ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ أي: تقدمت في الأزل، وكلمة الله بينها هنا بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾، هذه هي الكلمة السابقة التي قضى بها الله في الأزل.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ الجملة هنا فيها عدة مؤكدات وهي: اللام، وقد، والقسم المقدر. والتقدير: وتالله لقد سبقت، أو ووالله لقد سبقت، وكل جملة تأتي على هذا الوجه، ففيها هذه المؤكدات: القسم، واللام، وقد.
وقوله: ﴿كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ المراد بالعباد هنا: العبودية الخاصة، بل أخص الخاصة وهي عبودية الرسالة.
وعبودية الخلق لله عبودية كونية، وهذه عامة شاملة لجميع الخلق فما من مخلوق إلا وهو ذال لله قدرًا، وعبودية شرعية، وهي خاصة بمن يطيع الله، وأخص هذا النوع عبودية الرسالة؛ لأن الرسل مكلفون بما لم يكلف به غيرهم، فهم مكلفون بتحمل الرسالة وإبلاغها إلى الخلق ودعوة الناس إليها، ولهذا لا يرسل الله رسولًا إلا وهو يعلم أنه أهل للرسالة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال الله لنبيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٤] فلما ذكر أنه نزل عليه القرآن لم يقل: فاشكر الله على هذه النعمة، بل قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٤] إشارة إلى أن تنزيل القرآن عليه أمر يحتاج إلى صبر؛ لأنه يحتاج إلى معاناة ومجابهة الناس، ومن تأمل ما حصل للرسول ﷺ من منباذة قومه
стр. 352
له، وإيذائهم إياه تبين له الحكمة في أنه قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٤].
قال المؤلف ﵀: [ولقد سبقت كلمتنا بالنصر لعبادنا المرسلين وهي: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أو هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾] فـ (أو): هنا للتردد يعني هل الكلمة هي قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أو أن الكلمة هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ والاحتمال الثاني أولى؛ لأن الاحتمال الثاني يجعل تفسير الكلام في ضمن الكلام، والأول يجعل تفسير الكلام منفصلًا عنه، وإذا كان تفسيره متصلًا كان أولى، وعلى هذا فتكون الكلمة: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ وهي جزء من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: الأول: إن، والثاني: اللام في (لهم)، والثالث: هم، لأن (هم) ضمير فصل، ثم هي أيضًا من حيث بنيتها. جملة توكيدية (١)، لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
فـ (إن) للتوكيد، واللام للتوكيد، وهم ضمير الفصل للتوكيد، وضمير الفصل من حيث الإعراب ليس له محل من الإعراب، ومن حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل،
стр. 353
﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ الهاء اسم إنّ، واللام للتوكيد، وهم ضمير فصل لا محل له من الإعراب. والمنصورون خبر إن.
يقول الله ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ﴾ يعني لا غيرهم ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ أي: الذين ينصرهم الله بما يقدره من الآيات، أو بما يرسله من الجنود، ففي بدر أرسل الله الملائكة فقاتلت مع النبي ﷺ ، وفي الأحزاب أرسل الله تعالى الريح الشديدة ومعها جنود، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] فجمع الله في الأحزاب بين الملائكة تدخل الرعب في قلوب هؤلاء الأعداء، وبين الريح التي تزلزلهم حتى لم يقر لهم قرار فهربوا، فهم منصورون من قبل الله بما يرسل من الآيات، أو من الملائكة.
وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ الجند هم المدافعون عمَّن هم جند له، الذين ينصرونه ويدافعون عنه، ومنه جنود الأمير والسلطان وما أشبه ذلك، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ أي: جند الله، وهؤلاء الجند ليسوا جندًا لله لحاجة الله إليهم. ولكن لأنهم يدافعون عن شرعه فصاروا جندًا له، وهؤلاء الجند هم الغالبون لكونهم جند الله، والله له الغلبة: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] فجند الله الذين يذبون عن شريعته لابد أن تكون لهم الغلبة. ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ والجملة كالأولى مؤكدة بثلاثة مؤكدات: إن، واللام، وضمير الفصل.
والغالبون اسم فاعل من غلب، وغلب فعل متعد، والفعل المتعدي لابد فيه من فاعل ومفعول. فالفاعل الجند ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ
стр. 354
الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ لكن الغالبون بأمر الله لا شك، والمفعول محذوف والتقدير: كما قال المؤلف ﵀: [الغالبون الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة]. أشار المؤلف إلى إشكال كنا نريد أن نؤخره إلى الفوائد، لكن الآن لابد من الكلام عليه.
﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ فبين الله بيانًا مؤكدًا بثلاثة مؤكدات أن جنده المؤمنين الذين يدافعون عن دينه هم الغالبون، وأكد فيما قبل أن الرسل هم المنصورون، فإذا قال قائل: هل هذا الكلام المؤكد من الرب مطابق للواقع، أو أن في الواقع ما يخالفه؟
فإذا قلت: مطابق للواقع ورد عليه في أُحد كانت الغلبة للمشركين، وفي الأنبياء من قتل ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢] وفي أهل الخير من قتل ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب عن هذا من وجوه:
الوجه الأول: إما أن يكون النصر الذي وعد الله به الرسل، بناء على الأكثر، فإن الأغلب الأكثر بلا شك انتصار الرسل على أعدائهم واقرأ الآيات في الرسلِ تجد أن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾ [الشعراء: ٦٥ - ٦٦] وهذا انتصار بلا شك.
الوجه الثاني: أن يقال: إن المراد بالنصر نصر من أمروا
стр. 355
بالجهاد، فمن أمر بالجهاد فإن الله قد تكفل لهم بالنصر، وأما من لم يؤمروا به فليس هناك مغالبة بينهم وبين أعدائهم حتى يقال: إنهم انتصروا، ويكون قتلهم غير منافٍ للآية.
الوجه الثالث: أن يقال: إن المراد بالنصر المطلق هو نصر الآخرة، أما نصر الدنيا فليس بمضمون.
الوجه الرابع: أن المراد بالنصر انتصارهم بالحجة لا بالشخص، يعني انتصار ما جاءوا به، وظهوره دون الغلبة الحسية، فإن ذلك ليس بذي أهمية بالنسبة لغلبة ما جاءوا به من الشريعة.
فهذه أربعة أوجه في الجواب عن الواقع، الذي قد يخالف ظاهر الآية، ويجب أن نعلم أنه لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع.
وتأمل القيد في قولنا بالنسبة للسنة: "صحيح"، لأنه قد يأتي في السنة أحاديث غير صحيحة، فلهذا احتجنا أن نقول صحيح، أما في القرآن فلا يحتاج نقول صحيح، لأنه منقول بالتواتر فكله صحيح.
إذًا لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، فإن وجد ما ظاهره مخالفة الواقع فاعلم أنه إما أن يكون مخالفة ولكن المخالفة من وهمك، بمعنى أن يكون الواقع غير مخالف لظاهر القرآن، أو يكون ما ظننته صريحًا من القرآن غير صريح، فمثلًا
стр. 356
كثير من العلماء -وليس أكثر العلماء- يقولون: إن الأرض ليست كروية، لأن الله يقول ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].
والسطحية تنافي الكروية فإذًا من قال: إن الأرض كروية فقد خالف صريح القرآن، لأن الله يقول: ﴿سُطِحَتْ (٢٠)﴾ فأنكروا أن تكون الأرض كروية بناء على فهمهم أن القرآن صريح في ذلك.
ومن العلماء من قال: إنها كروية، والواقع يشهد لقول هؤلاء؛ لأنه لا يمكن أن نقول الآن: إنها غير كروية، إذ لو أنك لو قمت من مطار جدة متجهًا إلى الغرب في طائرة فيكون منتهاك إلى جدة فترجع إلى جدة، إذًا هي كروية، فالشاهد الواقع المحسوس يشهد لهذا، فنقول: إذًا لابد أن يكون القرآن الذي زعموا أنه صريح بأنها ليست كروية لابد أن يكون على خلاف ما فهموا ولا يمكن أن يقول قائل: إن الواقع المحسوس كذب ولو قال: إن الواقع المحسوس كذب؛ لرماه الناس بالحجارة فضلًا عن حجارة الأفواه، وحينئذ يتعين علينا أن نقول: إن القرآن ليس صريحًا في هذا، فتحمل السطحية فيه على ما يحتاج الإنسان إليه من الأرض، فكل ما تحتاجه إليه من الأرض فهو سطح، يعني ما جعلت الأرض مسطحة مثل ظهر الجبل، أو مثل سفح الجبل، في صعودًا أبدًا، فكل ما تحتاج إليه فهو مسطح، ثم نقول في القرآن ما يدل على أنها كروية، مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا
стр. 357
وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾ [الانشقاق: ١ - ٤] فيفهم من قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ [الانشقاق: ٣] أنها غير ممدودة، ولهذا جاء في الحديث "إنه إذا كان يوم القيامة فإن الله يمد الأرض مد الأديم" (١) مد الأديم يعني الجلد تمد هكذا تكون سطحًا واحدًا. وأيضًا دليل آخر مثل قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥] والتكوير: التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يدور على الأرض، فإذا كان هذا يدور فالذي يدور عليه يكون مستديرًا ولابد، المهم القاعدة عندنا أنه لا يمكن أبدًا أن يوجد في الواقع المحسوس ما يخالف صريح المنقول أبدًا، كما أنه لا يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، فالأولى نخاطب بها أهل المادة، والثانية نخاطب بها أهل العقول الذين يدعون أنهم أصحاب العقول كالمتكلمين وغيرهم، نقول: ليس في صريح القرآن ولا في صريح صحيح السنة ما يخالف المعقول. ونخاطب بهذا أهل الكلام وغيرهم ممن يتكلمون في العقائد في المعقولات.
وليس في صريح القرآن ولا في صريح صحيح السنة ما يخالف المحسوس، ونخاطب به أصحاب المادة الذين ليس عندهم إلا ما يشاهدونه بأعينهم، أو يسمعونه بآذانهم، وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ محمول على أحد المحامل الأربعة.
стр. 358
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾ [الصافات: ١٧٤] الخطاب للرسول ﷺ و ﴿عَنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل مكة، والمراد بالتولي ما فسره المؤلف ﵀ بقوله: [أي أعرض عن كفار مكة].
﴿حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾ يعني إلى حين غير مبين، لكن علمه عند الله ، ولهذا قال المؤلف: [﴿حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾ تؤمر فيه بقتالهم، وعلى هذا فتكون الآية منسوخة بآيات السيف، فإن الرسول ﷺ لم يؤمر بالقتال إلا حين كان له قوة، وكان له شوكة، وذلك بعد هجرته إلى المدينة، أما في مكة فلم يؤمر بالقتال، لأن الحكمة لا تقتضيه وعلى هذا فيكون الحين الذي أُجل إليه التولي هو الأمر بقتالهم.
﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ يعني انظر إليهم إذا نزل بهم العذاب، وعلى هذا فيكون الإبصار البصر بالرؤية، يعني أنك ستبصرهم إذا نزل بهم العذاب، فيكون أمرًا للنبي ﷺ بالإبصار حينما ينزل بهم العذاب، والمراد بقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ تسلية الرسول ﵊ وتطمينه بأن هؤلاء سوف يرون جزاءهم.
وقيل: إن المراد بالإبصار هنا الإنظار، ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ يعني أنظرهم أي: أمهلهم، كما في قوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧] وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)﴾ [السجدة: ٢٩] وغاية القولين واحدة، يعني سواء قلنا: أبصرهم بعينك حين ينزل بهم العذاب، أو أنظرهم حتى يأتيهم العذاب.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾ هذه الجملة يراد بها: تهديد
стр. 359
هؤلاء بأنهم سوف يبصرون عاقبة أمرهم، وذلك بالذل والخزي والعار في الدنيا، وكذلك في الآخرة بالعذاب.
قال المؤلف ﵀: [فقالوا استهزاء: متى نزول هذا العذاب؟ قال الله تعالى تهديدًا لهم: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ الهمزة في قوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾ للاستفهام، والفاء عاطفة، وقد ذكر أهل العلم أن همزة الاستفهام إذا دخلت على حرف العطف، فإنه يجوز في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن يكون المعطوف عليه مقدرًا بين الهمزة وحرف العطف، ويقدر بما يناسب.
الوجه الثاني: أن تكون الجملة معطوفة على ما سبق بدون تقدير، ويكون محل الهمزة بعد حرف العطف، وعلى هذا يكون التقدير: فـ (أبعذابنا) يستعجلون.
وعلى الأول تقدر ما يناسب المقام فتقول: أسخروا فبعذابنا يستعجلون.
واستعجالهم العذاب على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون بالقول، فيقولون: الوعد ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الملك: ٢٥] أين العذاب الذي تعدوننا به؟ !
الوجه الثاني: أن يكون بالفعل وذلك بتماديهم بالمعصية، لأن المتمادي بالمعصية هو مستعجل للعذاب في حقيقة الأمر؛ لأن المعاصي سبب للعذاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
стр. 360
فاستمرار هؤلاء بتكذيب الرسول ﵊ يقتضي أن يتعجل لهم العذاب، وهذا استعجال بالفعل، فهؤلاء جمعوا بين الوجهين: الاستعجال بالفعل وبالقول.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ (نا) هنا للتعظيم وليست للجمع؛ لأن الله تعالى واحد، وكل ضمير أضافه الله إلى نفسه بصيغة الجمع فالمراد به التعظيم.
﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ ﴿فَإِذَا نَزَلَ﴾ الفاء تعود على العذاب، أي: إذا نزل العذاب بساحتهم، والساحة ساحة القوم أي: فناءهم، وهو ما قرب من بيوتهم وأرضهم، وهذا يعبر عنه بالتهديد والوعيد، فيقال: نزل العدو بساحتهم، كما في الحديث الصحيح في قصة خيبر أن النبي ﷺ لما أقبل عليهم جعلوا يركضون إلى مخابئهم يقولون: جاء محمد والخميس، فقال النبي ﷺ : "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" (١). فهنا يقول الله : ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: حل العذاب بهم، وبساحتهم أي بفنائهم، وهذه الكلمة يقولها العرب للتهديد، قال المؤلف ﵀[قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم]، (الفراء أحد علماء اللغة العربية وهو حجة فيما يقول).
فكأنه يقول: تقدير الآية: فإذا نزل بهم، ولكن لا حاجة إلى أن نقول هذا القول؛ لأنه من المعروف أن العدو إذا نزل في القوم
стр. 361
ليس ينزل في دورهم من أول وهلة، ولكنه ينزل بساحتهم ومنازلهم، ثم يهجم عليهم ويغير عليهم، وفي هذا استعارة -كما يقول البلاغيون- حيث شبه العذاب بعدو ينزل بهم يعني بساحتهم، ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو النزول بالساحة، ومثل هذه الاستعارة يسمونها استعارة مكنية؛ لأنه حذف فيها المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه.
﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ قال المؤلف ﵀: في ﴿فَسَاءَ﴾ [بئس صباحًا، ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾] وذلك لأن ساء من أفعال الذم، وأفعال الذم تحتاج إلى شيئين:
فاعل، وتمييز، فقدر المؤلف التمييز بقوله [صباحًا]، وأما الفاعل فهو في الآية، وهو قوله: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ أي: بئس صباح المنذرين صباحًا، أو ساء صباح المنذرين صباحًا، فالمؤلف قدّر التمييز، ولكن هل هذا التقدير لازم؟ الصحيح أنه ليس بلازم، وأن الفاعل يسد مسده، كما في هذه الآية وفي كثير من الآيات أيضًا مثل: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾. [ص: ١١] ولم يقل: نعم العبد عبدًا.
﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾: المنذرين اسم مفعول أي ساء صباح القوم الذين لا حجة لهم، لأنهم أُنذروا وقامت عليهم الحجة فليس لهم عذر. قال المؤلف ﵀: [فيه إقامة الظاهر مقام المضمر]. لأن مقتضى السياق أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكنه قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ فأقام الظاهر مقام المضمر.
стр. 362
وإقامة الظاهر مقام المضمر لابد لها من فائدة: إما لفظية، وإما معنوية، وإما لفظية معنوية، وهنا إقامة الظاهر مقام المضمر له فائدة لفظية ومعنوية، فاللفظية هي: مراعاة فواصل الآيات. لأن الله تعالى يعبر بالكلمة والظاهر خلاف التعبير بها من أجل مراعاة الفواصل. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ [طه: ٧٠] ومن المعلوم أن موسى أفضل من هارون، وهو يقدم عليه في كتاب الله، لكن في هذه الآية قدم هارون على موسى مراعاة للفواصل؛ لأن سورة طه فواصلها غالبها بالألف. وهنا نقول: (فساء صباحهم) لم تنسجم الفاصلة مع التي قبلها والتي بعدها، فقال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ وهذه فائدة لفظية.
أما المعنوية فهي التعميم وانطباق الوصف عليهم وإقامة الحجة على هؤلاء الذين نزل العذاب بساحتهم، وهي أنهم قد أنذروا ولم يكن لهم عذر، واستحقوا العذاب بعدل الله ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾.
والإنذار يقول العلماء: هو: الإعلام المقرون بالتخويف. والبشارة هي: الإعلام المقرون بما يفرح ويسر. فالبشارة بالسار، والإنذار بخلافه.
إذًا ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ الذين أنذروا بإقامة الحجة عليهم أي: أعلموا بما يخوفهم إذا خالفوا أمر الله.
قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ كرر تأكيدًا لتهديدهم، وتسلية لرسولَ الله ﷺ ، والآية التي قبلها يقول: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾ وهنا قال ﴿وَتَوَلَّ
стр. 363
عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ فلم تختلف عنها إلا بحرف العطف الأول (فتول) والثاني و (تول)، والأولى قال: ﴿أَبْصِرْهُمْ﴾ والثانية (وأبصر)، فأطلق وإلا فهي هي، والفائدة من التكرار هو تكرار إنذارهم وذلك بتهديدهم، وتسلية الرسول ﷺ لأنه كلما كرر الكلام ازداد توكيدًا.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ سبحان: اسم مصدر سبح. وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، ولهذا لا يجمع بين سبحان وسبح، ما يقال: سبح سبحان، و ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ أي تنزيهًا له، وقد تقدم ماذا ينزه الله عنه، وقوله: ﴿رَبِّكَ﴾ أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ فيكون المراد بها ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية تنقسم إلى قسمين: عامة لجميع الخلق وهذه ربوبية السلطة والتدبير، وخاصة وهي ربوبية التربية والعناية، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون قالوا ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ [الشعراء: ٤٧، ٤٨] فالأولى عامة ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾، والثانية خاصة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾، ولهذا صار من مقتضى هذه الربوبية أن الله تعالى قال لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ والخطاب للرسول ﷺ أي تنزيهًا لربك الذي شملك برعايته وعنايته ثم قال: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي الغلبة، ورب هنا بمعنى صاحب، وليست بمعنى خالق، وهي في القرآن تأتي بمعنى خالق ومالك ومدبر إلا في هذا الموضع فالمراد بها صاحب فقط، ولا يمكن أن تكون بمعنى خالق؛ لأن العزة صفة من صفات الله
стр. 364
- ، وصفات الله غير مخلوقة فيتعين أن يكون المراد بالرب في قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ صاحب العزة، وليس خالق، لأن صفات الرب غير مخلوقة وقوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أضاف الرب هنا إلى العزة دون غيرهما من صفاته؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فإن المقام الآن في ذكر مآل النبي ﷺ ومآل المكذبين له، وأن مآله أن ينصره الله وأن تكون الغلبة له، وأن يكون الذل والخذلان لأعدائه، فالمقام هنا يقتضي الصفة التي تكون بها الغلبة وهي العزة، قال الله في سورة المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وهذه حقيقة يخرج الأعز الأذل، لكن من الأعز ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وأما المنافقون فلا عزة لهم، وعلى هذا فنقول: إن الله ذكر هنا صفة العزة دون غيرها؛ لأن المقام يقتضي ذلك، حيث إنه في سياق الغلبة للرسول ﷺ والذل لأعدائه، ومن أسماء الله تعالى: العزيز، وما أكثر وروده في الكتاب العزيز، قال العلماء وللعزة ثلاثة معانٍ:
الأول: عزة الغلبة.
الثاني: عزة القدر.
الثالث: عزة الامتناع.
فعزة الغلبة معناها: أن الله تعالى غالب لكل شيء. وعزة القدر أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا. وعزة الامتناع أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء. ومن الثالث قولهم: أرض عزاز يعني صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.
стр. 365
﴿عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ يجوز في (ما) أن تكون مصدرية ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم.
ويجوز أن تكون (ما) موصولة، ويكون العائد محذوفًا، والتقدير: عما يصفونه به. وقول المؤلف: [بأن له ولدًا] هذا كالمثال لما يصفون الله به مما ينزه عنه، وإلا فهم يقولون: إن له ولدًا، وله زوجة، وله شريكًا، وله معينًا وهكذا، فكل وصف لا يليق بالله فإن الله منزه عنه، وإن وصفه به هؤلاء الأفاكون الكذابون.
﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ ﴿وَسَلَامٌ﴾ مبتدأ، و ﴿عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ خبره، والسلام هنا بمعنى التسليم، فهو اسم مصدر سلم مثل: كلام بمعنى التكليم ومعنى السلام عليهم: أن ما قالوه في ذات الله وفي صفات الله سالم من كل نقص. فيكون الله تعالى قد سبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسول، ثم سلم على الرسل -عليهم الصلاة والسلام- لسلامة ما قالوه من نقص وعيب، فليس فيه كذب، وليس فيه سوء، ولهذا قال المؤلف ﵀: [﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ المبلغين عن الله التوحيد والشرائع].
ولما ذكر التنزيه فيما وصف به نفسه وفيما وصفته به رسله -عليهم الصلاة والسلام- ذكر بعد ذلك الحمد الذي هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، فيكون في الآيات جمع بين التنزيه عن صفات النقص وبين إثبات صفات الكمال، وأتى بإثبات صفات الكمال بعد التنزيه؛ لتكون التحلية بعد التخلية،
стр. 366
يعني التزين بعد إزالة الأذى.
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ الحمد: وصف المحمود بالكمال المحبة والتعظيم، وكمال الله يدور على أمرين: كمال ذاتي، وكمال فعلي:
أما الكمال الذاتي فهو كامل في ذاته المتصفة بكل صفة كمال.
والكمال الفعلي أن الله تعالى كامل في أفعاله، فله الفضل على عباده بجلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، ولهذا شرع للإنسان إذا انتهى من الأكل والشرب أن يحمد الله على ما رزقه من الطعام والشراب، وإن شئت فقل: إنك تحمد الله الذي لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه من الأكل والشرب.
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم.
والعالم كل من سوى الله، وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم ، ففي كل شيء من مخلوقات الله آية تدل على وحدانيته وكماله.
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ قال المؤلف ﵀: [على نصرهم -أي نصر الرسل- وهلاك الكافرين] ولو أن المؤلف جعلها مطلقة ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ على كل شيء حتى على ما يقدره أحيانًا من غلبة أعدائه على أوليائه فإنه يحمد على ذلك، لما يترتب عليه من المصالح العظيمة كما في غزوة أحد التي ذكر الله تعالى فيها من الحكم أشياء كثيرة، ذكر منها جزءًا كبيرًا ابن القيم ﵀ في زاد المعاد.
стр. 367
والفائدة من قوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ بعد قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ أن يثبت لنفسه صفات الكمال بعد أن نفى عن نفسه صفات النقص، ليجمع فيما وصفه به نفسه بين النفي والإثبات.
الفوائد:
١ - من الفوائد أن الله كتب لعباده المرسلين النصر لقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾، وكلمة الله الكونية لا تتبدل.
٢ - ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: تسلية الرسول ﷺ وتثبيته على ما كان عليه من الرسالة.
٣ - ومن فوائدها: تهديد أعداء الرسل وأنهم مخذولون، لأنه إذا كتب النصر للرسول فسيكون الخذلان لأعدائهم.
٤ - ومنها: أن نصر الرسل يكون من الله وبما يسره من مخلوقاته وآياته، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ ولم يبين من الناصر ليكون هذا أشمل، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [الأنفال: ٦٢]
٥ - ومنها: أن الغلبة لجنود الله الذين قاموا بنصر شريعته والذود عنها، لقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾.
٦ - ومن فوائدها: تثبيت من دعا إلى الله من أتباع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- بأن لهم الغلبة، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين ما حصل
стр. 368
لبعض الرسل وبعض أتباعهم مما ينافي ظاهر الآية؟ سبق لنا الجواب عليه من عدة أوجه فلتكن معلومة.
٧ - في قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ﴾ تهديد هؤلاء المكذبين للرسول ﵊ وأن طغيانهم لن يدوم لقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾ فسينتهي هذا الطغيان، إما على يد الرسول ﵊ حين يؤمر بالقتال، وإما بالموت بتقدير الله ، فهم لابد أن ينتهي أمرهم، ولا يمكن أن يستمر طغيانهم.
٨ - ومن فوائدها: تسلية الرسول ﷺ حيث أخبر أن أذاهم سينتهي أمره بعد حين.
٩ - ومنها: تهديد هؤلاء الأعداء الذين بلغوا من الطغيان والعدوان على رسول الله ﷺ ما بلغوا.
١٠ - ومن فوائد هذه الآيات: تحقيق هلاكهم وزوالهم، لقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ يعني إذا نزل بهم العذاب فسوف تبصر وتشاهد بعينك.
١١ - ومنها: إعادة التهديد مرة ثانية بأسلوب آخر بقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾.
١٢ - ومن فوائدها: تأكيد المعنى بالعبارات المختلفة، ليكون ذلك أبلغ، وليترقب هؤلاء المهددون العذاب من كل وجه، لقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾.
١٣ - ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان سفه هؤلاء المكذبين وطغيانهم، حيث كانوا يستعجلون العذاب.
стр. 369
ووجه هذا أنهم لو كانوا عقلاء لكانوا يخشون العذاب ولا يستعجلونه، وأنهم لو كان عندهم نوع من الاعتدال ما صاروا يتحدون الرسل فيقولون: هاتوا العذاب إن كنتم صادقين. فهم عندهم سفه، وعندهم مبالغة بالطغيان والعدوان، قال الله : ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢] وهذا يدل على سفه قريش، وأنهم من أبلغ ما يكون في السفه، وأنهم لو كانوا علماء راشدين لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليك. فهذا هو الصواب، أما فأمطر علينا حجارة من السماء. فهذا من أسفه ما يقوله البشر.
١٤ - ومنها: أن الله يتحدث عن نفسه في مقام الوعيد بصيغة العظمة، إرهابًا وإزعاجًا لهؤلاء المتوعدين، لقوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ ولم يقل: (أفبالعذاب)، ولهذا لما جاء العذاب على سبيل الخبر قال:
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠] ولم يقل: وأن عذابنا.
١٥ - ومن فوائد الآية الكريمة أنه إذا نزل العذاب بقوم فلن يفلتهم، لقوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾.
١٦ - ومن فوائدها: أنهم لو آمنوا في هذا الوقت فلن ينفعهم، لأنه لو نفعهم الإيمان لم تصدق عليهم هذه الجملة صدقًا كاملًا وهي قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ لأنه لو نفعهم الإيمان لزال عنهم هذا السوء، ولكن الإيمان لن ينفعهم، وهذه سنة الله
стр. 370
- في عباده إذا نزل بهم العذاب، فآمنوا، أن لا ينفعهم إيمانهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥] وقال فرعون لما أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس: ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١] يعني لن ينفعك، وقال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] وكل هذا يوجب للإنسان العاقل أن يبادر بالتوبة وألا يتأخر وألا يهمل؛ لأنه لا يدري متى يفاجئه الموت، وإذا نزل به الموت فإنه لن تنفعه التوبة، فلابد أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه، ويستثنى من هذا قرية واحدة آمنت بعد نزول العذاب فيها ونفعها إيمانها وهم قوم يونس ﵇، والدليل على أنه نفعها إيمانها: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس: ٩٨] والحكمة أن هؤلاء نفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بهم؛ لأن نبيهم ﵇ خرج مغاضبًا قبل أن يؤذن له بالخروج فكان هذا عذرًا لهم.
١٧ - ومن فوائد هذه الآيات: أن الله لن يهلك قومًا حتى يقيم عليهم الحجة بالإنذار ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذا موجود في القرآن، قال تعالى: ﴿أُخْرَى وَمَا كُنَّا
стр. 371
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] والصحيح أن هذا عام، في التوحيد وما دونه، فهو شامل لفروع الإسلام كالصلاة والزكاة والطهارة وما إلى ذلك، فإن الإنسان لا يلزمه شيء منها إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة، ولهذا كان القول الراجح أن من عاش في بادية بعيدًا عن الناس، ولم يصم، ولم يصل، ولم يزك، وهو جاهل، فإنه لا قضاء عليه، ولو بقي سنوات، والدليل على هذا نصوص كثيرة من السنة تدل على أن من كان جاهلًا نشأ في بادية بعيدة لا يدري عن الشرع فإنه لا قضاء عليه، فمثلًا الرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته، بقي على هذا مدة الله أعلم بها، لا يحسن إلا هذا: إلا صلاة لا يطمئن فيها، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة ما مضى من صلاته، إنما أمره بإعادة صلاة الوقت الحاضر (١) لأن مطالبته بها في هذا الوقت قائمة، فلهذا أمره أن يعيد حتى تكون صلاته صحيحة، أما ما قبل فلم يأمره بالإعادة، ولم يأمر المرأة التي قالت: إنها تحيض حيضة كبيرة شديدة تمنع من الصلاة، لم يأمرها أن تعيد الصلاة مع أنها مستحاضة (٢)، والمستحاضة تصلي، والأمثلة على هذا كثيرة. ولا فرق بين التوحيد وما دونه، فلو فرضنا: أن رجلًا مسلمًا كان
стр. 372
نشأ في بلد بعيد يعبد هذا القبر، ولا يدري أنه كفر، فإنه لا يرمى بالكفر؛ لأنه مسلم ارتكب هذا خطأ ولم يتعمد بقلبه، فليس عليه شيء، كما أن من ارتكب محظورًا: شركًا فما دونه متأولًا، ولم يجد من يفتح عليه، فإنه لا يكون كافرًا؛ لأنه لابد من القصد، ومما ورد الرجل الذي ضاعت ناقته في فلاة من الأرض، وطلبها ولم يجدها، وأيس منها، واضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك (١)، فجعل نفسه ربًّا، وجعل رب العالمين عبدًا، وهذه كلمة كفر، ولا شك في هذا، لكن هذا الرجل أخطأ من شدة الفرح، ولم يقصد الكلام، فلم يكن كافرًا لعدم قصده الكفر، وكذلك الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه وقال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذروني في اليم، ظنًّا منه أنه إذا فعل ذلك نجا من عذاب الله، ولكن الله قال له كن: فكان، فاجتمع فسأله : لم فعلت هذا؟ قال: خوفًا من عذابك يا رب. قال له: خوفك من عذابي أنجاك من عذابي (٢)، فأنجاه الله من العذاب، مع أن هذا كان شاكًّا في قدرة الله، لكن ليس عن قصد بل متأولًا، فلم يكن كافرًا، ومثل هذه المسائل لا يجوز الإنسان أن يتسرع فيها. -أعني مسألة التكفير والتفسيق أيضًا-، لأن بعض الأخوة يسارع في التكفير، ويلاحظ المقالة دون القائل، ويلاحظ الفعل دون الفاعل. فإذا كان هذا القول كفرًا، قال: من قال به فهو
стр. 373
كافر مطلقًا، وإذا كان هذا الفعل كفرًا، قال: من فعله فهو كافر مطلقًا، ولم ينظر إلى الموانع، لأن هذا القول مثلًا: إذا كان مكفرًا كان سببًا للكفر، لا شك، وهذا الفعل إذا كان مكفرًا كان سببًا للكفر، لكن هل الأسباب يعتريها موانع أو لا؟ قد يكون هناك مانع في هذا الشخص المعين يمنع من الحكم بكفره، فمنه الجهل والإكراه والنسيان والغلبة على النفس بحيث لا يتمكن، ولهذا لو أن أحدًا سها وقال كلمة الكفر فلا نقول: إنه يكفر، والنسيان والجهل صنوان في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ .
إذًا يجب على طالب العلم أن يفرق بين القول والقائل، والفعل والفاعل، فقد يكون القول كفرًا لكن القائل ليس بكافر، وقد يكون الفعل كفرًا، لكن الفاعل ليس بكافر، أرأيت لو أكره رجل أن يسجد لصنم، وقيل: إما أن تسجد وإما تضرب بالسيف. فسجد دفعًا للإكراه لا تقربًا للصنم، أيكفر؟ فلا يكفر؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] يعني اختاره منشرحًا به صدره، فهذا الذي يقطع بكفره، وأما من ليس كذلك، فلا. لهذا يجب علينا أن لا نسارع في التكفير والتفسيق. وبعض الناس لغيرته يسارع في التكفير والتفسيق، ، فاتق الله، واعلم أنك إذا كفرت شخصًا ليس بكافر عاد الكفر عليك، كما ثبت ذلك في الحديث عن رسول الله ﷺ (١)، أتريد أن تكون
стр. 374
كافرًا؟ فلا تكفر إلا من قامت الحجة على كفره.
ولا تقوم الحجة على كفره إلا بأمرين:
١ - ثبوت أن هذا الشيء كفر.
٢ - تحقق شروط الكفر بحق هذا الفاعل أو هذا القائل.
وهذه المسألة أكررها لأهميتها، لأنه يبلغني أن قومًا من الناس لمجرد ما يقال إن فلانًا فعل كذا، يقول: أعوذ بالله، هذا كافر، ونبرأ إلى الله منه، وهذا غلط، فقتل النفس من كبائر الذنوب، ولما قتل أسامة بن زيد ﵁ الرجل الذي قال: لا إله إلا الله متأولًا، ما قتله الرسول ﵊، وغاية ما هنالك: أنه قال: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله"؟ فقال أسامة: "يا رسول الله إنما قالها تعوذًا" (١) والقصة: أن رجلًا من الكفار قالها فهرب، فلما أدركه أسامة قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، ظنًّا منه أنه قالها تعوذًا، يعني خوفًا من القتل. والقرينة قوية جدًّا، ولكن الرسول ﷺ لا يريد منا أن نحكم بما نظن، بل يريد أن نحكم بالظاهر، إنما أقضي بنحو مما أسمع. قال: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا من القتل، قال: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ " قال: إنما قالها تعوذًا، قال: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ " يقول: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد. فالحاصل أنه
стр. 375
يجب علينا أن نرفق بأنفسنا وبالناس، وأن لا نكفر أحدًا حتى يتبين لنا أن هذا الشيء كفر، وأن هذا الذي قاله أو فعله ينطبق عليه شروط التكفير حتى لا نبؤ نحن بالكفر أو الفسق، والحمد لله الحكم إلى الله، فإذا كان الله لم يكفر هذا الشخص فلماذا نكفره؟ وإذا كفرنا من لم يكفره الله، فكأنما حرمنا ما أباحه الله، أو أبحنا ما حرمه الله، فعلينا أن نتق الله، والأصل في المسلم الإسلام، فما دام يدين بالإسلام، لكن يفعل خصلة من الكفر، أو يقول قولًا هو كفر وهو جاهل، لم ينشأ في بلد استتب فيه الإسلام، فكيف نقول إن هذا كافر؟ رجل بدوي ناشئ في أرض بعيدة عن العلوم الشرعية، لكن مسكين، كل صباح ينصب حجرًا ويسجد له وهو لا يدري فهل نقول هذا كافر؟ وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولهذا نص العلماء ﵏ على أنه لو أن رجلًا جحد وجوب الصلاة، لكان كافرًا، لكن قالوا لو جحد وجوب الصلاة وهو ناشئ في بلد بعيد عن العلم الشرعي أو كان حديث عهد بالإسلام لم يكن كافرًا، لأنه جاهل.
إذًا قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ يدل على أنه لا يمكن أن يعذب أحد إلا بعد إبلاغه. وهل يكفي بلوغ الحجة أو لابد من فهم الحجة.
لابد مغِ فهم الحجة. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ [الشعراء: ١٩٨، ١٩٩] لأنهم لا يفهمونه، وإذا لم يؤمنوا به لعدم فهمهم فهم معذورون.
стр. 376
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] أي: بلغتهم ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، فلابد من بيان الحجة. فلو قلت لإنسان أعجمي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ وهو لا يدري معناها. فلا تقوم عليه الحجة، ولو قلت له: يا فلان أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم. قلت: ثلاثًا قال: نعم، وأربعًا وخمسًا؟ وفهم أن أطلقت امرأتك جعلتها طليقة تروح وتجي لأنه أعجمي، لأنه لا يفهم معناها فلا تطلق. فهذه المسائل مهمة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، وألا يوقع نفسه في هلكة، ويوقع غيره في هلكة على غير وجه شرعي، ويوالي ويعادي على وجه غير شرعي، فهذا شرع فمن حكم الله بكفره كفّرناه، ومن حكم بفسقه فسّقناه، ومن لم يحكم بكفره لم نكفره، ومن لم يحكم بفسقه لم نفسقه (١). والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.