ويحرص عليها حرصًا تامًّا، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ إذًا الراجح من القولين أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يعود على الخاشي أي يخشى الله تعالى غائبًا عن الخلق، ويخشي الله تعالى بخشية غائبة لا تظهر للعيون، ولا تسمعها الآذان، وهي خشية القلب.
أما قول المؤلف: [ولم يره] واعتبر أن الغيب هنا حال من المخشي، فهذا فيه نظر؛ لأن الله لا يُري في الدنيا، ولكن آياته البينة الظاهرة كأن الإنسان يري ربه، ولهذا قال النبي ﷺ : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١). فآيات الله سواءً الآيات الكونية، أو الآيات الشرعية كلما تأمل فيها الإنسان ظهر له بها وجود الخالق، وظهر له كل ما تضمنته هذه الآيات من صفاته، ظهورًا بينًا كأنما يشاهد الله ، فالصواب إذًا المعنى الأول لأننا نقول: وإن لم نر الله لكَن نرى من آياته ما يدلنا دلالة قطعية يقينية على وجوده وعظمته، قوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ بعد قوله: ﴿تُنْذِرُ﴾ من باب المتقابلات تنذر فينتفع بالإنذار، وإذا انتفع بالإنذار حصل له الثواب فاستحق البشارة ولهذا قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ هو الجنة بمغفرة للذنوب، وأجر كريم على فعل الحسنات، والكريم يتضمن:
١ - كرم الذات العيني.
٢ - وكرم الصفات، كقول النبي ﵊:
стр. 37
"إياك وكرائم أموالهم" (١). يعني الكريم بذاتها وصفاتها، الأجر الكريم بذاته إذا نظرنا إلى نعيم الجنة بذاته، وجدنا أنه كريم أكرم وأجمل وأحسن وأنفع من نعيم الدنيا، ففي الجنة فاكهة، ونخل، ورمان، وعسل، وخمر إذا نسبت هذا إلى نعيم الدنيا وجدت أنه أكرم من نعيم الدنيا بذاته، وبصفاته أيضًا، طعمه ورائحته وغير ذلك هو أيضًا أكرم.
٣ - كريم أيضًا من حيث المقابلة، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. والأجر في الدنيا يكون بقدر العوض، تبيع على سيارة بعشرة آلاف ما أعطيك إلا عشرة ما أزيد، لكن في الآخرة أجر الآخرة أكرم وأعظم، لأنك تبذل واحدًا وتُعطي عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
فصار كرم الأجر في الآخرة من عدة وجوه في: عينه، وصفته، ومقابلته أو معاوضته، فإنه أعظم بكثير من عوض الدنيا وأجر الدنيا [وأجر كريم هو الجنة] هذا تفسير للمراد، لا للمعني، ولا شك أن الجنة تشتمل على ما ذكرنا.
* الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية: أنه لا ينتفع من إنذار الرسول ﵊ إلا من اتصف بهذين الوصفين ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾.
٢ - ومن فوائدها: صحة نفي الشيء إذا كان لا ينتفع به وإن
стр. 38
كان موجودًا، لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ فإن إنذاره لغيرهم حاصل، لكن لما لم ينتفعوا به صار وجوده كالعدم بالنسبة لهم، أما المنذر فقد قام بما يجب عليه.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أتبع للقرآن كان أشد تأثرًا به، لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ وبهذا نعرف القاعدة التي ذكرها بعض العلماء: (الطاعة تجلب الطاعة، والمعصية تجلب المعصية)؛ لأنه كلما كان الإنسان أتبع للقرآن صار أشد تأثرًا به، لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾.
٤ - ومن فوائد الآية: الثناء على هذا القرآن العظيم بأنه ذكر، وسبقت الأوجه في كونه ذكرًا.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخشية لله سبب عظيم للتأثر بالقرآن والانتذار به، لقوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾.
٦ - ومن فوائدها: بيان فوائد الخشية لله، وأنها من أسباب الانتفاع بالقرآن، فكلما كان الإنسان أخشى لربه كان أفهم لكلامه.
٧ - ومن فوائدها: أن الخشية إنما تكون خشية حقيقية إذا كانت بالغيب، أما من خشي الله تعالى بالعلانية فقد تكون خشيته مدخولة، قد يكون خشي الله من أجل أن الناس يرونه, لكن إذا كان بالغيب كان أدل على الإخلاص.
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن تبشر من اتصف بهذين الوصفين: وهما اتباع الذكر، والخشب لله بالغيب فبشره بالجنة ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. ولكن هل تنطبق هذه
стр. 39
البشارة على كل واحد بعينه؟
الجواب: لا، بل هي على سبيل العموم، وكل شخص اتصف بما تثبت به الجنة على سبيل العموم فإننا لا نشهد له بعينه ولكن يرجى له ذلك؛ لأنه في الظاهر قد انطبق عليه سبب الاستحقاق، لكن الباطن لا نعلمه، كما قال النبي ﵊: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار" (١). لهذا نقول في كل من ينطبق عليه وصف يستحق به دخول الجنة نقول: إننا لا نشهد له بعينه؛ لأن الشهادة له بعينه تحتاج إلى دليل معين، ولكننا نرجو له هذا، لأن ظاهر الأمر أنه يستحق؛ لانطباق الأوصاف عليه، لكن لا نشهد لأنه يخشى أن يكون باطنه غير ظاهره. وهذه القاعدة مهمة مفيدة، مثلًا: قتل رجل ممن يجاهد مع جيش، ظاهر جميع المجاهدين أنهم يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، فهل إذا قتل على أيدي الأعداء نشهد بأنه شهيد؟ لا نشهد بأنه شهيد، ولكن نقول: يرجى أن يكون شهيدًا، يعني من الشهداء عند الله ، لأن ظاهر فعله ينطبق على الشهداء عند الله ، ولكن لا نشهد له بعينه، ولهذا ترجم البخاري ﵀ على هذه المسألة في الصحيح قال: "باب: لا يقال فلان شهيد" ولكن كلمة (شهيد) صارت الآن رخيصة تبذل بأبخس الأثمان، فأي واحد يقتل ولو في قتلة جاهلية يقولون: هو شهيد. وهذا لا يجوز، أتدري ما
стр. 40
يستلزم على شهادتك له بأنه شهيد؟ يستلزم بأنك شهدت له بأنه من أهل الجنة، وهذه مسألة صعبة، لكن كما قلنا آنفًا في القاعدة النافعة: (إن من اتصف بأوصاف ينطبق على أهلها هذا الجزاء فإننا نرجوا له ذلك) أما أن نجزم فلا.
فهذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب, هل نجزم له بالمغفرة والأجر الكريم؟ نقول: نعم، من فعل ذلك نشهد له على سبيل العموم، لكن على سبيل التخصيص نرجوا له ذلك.
٩ - من فوائد الآية الكريمة: أن البشارة تكون بانتفاء ما يكره وبحصول ما يحب ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ انتفاء ما يكره ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ حصول محبوب، فيهنأ الإنسان ويبشر بزوال المكروه عنه، وبحصول المحبوب، اجتماعًا وانفرادًا, يعني سواء حصل له الأمران، أو حصل له أحدهما فإنه يبشر بانتفاء الشر عنه، كما يبشر بحصول الخير له.
١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن خشية الرحمن بالغيب واتباع الذكر يحصل به مغفرة الذنوب، والأجر الكريم, فإن ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ في مقابل الذنوب ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ في مقابل الثواب على الأعمال الصالحة.
* * *
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾. مناسبة هذه الآية لما قبلها لها مناسبتان:
المناسبة الأولى: أنه لما ذكر حال من ينتفع بذكرى الرسول
стр. 41
- ﷺ ومن لا ينتفع، بين أن كلًّا منهم سوف يحيا بعد موته، وسوف يجازى على عمله، فالمناسبة ظاهرة ففيها بشارة للمؤمن المنتذر، وفيها إنذار وتخويف لمن خالف.
المناسبة الثانية: أن الله تعالى لما ذكر حال هؤلاء المكذبين فإن تكذيبهم بمنزلة الموت، وإذا كان الله قادر على إحياء الموتى إحياءً حسيًّا فهو قادر على إحياء هؤلاء الموتى بالكفر إحياءً معنويًّا. قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿إِنَّا﴾ ضمير جمع، والله واحد، فتحمل هذه على التعظيم قطعًا. ﴿نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿نَحْنُ﴾ ضمير فصل؛ لأنها لو سقطت وقيل: "إنا نحيي الموتى" استقام الكلام، فهي ضمير فصل للتخصيص يعني: نحن لا غيرنا، ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، ويشمل الموتى من بني آدم وغيرهم، لكن قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ يدل على التخصيص، وهذا له نظائر في القرآن والسنة، إذا جاء لفظ عام، ثم ذكر بعده حكم يختص ببعض أفراده، فهل هذا يخصص العموم أو لا يخصصه؟
إذا نظرنا إلى تصرف العلماء ﵏ وجدنا أنهم أحيانًا يجعلونه مخصصًا للعموم، وأحيانًا لا يجعلونه مخصصًا للعموم، فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (١) هذه الآية فيها عموم، وفيها حكم يختص ببعض أفراد هذا العموم. فقوله
стр. 42
تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يشمل من لها رجعة، ومن ليس لها رجعة، فهذا العموم، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أي بعولة المطلقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ هذا الحكم يختص بالرجعيات فهل نقول: إن المراد بالمطلقات في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ المراد بها الرجعيات أو هو عام؟ أكثر العلماء على أنه عام. ومن السنة قال جابر بن عبد الله ﵄: "قضي النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" (١) في هذا عموم، وفي هذا حكم تعقبه يختص ببعض أفراد هذا العموم، فهل نأخذ بالعموم، أو نأخذ بما يقتضيه الحكم المعقب؟ فقوله: "قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم" يشمل كل مالم يقسم حتى لو كان بينك وبينه سيارة تبيع نصيبك منها ففيها الشفعة، أخذًا بالعموم "بكل ما لم يقسم" قوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" هذا يختص بالأراضي، فهل نقول: إن قوله: "في كل ما لم يقسم" يختص بالأراضي بدليل الحكم المفرع، ونقول: إذا كان شريكان في سيارة وباع أحدهما نصيبه فلا شفعة للثاني، أو نأخذ بالعموم ونجعل هذا الحكم الخاص لبعض أفراده يختص به؟ فيه أيضًا خلاف في هذه المسألة، والذي نحن فيها الآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ يشمل كل ميت حتى البهائم ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ هذا خاص بالمكلفين فهل نقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: من المكلفين
стр. 43
بدليل قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أو نقول: هو عام، وتعقيبه بحكم يختص ببعض أفراده لا يقتضي التخصيص؟ ينبني على الخلاف السابق، والعلماء يختلفون في مثل هذا، فنحن نقول: يمكن أن يقال: الموتى الذين يكتب لهم ما قدموا وآثارهم؛ بدليل قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
وقد يقول قائل: اعتبر بالعموم ﴿الْمَوْتَى﴾ كل ميت ﴿وَنَكْتُبُ﴾ ما قدم بعضهم وهم المكلفون.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ قال المؤلف: [وكل شيء نصبه بفعل يفسره: أحصيناه ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ (كل) هذه مفعول لفعل محذوف يفسره قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ وعلى هذا فيكون التقدير: "أحصينا كل شيء" ولا تجمع بين المُفسِّر والمفسَّر، ولا تقل التقدير: "أحصينا كل شيء أحصيناه" لأنه لا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، فإذا أردت أن تقدر فقل التقدير: وأحصينا كل شيء في إمام مبين، لكن جعلت الصيغة على هذا الوجه ليكون لذكر المسند إليه مرتين لأن ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ والضمير في ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ يعودان على شيء واحد، فيكون هنا ذكر المعمول مرتين، مرة على أنه مفعول بفعل مقدر، ومرة على أنه ضمير لذلك المذكور وهو قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ وهذا التركيب يسمي عند النحويين الاشتغال، والاشتغال تجري فيه الأحكام الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والكراهة، والمنع، لكن هذا وجوب نحوي وليس وجوبًا شرعيًّا، يعني تارة يجب نصبه، وتارة يمتنع، وتارة يترجح نصبه، وتارة يترجح رفعه، وتارة يستوي
стр. 44
الأمران، وفي مثل هذا التركيب يترجح النصب؛ لأن قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فإذا جعلنا الواو حرف عطف والجملة فعلية ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ صار المعطوف جملة فعلية على جملة فعلية، ولو رفعنا -والرفع هنا جائز- وقلنا: "وكل شيء أحصيناه" صار العطف هنا عطف جملة إسمية على جملة فعلية، والأنسب أن نعطف جملة فعلية على جملة فعلية؛ لأن تناسب الجملتين أولى من تضادهما. ولهذا نقول: إن النصب هنا أرجح، مع جواز الرفع لولا أنه في كلام الله ولا يغير لكان يجوز أن أقول: وكلُّ شيء أحصيناه، ولهذا لو قلنا: زيدٌ ضربتُه، يجوز أن أقول: "زيدًا ضربته" لكن الرفع أرجح؛ لأنه الأصل، ليس فيه جملة نعطف عليها، لكن لو قلت: "ضربت زيدًا وعمروٌ أكرمته" يجوز في "عمرو أكرمته" النصب ويجوز الرفع، لكن النصب أرجح؛ لتناسب الجملتين، نحن ذكر هذا على سبيل الاستطراد، ولكن القاعدة: إذا جاءت جملة فيها اشتغال فإن كانت ابتدائية، أو معطوفة على جملة إسمية فالراجح الرفع، وإن كانت معطوفة على جملة فعلية فالراجح النصب.
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ هل الذي يكتب الله ، أو الملائكة بأمر الله؟
الجواب: الملائكة بأمر الله لقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ (١).
стр. 45
وإسناد الكتابة إلى الآمر موجود في اللغة العربية كثيرًا، يقول السيد: (كتبت كذا وكذا) والمراد كتبه عبيده، فهنا يقول الله : ﴿وَنَكْتُبُ﴾ والمراد ملائكتنا؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ وقوله: ﴿مَا قَدَّمُوْا﴾ أي: ما قدموه في في الدنيا من أعمال صالحة؛ لأن كل إنسان يعمل عملًا صالحًا في الدنيا فإنه قد قدمه، بمنزلة السلم، والسلم في البيع أن المشتري يقدم الثمن، فأنت الآن مقدم للثمن، والمثمن يكون يوم القيامة، وقد يكون في الدنيا ويوم القيامة جميعًا، فأنت الآن إذا عملت عملًا صالحًا فقد قدمت لنفسك ثمنًا تأخذ عوضه يوم القيامة، ثق بهذا وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ يقول المؤلف ﵀: [نكتب في اللوح المحفوظ ما قدموا في حياتهم] هذا ما مشي عليه المؤلف أن المراد بالكتابة هنا الكتابة باللوح المحفوظ، وهذا التفسير مخالف لظاهر اللفظ؛ لأن قوله: ﴿وَنَكْتُبُ﴾ فعل مضارع، والمضارع لا يحمل على الماضي إلا بدليل: دليل لفظي كـ (لم) مثلًا: إذا دخلت على الفعل المضارع جعلته ماضيًا، أو دليل حالي يدل عليه السياق، وهنا لا دليل على أن المراد ﴿وَنَكْتُبُ﴾ في اللوح المحفوظ؛ لأن الكتابة في اللوح المحفوظ انتهت. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ (١) فاللوح المحفوظ انتهت كتابته، ولا يمكن أن تصاغ ﴿وَنَكْتُبُ﴾ بشيء
стр. 46
انتهى، ولكن المراد (نكتب) في صحائف الأعمال، والذين يكتبون الملائكة بأمر الله ما قدموا في حياتهم من خير وشر ليجازوا عليه، لكن ما قدموه من خير فهو مضمون، وما قدموه من شر فليس بمضمون. لأن الخير لا يمكن أن يهدر منه شيء، والشر قد يعفو الله عنه إذا لم يكن شركًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وهذا من مصلحة الإنسان إذا كان غير مضمون، ﴿وَنَكْتُبُ﴾. الآثار جمع أثر، والأثر ما أعقب الشيء، ومنه أثر القدم بعد المشي فإنه يعقبه، فما المراد بآثارهم؟ قال المؤلف: [ما استن به بعدهم] وهذا التفسير كمثال وليس حصرًا؛ لأن الذي يكتب بالآثار أكثر مما استن به بعدهم؛ لقول النبي ﵊: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (٢). فمثلًا الصدقة الجارية هذه من آثارهم، وإذا أوقف الإنسان مزرعة أو بستانًا على الفقراء وانتفعوا به بعد موته، صار هذا من الآثار بلا شك، وإن كان أصل التقديم في حياته لكن النفع صار بعد مماته، والعلم النافع من آثارهم فكل ما انتفع به بعد موته من علم فهو من آثاره. والولد الصالح أيضًا من آثاره؛ لأن الولد من كسب الإنسان، فإذا كان ولدًا صالحًا يك عو لأبيه أو أمه فهو من الآثار، وما اقتدي به الناس من الأعمال الصالحة، والأخلاق الحميدة فهو أيضًا من الآثار، فما ذكره
стр. 47
المؤلف على سبيل المثال، وهذا الذي قاله المؤلف ﵀ أن المراد بالآثار ما كان بعد موت الإنسان هذا هو الصحيح.
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآثار: الآثار التي يتقدموا بها إلى الطاعة، كالمشي إلى الصلوات، فإن الله تعالى يكتب للإنسان كل خطوة فيرفع له بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة. واستدل هؤلاء بأن النبي ﵊ قال لبني سلمة: "دياركم تكتب آثاركم" (١)، فجعل الرسول ﵊ الآثار تكتب، ولكن هذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن قول الرسول "تكتب آثاركم" هذا مما قدموه في حياتهم، ولكن سماه أثرًا لأنه أثر، وهو المشي والمسير، فالصواب أن الآية كما قال المؤلف أن المراد بما قدموا: ما سبق من أعمال صالحة في حياتهم حتى آثار مسيرهم إلى المساجد، وآثارهم ما كان بعد موتهم. قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ قال المؤلف: [﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه]، والإحصاء بمعنى الضبط مأخوذ من الحصى، لأن العرب أمة أمية لا يكتبون، يضبطون الأشياء بالحصى وشبهها، ويقدرون بالرمح وما أشبهه، لا يقرءون ولا يكتبون، فكانوا إذا أرادوا ضبط الشيء أخذوا حصى، فإذا سألوا كم عدد القوم؟ أعطوه كيس الحصى، ولهذا قال الشاعر:
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
ولست بالأكثر منهم حصى، يعني أن قومك ليسوا بكثيرين، ويضرب المثل فيقال: جاء قوم كُثرُ الحصى، فأحصيناه
стр. 48
ضبطناه، وسمي الضبط إحصاء، لأن العرب كانت تضبط الشيء بالحصى، قوله: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ قال المؤلف ﵀: [كتاب مبين]، هذا صحيح ﴿فِي إِمَامٍ﴾ الإمام يطلق على عدة معانٍ يجمعها أنه مرجع، فإمام الصلاة مثلًا إمام، لأنه مرجع للمأمومين يقتدون به، وإمام الحكم كذلك مرجع يرجع الناس له، والكتاب إمام لأنه مرجع كما قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (١). إذًا ﴿فِي إِمَامٍ﴾ في كتاب، وقوله: ﴿مُبِينٍ (١٢)﴾ يقول المؤلف ﵀[بين]، لأن مبين هنا من الرباعي، من أبان يبين فهو مبين. أما بيّن فهي من الثلاثي، من بأن يبين، فهو بين، وكلمة (بأن) و (أبان) تأتيان بمعنى واحد فيقال: بأن الصبح، وأبان الصبح. وتنفرد أبان بأنها تأتي بمعنى أظهر وأوضح، أبان الشيء يعني أظهره وأوضحه. فإذا جاءت كلمة (مبين) في القرآن الكريم فإنها تصلح بأن تكون بمعنى (بين) وتصلح بأن تكون بمعنى (مظهر وموضح) لكن ليس كل موضع جاءت فيه تصلح للوجهين جميعًا، قد تكون في موضع لا تصلح إلا بين، فمثلًا: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) معناها بين ظاهر، وقوله: ﴿حَم﴾ (٣) بمعنى الموضح المظهر، وهو إذا كان موضح فهو واضح، لكنها هنا مبين بمعنى مظهر، أبين في
стр. 49
المعنى، فكلمة (مبين) إذا صلحت أن تكون من الرباعي الذي بمعنى أظهر، فهو أولى من تفسيرها بالثلاثي الذي بمعنى ظهر، لأن المظهر جامع بين الظهور بنفسه والإظهار لغيره، فيكون معناه أشمل. وقول المؤلف عن الإمام المبين: [هو اللوح المحفوظ] وهذا صحيح يعني محتمل، فإن اللوح المحفوظ كتبت فيه أعمال العباد، ولكن هنا (مبين) هل الأنسب أن تكون كما فسرها المؤلف بين، أو مبين بمعنى مظهر؟ هل المعنى أنه كتاب بين، أو كتاب مبين يظهر الحقائق؟ الظاهر أن المعنى الأخير أولى؛ لأن هذا الكتاب مبين للأمور موضح لها، وكما قلنا: ما كان مبين فهو بين فهي صالحة لما يقول المؤلف: [هو اللوح المحفوظ] لأنه يقول: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ أي أنه قد انتهى، ويجوز أن تكون صحائف الأعمال لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (١).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله في إحياء الموتى، وقد برهن الله على قدرته على إحياء الموتى بأدلة عقلية، وأدلة حسية.
فمن الأدلة العقلية مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٢) فهذا دليل عقلي على إمكان إحياء الموتى، وجهه أن الإعادة أهون من الابتداء، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى، وكما في قوله تعالى: ﴿كَمَا
стр. 50
بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ (١) هذا مثله أيضًا استدل الله تعالى بالابتداء على الإعادة.
أما الأدلة الحسية فما أكثر ما يضرب الله الأمثال بإحياء الأرض بعد موتها على قدرته على إحياء الموتى، مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ (٣). والآيات في ذلك كثيرة، فقد برهن الله على قدرته على إحياء الموتى بالأدلة العقلية، والحسية، لتكون لذوي العقول دليلًا، ولذوي الأبصار، والأدلة الظاهرة دليلًا أيضًا، فالإنسان العقلاني كما يقولون نستدل له أو عليه بالعقل، والإنسان السطحي الذي لا يستدل إلَّا بما يشاهد نستدل عليه بالأدلة الحسية.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن من لم يخش الله ولم يتبع الذكر فإن الله قادر على أن يحيي قلبه فيخشى الله ويتبع الذكر، ووجه الدلالة أن الله تعالى ذكر هذا بعد أن ذكر انقسام الناس إلى من يخشى الله بالغيب ويتبع الذكر، ومن لم يكن كذلك، فيه إشارة إلى أن الله قادر على أن يرد هؤلاء إلى الحق.
стр. 51
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مكتوب للإنسان إما له وإما عليه لقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
٤ - ومن فوائدها: أن الله تعالى يكتب كل شيء القليل والكثير؛ لقوله: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ وما اسم موصول، والاسم الموصول يشمل الصغير والكبير، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (١) ويدل عليه أيضًا في آخر الآية: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال لا تنقطع بالموت لقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ والاثار ذكرنا أنَّها أنواع: العلم، والصدقة الجارية، والولد الصالح يدعو له، وسنة يحييها فيتبعه الناس عليها.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله في ضبط الأمور وإتقانها، وأنه لا يفوته شيء لقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.
٧ - ومن فوائدها: أن ما يكتب على الإنسان فإنه حق بين واضح لا يمتري فيه أحد، لقوله: ﴿مُبِينٍ (١٢)﴾ والشيء المبين هو الذي يوضح الأشياء مع وضوحه في نفسه وهو كذلك، ولذلك يقول الله : ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (٢).
* * *
стр. 52
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ (اضرب) قال المؤلف: [اجعل] وهذا لا شك أنَّه معنى مقرب للمعنى أي اجعل مثلًا، وقيل: إن (اضرب) بمعنى اتخذ؛ لأن الضرب يدل على صناعة وتكييف، ومنه: ضرب الذهب خاتمًا، وضرب الذهب حليًّا، وضرب الذهب سكة، يعني نقودًا، بمعنى اتخذه حليًّا، اتخذه سكة وما أشبه ذلك، فشُبه ذكر المثل للاعتبار به بصناعة الشيء؛ لأن المثل يشتمل غالبًا على هيئة متكاملة مركبة من أجزاء متعددة، ولهذا لا يأتي المثل في تشبيه مفرد بمفرد، إنما يأتي المثل في تشبيه صورة مشتملة على أجزاء متعددة بصورة.
فلهذا سمي ضرب مثل، أي: صنع مثل، كما تصنع الأواني والخواتم وغيرها من معادنها، وقال المؤلف ﵀: [﴿لَهُمْ مَثَلًا﴾ مفعول أول، ﴿أصحاب﴾ مفعول ثان]، وهذا الظاهر أنَّه سهو من المؤلف، والصواب العكس، لأن المضروب هو أصحاب القرية، فيكون هو المفعول الأول، و ﴿مثلًا﴾ هو المفعول الثاني، ففي إعراب المؤلف انقلاب، فالصواب: أن أصحاب القرية مفعول أول، و ﴿مَّثَلًا﴾ مفعول ثان، أي: اجعل أصحاب القرية لهؤلاء المكذبين لك اجعلهم مثلًا يعتبرون به، والمَثَل والمِثل كالشبه والشِّبه، أي: جعله أمرًا مشابهًا حتَّى يتعظوا.
وكلمة ﴿وَاضْرِبْ﴾ الخطاب فيها للرسول ﵊، أو لكل من يتأتى خطابه، وسبق لنا أن مثل هذا تارة يكون صريحًا؛ أنَّه عام، وتارة يكون صريحًا أنَّه خاص بالرسول
стр. 53
- ﷺ ، وتارة يحتمل الوجهين.
فمن الأشياء التي تكون صريحة بخصوصية الرسول ﵊ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ (١) فهنا الخطاب للرسول ﵊ قطعًا.
ومن الأشياء الصريحة أنَّه عام مثل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) ولم يقل: "إذا طلقت" فدل على أن الخطاب الأول يراد به العموم.
وأما احتمال أن يكون خاصًّا بالرسول ﵊ أو عامًّا فهو كثير في القرآن، والأرجح أن نجعله عامًّا؛ لأنه أشمل، فإذا جعلناه عامًّا شمل الرسول ﷺ وغيره، إذًا نقول لأي داعية الآن: اضرب مثلًا للمكذبين بهذه القرية ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾. قال المؤلف: [أنطاكية] فجعل (ال) للعهد الذهني يعني كأنها قرية معروفة مفهومة، ولكن هذا القول ضعفه ابن كثير ﵀ في تفسيره وقال: (فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضًا، أو تكون أنطاكية - إن كان لفظها محفوظًا في هذه القصة - مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنَّها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك. والله أعلم) (٣).
стр. 54
وعلى هذا فيكون المراد بالقرية هنا: قرية غير معينة، وتكون (ال) للجنس لا للعهد الذهني، يعني: اضرب مثلًا لهم في قرية غير معينة وهذا هو الصحيح، وذلك لأن الله لو كان في بيان هذه القرية بعينها مصلحة لبينها، وليس المقصود كما مر علينا كثيرًا تعين الأشخاص، أو الأماكن، أو الأزمان ليس فيه كثير فائدة في الغالب، المقصود العبرة في القصة وما وقع، ولهذا نرى بعض العلماء يتكلفون مثلًا فيما إذا جاء اسم رجل في حديث مبهم يتكلفون في طلب تعينه، وليس هذا بلازم، إلَّا أن يترتب على تعيينه اختلاف للحكم، أوإظهار للمعنى فهذا شيء آخر، وهنا لا يعنينا أن نعرف ما هي القرية، ومن هم أهلها، الذي يعنينا العبرة بما جرى في هذه القصة، فالصواب عدم تعينها بأنطاكية ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ [بدل اشتمال من أصحاب القرية] فتكون في محل نصب؛ لأن أصحاب منصوب، والبدل يتبع في الإعراب المبدل منه، فيكون ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ في محل نصب على أنَّه بدل من أصحاب القرية ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ أي أصحاب القرية ﴿الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ لَهُم هو قال المؤلف ﵀: [أي رسل عيسى] وهذا القول ليس بصحيح، ولا دليل عليه، بل جاءها المرسلون الذين من جنس قوله في أول السورة ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ جاءها المرسلون الذين هم من جنس هؤلاء، وعلى هذا فهم رسل من عند الله ، وليسوا من قبل عيسى ﷺ ، قال في تفصيل هذا المجيء وهذه القصة: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ وهذا من عجائب القول أن يقول بعض العلماء: أي: رسل
стр. 55
عيسى، مع أن الله يقول: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ ولم يقل: إذ أرسل إليهم عيسى، بل قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالرسل المرسلون هنا رسلًا من عند الله، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ﴾ أي: إلى أصحاب القرية ﴿اثْنَيْنِ﴾ مهو من هؤلاء الثلاثة ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ التكذيب رد الخبر ونسبته إلى خلاف الواقع هذا هو التكذيب، فهؤلاء كذبوهما وقالوا: هذا أمر ليس بصحيح، ولستم برسل، فماذا كان؟ قال الله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ وقال المؤلف: [بالتخفيف والتشديد]. ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ هذا التشديد (عزَزنا) التخفيف، والقراءتان سبعيتان؛ لأن المؤلف ذكرهما على حد سواء، معنى (عززنا) قال: [قوينا الاثنين بثالث، يعني لما كُذِّب الاثنان أرسل الله ثالثًا معهم لأجل التقوية، وهذا كقول موسى ﵊ لما أرسله الله تعالى إلى فرعون قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ (١) فزيادة الواحد يقوي بلا شك، ونحن نشاهد حتَّى في أمرنا الواقع إذا قا شخص قولًا، ثم أيده آخر ازداد قوة ونشاطًا في تقرير هذا القول وتثبيته، ﴿فَقَالُوا﴾ الضمير يعود على الثلاثة ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ أتوا بالجملة المؤكدة بـ (إنا)؛ لأن الحال تقتضي ذلك، فإنهم قد كذبوا وأنكروا، فجاءت الجملة الثانية مؤكدة؛ لأن المقام مقام تكذيب.
ولكن لو قال قائل: لماذا لم تؤكد بأكثر من مؤكد؟
قلنا: هي أكدت بأكثر من مؤكد، أكدت بمؤكد واحد لفظي
стр. 56
وهو (إنا)، وأكدت بمؤكد معنوي وهو زيادة الرسول.
ولو قال قائل: هل المقام مقام تأكيد على سبيل الاستحسان، أو على سبيل الوجوب؟
قلنا: على سبيل الوجوب، فإذا قال: القاعدة أنَّه إذا كان على سبيل الوجوب فإن التأكيد يتكرر، يعني يؤتى بإن، واللام، والقسم، قلنا: هذا المؤكد مكرر، لكنه من نوعين: تأكيد باللفظ (إنا) وتأكيد بالمعنى تقويتهم بثالث: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ مرسلون من قبل الله ، وهم يعلمون ذلك أنهم ما دعوا الرسالة من شخص وإنَّما هي من الله، فكان جواب هؤلاء جواب غيرهم من المكذبين، والمكذبون يردودت أقوال الرسول، أحيانًا بنفي، وأحيانًا بإثبات، ففي النفي يقولون: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ﴾ وكما قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يعني نسلم إنا بشر مثلكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (١) هذا جواب بالنفي. يعني أنتم بشر لستم ملائكة حتَّى نقبل، وأحيانًا بالإثبات ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ (٢) فصاروا أحيانًا يتهمون الرسل بالسحر والجنودت، وأحيانًا بالنفي يقولون: ما أنتم ملائكة حتَّى تكونوا رسلًا إلينا، ما أنتم إلَّا بشر مثلنا، فليس ببدع أن يقول أصحاب هذه القرية لهؤلاء الرسل: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ
стр. 57
مِثْلُنَا﴾، ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أنكروا الرسالة من حيث جنس الرسول، وأنه بشر، وأنكروا الرسالة إنكار جحود بلا مبرر ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ من الذي يمنع فلم يذكروا حجة قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه الجملة نفي و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم، ثم هذه النكرة مؤكدة بـ (من) الزائدة، لأن قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بمعنى (شيئًا)، وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ قوله ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) ففي الجملة حصر طريقة: النفي والإثبات ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ يعني ما أنتم إلَّا تكذبون، وهذا الحصر - والعياذ بالله - حصر هم يرونه إضافيًّا، بمعنى ما أنتم إلَّا تكذبون فيما تدعون من الرسالة، ولا يلزم أنهم يدعون أنهم يكذبون في كل شيء؛ لكن فيما ذكروا من الرسالة، فصار إنكارهم مبنيًّا على أمرين:
الأول: أنهم بشر، يعني كأنهم يقولون: لو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة.
الثاني: النفي الذي لم يبن على شيء، وإنَّما هو مجرد إنكار ومكابرة ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾.
وهذا لا شك من سفههم، لأن إنزال الوحي على الرسل لهداية الخلق أمر يوجبه العقل فضلًا عن الشرع، لأن العباد لا يمكن أن يتعبدوا لله إلَّا بشيء شرعه ونصبه لهم دليل عليه وإلَّا فكيف يتعبدون؟ ! فإنزال الله الوحي للبشر أمر يقتضي العقل وجوبه، مع أن الله قد أوجبه على نفسه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلهُدَى (١٢)﴾ (١) فالله أوجب على نفسه أن يبلغ
стр. 58
عباده ما يوصلهم إليه، وإلَّا لضلوا، إذًا هذه المكابرة وهي: دعوى أن الرحمن ما أنزل من شيء يكذبها العقل والشرع، لأن العقل يوجب أن ينزل الله على العباد شريعة يتعبدون بها له لتوصلهم إليه، إذ إن العقل لا يهتدي كيف يعبد الله، والشرع أوجب الله تعالى على نفسه أن يبلغ عباده شريعته، قال الله : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ (١) وقال تعالى في القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (٢) حيث أوجب الله على نفسه أن يهدي عباده، وهذه هداية البلاغ لا هداية التوفيق، ولو كانت هداية التوفيق لاهتدى كل أحد.
قوله: ﴿إِلَّا تَكَذِّبُونَ (١٥)﴾. الكذب هو: الإخبار بخلاف الواقع، إذًا أنتم أخبرتمونا إنكم رسل، والواقع إنكم لستم برسل، ماذا قالوا لهم، قال الله : ﴿قَالُوا لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾ الآن أكدوا الرسالة بثلاثة مؤكدات:
الأول: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ لأن هذا جاري مجرى القسم.
والثاني: ﴿إِنَّا﴾.
والثالث: اللام. لشدة إنكارهم.
فإذا قلنا: إن هذه ثلاثة مؤكدات مع التأكيد الأول وهو زيادة الثالث، صار أكدت الرسالة بأربع مؤكدات. ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ﴾. قال المؤلف: [جاري مجرى القسم، وزيد التأكيد به وباللام على ما قبله لزيادة الإنكار، أربع مؤكدات، لكن المؤلف
стр. 59
لم يعتبر تأكيد الإرسال، مع أنَّه بلا شك مؤكد.
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾ قال المؤلف ﵀[التبليغ المبين (١) الظاهر، بالأدلة الواضحة، هذا حصر حقيقي أي: ما عليهم في جانب الرسالة إلَّا البلاع المبين في جانب الرسالة، فقولنا: (في جانب الرسالة) يقتضي أن يكون حصرًا إضافيًّا، لأن عليهم سوى البلاع أن يقوموا بعبادة الله الخاصة التي هي غير التبليغ، لكن هي بجانب الرسالة ما عليهم إلَّا البلاغ المبين، قال المؤلف: [التبليغ] كلمة بلاغ بمعنى تبليغ، فهي اسم مصدر من بلغ يبلغ، كما يقال: كلم يكلم، المصدر كلام، واسم المصدر كلام، بلغ يبلغ تبليغًا هذا مصدر، واسم المصدر بلاغ، أما تفسير المبين بالبين فهذا قد يقال: إن فيه نظرًا؛ لأن الظاهر أن المبين بمعنى المظهر، يعني البلاع المظهر لحقيقة الأمر الواقع، وهو أننا رسل من عند الله، وسبق لنا أننا فسرنا المبين بالمظهر على وجه صحيح صار متضمنًا لكونه بينًا، إذ لا يكون الشيء مبينًا إلَّا وهو بين في نفسه، أما قوله ﵀: [التبليغ البين الظاهر بالأدلة الواضحة، وهي: إبراء الأكمه، والأبرص، والمريض، وإحياء الموتى، هذا ليس بصحيح؛ لأن هذا مبني على أنهم رسل عيسى ﵊، والأمر ليس كذلك، لكن عليهم التبليغ البين بالرسالة فيبلغون تبليغًا بينًا.
في القصة فوائد كثيرة منها:
١ - بيان ضرب الأمثال ليعتبر بها لقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ
стр. 60
مَثَلًا﴾، والخطاب كما سبق إما للرسول ﷺ أو لكل من يتأتى خطابه.
٢ - أن العبرة بما في القصة من ضرب الأمثال، وأنه ليس من الضروري أن يعين المثل المضروب فهنا قال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾. ولم يعين القرية، ولم يعين أولئك الأصحاب بأعيانهم؛ لأنه ليس هذا محل عبرة، بل العبرة في القصة كلها.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله لن يدع الخلق بلا رسل لقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾.
٤ - ومن فوائدها: بيان رحمة الله في تعزيز الرسالة بالصيغة والعدد، لأنه قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ فهنا التعزيز بالثالث تقوية فعلية، والتأكيد بـ (إنا) تقوية لفظية.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تعدد الرسل مع اتحاد المرسل إليه؛ لأن الله أرسل لهذه القرية اثنين ثم عززهما بثالث.
٦ - ومن فوائدها: أن الذين يكذبون الرسل ليس عندهم إلَّا المكابرة، وليس عندهم حجة عقلية أو نقلية لقولهم: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾ كل هذه الجمل الثلاث ليس فيها أي حجة تسوغ تكذيب هؤلاء الرسل، لأنك إذا رأيت هذه الحجج الثلاث أو الشبه لم تجد فيها حجة:
الأولى: أنهم ردوهم لأنهم بشر مثلهم، وقد سبق في التفسير بيان الرد عليها، وأنه لا يمكن أن يرسل للبشر إلَّا بشر
стр. 61
مثلهم، حتَّى لو أنزل إليهم ملائكة فإن الملائكة لابد أن يكونوا على صورة البشر، وحينئذ تعود الشبهة.
الثانية: ما أنزل الرحمن من شيء، فهذا نفي مجرد بدون ذكر حجة، وليس هذا بدليل للخصم إطلاقًا، لأن نفي قول الخصم بدون حجة ما هو إلَّا مكابرة.
الثالثة: وكذلك قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾.
٧ - فوائد الآية الكريمة: بيان أن المعاندين للرسل ليس عندهم إلَّا المكابرة المحضة كقولهم: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾.
٨ - أن حكمة الله تقتضي أن يرسل للبشر بشرًا مثلهم.
٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التأكيد بما يشبه القسم لقولهم: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾. وهل هذا أقوى من التأكيد بالقسم، أو التوكيد بالقسم أقوى؟ الظاهر أن هذا أقوى من التوكيد بالقسم، لأنهم إذا قالوا ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾ وإن لم يكونوا مرسلين استلزم قولهم هذا وصف الله بالجهل والعجز والقصور، لأنهم إذا قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، ولم يكونوا مرسلين، معناه: أن الله علم الحال على خلاف ما كانت عليه، إذا فرضنا أن الله يعلم أنهم مرسلون وهم غير مرسلين في الواقع، لزم من ذلك أن يكون الله جاهلًا بحالهم، وأن يكون الله تعالى عاجزًا عن الانتقام منهم وبيان كذبهم، لأنهم سيقولون: إنا مرسلون، ويأخذون بمقتضى هذه الرسالة، والله تعالى يعلم
стр. 62
أنهم غير مرسلين، وهذا يستلزم الجهل، إذًا فالتأكيد بمثل هذا أشد من التأكيد بالقسم لما يترتب عليه من اللوازم الخطيرة، ولهذا قال العلماء: لو قال قائل: الله يعلم أني ما فعلت كذا وهو فاعل قالوا: إن هذا يقتضي الكفر إذا كان يعلم معنى ما يقول، وما يلزم من قوله، ووجه ذلك ما أشرنا إليه آنفًا من كونه يستلزم أن يكون الله جاهلًا وعاجزًا.
١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التأكيد بعدة مؤَكدات في جانب المنكر، بل قد نقول: إن التأكيد واجب إلَّا لفائدة، لقوله هنا: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾ وقد سبق أن الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات.
١١ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس عليهم هداية الخلق، وإنَّما عليهم إبلاغ الرسالة فقط، لقولهم: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾.
١٢ - ومن فوائدها أيضًا: أنَّه يلزم الرسل أن يكون بلاغهم مبينًا مظهرًا للأمر على حقيقته.
١٣ - ويتفرع على ذلك أنَّه لا إبهام في الشرائع، وأن الشرائع كلها واضحة، فإن جاء إبهام في نص، فهو مبين موضح في نص آخر، وإن بقي الإبهام قائمًا فالعلة في فهم المخاطب، إما لقصوره، أو لتقصيره، أما ما جاءت به الرسل فإنه يحصل به البلاغ المبين المظهر لكل ما تحتاج إليه الرسالة، لقوله: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾.
* * *
стр. 63
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾ ﴿تَطَيَّرْنَا﴾ أي تشاءمنا، وأصل التطير مأخوذ من الطير، لأن الناس يتشاءمون بالطيور، أو يتفاءلون بها. فيرسلون الطيور فإن اتجهت إلى اليمين، أو اليسار، أو الأمام، أو الخلف، أو عادت، أو ذهبت ولم تعد تشاءموا، أو تفاءلوا على اختلاف بينهم فيما يكون التشاؤم أو فيما يكون التفاؤل، ثم تعدى الأمر إلى أن تكون الطيرة في كل شيء وهي: "التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو زمان، أو مكان"، وهذا التطير قد يكون له أصل، وقد لا يكون له أصل، قد يكون له أصل وذلك فيما إذا عوقبوا بمخالفة الرسل فيجعلون تلك العقوبة من شؤم هؤلاء الرسل، كأنهم يقولون: لولا أنكم أتيتم إلينا ما حصلت لنا هذه العقوبة، وقد يكون هذا التطير لا أصل له، وإنَّما هو دعوى مجردة من هؤلاء المكذبين، وهم قد يتطيرون بمعنى: أنَّه يحد من حرياتهم فيما تهواه أنفسهم، فيكون هذا شؤمًا وتضيقًا، مثل أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ينهونهم عن عبادة الأصنام، وهم يهوون عبادة الأصنام، ومثل أن الرسل تأمرهم بعبادة الله وحده، فيقولون: ضيقت علينا العبادة، فيجعلون هذا التضييق بزعمهم شؤمًا، فيتطيرون بالرسل عليهم الصلاة والسلام، والحاصل أن التطير للرسل له ثلاث حالات:
الأولى: تطير بحد الشريعة من أهوائهم وشهواتهم، فيقولون: هذا تضييق علينا، وهو شؤم في زعمهم.
الثانية: تطير بما يصيبهم من العقوبات بسبب المخالفة فيقولون: هذا شؤمكم.
стр. 64
والثالثة: دعوى مجردة لا أصل لها فيقولون: إنا تطيرنا بكم لمجرد التشويه لما جاءت به الرسل.
وقول المؤلف ﵀: [انقطاع المطر عنَّا بسببكم] هذا أحد الوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها آنفًا، بأنهم يتطيرون بهم بسبب العقوبة التي تحل بهم لمخالفتهم، ووجه آخر يتطيرون بهم بسبب الحد من بلوغ مآربهم في عبادتهم وشهواتهم ومعاملاتهم ومأكولاتهم ومشروباتهم، فيقولون: ضيقت علينا. الوجه الثالث: تطير المدعى الذي ليس له أصل، وقولهم: لانقطاع المطر عنا بسببكم. لتنفير الناس عن متابعتهم. يحتمل أن هذا هو السبب، ويحتمل أن ما حل بهم من العقوبات الأخرى التي من جملتها ما عاقب الله بها آل فرعون أرسل عليهم الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم والسنين، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، تسع عقوبات، ويمكن أن يكون هناك عقوبات غير هذا أيضًا.
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ عن دعوتنا إلى اتباعكم وترك ما كنا عليه ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الجملة هذه جواب القسم، وليست جواب الشرط، لأنها قُرنت باللام، وأكدت بنون التوكيد، وهذا يدل على أنَّها جواب القسم، لا جواب الشرط، ولهذا أشار ابن مالك ﵀ في الألفية حيث قال:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الرجم هو الرمي بالحجارة، ومنه رجم الزاني
стр. 65
المحصن أي يرمى بالحجارة حتَّى يموت ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا﴾ ليصيبنكم، ومس كل شيء بحسبه: فمس الإنسان للإنسان له معنى، ومس العقوبات والمصائب له معنى، والمراد بالمس هنا الإصابة، وقوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾ العذاب هو ما يحصل لهؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام من هؤلاء المكذبين المعتدين من الضرب وشبهه، ومنه الحبس أيضًا فإنه عذاب أَلِيمٌ (١٨)﴾ بمعنى مؤلم فهو فعيل، بمعنى مفعل، ومنه قول الشاعر:
أم الريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
(السميع) بمعنى المسمع، لا بمعنى السامع، فأليم بمعنى مؤلم، لا بمعنى آلم، قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ هل هذا على سبيل التنويع، أو على سبيل الجمع؛ يعني أنهم يرجمونهم ويعذبونهم قبل الرجم، أو أنَّه على سبيل التنويع، وأن الواو بمعنى "أو" أي: نرجمنكم حتَّى تموتوا، أو ليمسنكم منا عذاب أليم دون الرجم؟ الآية تحتمل معنيين، فإن جعلناها للجمع فإنها ليست على سبيل الترتيب، لأن الرجم هنا سابق في الذكر، لاحق في الواقع، لأن العذاب الأليم قبل الرجم، إذ إن الرجم لا عذاب بعده، فيكون فيها تقديم وتأخير، وأما إذا جعلنا الواو بمعنى "أو" للتقسيم، فيكون المعنى أنهم توعدوهم بأحد أمرين: إما الرجم، وإما العذاب المؤلم الشديد.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾ ﴿قَالُوْا﴾ الضمير يعود على الرسل، يخاطبون أصحاب القرية الذين كذبوهم ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي شؤمكم ملازم
стр. 66
لكم، وذلك بسبب كفرهم فهم الشؤم على أنفسهم، وليس الشؤم من الرسل، بل من هؤلاء ولو شاءوا لآمنوا فزال عنهم ما حل بهم من العذاب والنقص، ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ قال المؤلف ﵀[همزة استفهام دخلت على "إن" الشرطية، وفي همزتها التحقيق والتسهيل وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأخرى] سبق مثل هذا وأن فيها خمس قراءات، أو أربع قراءات: التحقيق، والتسهيل، فيقال "إن" هذا التحقيق، والتسهيل، "أإن" بدون بيان الهمزة، إدخال ألف بينهما بوجهيها يعني وعدم الإدخال، فإدخال ألف التحقيق تقول آإن ذكرتم، وبالتسهيل أإن هذا إدخال ألف بينهما، وبين الأخرى التي هي همزة إن، والقراءات كلها سبعية (١) وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ قال المؤلف: [وعظتم وخوفتم، وجواب الشرط محذوف، أي: تطيرتم وكفرتم] قوله: ﴿أَيِن﴾ حرف شرط، والشرط يحتاج إلى فعل شرط، وإلى جواب الشرط، أما فعل الشرط فمذكور وهو قوله: ﴿ذُكِّرْتُمْ﴾ أما جواب الشرط محذوف، تقديره يقول المؤلف ﵀: [تطيرتم وكفرتم].
ولننظر ماذا حصل من التذكير لنعرف جواب الشرط ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾ فالذي حصل منهم أنهم تطيروا، وأنهم توعدوا بالرجم والعذاب الأليم، فيكون الجواب مطابقًا للمذكور أي: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ تطيرتم، وتوعدتم بالرجم والعذاب الأليم، وكفرتم، قال
стр. 67
المؤلف: [وهو محل الاستفهام. والمراد به التوبيخ] وهو أي: جواب الشرط المحذوف محل الاستفهام، يعني هو الذي ينصب عليه الاستفهام لا التذكير؛ لأن التذكير ثابت وليس فيه إنكار، إنما الإنكار والتوبيخ بالتطير بهم، واعتدائهم على الرسل، فهو محل الاستفهام الذي يراد به التوبيخ، يعني أن الرسل عليهم الصلاة والسلام وبخوهم وقالوا: أتتشاءمون وتتوعدون؛ لأننا ذكرناكم، فهذا هو محل الاستفهام، وإنَّما نص المؤلف على ذلك لأنه قد يظن الظان أن محل الاستفيم هي الجملة الموالية لأداة الاستفهام وهي قوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ الواقع أن محل الاستفهام هو جواب الشرط، لا الشرط المذكور وهو أي الاستفهام للتوبيخ.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾ هذا إضراب انتقال، يعني انتقلوا من الإنكار عليهم بكونهم يكذبون الرشمل ويتوعدونهم ويتطيرون بهم إلى وصفهم الحقيقي وهو أنهم قوم مسرفون، والإضراب يكون للإبطال، ويكون للانتقال، فإذا قلت: جاء زيا بل عمرو، فهذا إضراب إبطال، وإذا قلت: زيد في شك بل هو منكر، فهذا إبطال انتقال، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ (١) ومنه هذه الآية الكريمة ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾ وقوله: ﴿مُسْرِفُونَ (١٩)﴾ أي متجاوزون للحد، ووجه التجاوز:
أولًا: أنهم كذبوا الرسل بلا بينة وبلا دليل؛ لأنهم اعتمدوا على ما ليس حجة لهم، ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وقالوا: ﴿وَمَا
стр. 68
أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ووقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾ هذا إسراف جاوز الحد.
ثانيًا: أنهم تطيروا بالرسل، وحقيقة الأمر أن الرسل عليهم الصلاة والسلام محل تفاؤل؛ لأن في اتباعهم الخير ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ (١) وهؤلاء تطيروا بالرسل وليسوا محل ليتطير بهم.
ثالثًا: أنهم توعدوا الرسل بالعدوان عليهم إذا لم ينتهوا عن دعوتهم إلى الله تعالى، وإبلاغهم رسالته، لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾ فكل هذا من الإسراف.
وهو كذلك من العدوان أيضًا، ووجه ذلك:
أولًا: أنَّه لا يجوز للإنسان عقلًا أن يرد شيئًا بلا بينة، مع أن هؤلاء الرسل لا شك أنهم أتوا بآية تدل على صدقهم، ما بعث الله رسولًا إلَّا أعطاه ما على مثله يؤمن البشر.
ثانيًا: تطيرهم بالرسل، والحقيقة أن التطير من أعمالهم هم؛ لأن الرسل قالوا وصدقوا فيما قالوا: "طائركم معكم" فتطيرهم بالرسل قلب للحقيقة، لأن حقيقة الأمر أن التطير من هؤلاء.
الوجه الثالث: أنهم توعدوا الرسل ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾.
стр. 69
الفوائد:
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - أن هؤلاء المكذبين تشاءموا بالرسل، وهذه دعوى باطلة، يدعيها كل مكذب بالرسل.
٢ - أن المكذبين بالرسل يدعى عليهم ما لم يكن منهم، تشويهًا وتنفيرًا.
٣ - يستفاد منها: بيان عدوان هؤلاء المكذبين للرسل عليهم الصلاة والسلام، حيمسا توعدوا الرسل إن لم ينتهوا عن الدعوة إلى الله بالرجم المؤدي إلى الهلاك، أو بالعذاب الأليم إن لم يرجموهم. وهذا فيه غاية العدوان العظيم على عباد الله، فهؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ (١) فهؤلاء المكذبون للرسل الذين يتهددونَهُم بالقتل والرجم والعذاب الأليم من أشد الناس عدوانًا؛ لأنهم اعتدوا على الحق وعلى حامل الحق.
٤ - ومن فوائدها: أن الإنسان شؤمه بعمله، وليس بدعوته إلى الحق، لقوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾.
٥ - ومن فوائدها: أن الذنوب والتكذيب للرسل يكون سببًا للمحق والبلاء لقوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ وهذا هو سنة الله في جميع المكذبين للرسل، أن الله يبتليهم بالعقوبات لعلهم يرجعون.
стр. 70
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: الإنكار على من ذكر فأعرض، لقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾.
٧ - ومن فوائدها: جواز حذف ما علم بالسياق، ولا يعد هذا نقصًا في الكلام وبلاغته؛ لأن جواب الشرط محذوف لدلالته عليه، وربما يكون الحذف أبلغ.
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم كانوا مسرفين على أنفسهم متجاوزين للحد لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾. وسبق بيان وجه إسراف هؤلاء وتجاوزهم للحد.
* * *
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ قال المؤلف: [هو حبيب النجار كان قد آمن بالرسل ومنزله بأقصى البلد]. قوله : ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ أي من أبعدها إلى المكان الذي فيه الرسل والمكذبون لهم، وهو وسط المدينة، لأن الغالب أن العلم والحضارة وكثرة السكان تكون في الوسط. وهذا الرجل كان في أبعد المدينة فسمع أن هؤلاء كذبوا الرسل - وكان ﵀ قد آمن فجاء ينصح قومه، والله يقول ﴿رَجُلٌ﴾ وهو نكرة غير معرف، والمؤلف يقول [حبيب النجار] وهذا الاسم والتعيين لم يصح عن النبي ﷺ ولعله متلقى عن بني إسرائيل، وموقفنا في مثل هذا ألا ننكر وألا نثبت، ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ وهنا بدء بيان مكانه قبل ذكره، وفي قصة موسى حين قتل القبطي ذكر
стр. 71
الرجل قبل مكانه فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ (١) وهنا ذكر المكان قبل ذكر الرجل ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ وذلك لأن هذا الرجل كان مؤمنًا فسهل عليه أن يأتي من المكان البعيد، فذكر مكانه لبعده ليستدل به على قوة محبة هذا الرجل للخير ودفع الشر. أما ذلك فالمقصود به العلم أن يأتي أحد بالعلم، فبدأ بالآتي وهو الرجل قبل ذكر مكانه.
وهنا قال الله : ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ وفي أول الآية قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وهذا يدل على أن القرية تسمى مدينة، والمدينة أيضًا تسمى قرية، فمكة سماها الله تعالى قرية وهي أم القرى، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ (٢) فالقرية ليست هي البلد الصغير كما يظن كثير من الناس، بل القرية تكون مدينة، ولذلك لأن أصل القرية معناه مأخوذ من القِرى، وهو التجمع فإن الناس يجتمعون فيها، فإن كانت بلدة كبيرة سميت في عرف الناس مدينة، وإن كانت دون ذلك سميت في عرف الناس قرية. فالتفريق بين القرية والمدينة ما هو إلَّا اصطلاح عرفي فقط.
قوله: ﴿يَسْعَى﴾ أي يشتد يركض لئلا تفوته الفرصة حين سمع بتكذيبهم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ ﴿قَالَ﴾ هذا جملة مفصولة عما قبلها، أي أنَّها أتت بدون حرف العطف كأنها
стр. 72
جواب عن سؤال مقدر، تقديره فماذا قال حين جاء؟ ! ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ ﴿يَاقَوْمِ﴾ منادى منصوب بالنداء؛ لأنه مضاف، وقد حذفت منه ياء المتكلم، وأصلها (يا قومي) ولكن حذفت الياء للتخفيف، أو لالتقاء الساكنين؛ لأن اتبعوا مبدوءة بهمزة وصل، وهمزة الوصل ساكنة. قال الرجل: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ ولم يقل يا أيها السفهاء، يا أيها الجهال، بل قال: ﴿يَاقَوْمِ﴾ توددًا وتعطفًا لهم، ولم يقل: يا إخواني، لأنه لا أخوة بين المؤمن والكافر، فهو مؤمن وهم كفار، لكن ﴿يَاقَوْمِ﴾، يصح أن يقال: يا قوم ولو كانوا كفارًا. قال الله تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ : (١) قال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ اتبعوهم بما دعوكم إليه من الإيمان والعمل الصالح، لأن هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام دعوا إلى ما دعت إليه الرسل كلهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٢) فهم دعوا إلى هذا، إلى الإيمان والعمل الصالح ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ كرر الأمر بالاتباع من باب التأكيد ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ﴾ ولو حذفت اتبعوا الثانية وقيل: اتبعوا المرسلين من لا يسألكم أجرًا، لصح الكلام لكن كررت للتأكيد، لأنها هي المقصود الأول بالخطاب أن يتبعوا المرسلين ﴿مَنْ﴾ أي: الذي، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنهم يدعون
стр. 73
الناس ولا يأخذون ولا يطلبون على دعوتهم من الناس أجرًا، لكنهم يرجون من الله الأجر، أما من الناس فلا يأخذون أجرًا، فهم لا يتخذون أجرًا على دعوتهم وعلى دلالتهم إلى الخير فإنما يرجون الأجر والثواب من الله ﴿أَجْرًا﴾ هنا محلها من الإعراب مفعول ثان، والكاف مفعول أول، وهذان المفعولان من باب مفعولي، كسا وأخواتها ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ فبين هنا أن هؤلاء الرسل على هدى وليسوا على ضلال، وهم لا يسألون أجرًا على ما دعوا إليه، وقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ يحتمل أن تكون الواو للاستئناف، وهو الأقرب لبيان حال هؤلاء الدعاة أنهم على هدى، ويحتمل أن تكون للحال أي: لا يسألونكم أجرًا مع كونهم مهتدين. ثم قال المؤلف: [فقيل له: أنت على دينهم؟ فقال: وما لي لا أعبد الذي فطرني] ما قدره المؤلف ﵀ من أنَّه قيل للرجل: أنت على دينهم؟ لا يتعين، بل يجوز أن يكون الرجل قال: "وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني" على أن المراد به هؤلاء القوم كأنه قال: (وما لكم لا تعبدون الذي فطركم) لكن أضافه إلى نفسه من باب التلطف بالخطاب، هذا هو الأقرب لأمور:
أولًا: أن ما ذكره المؤلف لا دليل عليه، والسياق لا يستلزمه، وإذا كان لا دليل عليه من حيث النقل، ولا دليل عليه من حيث السياق؛ لأنه لا يستلزمه فالأصل عدمه.
ثانيًا: أن ما قلناه أبلغ في التلطف بالدعوة بدلًا أن يقول: (وما لكم لا تعبدون الذي فطركم) قال: ﴿وَمَا لِيَ﴾ فأضاف الأمر
стр. 74
هنا إلى نفسه تلطفًا.
وقوله ﴿وَمَا لِيَ﴾ الاستفهام هنا بمعنى الإنكار، يعني أي شيء يمنعني أن أعبد الله وحده، ولهذا قال: ﴿لَا أَعْبُدُ﴾ أي لا أتذلل للذي ﴿فَطَرَنِي﴾ قال المؤلف: [أي خلقني أي لا مانِع لي من عبادته الموجود مقتضيها، وأنتم كذلك] قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ﴾ تقدم لنا أن العبادة هي التذلل لله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، محبة وتعظيمًا، وأن العبادة تطلق على التعبد الذي ذكرناه، وعلى المتعبد به وهي الأفعال التي يتعبد بها الإنسان، أو الأقوال، وعلى هذا حدها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - بأنها هي: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة، والباطنة). وقوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ولم يقل: لأعبد الله ليقرن بين الحكم والدليل؛ لأن قوله: "أعبد الذي فطرني" مقتضى لكونه هو المعبود. إذ إنه هو الخالق، فلزم أن يكون هو المعبود وهذا كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١) فقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ كتعليل للأمر بعبادته وحده، كما أنَّه الخالق وحده، فيجب أن يكون المعبود وحده، ولهذا قال المؤلف [الموجود مقتضيها] وما مقتضيها أنَّه هو الذي فطر الخلق، وابتدأ خلقهم، فلزم أن يكون هو المستحق للعبادة وأن يعبد، وقوله: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي خلقني لأول مرة، والفطر والإبداع بمعنى الإيجاد لأول مرة، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ
стр. 75
وَالْأَرْضِ﴾ (١) وقال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) فالذي فطر الخلق لأول مرة وعلى غير مثال سابق هو الله تعالى، فإذن يجب أن يكون هو المعبود، أما أن تعبد غير الله، وهذا الغير لا يخلق بل هو مخلوق كما قال الله : ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ (٣) فكيف يصح أن يعبد هؤلاء، فهذا الرجل من فقهه وحكمته وحسن دعوته أنَّه قرن الحكم بالدليل، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا مما يؤيد ما قلنا من أنَّه يريد قومه، لكن من باب التلطف في خطابهم قال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ كما تخاطب صاحبك الآن تحاوره أو تخاصمه تقول: ما لي لا أفعل كذا. وكذا يعني ما المانع؟ فإذا كان لا مانع لي، فهو لا مانع لك أيضًا، قال المؤلف ﵀: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ هو أبعد الموت فيجازيكم بكفركم، لو قال المؤلف: بعملكم، لكان أشمل، لأنه يجازيهم بالكفر إن استمروا عليه، ويجازيهم بالإسلام إن أسلموا، فلو عبر المؤلف بقوله: (سيجازيكم بعملكم) لكان أولى.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان نصح هذا الرجل لقومه من وجهين:
الوجه الأول: أنَّه جاء من مكان بعيد، ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.