولوا أن يُفَسِّروا زيادَةَ العُمُرِ بالبَرَكَةِ في عُمُرِ الإِنْسَان، بأنَّ الله إذا أنزل بَرَكةً في العُمُر وإن كان قَصيرًا صار خَيْرًا من عُمُرٍ طويلٍ بلا بَرَكَةٍ، ولكن تقدَّم لنا أنَّ هذا لا يُخْرِجُهم من الإشكال؛ لأنَّ البَرَكَة أيضًا مكتوبةٌ، وكذلك مَحْقُها مكتوبٌ، فلا يُخْرِجُهم ذلك من الإشكال، لا يَخْرُجون من الإشكالِ إلا أن نقول: إنَّ عُمُرَ الإِنْسَان المُطَوَّل بسبب صِلَةِ الرَّحِم قد كُتب، وقد كُتِب أن يَصِلَ رَحِمَه، إِذَن ما الفائِدَة من قَوْل الرَّسُولِ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ ... ؟ ".
стр. 96
الجواب: الفائِدَة من ذلك: الحَثُّ على صِلَةِ الرَّحِم، كما أنَّنا نقول: (من أَحَبَّ أنْ يَدخُلَ الجَنَّة فَلْيَعْمَلْ عملًا صَالِحًا) فلا يقول قائل: إذا كانت الجَنَّة مَكْتوبةً فكيف يَدْخُلُها ولم يَعْمَل؟ كيف إذا عَمِلَ كُتِبَتْ له الجنَّة؟
ونقول: هي مَكْتوبَةٌ من قَبْلِ أن يَعْمَل، لكِنْ قد كُتِبَتْ له الجنَّة وكُتِبَ أن يَعْمَلَ لها عَمَلَها، وعلى هذا كُلُّ ما حصل من تَقْديراتِ الله ؛ فإنَّ هذا لا يَخْتَصُّ بالعُمُر، الإشكالُ وارِدٌ على الجميع، ولكنَّ الجواب عنه بسيط: وهو أن يقال: إن هذا مكتوبٌ نَتيجةً لهذا السَّبَب، وهو معلومٌ عند الله، أمَّا عندنا فليس بِمَعلومٍ.
إِذَن: يكون أَحْسَنُ ما يشار إليه في الآيَة أنَّ المُرَادَ ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ أَيُّ مُعَمَّرٍ، وأنَّ الإِنْسَان قد يُزادُ في عمره لسببٍ من الأَسْبَاب، وقد يُنْقَص من عمره لسببٍ آخر.
قَوْله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾: ﴿كِتَابٍ﴾ فِعالٍ بمَعْنى مفعولٍ؛ فِفِراشٍ بمَعْنى مفروشٍ، وغِراسٍ بمَعْنى مَغْروسٍ، وبناءٍ بِمَعْنى مَبْنِيٍّ، فكِتَاب بمَعْنى مكتوب، فما هو هذا الكِتَاب؟ قال المُفَسِّر ﵀: [هو اللَّوْح المَحْفوظ] وهذا في السَّماءِ، وهو محفوظٌ من عِدَّةِ أَوْجُهٍ:
محفوظ أن ينالَهُ أَحَدٌ؛ لأنَّه خاصٌّ بتَقْديرِ الله .
محفوظٌ من أن يُغَيَّر؛ أي: يُبَدَّلَ؛ ولهذا ما كُتِبَ في اللَّوْح المَحْفوظِ فإنَّه سيكون؛ كما قال الله تعالى للقَلَمِ: "اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (١).
стр. 97
وكذلك أيضًا مَحْفوظٌ عن الخَلَلِ بحيث لا يَحتاجُ إِكْمالًا ولا ترتيبًا ولا يتخَلَّفُ ما كُتِبَ فيه؛ يعني: لا يَقَعُ فيه السَّهْو، فهو تامٌّ من كلِّ وَجْهٍ.
قَوْله ﵀: [﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ هَيِّنٌ].
﴿ذَلِكَ﴾ المُشارُ إليه: كلُّ ما سبق، الزِّيادَةُ في العُمُر، والنَّقْص، والكِتَابة، كُلُّه يسيرٌ على الله؛ أي: هَيِّنٌ عليه، وإن كان عند المَخْلوقينَ صَعْبًا وعسيرًا، لَكِنَّه عند الله سهلٌ ويسيرٌ؛ لأنَّه إذا أرادَ شيئًا قال له: كُنْ فيكونُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ قُدْرَة الله بابْتِداءِ خَلْقِ بني آدَمَ؛ أنَّه خَلَقَه من تُرابٍ ثمَّ من نُطْفَةٍ ... إلخ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الله بحِكْمَتِه ورَحْمَتِه جعل بني آدَمَ أزواجًا ذَكَرًا وأنثى، وذلك لبقاءِ النَّسْل، وحُصُول المُتْعَة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إحاطَةُ عِلْمِ الله بكُلِّ شَيْءٍ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إِثْباتُ القُدْرَةِ لله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ لأنَّ الخَلْقَ لا يكون إلا بَعْدَ عِلْمٍ وقُدْرَة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الأَعْمارَ الطَّويلَةَ منها والقَصيرَةَ؛ كُلُّها مكتوبةٌ عند الله في كِتَابٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثباتُ مَرْتَبَتَيْنِ من مراتِبِ القدَر، وهما: العِلْم، والكِتَابة.
стр. 98
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: سُهُولَةُ هذا الشَّيْءِ على الله وهو الخَلْقُ والكِتَابَةُ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: المَرْتَبَةُ الثَّالِثَة من مراتِبِ القَدَر وهي الخَلْق، إذن: هي ثلاثُ مراتِبَ: العِلْم، والكِتَابة، والخَلْق.
وأمَّا المَشيئَةُ فتُؤْخَذُ من قَوْله تعالى: ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهذا لا يكونُ إلا بِمَشيئَة اللهِ؛ فيكون في الآيَة إذن إثباتُ مراتِبِ القَدَرِ الأَرْبع: العِلْم، ثم الكِتَابة، ثم المَشيئَة، ثم الخَلْق، وقد جُمِعَت هذه المراتِبُ الأَرْبَعُ في بيتٍ وهو:
عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشْيَئُةٌ ... وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيَجادٌ وَتَكْوِينُ
فهذه مراتِبُ القَدَرِ الأَرْبَع.
* * *
стр. 99
الآية (١٢)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢].
* * *
﴿وَمَا﴾ نافية، و ﴿يَسْتَوِي﴾ بمَعْنى يتساوى ويَتماثَلُ ﴿الْبَحْرَانِ﴾ وهذا مُجمَلٌ، والبَحْرُ هو الماء الكثير، فكلُّ ماءٍ كثيرٍ يُسَمَّى بَحْرًا، البحران هنا مُجْمَل، فَسَّرَه بِقَوْله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ العَذْبُ هنا بمَعْنى الحُلْو المُسْتَساغُ شُرْبُه، وفُراتٌ يقول المُفَسِّر ﵀ في تَفْسيره [شديدُ العُذوبَة].
﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ أي: شُرْبُه، سائِغٌ؛ بمَعْنى: سَهْلٌ ومُيَسَّر؛ لأنَّه حُلو عَذْب، وليس فيه ما يُكَدِّره من وساخَة أو حَرارةٍ زائِدَة أو بُرودةٍ زائِدَة، المُهِمُّ أنَّه عَذْبٌ فراتٌ سائغٌ شرابُهُ.
والثاني [﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ شديدُ المُلوحَةِ] مِلْحٌ شديدُ المُلوحَةِ، هل يستويان؟ لا، وهل هذا يُرادُ به الحَقيقَةُ أو هو مَثَلٌ ضَرَبَه الله تعالى للمُؤْمِن والكافِرِ؟
قيل: إنَّه يُرادُ به الحَقيقَةُ بدليلِ قَوْله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وقيل: إنَّ المُرَادَ به مَثَلٌ ضَرَبه الله تعالى للمُؤْمِن والكافِرِ، فالمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَة العَذْب الفُراتِ، والكافِرُ بِمَنْزِلَة المِلْحِ الأُجاج، ولكن لدينا قاعِدَةٌ في الكَلَام أنَّه إذا دارَ
стр. 100
الأَمْرُ بين أن يكون حَقيقَةً أو غَيْرَ حَقيقَة وجب أن يُحْمَلَ على الحَقيقَة، فهو إذن حَقيقَةٌ، ويؤَيِّده أيضًا قَوْله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ فإن مِثْل هذا الترشيح يدُلُّ على أنَّه حَقيقَة وليس بمجازٍ، على أنَّنا نقولُ: إنَّه لا مجازَ في القُرْآن ولا في غَيْرِهِ كما سبق، ولكنْ مع هذا لا بَأْسَ أن ينتقل مِن نَفْيِ التَّساوي بين هذين البَحْرينِ ونَفْيِ التَّساوي بين كُلِّ شَيْئَيْنِ مُتغايِرَيْنِ؛ يعني: لا مانِعَ من أن ينتقل لانتفاءِ التَّساوي بين هَذَيْنِ المَخْصوصَيْنِ إلى انتفاءِ التَّساوي بين الأُمُور المعْقُولَةِ المَعْنَوِيَّة.
قَوْله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾.
﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْله تعالى: ﴿تَأْكُلُونَ﴾ [﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو السَّمَك] الطَّرِيُّ معناه الذي لم يَتَغَيَّر بِنَتَنٍ، وهذا من خصائِصِ السَّمَك؛ أنَّه وإن مات فإنَّه طَرِيٌّ كما قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] قال ابن عباسٍ ﵄: "صَيْدُه ما أُخِذَ حيًّا وطعامُه ما أُخِذ ميِّتًا" (١).
ثانيًا: من فوائد هذينِ البَحْرينِ [﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾ من المِلْح، وقيل: منهما ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهي اللُّؤْلؤُ والمَرْجان] كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وقد اختلف النَّاسُ: هل هذا لا يخرج إلا من المالِح أو يَخْرُج من المالِحِ والعَذْب؟
أكثر المُفَسِّرين على أنَّه لا يَخْرُج إلا من المالِح، وحملوا قَوْله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] على أنَّ المُرَادَ من مَجْموعِهِما لا من جَميعِهِما.
فَهُما إذا قلنا: عندنا بَحْران؛ عَذْب ومالِح، يَخْرُج منهما اللُّؤْلُؤ والمرجان،
стр. 101
[منهما] يعني من المَجْموع لا من الجَميعِ، ولكنَّ الصَّحِيح أنَّه يخرج من الجميعِ؛ لأنَّ هذا هو ظاهِرُ القُرْآن، والله أعلم بما خَلَقَ، فإنَّه يَخْرُج منهما، وقد ثبت الآن أنَّ اللُّؤْلؤ والمَرْجان يخرج من هذا ومن هذا؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [وقيل منهما].
وَقَوْله تعالى: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وذَكَرَ اللُّبْس؛ لأنَّه غايةُ ما يُنْتَفَعُ به من هذه الحِلْيَة، وإلا فَمِنَ المعلوم أنَّ من يَسْتَخْرِج هذه الحِلْيَة يتَّخِذها تجارَةً، وتجارةُ اللُّؤلؤ والمَرْجان فيما سبق وإلى الآن لا تزالُ تجارةً قَوِيَّة، لأنَّ الذي يشتريها من التجار يريد بها اللُّبْس، فإن أرادوا بها التَّكَسُّب يَلْبَسها كسْوَة للبَدَنِ في باطِنِه وكسوة للبدن في ظاهِرِه، كسوة البدن في باطنه أَكْلُ اللَّحم، فأكل اللَّحْم كسوة للبَدَنِ في باطِنِه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، ولم يَقُلْ: (ولا تبلى) بل قال: ﴿وَلَا تَعْرَى﴾ لأنَّ الجوع عُرْيُ الباطِنِ والعُرْيُ عُرْيُ الظَّاهِر؛ فمن ثم نقول: ذكَرَ اللهُ لِباسَيْنِ: اللِّباسَ الباطِنَ بأَكْلِ اللَّحْم، واللِّباسَ الظَّاهِرَ بهذه الحِلْيَة، فمن كُلٍّ تأكلون وتَسْتَخْرِجون.
قَوْله ﵀: [﴿وَتَرَى﴾ تُبْصِرُ ﴿الْفُلْكَ﴾ السُّفنَ ﴿فِيهِ﴾ في كُلٍّ منهما ﴿مَوَاخِرَ﴾].
قَوْله: [﴿وَتَرَى﴾ أي: تُبْصِرُ] الخِطابُ لِكُلِّ من يَتَوَجَّه إليه الخِطابُ، والرُّؤْيَة هنا بَصَرِيَّة، فإنَّ من يُشاهِد البَواخِرَ في البحار يراها تَمْخُرُ الماء؛ أي: تَشُقُّه.
وَقَوْله: [﴿فِيهِ﴾ في كُلٍّ منهما] أجاب المُفَسِّر ﵀ عن إشكالٍ واضح؛ لأنَّه يقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ ثم قال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ﴾ ومُقْتَضَى السِّيَاقِ أن يكون التَّعْبيرُ هكذا (وترى الفُلْكَ فيهما) ولكنَّ الضَّميرَ هنا لا يعود على البَحْرَينِ، وإنَّما
стр. 102
يعود على (كُلٍّ) و (كُلٌّ) لَفْظٌ مُفْرَدٌ، فعاد الضَّميرُ في هذه الآيَة على (كُلٍّ) باعتبار اللَّفْظ؛ لأنَّه مُفْرَد، ومن هنا قال المُفَسِّر ﵀: [في كلٍّ منهما] فزال الإِشْكالُ.
وَقَوْله تعالى: ﴿مَوَاخِرَ﴾ قال: [تَمْخُر الماء؛ أي: تَشُقه بَجَرْيِها فيه مُقْبِلَةً ومُدْبِرَة بريحٍ واحِدَةٍ] وهذا من نِعْمَةِ الله ؛ أنْ سَخَّرَ الفُلْكَ لنا تجري على هذا الماء، وتَمْخُر عُبابَ الماءِ، حاملةً أَنْواعَ الأَرْزاقِ، وحامِلَةً البَشَر الكثيرَ؛ ولذلك الفُلْكُ الآن تُعْتَبَرُ بلدًا كامِلًا، وإذا دَخَلْتَها رأيْتَها كالبَلَدِ، وهذا من نِعْمَةِ الله ، فذَكَرَ هنا ثلاثَ فَوائِدَ:
الأولى: أكْلُ اللَّحْم، والثانية: الحِلْيَة، والثالثة: البواخِر التي تَعْبُر أو تَشُقُّ الماء من ناحيةٍ إلى أخرى لتَنْقُلَ الأَرْزاقَ والآدَمِيِّينَ.
وتأمَّلْ قَوْله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ و ﴿تَأْكُلُونَ﴾ و ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ لأنَّ السَّمَكَ أخْذُه هَيِّنٌ، لا يحتاج إلى كُلْفَة، فذكر الأَكْل مباشَرَةً، أمَّا اللُّؤْلُؤُ والمَرْجان فيَحتاجُ إلى كُلْفَةٍ وإلى تَعَبٍ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى غَوْصٍ وآلات وطُولِ نَفَس أو حَمْل أشياءَ تُعينُ على التَّنَفُّس؛ ولهذا قال: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾ أي تَطْلبون الحِلْيَة، وأمَّا الفُلْكُ فقال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ لأنَّ مُشاهَدَتَها بالعَيْنِ وهي تَشُقُّ الماء يرى الإِنْسَانُ فيها من أَعْظَمِ آياتِ الله .
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لِتَبْتَغُوا﴾ تَطْلُبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ تعالى بالتِّجارةِ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ اللهَ على ذلك].
يعني: سخَّر الفُلْك وجَعَلَها مواخِرَ في هذا البحر لأَمْرَيْنِ:
أولًا: لِتَبْتَغوا من فضله؛ أي: تَطْلُبوا الرِّزْقَ بما تَحْمِلُه هذه البواخِرُ؛ ولذلك الآن ما الذي يأتي إلينا مثلًا بالأَرْزاقِ من أمريكا ومِنَ اليابانِ ومن المناطِقِ الأخرى
стр. 103
البَعيدَةِ إلا بواسطَةِ هذه البواخِرِ التي تَحْمِلُ الشَّيْء الكَثيرَ، هذا من فَضْلِ الله ، لأنَّه قال: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وثانيًا: قَوْله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فإنَّ (لَعَلَّ) هنا حتى نَسْتَعْرِضَ المعاني التي تأتي لها (لعل) فـ (لعل) تأتي للتَّرَجِّي، وتأتي للتَّوَقُّع، وتأتي للإشْفاقِ، وتأتي للتَّعْليلِ، فلأيِّ المعاني كانت في هذه الآيَةِ؟
الجواب: للتَّعْليلِ؛ لأنَّها لأَجْلِ أن تذكروا الله ، إذا رَأَيْتم هذه البواخِرَ تَمْخُر الماءَ وتأتي بالأَرْزاقِ من ناحيةٍ إلى ناحِيَةٍ، فإن هذا يَسْتَوْجِبُ أن تشكروا الله على هذه النِّعْمَةِ.
والشُّكْرُ قال العُلَماءُ ﵏ في تَفْسيره: هو القِيامُ بطاعَةِ المُنْعِمِ؛ اعترافًا بالقَلْبِ، وتَحَدُّثًا باللِّسانِ، وطاعةً بالأَرْكانِ، فمَواضِعُه ثلاثة: القَلْب، واللِّسانُ، والجوارِحُ؛ ولهذا قال الشَّاعِرُ:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ المُحَجَّبَا (١)
فهذا الشُّكْرُ يكون بهذه المواضِعِ الثَّلاثَةِ، والحَمْدُ يكون باللِّسانِ، فمُتَعَلَّقُ الشُّكْر أعَمُّ وسَبَبُه أخَصُّ، ومُتَعَلَّقُ الحَمْدِ أَخَصُّ وسَبَبُه أَعَمُّ؛ لأنَّ الحَمْدَ يكون في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ، ويكون في مُقابَلَةِ كَمالِ المَحْمودِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الأَشْياءَ المُتَّفِقَة لا يُمْكِن أن تكون مُتَساوِيَةً؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾.
стр. 104
يَتَفَرَّعُ من هذه الفائِدَة: أَنَّه لا يُمْكِنُ التَّسْوِيَة بين الرَّجُلِ والمَرْأَة في الحُقُوقِ ولا في غَيْرها؛ لأنَّ تَكْوينَ خِلْقَةِ المَرْأَة مُخْتَلِف عن تكوينِ خِلْقَة الرَّجُلِ؛ ولهذا جعل الله للمَرْأَةِ أعمالًا تليقُ بها وللرَّجُلِ أَعْمالًا تليقُ به.
فقد سألَتْ عائِشَةُ النَّبِيَّ ﵊: هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالعُمْرَةُ" (١).
وقال النَّبِيُّ ﵊: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأةً" (٢)، ونهى النَّبِيُّ ﵊ عن تَزْويجِ المَرْأَةِ نفسها (٣)، وفي الميراثِ جَعَلَ للمَرْأَةِ نِصْفَ الرَّجُل إذا كان من جِنْسِها كالإِخْوَة والأَوْلادِ، وهل الأعمامُ كذلك؟
الجواب: لا؛ لأنَّ العَمَّةُ لا تَرِثُ، فلو هلك هالِكٌ عن عَمِّه وعَمَّتِهِ، فإنَّ العَمَّةَ لا تَرِثُ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيَانُ قُدْرةِ الله ؛ حَيْثُ جعل من هذا الماءِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ المُتَباعِدَيْنِ هما بَحْرانِ من الماء؛ أَحَدُهُما: عذبٌ فراتٌ سائغٌ شَرابُه، والثاني: مِلْحٌ أُجاجٌ، فهما شَيْءٌ واحِدٌ، ومع ذلك يَخْتَلِفانِ هذا الإختلافَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الماءَ العَذْبَ يكون سائِغَ الشُّرْبِ، وعَكْسُه الماءُ المالِحُ.
ويتفَرَّعُ على ذلك: أنَّه لا يَنْبَغي للإِنْسَانِ أن يَشْرَبَ ما لا يَسْتَسيغُه؛ لأنَّ ذلك
стр. 105
يؤثِّرُ عليه ويَضُرُّه، كما أنَّه لا مانِعَ من أن يتناولَ ما تَشْتَهيهِ نَفْسُه وإن كان في بَعْضِ الحالات ضَرَرًا عليه.
وقد ذكر ابنُ القَيِّمِ ﵀ في (زادِ المعادِ) (١) أنَّ في طَلَبِ النَّفْسِ الشَّيْءَ أثرًا كبيرًا في انتفاءِ مَضَرَّتِه، وضرب لذلك مَثَلًا كما أظُنُّ (المَيْتَة خَبيثَة مُضِرَّة) فإذا اضْطُرَّ الإِنْسَانُ إليها واشْتَدَّتْ حاجَتُه وضَرُورَتُه صارَتِ النَّفْسُ تَقْبَلُها وتَسْتَسيغُها، ثم تَهْضِمُها فلا تَضُرُّها؛ لأن المَيْتَة لو كانت تَضُرُّ المُضْطَرَّ ضَرَرَ غَيْرِ المُضْطَرِّ، لكان حِلُّها له يَتَضَمَّنُ قَتْلَ نَفْسِه؛ ولذلك لو اضْطُرَّ إلى أكلٍ وليس عِنْدَه إلا سُمٌّ لم يَحِلَّ له أن يأكُلَ السُّمَّ.
وضرب مثلًا لذلك أيضًا بقِصَّةِ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ كان أَرْمَدَ؛ أي: تُؤْلِمُه عَيْنُه من رمدٍ كان بها، فَجِيءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ، فأكَلَ منه النَّبِيُّ ﵊ وذهب صُهَيْبٌ لِيَأْكُلَ، فقال له النَّبِيُّ ﵊: "إنَّكَ أَرْمَدُ"؛ ومَعْروفٌ أنَّ الذي في عَيْنِهِ رَمَدٌ لا يأكلُ التَّمْرَ، فقال: يا رَسولَ اللهِ أَمْضُغُهُ من الجانِبِ الآخَرِ، فمثلًا إذا كان في عَيْنِه اليُمْنَى فيها رَمَدٌ يَمْضُغُه من الجانِبِ الأَيْسَرِ، فضَحِكَ النَّبِيُّ ﵊، وقال له: "كُل" (٢) لأن نَفْسَه الآن كانت تَطْلُبه طلَبًا قويًّا، وهذا الطَّلَبُ يُزيلُ الضَّرَر.
فالمُهِمُّ أنَّ الشَّيْء الذي لا يُسْتَساغُ لا يَنْبَغي للإِنْسَانِ أن يَتَناوَلَه ويُكْرِه نَفْسَه عليه؛ ولهذا قيل: (كُلْ ما يَشْتَهي بَطْنُك، ولا تَأْكُلْ ما يَشْتَهي فمُك)، وهل هذا يَصِحُّ أو لا يَصِحُّ؟
الجواب: يَصِحُّ؛ لأن بعضَ النَّاسِ يَتَلَذَّذُ بنوعٍ من الطَّعامِ لكن باطِنُه لا يَقْبَلُه،
стр. 106
تَجِدُه إذا أكَلَه يُقْرِقُر بَطْنُه، نقول: لا تَأْكُل هذا، ولوِ اشْتَهَيْتَ الأَكْلَ؛ لأنَّ هذا ضَرَرٌ عليك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيانُ نِعْمَةِ الله على عِبادِهِ بما يَسْتَفيدونَه من هذه البِحارِ من اللُّحومِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ بدون مَشَقَّة وبدون تَعَبٍ، ومع ذلك فإنَّ لُحُوم السَّمَك من أَحْسَنِ اللُّحومِ، وكذلك نِعْمَةُ الله لمِا نَسْتَخْرِجه من هذه البِحارِ من الحِلْيَة التي نَلْبَسُها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيانُ الفرق بين تَناوُلِ اللُّحومِ من هذه البحارِ وتناوُلِ الحُلِيِّ؛ لأنَّه قال في اللحوم: ﴿تَأْكُلُونَ﴾ ولم يَذْكُرِ العلاجَ الذي نتوصَّلُ به إلى هذا الأكل؛ لأنَّه سَهْلٌ هَيِّنٌ لا يُذْكَر، لكنْ في الحِلْيَة قال: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾ لأنَّها تَحْتاجُ إلى مَشَقَّة ومُعاناة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيانُ قُدْرَة الله بِحَمْل هذا الفُلْك الثَّقيلِ المَمْلوء بالبَضائِعِ على مَتْنِ الماء، ومع ذلك يَسْتَطيعُ أن يَدْفَعَ الماءَ ويَمْخُرُه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ وإلا فإنَّ الماءَ ثَقيلٌ، وليس بالهَيِّنِ؛ ولهذا عندما يسبح الإِنْسَانُ في الماء يَحْتاجُ إلى قُوَّةٍ حتى يَدْفَعَ الماء، لكنَّ هذه السُّفُن تَمْخُر الماء، ويَظْهَرُ أَثَرُ هذه النِّعْمَةِ إذا تذكَّرَ الإِنْسَانُ السُّفُن القديمةَ التي تجري بالرِّياحِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيَانُ نِعْمَة الله علينا بِنَيْلِ ما نَطْلُبه من فَضْلِه بواسِطَةِ هذه البواخِرِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّه يَنْبَغي للإِنْسَانِ أن يَفْعَلَ الأَسبابَ التي يَتَوَصَّلُ بها إلى المَقْصودِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أمَّا أن يقول: (أَبْقى في بَيْتي ورِزْقي يَأْتِيني)، ويقول: (إنَّه مُتَوَكِّلٌ على الله)، هل نوافِقُه على قَوْله؟
стр. 107
الجواب: لا، نقول له: لو كُنْتَ مُتَوَكِّلًا على الله لا تكونُ مُتَواكلًا، ففَرْقٌ بين التَّواكُل والتَّوَكُّل، افْعَلِ الأَسبابَ، هذا النَّبِيُّ ﵊ سَيِّدُ المُتَوَكِّلينَ، ومع ذلك كان يَفْعَلُ الأَسْباب الجاذِبَة للخَيْرِ الدَّافِعَةَ للشَّرِّ.
إذن: ابتغوا فَضْلَ الله، وافْعَلوا السَّبَب؛ فإنَّ السَّماءَ لا تُمْطِرُ ذهبًا ولا فِضَّة، وإنَّما يأتي الرِّزْقُ بِطَلَبِ الإِنْسَانِ، والأَمْرُ أَظْهَرُ من أن يَحْتاج إلى أمثلة، وإلا لمَثَّلْنا بِمِثالٍ من أقْرَبِ ما يكون.
فإن قال قائِلٌ: إذا كان اللهُ قد قَدَّرَ لي ولدًا فَسَيأْتِيني، ولم يَتَزَوَّجْ، نقول: هذا كَلَامُ رَجُلٍ مَجْنونٍ؛ إذ كيف يُمْكِنُ أن يَأْتِيَك الوَلَدُ وأنت لم تَتَزَوَّجْ؟ ! ما علمنا أنَّ الأولادَ تَنْبُتُ من الصلائِبِ أبدًا، ولكن تأتي بفعل أَسْبَابِها كالزَّواجِ مثلًا، وهكذا أيضًا الرِّزْقُ يَحْتاجُ إلى طَلَبِه؛ ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وُجُوبُ شُكْرِ نِعْمَةِ الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فإنَّ الله جعل هذه النِّعَم وسَخَّرَها تَسْخيرًا لَنا لِنَقُومَ بِشُكْرِه ، وقد تَقَدَّم أنَّ الشُّكْرَ مَوْضِعُه اللِّسانُ والقَلْبُ والجَوارِحُ.
* * *
стр. 108
الآيتان (١٣، ١٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
* * *
ثم قال الله مُبَيِّنًا تمَامَ قُدْرَته ونِعْمَتِه أيضًا، قال: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يُولِجُ﴾ يُدْخِلُ الله ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ فيزيدُ ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ يُدْخِلُه ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ فيزيدُ] انتبه لكَلَام المُفَسِّر ﵀ هل يوافق الظَّاهِرَ أو لا؟ قال: [﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ فيزيدُ] ما الذي يزيدُ؟
الجواب: لا شَكَّ أنَّ اللَّيلَ إذا دخل على النَّهارِ زاد اللَّيلُ، وإن كان يعود على أَقْرَبِ مذكور وهو ﴿النَّهَارَ﴾ فيزيدُ، فهذا فيه نَظَرٌ، لكن تَوْجيهُ ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ أنَّ شيئًا من اللَّيْل يكون جزءًا من النَّهَار هذا تَوْجِيهُه، فإذا كان شَيْءٌ من
стр. 109
اللَّيْلِ جزءًا من النَّهَارِ معناه زادَ النَّهَار؛ يعني: كأنَّه يقول مثلًا: (دَخَلَ اللَّيْلُ في النَّهَار فصار نَهارًا) وحيئذٍ يزيدُ النَّهَارُ، والعَكْسُ بالعَكْسِ، لكن الظَّاهِر من الآيَة الكَريمَةِ أنَّه يَدْخُل اللَّيْل في النَّهَار فيكون جزءٌ من النَّهَارِ ليلًا، الآن لو قُلْتَ: (أَدْخَلْتُ هذه السَّاقِيَة في هذه الأَرْضِ) الجُزْءُ الذي دخل من السَّاقِيَة جَعَلَ الأَرْضَ ساقِيةً.
إذن: (أدخلتُ اللَّيْلَ في النَّهَارِ) جَعَلْتُ جزءًا من النَّهَارِ ليلًا، وحينئذٍ يكون اللَّيْلُ هو الذي يطول.
إيلاجُ اللَّيْلِ في النَّهَارِ وإيلاجُ النَّهَارِ في اللَّيْلِ لا شَكَّ أنَّه دالٌّ على كمال قُدْرَةِ الله ؛ لأنَّ الخَلْقَ لو اجْتَمَعوا كُلُّهم على أن يُولجِوا جُزءًا يسيرًا من اللَّيْل في النَّهَارِ أو بالعَكْسِ ما اسْتَطاعوا أبدًا، ثم هذا الإيلاجُ أيضًا إيلاجٌ بِنِظامٍ؛ أي: إنَّه يأتي شَيْئًا فَشَيْئًا حتى تَتَكَيَّفَ طِباعُ البَشَرِ لهذا الإيلاجِ.
ما ظَنُّكُم لو أنَّ اللَّيْلَ جاء بِنِهايَتِهِ دَفْعَةً واحِدَةً؛ يعني مثلًا: اليوم صارَ اللَّيْلُ ثمانيَ ساعاتٍ وخَمْسًا وثلاثينَ دقيقةً، في اللَّيْلةِ القادِمَةِ صار اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً وخَمْسَ دقائِقَ، ماذا تكون حالُ النَّاس؟
الجواب: تَضْطَرِبُ، لَكِنَّه يُولِجُه شيئًا فشيئًا، هذا من جهة الإضْطِرابِ، ومن جهةٍ أخرى لو أَوْلَجَه هكذا دَفْعَةً، ومعلومٌ أنَّ سَبَبَ طُولِ النَّهَارِ قُرْبُ الشَّمْسِ من مُسامَكة الرُّؤوسِ، وإذا قارَبَتِ الشَّمْسُ من مُسامَكة الرُّؤوسِ فلا بُدَّ أن تكون شديدةَ الحَرارةِ؛ مَعْنى ذلك أن يكون هذا اليَوْمُ هذا في عِزِّ الشِّتاء، واليوم الذي يَلِيهِ في عِزِّ الصَّيْفِ، وهذا ضَرَرٌ عَظيمٌ، لَكِنَّه يُولِجُه شيئًا فشيئًا، وهذا من تمَامِ القُدْرةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَة.
أيضًا إيلاجُ اللَّيْلِ في النَّهَارِ وبالعَكْسِ له تأثيرٌ عظيمٌ على الجَوِّ؛ لأن الجَوَّ يَنْقَلِبُ
стр. 110
من باردٍ شديدٍ على طول الزَّمَنِ إلى حارٍّ شديدٍ على طول الزَّمَنِ أيضًا، مَعْلومٌ أنَّ هذه الحَرارَةَ الشَّديدةَ تَقْتُلُ من الجراثيمِ الضَّارَّة ما لا يَعْلَمُ به إلا الله ؛ ولهذا نَضْرِبُ مثلًا بسيطًا كُلُّنا نُشاهِدُه: البَعُوضُ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ مات لم يَبْقَ له أَثَرٌ؛ ولهذا أَكْثَرُ ما يَكْثُر في الزَّمَن الذي بين الحَرِّ والبرودة الشِّتاء، كذلك شِدَّة البُرودَةِ تَقْتُلُ الجراثيمَ التي تعيش على الحَرارَةِ، ولا يَعْلَمُ بها إلا الله ؛ ومن ثَمَّ قال العُلَماء ﵏: إنَّ أكْثَرَ أَهْلِ الأَرْضِ أَمْراضًا هم الذين على خَطِّ الإسْتِواء وما قارَبَه؛ إذ ليس عندهم شتاءٌ يَقْتُلُ أو صيفٌ حارٌّ يقتل أيضًا، وهذا أمرٌ مُشاهَدٌ أيضًا.
إذن: إِيلاجُ اللَّيْلِ في النَّهَارِ فيه عِدَّةُ حِكَمٍ؛ ولهذا بَيَّنَهُ فقال: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.
قَوْله : ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ الشَّمْسُ مَعْروفَةٌ، والقَمَرُ مَعْروفٌ، سَخَرَهُما؛ أي: ذلَّلَهُما لمصَالِحِ العبادِ؛ فإنَّ في الشَّمْسِ والقَمَرِ من المصَالِحِ العَظيمَةِ للعبادِ ما يَعْرِفُه أَهْلُ العِلْم ﵏ بهذا الشَّأْنِ، وهذه الشَّمْسُ والقَمَرُ ما بيَّنَ الله لنا ثِقَلَهُما ولا حَجْمَهُما؛ لأنَّ ذلك ليس بالعِلْمِ النَّافِعِ الكثيرِ لنا، فالجَهْلُ به لا يَضُرُّ، والعِلْمُ به من فُضُولِ العِلْمِ، إن لم يَشْغَلْكَ عما هو أَهَمُّ منه فاشْتَغِلْ به، إنَّما بين المصَالِحِ التي تَتَرَتَّب على تَسخيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فقال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر﴾ فبالشَّمْسِ يكونُ النَّهَارُ واللَّيْلُ، ويكون أيضًا نُضْجُ الثِّمارِ، وتكون الأَنْوارُ العَظيمَةُ، ما رَأْيُكم مثلًا ماذا يتوفَّر للعالَمِ من الطَّاقَةِ بعد خُرُوجِ الشَّمْسِ؟
الجواب: كثيرٌ لا يُحْصى؛ لأنَّها تُوَفِّرُ الكَهْرُباء، وتُوَفِّرُ أيضًا تَلْيينَ الأَشْياء التي تحتاجُ إلى تَلْيينٍ وحَرارَةٍ، ثم إنَّهم في الأَزْمِنَة الأَخيرَة صاروا يُنْتِجُون مِن حرارَةِ الشَّمْسِ طاقَةً كَبيرَةً عَظيمَةً، أمَّا القَمَرُ فَسُخِّر لنا أيضًا بما يحصل من نُورِه في اللَّيْلِ،