قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ (١) فابتلى الله الصحابة وهم محرمون بالصيد ينالونه بأيديهم فيما يعدو، وبرماحهم فيما يطير، ليعلم الله من يخافه بالغيب فلا يأخذ من هذا الصيد، فلم يأخذوا ﵃ من هذا الصيد وتركوه خشية لله لا عجزًا عن الوصول إليه، كما ابتلى الله تعالى بني إسرائيل الذين حرم عليهم الصيد يوم السبت بأن تأتي الحيتان يوم السبت شرعًا طافية على وجه الماء، وفي غير يوم السبت لا تأتيهم، وهذا امتحان من الله ، لكنهم لم يصبروا على هذه المحنة، بل ذهبوا يعاملون الله معاملة الغر الجاهل يخادعون الله فأتوا بحيلة ومكر ونصبوا الشباك يوم الجمعة، فإذا جاءت الحيتان يوم السبت دخلت في الشباك، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، فاحتالوا فقلبهم الله تعالى قردة ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ (٢) فهؤلاء الذين يدعون الأصنام لجلب نفع أو دفع ضرر يمتحنون ويختبرون فيدفع عنهم الضرر ويحصل لهم النفع، لكن عند هذا الدعاء وليس بهذا الدعاء، نجزم بذلك يقينًا؛ لأن هذه الأصنام لا تأتي بخير، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾.
قال المؤلف: [﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي: آلهتهم. نزلوا منزلة العقلاء ﴿وَهُمْ﴾ أي: آلهتهم من الأصنام ﴿لَهُمْ جُنْدٌ﴾
стр. 282
بزعمهم نصرهم ﴿مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ في النار معهم]. قوله: نزلوا منزلة العقلاء، لأن واو الجماعة خاصة بالعقلاء، والذي يأتي لغير العقلاء ما يدل على التأنيث سواءً كان بالإفراد أو بالجمع، فلو مشى التعبير على الغالب لقال: (لا تستطيع نصرهم) أو الا يستطعن نصرهم) لكن قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ تنزيلًا لهذه الأصنام منزلة العاقل؛ لأن هؤلاء يدعونها دعاء العاقل يرون أنها عاقلة تجلب النفع وتدفع الضرر فخوطبوا بما يعتقدون.
﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ المؤلف - رحمه الله تعالى - مشى على أن ﴿وَهُمْ﴾ الضمير يعود على الأصنام، أي والأصنام لعابديها جند ينصرونهم حسب زعمهم ﴿مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ أي: معهم في النار، فهذه الأصنام جند لهؤلاء العابدين، لكن الجميع محضرون في نار جهنم يعذبون. وهذا قول فيه بعد عن ظاهر الآية وعن المعنى.
والصواب: أن الضمير في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ﴾ يعود على العابدين ﴿لَهُمْ﴾ يعود على الأصنام ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ أي: حاضرون. فالمعنى أن هذه الأصنام لا تستطيع نصرهم، ولكن هؤلاء العابدين ينتصرون للأصنام ويكونون جندًا لها كما قال قوم إبراهيم: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ (١) فهؤلاء العابدون يعبدون ما لا ينفعهم ولكنهم هم ينتصرون لهذه الأصنام ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ ليدافعوا عن هذه الأصنام، فيكون في هذا التصرف نقص من وجهين:
стр. 283
الوجه الأول: أنهم هم ينصرون هذه الأصنام وينتصرون لها ويدافعون عنها.
الوجه الثاني: أنهم انتصروا لشيء لا ينفعهم، والغالب أن الإنسان العاقل إنما ينتصر لمن ينفعه، وينتصر له، وأما من لا ينتصر له ولا ينفعه بشيء لايمكن أن ينتصر له.
فالمعنى الذي ذكرناه هو المتعين في الآية وهو المناسب، وهو الذي ينادي عليهم بالسفة والضلال.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾: صحة إطلاق الإله على غير الله ؛ لقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ ولكن هل هذه الآلهة حق؟
الجواب: لا، هي آلهة باطلة لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) فهي وإن سموها آلهة وعبدوها كما يعبدون الرب فإنها لن تكون آلهة، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٢).
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين اتخذوا هذه الآلهة توهموا فيها أنها تنصرهم، ولكن أبطل الله هذا الوهم بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان المبطل لابد أن
стр. 284
يتعلق بشيء يبرر به باطله، وهو هنا رجاء النصر ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾، وكل إنسان مبطل لابد أن يعلل ما ذهب إليه من الباطل كما مر كثيرًا في أقوال أهل البدع.
٤ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ أن هذه الآلهة لا يمكن أن تنصر عابديها لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾.
فإن قلت: أليسوا يستغيثون بالآلهة فيغاثون أحيانًا؟
فالجواب: نعم، يمكن، وهو امتحان وفتنة، ولكن هذا الغوث حصل عندها لا بها، وفرق بين أن يكون الشيء حصل بالشيء، أو حصل عنده، والسبب غير، فسبب هذا الغوث الفتنة، وليس دعوة هذه الأصنام لقول الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ (١).
٥ - من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء العابدين جند محضرون لأصنامهم، يدافعون عن الأصنام وينتصرون لها، لقوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ وفي هذا من المناداة بسفههم ما هو ظاهر، حيث يستنصرون بمن لا يستطيعون نصرهم، وهم ينصرونها، وهذا من السفه كيف تنصر شيئًا لا يستطيع نصرك ولا تستفيد منه، ولهذا يعتبر قوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ كالدليل على سفه هؤلاء. أي: أنهم ينتصرون لهذه الآلهة وينصرونها مع أنها لا تنصرهم، وهذا الذي قررته بناء على ما
стр. 285
اخترناه من أن معنى الآية (وهؤلاء العابدون للمعبودين جند محضرون) أما على رأي المؤلف فهو يرى خلاف ذلك، يرى أن هذه الأصنام جند لهؤلاء، لكنهم محضرون في النار جميعًا، وسبق بيان ضعف هذا القول.
* * *
﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾.
الخطاب في هذه الآية للرسول ﷺ ومعنى ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ أي لا يوقعك في الحزن، والحزن هو الندم والهم والتأسف لما مضى، والخوف هو الهم والترقب لما يستقبل. ولا شك أن هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ يقولون في الله ، ويقولون في رسول الله ﷺ قولًا عظيمًا، والنبي ﷺ يحزن لهذا؛ لأنه أنصح الخلق للخلق، فيحزنه أن يتكلم هؤلاء بما عاقبته سيئة عليهم، وإن كان هذا لا يضره، ولكن يحزن، فقال الله : ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (١) أي: لعلك مهلك نفسك لعدم إيمانهم، وقال الله : ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٢) والآيات في تسلية الرسول ﵊ وتقويته على التحمل والصبر على تكذيب هؤلاء كثيرة، وقد قالوا أشياء كثيرة:
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٣) وهذا طعن في الألوهية.
стр. 286
وقالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ (١) وهذا طعن في الرسالة، وقالوا: إن محمدًا ﷺ مجنون، وشاعر، وكاهن، وساحر، وهذا أيضًا عيب في شخصية الرسول ﷺ ، ومن المعلوم أن الإنسان بشر سوف يتأثر إذا صودمت دعوته في لبها وأصلها وقيل: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ والإنسان إذا صودم قوله الفقهي مثلًا يحس بنفسه بضغط، لكن إذا كان سيهدم أصله يكون أشد وأعظم، وإذا عيب عيبًا ذاتيًّا يكون أشد وأشد.
ولهذا يُسلي الله نبيه محمدًا ﷺ في مثل هذه التوجيهات ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾.
﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾. هنا يجب الوقوف على قوله: ﴿قَوْلُهُمْ﴾ لأنك لو وصلت لأوهم أن تكون جملة ﴿إِنَّا نَعْلَمُ﴾ من قولهم، وليست كذلك بل هي جملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الذين يقولون ما يقولون في رسول الله ﷺ وما جاء به، وحالهم أنهم مهددون بعلم الله لما يسرون وما يعلنون، ما يسرونه فيما بينهم، وما يعلنونه للناس، ما يسرونه في أنفسهم، وما يبدونه لغيرهم، فعندنا إسراران:
الإسرار الأول: إسرار الإنسان ما في نفسه بحيث لا يعلم به أحد.
الإسرار الثاني: إسرار الأمر بينهم فلا يخرج لغيرهم، ونضرب لهذا مثلًا:
هؤلاء قوم عددهم عشرة يتحدثون فيما بينهم بأمر من
стр. 287
الأمور، لكن لا يخرج لغيرهم فهذا إسرار، وأحد هؤلاء العشرة أضمر في نفسه شيئًا لم يخبر به زملاءه فهذا أيضًا إسرار.
فقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يشمل هذا وهذا، أي: ما أسره كل إنسان في نفسه، وما أسروه فيما بينهم دون أن يعلنوه لغيرهم، وفي هذا من التهديد ما هو ظاهر، فالله تعالى يعلم ما يسرونه وما يعلنونه، وسوف يجازيهم على ذلك يوم القيامة.
* * *
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ يرى بمعنى يعلم، والمعنى: أو لم يعلم، والاستفهام هنا للتقرير، والمراد به التوبيخ، (والواو) حرف عطف، والمعطوف عليه: إما مقدر بعد الهمزة، وإما ما سبق، وعلى الثاني تكون الهمزة منقولة عن مكانها، وأصله على القول الثاني (وألم ير) وقوله: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ قال المؤلف: [وهو العاصي بن وائل] وعلى رأي المؤلف تكون (ال) هنا للعهد الذهني، ولكن الصحيح أن (ال) للجنس، أي: جنس الإنسان، ومنه العاصي بن وائل؛ لأن الأصل في (ال) أنها لبيان الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ يعني: جنس الإنسان ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) ووجه كون ذلك هو الأصل. أن العهد يحصرها في شيء معين، والأصل بقاء اللفظ على عمومه، فإذا قال قائل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ إنه فلان بن فلان، فنقول الله
стр. 288
عز وجل، قال: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ وهو شامل، إذًا فالصحيح أنه عام، لكن نجعل العاصى بن وائل مثالًا لمن قال هذا القول، أو لمن رأى هذا الرأي ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ قال المؤلف: [مني إلى أن صيرناه شديدًا قويًّا ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ شديد الخصومة لنا ﴿مُبِينٌ (٧٧)﴾ بينها في نفي البعث] فالإنسان خلق من نطفة، وهو هذا المني، المهين كما وصفه الله ، هذا الماء المهين الذي خلق منه الإنسان، إذا رجع الإنسان إلى أصله وجد أنه كالنخامة ليس بشيء، ثم بعد هذا ينشئه الله حتى يعطيه الفصاحة والبلاغة وقوة الحجة، وبعد أن يتربى بنعم الله في بطن أمه، ثم من صدر أمه بالثديين، ثم بما أنعم الله عليه من أنواع الطعام والشراب يقوى ويشتد عقله، وفكره، وذهنه فيكون خصيمًا، ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ أي شديد الخصومة؛ لأن فعيل بمعنى فاعل، لكن تدل على المبالغة.
وقوله: ﴿مُبِينٌ (٧٧)﴾ أي: بيّن، والذي يظهر أنها ﴿مُبِينٌ (٧٧)﴾ بمعنى مُظهر، يعني مظهر لخصومته؛ لكونه شديد الخصومة قويها، وسيأتي إن شاء الله بيان نوع من جدل الإنسان وخصومته، فـ ﴿مُبِينٌ (٧٧)﴾ أي: مظهر للخصومة، خلافًا لقول المؤلف: بينها.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان أن الإنسان خلق من ضعف؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهو كذلك.
стр. 289
٢ - ومن فوائدها أيضًا: أن هذا الإنسان الذي خلق من هذه المادة الضعيفة يترقى حتى يكون ذا خصومة مبينة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: النداء على الإنسان بالظلم، وجه ذلك: كيف يكون هذا الذي خلق من هذه النطفة يبلغ به الحد إلى أن يكون خصيمًا لله بيّن الخصومة؟ ! لأن الإنسان يجب عليه إذا نظر إلى أصله أن يعرف قدر نفسه، لا أن يكون مخاصمًا لربه .
٤ - من فوائد الآية الكريمة: أن الخصومة بالباطل مذمومة، ووجه ذلك أن الآية سيقت مساق الذم لا مساق المدح.
أما الخصومة لإثبات الحق وإبطال الباطل، فإنها ممدوحة لقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١).
ولولا الجدال مع أهل الباطل ما تبين الحق، ولا اندحض الباطل، فلابد للإنسان من الجدال في إثبات الحق، وإبطال الباطل، أما إذا كان الأمر بالعكس فإنه مذموم.
ومن هنا يمكن أن نقسم الجدال إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: جدال محمود، مأمور به: إما وجوبًا، أو استحبابًا.
القسم الثاني: جدال مذموم، منهي عنه.
القسم الثالث: وجدال بين بين.
стр. 290
أما الجدال الممدوح فهو الذي يقصد به إثبات الحق، وإبطال الباطل، وهذا مأمور به، وهو كالجهاد في سبيل الله، فكما أن المجاهد مأمور بأن يحمل السلاح ضد عدوه ويقاتله، فطالب العلم مأمور بأن يحمل سلاح العلم، وهو المجادلة بالحق ليدحض به الباطل.
والقسم الثاني: بالعكس وهذا مذموم منهي عنه قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (١).
والقسم الثالث: بين بين، يعني لا يأمر به، ولا ينهى عنه، لكن لا شك أن تركه أولى، وهو الجدال في أمور لا تمس إلى الحق أو الباطل بصلة، كما يحصل في كثير من المجالس من المجادلات، فهذا لا شك أنه لا خير فيه، وأنه من المراء الذي ينبغي للإنسان تجنبه.
ثم إن أفضى إلى مفسدة كان منهيًّا عنه، وذلك إذا كان مع الجدال والمراء والمحاورة عداوة بين المتجادلين، أو تعصب لأحدهما من الحاضرين، ويحصل في ذلك تحزُّب.
وإن أفضى إلى مصلحة كان مأمورًا به، مثل: أن يكون المجادل مغرورًا بنفسه، ويرى أنه لا يغلبه أحد، فتجادله من أجل أن تكسر حدة هذا الغرور، وإن كان لا يترتب على هذا فائدة في حد ذاته، لكن فيه فائدة لغيره وهي كسر غرور هذا الشخص، حتى لا يبقى زاهيًا في نفسه، مترفعًا على غيره.
стр. 291
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ يعني هذا الإنسان الذي كان خصيمًا مبينًا ضرب مثلًا لله ، يريد التعجيز والإنكار، وتقرير نفيه، وهذا المثل يبينه بقوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ ولهذا جاءت الجملة مفصولة عما سبق؛ لأنها وقعت بيانًا لمبهم في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾.
﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ يعني ابتداءخلقه، أنه خلق من ماء مهين، فكان هذا الإنسان الخصيم المبين، والجملة في قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ جملة يحتمل أن تكون جملة خبرية، ويحتمل أن تكون جملة حالية، أي: وقد نسي خلقه، يعني أنه في ضرب المثل قد نسي أصله، وهو أنه من مني ثم كان إنسانًا سويًّا خصيمًا مبينًا.
المثل بيّنه بقوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ يقول المؤلف ﵀: [ونسي خلقه من المني وهو أغرب من مثله]. لأن مثله الذي ضربه إعادة شيء كائن، وخلقه من المني ابتداء خلق، وأيهما أشد امتناعًا لو كان فيه امتناع على الله تعالى؟ الابتداء، ولهذا قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١) فإذا كان كذلك فإن الإنسان الخصيم المبين يكون ضالًّا من وجهين:
الوجه الأول: استغرابه قدرة الله على الإعادة.
الوجه الثاني: نسيانه أول الخلق، حيث نسي أنه خلق من
стр. 292
ماء مهين، حتى صار إنسانًا قويًّا خصيمًا مبينًا.
﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ أي: بالية و ﴿مَنْ﴾ استفهامية، والمراد به النفي، أو الإنكار، يعني لا أحد يحيي العظام وهي رميم. فالإنسان إذا مات ورم، أي: ذهب لحمه، وعصبه، وصارت عظامه تتفتت لقدمها، فهي إذًا رميم، هذه العظام الرميم هي أبعد شيء عن الحياة؛ لأنها تشبه التراب فهي أبعد شيء عن الحياة فكيف تحيا هذه العظام؟ هذا وجه استغراب هذا الرجل المنكر ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ قال المؤلف: [أي بالية، ولم يقل رميمة بالتاء لأنه اسم لا صفة] الرميم تارة يراد به الصفة، يعني اسم المفعول، أو اسم الفاعل مرمومة، أو رامة.
وتارة يراد بها الاسم: يعني أن العظم إذا بلى يسمى رميمًا، فلما قصد به الاسم لم يحتج إلى التاء فقيل: (رميم) لأنه مثل أسد، وحجر، وشجر وما أشبه ذلك، لكن لو أريد الصفة لكان يؤنث فيقال: (رميمة) لأن العظام جمع، وكل جمع قابل للتأنيث لاسيما وأنه قال: ﴿وَهِيَ﴾ وهذه ضمير مؤنث.
قال المؤلف: [روي أنه أخذ عظمًا رميمًا ففتته وقال للنبي ﷺ : أترى يحيي الله هذا بعدما بلي ورم؟ فقال النبي ﷺ : "نعم ويدخلك النار" (١)]، المؤلف ساق هذا الأثر بالتضعيف؛ (روي) وهو جدير بذلك، لأن هذا الرجل المنكر سواء أنكر أمام النبي ﷺ أو خلف ظهره فإنه منكر بكل حال، وليس من عادة الرسول عليه
стр. 293
الصلاة والسلام أن يعامل الناس بمثل هذا الأسلوب بقوله: "نعم ويدخلك النار" فالأثر هذا يحتاج إلى نظر في سنده، وفي صحته.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن المجادل بالباطل يأتي بالشبهات التي ينصر بها باطلة؛ لقوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ فإن هذه شبهة تلبس على العامة؛ لأنه لم يقل: (من يحيي العظام) فقط، بل قال: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ فكيف تحيا بعد أن رمّت؟ فأهل الباطل يأتون بالشبهات ليلبسوا على الناس.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان استهان بربه حيث ضرب له الأمثال للتعجيز، لقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ يعني قال: أنا أضرب لكم مثلًا بهذا الشيء الذي يعجز: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعارض للحق قد يصرح بالإنكار بدون مراوغة لقوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ وأحيانًا "يراوغ". فأيهما أهون؟
الذي يصرح ويبين أهون؛ لأن هذا يمكن أن يتقى شره، أما المراوغ فإنه في الواقع خطر، ولهذا كان خطر المنافقين على الإسلام أشد من خطر الكافرين الذين يصرحون بالعداوة؛ لأن المنافقين يغرون الناس ولا يمكن التحرز منهم.
* * *
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ يقول الله تعالى مبينًا قدرته على إحياء العظام وهي رميم: ﴿قُلْ﴾
стр. 294
الخطاب للرسول ﷺ ﴿قُلْ﴾ لهذا الذي أنكر أن يحيي الله العظام وهي رميم ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ واعلم أن الله إذا قال للرسول ﵊ "قل" فهو أمر له بالإبلاغ. ومن المعلوم أن النبي ﷺ مأمور بإبلاع القرآن عمومًا لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١). فإذا خص شيئًا من الأحكام، أو من الأخبار بـ (قل) كان في ذلك عناية خاصة بهذا الذي أمر أن يقوله؛ لأنه أمر أن يبلغه على وجه الخصوصية، ومعلوم أن ما كان على وجه الخصوصية فهو أوكد مما دخل في العموم، وخلاصة هذه القاعدة: أن الله إذا أمر نبيه ﷺ بقوله: (قل) فهذا أمر خاص بتبليغ هذه المسألة، سواء كانت خبرًا، أو كانت حكمًا. ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لم يقل: (يحيها الله) ليكون الجواب متضمنًا للدليل، لأنه لو قال: (يحيها الله) فهم الإنسان أن الله هو الذي يحييها، لكن إذا قال: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كان هذا الجواب متضمنًا للدليل ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والذي أنشأها أول مرة هو الله ، ولم يخلق أحد من الخلق هذه العظام ولم ينشأها أول مرة، فإذا كان الله أنشأها أول مرة، فهو قادر على إعادتها، لأن الإعادة أهون من الابتداء. وهذا هو الدليل الأول على إمكان إحياء هذه العظام وهي رميم، ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ووجه الاستدلال بهذا: أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى.
ثانيًا: قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ قال المؤلف:
стр. 295
[﴿خَلْقٍ﴾ بمعنى مخلوق] فجعل المصدر بمعنى اسم المفعول، والذي يظهر أن المراد بالمصدر نفس المصدر، ومن المعلوم أنه لا مخلوق إلا بخلق، لكن إذا قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ صار في هذا نصن على علمه بالخلق أي: كيف يخلق، وكيف ينشأ الخلق، فيكون أدل على قدرته على إحياء الموتى مما إذا قلنا وهو بكل مخلوق، لأنك إذا قلت بكل مخلوق صار علمه بالمخلوق بعد خلقه، لكن إذا كانت الآية على ظاهرها ﴿بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ يعني: أنه يعلم كيف يخلق، والعالم بكيفية الخلق إذا أراده لم يستعصِ عليه، لأنه إذا كان عالمًا لم يبق إلا الإرادة، وإذا أراده وهو بكل خلق عليم، صنع ما علم ، فكونه بكل خلق عليم دليل على أنه قادر على أن يعيده، لأن الذي يعجز إما أن يكون لعجزه، وإما يكون لجهله، هنا لما قال: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هذه القدرة ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ هذا انتفاء الجهل، فإذا انتفى العجز المستفاد من قوله: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وانتفى الجهل المستفاد من قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ صار الخلق ممكنًا.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الإقناع في إقامة الحجة من كلام الله : ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فأقوى ما يسوق الحجج ويبينها هو كلام الله، لأن كلام الله أبلغ الكلام وأحسنه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ
стр. 296
حَدِيثًا﴾ (١)، فحديث الله لا شك أنه أصدق الحديث وأتمه، وأحسنه في الإقناع، وإقامة الحجة.
٢ - من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأشد على إمكان الأخف؛ لقوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فقد استدل بالأشد على إمكان الأخف، فالأشد إحياؤها أَول مرة، والأخف الإعادة.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمستدل المناظر أن يأتي بالشيء الذي يقر به خصمه، من أجل أن تقوم عليه الحجة؟ لأنه قال: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والخصم هنا لا ينكر أن الله تعالى أنشأها أول مرة.
فينبغي أن تأتي بالشيء الذي يُقر به خصمك لتقيم الحجة عليه بإقراره، وهذا أدب من أدب المناظرة، لأنه أقرب إلى الإقناع، وله نظائر منها:
- أن إبراهيم ﵊ لما ناظر الذي حاجه في ربه فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (٢). فعدل إبراهيم عن ذلك، وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ (٣) وهذا يقر به الخصم، ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، وهذا لا يمكن للخصم أن يقوم به.
فالحاصل أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق المناظرة
стр. 297
والمحاجة، وأن يأتي خصمه من الوجهة التي يقر بها حتى يقيم عليه الحجة؛ لأن المناظرة والمحاجة وسيلة لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله بإنشاء هذه العظام لأول مرة؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يخلق هذه العظام ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ (١) مع أن الذباب ليس فيه العظام القوية الصلبة، فإذا كانوا لا يقدرون على ذلك فهم على ما هو أعظم أعجز.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: علم الله بكل خلق، وسبق لنا في التفسير هل الخلق هنا بمعنى المخلوق، أو بمعنى الفعل؟ وذكرنا أنه يحتمل الأمرين، لكن احتمال الفعل أكثر، يعني كل خلق فالله عليم به، ومن المعلوم أن العالم بالخلق عالم بالمخلوق كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢) إذًا يستفاد من ذلك عموم علم الله بكل خلق، أي: بكل صنع يصنعه مما نتصور، ومما لا نتصور، وبكل مخلوق؛ لأن العالم بالخلق عالم بالمخلوق.
* * *
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ
стр. 298
تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ قال المؤلف: [أي: في جملة الناس ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ المرخ والعفار، أو كل شجر إلا العناب ﴿نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾].
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى صيَّر، والذي جعل لنا من الشجر الأخضر نارًا هو الله ، وأراد المؤلف بقوله: [في جملة الناس] أن هذا الجعل ليس خاصًّا بالمخاطبين، أي: برسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، بل هو عام لكل أحد، فهو جعل لهم في جملة الناس من الشجر الأخضر، المؤلف يقول: [المرخ والعفار]. وبناءً على كلامه تكون (ال) للعهد الذهني، ويكون عامًّا أريد به الخاص، ولكن سبق لنا أن هذا خلاف الظاهر، وأن (ال) الأصل فيها أنها تفيد الجنس، أي: العموم.
فالصواب أن المراد ﴿مِنَ الشَّجَرِ﴾ أي: من كل شجرة كما قال، وقوله: [إلا العناب] لا نعرف عن هذا شيئًا هل إنه مستثنى، وأن العناب لا يمكن أن تأتي منه النار - الله أعلم - على كل حال نحن نقول عندنا الأصل: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ عامة، والشجر الأخضر فيه الرطوبة، والرطوبة يلزم منها البرودة، والنار التي تخرج من هذا الشجر الرطب البارد، يابسة وحارة، فهذا اليابس الحار متولد من رطب بارد، ولا يخفى ما بين الرطوبة والبرودة وبين الحرارة واليبوسة من التنافر العظيم.
فإذا كان الله يولد هذا الشيء الذي بينه وبين المولد منه من التنافر ما هو ظاهر، فهو قادر على إحياء العظام وهي
стр. 299
رميم؛ لأن كونه يخلق الضد من الضد، أبلغ في القدرة من كونه يخلق الشيء من لا ضد، وهذا أمر ظاهر.
إذًا هذا الدليل الثالث على إمكان إحياء العظام وهي رميم.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ "الفاء" هنا عاطفة و"إذا" فجائية يعني: أنه بمجرد ما أن تضرب عودًا بعود من هذا الشجر تقدح النار، فتوقد منه، فلا يحتاج إلى كبير عناء، بل إن الإيقاد أمر سهل، مفاجأ للعملية، والمفاجأة استفدناها من كلمة ﴿فَإِذَا﴾ وفي قولنا ﴿أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ دليل على استمرارية هذا العمل؛ لأن الجملة الإسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وهذا أمر لا أحد ينكره، فلا أحد ينكر أنه يتولد من الشجر الأخضر نارًا يوقد الناس منها.
﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ قال المؤلف ﵀: [تقدحون وهذا دال على القدرة على البعث، فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب].
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله حيث يتولد من هذا الشيء الرطب البارد، شيء حار يابس. فتولد الشيء من ضده دليل على كمال القدرة؛ لأن العادة أن الضدين متنافران، لا يلتقيان أبدًا، وهنا صار أحدهما يتولد من الآخر.
٢ - ومن فوائدها أيضًا: الاستدلال بالأشد على الأخف؛ لأن التنافر بين الرطب واليابس، والحار والبارد، أعظم من أن
стр. 300
يعاد الخلق، أو تعاد العظام بعد رميمها، فالقادر على هذا الشيء قادر على إحياء الموتى.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بجعله من الشجر الأخضر نارًا، ووجه الدلالة أنه قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ﴾ وإلا لكان يكتفي فيقال: (الذي جعل من الشجر الأخضر نارًا) لكن ذلك لمصلحتنا، ففيه نعمة من الله على عباده بهذه النار. وقد قرر الله هذه النعمة بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ (١) ولا أحد ينكر ما في الطاقة الحرارية من المنافع العظيمة للخلق، فأنواعها بل أجناسها لا تحصى، فضلًا عن أفرادها.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: تقرير الشيء بالواقع فبدلًا أن نلقيه تصورًا في الذهن نذكر واقعه بالفعل، تؤخذ من قوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ فهو بين أنه جعل لنا من الشجر الأخضر نارًا، وهذا يعطينا تصورًا بأن الله جعل لنا من الشجر الأخضر نارًا، نستفيد منها، ثم حقق ذلك بذكر الأمر الواقع ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ أي: تحسونه بواقعكم، وتلمسونه بأيديكم.
* * *
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾. أجاب الله تعالى نفسه بنفسه، وخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، كما قال الله تعالى:
стр. 301
﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (١) وهذا أمر معلوم بالحس والمشاهدة، فالبشر كلهم لا يساوون كوكبًا من الكواكب، فما بالك بهذه الكواكب والنجوم التي لا يحصيها إلا الله ، والسماوات العظيمة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ (٢)؟ والذي خلق السموات والأرض أفلا يكون قادرًا على خلق الناس؛ الجواب: بلى والله، فالذي خلق هذه الأجرام العظيمة بما أودعها من المصالح العظيمة، قادر على أن يخلق مثلهم بالأولى والأحرى، وهذا هو الدليل الرابع.
قال: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ قال المؤلف: [الخلاق: الكثير الخلق، فجعل فعّالًا من صيغة المبالغة، ولا شك أن الله كثير الخلق، لكن ينبغي أن نقول أيضًا: إن فعّالًا هنا نسبة، أي: أنه موصوف بالخلق، ووصفه بالخلق أبلغ من وصفه بإيجاد الخلق، أو بفعل الخلق، يعني أننا لو قلنا: فلان نجار. ماذا يفيد قولنا: (إنه نجار) إذا جعلناه من باب النسبة، وماذا يفيد إذا جعلناه من باب المبالغة؟ إذا جعلناه من باب المبالغة: فالمعنى أنه كثير النجارة، فنجار يعني كثير النجارة، ولكن هل هو مجيدها؟ وهل هو مستحق لأن يوصف بهذه المهنة فيقال نجار؟ وهل النجارة وصفه، بمعنى أنه حاذق متقن لها؟ لا يلزم قد يكون وقد لا يكون.
стр. 302
أما إذا قلت: (نجار) على أنها نسبة، أي: صاحب صنعة، فهو أبلغ في الوصف، والنجار، أي: ذو الصنعة المتقن لها سواء نجر كثيرًا أو قليلًا فهو نجار متقن. فهنا يمكن أن نقول: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ نحملها على النسبة المفيدة لوصف الله بهذه الصفة العظيمة، أي: ذو الخلق المتقن على أكمل وجه، ومع هذا فإن الله اجتمع في حقه الوصف والفعل يعني كثرة الخلق، فلا شك أن خلق الله لا يحصى أجناسًا، فضلًا عن الأنواع، فضلًا عن الأفراد، من ذا الذي يحصي أجناس الخلق؟ من ذا الذي يحصي أنواع هذه الأجناس؟ ومن الذي يحصي أفراد هذه الأنواع؟ لا يستطيع أحد أن يحصي ذلك.
إذن فقد اجتمع في حق الله الأمران: النسبة الوصفية كمال الوصف، والثاني: الكثرة التي تفيدها صيغة المبالغة، فإذا كان الله خلاقًا، أي: من وصفه الخلق اللازم له، وكذلك كثير الخلق، هل يعجز عن أن يحيي العظام وهي رميم؟ لا.
﴿الْعَلِيمُ (٨١)﴾ العلم دليل على القدرة على الإعادة؛ لأننا قلنا: إن عدم الإعادة إما أن يكون للعجز، وإما أن يكون للجهل، فكلما وصف الله نفسه بالعليم فإن ذلك يعني أنه قادر؛ لأنه لا يجهل كيف يخلق، وكيف ينشأ.
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: الاستدلال بالأشد على الأخف؛ لأن الله تعالى استدل بقدرته على خلق السموات
стр. 303
والأرض على قدرته على إحياء العظام وهي رميم.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله وعظمته حيث خلق هذه السماوات والأرض، بما فيهما من المصالح والمنافع، والأجرام الثابتة وغير الثابتة، وهذا دليل على كمال قدرته . وقد خلق الله تعالى السماوات والأرض في ستة أيام، ومع عظمتها وسعتها وكبرها قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ (١) أي: من تعب وإعياء.
٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الفلاسفة الذين يقولون: بقدم الأفلاك وجه ذلك: أنه قال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: أوجدها من العدم، ومعلوم أن الموجد ليس بقديم، والقديم عندهم هو الأزلي الذي لا بداية له، فالسماوات والأرض كانت معدومة، ثم أوجدت بقدرة الله ، وأما من قال: بقدم الأفلاك، وأنه لم تزل ولا تزال هذه الطبيعة، فإنه ظالم لا يعلم عن هذا شيئًا؛ لأنه بنى الأمر على غير دليل عقلي ولا نقلي، بل إن الدليل العقلي والنقلي يدل على إمكان حدوث هذه الأفلاك، وأنها حادثة.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إجابة السائل نفسه في الأمر المحقق المتقرر لقوله: ﴿بَلَى﴾.
إذ قد يقول قائل: إن إجابة المتكلم نفسه لا معنى لها؛ لأن أجابته دعوى، أو تقرير لدعوى ادعاها.
стр. 304
فيقال في الجواب: إذا كان الأمر ثابتًا واقعًا فإن إجابته نفسه لا تأتي بشيء جديد سوى أنه يقرر ما كان واقعًا معلومًا للمخاطب؛ ولهذا قال ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾.
٥ - في هذه الآية فائدة نحوية وهي: أن جواب الاستفهام المقرون بالنفي، إذا أريد إثباته يقال فيه: ﴿بَلَى﴾ ولا يقال: نعم؛ لأنك لو أجبت بنعم، لكان ذلك تقريرًا لنفي المنفي، مثاله:
لو قلت: أليس زيد بقائم؟ فقلت: نعم، يعني قررت النفي ليس بقائم، فإن قلت: بلى، فقد أثبت القيام.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخلق وصف الله الذي هو متصف به أزلًا وأبدًا لقوله: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ فهو موصوف بالخلق من قبل أن يخلق؛ لأن صفة الخلق أزلية والمخلوق حادث، فهو متصف بالخلق، ولهذا قلنا: إن النسبة في قوله: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ أظهر من كونها للمبالغة.
٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الله تعالى بالعلم الأزلي؛ لقوله: ﴿الْعَلِيمُ (٨١)﴾ ولا شك أن الله تعالى موصوف بالعلم أزلًا وأبدًا، فإنه لم يزل ولا يزال عالمًا، لم يسبق علمه جهل، ولا يلحقه نسيان، كما قال موسى ﵊: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ (١).
* * *
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.
قال المؤلف: [﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ﴾ شأنه] يعني شأنه وحاله إذا
стр. 305
أراد شيئًا أن يقول له: ﴿كُنْ﴾ فيكون، فلا يحتاج إلى إحضار آلات بناء مثلًا، أو إلى جنود يساعدونه، ولا إلى أن يعمل بيده ، بل يقول: ﴿كُنْ﴾ فيكون. وقوله ﵀: [شأنه] قد ينازع فيها، ويقال: إن المراد بالأمر أمر التكوين، يعني أمره أن يقول: ﴿كُنْ﴾ بدون أن يكرر كما في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ (١) فجعل الأمر واحد الأوامر. والمؤلف يريد أن يجعل الأمر واحد الأمور.
ويمكن أن نقول بالأمرين جميعًا نقول: شأنه في تمام قدرته أن يقول للشيء: (كن) فيكون، وأمره إذا أراد الشيء أن يقول: (كن) بدون تكرار، ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ (٢). ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ قال المؤلف ﵀: [أي خلق شيء ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ أي: فهو يكون]. والأولى أن لا نقيد ﴿شَيْئًا﴾ بالخلق، بل نقول: إذا أراد شيئًا خلقًا، أو إعدامًا، فالأولى إبقاء الآية على إطلاقها ﴿شَيْئًا﴾ سواء كان خلقًا، أو إيجادًا، أو إعدامًا وإتلافًا. ولكن الذي حمل المؤلف ﵀ على أن يقول: [خلق شيء] لأن السياق للاستدلال على الخلق، وهو الإيجاد، فلهذا خصها به، ولكننا إذا قلنا: إنها على إطلاقها فإنها لا تمنع الخلق كما لا تمنع الإعدام. فالأولى أن يقال: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ أي إيجاد شيء وخلقه، أو إعدامه.
стр. 306
وقد يعتذر عن المؤلف فيقال: إن الإعدام فيه نوع خلق؛ لأن إتلاف الشيء القائم خلق، ولهذا قال الله : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (١) مع أن الموت عدم وفناء، والأمر في هذا سهل، قال: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ ﴿كُنْ﴾ هنا الظاهر أنها تامة، وإذا جعلناها ناقصة صار المعنى: كن كذا. أي: تحول إلى كذا، لكن إذا جعلناها تامة صار المعنى أشمل، لتشمل ما أراد الله تعالى تحويله من شيء إلى شيء، وما أراد الله إيجاده أصلًا. يعني ﴿كُنْ﴾ أي: أن يوجد ويتكون، أو (كن كذا) أي بأن يكون الطويل قصيرًا، والقصير طويلًا وما أشبه ذلك، فإذا جعلناها تامة صار هذا أشمل ﴿فَيَكُونُ (٨٢)﴾ قال المؤلف: يقول: [فهو يكون، وفي قراءة بالنصب عطفًا على ﴿يَقُولَ﴾] قراءتان سبعيتان لأنه قال: [في قراءة] واصطلاح المؤلف ﵀ إذا كانت القراءتان سبعيتين أن يقول: (وفي قراءة) وإذا كانت إحداهما شاذة قال عن الشاذة (قُرِئَ). في قوله: ﴿فَيَكُونُ (٨٢)﴾ على قراءة الرفع بالفاء هنا للاستئناف، وجملة (يكون) خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير فهو يكون، أما على قراءة النصب فهي معطوفة على ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ للشيء: كن فيكون، والفاء على كلا الوجهين دالة على الترتيب والتعقيب، يعني أن الشيء يكون فورًا بدون تأخير، وقد بين الله تعالى سرعة هذه الفورية في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ (٢) ولمح البصر ليس شيء أسرع
стр. 307
منه، وأمر الله واحد كلمح البصر، وإذا كان هذا أمر الله وشأن الله فهل إذا قال للعظام الرميمة: كوني إنسانًا سويًّا هل يمتنع عليه ذلك؟ لا، ولهذا قال الله تعالى في سورة النازعات: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ (١) وقال في هذه السورة: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾.
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: الاستدلال بعموم قدرته وتمامها على قدرته على إحياء الموتى.
٢ - ومن فوائدها أيضًا: بيان قدرة الله التامة التي لا يضاهيها، ولا يقاربها قدرة، لأنه إذا أراد شيئًا لم يتكلف لإحضار المواد، أو غيرها مما يتكون به هذا الشيء، وإنما يقول: ﴿كُنْ﴾ فيكون.
٣ - ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله لقوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ وإرادة الله كما قال أهل العلم تنقسم إلى قسمين: شرعية، وكونية.
فالشرعية: هي التي بمعنى المحبة.
والكونية: هي التي بمعنى المشيئة.
والفرق بينهما من حيث الأثر:
(١) أن الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد.
(٢) أن المراد فيها قد يكون محبوبًا لله، وقد يكون غير محبوب لله.
стр. 308
أما الإرادة الشرعية: فقد يقع فيها المراد، وقد لا يقع، ولا يكون المراد فيها إلا محبوبًا لله.
فإذا قال لك قائل: هل الله يريد الكفر؟
فقل له: أما شرعًا، فلا، وأما كونًا، فنعم.
ولو قال لك قائل: هل الله يريد الإيمان؟
فقل: نعم يريده شرعًا، وقدرًا إن وقع، لأنه إذا وقع فقد أراده قدرًا، وإذا لم يقع فلا نعلم هل أراده قدرًا أو لا؟ بل نقول: إنه الآن لم يرده قدرًا.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله؛ لقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.
٥ - ومن فوائدها: أن كلام الله يكون بحرف؛ لقوله: ﴿كُنْ﴾ فإن "كن" كلمة مكونة من حرفين، وإثبات أنه بصوت لقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ فهذا الخطاب موجه لما أراده الله، وهو يقتضي أن يكون هذا المراد سامعًا لهذا القول، ولا سماع إلا بصوت.
فيكون في الآية رد على قول الأشاعرة في كلام الله حيث يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن ما يسمع من الأصوات والحروف وهو عبارة عن كلام الله، ويرون أن هذا المسموع مخلوق، ولهذا قال بعض المحققين منهم، أو المنصفين منهم: إنه في الحقيقة لا فرق بيننا وبين المعتزلة في كلام الله؛ لأننا متفقون على أن ما بين دفتي المصحف فهو مخلوق. فإذا كانوا متفقين على هذا، فإن قول المعتزلة قد يكون
стр. 309
خيرًا من قولهم؛ لأن المعتزلة يقولون: إن ما بين دفتي المصحف كلام الله. فكلهم يقولون: إنه مخلوق، لكن المعتزلة يقولون: إنه كلام الله، والأشاعرة يقولون: إنه عبارة عن كلام الله، فإضافته إلى الله على رأي الأشعرية مجاز لا حقيقة، وعلى كل حال في الآية رد على الأشعرية في تفسيرهم لكلام الله ، وحقيقة الأمر أنهم لا يثبتون الكلام؛ لأنهم إذا جعلوا الكلام هو المعنى القائم بالنفس فكأنما جعلوا الكلام هو العلم؛ لأن العلم هو المعنى القائم بالنفس، أما الكلام والقول فهو أمر زائد على ذلك.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله إذا وجه لشيء فإن هذا الشيء يكون كما أمر؛ لقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ أي فيكون على ما أمر الله به، في العين، والوصف، فإذا أراد الله إيجاد شيء قال: ﴿كُنْ﴾ فكان على حسب ما أراده الله .
* * *
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾. (سبحان) بمعنى تنزيهًا، وهي اسم مصدر، والمصدر: تسبيح، وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا، وملازمة أيضًا للإضافة حتى لو قطعت عن الإضافة لفظًا فهي مضافة تقديرًا. و (سبحان) معناها: التنزيه أي أن الله منزه عن النقص في صفاته، وعن مماثلة المخلوقين، فمثلًا ينزه أن يكون وجهه كوجه المخلوق، وينزه أن يعتري صفاته نقص بأي وجه، فمثلًا: العلم، علم البشر ناقص ابتداءً، وانتهاءً، وشمولًا، ابتداءً؛ لأنه مسبوق
стр. 310
بالجهل، وانتهاء؛ لأنه ملحوق بالنسيان، وشمولًا ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (١) لكن علم الله كامل من هذه الوجوه كلها ابتداء، وانتهاء، وشمولًا، فهو عالم بعلمه الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وهو لا ينسى كما قال موسى ﵊، ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ (٢) وعلمه شامل لكل شيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ (٣) ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٤).
فالله تعالى منزه عن النقص في صفاته الثابتة له، ومنزه عن مماثلة المخلوقين، وقلنا: مماثلة، ولم نقل مشابهة والفرق واضح:
أولًا: أن المماثلة هي التي جاء نفيها في القرآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥) ولم يقل: "ليس كشبهه شيء" وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٦).
ثانيًا: أنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما نوع من التشابه، ولولا ذلك ما فهمنا من صفات الله شيئًا.
فمثلًا: الوجود للمخلوق وللخالق، بينهما تشابه من حيث
стр. 311
أصل المعنى، وإن كان هذا يختلف.
العلم: علم الخالق وعلم المخلوق، بينهما تشابه من حيث أصل المعنى لكنهما يختلفان.
فإذا نفيت المشابهة مطلقًا فهذا نفي للوجود في الواقع.
ثالثًا: أن المشابهة صار نفيها عند كثير من الناس نفيًا للصفات؛ لأن كثيرًا من أهل التعطيل يصفون من يثبت الصفات بالمشبهة، فإذا قلت: من غير تشبيه يعني من غير إثبات؛ لأن كل مثبت عندهم مشبه.
فلهذا كان التعبير بنفي التمثيل أولى من التعبير بنفي التشبه من ثلاثة أوجه.
فتنزيه الله عن منقص دليل على قدرته على إحياء العظام وهي رميم؛ لأن عجزه عن إحياء العظام وهي رميم نقص ينافي التنزيه، فإذا ثبت أن الله منزه عن كل نقص، لزم من ذلك تنزيهه عن العجز عن إعادة هذه العظام.
﴿بِيَدِهِ﴾ أي: بتصرفه مع إثبات اليد، فنحن نقول في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (١) وما أشبهها ليس المعنى أن الملك في يد الله ، لكن في تصرفه مع ثبوت اليد، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢) بمرأى منا، مع ثبوت العين؛ لأن السفينة ليست في وسط عين الله حاشا وكلا، فالمنكر أن تقول: بيده أي أمره بدون أن تثبت اليد، أما إذا قلت
стр. 312
بيده بتصرفه وتدبيره مع ثبوت اليد فهذا هو المراد.
﴿مَلَكُوتُ﴾ كما قال المؤلف في أصل ﴿مَلَكُوتُ﴾ [ملك لكن زيدت الواو والتاء للمبالغة] أي: زيدت للمبالغة في ملك الله لكل شيء، لأن ملك الله لكل شيء ملك تام لم يسبق بعدم، ولا يلحق بزوال، بينما ملك غيره ملك ناقص بالأصل لم يملك هذا الشيء ثم ملكه بعد، ومع ملكه إياه فإن هذا الملك قابل للزوال، ثم إن ملكه إياه ليس ملكًا مطلقًا يفعل فيه ما يشاء بل هو ملك مقيد، أما ملك الله فهو تام. ولهذا جاءت الواو والتاء للمبالغة ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي ملك كل شيء.
وقوله: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ دليل على قدرته على إحياء العظام وهي رميم؛ لأن الذي يملك كل شيء ملكًا مطلقًا -مبالغًا فيه بالواو والتاء- قادر على أن يحول هذا المملوك إلى ما شاء، ولهذا فسر المؤلف ﵀ الملكية هنا بالقدرة، فقال: [أي: القدرة على كل شيء]، ولكن هذا الكلام فيه نظر، بل نقول: مالك لكل شيء، وإذا ملكه ملكًا مطلقًا فهو قادر على أن يتصرف فيه كما شاء.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ قال المؤلف: [تردون في الآخرة] أي: إليه لا إلى غيره ليجازيكم، ووجه الدلالة من هذه الجملة على القدرة على إحياء العظام وهي رميم أنه لا رجوع إلى الله في الآخرة إلا بعد إحياء هذه العظام الرميم، ولو قلنا: بعدم القدرة لانتفى الرجوع إلى الله ، وإذا انتفى الرجوع إلى الله تعالى صار وجود الدنيا كلها عبثًا ولعبًا، وهذا لا شك أنه منافٍ لكمال الله عز
стр. 313
وجل، فمجرد رجوعنا إلى الله تعالى يلزم منه القدرة على الإحياء. ولا يمكن أن نقول بعدم الرجوع؛ لأنا إذا قلنا بعدم الرجوع لكان إيجاد الخلق عبثًا، وهذا ممتنع غاية الامتناع.
فهذه عشرة أدلة في هذه الآيات على قدرة الله على إحياء العظام وهي رميم، والله على كل شيء قدير، ولو لم يكن عندنا إلا هذه الجملة العامة ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ (١) لكان كافيًا في بيان قدرته على إحياء العظام وهي رميم.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله عن منقص وعيب، ويؤخذ من قوله: ﴿فَسُبْحَانَ﴾ ومر علينا في التفسير أن الذي ينزه الله عنه أمران:
الأول: النقص في صفاته.
الثاني: مماثلة المخلوقين.
فعلمه لا يناله نقص، لا من حيثما الشمول، ولا من حيث السبق، ولا من حيث اللحوق، ولا يماثل علم المخلوقين، وهكذا بقية الصفات.
٢ - ومن فوائدها: أن ملكوت السماوات والأرض وكل شيء فهو بيد الله ؛ لقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فهو مالك لكل شيء، ولا أحد يشركه في ملكه، كما قال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ
стр. 314
ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (١).
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ وهذا الرجوع يشمل الرجوع إلى الله يوم القيامة، والرجوع إلى الله تعالى في أحكام الخلق الكونية، والشرعية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٣).
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله وذلك بكون الرجوع إليه، وأنه لا بد من الرجوع إلى الله؛ لأنه لولا هذا الرجوع لكان خلق الخلق عبثًا لا فائدة منه، إذ إنه لولا هذا الرجوع والمجازاة على هذا العمل في هذا الرجوع لكانت الخليقة خلقت ليفسد في الأرض من يفسد، ويحصل الفتن والشرور والنهاية لا شيء.
٥ - في هذه الآيات كلها: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.
إثبات قدرة الله على إحياء العظام وهي رميم وذلك من عشرة أوجه:
الأول: قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فإنه فيه استدلالًا بالأشد على الأخف.
стр. 315
الثاني: قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وعلمه بكل خلق يقتضي أنه قادر على إحياء العظام وهي رميم.
الثالث: قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ فإن من جعل من هذا الأخضر البارد الرطب نارًا وهي يابسة محرقة قادر على أن يعيد الخلق، لأن جعل النار من الشجر الأخضر أبلغ في القدرة.
الرابع: قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فقدرته على خلق السموات والأرض دليل على قدرته على إحياء العظام وهي رميم؛ لأن خلق السموات والأرض أعظم ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾.
الخامس والسادس: قوله: ﴿الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ والخلاق صفة لازمة له، وكونه خلاقًا يشمل أن يخلق كل شيء، وكونه عليمًا يدل على أنه لا يخفى عليه شيء من الخلق حتى يعجز عنه.
السابع: أنه لا يستعصي عليه شيء، بل إذا أمر بشيء كان في الحال؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.
الثامن: تنزيه الله عن كل نقص، ومن المعلوم أن العاجز عن إعادة الخلق ناقص، فإذا كان الله تعالى منزهًا عن كل نقص، كان ما وعد به من إحياء العظام وهي رميم واقعًا.
التاسع: قوله: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ومن بيده ملكوت كل شيء فإنه مالك لكل شيء، والمالك لكل شيء قادر على أن يوجد المعدوم، ويعدم الموجود.
стр. 316
العاشر: قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ فإن هذا هو نتيجة الخلق أن يبعث الخلق ويرجعون إلى الله ليجازيهم بما عملوا.
وإلى هنا انتهى تفسير هذه السورة العظيمة، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.