← Тафсир

Тафсир · id 151157

تفسير العثيمين: يس

ابن عثيمين

Полный текст (316 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ قال المؤلف: [ليس الذي أتى به إلا ذكر] فأفادنا بأن (إن) هنا نافية، أي: ما هو إلا ذكر، و (إِن) تأتي لعدة معانٍ: تأتي زائدة، وشرطية، ونافية، ومخففة من الثقيلة. والذي يعين المعاني المتعددة في الكلمة الواحدة هو السياق، وهذه قاعدة في كل كلمة ذات معاني متعددة أنه يعينها السياق، وقرينة الحال، وهي هنا نافية، قال ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على المصدر المفهوم من ﴿عَلَّمْنَاهُ﴾، وكون مرجع الضمير مصدرًا معلومًا من الفعل السابق أمر لا يستغرب، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١) ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من كلمة: (اعدلوا) وهنا ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ أي: ما الذي علمناه إلا ذكر وقرآن مبين. قوله: ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ قال المؤلف: [عظة] يعني موعظة يتذكر بها من تذكر، والذي يتذكر بهذا القرآن بينه الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ (٢) وهذا باعتبار الاستعداد والقبول، وجاء في آيات أخرى ما يدل على أن كل المتقين يتعظون بهذا القرآن، فيكون فيه بيان للذين يتعظون به من حيث السلوك، ففي سورة "ق" بيان الذين يتعظون به من حيث القبول والاستعداد بالتذكر، وفي الآيات الأخرى التي تربط التذكر بالقرآن بالإيمان والتقوى وما أشبه ذلك دليل على من يتعظ به من حيث السلوك والعمل،

стр. 247

وكلما ازداد الإنسان عملًا بالقرآن ازداد تذكرًا به، وهذا الذي ذكره المؤلف ﵀ في معنى الذكر هو أحد المعاني؛ لأن الذكر الذي وصف به القرآن يتضمن عدة معان: المعنى الأول: ما ذكره المؤلف وهو العظة والتذكر به. المعنى الثاني: إنه ذكر يذكر به الله، وهو أشرف أنواع الذكر، لأن القرآن كلام الله ، فبمجرد ما تتلوه وأنت تشعر أنه كلام الله سوف تذكر عظمته ؛ ولأن القرآن يشتمل على أخبار هي أصدق الأخبار وأنفعها للقلوب؛ ولأنه يشتمل على قصص هي أحسن القصص وأجملها وأتمها؛ ولأنه يشتمل على أحكام من لدن حكيم خبير، هي أعدل الأحكام وأقومها لمصالح العباد؛ ولأنه يشتمل على أوصاف الله تعالى وأسمائه التي هي أفضل الأسماء وأشرف الأوصاف، وكل هذا ذكر، فالقرآن نفسه ذكر لله ؛ لأنه يشتمل على كل هذه المعاني التي بينها الله تعالى في كتابه. المعنى الثالث: أنه رفعة وشرف لمن يقوم به ويعمل به لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾ (١) والذكر بمعنى الرفعة والشرف موجود في القرآن كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ (٢) أي: ذكرك بالشرف والتبجيل والتعظيم. ولا شك أن من تمسك بالقرآن فإن له الشرف والسيادة على جميع الخلق، ولهذا فإني أحثكم على أن تمسكوا

стр. 248

بهذا القرآن العظيم، وإذا تمسكتم به عقيدة، وعملًا، وهديًا فستكون العاقبة لكم، ولا تظنوا أنكم قليلون -لو كنتم قليلين- فإن الاهتداء بالقرآن يستلزم أن ينجذب الناس للمهتدي به حتى يكثروا شيئًا فشيئًا، كالحجر تلقيه في اليم ثم تتسع الدائرة حتى يشمل اليم كله، فالحاصل أن الإنسان إذا تمسك بهذا القرآن الكريم فسوف يكون له الشرف والسيادة والظهور على جميع الخلق، قال: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ قرآن يحتمل أن يكون معنى مفعول، وأن يكون بمعنى فاعل؛ لأن قرآن مصدر مثل: الشكران، والغفران، والنكران، وما أشبهه، والمصدر يأتي بمعنى اسم الفاعل، ويأتي بمعنى اسم المفعول، وعلى هذا فهو قارئ ومقروء، أما كونه قارئًا فلأنه من القر يعني الجمع فهو جامع للأحكام، والأخلاق، والآداب الموجودة في الكتب السابقة قبله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١) وجامع أيضًا لكل ما تقوم به أمور الدنيا وأمور الآخرة، وهو أيضًا مقروء أي: متلو؛ لأنه يتلى، والقراءة بمعنى التلاوة. ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف ﵀[مظهر للأحكام وغيرها] فـ ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من (أبان) بمعنى أظهر، وقد سبق لنا مرارًا أن (أبان) يكون لازمًا، ويكون متعديًا، يكون لازمًا بمعنى ظهر، وهو كثير في القرآن مثل: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ (٢) أي: بين ظاهر،

стр. 249

وتأتي مبين من (أبان) بمعنى أظهر، أي: المتعدي كما في الآية: ﴿مُبِينٌ (٦٩)﴾ أي مظهر، مظهر للأحكام وغير الأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فما من شيء يحتاج الناس إليه إلا وجد في القرآن، لكن وجوده في القرآن: إما أن يكون على وجه صريح، أو على وجه ظاهر، أو على وجه الإيماء والإشارة، أو على وجه الشمول والعموم، أو على وجه اللزوم، فالمهم أن القرآن مبين لكل شيء، تارة يذكر الدليل على المسألة، وتارة يذكر التوجيه إلى الدليل فمثلًا: هناك مسائل لا توجد في القرآن وهي من أهم أحكام الإسلام كعدد الركعات في الصلوات، وتقدير أنصبة الزكاة، وما يجب فيها، وما أشبهها لكن في القرآن ما يشير إليه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) فهذه الآية إذا وجهتها إلى السنة شملت جميع السنة، وشرعنا كله لا يعدو الكتاب والسنة، إذًا فالقرآن مبين لكل شيء، وهو أيضًا مبين لكل ما سبقنا من الحوادث التي يكون في بيانها مصلحة كقصص الأنبياء، وقصص الأولياء، وقصص المكذبين للرسل وغير ذلك، فكل ما سبق مما فيه مصلحة لنا فهو مذكور، أما ما ليس فيه مصلحة فإنه لا حاجة إلى ذكره، وقد يكون هذا الشيء الذي لم يذكر موكولًا إلى عقول الناس وتجاربهم، كما في كثير من طبائع الأشياء الأمور الطبيعية سواء الفلكية، أو الجولوجية، أو غير ذلك نجد أن القرآن لم

стр. 250

يفصلها ولم يبينها؛ لأنه ليس فيها فائدة، فائدتها تكمن في أن الناس يطلبونها وينظرون في آيات الله، ويتحركون حتى يدركوها، ولهذا تجد بعض المسائل التي يتنازع فيها الناس كمسألة دوران الأرض ليست موجودة في القرآن على وجه صريح، ولو كان هذا مما يتعين علينا اعتقاده إثباتًا أو نفيًا لكان الله يبينه بيانًا واضحًا كما بين الأمور التي لابد لنا من الاعتقاد فيها على وجه صريح، إذًا هذه موكولة للناس، واستخراج ما في الأرض من المعادن وغيرها من المصالح العظيمة التي لم يطلع عليها إلا أخيرًا هذه أيضًا لم تذكر في القرآن، وإن كان في القرآن إشارة إليها، لكنه لم تذكر على وجه التفصيل بل قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ (١) وقطع من صيغ جموع التكثير لو تقول: "إنها ملايين القطع" لم يخرج عن دلالتها، هذه القطع لولا أنها تختلف في منافعها وذواتها وكل ما يتعلق بها ما قال الله ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إذًا هي متباينة. في هذه الآية تستطيع أن تقول: إن الله أرشدنا إلى استخراج المعادن من الأرض، لأن الله بين أنها قطع، وليست القطع التي فوق التراب فقط، ففيه أشياء كثيرة ما تعلم وربما تعلم في المستقبل، وربما بعضها علم الآن، فالقرآن مبين لكل شيء، وإذا تدبرت القرآن مرة بعد أخرى لا تعيد التدبر مرة ثانية إلا ظهر لك معنى جديدًا غير الأول، ولا يمكن لأحد أن يحيط بمعاني القرآن، لكن كلما تدبره الإنسان طالبًا للحق، مريدًا للصواب فإنه يهتدي إلى معاني كثيرة، سئل علي بن أبي طالب

стр. 251

-﵁ هل عهد إليكم رسول الله ﷺ بشيء - لأنه كان يروج في ذلك الوقت - من وقت علي والشيعة يروجون بأن النبي ﷺ عهد بالخلافة لعلي بن أبي طالب ﵁ فسئل هل عهد إليكم رسول الله ﷺ بشيء؟ يعني من الخلافة، أو من العلوم التي كتمها عن الناس؟ فقال: لا والذي برأ النسمة، وفلق الحبة إلا فهما يؤتيه الله تعالى من شاء في كتابه، وما في هذه الصحيفة، والذي في هذه الصحيفة العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر (١). الشاهد قوله: "إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى من شاء من كتابه" وهذا الفهم يختلف فيه الناس اختلافًا كثيرًا جدًّا جدًّا، ترى بعض العلماء يتكلم عن آية يستخرج منها فوائد محدودة معدودة، وترى آخر يتكلم عليها ويستخرج منها أضعافًا مضاعفة بالنسبة لما استخرجه الأول، وكل هذا بحسب استعداد الإنسان وفهمه وبصيرته، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا وتقوى ازداد هدى بالقرآن ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: في هذه الآية رد وتكذيب للمشركين الذين قالوا: إن محمدًا ﷺ شاعر، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾. ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يصلح ولا يليق برسول الله ﷺ أن يكون شاعرًا؛ لأن مقام النبوة أسمى وأعلى من أن ينحط

стр. 252

الإنسان إلى رتبة الشعراء. وقد يقال: إن فيها ملاحظة البعد عن الشبه، بمعنى أنه ينبغي للإنسان أن يبتعد عن كل ما يوجب الشبهة حوله، فمقام النبوة الذي ادعي فيه أنه شعر ينبغي أن يبتعد الإنسان عمّا يوجب هذه الشبهة، ويؤيد هذا أن النبي ﷺ لما كان يمشي مع صفية ﵂ فمر به رجلان فأسرعا فقال: "على رسلكما فإنها صفية بنت حيي" (١) وهذه فائدة عظيمة؛ لأن بعض الناس يقول: ما دمت نزيهًا فلا يهمني أن يسيء الناس الظن بي. وهذا ليس بصحيح، وليس من حسن الرعاية لنفسه أن ينزل بها إلى هذا الحد، بل الإنسان مأمور أن يدفع عن نفسه الشبهات واللوم والظن. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم الذي علمه رسول الله ﷺ ذكر، وقد تقدم في التفسير أنه ذكر من ثلاثة أوجه. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما تمسك المسلمون بهذا الكتاب العزيز فإنهم يزدادون عزة وشرفًا؛ لأن المعلق على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف، ويضعف بضعف ذلك الوصف. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن مبين لكل شيء، فكل شيء يحتاج الناس إليه فهو مبين؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾. * * *

стр. 253

﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾. قال المؤلف: [بالياء والتاء] ﴿لِيُنْذِرَ﴾ بالياء الضمير يعود على القرآن ﴿لتنذر﴾ الضمير يعود على رسول الله ﷺ ، لكن على قراءة التاء قدر المؤلف: [لتنذر به] فكلمة [به] تعود على القراءة الثانية وهي: [لتنذر]، أما القراءة الأولى [لينذر] فلا تحتاج إلى هذا التقدير، ولا شك أن القرآن نفسه منذر، وأن النبي ﷺ منذر به، فالقرآن فيه وعيد، وفيه أوصاف لمن يستحق هذا الوعيد، وهذا هو الإنذار، كما أن فيه بشارة، وأوصافًا للمبشرين، وهذا هو التبشير، فالقرآن فيه بشارة وفيه إنذار، والنبي ﷺ جاء بالقرآن، وأنذر به، وخوف به، ورغب به ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ قال المؤلف: [يعقل ما يخاطب به وهم المؤمنون] ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ هل المراد هنا بالحياة الحياة المعنوية التي هي حياة القلب، أو الحياة الحسية التي هي حياة الجسم؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين، ولهذا قال ابن كثير ﵀: من كان حيًّا على وجه الأرض. يعني من كان حيًّا حياة جسمية؛ لأن رسالة الرسول ﷺ رسالة عامة لجميع الخلق، فهو ينذر من كان حيًّا، أي: ينذر كل حي، أو من كان حيًّا حياة معنوية يعني حياة القلب؛ لأن حي يراد به من يعقل ويتبصر ويؤمن، وعكسه الميت، ميت الجسم، وميت القلب، أما ميت الجسم فلا يمكن إنذاره بالقرآن، لأنه انتقل إلى دار الجزاء، ولا يمكن أن يفهم ولا يعلم، وأما ميت القلب فلأنه طبع على قلبه - والعياذ بالله - فلا يصل إليه النور ولا يصل إليه الحق ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ قال

стр. 254

المؤلف: [بالعذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ وهم كالميتين لا يعقلون ما يخاطبون به]، ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ كان المتوقع أن يقال: ويحق القول على من كان ميتًا، أو على الأموات؛ لأن هذا مقتضى المقابلة، لكن عُدل عن هذا إلى ذكر الكافرين فقال: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ وفائدة العدول عن ذكر المقابل بلفظه أمران: الأمر الأول: أن المراد بالميت الكافر، وأن الكافر لا يمكن أن ينتفع بالقرآن. الثاني: التسجيل (١) على أن من لم ينتفع بالقرآن فهو كافر، ومن انتفع به في شيء دون آخر ففيه خصلة من خصال الكفر، ولهذا كل معصية فهي من خصال الكفر، لكنها قد تكون قليلة، وقد تكون كثيرة، فلهذا عدل الله والله أعلم - عن هذا إلى قوله ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ دون قوله: "ويحق القول على الميتين" بل قال ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾، ومن الأمثلة على هذا: -وهو كثير بالقرآن- قوله : ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ (٢) لم يقل: (يقضون بالباطل) بل قال: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ ليشمل الباطل وغير الباطل، يعني ليس لهم قضاء إطلاقًا؛ لأنهم مربوبون مملوكون فلا يقضون بشيء.

стр. 255

الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم لا ينتفع به وينتذر إلا من كان حيًّا، أي حي القلب. ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: إن من كان ميت القلب -والعياذ بالله- فإنه لا ينتفع بالقرآن. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم حجة على الكافرين لقوله تعالى: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ لأنه لن يحق عليهم القول إلا بعد أن تقوم عليهم الحجة، ويكون كفرهم عن عناد ولهذا قال: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر لا ينتفع بالقرآن وإنما يكون حجة عليه، وهكذا كل من كان فيه خصلة من خصال الكفر فإنه يضعف انتفاعه بالقرآن وانتذاره به. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلة، وإن شئت فقل: الحكمة، لقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ اللام وكلما رأيت التعليل في كتاب الله فهو مثبت للحكمة في أفعاله تعالى ومشروعاته. * * * ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاستفهام هنا للتقرير؛ لأنه كلما دخل الاستفهام على نفي فهو للتقرير، سواء كانت أداة النفي حرفًا مثل: (لم)، أو فعلًا مثل: (ليس) فالاستفهام هنا للتقرير، والواو حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، أو أن المعطوف عليه مقدر بين الهمزة والواو بحسب ما يقتضيه السياق، قال المؤلف:

стр. 256

[﴿يَرَوْا﴾ يعلموا]. ففسر الرؤية هنا برؤية العلم، ويمكن أن يراد بها رؤية البصر، ورؤية البصر أشد وأقوى في التقرير من رؤية العلم، لأن رؤية العلم قد ينكر الإنسان، فيقول: أنا لا أعلم هذا، لكن رؤية البصر إذا كان الشيء أمامه لا يمكنه أن ينكر، والحقيقة أنها محتملة لهذا وهذا، فباعتبار أن الله خلق هذه الأشياء، لا شك أنها رؤية علم؛ لأننا لم نشهد خلق هذه الأشياء كما قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) وباعتبار المخلوق رؤية بصر؛ لأنه يشاهد ويعلم ولا يمكن إنكاره، قال المؤلف: [والاستفهام للتقرير، والواو الداخلة عليها للعطف] هل الواو داخلة أو مدخولة؟ المؤلف يقول: الواو على الهمزة" لكن نقول: دخلت الهمزة على الواو، فإذا قلت (سوف يقوم) فإن سوف دخلت على يقوم، فالداخل هو الأول، والمؤلف يقول: الواو الداخلة عليها، يشير إلى القول الثاني في مثل هذا التركيب وهو أن التقدير: (وألم يروا أنا خلقنا لهم) وهذا أحد القولين، فهنا المؤلف ﵀ جعل الواو داخلة على الهمزة، والواقع أن الهمزة حسب الترتيب داخلة على الواو، ولكنه ﵀ يرى أن في المسألة تقديمًا وتأخيرًا، وأن الواو داخلة على الهمزة في الأصل فأصله (وألم يروا) ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ قال: [في جملة الناس ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ عملناه بلا شريك ولا معين] ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ أي أوجدنا لهم من العدم أنعامًا، والله مختص بالخلق، فلا خالق إلا الله ، وإضافة الخلق

стр. 257

إلى المخلوق ليس على سبيل الإضافة بالنسبة إلى الله تعالى؛ لأن خلق الله تعالى للأشياء خلق إيجاد من عدم، وخلق المخلوق للأشياء ليس خلق إيجاد، ولكنه خلق تغيير من حال إلى حال، أو من وصف إلى وصف، فإذا نجرت الخشبة بابًا فقد خلقتها بابًا، لكن هل أنت أوجدت هذه الخشبة؟ الجواب: لا، لكن صيرتها إلى هيئة معينة، وهذا نوع من الخلق، ولهذا يقال: للمصورين يوم القيامة أحيوا ما خلقتم، مع أنهم لم يوجدوا الصورة من عدم، لكن غيروا ونقلوا من حال إلى حال، فالخلق الخاص بالله هو خلق الإيجاد، أما الخلق الذي يكون من المخلوق فما هو إلا تغيير وتحويل فقط ﴿لَهُمْ﴾ اللام في ﴿لَهُمْ﴾ للاستحقاق، ويصلح أن تكون للملك كما سيأتي في الآية نفسها ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ أي مما عملنا وليس المعنى أن الله خلق هذه الأنعام بيده، لو كان أراد ذلك وكان الواقع كذلك لقال: (مما عملنا بأيدينا) كما قال تعالى في آدم يخاطب إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) فهنا أضاف الخلق إلى نفسه وجعل المخلوق به اليد، أما هنا فأضاف العمل إلى اليد ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فهو كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٢) وما أشبهها مما يضاف فيه الفعل إلى اليد، والمراد الإنسان، كذلك هنا أضاف الله تعالى العمل إلى يديه والمراد نفسه، أي: مما عملنا، ولو قلنا: بأنه خلقها بيديه لكانت الأنعام أشرف من

стр. 258

الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهنا قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ بالجمع فهل الله له أكثر من يدين؟ الجواب: لا، ليس لله أكثر من يدين، ليس له إلا يدان اثنتان، وجمع هنا من أجل المناسبة؛ لأن الأفصح في المثنى إذا أضيف إلى جمع الجمع، ألم تر إلى قول الله تعالى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١) مع أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، فهنا لما أضافه إلى الضمير المفيد للجمع - وهنا للتعظيم بلا شك - ناسب الجمع، وأيضًا فإن الجمع أبلغ في التعظيم فلهذا جمعت، وأيضًا فإن هذه الأنعام لا يحصيها إلا الله فهي جموع كثيرة، كل واحد منها تحتاج إلى فعل خاص؛ لأن لكل واحدة خلق خاص، فجمع أيضًا باعتبار المعمول الذي هو هذه الأنعام، وعلى كل حال فهذه الآية لا شك إنها تفيد إثبات اليد لله ، ولكنها لا تفيد أنه له أكثر من يدين لما تقدم من وجوه الجمع. فإذا قال قائل: مأ هو الدليل على أنه ليس لله إلا يدان اثنتان؟ قلنا: الدليل أن الله تعالى تمدح بهما في مقام المدح والعطاء والرزق، ولو كان له أكثر من ذلك لذكرها لاقتضاء المقام إياه، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٢) ولو كان له أكثر من واحدة لقال: (بل أيديه) لأنه بلا شك كلما كثرت الأيدي كثر العطاء وهذا باعتبار المخلوق، أما الخالق فعطاؤه لا ينفد، ولا يعد،

стр. 259

وليس له إلا يدان اثنتان، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة. ﴿أَنْعَامًا﴾ قال المؤلف: [هي الإبل والبقر والغنم] كأن المؤلف رحمه الله تعالى خصها بالإبل والبقر والغنم س لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (١). ولو قيل: بأن الآية أعم من ذلك؛ لأنه قد يكون هناك حيوانات يحصل بها من المنافع ما يحصل بهذه الأشياء الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ الفاء مفرعة على قوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ أي: فعلى كونها خلقت لهم ولمصالحهم هم لها مالكون، وأتى بالجملة الإسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار، أي: أن هذا الملك مستمر، وهذا الملك الذي ذكره الله يقول فيه المؤلف: [ضابطون] فهو من ملك التصرف، وليس من الملك الشرعي الذي يحصل بالبيع والشراء والهبة وما أشبهها. أي: أنهم يملكونها ويضبطونها ويتصرفون فيها كما شاءوا. الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: تقرير نعمة الله على عباده، بهذه الأنعام؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾. ٢ - ومن فوائدها أيضًا: أن هذه الأنعام ملك لنا ننتفع بها بجميع وجوه الانتفاعات لقوله: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ فكل وجوه الانتفاعات فإنه يجوز لنا أن ننتفع بها لأنها مادامت لنا فنحن فيها أحرار إلا ما قام الدليل على منعه. ويتفرع على هذه الفائدة:

стр. 260

أنه يجوز أن نركب ما لم تجر العادة بركوبه، مثل أن نركب البقر، ولهذا قال الفقهاء: يجوز الانتفاع بهذه الحيوانات في غير ما خلقت له. فإن قلت: ما الجواب عن الحديث الصحيح: "بينما رجل راكب بقرة يسوقها، إذ التفتت إليه فقالت له: إنا لم نخلق لهذا، قال النبي ﷺ : "فأنا أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر" (١). فالجواب على هذا أن نقول: إن هذا الرجل ركبها ركوبًا يشق عليها، وهي ما خلقت لتعذب، وهو كذلك حتى لو أن الإنسان ركب الإبل على وجه يعذبها قلنا له: إنها لم تخلق لهذا. ٣ - من فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة العمل إلى الله؛ لقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ لكن لا يسمى الله بالعامل، كما لا يسمى بالصانع أخذًا من قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢) وذلك لأن باب الخبر أوسع من باب الإنشاء والتسمية، فيجوز أن نشتق من كل اسم صفة، ولا يجوز أن نشتق من كل صفة اسمًا. ولهذا نقول: (الصفات أوسع من الأسماء)، أي باب صفات الله أوسع من باب الأسماء، لأن كل اسم متضمن لصفة، وليس كل صفة تتضمن اسمًا. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليد لله ؛ لقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ وهذه اليد التي أضافها إلى نفسه يد حقيقية ثابتة، ولكن بدون أن تكون مماثلة لأيدي المخلوقين؛

стр. 261

لأن مماثلة الخالق للمخلوق ممتنعة غاية الامتناع عقلًا وسمعًا، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٢) وأما العقل: فإن كل عاقل يدرك الفرق بين الخالق والمخلوق في الذات والصفات، فالواجب علينا أن نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه من غير تمثيل. ثم اعلم أن ما وصف الله به نفسه ينقسم إلى: صفات لازمة، وصفات غير لازمة، وإلى ما نظيره أجزاء وأبعاض لنا، فمثلًا: السمع، والعلم، والقدرة، والحياة هذه صفات لازمة، ويسميها أهل العلم الصفات الذاتية، ومثل: الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والخلق وما أشبه ذلك، صفات غير لازمة، ويسميها أهل العلم: الصفات الفعلية. فالله لم يزل ولا يزال خالقًا، لكن المخلوق يتجدد، فكل خلق يتعلق بهذا المخلوق فإنه يكون حادثًا بعد أن لم يكن، ولكن هذا حدوث نوع، وليس حدوث جنس، لأن الله لم يزل ولا يزال خالقًا. والاستواء على العرش هذا لا شك أنه حادث؛ لأنه قبل العرش ليس مستو عليه، والذي نظيره أبعاض وأجزاء مثل: اليد، والوجه، والقدم، والعين، هذا نظيره بالنسبة لنا جزء من الذات، أو بعض منها، ولا يصح أن نقول: إنه جزء من الله، أو بعض من الله؛ لأن الله لا يتجزأ ولا يتبعض، إذ إن الجزء ما جاز

стр. 262

وجود أصله بعدمه، فبالنسبة لله لا يمكن أن يكون هكذا، يعني لا يمكن أن تنفصل اليد مثلًا - وحاشا لله أو الوجه، أو ما أشبه ذلك، بالنسبة للمخلوق يمكن أن تنفصل، ولهذا يجب أن نقول: ما نظيره أجزاء وأبعاض لنا، ولا نقول ما هو أجزاء وأبعاض لله؛ لأن هذا منكر غاية الإنكار. واليد نقول: إنها حقيقية، ثابتة لله على الوجه اللائق به، ولكن لا تماثل أيدي المخلوقين، وهذا مذهب السلف، وعليه جرى أئمة المسلمين، لكن ابتلي قوم بتحريف اليد وقالوا: إنها النعمة، أو القوة، بناءً على أن عقولهم تحيل أن يتصف الله باليد الحقيقية، ولا شك أن هذا ضلال وجناية على النصوص. أما كونه ضلالًا؛ فلأنهم حكموا على الخالق بعقولهم القاصرة، وهذا لا شك أنه ضلال، إذ كيف تحكم على الخالق بعقلك؟ والخالق يقول عن نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (١) ويقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) ويقول: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وأنت تقول ليس له يد. سبحان الله؟ ولولا تأويلهم لها، وقولهم: نحن نثبت اليد ولكن المراد كذا. لكان هذا تكذيبًا للنصوص، ونحن نعلم أن المكذب للنصوص كافر. وكان جناية على النصوص من وجهين؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يرد كذا، وأراد كذا، فنفوا ما أراد الله، وأثبتوا ما لم يرده، فكان جناية على النصوص من الوجهين: السلبي والإيجابي.

стр. 263

السلبي حيث نفوا ما أثبت الله، والإيجابي أثبتوا ما لم يرده الله. إذ قال الله : ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) قالوا: أراد باليدين النعمة أو القوة. نقول - سبحان الله - من الذي أعلمك؟ الله يقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وأنت تقول: ليس له يد، بل هي نعمة، من الذي قال لك هذا؟ فنفيك قول على الله بلا علم، وإثباتك لما أثبت قول على الله بلا علم، فكان جناية على النصوص من وجهين، والحقيقة أن الإنسان يعجب غاية العجب أن يسلك هذا المسلك أئمة مشهود لهم بالخير والصلاح ونفع الأمة، ولكنه يعرف بذلك تمام حكمة الله وأن الإنسان مهما كان فهو ضعيف وقاصر، وإلا فالله يتحدث عن نفسه بحديث هو أصدق الحديث، وأحسن الحديث، وصادر من أعلم بما يقول. ثم نقول: الله ما أراد هكذا، فيجب أن نؤمن بأن الله له يد حقيقية لائقة به، لا تماثل أيدي المخلوقين بأي حال من الأحوال. وهكذا يجب علينا أن نجري جميع آيات الصفات وأحاديثها. فإن قيل: ما تقولون في تفسير بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (٢) أي: بقوة. فالجواب: أن نقول هذا صحيح (أيد) هنا بمعنى قوة، لأن أيدٍ مصدر أد، يئيد، أيدًا، كباع يبيع بيعًا، وكال يكيل كيلًا، ولا يجوز أن نقول هي كقوله: ﴿أَيْدِينَا﴾ لأن الله لم ينسبها إلى نفسه،

стр. 264

فلم يقل: "والسماء بنيناها بأيدينا" وإذا لم ينسب الله ذلك إلى نفسه حرم علينا أن ننسبه إلى الله، فكان يتعين أن نفسر قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي بقوة. وإذا لم يضف الله شيئًا إلى نفسه حرم أن نضيفه إليه. لأنا لو أضفناه إليه وهو لم يضف إليه لكنا نقول على الله بلا علم. ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ (١) اختلف السلف في قوله: ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ هل المراد عن شدة، أو المراد عن ساقه ، ونحن إذا أخذنا القاعدة التي قررناها الآن بأن ما لم يضفه الله إلى نفسه يحرم علينا أن نضيفه إليه، قلنا: إن المراد بالساق هنا الشدة ولابد، ولا يمكن أن نفسره بساق الله، لأن الله لم يضفه إلى نفسه فلم يقل: (يوم نكشف عن ساقنا) بل قال ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ولكن إذا تأملت سياق الآية الكريمة وما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وجدت أن ذلك يقتضي أن يكون المراد به ساق الله فإنه في حديث أبي سعيد الطويل المشهور، أن الله يكشف عن ساقه فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا، ويعجز عن السجود من لم يسجد لله في الدنيا (٢)، فهنا ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ نجد أن سياق الآية يوافق سياق الحديث، وحينئذ نقول: إن كلام الله

стр. 265

تعالى يفسر بكلام الله تعالى، ويفسر بكلام رسوله ﷺ ، فإذا دل سياق حديث أبي سعيد على ما دل عليه سياق الآية فإن الآية تفسر به، وحينئذ يكون القول الراجح أن المراد بالساق الذي جاء على وجه النكرة المراد به ساق الله ، ولكنه نُكر للتعظيم، لأن التنكير قد يراد به التعظيم. فإذا قال قائل: الآية التي معنا في سورة "يس" ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فهل تصفون الله بأن له أيدٍ كثيرة أم ماذا؟ نقول: الذي عليه أهل السنة أنه ليس لله إلا يدان اثنتان، وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذا القول الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) وقوله: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ﴾ (٢) وبين هذه الآية، ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ وإلى الجمع بينه وبين الإفراد الذي جاء في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ (٣) وما أشبه ذلك. قال أهل العلم: الجمع بينهما متيسر - ولله الحمد - لأنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت. ولا في كلامه من تفاوت أيضًا، فلا يتفاوت كلامه ولا يتناقض، كما لا يتناقض خلقه أيضًا، فالخلق منسجم بعضه مع بعض، وكذلك الشرع منسجم بعضه مع بعض. قالوا: إن المفرد المضاف يشمل؛ لأنه للعموم، ألم تر إلى

стр. 266

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١) نعم لا تحصى مع أنه قال: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ واحدة، لكن المفرد المضاف يكون للعموم فيشمل كل ما يثبت لهذا المفرد المضاف وإن كثر، إذًا ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ لو فرض بأن هناك أيادي كثيرة، فيدخل واليدان فإنه تدخل، إذًا لا منافاة بين المفرد وبين العدد جمعًا كان أو مثنى، فقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ اليد مفرد مضاف. والضمير مضاف إليه، والمفرد المضاف يفيد العموم. أي: مفرد مضاف فهو مفيد للعموم. ومثال لذلك: لو قال رجل لامرأته: طالق، وله أربع نسوة يطلق كل النسوة إلا إذا نوى أنها واحدة، ولو قال: عبدي حر، وله أكثر من عبد عتق الجميع، ما لم يُرد واحدًا. ولو قال: بيتي وقف، وله بيوت صارت بيوته كلها وقفًا ما لم يرد واحدًا. فالمفرد المضاف يعم. بقي لنا الجمع بين اليدين الثنتين، والجمع الذي هو "أيدينا" كيف نجمع بينهما؟ والجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن كثيرًا من علماء اللغة العربية يقولون: إن أقل الجمع اثنان، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢) فهنا جمع مع أن المراد اثنان. وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٣) (إخوة)

стр. 267

جمع. مع أن الأم تحجب من الثلث إلى السدس باثنين. وبقول النبي ﷺ : "الاثنان وما فوقهما جماعة" (١) أي: في الصلاة. ولكن أكثر علماء اللغة -وهو المشهور- يقولون: إن أقل الجمع ثلاثة، وحينئذ يمكن الجمع. الوجه الثاني: وهو أن نقول: إن المراد بالجمع في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ المراد به التعظيم، لأن الجمع يدل على التعظيم، ولهذا يأتي ضمير الجمع "نا" في مقام التعظيم. فكل ضمير أضافه الله إلى نفسه وهو (نا) فليس المراد به الجمع، بل المراد به التعظيم. فهنا الجمع للتعظيم، وللمناسبة أيضًا لأنه أضيف إلى ما يفيد الجمع فكان الأنسب أن يكون مجموعًا، فهذه المناسبة لفظية، وإرادة التعظيم مناسبة، معنوية. وبهذا يزول الإشكال. فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون: إن لله أيادي كثيرة؟ فالجواب: إن هذا يمنعه المعنى، لأن الله تعالى لما مدح وأثنى على نفسه بالعطاء لم يذكر إلا يدين اثنتين، ولو كان له أكثر لكان يذكر الأكثر؛ لأنه أبلغ في المدح. فلما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٢) عُلم أنه ليس له إلا يدان اثنتان، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٣) فأثبت القبضة بيد،

стр. 268

والسماوات مطويات بيمينه باليد الأخرى، والنصوص في هذا كثيرة، ولهذا نعتقد نحن أن الله ليس له إلا يدان اثنتان فقط. ومثل ذلك نقول: في صفة العين، العين وردت مجموعة، ووردت مفردة ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ (١) ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢) فنقول: عين مفرد مضاف فيعم ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ إما أن نقول للتعظيم، أو بأن أقل الجمع اثنان، وليس لله أكثر من عينين اثنتين، ودليل ذلك حديث الدجال حينما تحدث النبي ﷺ عنه، وبيّن تمويهاته قال: "إنه أعور العين اليمنى، وإن ربكم ليس بأعور" (٣)، فبين العلامة الحسية الظاهرة وهي عور عين الدجال، ومن العجب أن بعض الناس قال: إن المراد بالعور هنا العيب، يريد أن يثبت أن لله تعالى أعينًا كثيرة، بناءً على الجمع في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ولكن هذا عور من هذا القائل؛ لأن الحديث صريح في أن المراد عور العين، حيث قال: "أعور العين اليمنى" ولم يقل: (أعور) فقط، فلو قال: (أعور) فقط، وربما يحتمل ما قاله، مع أن ما قاله ضعيف بعيد؛ لأن اللغة العربية لا تعبر بالعور عن العيب، فالرسول ﷺ قال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: المريضة، والعجفاء، والعوراء، والعرجاء" (٤) فجعل العور غير

стр. 269

العيب، فكل الثلاثة الأخرى عيوب، لكن جعل العور في العين، فنحن نقول لهم: أصل العور في العين ثم إذا جاء الحديث "أعور العين اليمنى" صار قاطعًا للاحتمال قطعًا نهائيًّا لا يمكن أن يراد به العيب. فإذا قال قائل: ما وجهه؟ قلنا: وجهه: لو كان لله أكثر من عين لكان الرسول ﷺ يذكره؛ لأنه أدل على تعظيم الله، وأبين في التميز من أن يقال: أن الفرق هو أن هذا أعور، والرب محز وجل ليس بأعور، وبهذا يتبين أن دلالة حديث الدجال -وهو صحيح- دلالة واضحة ظاهرة، على أنه روي في حديث عن الرسول ﵊ ذكره ابن القيم ﵀ في مختصر الصواعق المرسلة "إذا قام أحدكم يصلي فإنه بين عيني الرحمن" وهذا الحديث فيه ضعف لكننا في الحقيقة لسنا بحاجة إليه، لأن الحديث الثابت في الصحيحين في قصص الدجال واضح والحمد لله. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أننا نملك هذه الأنعام ملكًا شرعيًّا، وملكًا حسيًّا قدريًّا. أما الشرعي: فإننا نملك أعيانها، ومنافعها بالبيع والشراء والتأجير وغير ذلك، أما الكوني الحسي فلأننا نملك زمامها وضبطها، وهي مسخرة لنا نقيمها وننيخها، ونذهب بها ونرجع بها، وهذا من تمام نعمة الله علينا بهذا الملك.

стр. 270

٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه أتى بقوله: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ بالجملة الإسمية التي تفيد الثبوت والاستمرار، أي: ملك مستقر تام. * * * ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾. ﴿وَذَلَّلْنَاهَا﴾ أي: سخرناها وجعلناها ذليلة تنقاد لهم، وينتفعون بها كما يشاؤون، ولهذا نجد الصبي الصغير يقود هذا الجمل الكبير، وقد ذلل له ويقوده حيث شاء، بل إن الإنسان يقود البعير الكبير الجسم إلى مكان نحره وينقاد معه، ثم قسم الله وجوه الانتفاع فقال: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الركوب فعول، بمعنى: مركوب، أي: فمنها ما يركبونه، مثل الإبل. ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ مثل الغنم، ومنها ما يجمع بين الأكل والركوب مثل الإبل، فهذه الأنعام منها: ما يركب ويؤكل، ومنها ما يؤكل ولا يركب. وإذا قلنا: إن الآية أعم مما قال المؤلف، فإننا نقول: منها ما يركب ولا يؤكل، مثل: البغال والحمير والفيلة وغيرها. فالله جعل لهذه الأنعام فوائد متعددة: من الأكل والركوب، وفي سورة النحل ذكر أيضًا من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين. فالمنافع كثيرة في هذه الأنعام التي خلقها الله لنا. وقوله : ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ ﴿من﴾ في الموضعين هل هي للتبعيض، أو للابتداء، أو للجنس؟ مقتضى التقسيم أن تكون للتبعيض، أي: بعضها يركب وبعضها يؤكل.

стр. 271

الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بتذليل هذه الأنعام، ولو استعصت علينا ما تمكنا من الانتفاع بها، ولهذا لما ند بعير من الإبل في عهد الرسول ﷺ أدركه رجل بسهم فقال النبي ﷺ : "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فما ندّ منها فاصنعوا به هكذا" (١)، فهذه البعير تمردت على أهلها ولم يدركوها إلا بالسهم. ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أفعال المخلوقات مخلوقة لله، لقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ لكنها مفعولة للفاعل مباشرة. فهي تنسب لله تقديرًا وخلقًا، وتنسب إلى الفاعل كسبًا وعملًا، فهذه الإبل المذللة الذي ذللها هو الله، إذًا أفعالها صادرة بخلق الله . وهذا هو المذهب الصحيح في هذه المسألة، أي مسألة أفعال العباد هل هي مخلوقة لله، أو هي للعباد استقلالًا؟ والمسألة فيها ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: مذهب الجبرية، الذين يقولون: إن خلق الله شامل لكل حركة في السماوات والأرض، وإن الإنسان مجبور على عمله ليس له فيه اختيار، بل الحركة الإرادية الاختيارية، كالحركة الإجبارية التي ليس له فيها إرادة. ويقولون: إن أفعال الإنسان كحركة السعفة بالريح ليس

стр. 272

باختياره، فيقال لهم: إن هذا يلزم منه الفوضى بحيث يفعل كل إنسان ما شاء ويقول: هذا بغير اختياري، وأنا مجبور عليه، ويلزم منه أيضًا: أن الله إذا عذب الإنسان على معصية كان ظالمًا له، ويلزم عليه أن مدح الطائعين لغو لا فائدة منه؛ لأنه لا يمدح الإنسان على أمر يجبر عليه بدون اختياره، ويترتب عليه أيضًا: أن ذم العاضين ظلم؛ لأنه ذم لمن لا يختار هذا الفعل. وكما أنه يترتب عليه هذه اللوازم الباطلة فهو أيضًا مخالف للواقع، فإن الإنسان يجد الفرق بين فعله الاختياري، وبين فعله الاضطراري، يجد الفرق بين أن ينزل من السلم درجة درجة وبطمأنينة واختيار، وبين أن يأتي شخص ويدفعه دفعًا، حتى لا يتمكن من الوقوف، فالأمر واضح من الناحية الواقعية العقلية، أن هذا القول باطل من أبطل الأقوال. لكن الذي غرّ أصحابه أن الله ذكر أنه خلق كل شيء، وأنه قدر كل شيء، وأنه لا يكون في ملكه ما لا يريد إلى غير ذلك من الأشياء التي يتعللون بها، لكنهم في الحقيقة نظروا إليها وغفلوا عن النصوص الأخرى الدالة على أن الإنسان فاعل باختياره، ولهذا قابلهم: أصحاب المذهب الثاني: الذين نظروا إلى النصوص الدالة على أن الإنسان فاعل باختياره وإلى الواقع، فأنكروا أن يكون لله إرادة، أو خلق في أفعال العباد، وقالوا: إن العبد مستقل بعمله يفعل ما يشاء، ويترك ما يشاء، وليس لله تعلق بفعل العبد. وهؤلاء أقرب إلى المعقول من أولئك القوم؛ لأن الإنسان

стр. 273

لا شك يجد أنه فاعل بالاختيار، فهو يدخل بيته، ويخرج من بيته، ويأتي للمسجد، ويخرج من المسجد، ويختار هذا الفعل على وجه اختياري لا يشعر أبدًا بأن أحدًا يجبره على ذلك، ولكن ظل هؤلاء بسلبهم إرادة الله وخلقه عن أفعال الخلق واعتقادهم أن الإنسان مستقل بما يحدثه، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لمشابهتهم للمجوس في إثبات فاعلين للحوادث، وهم يقولون بإثبات فاعلين للحوادث. الذي من فعل الله، هذا من فعل الله، والذي من فعل الإنسان، وهذا من فعل الإنسان مستقلًا بها، فلهذا سموا مجوس هذه الأمة. وهؤلاء لا شك أنهم ضالون؛ لأنهم أخرجوا شيئًا في ملك الله عن ملك الله. المذهب الثالث: أهل السنة والجماعة توسطوا بين القولين وأخذوا بالدليلين، وقالوا: إن الإنسان لا شك يفعل باختياره، ويدع باختياره، وإن له إرادة تامة وقدرة، والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله ، فلو شاء الله لسلبه الإرادة، ولو شاء لسلبه القدرة، ولذلك إذا سلب الله العبد الإرادة لم يترتب على فعله حكم، فالمجنون - مثلًا - لا يؤاخذ بأفعاله؛ لأنه لم يفعلها باختياره والعاجز لا يكلف ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) إذًا فالله هو الذي خلق الإرادة والقدرة في الإنسان، قالوا: والإرادة والقدرة هما السبب في وجود الفعل، فلولا الإرادة ما فعلت، ولولا القدرة ما فعلت، فالإرادة والقدرة هما سبب وجود الفعل، وإذا كانا مخلوقين لله

стр. 274

فإن خالق السبب خالق للمسبب، فيضاف فعل العبد إلى الله من هذه الناحية، أي أن الله هو الذي أوجد فيه سبب الفعل، فصار بذلك فاعلًا. كما أن الإحراق مثلًا بالنار ينسب إلى النار، والذي أودع فيها هذه القوة هو الله ، فلذلك صار إحراق النار بفعل النار مباشرة، لكنه بتقدير الله خلقًا، وهذا الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، هو المطابق للمنقول والمعقول والواقع؛ لأنه يجمع بين الأدلة الشرعية، ويصدق الأدلة الحسية. فالأدلة الشرعية إذا جمعتها من أطرافها وجدت أنها تنصب في طريق واحد، وهو الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، ولولا هذا الاعتقاد لشُلت الحركة ولصار الإنسان اتكاليًّا لا يقول ولا يفعل، ولولا هذا الاعتقاد لم يلجأ الإنسان إلى ربه في مهماته وملماته، فهو باعتبار أنه مريد فاعل، يتحرك ويعمل، وباعتبار أنه مخلوق مدبر، يرجع إلى الله ، فلا يكون اتكاليًّا، ولا يكون أنانيًّا. يعني أنه لن يستغني بنفسه عن ربه، ولن يكون اتكاليًّا يقول: إن قدر لي شيء صار، بل هو يعمل مستعينًا بالله معتمدًا عليه. ٣ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن لنا أن ننتفع بهذه الأنعام بالركوب، ولكن بشرط أن لا يكون في ذلك مشقة عليها، فإن كان في ذلك مشقة كان حرامًا؛ لأن المشقة تعذيب لها في غير محله. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: جاز الاترداف على الدابة لعموم قوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ ولكنه مقيد بما أشرنا إليه أن لا يكون

стр. 275

في ذلك مشقة. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: حل هذه الأنعام، أو حل بعضها إذا جعلنا "من" للتبعيض وجعلنا "الأنعام" أعم من "بهيمة الأنعام" والحل في الأنعام كلها هو الأصل، ولهذا لو تنازع شخصان في أن هذا الحيوان حلال أو حرام، لكان القول قول من يقول بالحل حتى يقوم دليل على التحريم وذلك: أولًا: لعموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١). ثانيًا: لعموم قوله: ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ فالأصل هو الحل حتى يقوم دليل على المنع، لكن هذا الحل مقيد بشروط الذكاة المعروفة؛ لأنها إذا لم تذك البهيمة الحلال ذكاة شرعية صارت حرامًا لا تحل، فهذا الإطلاق ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ مقيد بشروط وهو أن يكون مذكًا بذكاة شرعية، ومع هذا إذا اضطر الإنسان إليه حل له ولو لم يذك لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢). ٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز تعذيب الحيوان إذا لم تتم المصلحة إلا به، لأن الأكل مصلحة، ولكن لا أكل إلا بعد الذبح، والذبح من أعظم ما يكون من الإيذاء، ولأن الشرع جاء بإباحة وسم البهائم بالنار من أجل حفظ ماليتها، ولأن الشرع جاء بمشروعية إشعار الإبل والبقر في الهدي ليعلم أنها هدي،

стр. 276

وإشعارها هو شق صفحة سنامها حتى يسيل منها الدم، وعلى هذا إذا احتجنا إلى تعذيب الحيوان من أجل حفظ ماليته أو غير ذلك فإنه لا بأس به، مثل ما يفعله بعض الناس الآن في الحمام إذا أراد أن تربي عنده فإنه ينتف مقدم الأجنحة لئلا تطير، حتى تألف المكان وتربى فيه، يقولون: لو أننا قصصناها قصًّا ما نبت لها ريش بسرعة. فلهذا يختارون أن ينتفوها نتفًا من أجل أن ينبت الريش بسرعة وتستعد للطيران. * * * ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾. قال المؤلف ﵀: [﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾] كأصوافها وأوبارها وأشعارها ﴿وَمَشَارِبُ﴾ من لبنها، جمع مَشْرَب بمعنى شرب، أو موضعه ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ المنعم عليهم بها فيؤمنون. أي ما فعلوا ذلك]. المنافع أعم مما قاله المؤلف: [كأصوافها وأوبارها وأشعارها] فالكاف للتشبيه، والأصواف للضأن، والوبر للإبل، والشعر للبقر والغنم، وكذلك ما ينتفع بها من الحرث والزراعة عليها ودك الأرض وغير ذلك من المنافع التي لا تحصى، ولهذا أتى بصيغة منتهى الجموع. ﴿مَنَافِعُ﴾. ﴿وَمَشَارِبُ﴾ إما موضع الشرب كما قال المؤلف، أو الشرب، ولكن الأولى أن نقول: إن لهم فيها مشارب أي: شربًا، وهذه المشارب تكون من الإبل والبقر والغنم فكلها يشرب الناس من ألبانها، وينتفعون بها شربًا وبيعًا، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ والهمزة

стр. 277

للاستفهام، والمراد به التوبيخ، أي أنهم لم يشكروا الله فهم موبخون على عدم شكرهم. وقول المؤلف ﵀: [أي ما فعلوا ذلك] لأنه يرى أن الاستفهام للنفي، وما ذكرناه من أنه للتوبيخ أحسن؛ لأن التوبيخ يدل على انتفاء ذلك، وأنهم موبخون على عدم الفعل. وقد تقدم الكلام على معني الشكر ومتعلقه والفرق بينه وبين الحمد عند قوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾. الفوائد: ١ - يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله خلق هذه الأشياء لمنافعنا، فأي منفعة يمكن أن نحصل عليها من هذه البهائم فإنها مباحة لنا، ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ لكن بشرط كما أسلفنا أن لا يكون في ذلك مشقة فإن كان فيها مشقة فإنها ممنوعة. ٢ - ومن فوائدها: حل ألبان هذه البهائم؛ لقوله: ﴿وَمَشَارِبُ﴾. ٣ - يستفاد من قوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ وجوب شكر الله تعالى على هذه النعم، ووجهه أنه وبخ من لم يشكر، ولا توبيخ إلا على فعل محرم، أو ترك واجب. وشكر المنعم كما دل عليه الشرع فقد دل عليه العقل، فإن كل إنسان مدين لمن أنعم عليه أن يشكره بحسب ما تقتضيه الحال، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم كافأتموه" (١).

стр. 278

ثم قال الله : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من غيره، ولا يمنع أن يكونوا اتخذوا آلهة مع الله، فهم اتخذوا من دون الله أي اتخذوا غير الله آلهة، وإنما قلنا ذلك لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أنهم لم يتخذوا الله إلهًا، بل اتخذوا هذه الآلهة من دون الله وتركوا ألوهية الله تعالى، مع أن هؤلاء يتألهون إلى الله تعالى وإلى غيره، ولكن قد يقال: إن الفائدة من التعبير بقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مع أنهم يألهون الله تعالى ويألهون الأصنام أن الإنسان إذا اتخذ شريكًا مع الله فإن الله تعالى يتركه وشركه وكأنه لم يأله الله تعالى، كما جاء في الحديث القدسي الصحيح أن الله تعالى قال: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١). ﴿آلِهَةً﴾ جمع إله، والإله بمعنى مألوه. أي: معبود، وفعال تأتي في اللغة العربية بمعنى مفعول في مواطن عديدة، منها: غراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني، وفراش بمعنى مفروش. فهؤلاء - والعياذ بالله - يتألهون لهذه الأصنام كما يتألهون لله يركعون لها ويسجدون وينذرون ويعكفون عليها.

стр. 279

﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يمنعون من عذاب الله بشفاعة آلهتهم بزعمهم]. النصر بمعنى المنع من تسلط الأعداء، ولكنه في الحقيقة ليس المنعة فقط، ولكنه في الغالب يطلق على غلبة الأعداء، أي: لعلهم يغلبون. والواقع أن متخذي الأصنام يتخذونها للأمرين: لتشفع لهم عند الله تعالى فينجو من عذاب الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١). وهم أيضًا ينتصرون بها عند الحرب والقتال، كما قال أبو سفيان في غزوة أحد: أعل هبل. فانتصر بإلهه واعتز به. فهم اتخذوا هذه الآلهة للأمرين جميعًا: لدفع ما يكره، وحصول ما يحب. وهذا هو المناسب لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾ لأن إطلاق النصر على مجرد دفع المكروه - هذا وإن كان واردًا - لكن إطلاق النصر على حصول المطلوب والعزة والرفعة أكثر في اللغة العربية. ولكن هل هؤلاء ينصرون بهذه الأصنام؟ الجواب: قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾. أي: هذه الآلهة التي اتخذوها للنصر لا تستطيع أن تنصرهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، ودليل ذلك أنهم يضعون الأحجار بأيديهم ثم يعبدونها من دون الله تعالى، ويذهبون إلى

стр. 280

الشجرة ويعبدونها، وهم إذا احتاجوا إلى الحطب قطعوها وأوقدوا بها، فكيف وهي لا تنصر نفسها تنصر غيرها؟ وهذا شيء مستحيل أن تنصرهم، ولهذا إذا كان يوم القيامة فإنهم كلهم يحصبون في النار كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ (١) لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها، فهي لا يمكن أن تنصرهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ (٢) فهم في الدنيا غافلون عنهم، لأنها جمادات، وفي الآخرة يكونون لهم أعداء ويكفرون بعبادتهم. فإذا قال قائل: إنه يوجد من يدعو الصنم بحصول مطلوب، أو دفع مكروه، ثم يحصل له المطلوب، أو يندفع عنه المكروه فما الجواب؟ قلنا: الجواب: أن هذا فتنة من الله يفتن من شاء من عباده، والذي حصل لم يحصل بدعاء الصنم وإنما حصل عند دعاء الصنم، أي حصل عنده لا به، فالله جعل هذا يحصل عند دعاء هذا الصنم ابتلاء وامتحانًا، والله بحكمته قد ييسر أسباب المعصية ليبلو الإسنان هل يكون امتناعه عن المعصية خشية لله ، أو لعدم القدرة عليها، ألم تر إلى

стр. 281

قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ (١) فابتلى الله الصحابة وهم محرمون بالصيد ينالونه بأيديهم فيما يعدو، وبرماحهم فيما يطير، ليعلم الله من يخافه بالغيب فلا يأخذ من هذا الصيد، فلم يأخذوا ﵃ من هذا الصيد وتركوه خشية لله لا عجزًا عن الوصول إليه، كما ابتلى الله تعالى بني إسرائيل الذين حرم عليهم الصيد يوم السبت بأن تأتي الحيتان يوم السبت شرعًا طافية على وجه الماء، وفي غير يوم السبت لا تأتيهم، وهذا امتحان من الله ، لكنهم لم يصبروا على هذه المحنة، بل ذهبوا يعاملون الله معاملة الغر الجاهل يخادعون الله فأتوا بحيلة ومكر ونصبوا الشباك يوم الجمعة، فإذا جاءت الحيتان يوم السبت دخلت في الشباك، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، فاحتالوا فقلبهم الله تعالى قردة ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ (٢) فهؤلاء الذين يدعون الأصنام لجلب نفع أو دفع ضرر يمتحنون ويختبرون فيدفع عنهم الضرر ويحصل لهم النفع، لكن عند هذا الدعاء وليس بهذا الدعاء، نجزم بذلك يقينًا؛ لأن هذه الأصنام لا تأتي بخير، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾. قال المؤلف: [﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي: آلهتهم. نزلوا منزلة العقلاء ﴿وَهُمْ﴾ أي: آلهتهم من الأصنام ﴿لَهُمْ جُنْدٌ﴾

стр. 282

بزعمهم نصرهم ﴿مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ في النار معهم]. قوله: نزلوا منزلة العقلاء، لأن واو الجماعة خاصة بالعقلاء، والذي يأتي لغير العقلاء ما يدل على التأنيث سواءً كان بالإفراد أو بالجمع، فلو مشى التعبير على الغالب لقال: (لا تستطيع نصرهم) أو الا يستطعن نصرهم) لكن قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ تنزيلًا لهذه الأصنام منزلة العاقل؛ لأن هؤلاء يدعونها دعاء العاقل يرون أنها عاقلة تجلب النفع وتدفع الضرر فخوطبوا بما يعتقدون. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ المؤلف - رحمه الله تعالى - مشى على أن ﴿وَهُمْ﴾ الضمير يعود على الأصنام، أي والأصنام لعابديها جند ينصرونهم حسب زعمهم ﴿مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ أي: معهم في النار، فهذه الأصنام جند لهؤلاء العابدين، لكن الجميع محضرون في نار جهنم يعذبون. وهذا قول فيه بعد عن ظاهر الآية وعن المعنى. والصواب: أن الضمير في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ﴾ يعود على العابدين ﴿لَهُمْ﴾ يعود على الأصنام ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ أي: حاضرون. فالمعنى أن هذه الأصنام لا تستطيع نصرهم، ولكن هؤلاء العابدين ينتصرون للأصنام ويكونون جندًا لها كما قال قوم إبراهيم: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ (١) فهؤلاء العابدون يعبدون ما لا ينفعهم ولكنهم هم ينتصرون لهذه الأصنام ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ ليدافعوا عن هذه الأصنام، فيكون في هذا التصرف نقص من وجهين:

стр. 283

الوجه الأول: أنهم هم ينصرون هذه الأصنام وينتصرون لها ويدافعون عنها. الوجه الثاني: أنهم انتصروا لشيء لا ينفعهم، والغالب أن الإنسان العاقل إنما ينتصر لمن ينفعه، وينتصر له، وأما من لا ينتصر له ولا ينفعه بشيء لايمكن أن ينتصر له. فالمعنى الذي ذكرناه هو المتعين في الآية وهو المناسب، وهو الذي ينادي عليهم بالسفة والضلال. الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾: صحة إطلاق الإله على غير الله ؛ لقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ ولكن هل هذه الآلهة حق؟ الجواب: لا، هي آلهة باطلة لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) فهي وإن سموها آلهة وعبدوها كما يعبدون الرب فإنها لن تكون آلهة، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٢). ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين اتخذوا هذه الآلهة توهموا فيها أنها تنصرهم، ولكن أبطل الله هذا الوهم بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان المبطل لابد أن

стр. 284

يتعلق بشيء يبرر به باطله، وهو هنا رجاء النصر ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾، وكل إنسان مبطل لابد أن يعلل ما ذهب إليه من الباطل كما مر كثيرًا في أقوال أهل البدع. ٤ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ أن هذه الآلهة لا يمكن أن تنصر عابديها لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾. فإن قلت: أليسوا يستغيثون بالآلهة فيغاثون أحيانًا؟ فالجواب: نعم، يمكن، وهو امتحان وفتنة، ولكن هذا الغوث حصل عندها لا بها، وفرق بين أن يكون الشيء حصل بالشيء، أو حصل عنده، والسبب غير، فسبب هذا الغوث الفتنة، وليس دعوة هذه الأصنام لقول الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ (١). ٥ - من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء العابدين جند محضرون لأصنامهم، يدافعون عن الأصنام وينتصرون لها، لقوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ وفي هذا من المناداة بسفههم ما هو ظاهر، حيث يستنصرون بمن لا يستطيعون نصرهم، وهم ينصرونها، وهذا من السفه كيف تنصر شيئًا لا يستطيع نصرك ولا تستفيد منه، ولهذا يعتبر قوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ كالدليل على سفه هؤلاء. أي: أنهم ينتصرون لهذه الآلهة وينصرونها مع أنها لا تنصرهم، وهذا الذي قررته بناء على ما

стр. 285

اخترناه من أن معنى الآية (وهؤلاء العابدون للمعبودين جند محضرون) أما على رأي المؤلف فهو يرى خلاف ذلك، يرى أن هذه الأصنام جند لهؤلاء، لكنهم محضرون في النار جميعًا، وسبق بيان ضعف هذا القول. * * * ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾. الخطاب في هذه الآية للرسول ﷺ ومعنى ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ أي لا يوقعك في الحزن، والحزن هو الندم والهم والتأسف لما مضى، والخوف هو الهم والترقب لما يستقبل. ولا شك أن هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ يقولون في الله ، ويقولون في رسول الله ﷺ قولًا عظيمًا، والنبي ﷺ يحزن لهذا؛ لأنه أنصح الخلق للخلق، فيحزنه أن يتكلم هؤلاء بما عاقبته سيئة عليهم، وإن كان هذا لا يضره، ولكن يحزن، فقال الله : ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (١) أي: لعلك مهلك نفسك لعدم إيمانهم، وقال الله : ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٢) والآيات في تسلية الرسول ﵊ وتقويته على التحمل والصبر على تكذيب هؤلاء كثيرة، وقد قالوا أشياء كثيرة: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٣) وهذا طعن في الألوهية.
следующие страницы →