← Тафсир

Тафсир · id 151158

تفسير العثيمين: الصافات

ابن عثيمين

Полный текст (376 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن من توفيق الله أن يسَّر لفضيلة شيخنا -تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه- تفسير سورة "الصافات" في دروسه العلمية التي كان يعقدها رحمه الله تعالى بالجامع الكبير في مدينة عنيزة. وقد عهدت مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية إلى فضيلة الشيخ فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، أثابه الله، بالعمل لإعداد هذا الكتاب للنشر، فجزاه الله خيرًا. نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موافقا لمرضاته، نافعًا لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويضاعف له المثوبة والأجر، ويعلي درجته في المهديين، إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللجنة العلمية في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة الصافات قال المؤلف -رحمه الله تعالى- (١): [سورة الصافات مكية، وآياتها ١٨٢]. المكية هي التي نزلت قبل الهجرة، فكل ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وإن نزل في غير مكة. وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل في مكة. وعليه، فإن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ [المائدة: ٥]. التي نزلت على النبي ﷺ وهو واقف في عرفة، من المدني، هذا أصح الأقوال في المكي والمدني. أن ما نزل بعد الهجرة مدني، وما نزل قبلها مكي. أما البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإنها آية من كتاب الله مستقلة، ولهذا لا تحسب من آيات السورة التي بعدها، حتى في الفاتحة على القول الراجح: إنها ليست من السورة. وعلى هذا فالترقيم الموجود في المصاحف على خلاف القول الراجح، فإن الترقيم الموجود في المصاحف في الفاتحة عدت فيه البسملة آية من آياتها، والصحيح أنها كغيرها من السور

стр. 3

أن البسملة فيها آية مستقلة لا تحسب من آياتها. وهي مذكورة قبل كل سورة إلا سورة براءة، فإن سورة براءة لم يتقدمها بسملة، قيل: لأنها نزلت بالسيف، والبسملة رحمة فلا يناسب أن يذكر قبلها بسملة. ولكن هذا ليس بصحيح، بل الصحيح أن الصحابة ﵃ لما كتبوا المصحف أشكل عليهم: هل براءة من الأنفال أو ليست من الأنفال، فتركوا البسملة ووضعوا خطًّا فاصلًا بينها وبين سورة الأنفال دون أن يضعوا البسملة. ونحن نعلم أن البسملة لو نزلت قبل سورة براءة لثبتت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. فيكون اجتهاد الصحابة ﵃ في ذلك مطابقًا للواقع، أي مطابقًا لكونها لم تنزل في أول هذه السورة. أما من حيث معناها فإن قول القائل: بسم الله. يعني بكل اسم من أسماء الله، وإنما قلنا: بكل اسم من أسماء الله؛ لأن اسم مفرد مضاف فيكون للعموم، فليس قول القائل: بسم الله. يعني اسمًا واحدًا من أسماء الله، بل يعني جميع أسماء الله، وهذا يدلك على عظمة هذه البسملة، أنك تبتدئ متبركًا ومستعينًا بكل اسم من أسماء الله . والباء فيها للمصاحبة والاستعانة، للمصاحبة من أجل حصول بركتها: فإن البسملة فيها بركة، ولذلك إذا ذُكِرت على الذبيحة صارت الذبيحة حلالًا طاهرة، وإذا لم تُذكر صارت حرامًا نجسة. إذا ذُكرت قبل الوضوء صار الوضوء صحيحًا. وإذا لم

стр. 4

تُذكر صار الوضوء فاسدًا، على قول من يرى أن البسملة من شروط الوضوء، أو من واجبات الوضوء، ولكن القول الراجح في البسملة في الوضوء أنها سنة، لقول الإمام أحمد ﵀: لا يثبت في هذا الباب -أي في باب التسمية في الوضوء- شيء. إذا ذكرت على الطعام طردت الشيطان عنه، وإن لم تذكر فإن الشيطان يشارك الآكل والشارب. فالمهم أنها بركة، ولهذا نقول: الباء للمصاحبة أي: أن المبسمل يصطحب في بسملته البركة. والاستعانة، لأنها تعين الإنسان على مهماته. وأما (الله) فهو العلم الخاص بالله ، لا يسمى به غير الله ومعناها: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. أي أن إله بمعنى مألوه، أي معبود. فإذا قال قائل: أين الهمزة في الله؟ فالجواب: أنها حذفت للتخفيف؛ لكثرة الاستعمال. كما حذفت من ناس، وأصلها أُناس. وحذفت من شر وخير، وأصلها أشر وأخير. أما (الرحمن) فهو اسم من أسماء الله، و (الرحيم) كذلك اسم من أسمائه. والفرق بينهما أن الرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل، ولهذا جاءت الرحمن بهذه الصيغة الدالة على السعة، فرحمة الله واسعة شاملة لكل شيء، وأما (الرحيم) فهو الموصول رحمته إلى خلقه. وتقسم الرحمة باعتبار اسم (الرحيم) إلى قسمين:

стр. 5

عامة وخاصة. أما (الرحمن) باعتبار الوصف فهو عام؛ لأنه ذو رحمة واسعة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧] هذه البسملة مشتملة على جار ومجرور، والجار والمجرور معمول لابد له من عامل، وهو المسمى بالمتعلق، فيقال مثلًا: الجار والمجرور متعلق بكذا، فأين متعلَّق البسملة؟ قال أهل العلم: متعلق البسملة فعل مقدر، متأخر، موافق للمبدوء به في مادته. فإذا كنت تريد أن تتوضأ كان تقدير هذا المحذوف: باسم الله أتوضأ، وإذا كنت تريد أن تقرأ كان تقديره: باسم الله أقرأ، وعلى هذا فقس، قال النبي ﷺ : "ومن لم يذبح فليذبح باسم الله" (١) فقدر الفعل يعني ليقول: ذبحت باسم الله. لماذا قدر فعلًا؟ لأنه الأصل في العمل. ولهذا كانت الأفعال تعمل بدون شرط. والأسماء لا تعمل إلا بشروط، كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة وغير ذلك. وقدر متأخرًا لوجهين: الوجه الأول: تيمنًا بالبداءة باسم الله. والوجه الثاني: من أجل الاختصاص، لأن تأخير العامل عن المعمول يفيد الاختصاص والحصر. وقدر موافقًا للمبدوء به في مادته، لأنه أخص وأدل على

стр. 6

المقصود، فأنت إذا أردت أن تتوضأ وقلت: باسم الله أتوضأ، كان أخص مما لو قدرت باسم الله أبتدئ. قال الله : ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ الواو هنا للقسم، والقسم تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة. فقولنا: "تأكيد الشيء" هذه هي فائدة القسم، أنه يفيد التوكيد بذكر معظم، كأن المقسم يقول: إنني أؤكد هذا، كما أؤكد عظمة المحلوف به، ولا يمكن أن أحلف بهذا العظيم عندي إلا على أمر مؤكد. وقولنا: "بصيغة مخصوصة" هي صيغة القسم، وحروف القسم ثلاثة: الواو، والباء، والتاء. فالواو: أكثرها استعمالًا. والباء أكثرها صيغة، يعني أن الباء يُحلَف بها مع وجود الفعل وحذفه، وتدخل على الظاهر وعلى المضمر. والتاء أخص من الواو. فإذًا أعم حروف القسم بالنسبة للاستعمال الباء؛ لأنها تستعمل مع وجود الفعل فتقول: أحلف بالله لتفعلنَّ كذا. ومع حذفه فتقول: بالله لتفعلنَّ كذا. وتستعمل أيضًا مع الاسم الظاهر مثل: أحلف بالله. ومع الاسم المضمر مثل: إن الله -وبه أحلف- لعلى كل شيء قدير، فهنا دخلت الباء على الضمير. أما الواو فهي أكثرها استعمالًا، لكنها لا تدخل إلا على الظاهر، ولا يذكر معها فعل القسم.

стр. 7

التاء هي أقلها استعمالًا وتختص بالظاهر، وتختص أيضًا بأسماء معينة، وهي: الله ورب، قال ابن مالك: والتاء لله ورب. فتقول: تالله لأفعلنَّ كذا، وتقول: ترب الكعبة لأفعلنَّ كذا، أو تالرب لأفعلنَّ كذا، ولا يذكر معها فعل القسم، فهي أضيقها استعمالًا. ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ الصافات اسم مجرور بواو القسم؛ لأن حروف القسم تجر. والصافات لها معنى ولها مراد، فما دل عليه اللفظ باعتبار اللغة فهو معنى، وما كان مرادًا للمتكلم فهو المراد. والمعنى في الصافات يعني الأشياء القائمات على خط واحد مستقيم، فكل شيء متعدد يقوم على خط واحد مستقيم يسمى صافًّا، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾ [الصف: ٤] يعني على خط مستقيم. هذا المعنى للصافات. لكن ما المراد به؟ قال المؤلف: [الملائكة]، وأُنِّثت باعتبارها جماعات. وجماعات مؤنث. وقد أخذ الزائغون بهذا الاشتباه أي تأنيث الملائكة، وقالوا: إن الملائكة بنات الله، ولهذا تذكر بصيغة التأنيث، ولكن لا شك أن هذا من باب التلبيس والتشبيه. فإن الله تعالى ذكر الملائكة بصيغة المذكر ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٥] ولم يقل: يسبحن بحمد ربهن، وعلى كل حال أنثت الملائكة باعتبارها جماعات؛ لأن الملائكة -عليهم الصلاة والسلام- جماعات مختلفة، كل جماعة لها وظيفة معينة، فمنها من وظيفتهم العبادة الخاصة لله من التسبيح والركوع

стр. 8

والسجود وغير ذلك. ومنهم ملائكة موكلون بحفظ بني آدم، وملائكة موكلون بحفظ أعمالهم وكتابتها، وملائكة موكلون بأشياء أخرى، منها ما نعلم ومنها ما لا نعلم. فإذا قال قائل: من الملائكة؟ فالجواب: أنهم عالم غيبي خلقوا من نور، واستعبدهم الله في طاعته، فقاموا بها على أتم وجه، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. فإن قال قائل: هذا التعريف يرد عليه أن الملائكة قد تُرى، فإن النبي ﷺ رأى جبريل على صورته التي خلق عليها، وله ستمائة جناح قد سد الأفق (١)، وأحيانًا يأتي جبريل بصورة بشر؟ فالجواب: أن هذا على سبيل الندرة، وما كان نادرًا فإنه لا يخرم القاعدة، أو لا يبطل التعريف. والنادر كما يقول العلماء: ليس له حكم. ما وجه كون الملائكة توصف بالصافات؟ قال المؤلف: ١ - [تصف نفوسها في العبادة، أو أجنحتها في الهواء، تنتظر ما تؤمر به]. هذا الصافات، وصفت بها الملائكة؛ لأنها تصف أنفسها للعبادة، يعني تهيئها لها. ٢ - أو يصفون عند الله كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].

стр. 9

٣ - أو تصف أجنحتها في الهواء تنتظر ما تؤمر به، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾. [الملك: ١٩] فالطير إذا كان في الهواء وقد وضع أجنحته هكذا، لا تتحرك. يقال: إنه صاف. فإذا قال قائل: (أو) في قول المؤلف هنا للتنويع أو للشك أو ماذا؟ يحتمل أن هذه للتنويع، يعني أنها تصف هكذا وهكذا. أو أنها للشك للتردد بين قولين قال بهما المفسرون. ولكن المعنى الأول أحسن؛ لأن هذا وصف للملائكة، فهي تصف أنفسها للعبادة، وكذلك تصف أجنحتها في الهواء تنتظر ما تؤمر به. ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ قال المؤلف ﵀: [الملائكة تزجر السحاب، أي تسوقه]. إذًا فالموصوف شيء واحد، فالصافات هُنَّ الزاجرات، وقوله: [تزجر السحاب (أي تسوقه) لعل هذا على سبيل المثال من زجر الملائكة؛ لأن الملائكة تزجر السحاب أي تسوقه، وكذلك تزجر الميت الكافر عند موته، تزجر نفسه لتخرج، تقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة. وكذلك لعلها تزجر أشياء أخرى لا نعلمها. المهم أن المراد بالزاجرات الملائكة. وكيف كانت زاجرة؟ نقول: لهذا عدة أوجه منها: زجر السحاب، وزجر النفوس الكافرة عند الموت، وغير ذلك مما يأمرها الله به أن تزجره.

стр. 10

﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ [أي قُرَّاء القرآن يتلونه ﴿ذِكْرًا (٣)﴾ مصدر من معنى التاليات]، قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ عدل المؤلف بهذا الوصف عن الموصوف الأول فقال: [قراء القرآن يتلونه] أي النفوس التاليات، ولو قيل: إن المراد بها الملائكة أيضًا, لأن الملائكة تتلوا القرآن، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١١ - ١٦] فالملائكة تتلوا القرآن، فيمكن أن نجعل هذه الأوصاف الثلاثة كلها للملائكة. والمؤلف ﵀ أعرب ﴿ذِكْرًا (٣)﴾ على أنها مصدر من معنى التاليات. فاستفدنا من هذا فائدة نحوية، وهي أن المصدر قد يكون من اللفظ، وقد يكون من المعنى، فإن كان من اللفظ، فهو مصدر لفظي، وإذا كان من المعنى فهو مصدر معنوي، فإذا قلت: قعدت جلوسًا، فجلوسًا مصدر معنوي. قعدت قعودًا مصدر لفظي، يقول المؤلف: [ذكرًا مصدر من معنى التاليات]، يعني الذاكرات ذكرًا، فالتاليات عنده بمعنى الذاكرات، وذكرًا مصدر لها من معناها, ولكن الذي يظهر خلاف كلام المؤلف ﵀ وأن ﴿ذِكْرًا (٣)﴾ مفعول للتاليات؛ لأن التاليات اسم فاعل قد استوفى شروط العمل لكونه محلى بأل، وذكرًا مفعول به، أي فاللاتي يتلين الذكر، والمراد بالذكر: القرآن وسمي ذكرًا: ١ - لأنه ذكر لله فإنه من أفضل الذكر. ٢ - ولأنه يذكر الإنسان بربه.

стр. 11

٣ - ولأنه يذكر الإنسان بأحكام ربه. ٤ - ولأنه يذكر الإنسان بنعم ربه. ٥ - ولأنه ذكر لمن عمل به أي شرف ورفعة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. [الزخرف: ٤٤]. ٦ - ولأنه يعظ صاحبه ويذكره، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾. [ص: ٢٩] فالقرآن ذكر من هذه الوجوه الفوائد: ١ - في الآيات الثلاث يقسم الله بالملائكة باعتبار صفاتها: صافات، وزاجرات، وتاليات؛ لأن كل صفة منها تدل على عظمة الخالق . ٢ - ومنها: فضيلة الملائكة في أحوالهم الثلاث: الصف، والزجر، والتلو؛ لأنه لا يحلف إلا بما كان أهلًا لأن يحلف به. فإذا قال قائل: كيف حلف الله بالمخلوق؟ لأن الملائكة مخلوقات مع أن الحلف بالمخلوق شرك. فالجواب على ذلك: أن الله له أن يحلف بما شاء من خلقه, لأنه المالك كما أنه يأمر بما شاء، أرأيت أمر الله تعالى الملائكة أن تسجد لآدم والسجود لغير الله شرك، لكن الله يأمر بما شاء، أرأيت أمره إبراهيم الخليل ﵊ أن يذبح ابنه وذبح ابنه من أعظم الكبائر وصار بأمر الله طاعة لله كذلك الحلف بغير الله شرك،

стр. 12

ولكن مع هذا لله أن يحلف بما شاء من خلقه. ولكن يجب أن نعلم أن لله لا يحلف بشيء من خلقه إلا كان هذا الشيء من أعظم آياته، فيكون الحلف بهذا المخلوق متضمنًا للحلف بآيات الله التي هي فعله, لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق. ٣ - ومن فوائدها: أن من صفات الملائكة الصف، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ [الصافات ١٦٥] وقال النبي ﵊: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" (١). ٣ - ومن فوائدها: أن الملائكة موكلة بالتصرف: بالزجر كزجر السحاب وزجر الكفار عند احتضارهم لقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾. ٤ - ومن فوائدها: أن الملائكة تتلوا الذكر أي تتلوا القرآن، وهذا يدل على قيام الملائكة بعبادة الله، وعلى فضيلة القرآن حيث تتلوه الملائكة، لقوله تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾. * * * ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ الجملة هذه جواب القسم، ولذلك كسرت إنَّ هنا لوقوعها في جواب القسم؛ ولأنه اقترن خبرها باللام. وإذا وقعت إنَّ جوابًا للقسم وجب كسرها، وإذا اقترن خبرها باللام، أو اسمها المؤخر، أو معمول أحدهما باللام وجب كسرها. ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ﴾ الخطاب يقول المؤلف: [يا أهل مكة]،

стр. 13

ولكن الصحيح أنه عام يشمل كل من خوطب، ولكن الذي أوجب المؤلف أن يجعله خاصًّا بأهل مكة؛ لأن هذه الآية مكية والمشركون هم أهل مكة. ولكن لا ينبغي أن يقيد المعنى العام بمكان نزوله، وإذا كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المكان. فالصواب ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ﴾ يعني أيها الناس ﴿لَوَاحِدٌ (٤)﴾ يعني لا شريك له، والواحد والأحد وما أشبههما تدل على الانفراد، أي أنه لا شريك له، ﴿إِلَهَكُمْ﴾ فِعال بمعنى مفعول، أي مألوهكم، والمألوه هو الذي يعبد محبة وتعظيمًا، فبمحبته يقوم الإنسان بفعل الأوامر، وبتعظيمه ينتهي عن النواهي، إذًا إن معبودكم أيها الناس لواحد لا شريك له، فالله لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته، دليل الربوبية قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧] وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦] ودليل الألوهية قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. [محمد: ١٩]. ودليل الأسماء والصفات قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. فالله تعالى واحد في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، . ويرد على هذا أن للمشركين آلهة متعددة؟ والجواب: أن نقول: نعم لهم آلهة لكنها آلهة باطلة،

стр. 14

والدليل على أنها باطلة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ٣٠] وقوله : ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. [النجم: ٢٣]. ثم قال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (رب) إما أن تكون عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هو رب السماوات والأرض. ورب بمعنى خالق، ومالك، ومدبر، فهو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي يملك السماوات والأرض، وهو المدبر للسماوات والأرض. قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وهذا انفراده بالخلق والتدبير، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ٢٧] وهذا انفراده بالملك. والسماوات جمع سماء وهي معروفة، وعددها سبع سماوات بنص القرآن. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾. [المؤمنون: ٨٦] وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. [الطلاق: ١٢] الأرض كذلك سبع لظاهر القرآن وصريح السنة: أما ظاهر القرآن ففي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، [الطلاق: ١٢] فالمثلية هنا بالعدد؛ لأنه لا يمكن أن تكون الأرض مثل السماء في ذاتها ولا في سعتها وعظمتها، فالسماء أوسع وأعظم، ومادتها غير مادة الأرض؛ ولهذا يصف الله تعالى السماء بالقوة: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾. [النبأ: ١٢] ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ

стр. 15

سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾. [الأنبياء: ٣٢] ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] ولم يرد ذلك في الأرض. إذًا يتعين أن تكون مماثلة في العدد. أما السنة فصريحة مثل قوله ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين" (١). ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يعني ورب ما بينهما, ولا شك أن الذي بينهما مخلوقات عظيمة بدليل أنها جعلت قسيمة وعديلة للسماوات والأرض. فلابد أن تكون شيئًا عظيمًا، ليس هي مجرد ما نرى من السحاب المسخر بين السماء والأرض، بل هناك أشياء عظيمة بين السماء والأرض من آيات الله . نعرف منها السحاب فإنه بين السماء والأرض، والنجوم بين السماء والأرض، والشمس بين السماء والأرض، والقمر بين السماء والأرض، لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ [الأنبياء: ٣٣] وما اشتهر عن علماء الفلك سابقًا من أن الشمس في السماء الرابعة، والقمر في السماء الدنيا، وعطارد وزحل والمشتري في السماوات الأخرى، وهي على هذا الترتيب. زحل شرى مريخه من شمسه ... فتزاهرت بعطارد الأقمار أعلاها زحل في السماء السابعة، (شرى) المشتري في السادسة، (مريخه) المريخ في السماء الخامسة، (من شمسه) الشمس في الرابعة، (فتزاهرت) الزهرة في الثالثة، بعطارد في

стр. 16

الثانية، الأقمار في السماء الدنيا. هذا هو المشهور عند علماء الفلك سابقًا، ولكن هذا خلاف الصواب؛ لأن ظاهر النصوص أن الشمس والقمر والنجوم كلها دون السماء، ليست ملصقة في السماوات، بل هي في فلك يدور بين السماء والأرض، والقمر هو أقربها إلى الأرض بدليل أنه يكسف ما فوقه كما شاهدناه وشاهده غيرنا، أحيانًا تجده يمر من تحت النجمة فتغيب به، وهذا يدل على أنه تحت النجوم، على كل حال نقول: ما بين السماوات السبع السحاب والشمس والقمر والنجوم والكواكب وغيرها من أمور لا نعلمها، قد لا نعلم هذه الأمور، ويمكن أن العلم فيما بعد يطلعنا على شيء كثير منها. ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي والمغارب للشمس، لها كل يوم مشرق ومغرب]، فكأنه من باب الاكتفاء بذكر المقابل عن مقابله، نظير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] يعني والبرد، فإن السرابيل التي هي القمص وشبهها تقي الحر والبرد. والمشارق جمع مشرق، فما المراد بالمشارق؟ هل المراد كما قال المؤلف: مشارق الشمس لأنها كل يوم لها مشرق؟ أو نقول: إن المشارق أعم فتشمل مشارق الشمس، ومشارق القمر، ومشارق النجوم، ومشارق كل ما شرق. أيهما أعم؟ الثاني أعم. فنقول: رب المشارق يعني مشارق الشمس، ومشارق القمر، ومشارق النجوم، ومشارق كل ما يشرق. وذكر الله المشارق دون المغارب, لأن المشارق أدل على القدرة من المغارب، إذ إن

стр. 17

الشروق ابتداء والغروب انتهاء. وفي الشروق -أيضًا- ولاسيما في شروق الشمس إضاءة ونور يظهر فيه تمامًا كمال النعمة، وقوله ﴿الْمَشَارِقِ﴾ هنا بالجمع، وفي بعض الآيات جاءت بالتثنية، مثل قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ [الرحمن: ١٧] وفي بعض الآيات جاءت بالإفراد كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل: ٩] فهل هذا تناقض أم ماذا؟ الجواب: لا, وليس في القرآن شيء من التناقض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] فالقرآن لا يمكن أن يتناقض بنفسه، ولا أن يتناقض مع صحيح السنة. وانتبه نقول: مع صحيح السنة, لأنه قد تأتي سنة ضعيفة تناقض القرآن، ومناقضتها للقرآن يدل على ضعفها, لكن مع صحيح السنة لا يمكن، فإن وجد شيء ظاهره التعارض فإنه لابد أن يكون هناك وجه لتصحيح التعارض: إما بإمكان الجمع وهو المرتبة الأولى للعمل بالنصوص التي ظاهرها التعارض. وإما بالنسخ إن علم التاريخ وكان النص مما يدخله النسخ. وإما الترجيح يكون أحدهما أرجح من الآخر، ولابد من هذه المراتب الثلاث. لكن أحيانًا قد لا يتسنى للناظر وجه من هذه الوجوه، قد يعجز عن الجمع، وقد لا يعرف النسخ، وقد لا يمكنه الترجيح، فموقفه حينئذ التوقف، وأن يقول: الله أعلم، ولا يجوز أن يعتقد بأي حال من الأحوال أن في القرآن أو صحيح السنة تناقضًا أبدًا، لكن هل له أن يحاول معرفة هذه المراتب، أو إذا أشكل عليه أول

стр. 18

مرة وقف؟ يجب أن يحاول النظر مرة بعد أخرى حتى يتبين، لئلا يقع في نفسه شك فيزيغ والعياذ بالله، فهذه الفائدة جاءت عرضًا، وهي أنه ليس في القرآن تناقض لا في نفسه ولا مع صحيح السنة، فإن وجد شيء ظاهره التناقض والتعارض وجب أن نستعمل المراتب الثلاث. أولًا: الجمع، فإن لم يمكن فالنسخ، فإن لم يمكن فالترجيح، فإن لم نصل إلى ذلك فالتوقف لكن مع محاولة الوصول إلى مرتبة من هذا المراتب. فبناءً على هذه القاعدة يمكن أن ننزل الاختلاف الوارد في المشرق والمغرب فنقول: المشرق باعتبار الجهة يعني جهة الشرق، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [المزمل: ٩] يعني جهة الشرق والمغرب جهة الغرب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. أي جهة الله على أحد التفسيرين، وأما المشرقين والمغربين فالمراد مشرقا الصيف والشتاء، ومغربا الصيف والشتاء، فالشمس مثلًا لها منتهى في مشرقها صيفًا، وهو مدار السرطان، ولها منتهى في مدارها شتاء وهو مدار الجدي. فالفرق بين المشرقين فرق كبير، لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يحول الشمس من مدار السرطان إلى مدار الجدي ولا شعرة واحدة. وكذلك نقول بالنسبة للقمر؛ لأنه يدور على هذه المعالم: المشرقين والمغربين.

стр. 19

المشارق والمغارب الجمع فيها واضح، إما باعتبار مشارق، كل ما يشرق ومغارب كل ما يغرب من الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وإما أنها المشارق اليومية للشمس, لأن كل يوم لها مشرق، وهذه المرتبة مرتبة الجمع، فالجمع بينها أن نقول: المشارق باعتبار مشارق كل ما يشرق، أو باعتبار المشارق مشارق الشمس كل يوم، والمشرقين باعتبار مشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما المشرق والمغرب الجهة. الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآيات: وحدانية الله في ألوهيته لقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾. ٢ - ومن فوائدها: بطلان ألوهية ما سوى الله لقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ فإذا كان واحدًا فما سواه فهو باطل. ٣ - ومن فوائدها: أهمية التوحيد؛ لأن الله تعالى أقسم بالملائكة على ثبوت هذا التوحيد؛ ولأن الله تعالى أكده بثلاثة مؤكدات: القسم، إن، اللام. ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾. ٤ - ومن فوائدها: التناسب بين المقسم به وعليه، فالمقسم به الملائكة في حال تلك الأوصاف: الصف والزجر والتلو. والمقسم عليه وحدانية الله، والتناسب بينهما: أن الملائكة إنما تفعل ذلك توحيدًا لله وتعظيمًا له. ٥ - ومن فوائدها: إثبات الربوبية لله لقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾.

стр. 20

٦ - ومن فوائدها: عموم ربوبيته في قوله ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾. ٧ - ومن فوائدها: التلازم بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فإن قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ كالدليل على توحده بالألوهية، وذلك أنه إذا كان متوحدًا بالربوبية لزم أن يكون متوحدًا في الألوهية. كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] فكيف تعبدون غيره ممن لم يخلقكم ولا خلق أحدًا؟ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾. [الحج ٧٣] ولهذا قال أهل العلم: من أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية وإلا كان متناقضًا؛ لأنه يقال له: كيف تقر بأن الله وحده هو الرب الخالق ثم تعبد معه من لا يخلق؟ وهل هذا إلا تناقض؟ وهذه الآية وما شابهها من آيات الكتاب العزيز تدل على التلازم بين توحيد الألوهية والربوبية، ووجه ذلك أنه يلزمه أن يقر بتوحيد الألوهية ولكن كيف تلزمه؟ لأنه إذا قال: إن الله واحد في الخلق فيجب ألا يعبد غيره. ٨ - ومن فوائدها: إثبات أن للسماوات عددًا لقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ وقد بين في مواضع بأنها سبع، وكذلك الأرض. ٩ - ومن فوائدها: الإشارة إلى عظم السماوات والأرض وما بينهما؛ لأن الله أضاف الربوبية إليها في مقام إقامة الحجة،

стр. 21

وهذا يدل على عظمتها، وأنها لعظمتها صارت كالدليل الملزم لتوحيد الألوهية. ١٠ - ومن فوائدها: أن بين السماوات والأرض من المخلوقات العظيمة ما اقتضى أن يكون ما بين السماء والأرض قسيمًا للسماوات والأرض. ١١ - ومن فوائدها: تمام قدرة الله بتصريف المشارق والمغارب لقوله: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ ولا أحد يستطيع أن يتصرف في هذه المشارق والمغارب لا بتقديم ولا بتأخير ولا بتغيير مكان، لو أن الخلق كلهم اجتمعوا على أن يقدموا طلوع الشمس بدقيقة واحدة، أو يؤخروها، أو يزحزحوها عن مكانها ما استطاعوا. وإنما ذلك إلى الله هو الذي يتصرف فيها. وقد أمرها أن تسير كما أمرها بحكمته فسارت إلى أجل مسمى. فإذا أراد الله تعالى أن يغيرها غيَّرها وردها من حيث جاءت فشرقت من حيث غربت. * * * ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ (إنا) الضمير يعود على الله ، واستعمال ضمير الجمع عائدًا إلى الله من باب التعظيم، وليس من باب التعدد؛ لأن الآية تقول: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ لكن هذا من باب التعظيم، وقوله: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ﴾ أي جعلنا عليها ما يزينها وهي الكواكب، ولهذا قال: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ وفي قراءة ﴿بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ﴾ وكلاهما صحيح. (بزينةِ الكواكبِ) أي بالكواكب المزينة للسماء كما قال

стр. 22

تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥] و (الكواكب) على القراءة التي ساقها المؤلف مضاف إليه، وزينةِ مضاف غير منون (بزينةِ الكواكب)؛ لأن الكواكب نفسها زينة تزين بها السماء الدنيا. فإذا قال قائل: السماء الدنيا. لماذا سميت دنيا؟ فالجواب: لأنها أدنى إلى الأرض مما فوقها، فهي دنيا، وربما نقول: إنها أدنى مما فوقها في السعة والقوة, لأنه كلما علوت اتسع المكان, لأن السماوات على الأرض دائرة كالكرة، ومعلوم أنك كلما صعدت فسوف يتسع وكلما اتسع فسيكون أقوى, لأنه لو كان المتسع بقوة ما تحته ضعف، إذ كلما اتسع البناء لابد أن يكون أقوى، ونضرب لك مثلًا: لو أنك أتيت بمسلح خمسة أمتار يحتاج مثلًا إلى ١٠ سم لكن إذا جعلته ٢٠ يحتاج إلى أكثر، يعني يحتاج أن يكون سميكًا أكثر؛ لأنه لو كان بسمك الأول مع سعته لكان يهضم، وكلما اتسع فلابد أن يكون أشد بناء وأحكم. وقوله: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ يعني أن الكواكب تزين السماء. وسنورد على هذا إيرادًا، وهو أننا ذكرنا قبل آنفًا أن النجوم والكواكب في فلك بين السماء والأرض، وظاهر الآية أن تزين السماء الدنيا بشيء لاصق به. والجواب على ذلك أن يقال: إن الشيء قد يزين بالشيء، ولو كان منفصلًا عنه. أرأيت لو وضعت ثريات خارج القصر فإذا نظرت إلى القصر والثريات بينك وبينه فإن هذه الثريات ستكون

стр. 23

زينة للقصر مع أنها في الواقع ليست لاصقة به، فكل شيء يحول يكون بينك وبين شيء آخر فإنه سيتصف به الشيء الثاني، وسيكون في نظرك ملاصقًا له. قال تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ يقول المؤلف: [حفظًا منصوب بفعل مقدر: أي حفظناها بالشهب] أي حفظنا السماء الدنيا حفظًا. بالشُّهُب كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] وقال هنا: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ (من كل) قال المؤلف: [متعلق بالمقدر -وهو حفظناها- (شيطان مارد) عاتٍ خارج عن الطاعة]، شيطان نكرة يشمل كل شيطان، بل هو نكرة مضافة إليه (كل) فيكون فيه نوعان من أسباب العموم وهو التنكير وإضافة (كل) إليه. وشيطان قيل إنه مأخوذ من شاط يشيط، وعلى هذا فالنون زائدة. وقيل: إنه من شطن بمعنى بَعُدَ، فالنون أصلية، وهذا هو الظاهر أن النون أصلية وهو مأخوذ من شطن إذا بعد؛ لأن الشيطان قد بَعُدَ من رحمة الله، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ [الحجر: ٣٥]. وقوله: (مارد)، المارد هو العاتي القوي العتو، والعياذ بالله. وقوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ قال المؤلف ﵀: [أي الشياطين مستأنف وسماعهم هو في المعنى المحفوظ عنه]، ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ الجملة -كما قال المؤلف- استئنافية، يعني أن الشياطين المردة لا يسمعون إلى الملأ الأعلى. هذه الجملة المستأنفة هي في المعنى المحفوظ عنه في قوله ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ

стр. 24

شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ عن سماعهم إلى الملأ الأعلى، يعني أن السماء حفظت من الشياطين ألا يسمعوا إلى الملأ الأعلى ﴿الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ الملائكة في السماء، وعُدِّي قال المؤلف: [السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء]. الملأ في الأصل الجماعة، ويطلق في الغالب على الأشراف، كما يمر كثيرًا في المكذبين للرسل أن الله يقول: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾، فالغالب أن الملأ هم الجماعة الأشراف والأعيان في قومهم. ولا ريب أن الملائكة -عليهم الصلاة والسلام- أشراف؛ لأنهم عباد مسخرون لعبادة الله لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، منهم من أقوم عباد الله في طاعة الله وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد هل هم أفضل من البشر، أو البشر أفضل منهم. وهنا يقول: ﴿الْأَعْلَى﴾، أي الأعلى مكانًا، فإن السماء أعلى من الأرض، ويمكن أن يراد به الأعلى وصفًا فيجمع بين الأمرين، كما أن الله إذا وصف بالأعلى فهو الأعلى مكانًا والأعلى وصفًا. قال: [وعُدّي السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء]، هذا جواب عن سؤال مقدر، وهو أن ﴿سَمِعَ﴾ في اللغة العربية تتعدى بنفسها، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١] وهنا قال: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ﴾ ولم يقل: لا يسمعون الملأ، أجاب المؤلف عنه بأن الفعل ضمن معنى الإصغاء، والتضمين معناه أن يكون الفعل متضمنًا لمعنى يناسب المعمول، سواء كان

стр. 25

مفعولًا به أو مجرورًا، وهل التجوز إذا جاء مثل هذا التعبير هل يكون التجوز بالفعل أي أنه ضمن معنىً يناسب المعمول الذي تعدى إليه الفعل، أو أن التجوز في الحرف. ذكر أهل النحو في ذلك قولين: القول الأول: وهو للكوفيين أن التجوز في الحرف. والقول الثاني: أن الفعل متضمن معنى يناسب الحرف المتعدي إليه. وأبين مثال لذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. [الإنسان: ٦] لو أننا أخذنا بظاهر اللفظ لكان المعنى أن هذه العين يُشرب بها، ومعلوم أن العين لا يمكن أن يشرب بها, لأنه لا يشرب إلا بالإناء من العين، فالعين لا يُشرب بها وإنما يشرب منها، فهل نقول: إن الباء هنا بمعنى (من) فيكون تجوز بالحرف، أو نقول: أن يشرب متضمن معنى يروى ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي يروى بها عباد الله بعد شربهم منها، ذكرنا في هذا قولين لأهل العلم، ولا ريب أن جعل التضمين في الفعل أولى من جعله في المعمول؛ لأنك إذا جعلت التضمين في الفعل استفدت فائدتين: الفائدة الأولى: ما دل عليه لفظ الفعل. الفائدة الثانية: ما دل عليه معنى الفعل المتضمن إياه. أما إذا جعلت التجوز في الحرف فإنك لا تستفيد إلا معنى واحدًا، وهو نزع الحرف وإحلال حرف آخر مكانه، ولم نستفد شيئًا ويبقى الفعل على ما هو عليه بمقتضى دلالة اللفظ، فالحاصل أن القول بأن الفعل يتضمن معنى يناسب الحرف، أو

стр. 26

يناسب المعمول أولى من القول بأن المعمول هو الذي فيه التجوز. هنا ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ﴾ نقول: الفعل يتضمن معنى الإصغاء. يعني لا يصغون إليهم مستمعين. وفي قراءة بتشديد الميم والسين ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ وأصله يتسمعون، أدغمت التاء في السين فصارت يسَّمَّعون، والقراءة هذه سبعية؛ لأن في اصطلاح المؤلف أنه إذا قال: في قراءة، فهي سبعية وإذا قال: قرِئَ، فهي شاذة ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ قال المؤلف ﵀[أي الشياطين بالشهب من كل جانب من آفاق السماء، ﴿دُحُورًا﴾ مصدر دحره، أي طرده وأبعده وهو مفعول له]، ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾، الضمير يعود على الشياطين فإذا قال قائل: إنه لم يتقدم ذكر الشياطين، فالجواب: بلى، تقدم في قوله ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ , لأن كل شيطان عام، فيكون دالًّا على الجمع، إذن يقذفون أي الشياطين المعلوم جمعهم من قوله ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾، ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨)﴾، الذي يقذفهم الله بأمره، يأمر هذه الشهب فتقذفهم، فالقذف هو الرمي بشدة ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨)﴾ أي من الجوانب التي تصيبهم من آفاق السماء. كما قال المؤلف. ﴿دُحُورًا﴾ يعني طردًا وإبعادًا. وهي كما قال المؤلف مفعول له، أي لأجل الدحور، والمفاعيل خمسة: المطلق، والمفعول به، والمفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه، وأمثلتها: ضربت ضربًا أبا عمرو غداة أتى ... وسرت والنيل خوفًا من عقابك لي

стр. 27

ضربت ضربًا مفعول مطلق، أبا عمرو مفعول به، غداة أتى المفعول فيه، وسرت والنيل المفعول معه، خوفًا من عقابك لي المفعول له. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ أي دائم فهم يعذبون في هذه الدنيا بهذه الشهب، ويعذبون في الآخرة بالعذاب الدائم؛ لأن الشياطين من أصحاب النار. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال المؤلف ﵀[مصدر أي المرة، والاستثناء من ضمير (يسمعون) أي لا يسمع إلا الشيطان الذي سمع الكلمة من الملائكة فأخذها بسرعة ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ﴾ كوكب مضيء ﴿ثَاقِبٌ﴾ يثقبه أو يحرقه أو يخبله]، لما قال ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ وكان هذا النفي عامًّا: يعني لا يسمع أي واحد من هؤلاء الشياطين إلى الملأ الأعلى، استثنى الشياطين المردة الذين يخطفون الخطفة، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ يعني أخذ الشيء بسرعة، وخطفة مصدر يدل على الوحدة، يعني إلا شيطانًا يخطف الخطفة فهذا يسمع، ولكن هل إذا خطف الخطفة ينجو؟ قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ فهنا استثنى من نفي سماعهم إلى السماء، استثنى الذي يخطف الخطفة فهو يسمع، ولكن هل ينجو حتى يصل إلى الأرض؟ قال: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي تبعه شهاب ثاقب يعني كوكب مضيء ثاقب أي نافذ ينفذ فيه فيخرقه أو يحرقه أو يخبله. وربما ينجو من هذا الشهاب إذا أراد الله ، ويصل إلى الكاهن ويوحي إليه بما سمع، ثم الكاهن يكذب مع ما سمع كذبات كثيرة مئة كذبة أو أكثر

стр. 28

أو أقل، ثم يحدث الكاهن الناس بما سيكون، فإذا وقع قال: إنه يعلم الغيب، واتخذ من هذا دعاية لنفسه، ولهذا كان الكهان في العرب في الجاهلية كانوا معظمين يتحاكم الناس إليهم, لأنهم إذا أخبروا من هذه الأمور من علم الغيب وقع ما أخبروا به وصار لهم شأن كبير عند الناس، فصار الشياطين ثلاثة أقسام: القسم الأول: قسم لا يمكنه السماع إطلاقًا. القسم الثاني: قسم آخر يمكن أن يسمع على سبيل الخطف ويحرقه الشهاب. والقسم الثالث: قسم يسمع على سبيل الخطف، وينجو، وكل هذا بإذن الله وإرادته تبعًا لحكمته. وكل هذه الآيات في بيان عظمة السماء، وأن السماء محفوظة محروسة لا يمكن أن يصل إليها أحد. في هذه الآيات من الفوائد: ١ - بيان أن الله تعالى زين السماء بهذه الكواكب، فإنك إذا رأيت السماء في ليلة صافية ليس فيها قمر ولا حولك إضاءة وجدت لها من الحسن ما لا تتصوره من حسن هذه النجوم، فيها اللامع والخفي والقريب بعضه من بعض والمتباعد بعضه من بعض، والمختلف الأشكال مما يدل على عظمة الخالق عز جل، وأنه جعل هذه النجوم زينة للسماء. وفيها أيضًا فائدة غير الزينة أشار إليها بقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾. وفيها فائدة ثالثة غير الحفظ والزينة: الاهتداء ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦] فهذه النجوم فيها هذه الفوائد الثلاث.

стр. 29

٢ - ومن فوائدها: أن السماوات متطابقة بعضها أدنى من بعض، لقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ مما يدل على أن هناك سماوات فوقها، وهو كذلك. ٣ - ومن فوائدها: عناية الله بخلقه حيث زين لهم السقف الذي فوق رؤوسهم؛ لأنه لو كان مظلمًا حالكًا لا يرون فيه شيئًا منيرًا لكان في ذلك شيء من الإيحاش، ولكن الله تعالى اعتنى بهذا فزينه لهم. ٤ - ومنها عناية الله من وجه آخر حيث حفظ السماء الدنيا بهذه الكواكب، فإذا قال قائل: ما فائدة هذا الحفظ؟ قلنا: الفائدة لئلا تعبث الشياطين بما ينزل من السماء من الوحي، أو تعبث الشياطين بتغرير الخلق بالكهان وأنهم يعلمون الغيب. ٥ - ومن فوائدها: أن الشياطين مردة لقوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ بناء على أن كلمة مارد صفة كاشفة، فإن جعلت صفة مقيدة ففيها دليل على أن الشياطين منهم مردة، ومنهم دون ذلك، والآية محتملة لأن تكون مارد صفة لكل شيطان، ومحتملة لأن تكون صفة لبعض الشياطين، وأن يكون بعضهم غير مارد. ٦ - ومن فوائدها: أن هؤلاء الشياطين لا يسمعون إلى الملأ الأعلى السماع الكامل بحيث ينالون مرادهم، بسبب هذه الشهب التي تحرقهم فلا يستطيع الواحد منهم أن يسمع سماعًا كاملًا يصغي إلى الملأ الأعلى كما يصغي الإنسان إلى شيخه وإلى محدثه، بل تجدهم يأتون إلى السماء خطفًا فيخطفون ما يسمعون دون أن يكون هناك مهلة وتأنٍّ؛ لأنها تخشى من الشهب.

стр. 30

٧ - ومن فوائدها: أن الشياطين أجسام لقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ لأنه لا يخرق ولا يحرق إلا ما كان جسمًا وهو كذلك، فإن الشياطين أجسام، لكنهم أجسام لطيفة تخترق الأجسام الكثيفة أجسام البشر، ولهذا قال النبي ﵊: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (١). كما أن الروح تجري من الجسد مجرى الدم، والروح جسم لطيف فكذلك الشياطين أجسام لطيفة تخترق الأجسام الكثيفة. ٩ - ومن فوائدها: أن الله قد يعطي هذه الأجسام اللطيفة قدرة يصلون بها إلى السماء؛ لقوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾، ولا شك أنهم قد يصلون إلى السماء، وأن لديهم من القوة ما هو أشد من قوة البشر ذوي الأجسام الكثيفة، أرأيتم لما قال سليمان ﵊: ﴿الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٣٩] وكان له وقت معين يقوم فيه من مقامه، فقال: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك. يعني قبل أن يأتي الوقت الذي تقوم فيه، وكان سليمان ﵊ في الشام، وعرش ملكة سبأ في اليمن، ويقول: آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب

стр. 31

والذي دعا الله بما دعاه به: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. يعني قبل أن ترسل طرفك ثم ترده, لأن الذي تأتي به الملائكة، والملائكة أقوى من الشياطين، فلهذا رآه في الحال. فلما رآه مستقرًّا عنده قال: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ... ﴾ إلى آخر الآيات. المهم أن الشياطين لهم قوة وقدرة توصلهم إلى السماء، والذي أعطاهم هذه القوة والقدرة هو الله .. ١٠ - ومن فوائدها: فضيلة الملائكة، حيث وصفوا بأنهم الملأ الأعلى لعلو مكانهم ومكانتهم، ففيهم العلو الحسي والعلو المعنوي. ١١ - ومن فوائدها: أن الشهب التي تقذف بها الشياطين تأتيهم من كل جانب، فإلى أي جهة حاولوا الفرار يجدون الشهب، ولا يلزم أن تجتمع هذه الشهب عليهم، قد يكون شهاب واحد يأتيهم من جهة، لكن لو حاولوا الفرار أتاهم شهاب ثانٍ، وهكذا أي جهة يحاولون الفرار منها سيجدون الشهاب، قال: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨)﴾. ١٢ - ومن فوائدها: أن الشياطين ليست أهلًا لأن تحل السماء أو تقعد فيها أو تقرب منها, ولهذا يقذفون لإبعادهم دحورًا. ١٣ - ومن فوائدها: أن الشياطين مكلفون، يقع عليهم العقاب الدائم لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ يعني دائم. ١٤ - ومن فوائدها: أن الشياطين قد تأتي بخبر السماء لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ ولكن قد يقول قائل: إن الله قال

стр. 32

﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وحينئذ لا يصل إلى مراده. فالجواب: أنه قد دلت النصوص الأخرى على أنه قد يصل إلى مراده، فيصل إلى الكاهن قبل أن يدركه الشهاب. * * * ثم قال الله : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾: قال المِؤلف ﵀: [استخبر كفار مكة تقريرًا أو توبيخًا ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ من الملائكة والسموات والأراضين وما فيهما، وفي الإتيان بمن تغليب للعقلاء]. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يعني اطلب منهم الفتوى، والفتوى في الأصل هي الإخبار بالشيء، ولكنها في اصطلاح الفقهاء: هي الإخبار عن حكم شرعي. وهنا ليس المراد بذلك الفتوى الشرعية، وإنما المراد بها الفتوى اللغوية، يعني: استخبرهم واسألهم أهم أشد خلقًا أم من خلقنا؟ فسيقولون من خلق الله أشد. كل يعرف أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وكذلك الذين يؤمنون بالغيب يقرون بأن ما غاب عنا من مخلوقات الله أعظم مما نشاهد. اللهم إلا أحدًا يريد أن يكابر، ويقول: أنا أشد خلقًا، كما قال الشيطان لله : ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢] وكما قال فرعون لقومه: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ [الزخرف: ٥٢] وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤] وإلا فكل يعلم أن المخلوقات العظيمة كالسموات والأرض

стр. 33

والشمس والقمر أعظم من خلق الإنسان. قال المؤلف: [وفي الإتيان بمن تغليب العقلاء]، أي في قوله ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ ولم يقل: أما خلقنا. تغليبًا للعقلاء، وذلك أن ما خلقهم الله فيهم العقلاء وفيهم غير العقلاء، يعني فيهم من يعقل وفيهم من لا يعقل. فالملائكة والجن يعقلون، والبهائم والجمادات لا تعقل، وإن كانت البهائم أقرب إلى العقل من الجمادات، ومع هذا كل هذه الأشياء لها عقل تدرك به خالقها ، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] وأخبر النبي ﵊ أن جبل أحد يحب النبي ﷺ والنبي ﷺ يحبه (١). وغلب العقلاء مع أنهم الأقل لأنهم أفضل وأشرف. قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ﴾ قال المؤلف ﵀: [أي أصلهم آدم ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ لازب يلصق باليد، المعنى أن خلقهم ضعيف فلا يتكبرون بإنكار النبي والقرآن المؤدي إلى هلاكهم اليسير]. لما قال: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ بين أصل خلقهم ليبين هل هم أشد أم من خلق الله؟ والحقيقة أن الجملة ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ تحتاج إلى وقفة بالنسبة للإعراب. الهمزة للاستفهام و (هم): مبتدأ و (أشد): خبر، (خلقًا): تمييز. لأن أفعل إذا جاء الاسم بعدها منصوبًا فهو

стр. 34

تمييز. وأما (من خلقنا) فهذا هو المعادل، ولهذا فالهمزة هنا للتسوية يعني أيستوي هم ومن خلقنا؟ والجواب: لا. لا يستوون. بل من خلق الله أعظم. والله أعلم. الفوائد: ١ - في هذه الآية الكريمة: ما يدل على أن الرسول ﷺ مكلف بالإبلاغ والمحاجة؛ لقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ وهو كذلك، فإن الله أمره أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وأمره أن يجادل قومه ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وأخبر بأنه يحاجهم لقوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. ٢ - ويتفرع على هذه الفائدة: أن وظيفة أهل العلم الذين ورثوا علمه كوظيفته في هذا الباب فيلزمهم محاجّة أهل الباطل ومقارعتهم. ٣ - ويتفرع على ذلك: أن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله؛ لأن طالب العلم يحاجُّ أعداء الشريعة بالحق ليدحض به باطلهم، وأحيانًا يكون الغزو الفكري أعظم فتكًا من الغزو المسلح كما هو مشاهد، فإن الغزو الفكري يدخل كل بيت باختيار صاحب البيت بدون أن يجد معارضة أو مقاومة، لكن الغزو العسكري لا يدخل البيت، بل ولا يدخل البلد إلا بعد قتال مرير ومدافعة شديدة، فأعداء المسلمين يتسلطون عليهم -أحيانًا- بالغزو المسلح بالقتال وهذا يمكن التحرز منه، وأحيانًا بالغزو الفكري وهو أشد وأنكى من الغزو المسلح؛ لأنه يصيب المسلمين في قعر

стр. 35

بيوتهم ولا يعلمون به، ربما يخرجون من الإِسلام ويمسح الإِسلام من أفئدتهم مسحًا كاملًا، وهم لا يشعرون, لأنهم يغرون المسلمين بالشهوات، والقلب إذا انغمس بالشهوات: نسي ما خلق له، نسي عبادة الله، ولم يكن في قلبه تعلق بالله . فتجد الإنسان في حال قيامه وقعوده وذهابه ومجيئه لا يفكر إلا بهذه الشهوات، ولا يسعى إلا لهذه الشهوات، وكأنه لم يخلق لغيرها. كذلك يغذون في نفوس الضعفاء تعظيم هؤلاء الكفار، وأنهم أكثر تقدمًا وأشد حضارة وأقوم طريقًا وما شابه ذلك. فينصهر المسلم في حرائق هؤلاء القوم، وهذا لا شك أنه موجود، وأن كثيرًا من البلاد الإسلامية زالت معنوياتها وهلكت شخصيتها بسبب هذا الغزو الفكري. إنهم لو غزوا البلاد الإِسلامية غزوًا عسكريًّا لحلوا بأبدانهم البلاد، ولكن قلوب الناس نافرة منهم مبغضة لهم، لكن المشكل أن يغزو الناس بصفاتهم وأخلاقهم وعقائدهم وهم جالسون في بيوتهم قد فتحوا لهم القلوب هذا هو المشكل، وهذا هو الدمار، ولهذا كان الغزو بالسلاح العلمي المستمد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ مساويًا إن لم يكن أنفع وأبلغ من الغزو العسكري، فأنا أحثكم -بارك الله فيكم- وأحث نفسي على أن نعد العدة لمكافحة أعدائنا الذين يريدون أن يغزونا في بيوتنا بأفكارهم الخبيثة وأخلاقهم الملوثة، وبأفكارهم المنحرفة حتى نحمي المسلمين من شر هؤلاء؛ لأن سلاحهم أعظم فتكًا وأشد من سلاح الحديد والنار، كما هو ظاهر، وربما

стр. 36

من خرج منكم إلى البلاد الأخرى، عرف أكثر مما أعرف مما أدى إلى الانحراف في العقيدة، والانجراف وراء الشهوات التي أصبحت بعض البلاد الإِسلامية كأنها بلاد كافرة، وهم الآن يحاولون أن يغزو هذه البلاد بكل ما استطاعوا، حتى إننا نجد -أحيانًا- في الصحف ينشر الدعوة إلى اضمحلال أخلاق المسلمين وعاداتهم، ينشر أحيانًا دعاية للأزياء الأوربية والإفرنجية، وبهذا اللفظ يفتح معرض للأزياء الغربية أو الأزياء الأوربية أو الموضات الأوربية أو ما أشبهه، كل هذا لأجل أن يفسدوا أخلاقنا، وإذا فسد الخلق فسدت العقيدة، وإذا فسدت العقيدة زال تعلق المسلمين بربهم، وحينئذ صاروا أضعف الأمم، نسأل الله الحماية والسلامة. ٤ - ومن فوائدها: أمر الله -تعالى- النبي ﷺ أن يتحدى هؤلاء المكذبين بالاستفتاء: أهم أشد خلقًا أم من خلقنا؟ ٥ - ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي في المجادلة أن يؤتى بما يقر به الخصم ليكون حجة عليهم؛ لأنهم سيقرون بأن من خلق الله أشد خلقًا منهم، فإذا أقروا بذلك قامت عليهم الحجة. ٦ - ومن فوائدها: عظمة الله بعظمة خلقه؛ لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق، ولهذا إذا شاهدنا قصرًا جيدًا في بنائه وهندسته، عرفنا أن الذي بناه كان جيدًا ماهرًا، والعكس بالعكس. ٧ - ومن فوائدها: الإشارة إلى خلق بني آدم أو إلى أصل خلقهم بأنهم خلقوا من طين لازب، يلصق باليد مهين لقوله:

стр. 37

﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾. ٨ - ومن فوائدها: بيان قدرة الله حيث خلق هذا الإنسان الخصيم المبين من هذا الطين ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾. ٩ - ومن فوائدها: الإشارة إلى إمكان البعث، وأن الله قادر عليه، وأنه القادر على هذه المخلوقات التي هي أشد خلقًا منهم وعلى خلقهم من الطين قادر على إعادتهم، ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾. ١٠ - ومن فوائدها: إثبات الخلق لله في قوله: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ وفي قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ﴾. ١١ - ومنِ فوائدهاِ أيضًا: تفاوت الخلق في العظم، لقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ فتكون المخلوقات متفاوتة في عظمها ودلالتها على قدرة الله؛ لأن ما كان أعظم كان أدل على القدرة. ١٢ - ويتفرع على هذه الفائدة: أنه كما تتفاضل الآيات الكونية كذلك تتفاضل الآيات الشرعية، ولهذا كان أعظم السور في كتاب الله سورة (الفاتحة) (١) وأعظم آية (آية الكرسي) (٢) و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن (٣)، فالآيات الكونية تتفاضل

стр. 38

بعضها أدل على القدرة من بعض، وكلها دليل على القدرة حتى الذباب أهون شيء يدل على قدرة الله ، وكذلك الآيات الشرعية. ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ في هذه الآية قراءتان بفتح التاء، فيعود الضمير على رسول الله ﷺ ، وبالضم على الله ، هذا هو القول الصحيح، وإذا كان عائدًا إلى الله فهل هو عجب حقيقي أو مجازي؟ الصحيح أنه حقيقي وأنه كسائر الصفات، فإذا قال قائل: إن العجب هو حالة تطرأ على الإنسان لفعل ما لا يخطر له على بال، أو لحصول ما لا يخطر له على بال، فكيف يمكن أن يوصف الله به؟ فالجواب أن نقول: إن أنواع العجب ثلاثة أقسام: عجب استحسان، وعجب إنكار، وعجب استفهام، والعجب الذي بمعنى الاستفهام لا يكون في حق الله؛ لأنه يكون لخفاء الأسباب على هذا المستغرب للشيء المتعجب منه بحيث يأتيه بغتة بدون توقع، وهذا مستحيل على الله تعالى؛ لأن الله تعالى بكل شيء عليم. مثال: للعجب الذي يحمل عليه الاستحسان "يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة" (١)، مثال عجب الإنكار من الله ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ هذا عجيب إنكار. قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ المراد بالآية أي آية؛ لأنها نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم،

стр. 39

وأما قول المؤلف كانشقاق القمر فهذا للتمثيل فقط. قال: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ ولم يقل: يسخرون، أي سخرية مع تكبر وتعالٍ، ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ (إن) نافية بمعنى ما، وخبرها ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ صفة لسحر، وهذا النوع من الاستثناء يسميه النحويون استثناء مفرغًا, لأن ما بعد (إلا) يتطلبه العامل الذي قبلها، فإذا كان ما بعد (إلا) يتطلبه العامل الذي قبلها سمي استثناء مفرغًا. تقول: ما قام إلا زيد، وما أكرمت إلا المجتهد، وما مررت إلا بعلي، فإذا كان الذي قبل (إلا) يتطلب ما بعدها سمي استثناء مفرغًا. فـ ﴿مُبِينٌ (١٥)﴾ بمعنى بيِّن ظاهر، وأبان تأتي لازمة ومتعدية، فإذا كانت لازمة فهي بمعنى "بان"، تقول: أبان الصبح، (أي بان وظهر)، وإذا استعمل متعديًا بمعنى أظهر. تقول: أبان الحق، (أي أظهر). الفوائد: في هذه الآيات من الفوائد: ١ - إثبات العجب لله على قراءة ضم التاء، وهو من صفات الله الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، وكل شيء يتعلق بمشيئته فهو من الصفات الفعلية عند أهل العلم. فإذا قال قائل: ما الذي يُعلمنا أنه يتعلق بمشيئته؟ فالجواب: أن كل صفة علقت على سبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأن الأسباب حادثة، وما يترتب على الحادث فإنه حادث، وعلى هذا فنقول: الرضا من الصفات الفعلية لأن له سببًا، والغضب والكراهة والسخط وما أشبهه. وطريق أهل السنة

стр. 40

والجماعة في مثل هذه الصفة، إثباتها لله على الوجه اللائق به لا على وجه القصور والنقص. ٢ - ومن فوائدها أيضًا: علو منزلة الرسول ﷺ على قراءة الفتح، حيث اعتبر الله تعجبه تعجبًا ينوه عنه في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ ومعلوم أن الذي ينوه عن أحواله عظيم عند من نوّه عنه، بخلاف من لا يؤبه له ولا يهتم به، ولهذا في أوساط الناس إذا غضب الملك ليس كغضب سائر الناس، تجده مثلًا يقال: تحدث الملك فغضب، لكن لو يأتي واحد من عامة الناس لو تفجر من الغضب ما تحدث الناس عنه، فتحدث الله عن عجب الرسول ﷺ يدل على علو منزلته عند الله وعلى عظم شأنه ﷺ . ٣ - ومن فوائدها: أن هؤلاء القوم الذين أنكروا الحق زادوا في طغيانهم حتى صاروا يسخرون من الحق وأهل الحق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ يعني مع تعجبك من أحوالهم هم يسخرون مما جئت به، ويسخرون بك، وهذه عادة أعداء الرسل يسخرون من الرسل ومما جاءوا به، ومما يفعلونه أيضًا. قال الله تعالى عن نوح: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾. [هود: ٣٨ - ٣٩]. ٤ - من هذه الفائدة نأخذ فائدة أخرى: وهو أنه يجب على الدعاة إلى الحق أن يصبروا على ما ينالهم من الناس من السخرية؛
следующие страницы →