← Тафсир

Тафсир · id 151157

تفسير العثيمين: يس

ابن عثيمين

Полный текст (316 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الرجل قبل مكانه فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ (١) وهنا ذكر المكان قبل ذكر الرجل ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ وذلك لأن هذا الرجل كان مؤمنًا فسهل عليه أن يأتي من المكان البعيد، فذكر مكانه لبعده ليستدل به على قوة محبة هذا الرجل للخير ودفع الشر. أما ذلك فالمقصود به العلم أن يأتي أحد بالعلم، فبدأ بالآتي وهو الرجل قبل ذكر مكانه. وهنا قال الله : ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ وفي أول الآية قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وهذا يدل على أن القرية تسمى مدينة، والمدينة أيضًا تسمى قرية، فمكة سماها الله تعالى قرية وهي أم القرى، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ (٢) فالقرية ليست هي البلد الصغير كما يظن كثير من الناس، بل القرية تكون مدينة، ولذلك لأن أصل القرية معناه مأخوذ من القِرى، وهو التجمع فإن الناس يجتمعون فيها، فإن كانت بلدة كبيرة سميت في عرف الناس مدينة، وإن كانت دون ذلك سميت في عرف الناس قرية. فالتفريق بين القرية والمدينة ما هو إلَّا اصطلاح عرفي فقط. قوله: ﴿يَسْعَى﴾ أي يشتد يركض لئلا تفوته الفرصة حين سمع بتكذيبهم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ ﴿قَالَ﴾ هذا جملة مفصولة عما قبلها، أي أنَّها أتت بدون حرف العطف كأنها

стр. 72

جواب عن سؤال مقدر، تقديره فماذا قال حين جاء؟ ! ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ ﴿يَاقَوْمِ﴾ منادى منصوب بالنداء؛ لأنه مضاف، وقد حذفت منه ياء المتكلم، وأصلها (يا قومي) ولكن حذفت الياء للتخفيف، أو لالتقاء الساكنين؛ لأن اتبعوا مبدوءة بهمزة وصل، وهمزة الوصل ساكنة. قال الرجل: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ ولم يقل يا أيها السفهاء، يا أيها الجهال، بل قال: ﴿يَاقَوْمِ﴾ توددًا وتعطفًا لهم، ولم يقل: يا إخواني، لأنه لا أخوة بين المؤمن والكافر، فهو مؤمن وهم كفار، لكن ﴿يَاقَوْمِ﴾، يصح أن يقال: يا قوم ولو كانوا كفارًا. قال الله تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ : (١) قال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ اتبعوهم بما دعوكم إليه من الإيمان والعمل الصالح، لأن هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام دعوا إلى ما دعت إليه الرسل كلهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٢) فهم دعوا إلى هذا، إلى الإيمان والعمل الصالح ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ كرر الأمر بالاتباع من باب التأكيد ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ﴾ ولو حذفت اتبعوا الثانية وقيل: اتبعوا المرسلين من لا يسألكم أجرًا، لصح الكلام لكن كررت للتأكيد، لأنها هي المقصود الأول بالخطاب أن يتبعوا المرسلين ﴿مَنْ﴾ أي: الذي، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنهم يدعون

стр. 73

الناس ولا يأخذون ولا يطلبون على دعوتهم من الناس أجرًا، لكنهم يرجون من الله الأجر، أما من الناس فلا يأخذون أجرًا، فهم لا يتخذون أجرًا على دعوتهم وعلى دلالتهم إلى الخير فإنما يرجون الأجر والثواب من الله ﴿أَجْرًا﴾ هنا محلها من الإعراب مفعول ثان، والكاف مفعول أول، وهذان المفعولان من باب مفعولي، كسا وأخواتها ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ فبين هنا أن هؤلاء الرسل على هدى وليسوا على ضلال، وهم لا يسألون أجرًا على ما دعوا إليه، وقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ يحتمل أن تكون الواو للاستئناف، وهو الأقرب لبيان حال هؤلاء الدعاة أنهم على هدى، ويحتمل أن تكون للحال أي: لا يسألونكم أجرًا مع كونهم مهتدين. ثم قال المؤلف: [فقيل له: أنت على دينهم؟ فقال: وما لي لا أعبد الذي فطرني] ما قدره المؤلف ﵀ من أنَّه قيل للرجل: أنت على دينهم؟ لا يتعين، بل يجوز أن يكون الرجل قال: "وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني" على أن المراد به هؤلاء القوم كأنه قال: (وما لكم لا تعبدون الذي فطركم) لكن أضافه إلى نفسه من باب التلطف بالخطاب، هذا هو الأقرب لأمور: أولًا: أن ما ذكره المؤلف لا دليل عليه، والسياق لا يستلزمه، وإذا كان لا دليل عليه من حيث النقل، ولا دليل عليه من حيث السياق؛ لأنه لا يستلزمه فالأصل عدمه. ثانيًا: أن ما قلناه أبلغ في التلطف بالدعوة بدلًا أن يقول: (وما لكم لا تعبدون الذي فطركم) قال: ﴿وَمَا لِيَ﴾ فأضاف الأمر

стр. 74

هنا إلى نفسه تلطفًا. وقوله ﴿وَمَا لِيَ﴾ الاستفهام هنا بمعنى الإنكار، يعني أي شيء يمنعني أن أعبد الله وحده، ولهذا قال: ﴿لَا أَعْبُدُ﴾ أي لا أتذلل للذي ﴿فَطَرَنِي﴾ قال المؤلف: [أي خلقني أي لا مانِع لي من عبادته الموجود مقتضيها، وأنتم كذلك] قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ﴾ تقدم لنا أن العبادة هي التذلل لله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، محبة وتعظيمًا، وأن العبادة تطلق على التعبد الذي ذكرناه، وعلى المتعبد به وهي الأفعال التي يتعبد بها الإنسان، أو الأقوال، وعلى هذا حدها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - بأنها هي: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة، والباطنة). وقوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ولم يقل: لأعبد الله ليقرن بين الحكم والدليل؛ لأن قوله: "أعبد الذي فطرني" مقتضى لكونه هو المعبود. إذ إنه هو الخالق، فلزم أن يكون هو المعبود وهذا كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١) فقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ كتعليل للأمر بعبادته وحده، كما أنَّه الخالق وحده، فيجب أن يكون المعبود وحده، ولهذا قال المؤلف [الموجود مقتضيها] وما مقتضيها أنَّه هو الذي فطر الخلق، وابتدأ خلقهم، فلزم أن يكون هو المستحق للعبادة وأن يعبد، وقوله: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي خلقني لأول مرة، والفطر والإبداع بمعنى الإيجاد لأول مرة، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ

стр. 75

وَالْأَرْضِ﴾ (١) وقال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) فالذي فطر الخلق لأول مرة وعلى غير مثال سابق هو الله تعالى، فإذن يجب أن يكون هو المعبود، أما أن تعبد غير الله، وهذا الغير لا يخلق بل هو مخلوق كما قال الله : ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ (٣) فكيف يصح أن يعبد هؤلاء، فهذا الرجل من فقهه وحكمته وحسن دعوته أنَّه قرن الحكم بالدليل، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا مما يؤيد ما قلنا من أنَّه يريد قومه، لكن من باب التلطف في خطابهم قال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ كما تخاطب صاحبك الآن تحاوره أو تخاصمه تقول: ما لي لا أفعل كذا. وكذا يعني ما المانع؟ فإذا كان لا مانع لي، فهو لا مانع لك أيضًا، قال المؤلف ﵀: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ هو أبعد الموت فيجازيكم بكفركم، لو قال المؤلف: بعملكم، لكان أشمل، لأنه يجازيهم بالكفر إن استمروا عليه، ويجازيهم بالإسلام إن أسلموا، فلو عبر المؤلف بقوله: (سيجازيكم بعملكم) لكان أولى. الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان نصح هذا الرجل لقومه من وجهين: الوجه الأول: أنَّه جاء من مكان بعيد، ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.

стр. 76

الوجه الثاني: أنَّه جاء يشتد ﴿يَسْعَى﴾ فيستفاد منه أنَّه ينبغي للإنسان انتهاز الفرص في إنذار قومه ومناصحتهم، وأن لا يتوانى، فيقول: غدًا أذهب إليهم، أو في آخر النهار، أو ما أشبه ذلك، فيبادر بالنصيحة والموعظة؛ لأن هذا الرجل جاء يسعى. ٢ - من فوائد الآية الكريمة: أنَّه يجوز للإنسان أن يبادر بالإنذار قبل أن يقدم له مقدمة إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لقوله: ﴿اتَّبِعُوا﴾ أمرهم من أول الأمر، ولم يأتِ بمقدمة تهيئهم للقبول. لأن الحال تستدعي ذلك. ٣ - ومنها أيضًا: أنَّه ينبغي التلطف بالقول في دعوة الغير لقوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ فإن هذا يستوجب اتباعه، وقبول نصحه، لأن للإنسان حدبًا وشفقة على قومه. ٤ - من فوائد الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يسألون الناس أجرًا على ما أتوا به من الدلالة والهداية لقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾. ٥ - ومن فوائدها: أنَّه ينبغي أن يقدم الوصف الموجب للقبول، قبل الوصف المفضل للقبول. فهنا قال: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ والرسالة وصف يقتضي وجوب قبول المرسل. ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ هذا من باب الكمال. ٦ - ومن فوائدها: أنَّه ينبغي للداعية إلى الله أن يترفع عن أخذ ما في أيدي الناس من الأموال حتَّى وإن أعطوه، لأنه ربما تنقص منزلته إذا قبل ما يعطى من أجل دعوته وموعظته، لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يسألون الناس أجرًا لا بلسان

стр. 77

الحال، ولا بلسان المقال، وبه نعرف قبح ما يعمله بعض الناس - وإن كان والحمد لله قد قل - يقوم ويعظ الناس موعظة قد تكون بليغة، فإذا انتهى قال: إني في حاجة وصاحب عائلة وما أشبه ذلك، فصارت الموعظة للدنيا. فهل يستفاد منه هذا أنَّه لا يجوز أخذ الأجر على تعليم العلم، لما فيه من المخالفة لطريق الرسل، أو يقال لا. لأن الذي لا يجوز الأخذ عنه الدعوة لله ، فهذه لا يجوز أخذ الأجر عليها لوجوب الدعوة على الإنسان، أما التعليم الذي يحتاج إلى معاناة وإلى تعب وإلى تفهيم خاص فهذا لا بأس به، وقد قال النبي ﵊: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (١). هل يستفاد من الآية: أنَّه لا يجوز أخذ رزق من بيت المال للدعوة والإرشاد؟ الجواب: لا يستفاد، ولكن لا شك أن التنزه عن ذلك أولى، فكون الإنسان يذهب يدعو إلى الله بدون أن يأخذ مقابلًا ولا من الحكومة، لا شك أن هذا أفضل، وأقرب إلى الخلاص وأشد وقعًا في نفوس الناس، حتَّى وإن لم يعلموا أنَّه لم يأخذ؛ لأن الله تعالى يلقي ذلك في قلوب الناس، أي يلقي القبول من هذا الناصح أو الداعي، وإن لم يعلموا أنَّه لا يأخذ شيئًا.

стр. 78

٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن من طريق الدعوة أن يذكر الإنسان حال الداعية بوصفه بما يوجب قبول قوله؛ لقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ وقد ذكر ما يوجب قبول قولهم في أول الدعوة ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ وفي آخرها في قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾. ٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه يجب على من دعا إلى الله أن يكون على بصيرة وعلى علم؛ لأن هذا هو وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم يدعون إلى الله على هدى منه، وأما من يدعو على غير هدى فإنه قد يفسد أكثر مما يصلح، لأن الذي يدعو على غير علم ربما يجعل الشيء الحرام حلالًا، والحلال حرامًا وهو لا يدري، فيحصل بذلك فساد في الدين والعقيدة. ٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه لا بأس للإنسان أن يضيف الشيء إلى نفسه على سبيل الفرض تلطفًا، لقوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ يعني على فرض أنني أتخذ من دون الله آلهة فما الذي يمنعني أن أعبد الله وحده؟ ! ١٠ - ومن فوائدها: الإرشاد إلى وجوب الإخلاص في العبادة لقوله: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فإن الله تعالى منفرد بفطر الخلق فيجب أن يفرد بالعبادة، فلا يدعي أحد أن الآلهة تخلق، إذًا لا يجوز أن تعطى شيئًا من العبادة التي يختص بها من يخلق وهو الله . ١١ - ومنها: أنَّه من كمال الدعوة والتسليم قرن الحكم بدليله، أو علته؛ لقوله: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فإن هذا كتعليل لقوله:

стр. 79

﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ﴾ ولهذا عدل عن قوله: (ما لي لا أعبد الله) إلى قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ليكون هذا كدليل والتعليل لوجوب إفراده سبحانه بالعبادة، وهذا في القرآن الكريم والسنة كثير. ١٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي ذكر ما يكون به الحذر والخوف بعد أن يذكر ما يكون الترغيب والحث لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ فذكر ابتداء الخلق وانتهاءه، وأنه كله إلى الله ، وهنا نجد الفرق بين التعليل الأول ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ولم يقل "وإليه أرجع" لأنه - كما قلنا - إنما أضاف ذلك إلى نفسه وهو يعني قومه، لكنه أضافه تلطفًا وتوبيخًا لهم، وكأنه يقول: "أنا لا أعبد إلَّا الذي فطرني" فلماذا تعبدون أنتم معه غيره وإليه ترجعون؟ ! . * * * ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾ قال المؤلف: [أأتخذ في الهمزتين منه ما تقدم في ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ استفهام بمعنى النفي، فيكون ﴿أَأَتَّخِذُ﴾ أي: لا أتخذ، وقد سبق لنا أن الاستفهام إذا أتى بمعنى النفي فإنه يفيد معنى التحدي، ولكنه هنا يفيد معنى الامتناع، غاية الامتناع، يعني أنَّه لا يمكن أن أتخذ من دونه - أي غيره - ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ معروف أن أتخذ تنصب مفعولين ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ هو المفعول الثاني ﴿آلِهَةً﴾ المفعول الأول، ويجوز أن نجعل ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ في موضع النصب على الحال من

стр. 80

﴿آلِهَةً﴾ ويكون الثاني محذوفًا أي: (أأتخذ أصنامًا آلهة) وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف لقوله: [أأصنامًا] قال: [﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾ التي زعمتموها ﴿شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾ صفة آلهة، يريد المؤلف في الإعراب أن قوله: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ هذه الجملة الشرطية صفة لآلهة، يعني لا أتخذ آلهة هذا شأنها، وهو أن الله لو أراده بضر لم تنفع شفاعتهم ﴿لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾، هذا معنى كلام المؤلف. وقيل: إن الجملة استئنافية لبيان حال هذه الآلهة، أي: أأتخذ من دونه آلهة ثم قال: هذه الآلهة لا تغني شفاعتها شيئًا من دون الله، ولا تنقذ. ولكن ما ذهب إليه المؤلف أظهر، فتكون الجملة الشرطية في موضع نصب صفة لآلهة قال: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ يعني إن يردن الله ، وذكر الرحمن، لأن الرحمن اسم يدل على الرحمة، ولما كان الضر قد يفهم منه من يفهم من الناس انتفاء الرحمة عن المريد، ذكر ذلك باسم الرحمن لئلا يظن ظان، أو يتوهم الواهم هذا الوهم، أن إرادة الله الضر للإنسان تنافي الرحمة، لأن إرادة الضر بالإنسان قد يكون من رحمة الإنسان. قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ (١) فما يصيب الإنسان من الضر له نتائج حميدة وهي الرجوع إلى الله ، والاعتبار

стр. 81

بما جرى، ﴿لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ أي لا تنفعني بشيء، والشفاعة في الأصل هي: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة. فهذه الأصنام التي تعبد من دون الله يدعي عابدوها أنهم إنما عبدوها لتقربهم إلى الله كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) إذًا فهم يدعون أنهم يعبدونها لتشفع لهم، وهل هذا الوهم أو هذا الظن صحيح؟ الجواب: لا، لأنهم عبدوها ولم يتخذوها وسيلة، بل جعلوها غاية، ولهذا لا يخطر في قلوبهم حين التعبد لها إلَّا التعظيم لهذه الأصنام وينسون الخالق ، ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ أَي من الهلكة، أو الضر الذي أراده الله تعالى بهم. الفوائد: ١ - بيان الإنكار والتسفيه والتوبيخ للذين يتخذون مع الله آلهة، لأن المراد من الاستفهام: الإنكار والتسفيه والتوبيخ لهؤلاء. ٢ - ومن فوائدها: أنَّه ينبغي قرن الحكم بالتعليل لأنه قال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ ... ﴾ إلى آخره، فهذه الآلهة لا تنفع، ولا تضر، ولا تدفع، فهي لا تنفع من عبدها، ولا تضر من عدل عنها، ولا تدفع عن عابديها ضرر الغير، يقول : ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ فهم لا يستطيعون دفع ضرر الغير، وهم - أي الآلهة - لا ينفعون عابديهم، ولا يضرون من عدل عن عبادتهم فهي قاصرة بنفسها لا

стр. 82

تجلب نفعًا ولا ضرًّا، ولا تدفع الضر عن عابديها فتكون عبادتها خسران. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل معبود فهو آلهة لقوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ لكن إن كان يستحق العبادة فهو إله حق وهذا لا يكون إلَّا لله ، وإن كان لا يستحق العبادة وهو من سوى الله فعبادته باطلة وألوهيته باطلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (١). ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإرادة لله لقوله: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ وإرادة الله تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: إرادة كونية. القسم الثاني: إرادة شرعية. فالإرادة الكونية هي التي بمعنى المشيئة، ويتعين فيها وقوع المراد، ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله تعالى. والإرادة الشرعية هي التي بمعنى المحبة، ولا يتعين فيه وقوع المراد، ويتعين أن يكون فيها محبوبًا لله . فإذا قال قائل: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرّ﴾ والضر شر على الإنسان فكيف نجمع بين هذا وبين قوله ﷺ : "الشر ليس إليك" (٢).

стр. 83

فالجواب: أن النبي ﷺ لم يقل: "الشر ليس منك"، بل قال: "الشر ليس إليك" والله قد يريد الشر، لكن إرادته الشر خير، فالشر في مفعوله، لا في فعله، فقد يريد الله وقوع الشر، لكنه لمصلحة عظيمة، هذه المصلحة نفت نسبة الشر لله، ولهذا يفرق بين الشر منك، والشر إليك، فالشر لا يضاف إلى الرب، ولكن يضاف إلى المفعولات والمخلوقات، مع أن هذه المفعولات والمخلوقات شر من وجه، وخير من وجه، ففعله كله لحكمة وغاية محمودة، وانظر مثلًا إلى المرض إذا أصاب الإنسان، فلا شك أنَّه شر بالنسبة لصحته، ولكن لا تشعر بنعمة الصحة، لكن إذا مرضت شعرت بقدر النعمة، (وبضدها تتبين الأشياء)، فأنت الآن تتنفس النفس، تتنفس وأنت تأكل، تتنفس وأنت تتكلم، تتنفس وأنت قائم، وأنت قاعد، وأنت مضطجع، لا تحس بأي شيء، لكن لو قدر الله تعالى أن يحبس نفسك، ويصبح عندك ضيق تنفس عرفت قدر النفس، فالحاصل أن هذا الشر شر نسبي في الواقع حتَّى بالنسبة لمن وقع عليه. مثال آخر: الفيضانات، والزلازل، والجدب، شرور، لكن بالنسبة إلى تقدير الله لها هي خير، فهي شر بالنسبة لمن أصابتهم، لكن خير بالنسبة للآخرين يتعظون ويخافون، وقد تكون خيرًا لأولئك المصابين بحيث يرجعون إلى الله ، ويعرفون أن المعصية عاقبتها وخيمة ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ

стр. 84

يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ (١) إذًا فلا منافاة بين قوله ﷺ : "الشر ليس إليك" وبين مثل هذه الآية ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾. ٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة الرحمة لله مؤخوذة من قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾، لأن الرحمن وصف مشتق، والوصف المشتق يدل على المعنى المشتق منه، ولابد، بخلاف الأسماء الجامدة، كأسد، وحجر، وتراب، وما أشبهها هذه لا تدل على معنى، لكن الأسماء المشتقة لابد أن تدل على معنى، هذا بالنسبة إلى أسماء الله تعالى ورسوله ﷺ وكتابه، أما بالنسبة لمن تسمى بها من المخلوقين فقد تدل على المعنى وقد لا تدل، فقد نسمي شخصًا عبد الله وهو كافر بالله، وقد نسمي شخصًا محمدًا وهو مذمم، وقد نسمي خالدًا وهو سيموت، وقد نسمي صالحًا وهو من أفسد الناس. ٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن عابدي الأصنام يموهون على الناس بعبادتهم، فيدعون أنهم يعبدونها لتكون شفيعًا لهم عند الله، وهذا عندما يسمعه السامع يظن أنهم يجعلون الآلهة في مرتبة دون الله؛ لأن مرتبة الشَّافع دون مرتبة المشفوع إليه. فيقولون: (إنهم شفعاء لنا إلى الله)، والحقيقة أنهم لم يجعلوهم شفعاء، بل جعلوهم شركاء لله؛ لأنهم يعبدونهم كما يعبدون الله، فيستفاد منه الحذر من التلبيس في الأسماء أو بالتسمية، وأن صاحب الباطل قد يسمي نفسه بما يقتضي أن يكون على حق، وليس كذلك. فالمعتزلة - مثلًا - يسمون أنفسهم "أهل

стр. 85

التوحيد"، والمعطلة يسمون أنفسهم "أهل التنزيه"، يقولون: نحن ننزه الله، أما أنتم أهل السنة لا تنزهون الله جعلتموه صنمًا فمثلتموه بالخلق في إثبات الصفات. وهؤلاء أيضًا المعتزلة يقولون: نحن نفينا الصفات لنوحد الله، لأن تعدد الصفات يستلزم تعدد الموصوف، فهذا تمويه، والمعتزلة ينكرون أن يكون لله تعالى تعلق بفعل العبد، فيسمون أنفسهم أهل العدل، ويقولون أنتم يا أهل السنة أهل الظلم جعلتم الله ظالمًا حيثما هو الذي يقدر المعاصي على العبد ثم يعاقبه عليها، أما نحن فنحن أهل العدل نقول: الإنسان هو المستقل بنفسه وعمله، فإذا جوزي على معصيته فقد استحق الجزاء، لأنه فعله. والنصارى سموا أنفسهم بالمسيحيين تلطيفًا لحالهم، ليوهموا أنهم على دين المسيح، والواقع أن المسيح عيسى ابن مريم ﵊ بريء منهم وأنهم ليسوا على دينه، إذ لو كانوا على دينه وقابلين له لقبلوا بشارته بمحمد ﷺ فإن عيسى ﵊ بشرهم به، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١) ولو كانوا مؤمنين بالإنجيل لآمنوا بمحمد ﵊، لأن الله يقول: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٢) فهم لا آمنوا بعيسى، ولا بكتاب عيسى وهو الإنجيل، لكن مع ذلك سموا أنفسهم بالمسيحيين تلطيفًا لما هم عليه من الباطل؛ ليصبغوا

стр. 86

نحلتهم بصبغة القبول، فيجب الحذر من التلبيس في التسمية؛ لأن هؤلاء يقولون: نعبد الآلهة ليكونوا شفعاء لنا. وهم في الحقيقة إنما جعلوهم شركاء. ٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه لا أحد ينقذ من أراده الله تعالى بضر لقوله: ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾. فإن قلت: كيف يجتمع هذا مع أننا نشاهد الغريق عصفت به الريح حتَّى سقط في الماء فجاء شخص فأنقذه، فهذا أنقذه مما أراده الله به من السوء؟ فالجواب أن نقول: أن إنقاذه بتقدير الله ، لو شاء الله أن يهلك هذا الرجل لم يكن عنده أحد، ولو شاء الله أن يهلك لكان عنده من لا يجيد السباحة، ولو أراد الله أن يهلك لكان عنده من لا يريد الإحسان، فإذا قيض الله له شخصًا قادرًا على إنقاذه محبًا للإحسان أنقذه بقدر الله ، ونحن نؤمن بالأسباب، ولكن لا نؤمن بأنها مستقلة، فنكونُ وسطًا بين الذين ينكرون تأثير الأسباب، وبين الذين يدعون أنَّها مؤثرة بنفسها. فنقول: هي مؤثرة لكن بجعل الله لها تأثيرًا، ولو شاء الله تعالى لسلب الأسباب تأثيرها، فالنار محرقة، وقال الله تعالى لها حين ألقي فيها إبراهيم ﵊: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (١) فصارت بردًا وسلامًا ولم تكن سببًا للإحراق، والماء جوهر سيال لا يمكن حجزه إلَّا بحاجز، ولما ضرب موسى

стр. 87

عليه الصلاة والسلام البحر صار الماء كالجبال، بدون حواجز، وهذا خلاف الأسباب المعتادة، لكنه بقدر الله ، وبه نعرف أن الأسباب مؤثرة بجعل الله تعالى لها تأثيرًا، وإلَّا لسقط تأثيرها، لأن الكل بيد الله. وبمناسبة ذكرنا نار إبراهيم ﵊ قال بعض المفسرين: إن الله لما قال لها: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ صارت جميع النيران في جميع أقطار الدنيا باردة ولا تحرق، واستغرب الناس ذلك وقالوا: ما لهذه النار ما غلا القدر عليها، ولكن هذا لا شك أنَّه قول خاطئ بعيد من الصواب، بل هو خلاف أمر الله ، لأن الله تعالى قال: ﴿يا نار﴾ ونار نكرة مقصودة، ولهذا بنيت على الضم فهي كالعلم يراد بها شيء معين، وهي النار التي ألقي فيها، ثم قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ فهذا القول خلاف الآية الكريمة، وسبحان الله بعض الناس - رحمة الله عليهم وعفا عنهم - يذهبون المذاهب نقول: كيف تقع هذه من عالم، والغالب أن هذه تجدها عن بني إسرائيل فتأخذ مسلمة ولا ينتبه لمعارضتها لآي الكتاب. * * * ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ ﴿إِنِّي إِذًا﴾ هذه الجملة مؤكدة بإن؛ لأن المقام يقتضي التوكيد وقوله: ﴿إِذًا﴾ قال المؤلف: [أي: أن عبدت غير الله، لقوله ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ويجوز أن نقدر ﴿إِذًا﴾ أي: إذا اتخذت من دونه آلهة، لقوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ

стр. 88

دُونِهِ آلِهَةً﴾ (إذا) هذا ظرف يدل على الحال، و (إذا) تدل على المستقبل و (إذ) ظرف تدل على الماضي، فهذه الثلاثة تقاسمت الزمن (إذًا) للحال و (إذا) للمستقبل و (إذ) للماضي وتأتي (إذ) لغير ذلك، كما تأتي للتعليل مثلًا. ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ اللام هنا للتوكيد، الجملة مؤكدة بمؤكدين يعني إن اتخذت معه آلهة، أو عبدت غيره ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ قال المؤلف: أبين، والضلال هو أن يتيه الإنسان عن جادة الصواب، ثم إن كان عن علم كان طريقه طريق المغضوب عليهم، وإن كان عن جهل كان طريقه طريق الضالين، وقد ذكر الله تعالى في سورة الفاتحة فقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ والمغضوب عليهم هم الذين جانبوا الصواب عن علم، والضالون هم الذين جانبوه عن غير علم، والمهتدون الذين أنعم الله عليهم هم الذين عملوا بالصواب وعن علم، ووجه كون اتخاذ آلهة من دون الله ضلالًا مبينًا أنَّه حيدة عن الواجب شرعًا وعقلًا، فالواجب شرعًا أن لا تتخذ آلهة مع الله تعالى، كما جاءت به جميع الرسل، والواجب عقلًا أن لا تتخذ آلهة مع الله؛ لأن الله هو الذي خلق الإنسان وفطره، وهو الذي بيده النفع والضر، فكيف تتخذ معه آلهة لم تخلق ولا تنفع ولا تضر ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ أعلن ﵀ أنَّه آمن بالله فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ﴾ وهناك قال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إشارة إلى أنَّه ليس الله ربًّا

стр. 89

له وحده بل هو رب الجميع. والإيمان بالله يتضمن الإيمان بأمور أربعة: الأول: الإيمان بوجوده. الثاني: الإيمان بربوبيته، وهنا صرح به في قوله: ﴿آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فإثبات الربوبية إثبات للوجود. الثالث: الإيمان بألوهيته. الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته. أي أنَّه متفرد بالربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، وقوله: ﴿آمَنْتُ﴾ الإيمان في اللغة: التصديق عند كثير من المفسرين الذين يفسرون الإيمان، وقيل: إن معناه الإقرار والاعتراف، فهو أخص من التصديق. قال: ﴿فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ الفاء هذه عاطفة على قوله: " ﴿آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ على الجملة كلها، وقول: ﴿فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ أي: اسمعوا قولي، وهذا إعلان منه ﵀ بإيمانه مراغمة لقولهم، وإقامة الحجة عليهم، ولهذا لما أعلن هذا الإعلان قتلوه، وقال المؤلف: [فرجموه فمات ﴿قِيلَ﴾ له عند موته ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ وقيل: دخلها حيًّا]. لما أعلن ﵀ هذا الإعلان، وراغمهم ولم يأبه بهم، ولم يهمه والظاهر - والله أعلم - أنهم توعدوه، حينئذ رجموه فقتلوه، فقيل له بعد موته ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، الأمر هنا للتكريم، والجنة هي: الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقوله: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ بعد موته لأن الإنسان يعذب في

стр. 90

قبره، فإن كان من أهل الخير فإنه ينعَّم، وإن كان من أهل الشر فإنه يعذب قال: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ لما قيل له: ادخل الجنَّةَ، ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾، قال المؤلف: [حرف تنبيه] يعني (يا) حرف تنبيه وليست حرف نداء، لأنها دخلت على حرف و (يا) التي للنداء لا تدخل إلَّا على اسم، فإذا دخلت على ما لا يصح دخولها عليه فإنها لا تكون للنداء، وقد مر علينا في علامات الاسم أن من علاماته دخول النداء عليه، فإذا دخلت (يا) على غير اسم فهي للتنبيه، سواء دخلت على حرف مثل: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ أو دخلت على فعل، وأكثر ما تدخله من الأفعال على فعل الأمر فإنها تكون للتنبيه، ويجوز أن تكون حرف نداء، والمنادى محذوف، ويقدر بحسب السياق، فمثل هذه الآية: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾. نقدره فنقول: يا رب ليت قومي يعلمون. فصار في إعرابها وجهان: أحدهما: أنَّها للتنبيه. والثاني: أنَّها للنداء، والمنادى محذوف، ويقدر بحسب السياق. ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ وقوله: ليت هنا للتمني، ولعل للترجي، والفرق بينهما أن التمني يكون فيما فيه تعذر، والترجي يكون فيما يقرب حصوله، وما كان بين ذلك فتارة تستعمل فيه ليت، وتارة تستعمل فيه لعل، وما كان من ذلك فأحيانًا لعل وأحيانًا ليت، بحسب قربه من التعذر أو من القرب. قال ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾. قال المؤلف: [بغفرانه] أي: بما حصل لي ﴿بِمَا غَفَرَ لِي

стр. 91

رَبِّي﴾ الباء هنا متعلقة بـ (يعلمون) والعلم هنا بمعنى المعرفة، فلا تتعدى إلَّا إلى مفعول واحد، و (ما) مصدرية كما حلها المفسر وأولها إلى مصدر فقال [بغفرانه]. وهنا نذكر معاني (ما)، معاني (ما) عشرة: ١ - استفهامية. ٢ - شرطية. ٣ - موصولة. ٤ - تعجبية ٥ - نكرة. ٦ - كافة. ٧ - نافية. ٨ - زائدة. ٩ - للتعظيم. ١٠ - مصدرية. والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، لأنها مأخوذة من المغفر، والمغفر فيه شيئان: أحدهما: الستر لأنه يستر الرأس. والثاني: الوقاية؛ لأن الإنسان يضع على رأسه المغفر في القتال ليتقي به السهام، وليس المغفرة بمعنى الستر فقط. ثم قال: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ فأضاف الربوبية، وهي من الربوبية الخاصة، لأن الربوبية نوعان: ربوبية عامة، وربوبية خاصة، فالربوبية العامة هي الشاملة لجميع الخلق، التي مقتضاها التدبير والتصرف في الخلق كما تقتضيه حكمته، والخاصة هي التي يكون فيها عناية بهذا المربوب، كربوبية الله لرسله وأوليائه، وقد اجتمع النوعان في قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ (١) الأولى: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عامة، والثانية ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ خاصة، ويقابل ذلك العبودية فإنها عامة، وخاصة، فالعامة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ كُلُّ

стр. 92

مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (١) والخاصة كقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (٢) والخاصة فيها أخص وهي عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (٣). ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ جعلني من المكرمين لدخوله الجنَّةَ؛ لأن دخول الجنَّةَ إكرام للإنسان من قبل الله تعالى، وإكرام من قبل الملائكة؛ لأن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وإكرام من جهة الولدان المخلدون الذين هم خدم لأهل الجنَّةَ، وإكرام من جهة الزوجات اللاتي هن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، وإكرام من جهة بعضهم لبعض، فإنهم إخوان على سرر متقابلين، قد نزع الله ما في قلوبهم من غل، ومثل هذا لابد أن يكون فيه إكرام من بعضهم لبعض، فأهل الجنَّةَ مكرمون، ومنهم هذا الرجل المؤمن الناصح المخلص فإنه مكرم بدخول الجنَّةَ، قال الله لما ذكر المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ختم هذه الصفات بقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ (٤) ولهذا قال هنا: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾.

стр. 93

الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان أن من أعظم الضلال وأشده تيهًا أن يتخذ الإنسان مع الله آلهة لقوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾. ٢ - ومنها: أنَّه ينبغي التأكيد إذا كان المخاطب منكرًا، أو حاله حال المنكر، لأنه يخاطب قومه الذين اتخذوا مع الله آلهة ويقول: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ ولهذا أكد الجملة بمؤكدين (إن، واللام). وربما يأخذ من الآية الكريمة أن كل من ضل عن الحق، أو كل من خالف الحق أصابه من الضلال بقدر ما خالف الحق؛ لقوله: ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ فيفيد أن الضلال قد يكون خفيًّا، وقد يكون بينًا واضحًا. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: كمال نصح هذا الرجل لأنه قرر وحدانية الله بعدة أمور، منها ما سبق في قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ومنها: التحذير من الشرك به لكون المشرك في ضلال مبين، وهكذا ينبغي للداعية لله إذا دعا إلى الحق أن يذكر ما في لزومه من الفضائل، وأن يذكر ما في مخالفته من الضلال والسوء، حتَّى يجمع بين الترغيب والترهيب. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن من وحد الله فهو على هدى مبين، بين واضح؛ لأنه أصاب الفطرة، وأصاب ما جاءت به الرسل. ٦ - يستفاد من هذه الآية ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ

стр. 94

فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ فضيلة هذا الرجل بإعلانه الإيمان بالله ، فكل إنسان يؤمن ويعلن إيمانه بالله فإن ذلك له ميزة وفضيلة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ (١) أعلن أنَّه من المسلمين ولم يخف أحدًا سوى الله. ٧ - ومنها: قوة شخصية هذا الرجل، حيث أعلن أمام هؤلاء القوم أنَّه آمن، وآمن بربهم الذي يستلزم أن يكونوا مخلصين له بالعبادة إذا كان ربًا لهم، كأنه أقام الحجة عليهم بذلك، فإذا كان الله ربكم فواجب أن توحدوه، ولا تتخذوا معه آلهة، وهذا يدل على قوة شخصيته، زد على ذلك أنَّه تحداهم فقال: ﴿فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ فأنا لا أبالي بكم فاسمعوا إني آمنت بربكم الذي يجب أن توحدوه، لأنه ربكم. ٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ربوبية الله تعالى العامة حيث قال: ﴿بِرَبِّكُمْ﴾ مع كونهم مشركين كفارًا، وهذا من الربوبية العامة. ٩ - يستفاد من هذه الآية الكريمة: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾. إثبات نعيم القبر لقوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ مع أن الساعة لم تقم بعد، ولم يدخل الناس الجنَّةَ، ويدل ذلك آيات من القرآن لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (٢) توفاهم الملائكة ﴿طَيِّبِينَ﴾ حال من الهاء

стр. 95

و ﴿يَقُولُونَ﴾ حال من الملائكة، يعني حال كون الملائكة يقولون حين توفاهم ادخلوا الجنَّةَ فيستفاد من هذه الآية إثبات نعيم القبر. ومثل قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (١) فهنا قال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ حين الموت، ثم قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ ومنها هذه الآية: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ لأن هذا قيل له: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ ولم تقم الساعة الآن، فهو دليل على أن الميت ينعم في قبره كأنه دخل الجنَّةَ، لأنه يلبس من الجنَّةَ، ويفرش من الجنَّةَ، ويفتح له باب من الجنَّةَ، ويأتيه من روحها ونعيمها فكأنه دخلها. ١٠ - من فوائدها: أن هذا الرجل ناصح في حياته وبعد مماته، في حياته دعا قومه إلى توحيد الله ، وأن يؤمنوا ويتبعوا الرسل، وبعد مماته تمنى أن قومه يعلمون بغفران الله له من أجل أن يؤمنوا ويتبعوا الرسل، وهذا دليل أن المؤمن لا تلقاه إلَّا ناصحًا حتَّى بعد موته يكون ناصحًا، وهذا الرجل تمنى أن قومه يعلمون بما غفر الله له لعلهم يرجعون فيؤمنون كما آمن. ١١ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات وجود الجنَّةَ، وقد دل على ذلك آيات، وأحاديث كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ

стр. 96

أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (١) والإعداد بمعنى التهيئة، والنصوص في هذا كثيرة، وقد عرضت الجنَّةَ والنار على النبي ﷺ وهو يصلي صلاة الكسوف. وهل تبقى الجنَّةَ أبدًا؟ الجواب: نعم، وهذا متفق عليه بين أهل السنة، والنار موجودة الآن وهو متفق عليه، بين أهل السنة، وهل تفنى؟ الصحيح المقطوع به أنَّها لا تفنى؛ لأن الآيات صريحة في ذلك فقد ذكر الله تعالى تأبيد الخلود فيها في ثلاث آيات من كتابه، في سورة النساء، والأحزاب، والجن، في سورة النساء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ (٢). في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ (٣) الثالثة في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ (٤) فهذه ثلاث آيات صريحة في تأبيد أهل النار، ومع التصريح التأبيد ذكر عن بعض السلف أنهم كانوا يقولون بأنها تفنى، ولكن هذا القول لا شك - مهما قاله من قاله - فإن قوله مردود عليه. ١٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: منة الله على من آمن بالمغفرة والإكرام، فيتفرع على هذه الفائدة: أن الإيمان سبب المغفرة، وسبب لإكرام الله تعالى للعبد.

стр. 97

١٣ - ومن فوائدها: أنَّه لا يتم النعيم إلَّا بزوال المكروه، ويستفاد هذا من قوله: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾. ١٤ - ومنها: ما أشار إليه بعض الأدباء أن التخلية قبل التحلية لقوله: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ وهذا تخلية وإزالة ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ هذا تحلية ولهذا قيل: التخلية قبل التحلية. ١٥ - يستفاد منها: أن المغفرة تسبق الإكرام، والرحمة؟ ويدل لهذه القاعدة التتبع، فإن الغالب أن الله إذا قرن بين الاسمين: الغفور والرحيم، يقدم الغفور على الرحيم. ١٦ - ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الربوبية الخاصة من قوله: ﴿رَبِّي﴾ فهذا من الربوبية الخاصة. ١٧ - ومن فوائدها: أن إكرام الله لا يختص بهذا الرجل، بل هناك عالم يكرمهم الله تعالى لقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ ففيه حث على أن يفعل الإنسان كفعله لينال ما ناله ولم يقل (بما غفر لي ربي وأكرمني) بل قال: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ ليبين أن الإكرام ليس خاصًّا به، بل الإكرام موجود لكل من قام بعمل كعمله. * * * ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ قال المؤلف ﵀: [(ما) نافية: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ﴾ أي حبيب]. بناءً على أن اسمه حبيب، وقد سبق أن اسمه لا يهمنا، المهم القصة، ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد أن هلك ومات على أيديهم، وقوله: ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي ملائكة، فإن

стр. 98

الملائكة جنود الله ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ (٢) فجنده الملائكة ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ هو قال المؤلف [ملائكة لإهلاك أحد] وقيل: ما كنا منزلين ملائكة لإهلاك هؤلاء، لأنهم أقل وأحقر من أن يبعث الله ملائكة من السماء تهلكهم، وهذا هو الأقرب، فيكون النفي هنا خاصًّا بهؤلاء القوم، لأن الله أنزل ملائكة في بدر، وأنزل ملائكة في غزوة حنين، وكذلك في غزوة الأحزاب فأرسل عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها ولكن ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ أي جنودًا لهؤلاء احتقارًا لهم، وهذا الذي مشى عليه المؤلف من أن المراد بالجند الملائكة هو الصحيح، خلافًا لقول بعض العلماء: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي من وحي ورسل، لأن الوحي تنزل به الملائكة، لكن ما مشى عليه المؤلف أصح بدليل ما يأتي فيما بعد، قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: [أي: (إن) بمعنى (ما)، وعلى هذا فهي نافية، وينبغي أن نستحضر معاني (إن): ١ - تأتي نافية. ٢ - وشرطية كما لو قلت (إن قام زيد قام عمر). ٣ - وتأتي مخففة من الثقيلة مثل: وإن مالك كانت كرام المعادن. ٤ - تأتي زائدة. كقوله: بني غدانة ما إن أنتم ذهب ... ولا صريف ولكن أنتم الخزف

стр. 99

فتأتي على أربعة أوجه: نافية، وشرطية، ومخففة من الثقيلة، وزائدة، وإذا أتت بعدها (إلَّا) فهي نافية، وقد تكون نافية بدون (إلَّا)، كقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ (١) أي: ما عندكم. لكن القاعدة: أنَّه إذا أتت بعدها إلَّا فهي نافية، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ قال المؤلف: [عقوبتهم] يعني ما كانت عقوبتهم التي عاقبهم الله بها لكفرهم ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال المؤلف: [صاح بهم جبريل] ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ يعني ما احتاجوا إلى عناء ولا جند، ما هي إلَّا صيحة، ولم يبين الله الصائح، والمؤلف قال: إنه جبريل. ولا ينبغي أن نجزم بهذا إلَّا بدليل، لأن الواجب علينا أن نبهم ما أبهمه الله، إلَّا أن يرد تعيينه بدليل صحيح، ولم يرد تعيين الصائح بدليل صحيح، وعلى هذا فنقول: صيح بهم، ولا نجزم من هذا الصائح، المهم أنَّها صيحة واحدة، صيح بهم فهلكوا عن آخرهم، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ (إذا) هنا فجائية تدل على تعاقب ما بعدها وما قبلها، أي أن ما بعدها وقع عقب ما كان قبلها مباشرة، ولهذا سميت فجائية، لأنها تفاجئ وتأتي فورًا فحين صيح بهم ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ وبهذا نعرف أن هؤلاء ماتوا عن آخوهم لأن ﴿هُمْ﴾ ضمير يفيد الجمع والشمول. الفوائد: من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - أن الله قد ينزل الملائكة لإهلاك المكذبين،

стр. 100

ووجهه أن نفي إنزال الملائكة على هؤلاء القوم يدل على إمكانه في غيرهم، وإلَّا لما صح النفي. ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة جند لله لقوله: ﴿مِنْ جُنْدٍ﴾. ٣ - ومن فوائدها: أن الملائكة محلهم السماوات لقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾. وهذا هو الأصل، لكنهم قد ينزلون إلى الأرض كما في قوله تعالى في ليلة القدر: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (١) وكالملائكة الذين يحفظون بني آدم، والذين يكتبون أعمالهم، والذين يكتبون المتقدمين إلى الجمعة على أَبواب المساجد وما أشبه ذلك. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حقارة هؤلاء القوم المكذبين لهؤلاء الرسل الثلاثة لقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ﴾: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الله وذلك لذكره بصيغة الجمع ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ ولا يقال إن هذا يفيد التعدد كما استدلت بذلك النصارى، وقالوا: إن الآلهة متعددة، لأن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ وما أشبه ذلك من الآيات، ويقال لهم: إن هذا التعدد للتعظيم، وكيف تستدلون بهذه الآيات المتشابهة وتعمون عن مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ (٢) وقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣) وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ

стр. 101

الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (١) لكن النصارى كغيرهم من أهل الزيغ يتبعون ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، ومن رأى اتباع المتشابهات من النصارى وغيرهم في نصوص الكتاب والسنة تبين له العجب العجاب، وأنه حبما علينا وجوبًا مؤكدًا طلب العلم لدفع شبهات هؤلاء، لأن هؤلاء انتشروا بيننا الآن وكثروا في هذه البلاد التي قال عنها رسول الله ﷺ : "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٢) هؤلاء يبثون في الناس سمومهم، وهم الآن كما سمعنا يوصلون نشرات تدعوا إلى النصرانية، ويرسلون أشرطة تدعوا إلى النصرانية، لأنهم بدأوا يعرفون المحلات، ويعرفون العناوين ثم يرسلون إليها، وعندنا من هذا عدد، يؤتى إلينا بنشرات وأشرطة مسجلة تدعوا إلى النصرانية، هذه إذا وقعت في أيدي أناس لا يعرفون جهلاء، على الأقل تركن نفوسهم، وإن كنت أستبعد جدًّا أن يتنصر أحد من المسلمين، لأن دين النصارى الذي هم عليه الآن كله ضلال، لكن لا شك أنَّه يوقع الشبهة والخلود والاطمئنان إلى هؤلاء، لذلك أنا أرى أنَّه يجب على شباب المسلمين اليوم أن يتسلحوا بسلاح العلم المبني على الأثر والنظر، لأن أولئك القوم يشبهون بما يدعون أنَّه عقل، ولا يكفي الآن أن نتعلم الأثر فقط، بل لابد من أثر ونظر، فالأثر إنما يكفي للمؤمن الذي قال الله عنه:

стр. 102

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١) لكن المكذب لا يكفيه الأثر؛ لأنه لا يؤمن أصلًا بالأثر ويحتاج إلى نظر وعقل تدحض به حجته، والمهم أن مثل هذه الآية الكريمة ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ يشبه بها النصارى على أن الله متعدد أكثر من واحد، وقد ذكرنا أنهم غفلوا بل عموا عن الآيات الواضحة الصريحة أن الله إله واحد، وأن الله كفَّر من زعم أن الله متعدد ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٢). ٦ - في هذه الآية دليل على أن الله أهلك هؤلاء القوم بصيحة واحدة لم تكرر مرة أخرى، صيحة واحدة هلكوا بها، لكن لو قال قائل: ما نوع هذه الصيحة؟ هل قيل أهلكوا؟ نقول: الله أعلم بهذه الصيحة، هذه الصيحة أبهمها الله، يحتمل أنَّها صرخة، ويحتمل أنهم أمروا بالهلاك، المهم أنَّها صيحة واحدة فهلكوا عن آخرهم. ٧ - بيان قدرة الله ، وأن من عارض الله أو ضاد الله مهما عظم فإن إهلاكه يسير على الله ، كل شيء يكون بكلمة واحدة ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ (٣) وعند هذا الأمر الواحد ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ لا يتباطأ ولا يتأخر، فلمح البصر أسرع ما يكون، فإذا أراد الله شيئًا قال له: كن. فيكون كلمح البصر، وهذا يدل على عظمة الله وقدرته.

стр. 103

٨ - بيان قدرة الله تعالى وأنه قادر على إهلاك الخلق بصيحة واحدة فقط بدون أي فعل، بل صوت مزعج يقطع القلوب، لقوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. ٩ - ومنها بيان ذل كل شيء لعظمته بحيث لا يكرر ولا يعيد ما أراده لقوله: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ لهذا أكدها بـ ﴿وَاحِدَةً﴾ لبيان أنهم لم يحتاجوا إلى إعادة الصيحة مرة ثانية، وهكذا جميع ما أمر الله تعالى به كونًا فإنه لا يحتاج إلى إعادة؛ لقوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾. ١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الصيحة أهلكتهم جميعًا لم ينجُ منهم أحد لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ وعلى هذا ترتيب فائدة أخرى وهي: ١١ - أن قبض ملك الموت لأرواح بني آدم أكبر مما نتصور، فإنه قد يقول قائل: كيف يقبض هذه الأرواح وهي تموت في آن واحد؟ فنقول: إن كيف في الأمور الغيبية لا ترد؛ لأن هذه أمور لا ندركها بحواسنا، فكل أمر غيبي لا تقل فيه: كيف؟ ولهذا لما قيل للإمام مالك - رحمه الله تعالى -: كيف استوى؟ قال: "الكيف غير معقول" أي: لا يمكن أن ندركه بالعقل حتَّى نسأل عنه. ١٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء القومِ الذين كذبوا الرسل الثلاثة هلكوا جميعًا لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ وهذا يدل على أن من زعم أن هذه القرية التي أرسل إليها الثلاثة هي أنطاكية فإن زعمه باطل؛ لأن رسل عيسى عليه الصلاة والسلام

стр. 104

الذين أرسلوا إلى أنطاكية، كانوا بعد موسى ﵊ ولم يهلك الله تعالى أمة على سبيل العموم بعد أن نزلت التوراة، هكذا قال كثير من العلماء، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ " (١) قالوا: هذه الآية تدل على أن الله لم يهلك أمة على سبيل العموم بعد نزول التوراة، وهذه الآية ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ تدل على أنهم هلكوا. * * * ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ قال المؤلف ﵀: [هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا، وهي - أي الحسرة - شدة التألم، ونداؤها مجاز، أي: هذا أوانُكِ فاحضري] قوله: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ الحسرة هي: شِدة الندم والتألم والحزن على ما مضى، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) - أي ندمات وعناء - وقوله: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ قيل: إن القائل هم المكذبون، وأنهم تحسروا على أنفسهم، وقالوا: يا حسرة على العباد، ثم بينوا السبب كما سيأتي. وقيل: إن الحسرة من اتباع الرسل، يعني من هذا الرجل ونحوه يتحسر على هؤلاء العباد.

стр. 105

وقيل: إن التحسر من الله ، لكن ليس معناه أنَّه يتصف به، بل المعنى أنَّه يبين حسرة العباد على أنفسهم، يقول: يا حسرة واقعة على العباد، فتكون ﴿عَلَى﴾ قريبة من معنى ﴿مِنْ﴾ يعني أن الله تعالى يبين أن هؤلاء العباد المكذبين سوف يتحسرون على تكذيبهم وهذا أقرب إلى السياق، لقوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ فالكلام كلام الله ، لكن لما كان التحسر ندمًا وألمًا صار الله تعالى منزهًا عنه، فوجب أن يكون المراد: يا حسرة واقعة عليهم، أي: ما أشد تحسر العباد على ما فعلوا من التكذيب للرسل كما نبينه آخر الآية، وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعِبَادِ﴾ المراد بالعباد هنا العبودية العامة، وليست الخاصة، لأن العبودية الخاصة لا تحسر على أهلها، وقد تقدم أن العبودية تنقسم إلى قسمين: عبودية عامة وخاصة، فإن قيل: العبودية العامة يدخل فيها غير مكذبين؟ فالجواب أن نقول: العبودية هنا عامة، لكنه عام أريد به الخصوص وهم المكذبون للرسل، قال المؤلف: [ونداؤها مجاز، يعني ليس حقيقة؛ لأن النداء حقيقة إنما يوجه إلى من يعقل، وما لا يعقل فليس نداؤه على سبيل الحقيقة، ولهذا قالوا في قول الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل أن هذا يراد به التمني، وليس نداء بمعنى طلب الحضور، لأن الليل لا يعقل، فالنداء حقيقة إنما يوجه لمن يعقل، وإذا وجه

стр. 106

لمن لا يعقل صار له معنى آخر على سبيل التجوز، والمعنى أنَّه جعل غير العاقل كالعاقل، كأن الحسرة شيء يأتي ويذهب يقول: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ (ما) نافية و (من) زائدة لوقوعها في سياق النفي، وهي زائدة، زائدة، زائدة لفظًا، وتزيد في المعنى، وهذا معنى قولنا: (زائدة، زائدة) وليس في القرآن حرف وإحد لا يفيد معنى أبدًا، فكل ما في القرآن فإنه يشتمل على المعاني، ولكن قد يكون زائدًا من حيث الإعراب فقط، ولهذا فإعراب (رسول) في هذه الآية فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحرف الزائدة، وفائدتها التنصيص على العموم، لأن (رسول) نكرة في سياق النفي فيعم، فإذا جاءت (من) صارت أنص وأدل على العموم مما لو حذفت، ولهذا قالوا: إن فائدتها في مثل هذا السياق التنصيص على العموم، وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ الرسول عند عامة أهل العلم هو بشر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، ويطلق الرسول على الرسول الملكي، فإن الله سمى جبريل ﵊ رسولًا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ (١) وقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ أي: إلَّا كانوا يستهزءون به ولكن قدم المعمول وهو (به) لإفادة الحصر، ولمناسبة رؤوس الآيات فقدم لفائدتين: فائدة لفظية، وهي مراعاة الفواصل، وفائدة معنوية، وهي: الحصر، كأنه قال: (إذا أتاهم الرسول فكأنهم لا يستهزءون بأحد سوى هذا

стр. 107

الرسول)، وهم يستهزءون بغيره، ولكن لما كان هؤلاء قد أمعنوا في الاستهزاء بالرسل صاروا كأنهم لا يستهزؤن إلَّا بالرسل والاستهزاء هو السخرية والهزء. الفوائد: ١ - في هذه الآية دليل على شدة تحسر العباد المكذبين للرسل لقوله: ﴿يَاحَسْرَةً﴾ ولهذا جاء النداء على سبيل التنكير، ليدل على أنَّها حسرة عظيمة؛ لأن التنكير يفيد أحيانًا التعظيم والشدة. ٢ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين للرسل سيجدون أعمالهم حسرات عليهم، لقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدل الله وهو أنَّه لا يؤخذ أحدًا إلَّا بذنبه لقوله: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ فلن يعاقب الله أحدًا إلَّا بذنب، بل إنه قد يعفو عن الذنب إذا كان دون الشرك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرسالة لقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ وأن الرسالة عامة في كل أمة؛ لأنه قال: ﴿عَلَى الْعِبَادِ﴾ ثم قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ فكل العباد قد قامت عليهم الحجة ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ (٢).

стр. 108

٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاستهزاء بالرسل كفر موجب للعقوبة؛ لأن السياق في قوم كذبوا الرسول فأهلكوا جميعًا ثم قيل: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ فدل هذا على أن الاستهزاء بالأنبياء أو بالرسل كفر، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١) فالاستهزاء بالكتب كفر، لقوله: ﴿وآياته﴾ والاستهزاء بشرع من الشريعة ولو بشعيرة واحدة كفر؛ لأن الاستهزاء بالشعيرة الواحدة استهزاء بكل الشريعة، كما أن الكفر بالشعيرة الواحدة كفر بجميع الشريعة، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ (٣)، فمن آمن بالرسالة ولكن كفر بشعيرة واحدة منها، فقد كفر كفرًا تامًّا بالجميع، ومن استهزأ بشيء من شرائع الرسل ولو بشيء ليس بواجب، حتَّى بالشيء المندوب لو استهزأ فقد كفر؛ لأنه لا يمكن الإيمان ببعض دون بعض، بل من كره ما أنزل الله فقد كفر، والدليل ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ (٤) ولا تحبط الأعمال إلَّا بالكفر،

стр. 109

لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (١). فالمسألة مسألة عظيمة ليست بالهينة، ولهذا يجب على المرء الرضى بكل ما شرع الله تعالى، فيرضى مثلًا بوجوب الصلاة، وتحريم الخمر، ووجوب الزكاة، وتحريم الرِّبَا، وعلى هذا فقس، فكل شيء يجب أن ترضى به وتقبله، ثم إن عملت به أثبت، وإن لم تعمل به عوقبت واستحققت العذاب إذا كان واجبًا، إلَّا إذا كالن هذا الواجب تركه كفر فإنه إذا تركته كفرت، فمثلًا يجب على الإنسان أن يؤمن بتحريم الرِّبَا، فإن أنكر تحريمه كفر، أو لم يقبل تحريمه كفر، وإذا آمن بتحريمه وقبله ورضي بالتحريم ولكن فعل الرِّبَا فلا يكفر، وحكمه حكم العصاة. ٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ما من رسول أرسل إلَّا وجد من يستهزئ به ومن يؤمن به، ولكن منهم من لا يجد من يؤمن به لقوله ﵊ في حديث السبعين ألفًا: "والنبي وليس معه أحد" (٢). فالاستهزاء حاصل لكل رسول. مسألة: واختلف العلماء فيمن لسب الله تعالى أو رسوله ﷺ هل

стр. 110

تقبل توبته؟ على قولين: القول الأول: إنه لا تقبل توبته، بل يقتل قتل المرتد فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وفي الآخرة أمره إلى الله تعالى، إن كان الله تعالى علم منه صدق التوبة فإنه لا يعذبه، وإن كان الله تعالى علم منه كذبها فإنه يعذب في الآخرة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -. والقول الثاني: تصح توبة من استهزأ بالله تعالى أو رسوله ﷺ ، ولكن بالنسبة لمن استهزأ بالرسول ﷺ يقتل، وأما من سب الله تعالى أو استهزأ به فإنه لا يقتل، وهذا هو الصحيح أن الإنسان إذا سب الله تعالى أو رسوله ﷺ أو استهزأ بهما فإنه يكفر، فإن تاب قبلت توبته، لكنه يقتل إذا كان السب أو الاستهزاء بالرسول ﵊، ولا يقتل إذا كان السب أو الاستهزاء بالله تعالى، والفرق بينهما: أن الاستهزاء بالرسول ﷺ وسبه حق شخصي، وأما الاستهزاء بالله تعالى وسبه فهو حق لله ، وقد أخبرنا الله أنَّه يقبل التوبة من جميع الذنوب، وإذا قبل الله توبته ارتفع عنه مقتضاها وهو القتل، أما الساب للرسول ﵊ فإننا لا نعلم أن الرسول ﵊ عفى عن حقه، لذا وجب علينا أن نأخذ به. * * * ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي: أهل مكة القائلون
следующие страницы →