← Тафсир

Тафсир · id 151159

تفسير العثيمين: ص

ابن عثيمين

Полный текст (253 стр.). Показаны 246–253 · переход к 251.

стр. 246

وإبليس لا شك أنه مبدأ كل شر، ولكن الله تعالى أبقاه لحكمة عظيمة، ولولا بقاء إبليس ما وجد عاص في الأرض، وإذا انتفى العصيان صار الناس أمة واحدة، ولم يكن الإيمان مزية، ولم يكن جهاد ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، ولو كان الناس أمة واحدة لتعطل كثير من شعائر الإسلام، فكان من الحكمة بقاء إبليس، وبقاء ما يدعو إليه إبليس. ٣٦ - ومن فوائد هذه الآيات: معرفة إبليس بالله حيث أقسم بعزة الله أن يغوي بني آدم لقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾. ٣٧ - ومن فوائدها: أن من أسباب الإعانة أن يستعين الإنسان بما يناسب المقام من أسماء الله وصفاته، لأنه لم يقل: فبمغفرتك لأغوينهم، لو قال: فبمغفرتك لم يناسب المقام، لأنه يريد أن يتسلط والسلطة يناسبها من الصفات العزة دون المغفرة. ٣٨ - ومن فوائد هذه الآيات: أن إبليس وعد متوسلًا بعزة الله أن يغوي جميع بني آدم. ويتفرع عن هذه الفائدة أنه يجب الحذر من إبليس ووساوسه، فإذا قال قائل: ما الذي يُعلمني بوساوس الشيطان؟ الجواب سهل: كل شيء يأمرك بمنكر فهو من إبليس، وكل ما يثبِّطك عن الخير فهو من إبليس، فاحذر. فإذا وجدت في نفسك تأخرًا في الخير فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا وجدت في نفسك إقدامًا على الشّر فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].

стр. 247

٣٩ - ومن فوائد هذه الآيات: مزية عباد الله تعالى المخلصين حيث سَلِمُوا من إغواء إبليس. ٤٠ - ومن فوائدها: أنه كل من كان لله تعالى أعبد كان أشد عصمة من الشيطان ووساوسه، لأنه استثنى من إغواء بني آدم عباده المخلصين، والمعلَّق بوصف يقوى بقوة ذلك الوصف. ٤١ - ومن فوائد الآيات: أن الله تعالى يمن على من يشاء من عباده فيخلصهم له لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣]. ٤٢ - ومن فوائد هذه الآيات: أن قول الله تعالى كلَّه حقٌّ لقوله: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ قدم المعمول لإفادة الحصر. ٤٣ - ومن فوائدها: أن كل ما قدره الله تعالى فهو حق، سواء كان ملائمًا للبشر أو غير ملائم. وجه ذلك أن كل شيء قدّره الله كائن بقوله: كن، وكن قول، فإذا كان كل ما قاله الله حقًا لزم أن يكون كل ما قضاه حقًا، وهو كذلك، ولهذا قال النبي ﵊: "الخير كلُّه بيديك، والشر ليس إليك" (١). ٤٤ - ومن فوائد هذه الآيات: أن الشيطان في جهنم لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾. ٤٥ - ومن فوائدها: أن الله تعالى وعد جهنم بملئها، ويتفرع عن هذه الفائدة الحذر الشديد من أن يكون الإنسان من أهل جهنم، نعوذ بالله منها، وقد ثبت في الصحيحين: "أن جهنم لا تزال يُلقى

стр. 248

فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط" (١). ٤٦ - ومن فوائد هذه الآيات: أن للشيطان أتباعًا لقوله: ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ فإذا قيل: مَنْ أتباعه؟ قيل: المستكبرون عن عبادة الله، لأن أعظم ميزة يتميز بها الشيطان أنه مستكبر عن طاعة الله، فكل مَن استكبر عن طاعة الله فإنه مِن أتباع الشيطان. * * * يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْه﴾ أي: على ما جئت به وعلى تبليغه ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ من: زائدة، وأجر: مجرور لفظًا منصوب محلًا على أنها مفعول به ثان لقوله: ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾. واعلم أن سأل إن تعدت بـ "عن" فهي بمعنى الاستفهام، وإن تعدت بنفسها نصبت مفعولين، فهي بمعنى طلب العطاء، فإنَّ قولك: سألته عن كذا، يعني: الاستفهام، وإذا قلت: سألته كذا، فهو طلب العطاء، وهنا سأل طلب عطاء وعلى هذا فإن ﴿أَجْرٍ﴾ محلها النصب، وقول المؤلف: [جُعْل] تفسير لأجرٍ، يعني لست أطلب منكم أن تعطوني دراهم، أو تعطوني أرزاقًا، أو تزوجوني بناتكم، أو تسكنوني قصوركم على تبليغ الرسالة، ولكنه ﷺ إنما يسأل الأجر مِن الله .

стр. 249

﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي: المتقولين القرآن من تلقاء نفسي، أي: وما أنا من المتقولين، ولكن عدل عن المتقولين إلى المتكلفين، لأن القرآن لا يمكن أن يأتي بمثله البشر حتى لو تكلف الإنسان وبذل الجهد، فإنه لا يمكن أن يأتي بمثله، ولما كان هذا القرآن لا يأتي بمثله البشر صار مَن أتى به متكلفًا لو كان جاء به من عنده، فهو يقول: أنا لا أتقول القرآن لا عن يسر ولا عن كلفة. ﴿إِنْ هُوَ﴾ [أي: ما القرآن]. ﴿إِنْ﴾ فسرها المؤلف ب "ما"، وقد ذكرنا علامة "إن" التي بمعنى "ما" أن يأتي بعدها "إلا". [﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عظة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ للإنس والجن العقلاء دون الملائكة] وقول المؤلف: [دون الملائكة]، إنْ أراد بإخراج الملائكة أنهم لا يكلفون بالعمل به فقد يكون مُسلّمًا، وإن أراد أنهم لا يتذكرون به ولا يتقربون به فهذا غير مسلم، لأن الله تعالى يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦] والمراد بهم الملائكة. وقوله: ﴿ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ تقدم معنى الذكر في أول السورة، وتقدم قريبًا ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ [صَ: ٤٩] وهذه الثالثة، والمعنى أنه ذكر بنفسه وشرفه وذكر بالوعظ به. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ قال المؤلف ﵀: [﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ يا كفار مكة ﴿نَبَأَهُ﴾ خبر صِدْقِه ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي: يوم القيامة] قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ جعل المؤلف الضمير في تعلمن عائدًا إلى كفار مكة

стр. 250

بناء على أن الخطاب المذكور في هذه السورة لأهل مكة، لأنها مكية، ولكن قد ذكرنا أن العبرة بالعموم لا بخصوص المكان أو السبب، والخطاب لجميع الناس ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ فإن هذا النبأ الذي أنبا الله به بواسطة هذا القرآن الكريم سيعلمه الناس كلهم، وذلك ما أخبر به عما يكون يوم القيامة، فإن هذا القرآن أخبر عن ما يكون يوم القيامة، وهذا سيعلمه الناس كلهم بعد حين. وهناك أشياء أخبر عنها القرآن مضت وانقضت، فهذه عَلِمَها بعد حين مَن سبق هذه الحوادث وأدركها، وهناك حوادث ستأتي يعلمها بعد حين مَنْ يدركها، وأما الذي يدركه جميع الناس فهو ما يكون يوم القيامة قال: ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ [أي: يوم القيامة، وعَلِمَ بمعنى عرف]، قال: علم بمعنى عرف، لأنه تعدى إلى واحد ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ وعلم إذا تعدت إلى واحد فهي بمعنى عرف، كما تقول: علمت المسألة يعني عرفتها، قال: [واللام قبلها: لام قسم مقدر، أي: والله] لتعلمن نبأه. الفوائد: ١ - في هذه الآية من الفوائد: أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يعلن بأنه لا يسأل على الرسالة أجرًا، أي: أجرًا دنيويًا، وأما أجر الآخرة فلا شك أن النبي ﷺ يرجوه، لأنه هو الدال على الخير، الآمر به، ولهذا مُنع ورثة الرسل مِن أن يرثوا شيئًا من أموالهم خوفًا من أن يقال إنما اكتسبه الرسل من أجل الرسالة. قال النبي عليه الصلاة

стр. 251

والسلام: "لا نُورَثُ، ما تركنا صدقةٌ" (١) بتنوين الضم، أما قول الرافضة: صدقةً، بتنوين النصب "لا نُورَث ما تركنا صدقةً" فهذا تحريف لفظي ومعنوي، وذلك لأن ما ترك صدقة لا يورث من الأنبياء ولا من غيرهم. لو أوصى الإنسان بشيء يجعل صدقة بعد موته نُفِذ ولم يُوْرَث لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] إلا أن ما زاد على الثلث يكون راجعًا إلى اختيار الورثة. ٢ - ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن النبي ﷺ لا يسأل الناس أجرًا على دعوة الخلق إلى الحق، وهل هذا خاص به أو عامّ له وللأمة، أي: أنه يحرم على الإنسان أن يأخذ شيئًا على تبليغ الشريعة؟ الجواب: أنه متى وجب الإبلاغ حَرُم أخذ الأجر عليه، لأنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجرًا على قيامه بالواجب، أما إذا كان ليس بواجب فلا بأس أن يأخذ أجرًا، لأنه يكون تطوعًا إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. فإذا قال: أنا لا أحبس نفسي إلا بأجر، قلنا له: لا حرج ما دام الإبلاغ ليس بواجب، ويدل لهذا قول النبي ﵊: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (٢) لكن متى وجب تعليم القرآن على شخص فإن أخذه أجرة على هذا التعليم يكون حرامًا. ٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ صادق فيما أخبر به من الوحي لقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.

стр. 252

٤ - ومن فوائدها: الإشارة إلى أن من الناس مَن يتقوَّل على الله، فيدعي أنه رسول، وهو ليس كذلك، وحينئذٍ نقول: من ادعى الرسالة فإن جاء بآية تدل على صدقه فهو رسول، وإلا فليس برسول، هذا قبل النبي محمد ﷺ أما ما بعد النبي ﵊ فمن ادعى الرسالة فهو كاذب، لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] فمن ادعى الرسالة، وأن الله تعالى أرسله بعد محمد ﵊ فهو كاذب مرتد عن الإسلام ويجب قتله، ولا يرد على هذا أن عيسى ﵇ ينزل آخر الزمان بصفته رسولًا؟ لأنه كان رسولًا قبل محمد ﷺ ، ثم هو أيضًا لا يأتي بشيء جديد، بل يأتي بشيء أقرَّه النبي ﷺ وأخبر به من قبل، وهو أنه يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام (١) يعني أن أخذ الجزية من غير المسلمين لإقرارهم على دينهم له أمد في الشريعة الإسلامية. ٥ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ أن هذا القرآن الكريم ذكر للعالين عمومًا يتذكرون به، لكن لا ينتفع به إلا المؤمنون، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] وهذا عام ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] وهذا خاص إذا جعلنا الهدى بمعنى التوفيق، وإذا قلنا الهداية هداية الإرشاد صار عامًا.

стр. 253

٦ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ أن آيات النبي ﷺ تأتي متتابعة منها ما علم في عهده، ومنها ما علم بعد ذلك، ومنها ما لا يعلم إلا يوم القيامة، والذي يعلم يوم القيامة يكون معلومًا لكل أحد، والذي يعلم في وقته يكون معلومًا لمن أدركه ولمن أتى من بعده، وكذلك نقول في الذي يأتي بعد الرسول ﷺ . ٧ - ومن الفوائد: أن الله تعالى تكفل بأن يعلم الناس صدق نبأ الرسول ﷺ لقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ فإن هذه الجملة خبرية مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام والقسم المقدر ونون التوكيد ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾. وإلى هنا انتهت هذه السورة الكريمة ونسأل الله تعالى أن يعيدنا عودًا حميدًا مستزيدين من الإيمان والعمل الصالح والعلم، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. [تم تفسير سورة ص والحمد لله رب العالمين]