القلوب وهو الوحي. وميكائيل موكل بما فيه حياة الأرض وهو المطر والنبات، وإسرافيل بما فيه حياة الأجساد عند نفخ الصور، فإنه قد التقم الصور ينتظر متى يؤمر، فيجب علينا أن نؤمن بالملائكة إجمالًا فيما لم نعلم اسمه، وتعيينًا فيمن علمنا اسمه، ونؤمن أيضًا بما نعلم من أوصافهم كجبرائيل له ست مئة جناح قد سد الأفق، وبما نعلم من أحوالهم وعباداتهم، لأن هذا من أصول الإيمان التي بينها الرسول ﷺ لجبريل ﵇ حين سأله عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته" (١) وعلينا أيضًا أن نحب هؤلاء الملائكة وأن نجلهم ونعظمهم لأنهم عباد الله، عباد مكرمون منقادون لأمر الله، فنحبهم لله ، وعلينا أن نكرمهم فنبغض من عاداهم كاليهود مثلًا الذين عادوا جبريل، ونبغض أيضًا كل من سبهم أو تعرض لأذاهم، لأنهم من أشرف عباد الله.
وقد اختلف العلماء: هل الملائكة أفضل. أم صالح البشر أفضل؟ والخلاف في هذا معروف مشهور، وأكثره خلاف جدلي، لأن المقام والمرتبة عند الله تدل على أن البشر أفضل، لأن البشر يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: البشر أفضل باعتبار
стр. 317
النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، لأن البشر خلقوا من طين والملائكة من نور، والنور أشرف من الطين.
ثم قال الله تعالى مبينًا حكمهم الباطل الذي قد علم مسبقًا قبل أن يستفتوا قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: ألا، وإن، واللام.
أما (ألا) فإنها تأتي بلا شك للتوكيد، كما تأتي كذلك للتنبيه والاستفتاح، ولهذا يقال: ألا أداة استفتاح يراد بها التنبيه، والتوكيد، والتحقيق أي تحقق ما بعدها.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ﴾ أي هؤلاء الذين جعلوا الملائكة إناثًا، وهؤلاء الذين جعلوا لله البنات ولهم ما يشتهون ﴿إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي من كذبهم ليقولون ولد الله، وهنا قدم السبب على المسبب. السبب هو: الإفك، والمسبب القول، وقدم الإفك على القول لأهميته، ومن أجل أن يتبين للإنسان بطلانه من قبل أن يؤتى به، وإلا فمقتضي السياق أن يقال: "ألا إنهم ليقولون ولد الله"؛ لأن (ليقولون) خبر إن، وكان مقتضى السياق أن تباشر الاسم، لكن أخرت لبيان أن هذا القول باطل، حتى يرد على الذهن، وقد علم بطلانه، و (من) هنا للسببية، أي: ألا إنهم بسبب إفكهم.
ويجوز أن تكون للتبعيض، يعني: ألا إنهم ليقولون هذا القول المأفوك من جملة إفكهم؛ لأن إفكهم كثير، فهم جعلوا لله ولدًا، وجعلوا لله شريكًا، وجعلوا لله زوجة، وكل هذا من الإفك.
فالحاصل أن ﴿مِنْ﴾: يجوز أن تكون للتبعيض، ويجوز أن
стр. 318
تكون سببية، وقوله: ﴿مِنْ إِفْكِهِم﴾ أي كذبهم، لأن الإفك هو الكذب، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] أي بالكذب. ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١)﴾ الجملة خبر إن، ومقول القول ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ وعلى هذا فنقول: إن ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ في محل نصب مقول القول.
وكيف قالوا: ولد الله؟ وبأي صيغة؟ قال المؤلف ﵀: [بقولهم الملائكة بنات الله]، ومعلوم أن البنت من الولد فإن الولد في اللغة العربية يطلق على البنت والابن، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)﴾. هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: إن واللام، والمراد بها إبطال هذا القول، فيكون الله أبطل هذا القول قبل التحدث عن مقوله، وبعده، فأبطله قبل التحدث عن مقوله في قوله: ﴿مِنْ إِفْكِهِم﴾ وبعده بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)﴾ ونحن نشهد أنهم كذابون في هذا، فإن الله تعالى واحد أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. وقد برهن الله على بطلان هذا في سورة الأنعام. فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١]
فقال ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] كيف يكون له ولد وليس له صاحبة، يعني زوجة؛ هذا مستحيل.
стр. 319
والثانية: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ والخالق لكل شيء لا يمكن أن يكون له ولد؛ لأن الولد جزء من الوالد، وإذا كان جزءًا منه لم يكن شيئًا مخلوقًا، لأن جزء الخالق يكون خالقًا مثله، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [الزخرف: ١٥].
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقد أعلمنا أنه ليس له ولد فكيف يكون خبره غير مطابق للواقع. فبرهن الله على امتناع وجود الولد من وجوه ثلاثة:
امتناع الصاحبة، وأنه خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم، وعلمه بكل شيء وقد أخبرنا بأنه لم يلد يقتضي أنه لم يلد كذلك حقًا، لأن هذا الخبر لابد أن يكون مطابقًا لعلمه.
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ اصطفى أصلها اصتفى، وهي مأخوذة من الصفوة، وصفوة الشيء خياره، وعلى هذا فيكون معنى اصطفى اختار. وهنا قال: ﴿أَصْطَفَى﴾، والمعروف أن همزة اصطفى همزة ووصل لا همزة قطع، فلماذا كانت هنا همزة قطع؟ قال ﵀: [بفتح الهمزة للاستفهام]. فالهمزة هنا ليست همزة الوصل التي يؤتى بها للتوصل إلى النطق بالساكن، ولهذا لا يكون ما بعدها إلا ساكن، فالهمزة هنا ليست همزة وصل، ولكنها همزة استفهام، فاستغني بها عن همزة الوصل؛ لأنها أي: -همزة الاستفهام- مفتوحة فيسهل النطق بالساكن بعدها، وأصل همزة الوصل جيء بها من أجل التوصل إلى النطق بالساكن، وإذا كان لدينا همزة قطع فإننا نستغني بها عن
стр. 320
همزة الوصل، مع أنه يجوز وجه آخر في غير هذه الآية أصطفى البنات، فتقلب همزة الوصل إلى مد، ومنه قوله تعالي: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [النمل: ٥٩] ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩] قال المؤلف ﵀: [﴿أَصْطَفَى﴾ أي: أختار] أي هل يختار الله البنات على البنين؟ يعني لو فرض فرضًا ممتنعًا غاية الامتناع أن الله يتخذ ولدًا فهل يصطفي البنات على البنين؟ لا، لأن البنين أشرف من البنات، ولا يمكن أن يختار الله البنات على البنين، لو فرض الفرض الممتنع المقطوع بامتناعه أن الله يختار ولدًا ما اختار البنات على البنين، كما أنكم أنتم لم تختاروا البنات على البنين، جعلتم البنين لكم ولله البنات، ولهذا قال: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ الجواب لا، لا يمكن.
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ (ما) استفهامية وليست نافية وهي مبتدأ، والجار والمجرور (لكم) خبر.
والمعنى: أي شيء لكم حتى تحكموا هذا الحكم فتقولوا: إن لله البنات وهم الملائكة، وهذا الاستفهام للتوبيخ والإنكَار، ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ أي هذا الحكم الفاسد، وهذا الحكم الجائر ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم: ٢٢] فهو حكم فاسد جائر.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ الاستفهام هنا أيضًا للتوبيخ وكل الاستفهامات هنا تفيد التوبيخ والتقريع مع فائدة أخرى إذا دل المقام عليها.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ قال المؤلف ﵀: [بإدغام التاء
стр. 321
في الذال]. أصلها (تتذكرون)، فأدغمت التاء في الذال فصارت: تذكرون.
وفي قراءة ﴿تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ قراءة سبعية، وهي الموجودة عندنا في المصحف، ومر علينا أنه إذا جاءت قراءتان في آية فإن الأفضل أن تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، لنحافظ على ما جاء في القرآن الكريم، لأن الكل من عند الله، إلا أننا قلنا: إن هذا لا ينبغي عند العامة، لأنه يحصل به فتنة العامي لأنه لا يفهم، وربما يكون عاميًا عاطفيًا غيورًا، فيرى أنك تحرّف القرآن فطالب العلم الذي يعلم أن هذه قراءة سبعية ينبغي له أن يقرأ بها مرة، وبما في المصحف مرة أخرى، حتى يأتي بالقرآن على الوجوه التي نزل بها.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ التذكر يعني الاتعاظ، أي أفلا تتعظون، فتدركوا أن ما حكمتم به حكم جائر غير مقبول منكم، قال المؤلف ﵀ في قوله: ﴿تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ [أنه سبحانه منزه عن الولد]. فالله منزه عن الولد بدليل العقل ودليل النقل.
أما دليل النقل فما أكثر الآيات التي يكثر الله فيها أنه لم يتخذ ولدًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. [الإخلاص: ١ - ٤].
أما الدليل العقلي فنقول:
стр. 322
أولًا: لو كان لله ولد لكان جزءًا منه، وكان مستحقًّا للعبادة، كما استحق ذلك والده.
ثانيًا: لو اتخذ الله ولدًا لكان هذا الولد حادثًا، والحدوث يمتنع أن يكون جزءًا من الله، لأن الله لم يزل ولا يزال موجودًا بذاته ، فإذا قدر أنه اتخذ ولدًا صار هذا الولد حادثًا، فكيف يكون حادثًا وهو جزء من الله، لأن الولد جزء من الوالد، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] وكما قال النبي ﷺ : "إن فاطمة بضعة مني" (١).
ثالثًا: يمتنع أيضًا أن يتخذ الله ولدًا، لأن الولد لابد أن يكون مشبهًا لأبيه، والله ليس له شبيه ولا يماثله أحد.
رابعًا: الولد إنما يتخذه من يحتاج إليه لبقاء النوع، والله غير محتاج لأحد، ولهذا إذا كان الإنسان عقيمًا انقطع أثره من الدنيا، لكن إذا كان ولودًا وتولد له ولد بعد ولد بقي أثره في الدنيا، ولهذا كان التوالد بين البشر هو السبب الوحيد لبقاء النوع الإنساني، فهذه وجوه أربعة عقلية تدل على امتناع الولد على الله .
﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ هذا إضراب انتقالي، بل ألكم. والإضراب الانتقالي انتقل الله من توبيخهم على ما
стр. 323
حكموا به من الولد لله إلى طلب الحجة، أي: بل ألكم سلطان مبين، والمراد بالسلطان هنا ما تكون به السلطة، والسلطان في كل موضع بحسبه.
ففي باب الولايات تكون السلطة بالإمارة، فالأمير: سلطان، وفي باب الأعمال تكون السلطة بالقوة، القوي القادر له سلطة على العمل. وفي باب المحاجة وطلب الدليل تكون السلطة بالدليل، فهنا ﴿سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ أي دليل، يعني هل لكم دليل، لأن الدليل تكون به السلطة للمحاج يعني إذا حاجك إنسان وصار معه دليل صار له سلطان عليك أي سلطة، ولهذا قال: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ وكلمة ﴿مُبِينٌ (١٥٦)﴾ هنا يحتمل أن تكون من أبان اللازم ومن أبان المتعدي. لأن أبان الرباعي يكون لازمًا ويكون متعديًا، فإذا قلت: أبان الصبح. فهو لازم، وإذا قلت: أبان فلان الحق. هذا متعدٍّ. فكلمة ﴿مُبِينٌ﴾ هنا هل هي لازم أي إن المعنى ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ﴾ بين، أم متعدٍّ أي: ألكم سلطان يبين ما تقولون أو يبين الحجة لكم؟ المتعدي هنا أحسن؛ لأن المتعدي متضمن للازم، لأن ما أبان غيره فهو بين في نفسه ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ قال المؤلف ﵀: [حجة واضحة أن لله ولدًا]. وصنيع المؤلف في قوله "واضحة" يدل على أنه جعل مبين من اللازم أي بين، ولكن الأرجح أنه من أبان المتعدي أي مبين، وذلك لأننا إذا جعلناه من المتعدي لزم منه وجود اللازم بخلاف العكس.
﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ هذا مفرع على قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ
стр. 324
مُبِينٌ (١٥٦)﴾ يعني إن كان لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم الذي به السلطان، والأمر هنا للتحدي والإعجاز مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] فقوله: ﴿بِكِتَابِكُمْ﴾ أي بكتابكم الذي به الحجة والسلطان، وقول المؤلف ﵀: [التوراة] هذا لا شك أنه وهم؛ لأن هذه الآية ليست تخاصم اليهود حتى نقول إن المراد بذلك التوراة، إنما تخاصم المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله، ولهذا في بعض نسخ المؤلف كلمة (التوراة) ساقطة، والنسخة التي سقطت منها أصح من النسخة التي ثبتت فيها، قال: [فأروني ذلك فيه] يعني أروني إن لله البنات في ذلك الكتاب الذي تأتون به، ثم أظهر إعجازهم بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ في قولكم ذلك، وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يأتوا بكتاب فيه أن الله جعل الملائكة بنات له، فهذا شيء مستحيل.
و(إن) في قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ شرطية، وتحتاج إلى فعل الشرط وجوابه، ففعل الشرط موجود: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ وجوابه قيل: إن جوابه محذوف دل عليه ما قبله، وهو: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ والتقدير: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ فيكون محذوفًا دل عليه ما قبله، ولا ينبغي ذكره أيضًا، لأن ذكره تطويل مستغنى عنه.
وقيل: إنَّ (إنْ) الشرطية في مثل هذا التركيب لا تحتاج إلى جواب أصلًا فتكون مسلوبة الجواب، وعلى هذا القول لا يكون في مثل هذا الترتيب تقدير، ويكون هذا المحذوف لما كان معلومًا
стр. 325
كان لا يحتاج إلى ذكره، وإذا لم نحتج إلى ذكره لم نحتج إلى تقديره.
﴿وَجَعَلُوا﴾ الضمير يعود على المشركين الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله.
فإن قال قائل: كيف يرجع الضمير إلى غير مذكور.
قلنا: إنه مذكور بالسياق فالسياق يعين مرجع الضمير، ولا يلزم في مرجع الضمير أن يكون اسمًا ظاهرًا بينًا، فإذا دل السياق على أن المراد به كذا عمل به. قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ [ص: ٣٢] فالفاعل في قوله: ﴿تَوَارَتْ﴾ يعود على الشمس مع أنه لم يسبق لها ذكر لأنه معروف.
وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦] (عليها) أي على الأرض مع أنه لم يسبق لها ذكر قريب، ولكن السياق يدل عليها، إذًا مرجع الضمير قد يكون متعينًا بالسياق.
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ﴾ أي بين الله ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ يقال: والجِنَّة والجَنَّة والجُنَّة، وكلها تدور حول الاستتار والخفاء، لأن هذه المادة الجيم والنون تدور على هذا المعنى: الاستتار والخفاء، ومنه الجنان: القلب، ومنه الجنين: الحمل، ومنه الجنة: الجن، ومنه الجَنة: البستان ذو الأشجار الكثيرة، ومنه الجُنَّة. ما يستتر به المقاتل عن السهام كالترس.
فما المراد بالجنة هنا؟ يقول المؤلف: [الجنة أي الملائكة لاجتنانهم عن الأبصار] فهم عالم غيبي كالجن الذين هم ذرية
стр. 326
الشيطان، هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ ولكن هذا القول ضعيف جدًا، لأن الجنة اسم للجن لا للملائكة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ [الناس: ٥ - ٦] يعني الجن، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] أي جن أصابه بمس، ولا يمكن أن يعبر بالجن الذين خلقوا من نار عن الملائكة الذين خلقوا من نور، وهم من أشرف خلق الله ، قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨] فالمراد بالجنة هنا الجن الذين هم: خلق غيبي خلقوا من نار، ولكن كيف جعلوا نسبًا؟ المراد بالنسب مجرد الصلة وليس النسب الذي هو القرابة، بل النسب الذي هو الصلة، وذلك أن المشركين لما قالوا: إن الملائكة بنات الله. قيل لهم: لا بنات إلا بزوجة، قالوا: نعم إن الله -جل وعلا وسبحانه عما يصفون- تزوج من الجن جنية فولدت الملائكة -قاتلهم الله- هذا هو النسب الذي جعلوا بين الله وبين الجنة، فالمراد أن النسب هنا مطلق الصلة، لا صلة القرابة فقط، هذا هو المعنى الذي يدل عليه استعمال الجنة في كلام الله، وأن المراد بالجنة الجن، يقول المؤلف ﵀ موجهًا ما ذهب إليه من أن المراد بالجنة الملائكة قال: [لاجتنانهم عن الإبصار] وهذا لا يبرر أن نسمي الملائكة جنًّا.
يقول: [نسبًا بقولهم: إنها بنات الله] فجعل النسب هنا بمعنى القرابة، ولكن هذا القول ليس بصحيح.
стр. 327
﴿وَلَقَدِ﴾ هذا الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات:
اللام، وقد، وهما ظاهران، والقسم المقدر، والتقدير: والله لقد علمت الجنة إنهم لمحضرون، والتأكيد هنا لا شك أنه في غاية ما يكون من البلاغة، يعني أن هؤلاء الجن الذين جعلوا بينهم وبين الله نسبًا تعلم في حكم الله ما لا يعلمه هؤلاء، فإنهم يعلمون أن هؤلاء الذين كذبوا على الله سوف يحضرون يوم القيامة، ويبعثون ويعذبون بما يقتضيه جرمهم ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾ [أي قائلي ذلك ﴿لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾ للنار يعذبون فيها].
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ اسم مصدر سبح، ومعنى قولنا: اسم مصدر سبح، يعني أنه اسم مصدر فعله سبح، والمصدر من سبح تسبيحًا، لكن سبحان بمعنى تسبيح فهي اسم مصدر؛ لأن كل كلمة تضمنت معنى المصدر دون حروفه فهي اسم مصدر، وأمثلته كثيرة منها: كلام بمعنى تكليم، وسلام بمعنى تسليم.
وسبحان الله يقول المؤلف ﵀[تنزيهًا له]. والذي ينزه الله عنه:
الأول: النقص فيما أثبت لنفسه من الكمال.
الثاني: مماثلة المخلوقين.
قال الله تعالى عن الأول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨] وهذا يدل على كمال القدرة والقوة، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨] نفي لنقص القوة، يعني مع عظم هذه المخلوقات العظيمة وقصر المدة في خلقها لم يمس
стр. 328
الله شيء من اللغوب يعني من التعب والإعياء وهذا تنزيه عن النقص، وقال تعالى عن الثاني: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] تنزيه عن مماثلة المخلوقين.
﴿عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ يعني عن النقص عما يصفون من النقص والمماثلة، بأن قالوا: إن لله ولدًا، وهذا وصف لا يليق بالله ، لأن ثبوت الولد يتضمن المماثلة ويتضمن النقص أيضًا، فهم بدعواهم الولد لله وصفوا الله بالنقص ووصفوه بمماثلة المخلوقين.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ العبودية مأخوذة من الذل، فالعابد بمعنى الذليل، والتعبد بمعنى التذلل، والعبودية نوعان:
عبودية للقدر، وعبودية للشرع. يعني تذلل للقدر، وتذلل للشرع.
أما عبودية القدر فإنها عامة لكل أحد، فما من إنسان إلا وهو متذلل لقدر الله تعالى لا يمكن أن يتخلص منه إطلاقًا، ودليل هذه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]
كل من في السماوات والأرض فهو عابد لله ذليل له، ولا يمكن أن يخرج عن ذلة القدر، حتى أعتى الناس وأطغى الناس عبد لله بهذا المعنى، ففرعون عبد لله في هذا المعنى، ولهذا أدركه الغرق.
الثاني: عبودية الشرع يعني التعبد بشرع الله، وهذا خاص بالمؤمنين؛ لأن الكافرين لم يتعبدوا لله بشرعه، بل هم
стр. 329
مستكبرون، ومن أمثلة ذلك وأدلته قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] فالمراد بالعبودية هنا عبودية الشرع. يعني الذين تعبدوا بشرع الله، وهذه خاصة بالمسلمين المنقادين لأمر الله، وهذه تنقسم إلى قسمين: قسم أخص من الآخر، فعبودية الرسالة والنبوة أخص من عموم عبودية الإسلام، فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] هذه عبودية رِسالة فهي أخص من قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] هذه أيضًا عبودية خاصة الخاصة، أخص من قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢] إن جعلنا الاستثناء منقطعًا فالعبودية عبودية الشرع خاصة، وإن جعلنا الاستثناء متصلًا فهي عبودية القدر، ولذلك اختلف العلماء فيها هل الاستثناء منقطع أو متصل؟ هذه الآية أيضًا نظيرها ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ أي المؤمنين الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه.
قال المؤلف ﵀: [استثناء منقطع] والاستثناء المنقطع علامته: أن يكون ما بعد (إلا) من غير جنس ما قبلها، وأن تكون (إلا) بمعنى (لكن)، ولهذا نسميه استثناء منقطعًا، كأن ما بعدها انقطع عما قبلها، وعليه إذا كان الاستثناء منقطعًا كما قال المؤلف نقول: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ معناها لكن عباد الله
стр. 330
المخلصين لم يصفوه بهذا الوصف. ولهذا قال المؤلف ﵀[فإنهم ينزهون الله تعالى عما يصفه هؤلاء].
وذهب بعض العلماء إلى أن الاستثناء هنا متصل، فهو مستثنى من الواو في قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ ويكون المعنى سبحان الله عما يصفه الناس كلهم ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ يعني إلا ما يصفه به عباد الله المخلصون، فإنه متصف به، وهذا احتمال. لكن ظاهر السياق ما ذهب إليه المؤلف، وأن قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ عائد إلى المشركين الذين وصفوه بأن له بنات، وهؤلاء لا يدخل فيهم المؤمنون، فالمؤمنون ليسوا من جنس المستثنى منه، وحينئذ يكون الاستثناء منقطعًا، ويكون فائدة هذا الاستثناء المنقطع الثناء على عباد الله المخلصين، حيث لم يصفوه بما وصفه به هؤلاء.
الفوائد:
١ - في قول الله ﵎: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾: تحدي أهل الكفر والشرك ببيان الدليل على ما يقولون من الكذب والافتراء.
٢ - ومن فوائدها: التهكم بهؤلاء المشركين، حيث جعلهم بمنزلة العلماء الذين يستفتون، وهم أجهل الناس بلا شك.
٣ - ومن فوائدها: بيان جور هؤلاء المشركين، حيث جعلوا لله البنات وهم يكرهون البنات، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ [النحل: ٥٨] مع أن البنين والبنات كلها ممتنعة عن الله؛ لأن الله لم يلد ولم يولد.
стр. 331
٤ - ومن فوائد الآيات: الإنكار على هؤلاء الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، لقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾.
٥ - ومن فوائدها أيضًا: تحدي هؤلاء الذين ادعوا أن الله -سبحانه- وتعالى جعل الملائكة بنات له، لأنه يقال لهم هل شهدتم خلق الله للملائكة حتى تعلموا أنها بنات الله؟ والجواب: ما شهدوا، ولهذا قال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾.
٦ - ومن فوائدها: إثبات الملائكة عليهم الصلاة والسلام، والإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الستة كما هو معروف.
٧ - ومن فوائدها: أن كل من ادعى دعوى فإنه يطالب بالبينة عليها لقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾. فهل هم شاهدون حتى يدعوا ذلك؟
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد إفك هؤلاء الكاذبين، الذين ادعوا أن لله ولدًا، لقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١)﴾.
٩ - ومن فوائدها: أن هؤلاء لهم إفك متعدد، بناء على أن (من) للتبعيض ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾.
١٠ - ومن فوائد الآيات: أن الله تعالى منزه عن الولد، لأن الله جعل هذه الدعوة إفكًا وكذبًا، وأكد الله ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)﴾.
١١ - ومن فوائد الآيات أيضًا: الاستدلال على هؤلاء بدلالة
стр. 332
العقل، وهو أن يقال: كيف يصطفي الله البنات على البنين؟
هذا ليس بعقل وليس بمعقول، ولكن هم يجعلون هذا الشيء أمرًا معقولًا، وواجبًا أيضًا أن يكون لله البنات ولهم البنون.
١٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين حكموا بهذا الحكم أشبه ما يكونون بالمجانين، ولهذا خوطبوا بمخاطبة المجنون حيث قيل لهم ﴿مَا لَكُمْ﴾؟ ما هذا العمل؟ هل هذا عمل عاقل؟
١٣ - ومن فوائدها: الإنكار على كل حكم باطل لقوله: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ فإن هذا إنكار عليهم بهذا الحكم الذي يعلم بطلانه بضرورة العقل والنقل.
١٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: الإعلان بسفه هؤلاء، وإنهم لا ينتفعون بالآيات لقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾.
١٥ - ومن فوائدها أيضًا: توبيخ من لمَ يتذكر، لأن المراد بالاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ هنا التوبيخ، فكل من لم يتذكر بآيات الله فلا شك أنه مستحق للوم والتوبيخ.
١٦ - ومن فوائدها: إظهار عدل الله في مجادلة العدو والخصم لقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ فلم يقتصر الله على أن كذبهم، بل طلب منهم الحجة إن كانوا صادقين في دعواهم، ومن المعلوم أنهم لن يقيموا الحجة، ولهذا قال: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾.
١٧ - ومن فوائدها أيضًا: جواز تحدي الخصم بما يعجز عنه، وأن ذلك طريق من طرق إفحامه، وذلك أن الخصم عند
стр. 333
المناظرة يمكن إبطال حجته بعدة أساليب منها: التحدي ولكن يجب أن يكون التحدي بما لا يمكن أن يقيم عليه البرهان والدليل؛ لأنك لو تحديته بشيء يمكنه أن يقيم عليه الدليل والبرهان، فأقام عليه الدليل والبرهان لخصمك ولضعف جانبك، فإياك أن تتحدى عند المناظرة إلا بشيء تعلم أنه لا يمكن أن يكون، ولهذا ذكر الله في محاجة إبراهيم مع الرجل حين قال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فإبراهيم ﵊ تحداه أولًا بأن الله يحيي ويميت، وأنت أيها المحاج لا تحيي ولا تميت، فلما ادعى كذبًا أنه يحيي ويميت، وكان في ذلك تلبيس على العامة، لأنه قال: أنا أحيي وأميت، آتي بالرجل المستحق للقتل فلا أقتله، فهذا على زعمه إحياء، والحقيقة أن هذا ليس إحياءً ولكنه رفع سبب يكون به الموت، وقد يبقى هذا الذي رفعنا عنه سبب الموت وقد لا يبقى.
وقال: إني أوتى بالرجل البريء فأقتله، فهذا إماتة على زعمه، وهذا ليس بإماتة، ولكنه فعل سبب يكون به الموت، وقد لا يكون به الموت، فالحاصل أن إبراهيم ﵊ أراد قصر الطريق واختصاره، قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فانقطعت الحجة ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ وهذا من آداب المناظرة وهو إفحام الخصم بما لا يمكن أن يقيم عليه الحجة والبرهان.
стр. 334
ولكن كما قلت: يجب أن تلاحظ أنك إذا أفحمته أو تحديته بشيء يمكنه أن يقوم به فقام به، فهذا إضعاف لجانبك، وسيكون هذا أحد طرق هزيمتك ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾.
١٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجة سلطان لصاحبها، لأنه يكون بها السلطة على خصمه الذي يحاجه.
١٩ - من فوائدها: أن من تحدى غيره فله طلب البينة على ما قال ذلك الغير لقوله: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾.
٢٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن حجة القرآن حجة دامغة ملزمة، لا يمكن التخلص منها، ولهذا تأتي دائمًا بصورة التحدي إظهارًا لعجز المعارض، وعدم قدرته على المعارضة.
٢١ - ومن فوائده: أن هؤلاء كاذبون فيما ادعوه عاجزون عن إقامة البرهان عليهم لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾.
٢٢ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾: بيان عتو هؤلاء وطغيانهم، حيث وصفوا الله بما لا يليق به، فجعلوا بينه وبين الجن نسبًا.
٢٣ - ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين جعلوا بينها وبين الله نسبًا يعلمون أن هؤلاء معذبون على ما قالوا، محضرون في النار، لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.
٢٤ - ومن فوائدها: أن هذه الجنة متبرئة مما يدعيه هؤلاء بجانبها، لأنها إذا علمت أنها محضرون في العذاب فإنها لن تقرهم على ما ادعوه لله من الولد.
стр. 335
٢٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾: تنزيه الله عما وصفه الظالمون المعتدون لقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾.
٢٦ - ومن فوائدها: أن صفات الله تكون سلبية -أي دالة على النفي- وتكون ثبوتية -أي دالة على الإيجاب-.
فقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ هذا من صفات النفي، لأنه تنزيه، وصفات النفي التي وصف الله بها نفسه لا تدل على النفي المجرد، لأن النفي المجرد ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا، وإنما تدل على ثبوت كماله المنزه عن هذا العيب، فتنزيه الله عما لا يليق به يتضمن كماله فيما يختص به ، وهذه قاعدة في جميع الصفات المنفية: أنه لا يراد بها النفي المجرد، لأن النفي المجرد ليس بشيء؛ لأنه نفي، فضلًا عن أن يكون مدحًا إنما يراد بها إثبات كماله في صفاته حتى انتفى عنه كل صفة نقص.
٢٧ - ومن فوائد الآيات الكريمة: أن من عباد الله مَنْ منَّ عليهم فأخلصهم وأخلصوا له الحق، لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ الذين أخلصهم الله مما أصيب به غيرهم، والذين أخلصوا لله فيما يصفونه به.
٢٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم مثاني تثنى فيه الأشياء، فإذا ذكر فيه صفة قوم مذمومة ذكر بعدها صفة الأقوام المحمودة، فلما ذكر ما وصفه به هؤلاء الظالمون
стр. 336
المعتدون بين أن هناك أناسًا ليسوا على هذه الحال. وهم عباد الله الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه، وأخلصوا له ما يجب له.
* * *
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ الخطاب هنا للكافرين، وفيه التفات من الغيبة إلى الحضور، لأن الكاف للمخاطب، والمخاطب حاضر، وما سبق الضمير فيه عائد على غائب: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ فكلها بضمير الغيبة.
والالتفات من الغيبة أو العكس له فائدة، وهي تنبيه المخاطب، ووجه ذلك أن الخطاب إذا كان على وتيرة واحدة لم يكن فيه ما يدعو إلى الانتباه، فإذا تغير الأسلوب انتبه الإنسان، وهذه الفائدة مطردة في كل موضع فيه التفات.
وهناك فائدة أخرى تكون بحسب السياق، وليست مطردة في كل موضع، والفائدة هنا: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١)﴾ هي أن الله لما تحدث عنهم بصيغة الغيبة، وكان الذي بعد ضمائر الغيبة أمرًا يظن صاحبه أنه قادر عليه خاطبه مخاطبة الحاضر إفادة إلى ذله وعدم قدرته على ما يقصد، فالكفار يحاولون فتن الناس عن دينهم بكل وسيلة، تارة بالدعاية لمعبوداتهم، وتارة بالقدح في عبادة الله، وتارة بالقدح في المسلمين وغير ذلك، فيظنون أنهم على شيء فخاطبهم الله تعالى
стр. 337
بخطاب صريح إذلالًا لهم فقال: ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١)﴾ من الأصنام وعبر بـ (ما) التي تستعمل غالبًا في غير العاقل؛ لأن أكثر معبود المشركين من غير العاقل، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية، أي: فإنكم وعبادتكم ما أنتم فاتنين عليه أحدًا.
والمعنى على الوجهين واحد. يعني: أنتم وأصنامكم لا تفتنون الناس ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾.
أو أنتم وعبادتكم لا تفتنون الناس عليها ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ والكفار يعبدون الأصنام فينذرون لها ويركعون ويسجدون ويستغيثون بها ويجعلونها كالإله سواءً، ومع هذا فإن عقولهم قد لعبت بهم بل شياطينهم قد لعبت بهم حيث يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. [الزمر: ٣].
والحقيقة أن عبادتهم إياها تبعدهم من الله ولا تقربهم منه، قال المؤلف ﵀[﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾ أي: على معبودكم، و (عليه) متعلق بقوله: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ أحدًا] و (إن) تحتاج إلى اسم وخبر، اسمها الكاف في: ﴿إِنَّكُمْ﴾ و ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ معطوف عليه وجملة ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾ هي الخبر. يعني أنتم ومعبوداتكم لا تفتنون أحدًا عن دين الله ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾.
وقوله ﵀[أي على معبودكم] ولم يقل: ما أنتم عليها أي معبوداتكم من أجل أن يشمل كل واحد على حدة، يعني أي واحد من هذه المعبودات لا يمكن أن تفتنوا عليه أحدًا من
стр. 338
الناس، وقوله: ﴿بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾ أي بصادين؛ لأن الفتنة تأتي بمعنى الصد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] أي صدوهم كما تأتي بمعنى الاختبار مثل: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] ولها معانٍ أخرى، لكن المراد بها هنا الصادّين، وقول المؤلف: [عليه متعلق بفاتنين] فيكون التقدير: ما أنتم بفاتنين عليه، وفاتن اسم فاعل من فتن، وهو فعل متعدٍّ ومفعوله محذوف قدَّره المؤلف بقوله: [أي أحدًا]. ومعنى الآية على سبيل العموم أن الله خاطب هؤلاء المشركين بأنهم ومعبوداتهم مهما عملوا من الحيل والدعاية لن يفتنوا أحدًا حتى يعبدوا هذه الأصنام ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ يعني إلا الذي هو صال الجحيم، وصال اسم فاعل، وحذفت الياء التي في آخر الفعل لالتقاء الساكنين. وهما: الياء وهمزة الوصل ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾.
وعلى كلام المؤلف تكون (من) في محل نصب بدلًا من المفعول المحذوف (أحدًا) ما أنتم بفاتنين أحدًا إلا من هو.
وذهب بعض المعربين إلى أن (من) مفعول لفاتنين، على أنه استثناء مفرّغًا، والاستثناء المفرغ هو الذي يكون ما بعد إلا معمولًا لما قبلها. سواء كان فاعلًا أو مفعولًا أو مجرورًا. فإذا قلت: ما قام إلا زيد. فهذا استثناء مفرغ. فتقول: (ما قام) ما نافية وقام فعل ماض و (إلا) أداة حصر وليست أداة استثناء، وزيد فاعل. وتقول: ما رأيت إلا عمرًا رأيت فعل وفاعل و (إلا) أداة حصر، وعمرًا مفعول. وتقول: ما مررت إلا بزيد. (إلا) أداة
стр. 339
حصر، بزيد جار ومجرور متعلق بمررت.
فعلى هذا تكون الآية ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُو﴾ كالمثال الذي مثلّنا وهو ما رأيت إلا زيدًا.
وهذا الذي ذهب إليه بعض المعربين أصح مما ذهب إليه المؤلف، أي أن الاستثناء مفرغ، وعليه فلا نحتاج إلى تقدير المفعول به، فيكون (أحدًا) الذي قدره المؤلف مستغنى عنه، لأن الاستثناء مفرغ فكما أنك لو قلت ما رأيت إلا زيدًا لا تحتاج إلى تقدير ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، فكذلك ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾.
وخلاصة المقام أن نقول: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾ (ما) نافية و (أن) اسمها (بفاتنين) خبرها. وفاتن اسم فاعل يحتاج إلى مفعول، والمفعول (من) في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾.
وقوله: ﴿صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ قال المؤلف: [في علم الله تعالى]، وإنما احتاج إلى تقدير في علم الله، لأن صال اسم فاعل وهم لم يصلوها حتى الآن، لأنهم ما ماتوا، فالمفتون حي فكيف يقال: صال الجحيم، وهو لم يمت بعد. لذا قال المؤلف: المراد صال الجحيم في علم الله، أي من علم الله أنه سيصلى الجحيم فهو الذي تفتنونه، وأما من علم الله أنه مؤمن فلن تفتنونه، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: ١٧٨].
الفوائد:
١ - في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)
стр. 340
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ بيان أن هؤلاء المجرمين الذين يصفون الله بما لا يليق به، ويصدون عن سبيل الله لن يستطيعوا أن يضلوا من هداهم الله، وإنما يضلون من هو صال الجحيم، أي من هو تابع لهم على إضلالهم حتى يصلى الجحيم.
٢ - ومن الفوائد: الإشارة إلى أن من تابع أهل السوء في سوئهم فإنه يخشى أن يكون ممن كتب عليه أنه من أصحاب الجحيم. لقوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾.
٣ - ومن فوائدها: أن أهل البصيرة لا يمكن أن يكونوا من أصحاب النار، وذلك لأنهم يعرفون الحق ويعرفون الباطل، فيأخذون بالحق ويتجنبون الباطل، ووجه ذلك أن الله أخبر بأن هؤلاء المجرمين الضالين المضلين، لن يستطيعوا أن يفتنوا أحدًا عن دينه إلا من هو صال الجحيم، فليحذر الإنسان من فتنة أهل الشر والفساد؛ لئلا يكون من هو صال الجحيم.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العذاب في الآخرة، لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ والمراد جحيم الآخرة ونارها، وليس جحيم الدنيا.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: انقسام الناس إلى قسمين: صال للجحيم، وناج منها، لأن الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ يدل على أن هناك شيئًا مستثنى منه وهو القسم الثاني الذي قدر الله له النجاة.
стр. 341
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ لما ذكر الله أن هؤلاء المجرمين الظالمين قالوا: إن الملائكة بنات الله، بيّن على لسان الملائكة ما حال الملائكة وما مقامهم وما عملهم تجاه الله ، فقال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ قال المؤلف ﵀: [قال جبريل للنبي ﷺ : وما منا معشر الملائكة أحد، معشر يعني: جماعة، وأحد قدرها المؤلف لدلالة السياق عليها، وهي مبتدأ خبره (منا) السابق وقوله: ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ هذا الاستثناء مستثنى من أحد وهي جملة يمكن أن نجعلها دالة على الحال: حال هؤلاء الملائكة. وقوله: ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ﴾ أي: موضع قيام، لأن المقام مفعل يصح أن يكون اسم زمان واسم مكان، وهنا الظاهر اسم أنه مكان يعني إلا مكان قيام يقوم فيه يتعبد فيه لله .
ويجوز أن نجعله اسم زمان أيضًا أي: وقتًا يقوم فيه لله، ومكانًا يقوم فيه لله، فتكون عبادة الملائكة مؤقتة بزمن، ومقيدة بمكان، ولا منافاة بين القولين، والقاعدة في التفسير: أنه إذا كانت الآية صالحة لمعنيين لا ينافي أحدهما الآخر حملت عليهما جميعًا، ولأن حملها عليهما جميعًا أوسع في المعنى من تخصيصها بأحدهما، فإن كان أحدهما ينافي الآخر طلب الترجيح، فما رجحه المرجح أخذ به وترك الآخر.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ (وإنا) الضمير يعود على الملائكة، ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ يعني الذين يصفون عند الله ، كما جاء عن رسول الله ﷺ قال: "ألا تصفون كما تصف
стр. 342
الملائكة عند ربها" قالوا: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: "يتمون الأول فالأول ويتراصون" (١) هذا شأن الملائكة عند الله في مقام تعبدهم يصفون لله تعظيمًا له يكملون الأول فالأول [أقدمهم وأسباتهم أقربهم إلى الله ، وهكذا صفوف الصلاة، كلما كان أقدم وأقرب إلى الإمام فهو أفضل.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ قال المؤلف: ﵀[أقدامنا في الصلاة]، وكلمة [أقدامنا في الصلاة] تحتاج إلى دليل، لأن ظاهر الوصف ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ أنه يعود على الملك نفسه لا على القدم، ثم إنا إذا قلنا أقدامنا نحتاج إلى إثبات أن للملائكة أقدامً، والله قد وصف الملائكة أنهم أولو أجنحة، فيحتاج هذا إلى دليل.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ فيها مؤكدان: المؤكد الأول: إنا، والثاني: اللام في قوله: ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾.
﴿لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٦] الجملة مؤكدة بمثل ما أكدت الأولى. يعني وإنا معشر الملائكة لنحن المسبحون، قال المؤلف ﵀: [المنزهون الله عما لا يليق به] لأن التسبيح بمعنى التنزيه.
وتنزيه الله معناه تنزيهه عما لا يليق به ومداره على أمرين: أحدهما: أن ينزه عن مماثلة المخلوقين، ودليله قوله تعالي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
стр. 343
الثاني: أن ينزه عن نقص في كماله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨] فلما ذكر خلقه لهذه السماوات العظيمة والأرَض في هذه المدة الوجيزة بين أنه لم يلحقه في ذلك تعب ولا إعياء، وهذا تنزيه لله عن النقص في كماله.
قال: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ الجملتان اسميتان، قال أهل العلم: والجملة الإسمية تدلَ على الثبوت والاستمرار، يعني أن هذا دأبهمِ، ويدل لذلك قوله تعالى في وصفهم: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] فالملائكة دائمًا في عبادة ليسوا كالبشر عندهم غفلة ولهو وسهو، بل هم دائمًا في عبادة الله، فهنا ثلاثة أقسام من الخلق.
١ - شياطين، فهؤلاء دائمًا في معصية.
٢ - وملائكة، وهؤلاء دائمًا في طاعة.
٣ - وبشر، وهؤلاء أحيانًا في طاعة، وأحيانًا في معصية، وأحيانًا في غفلة.
الفوائد:
١ - من فوائدها: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ بيان أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام منزهون عما يدعيه هؤلاء من كونهم بنات الله، ووجه ذلك أنهم مكلفون بالعبادة على حد معلوم، ومن كان مكلفًا بالعبادة لا يمكن أن يكون ابنًا أو ولدًا للمعبود.
стр. 344
٢ - ومن فوائدها: كمال انتظام الملائكة عليهم الصلاة والسلام بكونهم يلتزمون بالمقامات المعلومة التي عينها الله لهم ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾.
٣ - ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون وقته منظمًا، وأن يجعل لكل شيء عملًا معلومًا حتى لا يضيع عليه الوقت؛ لأن الإنسان الذي يعمل بالوقت جزافًا لا ينتفع به، ولكن لا يعني قولنا هذا أن الإنسان يستمر على حال واحدة، لأنه قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، بمعنى أنك لو رتبت انفسك ثم طرأ ما يوجب مخالفة هذا النظام فلا حرج عليك أن تخرم هذا النظام، لأن الرسول ﷺ كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، وكان يقوم حتى يقال لا ينام (١)، أو بالعكس حسب ما تقتضيه المصلحة.
٤ - ومن فوائد الآيات الكريمة عمومًا: أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام من أكمل الناس عبادة، حيث يجتمعون على عبادة الله، فيصفون له تعظيمًا له لقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾.
٥ - ومن فوائدها: أنه ينبغي تأكيد الخطاب إذا كان المخاطب منكرًا، أو مترددًا، أو كان المعنى ذا أهمية يحتاج إلى التوكيد لقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ من أجل تقرير هؤلاء المنكرين الذين يدعون أن الملائكة بنات الله فيقولون: نحن نصف لله تعبدًا له وتعظيمًا.
стр. 345
٦ - ومنِ الفوائد: كمال تنزيه الملائكة لله في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾.
٧ - ومن فوائدها: أن دأيهم أيضًا التسبيح، كما قال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠] ونستدل بهذه الآية؛ لأن الجملة جاءت اسمية، والجملة الإسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
٨ - ومن فوائدها: تنزيه الله -سبحانه- وتعالى على ألسنة الملائكة عن كل ما لا يليق به، وهو منزه عن كل ما لا يليق به، ولهذا جاءت الآيات الكثيرة في نفي المماثلة عن الله، ونفي النقص وإثبات الحكمة ونفي اللعب والباطل في حقه تعالى ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧]. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ [الدخان: ٣٨]. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦] أيحسب الإنسان أن يترك سدى إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على كماله وانتفاء اللعب والبطلان عن أفعاله.
* * *
﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾.
﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧)﴾، إن هنا: مخففة من الثقيلة. فأصلها: وإنّهم كانوا، لكن: خففت فقيل: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧)﴾.
واسمها يكون محذوفًا، ويسمى ضمير الشأن، وضمير الشأن قالوا: إنه يكون مفردًا مذكرًا، لأن كلمة الشأن مفرد مذكر والتقدير: وإن كانوا، وإنه أي شأنهم ليقولون.
стр. 346
وقيل: إن ضمير الشأن يقدر بحسب السياق إن كان مفردًا مذكرًا فهو مفرد مذكر، وإن كان جمعًا فهو جمع، وبناء على هذا يكون تقدير الآية هنا: وإنهم كانوا ليقولون. (كانوا) فعل ناقص، الواو هي الاسم، واللام في قوله ليقولون لام التوكيد، وجملة يقولون: خبر كان، وكان واسمها وخبرها خبر إن المخففة من الثقيلة.
﴿كَانُوا﴾ أي كفار مكة ﴿لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ يعني لو نزل علينا الكتاب ككتب الأولين لكنا عباد الله المنقادين لشرعه المخلصين له.
ولكن هذه الحجة مردودة بقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧] إذًا هذه الدعوة منهم مكابرة؛ لأنه أنزل عليهم كتاب أهدى الكتب وأقوم الكتب، ومع ذلك كفروا به ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾ أي ما يذكرنا، والذي يذكر هو الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠] فالمراد بالذكر هنا ما يتذكر به الإنسان وهو الكتاب، وقوله: ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾ قال المؤلف: [من كتب الأمم الماضية] فيكون على تقدير مضاف من الأولين أي من كتبهم، وليس منهم أنفسهم، بل من الكتب التي نزلت إليهم، لو أن عندنا من هذا شيئًا ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ اللام واقعة في
стр. 347
جواب (لو)، و (لو) هنا شرطية، أو مصدرية شرطية، والشرطية لا يليها إلا فعل، وهنا وليتها أن في قوله تعالى: ﴿أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا﴾. فقالوا: وليتها أن، ولكنها على تقدير فعل، يعني لو ثبت أن عندنا ذكرًا ﴿لكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات: ٥] يعني لو ثبت أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم.
﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ أي: بالعبودية الشرعية؛ لأنهم بالعبودية القدرية كائنون فهم عبيد الله قدرًا، ولا يمكن أن يحيدوا عن قضاء الله وقدره، لكن لو كنا عباد الله شرعًا.
قال المؤلف ﵀: [المخلصين العبادة له]، المخلصين بكسر اللام هكذا فسر المؤلف، ولهذا قال العبادة له.
﴿الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ بالفتح الذين أخلصهم الله واصطفاهم.
فصار في المخلصين قراءتان: فتح اللام وكسرها، فعلى قراءة الفتح يكون المعنى: الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه واصطفاهم، وعلى قراءة الكسر يكون معناه: الذين أخلصوا له العبادة، والمعنيان متلازمان، لأن كل من أخلص لله العبادة قد أخلصه الله لنفسه. قال المؤلف ﵀: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ [بالكتاب الذي جاءهم، وهو القرآن الذي أشرف من تلك الكتب ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ عاقبة كفرهم].
تقدير الآية: فقد جاءهم كتاب وجاءهم الذكر، ولكن لم يقبلوا هذا الذكر وكفروا به تكذيبًا في الخبر، واستكبارًا عن الأمر، فهم كذبوا الرسول ﵊ لما قال: إنكم
стр. 348
ستبعثون فقالوا: لا بعث، وقال: إنه حق. فقالوا: كاذب. وقال: اعبدوا الله وحده لا شريك له. فعبدوا الأصنام، فهم ما صدقوا بما أخبر الله به في كتابه، ولا امتثلوا الأمر وانقادوا له، بل جمعوا بين كفر الجحود والاستكبار، -والعياذ بالله- مع أن القرآن أشرف من الكتب التي ادعوا أنه لو أتاهم من جنسها لكانوا عباد الله المخلصين، ومع هذا كفروا بهذا الكتاب، وهذا يدل على أن دعواهم هذه من أكذب الدعاوى. فقيل لهم: هذا ذكر، جاءكم ذكر أشرف الأذكار وأعظم الكتب السابقة، ومع ذلك كفرتم به.
قال الله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ الفاء في قوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا﴾ للترتيب، والفاء في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ للترتيب والسببية، أي فبسبب كفرهم سوف يعلمون عاقبة أمرهم، وذلك بالذل في الدنيا والعذاب في الآخرة، وهذا الأمر حصل -ولله الحمد- فإن الله أذلهم في أعظم موقعة كانوا يفتخرون بها ويظنون فيها العزة والنصر في غزوة بدر، فإنهم خرجوا بصناديدهم وأشرافهم وكبرائهم، حتى قال أبو جهل لما أشير عليه بالرجوع قال: (والله لا نرجع حتى نقدم بدرًا فننحر فيها الجزور، ونشرب فيها الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا). فانظر إلى البطر والكبر. حصل أن قتل هو والزعماء والأشراف الذين معه، وسمعت بهم العرب، وتحدثت العرب. بأخبارهم بما فيه العار والخزي إلى يوم القيامة، فهذا من العواقب الوخيمة، وفي بلدهم مكة خرج النبي ﷺ منها خائفًا مستترًا، ودخلها ظافرًا منصورًا مؤزرًا، رفعت
стр. 349
الراية عند مدخل مكة عند الحجون ودخل البيت وكسّر الأصنام، ووقف على الباب وقريش تحته ينتظرون ماذا يفعل. فقال: "ما ترون أني فاعل بكم معشر قريش" قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم (١)، فعفى عنهم ﵊ وسموا الطلقاء، أي من القتل والأسر، فانظر كيف كانت هذه العاقبة، فالنبي ﷺ حماه الله منهم. تآمروا أن يقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، ولكن صارت المؤامرة عليهم، هم الذينَ منَّ عليهم الرسول ﷺ فأطلقهم على أن ما في الآخرة أشد وأعظم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ [الطور: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] فعذاب الآخرة أشق -والعياذ بالله-، والغرض من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾، تهديد هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ .
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآيات الكريمات: أن هؤلاء المكذبين للرسول ﵊ يدعون أنه لم يأتهم ذكر يتذكرون به، ولهذا يعترضون هذا الاعتراض يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾.
٢ - ومن فوائدها: أن حجج الكفار حجج مكابرة ليست مبنية على حق، فمثلًا قولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾ ماذا
стр. 350
نقول: باطل، بل عندكم ذكر من أفضل الأذكار على الإطلاق.
٣ - ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الناس لا يمكن أن يكون لهم استقامة إلا بكتب نازلة من السماء حتى المشركون الكفار يقرون بهذا، لقوله ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ وهذه الفائدة يشهد لها الواقع، فإن الأمم الذين لم تنزل عليهم الكتب، تجدهم في فوضى مطردة، لا يستقيم لهم حال، ولا يمشون على خط مستقيم، بخلاف الأمم التي تنزل عليها الكتب، فإنها تكون مستقيمة بقدر تمسكها بهذه الكتب.
٤ - ومن فوائدها: أن الكتب المنزلة ذكر لمن نزلت إليهم ومعنى كونها ﴿ذِكْرًا﴾ على ثلاثة أوجه: فهي ذكر أي: شرف لمن نزلت إليهم، وهي ذكر يتذكرون بها ويتعظون بها، وهي ذكر يتقربون إلى الله تعالى بها؛ لأنها أفضل أنواع الذكر.
٥ - ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء الذين ادعوا لو أن عندهم ذكرًا من الأولين ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ كانوا كذبة بدليل أن عندهم ذكر من الأولين، ولكن كفروا به، وسبق لنا أن كفرهم به، يشمل النوعين من الكفر، وهما: الجحد والاستكبار.
٦ - ومن فوائد الآيات: تهديد الكافرين لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾، وتهديد الكافرين لا شك أنه مطابق للحكمة؛ لأن الحجة قد قامت عليهم، وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]
стр. 351
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ أي: تقدمت في الأزل، وكلمة الله بينها هنا بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾، هذه هي الكلمة السابقة التي قضى بها الله في الأزل.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ الجملة هنا فيها عدة مؤكدات وهي: اللام، وقد، والقسم المقدر. والتقدير: وتالله لقد سبقت، أو ووالله لقد سبقت، وكل جملة تأتي على هذا الوجه، ففيها هذه المؤكدات: القسم، واللام، وقد.
وقوله: ﴿كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ المراد بالعباد هنا: العبودية الخاصة، بل أخص الخاصة وهي عبودية الرسالة.
وعبودية الخلق لله عبودية كونية، وهذه عامة شاملة لجميع الخلق فما من مخلوق إلا وهو ذال لله قدرًا، وعبودية شرعية، وهي خاصة بمن يطيع الله، وأخص هذا النوع عبودية الرسالة؛ لأن الرسل مكلفون بما لم يكلف به غيرهم، فهم مكلفون بتحمل الرسالة وإبلاغها إلى الخلق ودعوة الناس إليها، ولهذا لا يرسل الله رسولًا إلا وهو يعلم أنه أهل للرسالة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال الله لنبيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٤] فلما ذكر أنه نزل عليه القرآن لم يقل: فاشكر الله على هذه النعمة، بل قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٤] إشارة إلى أن تنزيل القرآن عليه أمر يحتاج إلى صبر؛ لأنه يحتاج إلى معاناة ومجابهة الناس، ومن تأمل ما حصل للرسول ﷺ من منباذة قومه
стр. 352
له، وإيذائهم إياه تبين له الحكمة في أنه قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٤].
قال المؤلف ﵀: [ولقد سبقت كلمتنا بالنصر لعبادنا المرسلين وهي: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أو هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾] فـ (أو): هنا للتردد يعني هل الكلمة هي قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أو أن الكلمة هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ والاحتمال الثاني أولى؛ لأن الاحتمال الثاني يجعل تفسير الكلام في ضمن الكلام، والأول يجعل تفسير الكلام منفصلًا عنه، وإذا كان تفسيره متصلًا كان أولى، وعلى هذا فتكون الكلمة: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ وهي جزء من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: الأول: إن، والثاني: اللام في (لهم)، والثالث: هم، لأن (هم) ضمير فصل، ثم هي أيضًا من حيث بنيتها. جملة توكيدية (١)، لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
فـ (إن) للتوكيد، واللام للتوكيد، وهم ضمير الفصل للتوكيد، وضمير الفصل من حيث الإعراب ليس له محل من الإعراب، ومن حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل،
стр. 353
﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ الهاء اسم إنّ، واللام للتوكيد، وهم ضمير فصل لا محل له من الإعراب. والمنصورون خبر إن.
يقول الله ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ﴾ يعني لا غيرهم ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ أي: الذين ينصرهم الله بما يقدره من الآيات، أو بما يرسله من الجنود، ففي بدر أرسل الله الملائكة فقاتلت مع النبي ﷺ ، وفي الأحزاب أرسل الله تعالى الريح الشديدة ومعها جنود، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] فجمع الله في الأحزاب بين الملائكة تدخل الرعب في قلوب هؤلاء الأعداء، وبين الريح التي تزلزلهم حتى لم يقر لهم قرار فهربوا، فهم منصورون من قبل الله بما يرسل من الآيات، أو من الملائكة.
وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ الجند هم المدافعون عمَّن هم جند له، الذين ينصرونه ويدافعون عنه، ومنه جنود الأمير والسلطان وما أشبه ذلك، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ أي: جند الله، وهؤلاء الجند ليسوا جندًا لله لحاجة الله إليهم. ولكن لأنهم يدافعون عن شرعه فصاروا جندًا له، وهؤلاء الجند هم الغالبون لكونهم جند الله، والله له الغلبة: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] فجند الله الذين يذبون عن شريعته لابد أن تكون لهم الغلبة. ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ والجملة كالأولى مؤكدة بثلاثة مؤكدات: إن، واللام، وضمير الفصل.
والغالبون اسم فاعل من غلب، وغلب فعل متعد، والفعل المتعدي لابد فيه من فاعل ومفعول. فالفاعل الجند ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ
стр. 354
الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ لكن الغالبون بأمر الله لا شك، والمفعول محذوف والتقدير: كما قال المؤلف ﵀: [الغالبون الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة]. أشار المؤلف إلى إشكال كنا نريد أن نؤخره إلى الفوائد، لكن الآن لابد من الكلام عليه.
﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ فبين الله بيانًا مؤكدًا بثلاثة مؤكدات أن جنده المؤمنين الذين يدافعون عن دينه هم الغالبون، وأكد فيما قبل أن الرسل هم المنصورون، فإذا قال قائل: هل هذا الكلام المؤكد من الرب مطابق للواقع، أو أن في الواقع ما يخالفه؟
فإذا قلت: مطابق للواقع ورد عليه في أُحد كانت الغلبة للمشركين، وفي الأنبياء من قتل ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢] وفي أهل الخير من قتل ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب عن هذا من وجوه:
الوجه الأول: إما أن يكون النصر الذي وعد الله به الرسل، بناء على الأكثر، فإن الأغلب الأكثر بلا شك انتصار الرسل على أعدائهم واقرأ الآيات في الرسلِ تجد أن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾ [الشعراء: ٦٥ - ٦٦] وهذا انتصار بلا شك.
الوجه الثاني: أن يقال: إن المراد بالنصر نصر من أمروا
стр. 355
بالجهاد، فمن أمر بالجهاد فإن الله قد تكفل لهم بالنصر، وأما من لم يؤمروا به فليس هناك مغالبة بينهم وبين أعدائهم حتى يقال: إنهم انتصروا، ويكون قتلهم غير منافٍ للآية.
الوجه الثالث: أن يقال: إن المراد بالنصر المطلق هو نصر الآخرة، أما نصر الدنيا فليس بمضمون.
الوجه الرابع: أن المراد بالنصر انتصارهم بالحجة لا بالشخص، يعني انتصار ما جاءوا به، وظهوره دون الغلبة الحسية، فإن ذلك ليس بذي أهمية بالنسبة لغلبة ما جاءوا به من الشريعة.
فهذه أربعة أوجه في الجواب عن الواقع، الذي قد يخالف ظاهر الآية، ويجب أن نعلم أنه لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع.
وتأمل القيد في قولنا بالنسبة للسنة: "صحيح"، لأنه قد يأتي في السنة أحاديث غير صحيحة، فلهذا احتجنا أن نقول صحيح، أما في القرآن فلا يحتاج نقول صحيح، لأنه منقول بالتواتر فكله صحيح.
إذًا لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، فإن وجد ما ظاهره مخالفة الواقع فاعلم أنه إما أن يكون مخالفة ولكن المخالفة من وهمك، بمعنى أن يكون الواقع غير مخالف لظاهر القرآن، أو يكون ما ظننته صريحًا من القرآن غير صريح، فمثلًا