← Тафсир

Тафсир · id 151158

تفسير العثيمين: الصافات

ابن عثيمين

Полный текст (376 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من خرج منكم إلى البلاد الأخرى، عرف أكثر مما أعرف مما أدى إلى الانحراف في العقيدة، والانجراف وراء الشهوات التي أصبحت بعض البلاد الإِسلامية كأنها بلاد كافرة، وهم الآن يحاولون أن يغزو هذه البلاد بكل ما استطاعوا، حتى إننا نجد -أحيانًا- في الصحف ينشر الدعوة إلى اضمحلال أخلاق المسلمين وعاداتهم، ينشر أحيانًا دعاية للأزياء الأوربية والإفرنجية، وبهذا اللفظ يفتح معرض للأزياء الغربية أو الأزياء الأوربية أو الموضات الأوربية أو ما أشبهه، كل هذا لأجل أن يفسدوا أخلاقنا، وإذا فسد الخلق فسدت العقيدة، وإذا فسدت العقيدة زال تعلق المسلمين بربهم، وحينئذ صاروا أضعف الأمم، نسأل الله الحماية والسلامة. ٤ - ومن فوائدها: أمر الله -تعالى- النبي ﷺ أن يتحدى هؤلاء المكذبين بالاستفتاء: أهم أشد خلقًا أم من خلقنا؟ ٥ - ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي في المجادلة أن يؤتى بما يقر به الخصم ليكون حجة عليهم؛ لأنهم سيقرون بأن من خلق الله أشد خلقًا منهم، فإذا أقروا بذلك قامت عليهم الحجة. ٦ - ومن فوائدها: عظمة الله بعظمة خلقه؛ لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق، ولهذا إذا شاهدنا قصرًا جيدًا في بنائه وهندسته، عرفنا أن الذي بناه كان جيدًا ماهرًا، والعكس بالعكس. ٧ - ومن فوائدها: الإشارة إلى خلق بني آدم أو إلى أصل خلقهم بأنهم خلقوا من طين لازب، يلصق باليد مهين لقوله:

стр. 37

﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾. ٨ - ومن فوائدها: بيان قدرة الله حيث خلق هذا الإنسان الخصيم المبين من هذا الطين ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾. ٩ - ومن فوائدها: الإشارة إلى إمكان البعث، وأن الله قادر عليه، وأنه القادر على هذه المخلوقات التي هي أشد خلقًا منهم وعلى خلقهم من الطين قادر على إعادتهم، ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾. ١٠ - ومن فوائدها: إثبات الخلق لله في قوله: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ وفي قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ﴾. ١١ - ومنِ فوائدهاِ أيضًا: تفاوت الخلق في العظم، لقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ فتكون المخلوقات متفاوتة في عظمها ودلالتها على قدرة الله؛ لأن ما كان أعظم كان أدل على القدرة. ١٢ - ويتفرع على هذه الفائدة: أنه كما تتفاضل الآيات الكونية كذلك تتفاضل الآيات الشرعية، ولهذا كان أعظم السور في كتاب الله سورة (الفاتحة) (١) وأعظم آية (آية الكرسي) (٢) و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن (٣)، فالآيات الكونية تتفاضل

стр. 38

بعضها أدل على القدرة من بعض، وكلها دليل على القدرة حتى الذباب أهون شيء يدل على قدرة الله ، وكذلك الآيات الشرعية. ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ في هذه الآية قراءتان بفتح التاء، فيعود الضمير على رسول الله ﷺ ، وبالضم على الله ، هذا هو القول الصحيح، وإذا كان عائدًا إلى الله فهل هو عجب حقيقي أو مجازي؟ الصحيح أنه حقيقي وأنه كسائر الصفات، فإذا قال قائل: إن العجب هو حالة تطرأ على الإنسان لفعل ما لا يخطر له على بال، أو لحصول ما لا يخطر له على بال، فكيف يمكن أن يوصف الله به؟ فالجواب أن نقول: إن أنواع العجب ثلاثة أقسام: عجب استحسان، وعجب إنكار، وعجب استفهام، والعجب الذي بمعنى الاستفهام لا يكون في حق الله؛ لأنه يكون لخفاء الأسباب على هذا المستغرب للشيء المتعجب منه بحيث يأتيه بغتة بدون توقع، وهذا مستحيل على الله تعالى؛ لأن الله تعالى بكل شيء عليم. مثال: للعجب الذي يحمل عليه الاستحسان "يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة" (١)، مثال عجب الإنكار من الله ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ هذا عجيب إنكار. قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ المراد بالآية أي آية؛ لأنها نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم،

стр. 39

وأما قول المؤلف كانشقاق القمر فهذا للتمثيل فقط. قال: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ ولم يقل: يسخرون، أي سخرية مع تكبر وتعالٍ، ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ (إن) نافية بمعنى ما، وخبرها ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ صفة لسحر، وهذا النوع من الاستثناء يسميه النحويون استثناء مفرغًا, لأن ما بعد (إلا) يتطلبه العامل الذي قبلها، فإذا كان ما بعد (إلا) يتطلبه العامل الذي قبلها سمي استثناء مفرغًا. تقول: ما قام إلا زيد، وما أكرمت إلا المجتهد، وما مررت إلا بعلي، فإذا كان الذي قبل (إلا) يتطلب ما بعدها سمي استثناء مفرغًا. فـ ﴿مُبِينٌ (١٥)﴾ بمعنى بيِّن ظاهر، وأبان تأتي لازمة ومتعدية، فإذا كانت لازمة فهي بمعنى "بان"، تقول: أبان الصبح، (أي بان وظهر)، وإذا استعمل متعديًا بمعنى أظهر. تقول: أبان الحق، (أي أظهر). الفوائد: في هذه الآيات من الفوائد: ١ - إثبات العجب لله على قراءة ضم التاء، وهو من صفات الله الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، وكل شيء يتعلق بمشيئته فهو من الصفات الفعلية عند أهل العلم. فإذا قال قائل: ما الذي يُعلمنا أنه يتعلق بمشيئته؟ فالجواب: أن كل صفة علقت على سبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأن الأسباب حادثة، وما يترتب على الحادث فإنه حادث، وعلى هذا فنقول: الرضا من الصفات الفعلية لأن له سببًا، والغضب والكراهة والسخط وما أشبهه. وطريق أهل السنة

стр. 40

والجماعة في مثل هذه الصفة، إثباتها لله على الوجه اللائق به لا على وجه القصور والنقص. ٢ - ومن فوائدها أيضًا: علو منزلة الرسول ﷺ على قراءة الفتح، حيث اعتبر الله تعجبه تعجبًا ينوه عنه في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ ومعلوم أن الذي ينوه عن أحواله عظيم عند من نوّه عنه، بخلاف من لا يؤبه له ولا يهتم به، ولهذا في أوساط الناس إذا غضب الملك ليس كغضب سائر الناس، تجده مثلًا يقال: تحدث الملك فغضب، لكن لو يأتي واحد من عامة الناس لو تفجر من الغضب ما تحدث الناس عنه، فتحدث الله عن عجب الرسول ﷺ يدل على علو منزلته عند الله وعلى عظم شأنه ﷺ . ٣ - ومن فوائدها: أن هؤلاء القوم الذين أنكروا الحق زادوا في طغيانهم حتى صاروا يسخرون من الحق وأهل الحق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ يعني مع تعجبك من أحوالهم هم يسخرون مما جئت به، ويسخرون بك، وهذه عادة أعداء الرسل يسخرون من الرسل ومما جاءوا به، ومما يفعلونه أيضًا. قال الله تعالى عن نوح: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾. [هود: ٣٨ - ٣٩]. ٤ - من هذه الفائدة نأخذ فائدة أخرى: وهو أنه يجب على الدعاة إلى الحق أن يصبروا على ما ينالهم من الناس من السخرية؛

стр. 41

لأن أعداء الرسل أكثر من أولياء الرسل. فالدعاة إلى الحق يجب عليهم الصبر إذا سمعوا من يسخر بهم، سواء كان هؤلاء الساخرون من الكفار، أو من أولياء الكفار؛ لأنه يوجد من المسلمين من هو من أولياء الكافرين، فالواجب على الدعاة أن يصبروا؛ لأن الرسل الذين هم أهل الحق وقادة الحق وأئمة الحق قد سخر الناس منهم، فكيف بك أنت، فالواجب عليك أن تصبر، والواجب على كل داعية أن يصبر على ما يحصل له من السخرية، وليعلم أن العاقبة للمتقين. ٥ - ومن فوائدها: عتو هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ لكونهم ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾ ولا يتعظون، وذلك لقسوة قلوبهم وعتوهم -نسأل الله العافية- عكس المؤمنين الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًّا وعميانًا. ٦ - ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء المكذبين إذا رأوا الآية الدالة على صدق الرسل ازدادوا سخرية وترفعًا ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ وهذا فوق السخرية السابقة الذي قال: ﴿وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾، وكان المفروض أنهم إذا رأوا الآيات أن يستسلموا, ولكنهم على العكس من ذلك إذا رأوا الآية يستسخرون والعجب من قوم النبي ﵊ الذين كذبوه أنهم قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ﴾ [الأنفال: ٣٢] فانظر إلى العتو -والعياذ بالله- كان الذي ينبغي أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا له، أما أن يقولوا هكذا فهذا

стр. 42

أكبر دليل على أنهم -والعياذ بالله- طاغون معتدون. ٧ - ومن فوائد الآيات: أن المعادين للرسل يصفون ما جاءوا به بالصفات القبيحة تنفيرًا للناس منهم، يؤخذ من قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ وهم في ذلك كاذبون يعلمون أنه ليس بسحر، لكن قالوا هذا تنفيرًا للناس عن طريق الرسل. وهل ورثت هذه المقالة؟ الجواب: نعم، ورثت هذه المقالة، من أول من جاء من الرسل إلى عصرنا هذا وإلى يوم القيامة، قال الله -تعالى-: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات: ٥٢] كل أعداء الرسل يقولون: هذا ساحر أو مجنون. هذه الكلمة وأريد جنس هذه الكلمة لا نوعها ورثت، فصار أهل الباطل الآن يلقبون أهل الحق بألقاب السوء، انظر مثلًا إلى أهل التعطيل يلقبون أهل الإثبات بقولهم: حشوية مجسمة مشبهة وما أشبه ذلك، فهم يقولون مثل هذا الكلام من أجل أن ينفروا الناس عن طريق الحق، كذلك -أيضًا- أعداء أهل الحق يقولون هؤلاء رجعيون، هؤلاء متحجرون، هؤلاء متشددون، هؤلاء متزمتون، هؤلاء متنطعون إلى غير ذلك من الألقاب، لكن أهل الحق الذين هم أهله لا يزدادون بهذه الألقاب إلا قوة وثباتًا على ما هم عليه, لأنهم يعلمون أنهم منصورون بنصر الله ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧] وأنا كررت كثيرًا بأن انتصار الإنسان ليس انتصار شخصه فقط، قد ينصر الإنسان في حياته ويتبين له النصر، وقد ينصر بعد مماته،

стр. 43

بنصر ما قاله من الحق، ويكون كل من عمل بالحق الذي جاء به أو الذي بينه يكون له مثل أجره، وهذا انتصار. كل إنسان يحب أن ينتصر الحق الذي بينَّه للناس في حياته أو بعد مماته. * * * قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)﴾ المراد بهذا الاستفهام الاستبعاد والإنكار، يعني أننا ننكر ونستبعد أننا نبعث إذا كنا ترابًا وعظامًا، وفي قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ عدة قراءات. أولًا: تحقيق الهمزتين تقول: أإذا. ثانيًا: تسهيل الثانية. ثالثًا: إدخال الألف في التحقيق. رابعًا: إدخال الألف في التسهيل. قوله: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ فيها قراءتان أيضًا: ١ - تسهيل الواو. ٢ - فتحها. الفوائد: ١ - في هاتين الآيتين دليل على قوة إنكار هؤلاء المكذبين للبعث وذلك لأنهم أتوا به بصيغة الاستفهام المؤكد بإن، وهذا كقول أخوة يوسف له: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠] يعني أتؤكد أنك يوسف. فهؤلاء قالوا: أيؤكد لنا أئنا مبعوثون، وإذا دخلت همزة الاستفهام على هذا دل على أنهم يؤكدون إنكارهم بالبعث. ٢ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين يأتون بالشبه لأنهم

стр. 44

يقولون: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ يعني أو يبعث أيضًا آباؤنا الأولون، وهذا لقوة إنكارهم؛ لأنهم كما قال الله عنهم في سورة الجاثية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الجاثية: ٢٥] وهل الذين قالوا إنكم تبعثون قالوا إن البعث يكون في الدنيا حتى تقولوا ائتوا بآبائنا؟ نعم لو قالت الرسل: إنكم يبعثون في الدنيا، أو إن آباءكم يبعثون في الدنيا صح أن يقولوا ائتوا بآبائنا، لكن الرسل يقولون: إن البعث لهم ولآبائهم يكون يوم القيامة، فهذه الشبهة التي أوردوها لا تزيدهم إلا سفهًا إلى سفههم، حجتهم التي ادعوها قالوا: إنكم تقولون إن آباءنا يبعثون هاتوهم ابعثوهم، وهذه ليست حجة؛ لأن الرسل ما قالوا إن آباءكم يبعثون الآن في الدنيا حتى تتحدوا بقولكم ائتوا بآبائنا، إنما قالوا يبعثون يوم القيامة. ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] فهم يقولون: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ ليتوصلوا إلى الحجة الداحضة، فيقول الناس: إن هؤلاء يقولون: إن الناس يبعثون نحن وآباؤنا دعوهم يأتوا بآبائنا، والجواب على هذه الشبهة واضح جدًا، وهو أن الرسل لم يقولوا: إن آباءهم يبعثون الآن، وإنما يكون البعث يوم القيامة، وحينئذ تبطل حجتهم وينادون على أنفسهم بالسفه والعدوان، فإنهم ألزموا الرسل ما لم يلتزموه وما لم يقولوه. ٣ - من فوائدها: أن الجَدَّ يسمى أبًا لأنهم قالوا: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ وآباؤهم الأولون أجداد سابقون، فالجد يسمى أبًا،

стр. 45

ويتفرع على ذلك مسألة فرضية، وهي: أن الجد يسقط الأخوة أشقاء كانوا أم لأب أم لأم، وإسقاط الجد للإخوة من الأم بالإجماع، أما الأخوة الأشقاء أو لأب ففي إرثهم معه خلاف، والصحيح بلا شك أنهم لا يرثون مع الجد، وأنه لو هلك هالك عن أبي أبي أبي أبي أبي أب، أي الجد السادس وعن أخ شقيق فلا شيء للأخ الشقيق لأن الجد أب، والأب يحجب الأخوة، ولأن هذا الابن النازل بعض من الجد السابق، بخلاف الأخ فليس بعضًا منه، ومعلوم أن الأصل الذي هذا فرعه أولى بالميراث من شخص ليس أصلًا له ولا فرعًا له، وهذه المسألة تحقق إن شاء الله في الفرائض. * * * ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾ أمر الله نبيه أن يجيب عن الاستفهام السابق بقوله: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾، يعني تبعثون، ونعم حرف جواب يجاب به الإثبات للتصديق، ويجاب به النفي كذلك للتصديق، فهو حرف جواب للتصديق: سواء كان الكلام نفيًا أو إثباتًا. والخلاصة: أن (نعم) يجاب بها للتصديق سواء كان نفيًا أو إثباتًا. فإذا قلت: أقام زيد؟ وأجبت: بنعم، فهذا لتصديق القيام، يعني أنه قد قام. وإذا قلت: ألم يقم زيد؟ فأجبت: نعم يعني لم يقم. فصدقت النفي. و(بلى) لا يجاب بها في الإثبات، وإنما يجاب بها في

стр. 46

النفي لتكذيبه، فإذا قلت: ألم يقم زيد؟ فالجواب: بلى، يعني قد قام، خلافًا لما نفيت. وأما (لا) فلا يجاب بها إلا في الإثبات لتكذيبه، أي لم يقم، أقام زيد، فقلت: لا، يعني لم يقم. فهذه أحرف الجواب الثلاثة وأعمها (نعم) لأنها تكون في الإثبات وتكون في النفي، وأما (بلى) و (لا) فكل واحدة مختصة بشيء (بلى) في النفي و (لا) في الإثبات. ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ هذه للتصديق يعني نعم تبعثون. ولهذا قدر المؤلف ذلك في قوله تبعثون، يعني أنكم ستبعثون يوم القيامة بعد أن كنتم ترابًا وعظامًا ولكنكم لا تبعثون كما أنتم عليه في الدنيا في عزة وترف، بل ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾ صاغرون، والجملة هنا حال من نائب الفاعل في الفعل المقدر بعد الجواب، نعم تبعثون وأنتم داخرون. والدخور بمعنى الصغار والذل، يعني أنهم يبعثون يوم القيامة على وجه الصغار لا على ما كانوا عليه في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] بعد أن كان الواحد منهم في الدنيا يقلب مقلتيه كما شاء، فهم في الآخرة ينظرون من طرف خفي، مملوء بالخجل والخزي والعار -والعياذ بالله-. الفوائد: ١ - في هذه الآية الكريمة دليل على أهمية جواب هؤلاء الذين يتساءلون إذا ماتوا وكانوا ترابًا وعظامًا أيبعثون أو لا؟ وجه

стр. 47

ذلك أن الله أمر نبيه أمرًا خاصًّا بجوابه، وإذا أمر الله تعالى نبيه ﷺ بأمر خاص فإنه دليل على أهمية ذلك الأمر؛ لأن الأصل أن جميع القرآن قد أمر أن يبلغه ﵊. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] فإذا جاءت آية يقول الله فيها "قل" فهذا أمر خاص بتبليغهم، فيدل على العناية بهذا الشيء وأنه ذو أهمية. ٢ - ومن فوائدها: أنه يجب الرد على شبهات أهل الباطل؛ لأن الله لم يقل: اتركهم، بل قال: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾. ٣ - ومن فوائدها: أن المكذبين بالبعث يحشرون يوم القيامة صاغرين لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾، وقد ذكرنا في أثناء التفسير عدة آيات تدل على أنهم يحشرون يوم القيامة أذلاء، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]. ٤ - ومن فوائد الآية: أن المؤمنين بذلك يحشرون يوم القيامة أعزة. ووجهه أنه إذا كان جزاء هؤلاء المكذبين أنهم يحشرون على وجه الصغار والذل، فإن العكس يكون بالعكس. والجزاء من جنس العمل، فيحشر المؤمنون يوم القيامة أعزاء. * * * ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ يعني إذا كان الأمر كذلك أنهم يبعثون فهل يحتاج الأمر إلى علاج وإلى مدة؟ الجواب لا، فإنما هي أي زجرتهم للبعث زجرة واحدة، هذا هو الأصح في مرجع الضمير، ولهذا قال المؤلف [ضمير مبهم يفسره زجرة]

стр. 48

فيكون الضمير مرجعه مستفاد من الخبر، أي فإنما الزجرة لبعثهم زجرة واحدة، وهذا الذي قدره المؤلف لمرجع الضمير هو الصواب فيكون مرجع الضمير هو الخبر، وقال بعضهم: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ أي البعثة التي يبعثونها، أي ما بعثتهم إلا زجرة واحدة أي بزجرة واحدة، ولكن ما قدره المؤلف أولى. ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ , قال المؤلف: [أي صيحة] يزجرون بها، فيقال: اخرجوا يعني من القبور. إذا قيل اخرجوا من القبور. خرجوا خروج رجل واحد لا يتخلف منهم أحد، ولا يخرجون ببطء لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠] فالمسألة لا تحتاج إلى تكرار طلب للخروج ولا إلى مهلة في زمان، بل بمجرد ما يقال: اخرجوا. فإذا هم قيام ينظرون. وهذا من تمام قدرة الرب . ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. (الفاء) حرف عطف و (إذا) فجائية أي ففي الحال مفاجئة، هم ينظرون. و (إذا) الفجائية اختلف النحويون فيها: هل هي حرف لا محل لها من الإعراب أو هي ظرف؟ ونحن لا يهمنا أن نقدرها حرفًا أو ظرفًا، المهم أن نعرف المعنى، وهي أنها تدل على المفاجئة يعني يأتي بسرعة. وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ يدل على أنهم بمجرد ما يخرجون يكونون أحياء يشعرون، وليس كالطفل الذي يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، فالناس في الدنيا يخرجون من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، ولكن بعدئذ يجعل الله لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة. سمعًا يسمعون به ويعرفون، وإلا فالسمع موجود

стр. 49

به منذ خلق. وبصرًا كذلك يبصرون به ويعرفون، ولهذا تجد الصبي أول ما يولد لا يلتفت إلى شيء، تمر من عنده بالمصباح من أسطع ما يكون ولا يدري ما هو؟ ثم شيئًا فشيئًا يبدأ يعرف الألوان إذا اختلفت عليه ويتابع النظر، ولكن الذين يبعثون من القبور لا ينتظر بهم هكذا، أي لا تنمو أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم شيئًا فشيئًا، ولكن بمجرد ما يخرجون فإذا هم ينظرون. قال المؤلف: [فإذا هم أي الخلائق أحياء ينظرون ما يفعل بهم] فإذا قال قائل: إن المؤلف قال [الخلائق] مع أن سياق الآية يقتضي أن المراد هؤلاء المنكرون ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ فإذا أخذنا بالسياق قلنا: إن الضمير يرجع إلى هؤلاء وآبائهم، وإذا نظرنا إلى الواقع قلنا: إن الضمير يرجع إلى جميع الخلائق. والواقع أن جميع الخلائق تخرج بهذه الصيحة فإذا هم ينظرون، وأفادنا المؤلف بقوله ما يفعل بهم، أفادنا أن النظر هنا نظر العين، وليس بمعنى الانتظار، مع أن الآية تحتمل أن يكون المعنى النظر بالعين وأن يكون المعنى الانتظار. والنظر يأتي بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [الزخرف: ٦٦] ﴿يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ بمعنى ينتظرون. ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ قالوا أتى بالفعل الماضي مع أن القول مستقبل، لتحقق وقوعه، وهذا كثير في اللغة العربية، والقرآن الكريم يعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه، ومثاله قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] فإن أمر الله لم يأت بدليل

стр. 50

قوله ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] لكن أتى هنا بمعنى يأتي، وعبَّر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه. فقوله هنا: ﴿وَقَالُوا﴾ أي ويقولون، لكن عبَّر عنه بالماضي لتحقق وقوعه. وقول المؤلف ﵀[قالوا أي الكفار، صحيح، ولو أنه قال: وقالوا أي المنكرون للبعث الذين قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ لكان أدق في التفسير؛ لأن الكافر أعم من المنكر للبعث، قد يكفر بغير إنكار للبعث، لكن المسألة فيها شيء من التسامح في التعبير. وقوله: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ قال المؤلف: [ياء للتنبيه ويل مصدر لا فعل له من لفظه]، ولكن يحتمل أن تكون ياء حرف نداء، وأنهم نادوا الويل، كأنهم قالوا: يا ويلنا احضر، فهذا أوانك، والويل معناه هنا شدة التحسر والعذاب، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾ [المرسلات: ٣٤] أي حسرة وعذاب، فهنا يا ويلنا أي يا حسرتنا ويا عذابنا احضر فهذا أوانك. ويحتمل كما قال المؤلف: إن (ياء) للتنبيه، ولكن إذا قال قائل: هل تأتي ياء للتنبيه؟ الجواب: نعم، فإذا طلب منا مثال لا يحتمل إلا التنبيه، قلنا كقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [يس: ٢٦] فإن ياء هنا للتنبيه، لأن ياء لا تدخل على الحروف، وإنما تدخل على الأسماء، ولكن جيء بها للتنبيه، وقوله ﵀: [ويلنا هلاكنا]، ولكن الويل كما قلت أخص من مجرد الهلاك، بل هو التحسر والعذاب، والويل مصدر لا فعل له من لفظه، ولكن من معناه.

стр. 51

﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾، قال المؤلف: [وتقول لهم الملائكة هذا يوم الدين] فجعل المفسر ﵀ (هذا يوم الدين) من كلام الملائكة. ولكن الصحيح أنه من كلام المنكرين يعني أنهم في ذلك اليوم يقرون بيوم الدين، ولكن لا ينفعهم الإقرار حينئذ، فهم يقرون بهذا اليوم إذا شاهدوه، ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ المشار إليه الوقت الذي هم فيه ذلك اليوم الحاضر، والدين يعني الجزاء، واعلم أن الدين يطلق على الجزاء، ويطلق أحيانًا على العمل، فقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦] المراد به العمل، وقوله تعالى: ﴿مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٨ - ١٩] المراد بالدين الجزاء. وهنا ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ المراد به الجزاء، أي هذا يوم الجزاء، قال ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾. الجملة هذه يحتمل أن تكون من كلامهم، ويحتمل أن تكون من كلام الملائكة، فإن كانت من كلامهم فالمعنى أن بعضهم يقول لبعض: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ توبيخًا وتقريعًا وتنديمًا. وإذا كان من كلام الملائكة فلا إشكال فيه، لأنهم يخاطبون قومًا يكذبون به، وقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ بعد ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ لأنه إذا أدين الناس وحوسبوا وجوزوا انفصلوا، انفصل بعضهم عن بعض: فريق في الجنة، وفريق في السعير.

стр. 52

قد يفصل بين المرء وأبيه، وبين المرء وأمه، وبين المرء وأقاربه: هؤلاء في الجنة وهؤلاء إلى النار. فإذًا سُمي يوم الفصل؛ لأنه يفصل فيه بين الخلائق، فيصرف قوم إلى النار، ويصرف قوم إلى الجنة. وسُمِّي يوم الفصل (أيضًا) لأنه يفصل بين الخلائق بالحكم بينهم بالعدل، بأخذ حق المظلوم من الظالم، كما يفصل القاضي في الدنيا بين المتخاصمين، فيعطي المظلوم حقه من الظالم. وقوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ كنتم أي فيما مضى، أما الآن فيصدقون به؛ لأنهم قالوا: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ لكن فيما مضى يكذبون بهذا اليوم، ويقولون: كيف يمكن أن تبعث الخلائق بعد أن كانوا عظامًا وترابًا؟ ! فإذا قال قائل: ما الفائدة من قوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾؟ قلنا: الفائدة من أجل زيادة التحسر على هؤلاء؛ لأنهم إذا قيل لهم: الذي كنتم به تكذبون فسوف يتحسرون ويقولون: يا ليتنا لم نكذب، فيكون في هذا زيادة ألم في نفوسهم، ومن جهة أخرى: التوبيخ لهؤلاء ولومهم على تكذيبهم حيث كذبوا بالحق، ففي ذلك فائدتان: الفائدة الأولى: زيادة التحسر فيه. والفائدة الثانية: التوبيخ واللوم على تكذيبهم بالحق. قال المؤلف ﵀: [ويقال للملائكة: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قرناءهم من الشياطين

стр. 53

﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره من الأوثان ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ دلوهم وسوقوهم إلى ﴿صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ طريق النار]. أعوذ بالله. ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، الخطاب من الله -والعلم عنده- إلى الملائكة، ومعنى احشروا أي اجمعوا كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] وسُمِّي يوم الجمع وسُمِّي يوم الحشر؛ لأن الناس يحشرون فيه ويجتمعون، وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. قال المؤلف: [ظلموا أنفسهم بالشرك، ولكن ينبغي أن يقال: ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم؛ لأن الله حذف المفعول به، وحذف المفعول به يؤذن بالعموم، فهم في الحقيقة ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، ولاسيما الرؤساء منهم الذين أضلوا أتباعهم فإنهم ظلموهم بتلبيس الحق بالباطل وإضلالهم. ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، قال المؤلف: [قرناءهم من الشياطين] كل زوج قرين، ومنه الزوج وزوجته فإنهما قرينان، وقيل المراد بالأزواج: الأصناف والأشكال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص: ٥٨] أي أصناف، والمعنى متقارب؛ لأن الغالب أن القرين من جنس المقارن، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" (١). ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾ أي والذي كانوا يعبدون في الدنيا،

стр. 54

ولهذا أتى بالفعل الماضي ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾ أي في الدنيا، وجملة (كانوا يعبدون) صلة الموصول، والعائد محذوف، وتقديره: وما كانوا يعبدونه من دون الله. وقول المؤلف: من الأوثان، إذا قال قائل: كيف تحشر الأوثان وهي جماد؟ وليس عليها حساب ولا عقاب؟ فالجواب: أنها تحشر إلى النار وتلقى في النار إهانة لعابديها، أما هي فلا شعور لها، لا تشعر بإهانة ولا كرامة، ولكن عابديها هم الذين يشعرون بالإهانة إذا كانت معبوداتهم تلقى في النار، فتلقى هذه المعبودات في النار إهانة لعابديها وبيانًا لكونها لا تنفعهم في أحوج ما يكونون إلى نفعها. وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذه الآية عامة، وخصت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] لأننا لو أخذناها على عمومها لكان في الناس من يعبد الأنبياء، وكان في الناس من يعبد الملائكة، فهل يحشر هؤلاء المعبودون مع هؤلاء العابدين؟ فالجواب: لا، ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨] ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] وعلى هذا فالعموم هنا مخصص بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]. وقيل: إن العموم باق على ما هو عليه، لكنه عام أريد به الخاص، أريد به هؤلاء الذين أنكروا البعث، والذين أنكروا البعث لم يعبدوا الملائكة ولا الرسل إنما كانوا يعبدون هبل

стр. 55

واللات والعزى ومناة. وهبل واللات والعزى ومناة كلها في النار. وعلى كل حال سواء قلنا: إن هذا عام أريد به الخاص، أي الذين يخاطبون الرسول ﵊ وينكرون البعث. أو قلنا: إنه عام مخصوص، فإنه لا شك أن الذين يُعبدون من دون الله وهم من أولياء الله لن يحشروا إلى النار ولن يدخلوها. ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ أي دلوهم، وهذه هداية الدلالة وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦] فإن الذي يساق يهدى أيضًا، أرأيت الرجل يسوق بعيره ويهديها، هؤلاء يساقون وفي نفس الوقت يقال اذهبوا من هنا، اذهبوا من هنا حتى يصلوا إلى النار، وقد ذكر الله أن هؤلاء يساقون إلى النار في حال يحتاجون معها إلى الماء، بل يضطرون إلى الماء، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٦] عطاشًا فإذا جاءوا لم يجدوا إلا النار المحرقة -والعياذ بالله- وهذا يكون كالصفعة على وجوههم حيث جاءوا وهم يرجون أن يشربوا، ولكنهم يفاجئون بما يزيدهم لهبًا وعطشًا. ﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ صراط بمعنى طريق، والصراط نوعان: صراط حسي وهو ما تمشي عليه الأقدام، وصراط معنوي وهو ما تمشي عليه القلوب، فمن استقام في الصراط المعنوي على دين الله استقام في الصراط الحسي يوم القيامة حتى يصل إلى

стр. 56

الجنة، ومن كان غير مستقيم في الدنيا على شريعة الله لم يكن مستقيمًا في الآخرة على طريق الجنة ولكن على طريق النار. والصراط هنا حسي ﴿الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ النار، فالجحيم إذًا من أسماء النار، وأسماء النار في القرآن كثيرة متعددة. الفوائد: ١ - بيان قدرة الله حيث تخرج الخلائق كلها بزجرة واحدة. وتخرج الخلائق كلها فورًا بدون تأخير، ففيه دليل على القدرة من وجهين: الوجه الأول: عدم تكرار الأمر. والوجه الثاني: سرعة الائتمار والامتثال لأمر الله . ٢ - ومن فوائدها: أن الناس يخرجون يوم القيامة فينظرون، إما من نظر العين أو من الانتظار، وأيًا كان فإنه يدل على أنهم يخرجون إلى أمر غريب لم يألفوه؛ لأنهم كانوا في الأول في قبورهم ثم حشروا إلى شيء غريب لم يكونوا يعرفونه من قبل، لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾. ٣ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين يدعون يوم القيامة بالويل والثبور والهلاك، لقولهمِ: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾. كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ [الفرقان: ١٤]. ٤ - ومن فوائدها: تحقق هذا القول وأنه أمر واقع كالحاضر، لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ فعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه.

стр. 57

٥ - ومن فوائدها: أن الناس يحشرون يوم القيامة فيجازون على أعمالهم، يؤخذ من قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ وتكون هذه النتيجة للخلائق أن يحشروا يوم القيامة وأن يجازوا على أعمالهم وأن يكون هذا الجزاء نهائيًا ليس وراءه عمل ولا دونه أجل. لقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾. ٦ - ومن فوائدها: أن يوم القيامة يوم فصل أي حكم بين الناس وتميز بعضهم عن بعض لقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. ٧ - ومن فوائدها: تقرير هؤلاء المكذبين لقوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ ووجه التقرير أن الإنسان إذا شاهد ما كذب به سوف يقول لمن حمله على هذا التكذيب أو وافقه عليه: هذا الذي كنت به تكذب، فيكون في ذلك زيادة في التحسر والندم على عدم التصديق بهذا اليوم. ٨ - ومن فوائدها: أن الناس يوم القيامة يميز بعضهم من بعض، ويجمع بعض الأصناف والأشكال والنظراء إلى بعض، لقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ وهذا من الفصل الذي ذكره الله في كتابه لقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. ٩ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين لا ينفعهم اجتماعهم وحشر بعضهم إلى بعض، لقول الله في آية أخرى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩] في الدنيا إذا شاركك أحد في العذاب نفعك، إما بأن يتحمل عنك جزءًا من هذا العذاب، وإما أن تتسلى به، لأن وقوع المصائب على غيرك تسليك وتساعدك على تحمل

стр. 58

هذه المصيبة والصبر عليها، كما قالت الخنساء في أخيها صخر: وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلِّي النفس عنه بالتأسي ١٠ - ومن فوائدها: إهانة هؤلاء المشركين بحشر أصنامهم إلى النار، وجه ذلك أن إهانة المعبود إهانة للعابد، وأنا أضرب لكم مثلًا لو أن سيدًا تحته أرقاء أو رجلًا تحته عائلة، أهين هذا الرجل الذي تحته العائلة، أو الرجل الذي تحته الأرقاء فإن ذلك إهانة للعائلة وللأرقاء؛ لأنهم يقولون: هذا كبيرنا وعظيمنا الذي نعظمه، فإذا أهين فهو إهانة لنا، وإن لم يكن إهانة حسية، لكنها إهانة نفسية معنوية، فتهان هذه الأصنام إهانة لعابديها. ١١ - ومن فوائدها: جواز ذكر العموم وإن دخل فيه من ليس فيه إذا بين في موضع آخر، ويتفرع على هذا أنه لا يشترط في البيان مقارنته للمبين، لأن الذي يمتنع في البيان هو تأخيره عن وقت الحاجة، فإذا بين في وقت الحاجة زال هذا المحظور، وهذا قد بين في آيات كثيرة في القرآن بأن المؤمنين لا يدخلون النار ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] وكل الآيات التي في وعد المؤمنين والمتقين تمنع من دخول هؤلاء في النار وإن كانوا يُعبدون من دون الله. ١٢ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين المشركين يحشرون إلى طريق جهنم، كما أنهم في الدنيا اختاروا طريق أهل النار، فإنهم في الآخرة يجازون بمثل ذلك، فيدلون إلى طريق الجحيم، ويصدون عن طريق أهل النعيم.

стр. 59

ثم قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ قفوهم يعني أوقفوهم، من وقف يقف، والأمر: قف. ووقف تستعمل لازمة ومتعدية، فإذا قلت: مشى فلان، فوقف، هذا لازم، وإذا قلت: وقفت القول، أو وقفت زيدًا عند المكان الفلاني فهذا متعد. قفوهم لا شك أنه متعد، ووجهه أنه نصب المفعول به الهاء، والواو في ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ فاعل. وهنا فائدة: أن حرف المضارعة لا تحسب من بنية الفعل، ولهذا يقال: إذا أردت أن تصوغ فعل الأمر: فأتِ بفعله مضارعًا مجزومًا، ثم احذف حرف المضارعة، وهذه تفيد طالب العلم. فمثلًا: إذا أردت أن تأتي بفعل الأمر من: خاف. فتقول: خف. لأن المضارع المجزوم: يخف. احذف حرف المضارعة: خف. مثال آخر: نامَ الأمر: نَم، نجريها على القاعدة لم يَنَمْ. احذف ياء المضارعة. نَمْ. الأمر من: مَال؟ مِلْ. على القاعدة. لم يَمِل. احذف ياء المضارعة (مِلْ). لأن الأمر مقتطع من المضارع. ووجه ذلك أنك تأتي بالمضارع مجزومًا ثم تحذف حرف المضارعة. الأمر من "خَشِيَ": اخْشَ، هات المضارع مجزومًا: لم يَخْشَ إذا لابد أن نقول: اخشَ. لماذا؟ لأنه لا يمكن أن تبدأ بالسكون، لأنه لو حذفنا ياء المضارعة لبقي خاء ساكنة، والشين مفتوحة، والخاء الساكنة لا يمكن أن تنطق بها. إذا وجدت كلمة أولها ساكن، تأتي بهمزة الوصل، فتقول: "اخْشَ"، وفعل الأمر من رمى: "ارْمِ" لأن المضارع (لم يَرْمِ) أوله ساكن لابد أن يؤتى بالهمزة والله أعلمَ.

стр. 60

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ قال المؤلف ﵀: [احبسوهم عند الصراط]، الأمر من الله والخطاب للملائكة فيما يظهر؛ لأن الملائكة هي التي تدبر الخلائق بأمر الله، فيقال للملائكة: قفوا هؤلاء المكذبين المشركين بالله ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ يعني وقفوهم أي احبسوهم ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ قال المؤلف ﵀[عن جميع أقوالهم وأفعالهم] وكلمة ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ إما أن تكون كما قال المؤلف عامة يعني إنهم مسؤولون عن أقوالهم وأفعالهم وشركهم وانحرافهم وعن كل أحوالهم أو إنها مبينة بقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ فيكون المسئول عنه شيئًا واحدًا وهي أنهم يوقفون ويسألون هذا السؤال ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ يقال لهم ذلك توبيخًا وتقريعًا كما قال المؤلف: [ويقال لهم توبيخًا: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ لا ينصر بعضكم بعضًا]، فالآية في الحقيقة محتملة المعنيين: المعنى الأول: أنكم مسؤولون عن كل الأحوال والأعمال. المعنى الثاني: أنكم مسؤولون هذا السؤال وهو: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ وأيًا كان ففي الآية توبيخ وتهكم بهم حيث يقال لهم: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ كنتم في الدنيا تتناصرون والذي ينصر هم العابدون ينصرون هذه الأصنام كما مر علينا في آخر سورة يس, ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ [يس: ٧٥] فالعابدون ينتصرون للآلهة، كما قال أبو سفيان قبل أن يسلم في غزوة أحد قال: اعلُ هبل، يفتخر به وينتصر له، فيقال لهم يوم القيامة: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ يعني أي شيء لكم يمنعكم من

стр. 61

التناصر؟ والجواب واضح يفيده قوله: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ منقادون أذلاء، وهذه الجملة المصدرة بـ"بل" تفيد الانتقال من أسلوب إلى آخر، يعني أنهم لا يتناصرون لأنهم اليوم مستسلمون هم وأصنامهم أذلاء صاغرون. الاستفهام في قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ المراد به التوبيخ والتهكم يعني أين نصر بعضكم بعضًا الذي كان في الدنيا أفلا تتناصرون اليوم؟ والجواب: لا يمكن أن يتناصروا لأنهم أذلاء مستسلمون ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ أي منقادون لحكم الله فيهم جزاءً ولحكم الله فيهم قدرًا. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ يعني أقبل بعضهم أي اتجه بعضهم إلى بعض، وجملة يتساءلون حال من الفاعل والمجرور، والفاعل في (بعضهم) والمجرور في (على بعض). أقبلوا يتساءلون يسأل بعضهم بعضًا تلاومًا وتخاصمًا، فصاروا بعد أن كانوا في الدنيا على وفاق وأخلاء صاروا في الآخرة أعداء ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧] يتساءلون يسأل بعضهم بعضًا على وجه التوبيخ والإنكار، ﴿قَالُوا﴾ أي الأتباع منهم للمتبوعين، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ قال المؤلف ﵀[عن الجهة التي كنا نأمنكم منها، لحلفكم أنكم على الحق فصدقناكم واتبعناكم، المعنى أنكم أضللتمونا]، أي صار بعضهم يسأل بعضًا، الأتباع يسألون المتبوعين، والمتبوعون يسألون الأتباع، وكل يسأل بعضهم بعضًا لأنهم وقعوا في حيرة.

стр. 62

يقول بعضهم لبعض وهم الأتباع يقولون: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ﴾ ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للمتبوعين ﴿كُنْتُمْ﴾ يعني في الدنيا ﴿تَأْتُونَنَا﴾ يعني في خطابكم لنا ودعوتكم إيانا ﴿عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾، عن للمجاوزة يعني تأتوننا إتيانًا صادرًا عن اليمين، فما المراد باليمين؟ قيل: إن المراد باليمين الحلف، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] جمع يمين، فمعنى عن اليمين عن الحلف أي أن المتبوعين يحلفون للأتباع أنهم على حق، وهذا كقول الله تعالى عن الشيطان ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف: ٢١]. وقيل: إن المراد باليمين هو التفاؤل، يعني أنكم تعدوننا خيرًا، وتقولون: اتبعونا فإنكم إن اتبعتمونا نلتم العزة والغلبة فتعدوننا بالخير وأنتم كاذبون علينا. وقيل: المراد باليمين القوة كما في قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات: ٩٣] أي بالقوة، وقيل: باليد اليمنى على كل حال. إذًا باليمين فيها ثلاثة أقوال: ١ - الحلف. ٢ - الخير. ٣ - القوة. والحقيقة أن كل هذه الوجوه واقعة من المتبوعين، فهم يقسمون للأتباع أنهم على حق، وهم يتكلمون معهم عن طريق القوة، لأنهم متبوعون، وهم كذلك يعدونهم بالخير، يقولون: اتبعونا تكن لكم العزة والغلبة وما أشبه ذلك، فالآية شاملة لهذه

стр. 63

الوجوه الثلاثة. يقول الأتباع للمتبوعين: إنكم كنتم تأتوننا عن هذه الجهة الحلف أو القوة أو الخير. والمؤلف ﵀ يقول في تفسيرها [عن الجهة التي كنا نأمنكم بها]، وكلامه هذا صالح للوجوه الثلاثة؛ لأن الناس يؤمنون إذا حلفوا، ويؤمنون إذا وعدوا بالخير، ويؤمنون إذا كانوا أقوياء، لأن الغالب أن الضعيف يرى أن القوي على حق، وأنه بلغ هذه المرتبة لكونه محقًّا. ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾. ﴿قَالُوا﴾ قال المؤلف ﵀: [أي المتَّبَعون] لو عبر ﵀ بقوله المتبوعون لكان أوضح؛ لأن المتَّبَعون قد يقرأها الإنسان المتَّبِعون يعني الأتباع، والواقع أن الذي قال هم المتبوعون. ﴿قَالُوا﴾ أي المتبوعون للأتباع: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ ﴿بَلْ﴾ هنا في إبطال ما ادّعوه في قولهم: إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين، يعني بل لم نأتكم عن اليمين ولكنكم لم تكونوا مؤمنين، ولو كنتم مؤمنين لصدق قولكم إنا أضللناكم، أما أنكم غير مؤمنين من الأصل فالجناية منكم على أنفسكم. ولهذا يقول المؤلف ﵀: [﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ وإنما يصدق الإضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا]، تبرأ المتبعون الآن من الأتباع وجعلوا اللوم على الأتباع أنفسهم، قالوا كما يقول الشيطان: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا﴾.

стр. 64

[إبراهيم: ٢٢] هؤلاء المتبعون يقولون كما قال الشيطان، يقولون للأتباع: أنتم الذين أضللتم أنفسكم، أما نحن فلم نضلكم؛ لأننا لم نخاطب قومًا مؤمنين، فأضللناهم بعد إيمانهم، إنما نخاطب قومًا انقادوا إلى الكفر باختيارهم، فاللوم عليهم لأنفسهم أما نحن فلا، وهذا مبين لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٦]. الفوائد: في الآيات المتقدمة فوائد: ١ - منها: أن هؤلاء المكذبين إذا ساقتهم الملائكة إلى النار فإنهم يهينونهم عدة إهانات، فيقفونهم على الصراط يعني عنده، ومن المعلوم أن الإيقاف فيه إهانة للإنسان، بحيث يكون في يد غيره كالآلة. ٢ - ومن فوائدها أيضًا: أنهم يهانون إهانة أخرى معنوية، فيقال لهم: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ يعني أي شيء يمنعكم اليوم من التناصر بعد أن كنتم في الدنيا تتناصرون، وفي هذا من الإهانة والتوبيخ والتنديم ما هو ظاهر. ٣ - ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء في ذلك الموقف أذلاء مستسلمون كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ وكانوا في الدنيا مستكبرين لا يقبلون الحق، بل يجادلون ويقدمون رقابهم للقتل ضد الحق والعياذ بالله، لكنهم في الآخرة مستسلمون. ٤ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين يلوم بعضهم بعضًا ويسب بعضهم بعضًا، قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ

стр. 65

الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ [العنكبوت: ٢٥] لقوله: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾. ٥ - ومن فوائدها: بيان الأساليب التي يستعملها المضللون، وأنها أساليب متنوعة تارة بالقوة، وتارة بالتغرير والتلطف والإيعاد بالخير، وتارة بالتغرير بالتوكيد على أن ما هم عليه حق. وإذا رأيت إلى واقع النصارى اليوم وغيرهم من أهل الضلال المضلين عرفت كيف تنطبق هذه الآية على هؤلاء الدعاة إلى الشر، فالنصارى -مثلًا- المضللون الذين يسمون أنفسهم بالمبشرين، لكننا نقول إنهم مبشرون بالعذاب الأليم، يعدون الناس الخير ويفتحون المدارس ويغدقون الأموال على الناس من أجل تضليلهم وإخراجهم ويستغلون فرصة الفقر والجهل في مثل هذه الأمور. ٦ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المتبوعين يعيدون التوبيخ على التابعين، حيث يقولون لهم: بل لم تكونوا مؤمنين، فالبلاء من عند أنفسكم لا من عندنا. ٧ - ومن فوائدها: أن من لم يكن إيمانه راسخًا فإن الدعاية الباطلة تؤثر عليه؛ لأن المؤمن إيمانًا راسخًا لا تضلله الدعاية ولا يمكن أن يتحول عن إيمانه الذي كان عليه لقوله: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ ولو كنتم مؤمنين حقًا إيمانًا ثابتًا ما أثَّر عليكم إضلالنا. والمؤمن يرضى أن يموت ولو بأن يلقى من شاهق ولا يكفر

стр. 66

بالله ، لكن الذي إيمانه غير راسخ ولا ثابت هو الذي تضلله هذه الدعايات. * * * قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾ (ما) نافية و (كان) فعل ماض يرفع المبتدأ وينصب الخبر، و (من سلطان) اسمها المؤخر مجرور بحرف من الزائد إعرابًا، و (لنا) خبر مقدم. خلافًا لمن قال: إن (ما) حجازية و (كان) زائدة، لأنك لو قلت: (وما لنا عليكم من سلطان) لصح الكلام، لأن (كان) هنا مراد وجودها لأنها تدل على زمن مضى، بخلاف ما لو سقطت فإنها لا تدل على الزمن الماضي، فإن الجملة لا تدل على الزمن الماضي، فيتعين هنا أن تكون (ما) نافية و (كان) فعل ماض غير زائد. قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ المؤلف ﵀: [أي من قوة وقدرة تقهركم على متابعتنا]، واعلم أن السلطان بمعنى السلطة، وهو في كل موضع بحسبه فتارة يراد بالسلطان العلم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] أي من دليل وبرهان، وتارة يراد به القدرة والقوة والغلبة كما في هذه الآية، يعني ليس لنا عليكم من سلطان نقهركم حتى تتبعونا، بل أنتم اتبعتمونا باختياركم وإرادتكم فكأنهم يقولون: لا تلومونا ولوموا أنفسكم، كما قال الشيطان لما قضى الأمر ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ

стр. 67

فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] فهؤلاء المتبوعون يجعلون اللوم كله على الأتباع، ونحن إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أن اللوم يكون على الأتباع وعلى المتبوعين، أما المتبوعون فإنهم زينوا لهم أعمالهم ودعوهم واستضعفوهم حتى أمالوهم إلى الباطل، وأما الأتباع فإنهم لم يجبروا على ذلك ولم يسخروا عليه، بل هم الذين تبعوا هذا باختيارهم، فكان على كل واحد من اللوم ما يتناسب وفعله، ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾، ﴿بَلْ﴾ هذه للإضراب الانتقالي لا لإبطال ما سبق، بل للانتقال من شيء إلى آخر فكرروا عليهم، قالوا في الأول: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ وقالوا الآن: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾ والطاغي هو الذي تجاوز حده، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة: ١١] يعني لما تجاوز حده، فهم يصفونهم بأنهم طاغون أي متجاوزون لحدهم الذي ينبغي أن يكونوا عليه وهو اتباع الرسل لا أتباع هؤلاء المضلين. وقول المؤلف [ضالين] فيه نظر، لأن الطغيان أمر زائد على الضلال. فالصواب أن ﴿طَاغِينَ (٣٠)﴾ بمعنى المتجاوزون للحد الذي ينبغي أن يكونوا عليه من أتباع الرسل. ﴿فَحَقَّ﴾ وجب ﴿عَلَيْنَا﴾ جميعًا ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾ حق علينا أي ثبت ووجب وصار حقًّا ليس فيه ظلم ولا باطل، ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾ يعني أن كل من خرج عن طاعة الله وكذب بآياته فهو في النار. قال المؤلف ﵀: [و ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾ بالعذاب أي قوله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾]. [السجدة: ١٣] هذا على ما قال المؤلف هو المراد بقولهم: ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾

стр. 68

وكأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٩] ولكن الظاهر أن المراد بقول الله المشار إليه هو قوله لإبليس ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٨] لأن الآية التي أشار إليها المؤلف فيها بيان أن الله قدر بحكمته أن يملأ النار من الكافرين، لكن ليس فيه الخطاب الموجه للشيطان وأتباعه، ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ فإن هذا هو الذي فيه الوعيد المباشر لمن اتبع الشيطان، فتفسير قولنا بالآية الثانية أولى من تفسيرها بما قال المؤلف، ثم قال: ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ قال المؤلف ﵀: [﴿إِنَّا﴾ جميعًا ﴿لَذَائِقُونَ﴾ العذاب بذلك القول، ونشأ عنه قولهم ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ المعلل بقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ علينا الضمير يعود على الأتباع والمتبوعين، ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ أيضًا يعود الضمير على الأتباع والمتبوعين. كأنهم يقولون إنا لم نخلص أنفسنا فكيف نخلصكم، ثم قال: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ يعني جعلناكم من أهل الغي بصدكم عن طريق الرشد، ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ هذا تعليل لقولهم: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ لقولهم أي بقول هؤلاء الذي نقله الله عنهم. الفوائد: في هذه الآيات عدة من الفوائد: ١ - تبرأ كل من التابع والمتبوع يوم القيامة من هؤلاء الضلال، فالمتبعون أو الأتباع يجعلون اللوم على المتبوعين والمتبوعون يجعلون اللوم على الأتباع.

стр. 69

٢ - ومن فوائدها: أن المتبوعين ليس لهم سلطان يكرهون به الأتباع، بل الأتباع هم الذين اختاروا لأنفسهم الضلالة. ٣ - ومن فوائدها: فيها دليل على أن هؤلاء المشركين والكافرين أعلم بالواقع من الجبرية وأشباههم الذين يقولون: إن الإنسان يجبر على عمله. فإن هؤلاء يقرون بأن الإنسان يفعل باختياره لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾. ٤ - ومن فوائدها: أن الأتباع يوم القيامة لا ينتفعون باتباع المتبوعين، بل إن المتبوعين يوبخونهم على طغيانهم فيقولون: أنتم الذين تجاوزتم الحد بترككم اتباع الرسل ثم اتباعنا. ٥ - ومن فوائدها إثبات قول الله وأنه يقول: لقوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ والقول هو الكلام الذي يستفاد منه فائدة، فيتفرع على ذلك أن كلام الله بحرف وصوت، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للأشعرية الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وأن ما يسمع من هذه الحروف والصوت فإنما هو مخلوق خلقه الله تعالى تعبيرًا عما في نفسه. ٦ - ومن فوائدها: إقرار المكذبين للرسل بالربوبية لقولهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ ويتفرع على ذلك الرد على عامة المتكلمين الذين يفسرون التوحيد بتوحيد الربوبية فقط، فيقولون: إن التوحيد هو أن تؤمن بأن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا شبيه له. ففي هذه الجمل الثلاث لم يذكروا توحيد الألوهية، يعني

стр. 70

لم يقولوا: واحد في ألوهيته لا شريك له. وإنما جعلوا التوحيد ما يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الصفات فقط، على ما في هذا الكلام من إجمال يحتاج إلى تفصيل، لكن فيه حذف توحيد الألوهية، وهذا التوحيد الذي زعم عامة المتكلمين أنه هو التوحيد الذي جاءت به الرسل. لا شك أن المشركين كانوا يقرون به ولا ينكرونه، ومع هذا حكم عليهم النبي ﷺ بالشرك واستباح دماءهم وأموالهم ونساءهم وأراضيهم. ٧ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين من أتباع ومتبوعين كلهم ينالهم العذاب لقوله: ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ أي ذائقون عذاب ربنا الذي حق علينا. ٨ - ومن فوائدها: التحذير من مصاحبة أهل الغواية لقوله: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾، وقد حذر النبي ﷺ من مصاحبة الصاحب السوء فقال: "مثل الجليس الصالح كحامل المسك وإما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ومثل الجليس السوء كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة" (١). ٩ - ومن فوائدها: إطلاق الشيء على مسببه لقوله: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ لأنهم ليسوا هم الذين أغووهم، وإنما هم سبب إغوائهم، فإن الهداية والإضلال بيد الله ، لكن هؤلاء كانوا سببًا في غواية هؤلاء فأضافوا الفعل إليهم في قولهم:

стр. 71

﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾. * * * قال الله : ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ هذا من قول الله تبارك تعالى وإن واسمها في إنهم، ومشتركون خبرها، وفي العذاب متعلق بـ (مشتركون)، ويومئذ يجوز أن تكون متعلقة بـ (مشتركون)، ويجوز أن تكون متعلقة بحال من الضمير في إنهم. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم إذ تقوم القيامة فالتنوين عوضًا عن جملة محذوفة، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ الضمير يعود على الأتباع والمتبوعين يشتركون يوم القيامة في العذاب أي في أصله، وإن كان بعضهم أشد عذابًا من بعض، لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]. واشتراكهم في العذاب لا يخفف عنهم؟ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩] بينما الناس في الدنيا إذا اشتركوا في العذاب أو المصائب فإن بعضهم يسلي بعضًا ويقويه ربما يتحمل جزءًا من العذاب. لكن في الآخرة لا ينفع هذا، كل منهم يرى أنه أشد الناس عذابًا -والعياذ بالله- ولا ينفعه مشاركة غيره له. ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي لاشتراكهم في الغواية]. تفسير المؤلف تعليل لاشتراكهم في العذاب لأنهم اشتركوا في الغواية. والمعنى أن هؤلاء مشتركون في العذاب كل يعذب بقدر

стр. 72

ذنبه فلا يظلم ربك أحدًا، ولا يمكن أن يسلم الأتباع من التبعة، وأن يسلم المتبوعون من التبعة، وأن هؤلاء انقادوا للضلال باختيارهم، وهؤلاء خدعوهم وغروهم، فكان على كل واحد من العذاب ما يستحقه وإن اشتركوا في أصله. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ [إنا كذلك كما نفعل بهؤلاء نفعل بالمجرمين]، هكذا قدر المؤلف كما نفعل بهؤلاء نفعل بالمجرمين. ويحتمل أن يكون المعنى إنا كهذا الفعل نفعل بالمجرمين وهم مجرمون. إعراب هذه الجملة ﴿إِنَّا﴾ إن واسمها وجملة ﴿نَفْعَلُ﴾ خبرها ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم بمعنى (مثل) منصوبة على المفعولية المطلقة، يعني إنا نفعل مثل ذلك الفعل بالمجرمين، وهذا التركيب يرد كثيرًا في القرآن، وإعرابه أن تجعل الكاف اسم بمعنى (مثل) وأن تجعلها منصوبة على أنها مفعول مطلق للفعل الذي يليها. وقوله: ﴿نَفْعَلُ﴾ وصف الله نفسه بالفعل على سبيل التعظيم، حيث عاد الضمير إليه بصيغة الجمع، ومعلوم أنه سبحانه واحد، ولكنه وصف نفسه بهذا من باب التعظيم. وقوله: ﴿بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾ المجرم هو الذي اكتسب الجرم وهو الإثم، فكل مجرم فإن الله تعالى يفعل به هكذا، ولكن الجرم نوعان: جرم لا عمل صالح معه فهذا يفعل به هكذا قطعًا وليس أهلًا للعفو. وجرم معه عمل صالح فهذا تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾. [النساء: ٤٨]. قال المؤلف: [﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ كما نفعل بهؤلاء ﴿نَفْعَلُ

стр. 73

بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾ غير هؤلاء أي نعذبهم، التابع منهم والمتبوع]، وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا مجرمين، لأنهم استحقوا من العذاب ما استحقه غيرهم. [﴿إِنَّهُمْ﴾ أي هؤلاء بقرينة ما بعدهم ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾] ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ , القائل الرسل بدليل قوله: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ وربما نختار العموم يعني إذا قالت لهم الرسل أو غيرهم حتى غير الرسل ربما ينصحونهم ويقولون لهم: قولوا لا إله إلا الله، ولكنهم يجيبون بهذا الجواب الباطل. وقوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذه الجملة هي كلمة التوحيد، التي دعت إليها جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وإعرابها أن نقول: لا نافية للجنس، وإله اسمها، وخبرها محذوف تقديره حق، وإلا أداة استثناء، ولفظ الجلالة (الله) بدل من الخبر المحذوف. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: إله بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود حبًّا وتعظيمًا، الذي تألهه القلوب وتنيب إليه وتخشع له، وإله أعني هذه الصفة فعال بمعنى مفعول تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل: البناء الفراش، بمعنى المبني، المفروش. فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله. ولو أورد علينا مورد، بأن هناك آلهة دون الله تعالى

стр. 74

فالجواب: أن ألوهيتهم ليست حقًّا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] وقد فسر عامة المتكلمين (لا إله إلا الله) بقولهم: لا قادر على الاختراع إلا الله. هذا تفسيرهم لها، كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التدمرية يقولون: (لا إله إلا الله) أي: لا قادر على الاختراع إلا الله، ففسروها بما يقتضي توحيد الربوبية، وهذا التفسير غير حق. فإذا فسرنا معنى (لا إله إلا الله) أي: لا قادر على الاختراع إلا الله يعني على الخلق إلا الله، وهذا التفسير غير صحيح وباطل من أصله. والدليل: أن المشركين لا يستكبرون عن أن يقولوا: إنه لا خالق إلا الله، بل يقرون بذلك، إذًا من فسره بهذا التفسير فقد أخطأ. والمشركون الذين قاتلهم الرسول ﷺ ما فسروه بهذا؛ لأنه لو فسروا بهذا ما استكبروا عنه. إذًا فهذا التفسير يعتبر تفسيرًا باطلًا، ليس فيه قصور ولا نقص، بل فيه البطلان من الأصل. سؤال: ما الفرق بين قولنا: لا معبود بحق إلا الله. وقولنا: لا معبود حق إلا الله؟ الجواب: إذا قلنا: لا معبود بحق إلا الله لم يأتِ الخبر، وصار (بحق) تعلق بمعبود، يعني لا أحد يعبد بحق إلا الله، ويكون الخبر على هذا هو (الله)، وهذا مشكل على قواعد النحو؛ لأن (لا) النافية للجنس لا تعمل إلا في النكرات. وإذا قلنا: لا معبود حق. صارت (حق) خبر (لا) ولا تكون

стр. 75

متعلقة بالمعبود. ولهذا قال بعضهم في تقديرها: لا معبود موجود إلا الله، وهذا غير صحيح، لأن هناك موجودًا يعبد سوى الله. ولكن الصحيح أن نقول: لا معبود حق. كما لو قلت: لا أحد قائم إلا زيد. تكون قائم هي الخبر. لا معبود حق إلا الله. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الله علم على الذات المقدسة لا يسمى به غيره، وهو أصل الأسماء، ولهذا تأتي أسماء الله تعالى غالبًا تبعًا له، ولا يأتي هو تبعًا لغيره إِلا نادرًا، فالأكثر أن الأسماء تأتى كلها صفة لله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] بسم الله الرحمن الرحيم. وربما تبعًا لها في مثل قوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١ - ٢] فهنا أتت هذه الكلمة العظيمة (الله) تبعًا لما قبلها. أين جواب ﴿إِذَا﴾ في قوله ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾؟ جواب (إذا) ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾، ولكن قد يقول قائل: لماذا لم تجزم؟ كيف جعلتموها جوابًا لـ أن (إذا) ولم تجزموها مع أنها فعل مضارع، الجواب أن (إذا) حرف شرط غير جازم. وقوله: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يتعالون كبرًا وفخرًا، فيرون أنهم أكبر من أن يقال لهم: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويأنفون من ذلك أي من قول هذه الكلمة، لأنهم يرون في أنفسهم أنهم أعظم وأكبر، ولهذا قال: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يستكبرون عن قولها فلا يقولونها ويستكبرون عمن قالها فلا يستجيبون له، فكبرياؤهم -والعياذ بالله- من الناحيتين. الناحية الأولى: الاستكبار عن قول هذه الكلمة.
следующие страницы →