بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن من توفيق الله أن يسَّر لفضيلة شيخنا -تغمده الله بوامع رحمته ورضوانه- تفسير سورة "يس" في دروسه العلمية التي كان يعقدها رحمه الله تعالى بالجامع الكبير في مدينة عنيزة.
وقد عهدت مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية إلى فضيلة الشيخ فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، أثابه الله، بالعمل لإعداد هذا الكتاب للنشر، وتخريج أحاديثه وآثاره، فجزاه الله خيرًا.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موافقا لمرضاته، نافعًا لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويضاعف له المثوبة والأجر، ويعلي درجته في المهديين، إنه سميع قريب.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللجنة العلمية
في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
قال المؤلف (١) -رحمه الله تعالى-[سورة (يس) مكية، أو إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ الآية، أو مدنية].
المكي ما نزل قبل الهجرة، وليس ما نزل بمكة، إذ قد ينزل بمكة بعد الهجرة ويكون مدنيًّا، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني، وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، والأقوال في هذه السورة ثلاثة:
الأول: أنها مكية.
الثانية: أنها مدنية.
الثالثة: أنها مكية إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾.
والذي يظهر أنها مكية؛ لأن أسلوبها أسلوب المكي، والسور المكية تمتاز عن السور المدنية: بقوة الأسلوب، وجزالة
стр. 3
اللفظ، بخلاف السور المدنية فإن أسلوبها ألين؛ لأنه يخاطب قومًا آمنوا، ويخاطب أيضًا قومًا فيهم أهل كتاب، ليس عندهم من البلاغة في اللغة العربية ما عند العرب، فالظاهر -والله أعلم- أنها مكية، وإذا جعلناها مكية فإننا لا نقول باستثناء شيء منها؛ لأن الأصل أن السورة المكية كلها مكية، وأن السورة المدنية كلها مدنية، فمن ادعى استثناء آية، أو آيتين، أو أكثر فعليه الدليل، أما مجرد أن المعنى يليق بأهل المدينة في آية مثلًا، فهذا لا يكفي في الاستثناء؛ لأن الله تعالى قد يذكر معنًا يليق بأهل المدينة توطئة وتمهيدًا حتى يكون الناس على بصيرة، ولهذا يذكر الله تعالى في الآيات المكية قصص موسى ﵊ مع أن العناية بقصص موسى في المدينة أولى؛ لأن فيها اليهود، أما مكة فليس فيها يهود، فبعض العلماء إذا نظر إلى أن المعنى يليق بالسور المدنية، أو بالأحكام المدنية ذهب يستثني ويقول: إلا آية كذا، إلا آية كذا، وهذا غير مسلم.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ البسملة آية من كتاب الله مستقلة، يؤتى بها في ابتداء كل سورة، ما عدا سورة براءة، وليست البسملة من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو القول الراجح، وأما من قال: إنها من الفاتحة وليست من غيرها، فقوله ضعيف لوجهين:
الأول: للتفريق بدون دليل.
والثاني: أن حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيح وهو قول الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي
стр. 4
نصفين" (١)، يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث؛ ولأن النبي ﷺ كان لا يجهر بالبسملة في صلاته، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية الآيات.
أما إعرابها فهي: جار ومجرور، وصفة وموصوف، وهذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف يقدر فعلًا متأخرًا مناسبًا، وقدرناه فعلًا، لأن الأصل في العوامل الأفعال، ولذلك تعمل الأفعال فعلها بدون شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لابد فيها من شروط، وقدرناه مناسبًا أو خاصًّا؛ لأنه أدل على المقصود، وقدرناه متأخرًا لفائدتين:
الأولى: الترك بتقديم اسم الله .
الثانية: إفادة الحصر، فعندما تسمي على الوضوء فالتقدير: باسم الله أتوضأ، ولو قلت: باسم الله أبتديءُ فيصح، لكن ابتدائي عام، وأتوضأ أخص، والإتيان بالأخص أدل على المقصود، ولو قلت: أبتديء بسم الله، صح لكن فاتك التأخير، والتخصيص، والفعلية؛ لأنك قلت: أبتديء، وإذا قلت: "أبتديء باسم الله" فاتك التأخير والتخصيص، وإذا قلت: "أتوضأ باسم الله" فاتك التأخير فقط.
ولو قال قائل: هل يمكن أن نستدل لهذا القول بشيء من النص؟
نقول: نعم، قال النبي ﵊ وهو يخطب
стр. 5
الناس في عيد الأضحى: "من لم يذبح فليذبح باسم الله" (١)، أو "فليذبح على اسم الله" (٢)، فخص الفعل.
لفظ الجلالة: (الله) اسم لله رب العالمين، وهو أعلم الأعلام، أعلم حتى من الضمير؛ لأنه اسم يختص بالله لا يمكن أن يشاركه فيه أحد، ولهذا قالوا: أعرف المعارف على الإطلاق اسم الله؛ لأنه لا يشاركه فيه أحد، والضمير إذا قلت "قمت" فلا يشاركني أحد فيه، لكن صالح أن يستعمله غيري، أما الله فلا الشركة فيه.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صفتان لله، والرحمن، والرحيم معناهما ذو الرحمة، لكن الرحمن باعتبارها وصفًا لله، والرحيم باعتبارها فعلًا له، ولهذا كان الرحمن عامًّا، والرحيم خاصًّا، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فالرحمن لوحظ فيه الوصف، والرحيم لوحظ فيه الفعل، ولهذا لما لوحظ في الرحمن الوصف جاء على الأوزان التي تدل على الامتلاء والسعة، فصارت على وزن (فعلان).
والرحمة صفة من صفات الله الحقيقية الثابتة له على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد أنكرها أهل التعطيل، ومنهم الأشاعرة، وقالوا: إنه ليس لله صفة هي الرحمة؛ لأن الرحمة رقة ولين، وهذا لا يليق بالله ، وفسروها إما
стр. 6
بالإرادة، لأنهم يؤمنون بالإرادة، وإما بالفعل؛ لأن الفعل منفصل عن الفاعل، -يعني المفعول منفصل عن الفاعل- فهم يفسرونها: إما بالإحسان وهو مخلوق منفصل، وإما بإرادة الإحسان؛ لأنهم يقرون بالإرادة، ولا شك أن قولهم هذا باطل، وأنه إنكار صفة من أعظم صفات الله وهي من أبرز صفاته، فقد قال الله تعالى: "إن رحمتي سبقت غضبي" (١) والعجب كل العجب أنهم يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، والرحمة دل العقل على انتفائها، قالوا: لأن التخصيص دال على الإرادة، فمثلًا هذه سماء، وهذه أرض، وهذه شمس، وهذا قمر، إلى آخره، يدل على الإرادة لأنه لا مخصص إلا بإرادة، أما الرحمة فيقولون: إن العقل لا يدل عليها، بل يدل على انتفائها.
فنقول: عجبًا لكم، دلالة العقل على الرحمة أبلغ وأظهر وأوضح من دلالته على الإرادة، ولهذا جعلتم دلالة العقل على الإرادة بالتخصيص، وهذا لا يفهمه إلا خواص النالس، فلو سألت طالب العلم بدون أن يعرف البحث ما استدل بالتخصيص على الإرادة وهو طالب علم، لكن الرحمة كل يعرف أن لله تعالى رحمة، ويستدل عليها بالعقل، تأتي العامي في السوق فنقول: نزل المطر، واخضرت الأرض، ورويت الزروع، وما أشبه ذلك، من أين هذا؟ فيقول لك مباشرة: من رحمة الله، فيستدل بالنعم
стр. 7
التي هي من آثار الرحمة على الرحمة، ولكن نسأل الله لنا ولهم الهداية، من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
قال الله تعالى: ﴿يس (١)﴾ قال المؤلف ﵀: [﴿يس (١)﴾ الله أعلم بمراده به]، ولا شك أن الله أعلم بمراده ومراد غيره، وأعلم بكل شيء، ولكن ما المراد بهذين الحرفين الهجائيين؟ في هذا خلاف بين العلماء -رحمهم الله تعالى-:
القول الأول: ما ذهب إليه المؤلف، ﵀: "الله أعلم بمراده به" أي: لا ندري ماذا أراد الله .
القول الثاني: أن معنى "يس" يا إنسان فـ "يا" حرف نداء على زعمهم، و"س" كلمة يعبر بها عن الإنسان.
وبعضهم أتي بغير ذلك أيضًا مما لا طائل تحته ولا دليل عليه، لكن يبقي النظر، هل نقول كما قال المؤلف: [الله أعلم بمراده] بجميع الحروف الهجائية التي ابتدأت بها السور، أو نقول إنه لا معنى لها بمقتضى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾. فإن مقتضى اللسان العربي المبين أن هذه الحروف ليس لها معنى، فإذا حكمنا بهذه القضية العامة ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ على كل كلمة أو حرف في القرآن الكريم فإننا نعلم أن "يس" ليس لها معنى بمقتضى اللسان العربي المبين، فـ "يا"حرف هجاء ليس له معنى، و"س" حرف هجاء ليس له معنى أيضًا، وهذا القول ذكره ابن كثير ﵀ عن مجاهد ﵀ وهو قول قوي، ويشهد له الآية التي استشهدت بها، إذن نقول: لا معنى لهذه الحروف.
стр. 8
فيرد علينا إشكال: إذا قلنا لا معنى لها، فكيف يأتي الله في كتابه العظيم بكلام لغو لا معنى له؟
والجواب على هذا أن يقال: إن له مغزىً عظيمًا، هذا المغزى هو أنكم أيها العرب الذين عجزتم عن معارضة القرآن والإتيان بمثله عجزتم عن ذلك، لا لأن القرآن أتى بحروف جديدة، أو كلمات جديدة، بل هو من الكلمات التي تكونون منها كلامكم، حروف هجائية، ولهذا قلَّ أن تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن، مما يدل على أن هذا هو المراد بها، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقبله الزمخشري أيضًا في تفسيره، وغيرهم من العلماء، على أن هذه حروف هجائية جيء بها لأجل إظهار عجز العرب عن معارضة هذا القرآن، مع أنه لم يأت بجديد في كلامهم.
﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ الواو للقسم فلها معنى، ولها عمل، عملها الجر، ومعناها التأكيد، والقسم: تأكيد الشيء بذكر معظم على صورة مخصوصة، ولابد أن يكون المحلوف به معظمًا ولو تقديرًا في ذهن المقسم، كأن المقسم المعظم يقول: بقدر تعظيمي لهذا الشيء وتأكدي منه وإثباتي له أؤكد المحلوف عليه.
ولهذا لابد أن يكون المحلوف به معظمًا، وإلا لكان الحلف لا فائدة منه. ثم قد يكون عظيمًا في ذاته حقيقة، وقد يكون معظمًا باعتبار المقسم به، فالذين يحلفون باللات والعزى يحلفون بمعظم لا بعظيم؛ لأنه معظم عندهم، لكنه ليس بعظيم في نفسه، والذين يقسمون بالله وآياته، يحلفون بعظيم وبمعظم في قلوبهم،
стр. 9
وهو معظم في نفسه. ﴿وَالْقُرْآنِ﴾، القرآن المراد هذا القرآن الذي نقرأه كلام الله ، وهو مشتق من قرأ بمعنى تلا لأنه متلو، أو من قرى بمعنى جمع؛ لأنه مجموع وجامع، فهو مشتق من المعنيين، من القراءة بمعنى التلاوة، ومن قرى بمعنى جمع، ومنه القرية لأنها مجتمع الناس، فالقرآن جامع بين المعنيين فهو متلو، وجامع ومجموع، كلمات مجموع بعضها إلى بعض، كلام جامع لكل ما فيه الخير والصلاح.
قوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة للقرآن وهي بمعنى محكِم، أو بمعنى مُحْكَم، أو بمعنى حاكم كلها تحتمل، فالقرآن حاكم لأنه يجب الرجوع إليه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ (٢) على القول بأن القرآن مُحْكِم، لأنه متقن للأشياء ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (٣) وكذلك أيضًا مُحْكَم؛ لأن الله تعالى أحكمه وأتقنه، فليس فيه تناقض ولا تعارض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤) وهو أيضًا مشتمل على الحكمة، ففيه معنى الحكمة والحكم، وإذا كان حكيمًا فإننا نعلم أنه:
أولًا: حكيم في ترتيبه، فكل آية إلى جنب الأخري حتى وإن ظننا أنه لا ارتباط بينهما، فإنما ذلك إما لقصورنا أو
стр. 10
لتقصيرنا، فمثلًا لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ (١) جاء في سياق آيات العدد فما هو الارتباط؟
نقول: إنه لابد أن هناك حكمة، لكن قصرت أفهامنا عنها، أو قصرنا في التدبر لطلبها ومراجعة كتب أهل العلم.
ثانيًا: حكيم في أحكامه، فأحكامه كلها عدل، موافقة للفطرة وللعقل الصريح، ولهذا لا تجد شيئًا من أحكام القرآن مناقضًا للفطرة أبدًا، بل هو موافق للفطرة، ولا تجد شيئًا في القرآن يكذبه العقل، أو يحيله أبدًا، بل إن العقل يقرر في الجملة ما جاء به القرآن.
ثالثًا: حكيم في أسلوبه يشتد في مواضع الشدة، ويلين في مواضع اللين، ويأتي بأساليب غريبة ما كانت معروفة في أساليب العرب، فبينما الآية سياقها خبري إذا بها تنتقل إلى سياق إنشائي من استفهام، أو نهي، أو أمر، أو ما أشبه ذلك، وكل هذا من الحكمة، بينما القرآن يتحدث بصيغة الغائب إذا به ينتقل إلى صيغة الحاضر، فينتقل من أسلوب إلى آخر، وهو ما يسمي بالالتفات، وأنواع هذا كثيرة في القرآن.
فالقرآن حكيم بكل معنى الحكمة، وبكل معنى الإحكام، وبكل معنى الحكم.
قال المؤلف -مقتصرًا على واحد منها-: [المُحْكَم بعجيب النظم، وبديع المعاني]، فأتى بمعنى واحد من معاني الحكيم،
стр. 11
ونحن ذكرنا أشياء: ذو حكمة، ومُحْكِم، ومُحْكَم، وحاكم، فذكرنا أنه حاكم، وذو حكمة وحكم وإحكام، فيشمل أعم مما قاله المؤلف.
وإقسام الله تعالى بكتابه العظيم أو بكتابه الحكيم يدل على عظم هذا القرآن وعلى عظم ما جاء به من الأحكام والحكمة والحُكم، ثم ذكر المقسم عليه فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ أي يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ فأقسم الله تعالى بكتابه على أن محمدًا ﷺ من المرسلين، وقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ لأنه سبقه الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو خاتم الرسل ﵊، وأكملهم شريعة، جاء ليتم مكارم الأخلاق، وقد شبه النبي ﷺ رسالته برجل بنى قصرًا وأشاده وبقي موضع لبنة، فصار الناس يطوفون به، ويتعجبون منه إلا موضع هذه اللبنة قال: "فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" (١)، والجملة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، وإن، واللام.
قال المؤلف: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى﴾ متعلق بما قبله]، الذي قبله ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، مرسل اسم مفعول صالح للعمل؛ لأن يتعلق به المعمول، فالمعنى: "إنك لمن الذين أرسلوا على صراط مستقيم" لأن جميع الرسل على صراط مستقيم بلا شك، ولكن يحتمل وجهًا آخر أحسن مما قال المؤلف، وهو أن تكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ خبرًا ثانيًا لـ (إن)، أي: إنك على صراط
стр. 12
مستقيم، وهذا أنسب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١).
فالوجه الثاني في إعراب ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ أنها خبر ثان لـ (إن)، وقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ قال المؤلف: [أي طريق الأنبياء قبلك التوحيد والهدي، والتأكيد بالقسم وغيره رد لقول الكفار له: لست مرسلًا]، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ (٢) إذن فالكلام مطابق لمقتضي الحال؛ لأنه يخاطب المنكر، وقد سبق لنا في البلاغة أن للمخاطب ثلاث مراحل: أن يكون منكرًا، أو أن يكون مترددًا، أو أن لا يكون في ذهنه شيء لا إنكار ولا تردد، قالوا: فإن كان منكرًا وجب تأكيد الخبر له، وإن كان مترددًا حسن أن يؤكد له الخبر، وإن لم يكن في قلبه وذهنه شيء، فإنك تلقي إليه الخبر غير مؤكد هذا هو الأصل. فتخاطب إنسانًا ليس في ذهنه شيء عن مدلول الخبر فألق الخبر إليه غير مؤكد، تقول: زيد قائم، وإذا كنت تخاطب مترددًا في صحة الخبر فأكده له استحسانًا، وإذا كنت تخاطب منكرًا فإنه يجب أن تؤكد له الخبر. هذا هو الأصل، وقد يحذف التوكيد في موضع التوكيد، وقد يأتي التوكيد في غير موضع التوكيد لأسباب تعوف من السياق. فهنا الكفار يقولون: لست مرسلًا. فكان تأكيد خبر الرسالة لهم واجبًا يعني مما توجبه البلاغة، والوجوب هنا ليس وجوب التكليف الذي يأثم بتركه، بل
стр. 13
وجوب من حيث البلاغة.
﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ الصراط فعال بمعنى مفعول؛ لأن فعالًا تأتي بمعنى مفعول كثيرًا، كقولهم: بناء، وغراس، وفراش، بمعنى: مبني، مغروس، مفروش، فصراط فعال بمعنى مفعول أي: مصروط، والصراط: المرور بسرعة، ومنه قولهم: "صرط اللقمة" أي ابتلعها بسرعة، وفي اللهجة العامية عندنا نقول: "زرط" وهي لغة عربية في صراط، و"سراط" بالسين و"زراط" بالزاي فكلها لغة عربية، والصراط لا يكون صراطًا إلا إذا كان طريقًا واسعًا يتحمل طوائف يعبرون عليه، قالوا: أيضًا من صفاته أن يكون مستويًا ليس فيه طلوع ولا نزول ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ صفة له مؤكدة، أي: أنه لا اعوجاج فيه، ولا شك أن ما جاء به الرسول ﵊ صراط مستقيم، لأنه طريق واسع يسع كل الأمة منذ بعث إلى أن تقوم الساعة لا يمكن أن يضيق، وهو أيضًا صراط واسع لا يمكن أبدًا أن يضيق عن الأحكام الشرعية، فكل حادثة تنزل منذ بعث الرسول ﷺ إلى يوم القيامة لابد أن يوجد حل لمشكلتها -إن كانت مشكلة- فيما جاء به الرسول ﵊، ولذلك نقول: إن هذا الشرع في القرآن والسنة كامل لا يحتاج إلى تكميل، وهو أيضًا واسمع لا يمكن أن يضيق بأي جزئية تقع إلى يوم القيامة، إذن ليس هناك مشكل في الشريعة، لكن الإشكال إنما يأتي من قبل الناس: إما لقصور في الفهم، أو لتقصير في طلب العلم والهدي، أو الأشياء رانت على قلوبهم فأظلمتها حتى لا تبصر الحق، فقد يكون
стр. 14
الإنسان غير مقصر ولا قاصر، عنده فهم قوي، وعنده آلة قوية وعلم، لكن يكون على قلبه ذنوب تحول بينه وبين رؤية الصواب، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أشكل عليه مسألة من المسائل بعد المراجعة والتتبع لكلام أهل العلم أن يكثر من الاستغفار؛ لأن الاستغفار يمحو الله به الخطايا فيكون القلب مستنيرًا، وربما يستنبط هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ (١) ويستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (٢). فالذنوب منعت القلوب أن تري أحقية هذا الكتاب حتى قال القائل: إنها ﴿أساطير الأولين﴾ فهذا الدين صراط مستقيم واسع، يسع جميع الناس إذا دخلوه، وواسع يشمل جميع أحكام الحوادث والنوازل منذ بعث الرسول ﷺ إلى أن تقوم الساعة، ولكن الإشكال الذي يكون إما من قصورنا، أو تقصيرنا، أو من أمور رانت على القلوب فلا تري الحق.
* في الآيات الكريمات فوائد منها:
١ - بيان أن هذا القرآن الذي أعجز البشر لم يكن بدعًا من لسانهم، وإنما من الحروف التي يركبون منها كلامهم، يشير إلى هذا قوله: ﴿يس (١)﴾ ولهذا لا تأتي هذه الحروف الهجائية في أول السورة إلا وجدت بعدها ذكر القرآن في الغالب.
стр. 15
٢ - ومن فوائدها: عظمة القرآن العظيم؛ لأن الله تعالى أقسم به، ولا يقسم إلا بشيء معظم. والقرآن الكريم عظيم في نفسه.
٣ - ومن فوائدها: الثناء على القرآن بأنه حكيم على الوجوه الثلاثة التي ذكرناها عند قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾.
٤ - من فوائدها: العناية بإثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لأن الله تعالى أقسم عليها، وأكدها زيادة على القسم بإن واللام.
٥ - ثبوت رسالة النبي ﷺ فمن أنكرها فهو كافر؛ لأنه مكذب لله، ورسوله، وإجماع المسلمين.
٦ - من فوائدها: إثبات الرسل وأن ثمة رسلًا غير محمد ﷺ لقوله هنا: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (١) يعني لست أول رسول فإنه ﷺ قد سبقه رسل من قبله.
٧ - من فوائدها: أن ما جاء به النبي ﷺ من الشرع فهو الصراط المستقيم، لقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ والصراط المخالف للشرع فيه من العوج والشر بمقدار ما خالف شريعة النبي ﷺ .
* * *
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ ﴿تَنْزِيلَ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو. أي: القرآن تنزيل العزيز الرحيم، وتنزيل مصدر نزل ينزل، والقرآن منزَّل يعني ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا
стр. 16
فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ (١) فإنه ينزل شيئًا فشيئًا، ويعبر أحيانًا عن القرآن بأنه أنزل باعتبار نهايته، فإنه باعتبار النهاية يكون نزل كله، وباعتبار التدريِج في تنزيله يكون منزلًا، وهكذا في القران نزول المطر، أحيانا يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ (٢) وأحيانًا يقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٣) فباعتبار أن المطر ينزل شيئًا فشيئًا يقال: "نزلنا" وباعتبار النهاية واجتماعه كله يقال: "أنزلنا" وقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾ قال المؤلف: [في ملكه] يعني الغالب في ملكه الذي لا يغلب فيه، وقد مر علينا في باب العقيدة أن العزيز من أسماء الله، وأن العزة لها ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
فعزة القدر بمعنى أنه ذو قدر عظيم رفيع، وعزة القهر بمعنى أنه قاهر غالب، وعزة الامتناع أي أنه قوي لا يناله شيء، قال ابن القيم ﵀:
وهو العزيز فلن يرام جنابه ... أني يرام جناب ذي السلطان
فالله عزيز ممتنع أن يناله السوء، ومنه (الأرض العزاز) لقوتها وشدتها فقول المؤلف: [العزيز: في ملكه] فيه قصور، قال المؤلف: [الرحيم: بخلقه] وهنا نقول: إن الرحيم عامة، لأنها لم تقيد، فالمراد به الرحمة العامة، فالله سبحانه
стр. 17
وتعالى رحيم بخلقه كلهم، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١) حتى الكافر يرزقه الله تعالى العقل، والصحة، والأولاد، والمال، والأزواج، لكن هذه رحمة عامة، أما الرحمة الخاصة بالمؤمنين ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ (٢) وهنا أضاف تنزيل القرآن إلى هذين الاسمين، ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى وجوب العمل بما جاء في القرآن، وأن من لم يعمل به فإن أمامه العزيز الذي يأخذه أخذ عزيز مقتدر، والرحيم إشارة إلى أن هذا القرآن إنزاله من مقتضى رحمته بخلقه؛ لأن الله تعالى ما رحم خلقه رحمة أعظم من إنزال القرآن الكريم؛ لأن به الحياة القلبية والبدنية، والفردية والاجتماعية، ففيه تهديد للذين يخالفون هذا القرآن بأنه نزل من عند عزيز ينتقم ممن خالفه. ورحيم: إشارة إلى أن هذا القرآن من مقتضى رحمته ، قال المؤلف ﵀: [خبر مبتدأ مقدر، أي: القرآن] يعني بخبر مبتدأ مقدر ﴿تَنْزِيلَ﴾ بالرفع أي: القرآن، والتقدير: القرآن تنزيلُ العزيز الرحيم، وفي قراءة سبعية ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون منصوبًا على أنه مصدر عامله محذوف، يعني نزل تنزيل العزيز الرحيم.
* الفوائد:
١ - أن القرآن منزل من عند الله لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ
стр. 18
الرَّحِيمِ (٥)﴾.
٢ - يستفاد منها أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
٣ - إثبات علو الله لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ والنزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كل هذه الأنواع الخمسة من الأدلة دلت على علو الله .
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العزيز والرحيم اسمين من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف، وما تضمنه الرحيم من الأثر وهو الحكم، والعزيز في بعض معانيه وهو الغالب.
٥ - ومن فوائد الآية: إنذار المخالفين لهذا القرآن وذلك بإضافة ﴿تَنْزِيلَ﴾ إلى العزيز؛ لأنه إذا قيل: جاء هذا من عزيز، دل على إنذار من خالفه وتحذيره، فيكون في هذا الإنذار والتحذير من مخالفة هذا المنِزل؛ لأنه نزل من عزيز.
٦ - أن القرآن بل أن الشرع كله من آثار رحمة الله لقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾.
فإن قلت: أين الرحمة في قطع يد السارق؟ وفي رجم الزاني المحصن؟ وفي قتل القاتل؟ وما أشبه ذلك.
فالجواب: أن الرحمة في ذلك واضحة جدًا، فقطع يد السارق فيها رحمة بالسارق وغيره، رحمة بالسارق لتردعه عن السرقة مرة أخرى، ولتكون كفارة لذنبه؛ لأن الحدود كفارة، يكفر بها عن فاعلها، وفيها أيضًا إصلاح المجتمع وحمايته من
стр. 19
الفوضى، فهذه رحمة، وكذلك نقول في بقية الحدود والقصاص إنه من رحمة الله .
* * *
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ قال المؤلف: [﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا﴾ متعلق بتنزيل]. ﴿لِتُنْذِرَ﴾ اللام هذه تسمى لام التعليل، والفعل بعدها منصوب باللام، وعلى مذهب البصريين منصوب بأن مضمرة بعد اللام، وعلى كل حال فهي تحتاج إلى متعلق، ومتعلقها قوله: ﴿تَنْزِيلَ﴾ يعني إنما نزل لتنذر قومًا ما أُنذر آباؤهم فهم غافلون. "تنذر": قال العلماء: الإنذار هو الإخبار المقرون بالتخويف، أو المتضمن للتخويف، فالإنسان مثلًا يأتي إلى قوم يصيح بهم: العدو، العدو. يقال: هذا منذر ونذير، فالنذير عن شيء يخوف، فهو إعلام متضمن للتخويف، هذا القرآن أنزله الله لينذر النبي ﷺ به ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: لم ينذروا في زمن الفترة وعلى هذا فـ (ما) نافية، يعني: لتنذر قومًا لم ينذروا ولم يخوفوا، لكن هذا في زمن الفترة، وأما قبل فقد أنذروا بواسطة إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فإنه مرسل إلى العرب إلى قومه، وبعد ذلك لم ينذر هؤلاء، قال بعض المعربين الذين يجمعون الأقوال -صحت أو لم تصح أي أنهم يقولون أي احتمال- قالوا: ويجوز أن تكون "ما" موصولة، أي: (لتنذر قومًا الذي أنذره آباؤهم) فيجعلون ما موصولة، ويجعلون العائد محذوفًا تقديره (الذي أُنذره آباؤهم) أي: لتنذرهم الذي أُنذره آباؤهم، ولكن هذا وإن كان محتملًا من
стр. 20
قبل اللفظ، لكن بعيد من جهة المعني، لأن الآيات الكثيرة المتعددة تدل على أن قريشًا الذين بعث فيهم النبي محمد ﷺ لم يُنذر آباؤهم، ومنه قوله تعالى في سورة "الم" السجدة: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (١) وهذا صريح في أن "ما" هنا للنفي لا غير. قال المؤلف ﵀ ﴿فَهُمْ﴾ أي: القوم ﴿غَافِلُونَ (٦)﴾ عن الإيمان والرشد] غافلون لأنهم ما أتاهم نذير، ومعلوم أن النذر توجب حياة القلوب والانتباه، ولهذا تجد الإنسان نفسه إذا لم يأته واعظ يغفل وتكثر فيه الغفلة، فإذا أتاه واعظ فكأنما أيقظه من نوم، هؤلاء لما تطاول عليهم الأمد ولم يأتهم نذير، غفلوا وكأنهم ما خلقوا لعبادة الله، وجعلوا لهم أصنامًا يعبدونها من دون الله، ويركعون لها، ويسجدون، وينذرون ويوفون، فهم غافلون لعدم من يوقظهم، ولكن من هؤلاء الذين في زمن الفترة من عنده علم من الرسالة لكنه عاند وبقي على ما كان عليه آباؤه، كالذين شهد لهم النبي ﷺ بالنار، فالذين شهد لهم النبي ﷺ بالنار نعلم علم اليقين أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة ولولا ذلك ما كانوا من أهل النار، فأهل الفترة نوعان:
نوع علمنا من شهادة النبي ﷺ أنه قد بلغتهم الرسالة لحكم الرسول ﷺ عليهم بأنهم من أهل النار.
ونوع لا ندري عنهم شيئًا، فالواجب علينا أن نتوقف في أمرهم، وأن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين.
стр. 21
وأصح الأقوال فيهم أنهم ممتحنون يوم القيامة بتكاليف الله أعلم بها، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار.
* * *
* الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الرسول ﷺ منذر، أي معلم إعلامًا يتضمن التخويف.
فإن قيل: وهل هو مبشِّر؟
فالجواب: نعم، مبشر، ولكن لم ذكر هنا ذكر الإنذار دون البشارة؟ والجواب على ذلك أن يقال: إما لأن المقام يقتضي ذلك، لأنه يخاطب قومًا طاغين، فالأليق في حقهم الإنذار والتخويف؛ لأنهم مخالفون وطاغون.
وإما أن يقال: إن هذا من باب ذكر أحد المتقابلين استغناء بذكره عن ذكر الآخر كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١) يعني والبرد.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مرسل إلى العرب خاصة لقوله: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾، وهي نكرة مقصودة، والذين ما أنذر آباؤهم هم العرب، إذن اليهود والنصارى ما أرسل إليه لأنهم أنذر آباؤهم، ولكن نقول: إن الآيات الأخرى تدل على عموم رسالته ﷺ مثل قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢) ومثل قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ
стр. 22
لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (١) وكقوله ﷺ : "بعثت إلى الناس كافَّه" (٢) والنصوص في هذا كثيرة متوافرة، ومن كذَّبها فقد كذب رسالته إلى العرب أيضًا؛ لأن الجنس واحد.
لكن قد يقال: لماذا خص العرب؟
فيقال: خصهم لأمرين:
الأول: أنه منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ (٣).
والثاني: أنه باشر دعوتهم بنفسه، وهدى الله العرب على يديه قبل موته، ثم انتشرت رسالته في الآفاق، وقد ذكر ابن كثير ﵀ هنا قاعدة وهي: "أن ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافقه لا يقتضي التخصيص" كما ذكر ذلك أهل الأصول كالشنقيطي ﵀ في تفسيره وغيره، وأن هذا هو رأي الجمهور، وهو الحق، فذكر بعض أفراد العام بحكم لا يقتضي التخصيص إذا كان يطابق حكم العام، فإذا قلت: أكرم الطلبة. ثم قلت: أكرم زيدًا. وهو منهم، فإنه لا يقتضي تخصيص الإكرام به؛ لأن الحكم هنا موافق للحكم العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس تخصيصًا له.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: سب هؤلاء الذين غفلوا عن الرسالات لقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ وأن الغفلة عن البحث عن
стр. 23
الرسالة يعتبر ذمًّا، وكذلك نقول فيمن غفل عن البحث في جزئيات الشريعة، فمثلًا من غفل عن البحث في أحكام الصلاة فإنه يذم، ومن غفل عن البحث في أحكام الزكاة وهو يحتاج لذلك نقول: إنه يذم، ولهذا نقول: إن تعلم العلم الشرعي فرض كفاية، ومن أراد أن يقوم بعبادة من العبادات كان تعلم أحكامها فرض عين، وبناء على هذا نقول: كل طلبة العلم في كل مكان قائمون بفرض كفاية، ولهذا يحسن بهم أن يستحضروا هذا الأمر، وأننا في مجالسنا هذه نقوم بفرض كفاية نثاب عليه ثواب الفرض، وقد قال الله تعالى: "ما تقرب إلى عبدي بشيء أحبَّ إلى مما افترضته عليه" (١). وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الطلبة، لا في المجالس الذكر والعلم ولا في المجالس الأخرى مجالس المراجعة، تجد الإنسان يراجع الكتاب لكنه لا يستحضر أنه الآن قائم بفرض كفاية، وهذا يفوت خيرًا كثيرًا، لهذا نسأل الله أن يعيننا على تذكر هذا المعنى حتى نكسب خيرًا بما نقرأه أو نراجعه.
٤ - ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة لله المستفاد من قوله ﴿لِتُنْذِرَ﴾.
* * *
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ اللام موطئة للقسم، أي: أنها تدل على أن هناك قسمًا محذوفًا تقديره: والله لقد حق. و"قد" للتحقيق، وعليه فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المحذوف، واللام، وقد، وهذا التركيب يأتي في القرآن
стр. 24
كثيرًا وطريقه ما أشرنا إليه. ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ أي وجب ﴿الْقَوْلُ﴾ هو القول بالعذاب كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾ (١). في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ (٢) فمن حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن أن يهتدي مهما أوتي من آية، ولكن لا تحق كلمة العذاب إلا على من استحقها حتى لا يقال: إن الله تعالى قد أجبره على العمل، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣) والله ينظر في قلوب العباد فمن كان أهلًا للهداية هداه، ومن لم يكن أهلًا لها لم يهده، فمن حقت عليه الكلمة لما في قلبه من الزيغ -والعياذ بالله- فإنه لا يؤمن، وقوله: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ يعني على أكثر الذين بعث إليهم الرسول ﵊ من العرب، وليس على كلهم، ولذا فقد كذب النبي ﷺ من قريش أمم كثيرة وماتوا على الكفر، ولاسيما الصناديد منهم والأشراف، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هم) الضمير يعود على أكثر، لا على "الهاء" في ﴿فَهُمْ﴾ ﴿فهم﴾ أي: الأكثر لا يؤمنون؛ حتى وإن جئت بالآيات العظيمة البينة فهم لا يؤمنون، لأنهم حقت عليهم كلمة العذاب.
* الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: تأكيد الخبر الهام وإن لم يكن
стр. 25
المخاطب منكرًا؛ لأن الله سبحانه هنا يخبر النبي ﵊ والمؤمنين وهم لا ينكرون ذلك، لكن لأهميته أُكد.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن، كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾ (١) أي فقد ثبت أنه في النار فلا تنقذه.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قريش الذين كذبوا الرسول ﷺ من لم تحق عليه الكلمة فيؤمن لقوله تعالى: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي بل يجب على الإنسان اللجوء إلى الله ؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت السموات والأرض، فلا تعتمد على ما في قلبك من رسوخ الإيمان مثلًا، وتعتقد أنه لن يتسلط عليك الشيطان، ولن يتسرب إليك هوى النفس الأمارة بالسوء، بل كن دائمًا لاجئًا إلى الله تعالى سائلًا الثبات لقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ فالأمر كله بيد الله.
* * *
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ أي: صيرنا، ولهذا نصبت مفعولين، المفعول الأول: أغلالًا، والمفعول الثاني: مقدم، ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ وقوله: ﴿أَغْلَالًا﴾ الغل يكون باليد، كما قال تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (٢)
стр. 26
وهنا قال: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ فمعناه أن اليد سوف تشد إلى العنق، ولهذا قال المؤلف: [بأن تضم إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق، ﴿فَهِيَ﴾ أي: الأيدي مجموعة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾]، قوله: "مجموعة" أخذها من قوله: ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ ويجوز أن نقدر بدل "مجموعة" منتهية أو بالغة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن، وهو مجمع اللحيين، واللحيان هما العظمان اللذان عليهما الأسنان، ومجمعها يسمي الذقن، ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ يقول المؤلف ﵀: [رافعون رؤوسهم]، والأحسن أن يقال: مرفوعو الرؤوس، لأن اليد مغلولة إلى العنق تضيق على الذقن، ثم يرتفع الرأس قال: [رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها] لو تصورت هذه الصورة لوجدتها صورة بشعة، وأن الإنسان لا يتمكن معها من التصرف الحر، رجل مشدودة يداه بعضها إلى بعض ثم مجموعة إلى العنق من عند الذقن، إذن لابد أن يرتفع رأسه اضطرارًا، وزاد بعض العلماء في القبح أنها مغمضة أجفانهم؛ لأنه إذا ارتفع رأسه باضطرار فإن من تمام الذل أن يغمض عينيه، ولكن صنيع المؤلف يدل على أنه ليس بشرط، فالمهم أنك إذا تصورت هذه الحال عرفت أن هؤلاء لا تصرف لهم في أنفسهم، وأنهم لا يستطيعون أن يتصرفوا بأخذ ولا رد بالنسبة لأيديهم، وبالنسبة لرؤوسهم لا يستطيعون تنزيلها، فهي دائمًا مرفوعة، وهذا تمثيل لحال هؤلاء المكذبين كما قال المؤلف: [وهذا تمثيل، والمراد أنهم لا يذعنون للإيمان، ولا يخفضون رؤوسهم له].
стр. 27
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ قال المؤلف: ﴿سَدًّا﴾ [بفتح السين وضمها في الموضعين]، قراءتان سبعيتان، أي: سُدًا وسَدًّا ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي أغشينا أبصارهم، جعلنا عليها غشاوة بحيث لا تبصر، ولهذا قال المؤلف: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [تمثيل أيضًا لسد طرق الإيمان عليهم] ليس هناك سد حقيقي كالجدار مثلًا، أو ثوب ساتر بل هذا من باب التمثيل، كأنهم لبعدهم عن الإيمان -والعياذ بالله- وانحجاب رؤيتهم إياه كأنهم جعل بينهم وبينه سد من بين أيديهم فلا يتقدمون، ومن خلفهم فلا يتأخرون، فهم ثابتون على الكفر لا يتقدمون ولا يتأخرون، ومع ذلك فإن أبصارهم عليها غشاوة لا تبصر الحق ولا تنظر إليه ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فِتأمل أيضًا حالهم الآن، أيديهم مغلولة إلى أعناقهم من تحت الأذقان وهم رافعون رؤوسهم، ومع ذلك بينهم وبين الإيمان سد من الإمام ومن الخلف، فهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى الإيمان، ولا أن يصل إليهم الإيمان.
فنستفيد من هاتين الآيتين الكريمتين فوائد:
١ - أن الله إذا أراد أن يحجب الإيمان عن الشخص جعله كالمغلولة يده إلى عنقه لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾.
٢ - أن هذا الذي جعلت يده إلى عنقه على سبيل الغل كأنه مكره أن يكون على هذه الحال، وهكذا الشيطان يوسوس للإنسان حتى يوقعه في الهلاك كأنه مكره على ذلك، ألم تروا إلى ما جري
стр. 28
للأبوين حين جاء إليهما الشيطان ووسوس إليهما، ولم يكتفِ بمجرد الوسواس بل قاسمهما وصار يحلف لهما بشتي الأيمان أنه ناصح، فهكذا الشيطان يأتي الإنسان حتى يغويه.
٣ - ومن فوائد الآيتين الكريمتين: أن هؤلاء قد حجب عنهم الهدي، لا يتقدمون إليه ولا يتأخرون عنه.
٤ - ومن فوائدها أيضًا: أن أبصارهم قد أغشيت وجعل عليها الغشاوة فلا تنظر.
٥ - ومن فوائد الآيتين: تحذير الإنسان إذا لم ينفتح له باب الهدى أن يكون من جنس أولئك، فإذا رأيت نفسك لا تعلم الهدي ولا تعرفه وحيل بينك وبينه فاعلم أنك على خطر، وإذا رأيت من نفسك أن الهدى ينفتح لك ويتبين، وينشرح به صدرك فاعلم أنك على خير، نحن نقيس هذا بحال هؤلاء جعل السد من بين أيديهم ومن خلفهم وصاروا لا يبصرون الحق، فإذا رأيت من نفسك هذه الحال فاعلم أنك على خطر فتداركها.
٦ - إن من بلاغة القرآن الكريم تمثيل المعقول بالمحسوس.
* * *
﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ ﴿وَسَوَاءٌ﴾ خبر مقدم بمعنى مستوٍ، و ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر مسبوك بمصدر، وإن لم تكن الهمزة من الحروف المصدرية لكن في مثل هذا التركيب قال العلماء: إنها تسبك وما بعدها بمصدر، وتقدير الكلام: "وإنذارك وعدمه سواء عليهم" ﴿وَسَوَاءٌ﴾ هنا لم يقل
стр. 29
فيها: "سواءان" لأنها مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع. قال المؤلف في بيان القراءة في قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [بتحقيق الهمزتين، وإبدال الثانية ألفًا وتسهيلها، وأدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه]، إدخال ألف بين المسهلة والأخرى، يعني على قراءة التسهيل تجعل فيها ألفًا أو تحذف الألف إدخال الألف بين الهمزة المحققة والمسهلة ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ تمد الأولى وتسهل الثانية فيكون عندنا ثلاثة حروف: الهمزة الأولى محققة، والألف، والهمزة الثانية مسهلة، وتركه كما قلناه في الأول بدون ألف ستحقق الأولى وتسهل الثانية بدون ألف. هذه القراءة سبعية؛ لأن المؤلف من عادته إذا جاءت قراءة شاذة غير سبعية يقول: (وقُرِئت)، وعلى كل حال هذا لا يختلف فيه المعنى، إنما هو في كيفية الأداء أما المعنى فلا يختلف.
والمعنى أن إنذارك وعدمه لهؤلاء سواء، ثم بين وجه التسوية فقال: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ هذا معنى التسوية، يعني معناه: أنذرت أم لم تنذر فإنهم لا يؤمنون، ولهذا فالجملة هنا استئنافية بيان للجملة الأولى، يعني أنهم لا يؤمنون سواء أنذرت أم لم تنذر، وهذا أمر مشاهد أن الإنسان الذي قد قضي عليه بالضلالة -والعياذ بالله- تأتي وتنصحه مرة بعد أخرى وتبين له وتحذره ولكن لا يزداد إلا نفورًا -والعياذ بالله- حتى إن بعض الناس يسخر ويستهزيء، فعلى كل حال هذا الذي ينذر ولا يتأثر بالإنذار يخشى عليه، كما أسلفنا من أن يكون قد طبع على قلبه وأنه لا يؤمن أبدًا.
стр. 30
* في الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين للرسول ﵊ لا يبالون ولا تتغير حالهم، سواء أنذرهم أم لم ينذرهم.
٢ - ومن فوائدها: تسلية النبي ﷺ حيث إنه يتأثر بعدم الإيمان فسلاه بأن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وأنهم لا يؤمنون، سواء أأنذرت أم لم تنذر. والرسول ﷺ إذا لم يهتد الناس فإنه يشق عليه ذلك ويضيق به صدره، كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ (١) أي لعلك مهلكها إذ لم يؤمنوا، وهذا ليس عليه.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسول ﷺ كان ينذرهم مع أنه قد أيس منهم، فيستفاد منه الإنذار حتى وإن يئست، وهذا أحد القولين في المسألة، فإن من أهل العلم من يقول: إذا أيست فلا تنذر ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ (٢) وإن لم تنفع فلا تذكر.
وقال بعض العلماء: بل تذكر وتنذر، سواء أم لم ينفع، بل يقولون: إنه لا يخلو من النفع مهما كان؛ لأن قل ما فيها من النفع أن يتبين للناس أن العمل الذي عليه هذا الرجل منكر، ولأنه ربما يهديه الله ، فكم من أناس كانوا أئمة في الكفر ثم هداهم الله فكانوا أئمة في الدين.
٤ - من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة
стр. 31
العذاب، ومن حقت عليه الكلمة فلا يمكن أن يؤمن، سواء أنذر أم لم ينذر.
٥ - أن الأمر كله بيد الله ، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ولكن هذا مقرون بالحكمة، فمن اقتضت حكمة الله أن يهتدي هداه الله، ومن اقتضت حكمته أن يضل أضله الله، وهذا مبني على قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (١) وحينئذ يكون حرمان الله الهداية للشخص، يكون الشخص هو السبب في حرمان نفسه الهداية؛ لأنه ليس أهلًا لها، فالله ينظر في قلوب العباد من وجد في قلبه صلاحية للهدي هداه، ومن وجد في قلبه عدم الصلاحية لم يهده، فأصل بلائك من نفسك.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضال -والعياذ بالله- الذي كتبت عليه الضلالة لا يبصر الحق وإن كان الحق بينًا واضحًا فإنه لا يبصره، يكودن على بصره غشاوة، كما أنه لا يعقله أيضًا لقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (٢) الذي يعتقد أن القرآن أساطير الأولين وأنه لا يفيد، وأنه بمنزلة سواليف العجائز، يري هذه الرؤية في كتاب الله ، لأنه فاسد القلب، قلبه قد ران عليه ما كان يكسبه من الأعمال السيئة فلم ير الحق حقًّا.
ومن يكُ ذا فم مر مريض ... يجد مرًّا به الماء الزلالا
стр. 32
الماء الزلال الصافي الحلو العذب يجده المريض مرًّا، فإذا مرض الإنسان ذاق الماء الذي كان عذبًا في مذاقه من قبل يجده الآن مرًّا، لا لأن الماء مر، ولكن لأن المحل غير قابل، فيجد هذه العذوبة مرارة.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ هذه الجملة فيها حصر طريقه: "إنما" والتقدير: "لا تنذر إلا من اتبع الذكر" وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ المراد بذلك. إنما تنذر الإنذار النافع، كأنه قال: لا ينتفع بإنذارك إلا من اتبع الذكر، ولهذا قال المؤلف: [ينفع إنذارك من اتبع الذكر: القرآن].
والمراد بالاتباع في قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ المراد باتباع الذكر شيئان:
الشيء الأول: تصديق الخبر، واعتقاده مقتضاه.
والثاني: امتثال الأمر، واجتناب النهي.
هذا اتباع الذكر فمن استكبر عما فيه من الأمر، أو النهي فإنه لم يتبعه، ومن لم يصدق بأخباره فإنه لم يتبعه، فلا يتحقق اتباع الذكر إلا بهذين الأمرين: تصديق الأخبار، اتباع الأحكام: فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور، وقوله: ﴿الذِّكْرَ﴾ المراد به القرآن، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١) وسمي القرآن ذكرًا:
стр. 33
أولًا: لما فيه من التذكير والموعظة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ (١).
ثانيًا: لما فيه من ذكر الأخبار الماضية، وقصص الأنبياء الغابرة المفيدة للقلب، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢).
ثالثًا: لما فيه من ذكر أحوال الناس في الجزاء يوم القيامة، وأنهم ينقسمون إلى: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
رابعًا: لما فيه من ذكر العرب ورفع شأنهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾ (٣) فإن القرآن لا شك رفع من شأن العرب، وجعلهم هم الأمة الذين ترجع إليهم الأمم، فإن الأمم كلها لم تهتد إلا عن طريق العرب، ففي هذا رفع لشأنهم وعز لمكانتهم، فالقرآن جاء بلغتهم، ووصل إلى الناس عن طريقهم.
خامسًا: ذكر شريعة الله وأحكامه من الأوامر والنواهي، لأن هذا هو عديل أخبار الأمم السابقة، وأخبار الناس في المستقبل. فلهذا سمي القرآن ذكرًا.
قال الله : ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ "خشي": يقول المؤلف: [خافه ولم يره]، وعليه فهذا من باب الحد اللفظي؛ لأنه فسر بمرادفه، فتفسير الشيء بمرادفه يسمى حدًّا لفظيًّا، فإذا
стр. 34
قلت: القمح هو البر. فهذا حد لفظي، وتفسير الخشية بالخوف فيه نظر؛ لأن هذا الحد غير مانع؛ لأن الخشية ليست مجرد الخوف، بل الخشية هي: الخوف عن علم بالمحوف وعظمته، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) فالخوف قد لا يكون لعظمة المخوف، ولكن لضعف الخائف. لكن الخشية لا تكون إلا لعظمة المخوف إذا عرفها الخاشي عظم هذا المخشي فخشيه، إذن بينهما فرق، فتفسير الخشية بمطلق الخوف فيه نظر، والصواب أن يقال: الخشية هي الخوف عن علم بعظمة المخوف، فالخشية ناشئة عن تعظيم المخشي، أما الخوف فقد يكون ناشئًا عن ذلك، وقد يكون ناشئًا عن ضعف الخائف.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنَ﴾ اختيار هذا الاسم هنا دون ذكر لفظ الجلالة (الله) ؛ لأن الإنسان الذي يخشى الله تعالى يخافه عن علم، فطمأن الله الخائف والخاشي بأنه إنما يخشى رحمانًا يرحمه، فكلما عظمت خشيتك لله عظمت رحمة الله بك؛ لأن الله إذا خافه الإنسان وخشيه، فإنه يرحمه؛ لأنه ما من إنسان يخشى الله حقيقة إلا سيقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه، وحينئذ يكون متعرضًا للرحمة، هذه المناسة لذكر الرحمن دون ذكر لفظ الجلالة: (الله) والله أعلم.
وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ قال المؤلف: (ولم يره) كأنه يفسر أن المراد بالغيب: أنه يخشى الله مع غيبة الله عنه، فيكون بالغيب حالًا من المخشي، يعني يخشى الله والله غائب عنه، هذا أحد
стр. 35
الوجهين في الآية.
الوجه الثاني: يخشى الله بالغيب، أي: يخشى الله في حال الغيبة عن الناس، يخشى الله في قلبه في عمل غائب لا يغفل، فيكون بالغيب حالًا من الخاشي، يعني أن هذا الإنسان الذي أنذرته وانتفع بإنذارك هو الذي اتبع الذكر وخشي الله بالغيب حال كونه غائبًا عن الناس، خشي الله بالغيب أي بالعمل الغائب، وهذه هي الخشية الحقيقية؛ لأن خشية الله تعالى في العلانية قد يكون سببها مراءاة الناس، ويكون في هذه الخشية شيء من الشرك؛ لأنه يرائي بها، ولكن إذا كان يخشى الله في مكان لا يطلع عليه إلا الله فهذا هو الخاشي حقيقة، وكم من إنسان عند الناس لا يفعل المعاصي ولكن فيما بينه وبين نفسه يتهاون بها. فهذا خشي الناس في الحقيقة ولم يخش الله ، لأن الذي يخشى الله لابد أن يقوم بقلبه تعظيم الله سواء بحضرة الناس، أو بغيبة الناس، أيضًا يخشى الله بالغيب أي بما غاب عن الأبصار نظرًا، وعن الأذان سمعًا، وهو خشية القلب، وخشية القلب إعظم ملاحظة من خشية الجوارح. لأن الذي يخشى الله بقلبه يكون مراقبًا لله ولحقه أكثر، فيجب أن تراقب خشية القلب أكثر مما تراقب خشية الجوارح، إذ خشية الجوارح بإمكان كل إنسان أن يقوم بها حتى في بيته، فكل إنسان يستطيع أن يقوم يصلي ولا يتحرك، ينظر إلى موضع سجوده، يرفع يديه في موضع الرفع، يعني يستقيم استقامة تامة في ظاهر الصلاة، لكن القلب غافل. أما خشية القلب فهي الأصل، وهي التي يجب أن يراقبها الإنسان
стр. 36
ويحرص عليها حرصًا تامًّا، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ إذًا الراجح من القولين أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يعود على الخاشي أي يخشى الله تعالى غائبًا عن الخلق، ويخشي الله تعالى بخشية غائبة لا تظهر للعيون، ولا تسمعها الآذان، وهي خشية القلب.
أما قول المؤلف: [ولم يره] واعتبر أن الغيب هنا حال من المخشي، فهذا فيه نظر؛ لأن الله لا يُري في الدنيا، ولكن آياته البينة الظاهرة كأن الإنسان يري ربه، ولهذا قال النبي ﷺ : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١). فآيات الله سواءً الآيات الكونية، أو الآيات الشرعية كلما تأمل فيها الإنسان ظهر له بها وجود الخالق، وظهر له كل ما تضمنته هذه الآيات من صفاته، ظهورًا بينًا كأنما يشاهد الله ، فالصواب إذًا المعنى الأول لأننا نقول: وإن لم نر الله لكَن نرى من آياته ما يدلنا دلالة قطعية يقينية على وجوده وعظمته، قوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ بعد قوله: ﴿تُنْذِرُ﴾ من باب المتقابلات تنذر فينتفع بالإنذار، وإذا انتفع بالإنذار حصل له الثواب فاستحق البشارة ولهذا قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ هو الجنة بمغفرة للذنوب، وأجر كريم على فعل الحسنات، والكريم يتضمن:
١ - كرم الذات العيني.
٢ - وكرم الصفات، كقول النبي ﵊:
стр. 37
"إياك وكرائم أموالهم" (١). يعني الكريم بذاتها وصفاتها، الأجر الكريم بذاته إذا نظرنا إلى نعيم الجنة بذاته، وجدنا أنه كريم أكرم وأجمل وأحسن وأنفع من نعيم الدنيا، ففي الجنة فاكهة، ونخل، ورمان، وعسل، وخمر إذا نسبت هذا إلى نعيم الدنيا وجدت أنه أكرم من نعيم الدنيا بذاته، وبصفاته أيضًا، طعمه ورائحته وغير ذلك هو أيضًا أكرم.
٣ - كريم أيضًا من حيث المقابلة، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. والأجر في الدنيا يكون بقدر العوض، تبيع على سيارة بعشرة آلاف ما أعطيك إلا عشرة ما أزيد، لكن في الآخرة أجر الآخرة أكرم وأعظم، لأنك تبذل واحدًا وتُعطي عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
فصار كرم الأجر في الآخرة من عدة وجوه في: عينه، وصفته، ومقابلته أو معاوضته، فإنه أعظم بكثير من عوض الدنيا وأجر الدنيا [وأجر كريم هو الجنة] هذا تفسير للمراد، لا للمعني، ولا شك أن الجنة تشتمل على ما ذكرنا.
* الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية: أنه لا ينتفع من إنذار الرسول ﵊ إلا من اتصف بهذين الوصفين ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾.
٢ - ومن فوائدها: صحة نفي الشيء إذا كان لا ينتفع به وإن
стр. 38
كان موجودًا، لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ فإن إنذاره لغيرهم حاصل، لكن لما لم ينتفعوا به صار وجوده كالعدم بالنسبة لهم، أما المنذر فقد قام بما يجب عليه.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أتبع للقرآن كان أشد تأثرًا به، لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ وبهذا نعرف القاعدة التي ذكرها بعض العلماء: (الطاعة تجلب الطاعة، والمعصية تجلب المعصية)؛ لأنه كلما كان الإنسان أتبع للقرآن صار أشد تأثرًا به، لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾.
٤ - ومن فوائد الآية: الثناء على هذا القرآن العظيم بأنه ذكر، وسبقت الأوجه في كونه ذكرًا.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخشية لله سبب عظيم للتأثر بالقرآن والانتذار به، لقوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾.
٦ - ومن فوائدها: بيان فوائد الخشية لله، وأنها من أسباب الانتفاع بالقرآن، فكلما كان الإنسان أخشى لربه كان أفهم لكلامه.
٧ - ومن فوائدها: أن الخشية إنما تكون خشية حقيقية إذا كانت بالغيب، أما من خشي الله تعالى بالعلانية فقد تكون خشيته مدخولة، قد يكون خشي الله من أجل أن الناس يرونه, لكن إذا كان بالغيب كان أدل على الإخلاص.
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن تبشر من اتصف بهذين الوصفين: وهما اتباع الذكر، والخشب لله بالغيب فبشره بالجنة ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. ولكن هل تنطبق هذه
стр. 39
البشارة على كل واحد بعينه؟
الجواب: لا، بل هي على سبيل العموم، وكل شخص اتصف بما تثبت به الجنة على سبيل العموم فإننا لا نشهد له بعينه ولكن يرجى له ذلك؛ لأنه في الظاهر قد انطبق عليه سبب الاستحقاق، لكن الباطن لا نعلمه، كما قال النبي ﵊: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار" (١). لهذا نقول في كل من ينطبق عليه وصف يستحق به دخول الجنة نقول: إننا لا نشهد له بعينه؛ لأن الشهادة له بعينه تحتاج إلى دليل معين، ولكننا نرجو له هذا، لأن ظاهر الأمر أنه يستحق؛ لانطباق الأوصاف عليه، لكن لا نشهد لأنه يخشى أن يكون باطنه غير ظاهره. وهذه القاعدة مهمة مفيدة، مثلًا: قتل رجل ممن يجاهد مع جيش، ظاهر جميع المجاهدين أنهم يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، فهل إذا قتل على أيدي الأعداء نشهد بأنه شهيد؟ لا نشهد بأنه شهيد، ولكن نقول: يرجى أن يكون شهيدًا، يعني من الشهداء عند الله ، لأن ظاهر فعله ينطبق على الشهداء عند الله ، ولكن لا نشهد له بعينه، ولهذا ترجم البخاري ﵀ على هذه المسألة في الصحيح قال: "باب: لا يقال فلان شهيد" ولكن كلمة (شهيد) صارت الآن رخيصة تبذل بأبخس الأثمان، فأي واحد يقتل ولو في قتلة جاهلية يقولون: هو شهيد. وهذا لا يجوز، أتدري ما
стр. 40
يستلزم على شهادتك له بأنه شهيد؟ يستلزم بأنك شهدت له بأنه من أهل الجنة، وهذه مسألة صعبة، لكن كما قلنا آنفًا في القاعدة النافعة: (إن من اتصف بأوصاف ينطبق على أهلها هذا الجزاء فإننا نرجوا له ذلك) أما أن نجزم فلا.
فهذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب, هل نجزم له بالمغفرة والأجر الكريم؟ نقول: نعم، من فعل ذلك نشهد له على سبيل العموم، لكن على سبيل التخصيص نرجوا له ذلك.
٩ - من فوائد الآية الكريمة: أن البشارة تكون بانتفاء ما يكره وبحصول ما يحب ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ انتفاء ما يكره ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ حصول محبوب، فيهنأ الإنسان ويبشر بزوال المكروه عنه، وبحصول المحبوب، اجتماعًا وانفرادًا, يعني سواء حصل له الأمران، أو حصل له أحدهما فإنه يبشر بانتفاء الشر عنه، كما يبشر بحصول الخير له.
١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن خشية الرحمن بالغيب واتباع الذكر يحصل به مغفرة الذنوب، والأجر الكريم, فإن ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ في مقابل الذنوب ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ في مقابل الثواب على الأعمال الصالحة.
* * *
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾. مناسبة هذه الآية لما قبلها لها مناسبتان:
المناسبة الأولى: أنه لما ذكر حال من ينتفع بذكرى الرسول