يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] ومع ذلك يشربون ما يشاؤون، وهذه الأنهار لا تجري في أخاديد، ولا ضمن جدران تمنع سيلان الماء، إنما تجري على وجه الأرض، قال ابن القيم في النونية:
أنهارُها في غيرِ أخدودٍ جَرَتْ ... سبحانَ مُمْسِكِها عن الفيضان
والغساق أيضًا -والعياذ بالله- بمجرد ما تسمع معناه تشمئز، صديد أهل النار، الصديد الذي يجري من أجسامهم من احتراقها هذا أيضًا نوع من شرابهم، فصار شرابهم إما ماء حار يشوي الوجوه ويقطع الأمعاء، وإما صديد أهل النار ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧].
قال الله : ﴿وَآخَرُ﴾ قال المؤلف ﵀:
[بالجمع والإفراد] ﴿وَآخَرُ﴾ مفرد و ﴿وَأُخَرُ﴾ جمع، ففيها قراءتان سبعيتان، ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ أي: من جنسه، [أي: مثل المذكور من الحميم والغساق ﴿أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ أي: أصناف، أي عذابهم من أنواع مختلفة]. ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾ من جنسه، ﴿أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ أصناف من العذاب يعذبون بها كما أراد الله ، ويهانون غاية الإهانة، يقرعون ويوبخون، ثم يُمَنَّونَ بالخروج، ترتفع بهم النار حتى يقتربوا من أبوابها ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] وهذا من شدة العذاب. لو أن شخصًا محبوسًا، وكان يقرب من الباب، يظن أنه سيخرج فإذا به يرد، فهذا أشد عذابًا عليه مما لو
стр. 212
بقي في مكانه، فهم يُنَوَّع عليهم العذاب أنواعًا عظيمة لا تخطر بالبال، ولا تدور في الخيال.
قال المؤلف: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾: أصناف، أي: عذابهم من أنواع مختلفة. ويقال لهم عند دخولهم النار بأتباعهم ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ جمع ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ داخل ﴿مَعَكُمْ﴾ النار بشدة، فيقول المتبوعون: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي: لا سَعة عليهم ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: الكفر ﴿لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)﴾ لنا ولكم النار] أعوذ بالله ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] انظر كيف العداوة بين أهل النار ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] وهكذا المجرمون في الدنيا الذين يوالي بعضهم بعضًا سوف يكونون يوم القيامة أعداء. فلا ولاية لأحد في الآخرة إلا من كان متقيًا، هؤلاء هم الذين تبقى ولايتهم، وأما غير المتقين فهم فإن كانوا أولياء في الدنيا فإن ولايتهم في الآخرة تزول نهائيًا.
﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ الفوج: الطائفة، والغالب أنها تكون للطائفة الكبيرة ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي: داخل بمشقة، لأن الاقتحام لا بد أن يكون هناك ازدحام شديد ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أي: صعدها بشدة، هؤلاء أيضًا يدخلون النار بزحام شديد، فهو فوج مقتحم معكم، أي: يقال لهم، إذا دخلوا النار، وهذا من قيل أهل النار بعضهم لبعض، أو من قيل خزنة جهنم للقادة: ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾: يعنون الأتباع، داخل معكم النار. فيقول القادة والرؤساء
стр. 213
المتبوعون: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي: لا نريدهم، نتبرأ منهم، ولا تتسع صدورنا ولا أمكنتنا لهم، والمرحب مأخوذ من الرحبة، وهي السعة فيقولون: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي: لا نرحب بهم ولا نريدهم، بل نحن ننابذهم غاية المنابذة ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾ إنهم، أي: هؤلاء الذين اقتحموا معنا ﴿صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾ كما صليناها، فيجيب أتباع هؤلاء الرؤساء المتبوعين، ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ بل إضراب إبطال، يعني أبطلوا قولهم: ﴿لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ يعني: قدَّمتم لنا الكفر، وسهلتم لنا سلوك سبله، وزينتموه في نفوسنا حتى تبعناكم ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)﴾ لنا ولكم النار. أعوذ بالله كل منهم الآن يتبرأ من الآخر.
يقول الله : ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ أي: مثل عذابه على كفره في النار]. ﴿مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ أي: مَن قدم لنا الكفر، وهم المتبوعون ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ ضعفًا يعني زائدًا على عذاب الأصل، يعني عذبهم لكونهم كفروا، وعذبهم لكونهم قدموا لنا هذا الكفر، ولكن هذا ليس إليهم فلكل امرئ منهم ما عمل، وهؤلاء المتبوعون هل أجبروا الأتباع على اتباعهم؟ أبدًا لم يجبروهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧ - ٤٨] حكم بينهم بعدله فجازى كل واحد منهم ما يستحق.
стр. 214
ثم قال الله : ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ يقول المؤلف: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: كفار مكة وهم في النار] والصواب: أن المراد بهم كل الكفار. الكفار يرون أن المؤمنين كلَّهم ضالون. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢] وليس هذا خاص بكفار مكة، كلُّ الكفار إلى اليوم يرون أن المؤمنين أشرار ضالون. ويصفونهم بأنهم طغاة مفسدون في الأرض، والحقيقة أن الأمر بالعكس. الطغاة المفسدون في الأرض الضالون الظالمون المعتدون هم الكافرون، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فلا أحد أشد فسادًا وعدوانًا وظلمًا وطغيانًا من الكافر، لأنه يتمتع بنعم الله ويبارز الله بالكفر به.
ثم يقول الكفار: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ كنا، أي: في الدنيا ﴿نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ نعدهم يعني باعتقادنا ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [أي: في الدنيا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾ فلم نرهم؟ ] يقول بعضهم لبعض: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ ما لنا لا نرى فلانًا وفلانًا الذين كنا نعدهم من الأشرار؟ هل نحن اتخذناهم في الدنيا سخريًا، نسخر بهم ونقول: أنتم الشر، وأنتم الطغاة وما أشبه ذلك، وهم ليسوا كذلك؟ أم أنهم كما تصورناهم في الدنيا وعددناهم من الأشرار وأنهم الآن في النار، لكن أبصارنا زاغت عنهم.
стр. 215
فانظر كيف الاهتمام، يقولون: هل نحن اتخذناهم سخريًا في الدنيا وقلنا: إنهم من الأشرار وهم ليسوا منهم؟ هذا أولًا، وإذا كانوا ليسوا منهم فلن يدخلوا النار، أم أنهم كانوا أشرارًا حقيقة، وإن قولنا: إنهم كانوا أشرارًا كلامُ جَدٍّ، وهم الآن في النار، ولكن زاغت عنهم أبصارنا؟ والجواب الأول هو الحقيقي.
ولهذا قال الله عنهم: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، سقطت لأجلها همزة الوصل، استغناء عنها، واتخذناهم: فعل ماض، وفاعل، ومفعول به أول، وسخريًا: مفعول به ثانٍ، بضم السين "سُخريًا" وكسرها "سِخريًا" أي: كنا نسخر بهم في الدنيا، والياء للنسب فالسخري أقوى من السخر، كما قيل في الخصوص: خصوصية، للدلالة على قوة ذلك، فافهمه، فإنه جيد.
﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [أي: أمفقودون هم ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ مالت ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾ فلم نرهم؟ ] والجواب أن يقال: إنكم اتخذتموهم سخريًا وسخرتم بهم، واستهزأتم بهم، ووصفتموهم بالعيب والشر، وهم برآء منه.
قال المؤلف: ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾: مالت ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ فلم نرهم؟ وهم فقراء المسلمين، كعمار وبلال وصهيب وسلمان] هذا بناء على أن القائلين كفار مكة، أما إذا قلنا بالعموم، فكل زمان له أهل.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: المشار إليه من كل ما ذكر من تخاصم أهل النار ﴿لَحَقٌّ﴾، أي: أمر ثابت واقع، وهذا تأكيد لخبر الله ، مع أن خبر الله كلَّه حقّ
стр. 216
وصدقّ وثابتٌ. والمراد بالحقّ هنا الصدق؛ لأنه إخبار عن أمر سيقع.
وقوله: ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ تخاصم: بدل أو عطف بيان لقوله: "حق" والمؤلف ﵀ قدّره خبرًا لمبتدأ محذوف فقال: [وهو ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ كما تقدم] يتخاصم الأتباع مع المتبوعين.
الفوائد:
١ - ومن فوائد الآيات: كمال القرآن في التعليم والتبليغ، وأنه مثاني إذا ذكر المتقون وثوابهم ذكر المجرمون وعقابهم، ولهذا قال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)﴾ الطاغين ضد المتقين لهم شر مآب.
٢ - ومن فوائد هذه الآيات: أنه ينبغي للداعية إلى الله أن تكون دعوته تارة بالترغيب، وتارة بالترهيب، بل الأفضل أن يجعل دعوته مشتملة على الترغيب والترهيب، وذلك لأنها أي: الدعوة إذا كانت مقتصرة على الترغيب صارت سببًا للأمن من مكر الله، وأن يتمادى الإنسان في معصية الله، ويرجو الله، وإذا كانت مشتملة على الترهيب صارت سببًا للقنوط من رحمة الله، واستبعاد الرحمة، وهذا ضرر، بل ينبغي أن يكون الداعية جامعًا بين هذا وهذا؛ ليحمل الناس على الرجاء وعلى الخوف. ولهذا قال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهم غلب هلك صاحبه. وقال بعض أهل العلم: الرجاء والخوف كالجناحين للطائر إن انخفض أحدهما سقط الطائر، وإن تساويا صار طيرانه متزنًا.
стр. 217
وقال بعض أهل العلم: ينبغي للإنسان عند فعل الطاعة أن يُغلِّب جانب الرجاء، وعند الهم بالمعصية أن يُغلِّب جانب الخوف، لأنه إذا فعل الطاعة فقد فعل سبب الرجاء، وإذا فعل المعصية فقد فعل ما يكون سببًا للخوف.
وقال بعض العلماء: ينبغي في حال الصحة أن يغلب جانب الخوف، وفي حال المرض أن يغلب جانب الرجاء حتى يموت وهو يحسن الظن بالله .
ولعل القول الوسط هو أن الإنسان إذا فعل المعصية أو هَمّ بها غلَّب جانب الخوف، وإذا فعل الطاعة أو هَمَّ بها غلَّب جانب الرجاء. وهذا قول طيب، ولكن ليس قولنا: أن يغلب جانب الرجاء أو الخوف ألا يكون لديه شيء من الطرف الآخر، بل يجمع بين هذا وهذا، لكن الكلام على التغليب.
٣ - ومن فوائد هذه الآيات: أن الطاغين مآبهم شّر مآب، بخلاف المتقين فإن مآلهم أحسن مآب. الطاغون مآلهم شر مآب، لأن مآلهم إلى جهنم -والعياذ بالله- وقد ذكر الله تعالى من أنواع العقوبات في هذه الدار ما يكفي ردعًا للمؤمن عن المعصية.
٤ - من فوائد قوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾ أن من أسماء النار جهنم.
٥ - ومن فوائدها: أن هؤلاء يصلونها، أي: يقعون في صلاها، أي: حرها الذي لا يمكن أن يبرد أبدًا، لكن مع ذلك ورد أنهم يطاف بهم أحيانًا في زمهرير شديد البرودة وأحيانًا في نار شديدة الحرارة.
стр. 218
٦ - ومن فوائدها: الثناء بالقدح على هذه الدار، أي: ذمّ هذه الدار، أما الجنة فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠] فمدح دار المتقين، أما هذه فقال هنا: ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾ فأثنى عليها بالقدح والقبح والسوء.
٧ - من فوائد قوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ أن أهل النار -والعياذ بالله- يذوقونه، أي: العذاب، بين حميم وغساق، أي: يسقون ماءً حارًا وصديد أهل النار الغساق -والعياذ بالله-، والإنسان منهم ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧].
٨ - ومن فوائدها: تنويع العذاب للطغاة لقوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ أي: أصناف متنوعة من العذاب، وهذه الأصناف مذكورة في الكتاب والسنة فمن أحب أن يراجعها فليراجعها في الكتب المؤلفة في ذلك.
٩ - ومن فوائد الآيات: أن أهل النار يتنازعون فيما بينهم ويتخاصمون ويتلاعنون، كما دخل فوج لعن الثاني ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] وهنا يقول الله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾.
١٠ - ومن فوائدها: أن الأتباع والمتبوعين من أهل النار كلهم يكونون في النار، فلا يعذر هؤلاء بتبعيتهم للسادة والكبراء، ولكن هذا ليس على إطلاقه، فإنه قد دلت النصوص على أنه لا يعذب أحد حتى تقوم عليه الحجة، وعلى هذا فيحمل الأتباع هنا على الأتباع
стр. 219
الذين بَلَغَتهم الحجة وبَلَّغتَهم الرسل، ولكن قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، ولهذا قال تعالى في الأحزاب: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨] فدل هذا على أن هؤلاء الأتباع قد قامت عليهم الحجة، ولهذا يقولون: ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.
١١ - ومن فوائد هذه الآيات: أن أهل النار يكلم بعضهم بعضًا، وينظر بعضهم إلى بعض، وهم ليسوا أحياء ولا أمواتًا، ليسوا أحياءً منعمين، ولا أمواتًا مستريحين، بل هم أحياء معذبون.
١٢ - ومن فوائد هذه الآيات: تبرؤ التابع من المتبوع، وبالعكس كما دلت على ذلك آيات سورة البقرة ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧].
١٣ - ومن فوائد الآيات: أن أهل النار يتذكرون ما جرى لهم في الدنيا لقوله: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ وكذلك أهل الجنة يتذكرون ما كان لهم في الدنيا، قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يقول لصحبه الذين معه في الجنة ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ رأى قرينه ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ وهو يسمع هذا في أعلى عليين وهذا في أسفل السافلين
стр. 220
يسمع ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥١ - ٥٧] أي: من المحضرين في العذاب كما أنت محضر في العذاب.
١٤ - ومن فوائد هذه الآية: قصور عقل أهل النار حيث قالوا: ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ لأنهم إذا لم يروهم الآن فهم إما إنهم ليسوا في النار، وإما إن هؤلاء قد زاغت أبصارهم، وقد صرحوا بذلك في قولهم: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾ فيقال: إن الواقع أنكم الآن مقصرون إما في الدنيا وإما في الآخرة، إن كنتم اتخذتموهم سخريًا فهذا تقصير في الدنيا، وإن كانت أبصاركم زاغت عنهم فهذا قصور في الآخرة.
١٥ - ومن فوائد هذه الآيات: أن هذا الخصام الذي يقع بين أهل النار حق لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ ويتفرع عن هذه الفائدة: أنه يجب على كل أحد أن لا يغتر بالسادة والمتبوعين، بل يكون همه نفسه.
ثم أمر الله رسوله محمدًا ﷺ يقول لكفار مكة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ ﴿قُلْ﴾ لا شك أن الخطاب للرسول ﷺ ، وأنه من الخطاب الخاصّ به، لأن الإنذار الذي هو إنذار الرسالة خاص بالرسول ﷺ ، وقول المؤلف: [﴿قُلْ﴾ يا محمد لكفار مكة] وجه التخصيص أن هذه السورة مكية قبل أن يهاجر النبي ﷺ ، فيكون الخطاب الموجه إليه بالإعلام بأنه منذر خاصّ بأهل مكة، ولكنه يقال: إن الأولى أن
стр. 221
يجعلها عامة، وأن يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والمكان.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ مخوف بالنار الكفار، فالإنذار بالنار للكفار، والبشارة بالجنة للمؤمنين، لكن المقام هنا يقتضي الإنذار.
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ هذا حصر من أعظم أنواع الحصر، لأنه مبني على النفي والإثبات، النفي المؤكد بـ "مِنْ" ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ لأن "مِنْ" حرف جر زائد، والزائد يفيد زيادة المعنى في القرآن الكريم، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾ أي: ما من معبود حقّ إلا الله، وإلا فهناك آلهة تعبد لكن ليست بآلهة حقًا، بل هي أسماء سماها أصحابها ما أنزل الله بها من سلطان، ولهذا لا يعبدونها العبادة الحقة. إذا أصابهم الضر يدعون الله وحده، وهم بلسان حالهم يشهدون بأن هذه الأصنام التي يعبدونها ليست آلهة.
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ أي: ما من إله حق إلا الله خالق السماوات والأرض ، الواحد الذي لا شريك له، القهار الذي لا غالب له، بل هو قاهر لخلقه. والقهار هنا يجوز أن يكون التضعيف فيها للنسبة، ويجوز أن يكون التضعيف فيها للتكثير فتكون صيغة مبالغة، ويمكن أن نقول: إنها للأمرين جميعًا، فالله تعالى من صفاته اللازمة له أنه قهار، ولكثرة مَنْ يقهرهم مِن الجبابرة يكثر قهره، فتكون هذه للنسبة وللتكثير الذي يسمى المبالغة.
وقوله تعالى. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ رب: هذه بدل من ﴿اللهُ﴾ ويجوز أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هو رب.
стр. 222
﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سبق الكلام عليهما كثيرًا.
وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: من المخلوقات العظيمة التي نعلمها والتي لا نعلمها. وقد سبق لنا أن بيّنا أن كون الله تعالى يجعل ما بين السماوات والأرض قسيمًا للسماوات والأرض يدل على عظم ما بينهما من المخلوقات التي لم نصل إلى الآن إلى غايتها.
وقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾ قال المؤلف: [الغالب على أمره] وهذا أحد معاني العزيز، لأن العزيز له ثلاثة معانٍ: العزيز بمعنى ذي القدر والشرف، والعزيز بمعنى القهر والغلبة، والعزيز بمعنى الذي يمتنع أن يناله السوء، مأخوذ من أرض عزاز، أي: صلبة لا تؤثر فيها الفؤوس. إذًاا لعزة لها ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، أي: يمتنع أن يناله السوء .
وقوله: ﴿الْغَفَّارُ (٦٦)﴾ أي: الكثير المغفرة، ولنا أن نجعلها نسبة، أي: أنه موصوف بالمغفرة دائمًا فما أكثر مَنْ يغفر الله لهم، وما أكثر الذنوب التي يغفرها الله ، وهنا قرن العزة بالمغفرة فاكسب معنى ثالثًا غير العزة والمغفرة، وهو أنه مع عزته وغلبته وقهره هو مع ذلك غفار بخلاف من يتصف بالعزة من المخلوقين فإنه في الغالب تكون عزته تغلب مغفرته، أو من اتصف بالمغفرة فتجد عنده ضعفًا وليس عنده عزة، فإذا اجتمعت العزة والمغفرة حصل من ذلك معنى مركب من اجتماعها، وهو أكمل مما لو انفرد أحدهما، ولا شك أن غلبة المغفرة على العزة فيها نقص، وغلبة العزة على
стр. 223
المغفرة فيها نقص، فإذا اجتمعا جميعًا صار هذا أكمل، أي: أن عزته وغلبته وقهره لا تخلو من المغفرة.
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية: أمر النبي ﷺ بإعلان رسالته لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾.
٢ - ومن فوائدها: أنه ينبغي في الكلام مراعاة الحال حيث إن المقام هنا مقام تهديد، فلهذا اقتصر على الإنذار فقط مع أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩].
٣ - ومن فوائدها: توحيد الله تعالى بالألوهية ونفيها عما سواه لقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾.
٤ - ومن فوائدها: أن الأسماء لا تغير المسميات، فإن هناك من يسمى إلهًا ولكنه حقًا ليس بإله، ويتفرع عن هذه الفائدة أننا لو سمينا الشيء المحرم باسم حلال فإنه لا يتغير الحكم فيه، ولهذا جاء في الحديث "أنه يشرب الخمر أناس يسمونها بغير اسمها" (١) وهذا يدل على أن الأسماء لا تغير السميات والحقائق.
٥ - ومن فوائد الآية: إثبات الوحدانية لله في قوله: ﴿الْوَاحِدُ﴾.
٦ - ومن فوائدها: الرد على النصارى القائلين بأن الله تعالى ثالث ثلاثة، ويتفرع عن هذه الفائدة أيضًا أن دينهم كذب، وأعني
стр. 224
دينهم الذي يدينون به الآن، لأن عيسى ﵊ لا يمكن أن يأتي بآلهة متعددة، ولهذا يقول له الله : ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧].
٧ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القهر التام لله لقوله: ﴿الْقَهَّارُ﴾ وهذا يستلزم للمؤمن به أن يخاف من الله من قهره، ويستلزم أيضًا تقوية المؤمن الواثق بالله في قهر أعدائه، لأنك إذا وثقت بأن الله هو القهار، وأن الله معك لكونك أتيت بالأوصاف التي تستوجب معية الله لك، فإن هذا يقوِّيك على عدوِّك، وتعلم أن هذا العدو لا بد أن يكون مقهورًا بقهر الله .
٨ - وفي قوله : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾ إثبات عموم ربوبية الله لقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾ لأن السماوات والأرض وما بينهما هي كل الكون الذي نعلم به، ولعل العرش والكرسي داخل في السماوات من حيث العلو.
٩ - ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والغفار، وإثبات ما تضمناه من الصفة مجتمعين ومنفردين، وهما أي: العزة والمغفرة مجتمعين أقوى وأشد وأعظم في كمال العزة والمغفرة.
стр. 225
ثم يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ هو، أي: النبأ الذي أنبأتكم به والذي جئت به منذرًا؛ نبأ عظيم، والنبأ بمعنى الخبر، لكنه لا يكون إلا في الأمر الهام. قال الله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ - ٢] ووصف الله هذا النبأ بأنه عظيم، وهو القرآن، وقد وصف الله القرآن بأنه عظيم وكريم ومجيد؛ لأنه يتصف بهذه الصفات، ومن أخذ به نال من هذه الأوصاف بقدر ما أخذ به.
﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ جملة استئنافية يراد بها لفت الانتباه إلى فداحة ما يرتكبونه من جريرة الإعراض عن ذلك النبأ، وهو القرآن، وشدة الشناعة على هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ فهم مع هذا النبأ العظيمٍ لم يقبلوا عليه، بل أعرضوا عنه، ولم يلتفتوا إليه، ولم يقيموا له وزنًا.
﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ يعني هذا النبأ العظيم لا يمكن أن آتي به من عند نفسي، لأنه ليس لي علم بالملأ الأعلى، يعني: الملائكة فهم ملأ لكنهم فوق، إذ إن الأصل في مساكنهم السماوات، ولكن ينزلون إلى الأرض لأداء الوظائف التي كُلِّفوا بها ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ قال المؤلف: [أي: الملائكة ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ في شأن آدم حين قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]] والصحيح أن معنى الآية أعم مما قاله المؤلف، لأن ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ
стр. 226
بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ في شأن آدم، وفي الدرجات العُلى وغيرها مما يختصم فيه الملائكة، ويرجعون فيه إلى الله.
قال المؤلف: ﴿إِنْ﴾: ما ﴿يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا﴾ أي: أني ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ بين الإنذار]. نقول: إنما أفادنا المؤلف أن "إنْ" هنا نافية، وهو أحد معانيها، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنَّمَا﴾ أي: أني ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ قوله؛ [أي: أني] تفسير لـ ﴿إِنَّمَا أَنَا﴾ لأن أصله أني، لكن دخلت ما الكافة على "أن" فأبطلت عملها. ثم لما دخلت عليها لزم أن ينفصل الضمير المتصل، دخلت (ما) على (أن) ففصلت بين (أن) والضمير، والضمير المتصل إذا وجد ما يفصله عما اتصل به صار منفصلًا، فهنا تكون ﴿أَنَا﴾ هي الياء في قول المؤلف: [أني].
قوله: ﴿إِلَّا أَنَّمَا أَنَا﴾ هذه الصيغة تكون أشد تأكيدًا للحصر، لأن الحصر استنفدناه من قوله: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا﴾ واستثناه أيضًا من قوله: ﴿أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ فحُصِرَ حال النبي ﵊ بأنه نذير مبين، وهذا الحصر حصر إضافي، أي: إنما أنا في هذه المسألة خاصّة، وهو الوحي، نذير مبين، وإلا فإنه بشر ينسى ويأكل ويشرب ويبشر، فالحصر إذًا إضافي بحسب السياق. وقوله ﴿مُبِينٌ (٧٠)﴾ قال المؤلف: [بيّن الإنذار] والصواب: مُظهِر، وليست من أبان اللازم، بل هي من أبان المتعدي؛ لأن كلمة أبان تكون لازمة، كما تقول: أبان الصبح، أي: ظهر، وتكون متعدية، كما لو قلت: هذا مبين لهذا، أي: مظهر له، فالصواب: أن مبين هنا بمعنى مُظهِر.
стр. 227
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآيات: عظم ما جاء به الرسول ﵊ من الوحي، وأنه نبأ عظيم، وهذا كقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) [النبأ: ١ - ٣].
٢ - ومن فوائدها: أنه متى عَظُمَ هذا النبأ العظيم، عَظُمَ مَن يأخذ بهذا النبأ لأنه أساس ومنهاج وطريق، فإذا عظم، عظم الآخذ به، ولهذا كانت الأمة الإسلامية عظيمة مرموقة مهيبة حين كانت آخذة به.
٣ - ومن فوائد هذه الآية: القدح في من أعرض عن هذا النبأ العظيم لقوله: ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ يعني كيف يليق بكم أن تعرضوا عنه مع أنه نبأ عظيم؟ !
٤ - ومن فوائد قول الله : ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ نفي علم الرسول ﷺ بالغيب سواء كان مستقبلًا أم حاضرًا ولكنه غائب عنه لقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ نفي علم بملأ موجود لكنه غائب عنه، فإذا كان لا يعلم الغائب الموجود، فالغائب عنه المنتظر من باب أولى.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملأ الأعلى وهم الملائكة ﵈.
٦ - ومن فوائدها: بيان علو مرتبة الملائكة، كما أن مكانهم كذلك عال، لأنهم في السماوات، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي
стр. 228
السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] وعلو المرتبة فيهم اختلف العلماء هل هي أعلى من البشر الصالحين أم صالحوا البشر أعلى من الملائكة وأفضل؟ فمنهم من قال: إن الملائكة أفضل، ومنهم من قال: إن صالحي البشر أفضل، والنزاع هنا قليل الفائدة، لأننا نعلم أن الملائكة لهم خصائص لا يلحقهم فيها البشر، وللبشر خصائص لا يلحقهم فيها الملائكة، فالتفضيل على الإطلاق لا يصح، لأن هؤلاء لهم ميزة وهؤلاء لهم ميزة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الملائكة أفضل باعتبار كمال البداية؛ لأنهم خلقوا من نور، والنور أكمل وأفضل من الطين والتراب، وإن البشر أفضل باعتبار النهاية، لأن البشر يكونون في رحمة الله، والملائكة أنفسهم يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٤].
ولكن الذي أرى أنه ينبغي أن يقال: إن التفضيل ليس باعتبار البداية والنهاية بل باعتبار بعض الخصائص التي تكون لهؤلاء دون هؤلاء.
٧ - ومن فوائد الآية: إثبات أن الملائكة ﵈ ذوو عقول لقوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾.
٨ - ومن فوائدها: إثبات المناظرة والمخاصمة بين الملائكة، كما هي أيضًا تكون بين الرسل وأقوامهم، وبين أتباع الرسل بعضهم مع بعض.
стр. 229
٩ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ إثبات الرسالة للرسول ﷺ لقوله: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ والوحي يكون للرسول إذا كان أوحي إليه أن ينذر الناس ويبشر الناس، ولكن الوحي يكون أحيانًا بالإلهام كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] فهذا وحي إلهام، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] هذا أيضًا وحي إلهام وليس وحي نبوة وإرسال.
١٠ - ومن فوائد هذه الآية: إثبات أن الرسول ﷺ نذير.
١١ - ومن فوائدها: أن الرسول ﷺ مبين لكل ما أنذر به؛ لأن معنى مبين مظهر للحق والوحي الذي جاء به.
١٢ - ومن فوائدها: أنه لا يمكن أن يكون في شريعة النبي ﵊ شيء مجهول أبدًا، بل كل ما جاء به فهو بيِّن، لكن الجهل أمر نسبي قد يكون الجهول شيئًا معينًا لبعض الناس، وهو بيِّن معلوم لأناس آخرين.
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)﴾ قال المؤلف: [اذكر ﴿إِذْ قَالَ﴾]، فأفادنا ﵀ أن ﴿إِذْ قَالَ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)﴾ هو آدم، وقوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ بشرًا: مفعول به لخالق لاستكمال شروط العمل [﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾: أتممته ﴿وَنَفَخْتُ﴾: أجريت ﴿فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ فصار
стр. 230
حيًّا. . .] إلى آخره. قال المؤلف: [﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ أجريت] وكأنه ﵀ أَوَّلَ النفخَ بالإجراء، ولكن هذا خلاف ظاهر الآية، فظاهر الآية أن الله تعالى نفخ فيه من روحه، وهذا النفخ نثبته على ظاهره، لكن بدون أن يكون مماثلًا لنفخ المخلوقين. وتفسيره بالإجراء تفسير باللازم؛ لأنه إذا نفخ فيه الروح لزم أن تجري في البدن وتسري فيه.
وقوله: ﴿فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ قال المؤلف: [إضافة الروح إليه تشريف لآدم] يعني من روحي، ليس المراد من جزء مني، ولكن المراد من روحي، أي: من الأرواح التي خلقتها، وأضافها الله إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا، كما أضاف البيت إليه في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] وكما أضاف المساجد إليه في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] وكما أضاف الناقة إليه في قوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣] فالمضاف إلى الله إذا كان مخلوقًا فإن إضافته إليه تكون من باب التشريف والتعظيم، إذا كان هذا خاصًّا، أما إذا كان عامًّا فهو من باب الشمول والعموم، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
ثم قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص: ٧٢] قال المؤلف: [والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه] لو قال المؤلف: يحيا به الكائن الحي لكان أعم، لأن الإنسان له روح، والبهائم لها روح، وقول المؤلف: [جسم لطيف] أما كونه جسمًا فلأنه ثبت في القرآن الكريم أنها تقبض وتتوفى، وثبت في السنة أنها تكفن، تلف في الكفن
стр. 231
إما من الجنة أو النار (١)، وهذا يدل على أنها جسم، لكنه جسم لطيف لا يرى بالعين، إذا حل في الجسد حَيِيَ، وإذا فقد من الجسد صار الجسد جمادًا.
ونحن نشاهد مما يصنعه الآدمي ما يكون مثل هذا، إذا كان عندك سالب وموجب في الكهرباء واتصل بعضهما ببعض يسري التيار الكهربائي في المصباح الكهربائي فيضيء، والتيار الكهربائي شيء لا يرى بالعين، وإذا فقد أو قطع التيار أظلم المصباح. هذا وهو من صنع البشر، فكيف بالأمور الخارقة التي لا يعلمها إلا الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. وهذا الذي فسر المؤلفُ الروحَ به هو أحسن ما قيل في تفسير الروح.
يقول الله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ قعوا: فعل أمر، والوقوع معناه: خروا على الأرض ساجدين، قال المؤلف: [سجود تحية بالانحناء] أما قوله: سجود تحية، فلا شك أن هذا هو المراد، يعني لا سجود عبادة، وأما قوله: بالانحناء ففيه نظر؛ لأن السجود هو الوقوع على الأرض، وهو ظاهر الآية، ولكن يقال: إن هذا السجود تحية كان جائزًا، ولكنه نسخ بعد ذلك ﴿سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ محلها من الأعراب حال من الفاعل في قعوا.
قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣)﴾ [فيه تأكيدان، وهما: كل وأجمعون ﴿إِلَّا إِبْلِيس﴾ قال المؤلف: [هو أبو
стр. 232
الجن كان بين الملائكة] قوله: هو أبو الجن دليله قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] والدليل على أنه من الجن قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] إذن فالجن ذرية الشيطان، والإنس ذرية آدم. نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال المؤلف: [﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ كان بين الملائكة] ولم يقل المؤلف: كان من الملائكة، لأن الله قال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] إذن هو كان بينهم، ومن كان بين الناس فهو من الناس، قال النبي ﷺ : "إن مولى القوم من أنفسهم" (١) فهذا إبليس كان مع الملائكة يتعبد بعبادتهم فصح أن يشمله الخطاب الموجه إلى الملائكة، ولهذا لامه اللهُ على عدم السجود، فدلَّ على أن الخطاب كان شاملًا له.
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ [في علم الله]، قول المؤلف: [في علم الله] بناء على أن "كان" تدل على المضي، ولكنه قد مرَّ علينا أن "كان" قد تكون مسلوبة الدلالة على الزمان، ويكون المراد بها الاتصاف بخبرها، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٦] المعنى اتصف بالرحمة. إذًا نقول في هذه الآية ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: واتصف بالكفر، ولا حاجة أن نقول: كان
стр. 233
في علم الله، لأننا نقول: إن "كان" هنا مسلوبة الدلالة على الزمن فالمراد بها مجرد الاتصاف.
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ﴾ الفاعل في قال هو الله، لأنه قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ قال: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يعني: أي شيء منعك؟ وهذا الاستفهام للتوبيخ والتعجب. يعني كيف تمتنع لمن خلقته بيدي، فالله تعالى خلق آدم بيديه، وهذا شرف له، وأمر الملائكة، وكان بينهم إبليس، بالسجود له تشريفًا له، فما الذي منعك أن تسجد؟
قال المؤلف في تفسير قوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [أي: توليتُ خَلْقَه، وهذا تشريف لآدم، فإنَّ كلَّ مخلوق تولىّ الله خَلْقَه] عفا الله عنك أيها المؤلف يقول: [توليتُ خَلْقَه] فرارًا من إثبات اليد لله، ولا شك أن هذا تحريف، وأجاب عن الإضافة في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ بأن هذا تشريف لآدم، وإلا مخلوق فإن الله قد تولى خَلْقَه.
وبناء على كلام المؤلف لا يبقى لآدم ﵇ فضل على سائر المخلوقات ما دمنا نفسر ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أي: توليتُ خَلْقَه فإن الله تولى خلق بني آدم، وخلق الإبل والبقر والغنم وغير ذلك، فلم يبق لآدم فضل على أي أحد، بل لم يبقَ لآدم فضل على الشيطان الذي أبى أن يسجد، لأن الشيطان تولىَّ خلقه اللهُ ، ولهذا نقول إن المؤلف: أخطأ في هذا، وأن معنى الآية: أن الله تعالى خلقَ آدمَ بيده، وخلق غيرَ آدم من الشياطين والملائكة بكلمته، أي: بقول
стр. 234
كن، أما آدم فبيده، وهذا هو وجه الميزة والخصيصة لآدم ﵇ أن الله خلقه بيده.
﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ [الآن عن السجود؟ استفهام للتوبيخ ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ المتكبرين، فتكبرت عن السجود] مع الذين منزلتهم فوق، لأن الذي يأبى إما أن يكون في مكان أرفع فيكون مستحقًا للإباء، أو يكون مستكبرًا وموضعه دُونٌ، فيجعل نفسه في محل عالٍ، والله يقول له: هل أنت مستكبر أو أنك عالٍ في مرتبة أعلى من آدم، بل أعلى ممن أمرك ما الجواب؟
قال المؤلف: [﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ المتكبرين، فتكبرت عن السجود لكونك منهم] أي: من العالين، وأما قول المؤلف: إن العالين هم المتكبرون فإنه يؤدي إلى أن لا يكون فرق بين المتقابلين، لأنه قال: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ ولم يقل: من المتكبرين، ولذلك يعتبر تفسير المتعالين بالمتكبرين خطأ بل ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ أي: الذين علت منزلتهم بحيث لا يوجه إليهم الأمر بالسجود لمن هو دونهم، فإباء الشيطان عن السجود لآدم إما أن يكون لوصف يستحقه، وهذا يدل عليه ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ أو لوصف لا يستحقه ولكنه استكبر، ورأى نفسه كبيرًا، وهذا في قوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾.
قال الشيطان جوابًا على سؤال الله تعالى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾، ﴿خَيْرٌ مِنْهُ﴾ من آدم، وهذه دعوى، وكل
стр. 235
إنسان يضيف الشيء إلى نفسه فإنه مدعٍ، وهذه قاعدة في الفقه، والمدعي عليه البينة. أتى إبليس ببينته فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ ولهذا نقول الجملة هنا استئنافية لبيان وجه الخيرية ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾، سبحان الله، الذي يُخلَق من النار خير من الذي يُخلَق من الطين، مع أن النار التي خُلِق منها الشيطان ليست هي نارًا مضيئة إنما هي ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أي: النار التي تكون في أعلى اللهب بين الدخان وبين النار المضيئة، حمراء معتمة، إنه اللهب المختلط بسواد النار، هذا المخلوق من هذه النار أيكون خيرًا من المخلوق من الطين البارد النافع؟ سبحان الله، هذا قلب للحقائق، ولهذا نقول: هذه دعوى مستندة إلى بينة زائفة باطلة. الدعوى ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ والبينة ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ وهذه ليست بينة، هذه حجة عليه وليست حجة له، وقد ذكر أهل العلم في هذا المقام بيان أن ما خُلق منه آدم خير مما خُلق منه إبليس.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ قيل: من الجنة، وقيل: من السماوات. والملائكة كلهم في الجنة في السماوات ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي: من السماوات هو أقرب للفظ. ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧)﴾ رجيم، أي: مرجوم فهي فعيل بمعنى مفعول، ومعنى مرجوم، أي: مطرود مُبعَد، كما يبعد الإنسان إذا رجم، ومن المعلوم أن الرجل إذا أردنا أن نبعده كثيرًا صحنا به أولًا، فإذا هرب أتبعناه الحجارة فكان هذا أشد إبعادًا.
стр. 236
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ حاقة عليك لعنة الله، أي: طرده وإبعاده ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ يوم الجزاء، وبعد يوم الدين لا تزول اللعنة لكنها إذا امتدت إلى يوم الدين فمعناه أنه قانط من رحمة الله، لا يمكن أن يُرحم. والذي تبقى معه اللعنة إلى يوم الدين لا يمكن أن تناله الرحمة.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ أي: الناس ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾ طلب من الله أن يُنظِرَه إلى يوم بعث الناس، فهل أجابه الله إلى طلبه؟ أجابه الله إلى يوم الوقت المعلوم، قال المؤلف: [وقت النفخة الأولى] أي: قبل البعث، لأن الناس لا يبعثون إلا في النفخة الثانية، لكنهم يصعقون في النفخة الأولى، وهو أي: الشيطان إنما يريد أن يبقى حتى لا يبقى من بني آدم أحد، لأنه صار في نفسه غِلّ وحِقْد عظيم على آدم وذريته، كيف أُمر أن يسجد له؟ وكيف حكم بكفره لما أبى؟ صار في نفسه غِلّ وحِقْد، فسأل الله أن يبقيه إلى يوم البعث، فأجابه الله أن يبقى إلى يوم الوقت المعلوم، وإجابة الله إياه لحِكَم عظيمة نذكرها إن شاء الله مع الفوائد.
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يحتمل أن تكون الباء للقسم، ويحتمل أن تكون للاستعانة، فإن قلنا: إنها للقسم فقد أقسم بعزة الله، واختياره الإقسام بالعزة، لأن العزة فيها الغلبة، فأقسم بوصف لله يكون به
стр. 237
الغلبة، وإن قلنا: إنها للاستعانة فظاهر أن الاستعانة بعزة الله التي إذا أعان الله بها العبد غلب. ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ اللام الواقعة في جواب القسم في قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ تؤيد أن الباء هنا للقسم؛ لأن هذا هو جواب القسم، وأغوينهم، أي: أسلك بهم طريق الغي، وهو خلاف طريق الرشد ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ﴾ أي: من بني آدم ﴿الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ الذين أخلصتهم. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ ﴿قَالَ فَالْحَقُّ﴾ الحق: مبتدأ لأنه متضمن معنى القسم بدليل أنه أُخبر عنه بجواب القسم وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وقد أعربه المؤلف فقال: [بنصبهما ورفع الأول ونصب الثاني] ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾ فَنَصْبُهُ بالفعل بعده، أي: أن ﴿وَالْحَقَّ﴾ مفعول مقدَّم لأقول، أي: لا أقول إلا الحقّ، وتقديم المفعول أفاد الحصر، [ونصب الأول، قيل: بالفعل المذكور، وقيل: على المصدر، أي: أُحِقُّ الحقَّ، وقيل: على نزع حرف القسم، ورفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: فالحقُّ مني، وقيل: فالحقُّ قسمي، وجواب القسم ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾].
إعرابات متعددة بنصبهما، نقول الثاني نصبه بالفعل بعده وهو واضح ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾ لأن الفعل بعده لم يستكمل مفعوله، ولم نجد مفعولًا له إلا الحق الذي سبق، إذًا الحق الثانية منصوبة بأقول
стр. 238
على كل حال، والخلاف في الأولى، الأولى إما منصوبة وإما مرفوعة، نصبها فيه أوجه: قيل: بالفعل المذكور، أي: فالحقَّ أقول والحقَّ أقول، فيكون الحق الأولى والثانية منصوبة بأقول، كما لو قلت: زيدًا وعَمْرَاً ضربتُ، فزيدًا وعمرًا منصوبان بضربت، إذن الحق، والحق منصوبان كلاهما بأقول، وقيل على المصدر أي: فأُحقُّ الحقَّ، وعلى هذا فيكون مصدرًا عامله محذوف تقديره: فأحق الحق، وقيل: على نزع حرف القسم، يعني فبالحق أقسم؛ لأنه إذا نزع الخافض نصب المخفوض، ولهذا يرد كثيرًا قولهم: منصوب بنزع الخافض، هذه ثلاثة أوجه، ورفع (الحقُّ) الأولى على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: فالحقُّ مني، وهذا ضعيف، وقيل: فالحق قسمي، وهذا أقل ضعفًا من الأول، والذي يظهر لي أنه لا حاجة إلى هذا، والأحسنُ أن نقول: الحقّ: مبتدأ ضُمّن معنى القسم، وأجيب بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وصار في جواب القسم كفاية عن خبر المبتدأ، واستغني بجواب القسم عن خبر المبتدأ كما يستغني بجواب القسم عن جواب الشرط فيما إذا اجتمع شرط وقسم.
قال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ المراد الجنس ولهذا قال المؤلف: [بذريتك ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ أي: الناس، الذين أقسمت أن تغويهم ﴿أَجْمَعِينَ﴾. ولهذا كانت النار دارًا لصنفين من المخلوقات فقط، وهما الجن والإنس، فالملائكة ليسوا من أهلها، والوحوش والحشرات وغيرها ليسوا من أهلها، لا يدخل النار إلا صنفين من المخلوقات، وهما الناس والجن.
стр. 239
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآيات: إثبات الكلام لله لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ﴾ وإثبات أن كلامه بصوت مسموع تسمعه الملائكة في هذه القصة، وإثبات أنه بحرف، أي: بحروف متتابعة يتبع بعضها بعضًا لقوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)﴾ وكل هذا تأكيد لمذهب أهل السنة والجماعة، وقي هذا إثبات أن الكلام يتعلق بمشيئته.
٢ - ومن فوائد هذه الآيات: إثبات الخلق لله تعالى وأنه متعلق بمشيئته لقوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ أي: سأخلقه.
٣ - ومن الفوائد: إثبات أن أصل بني آدم هو الطين، ولهذا جاءت طبائع بني آدم وألوانهم مختلفة كاختلاف الأرض، أو كاختلاف تربة الأرض فيها السهل واللين، والأحمر والأبيض والأسود، والحزن والصعب، لأنهم خلقوا من هذه التربة فصار اختلافهم كاختلاف الأصل الذي خلقوا منه.
وقلنا هنا: إن في هذه الآية إثبات أن بني آدم خلقوا من الطين، وفي آيات أخرى أنهم خلقوا من التراب، وفي آية ثالثة من صلصال كالفخار، ولا منافاة بين هذه الآيات، لأن التراب أصله طين، والطين أصل الصلصال الذي كالفخار، فالتراب يصير طينًا وحين يمكث مدة يتحجر فيكون صلصالًا.
٤ - ومن فوائد الآيات: إثبات الأفعال لله تعالى لقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ وأن أفعاله تتعلق بمشيئته، لأن (إذا) شرطية تفيد المستقبل.
стр. 240
٥ - ومن فوائد هذه الآية: أن الله تعالى أتم خلق آدم فسواه كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
٦ - ومن فوائدها: تشريف الروح التي نفخت في آدم ﵇ لقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وهذا تشريف من وجهين:
الأول: أن الله هو الذي نفخها ولم يأمر أحدًا من الملائكة بنفخها.
والثاني: أن الله أضاف هذه الروح إلى نفسه المقدسة.
٧ - ومن فوائد الآية: أن العبادة طاعة الله على أي وجه كانت، حتى وإن كانت محرمة في وقت من الأوقات لقوله: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ فالسجود لغير الله علامة شرك، لكن لما أمر الله به صار طاعة، والاستكبار عنه كفر.
٨ - ومن فوائد الآية: جواز تعليق الأمر بالشرط لقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: إذا جاز تعليق الأمر بالشرط فإن المأمور به يمكن أن ينفذ فيه الشرط، ولهذا قال الرسول ﵊ لضُباعة بنت الزبير وقد اشتكت إليه عند إرادة الحج قال: "حُجِّي واشترطي أن مِحَليّ حيث حبستني" (١) "فإن لكِ على ربِّكِ ما استثنيتِ" (٢).
٩ - ومن فوائد هذه الآية: أن الملائكة ﵈ ذوو عقول يصح توجيه الخطاب إليهم وائتمارهم لقوله: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾.
стр. 241
١٠ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ أن الملائكة كلهم سجدوا؛ لأن الآية عامة مؤكد عمومها بمؤكدين وهما: كل وأجمعون في قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣)﴾.
١١ - ومن فوائد الآية: جواز توجه الأمر (الخطاب) إلى العموم، وإن كان فيهم من غير جنسهم، لقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فإن إبليس بلا شك أنه من غير الملائكة أصلًا ونهاية، لكنه كان فيهم، فصح أن يتوجه الخطاب إليه، وهذا ظاهر. لو أنك أمرت جماعة بالسجود، وفيهم من ليس منهم، ولكنه على صفتهم، ويعمل بعملهم، فتخلف لا بد أن تلومه، لأن الخطاب موجه للجميع.
١٢ - ومن فوائد هذه الآية: أن الاسم قد يحمل معنى المسمى، لأن إبليس يبدو أنه اسم عربي من الإبلاس، وهو اليأس لأنه أيس من رحمة الله ، وردّ بأنه لو كان عربيًا لانصرف.
١٣ - ومن فوائد هذه الآية: ذم الاستكبار عن أمر الله لقوله: ﴿اسْتَكْبَرَ﴾؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ للتوبيخ وذم الاستكبار.
١٤ - ومن فوائد هذه الآية: أن الاستكبار عن أمر الله كفر لقوله: ﴿اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ جزاء لاستكباره كان من الكافرين. وفرع بعض العلماء على هذا أن تارك الصلاة يكون كافرًا، لأن إبليس كفر، لأنه ترك سجدة، فما بالك بالذي يترك سجدات وركوعات وقيامًا وقعودًا، وهذا ليس بعيد، أي: أن الاستدلال بهذه الآية على كفر تارك الصلاة ليس ببعيد.
стр. 242
١٥ - ومن فوائد هذه الآية: توبيخ إبليس لترك السجود لن شرفه الله وأمره بالسجود له لقوله: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
١٦ - ومن فوائدها: أن كلام الله تعالى يتعلق بمشيئته حيث صدر هذا القول بعد استكبار إبليس وتركه السجود.
١٧ - ومن الفوائد: إثبات اليدين لله تعالى لقوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ وهذه صيغة تثنية تفيد أن لله يدين اثنتين تليق بجلاله.
١٨ - ومن فوائدها: شرف آدم ﵇ من حيث إن الله خلقه بيديه وفضله على غيره بهذا، إلا أنّ أهل العلم يقولون: إن الله غرس جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده.
١٩ - ومن فوائد هذه الآية: الرد على أهل التعطيل الذين قالوا: إن المراد باليد النعمة أو القوة، وذلك أن النعمة أو القوة لا تأتي بصيغة التثنية، لأن صيغة التثنية تدل على الحصر، وقوة الله غير محصورة، ونعمه أيضًا غير محصورة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
٢٠ - ومن فوائد هذه الآية: أن يد الله لا تماثل أيدي المخلوقين، لأن الله أضافها إلى نفسه، والمضاف يكون حسب المضاف إليه، فكما أن ذات الله مقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، كذلك صفاته.
٢١ - ومن فوائد هذه الآية: استعمال الحصر، أو كما يقولون: السبر والتقسيم في المناظرة والمجادلة لقوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ
стр. 243
مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ وقد سبق تفسيرها. بأن المعنى: هل أنت استكبرت في نفسك، وأنت لست أهلًا للعلو، أو كنت عاليًا في أصلك حتى تمتنع عن السجود، أم أنت أكبر وفي مرتبة عالية أعلى من آدم حتى تمتنع عن السجود؟
٢٢ - ومن فوائدها: تنزيل الأشياء منازلها كقوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ لأن العالي إذا كان عاليًا على غيره فإنه لا يمكن أن يُنزَّل حتى يكون أنزل مِن غيره، بل كل أحد يُنزَّل في منزلته.
٢٣ - ومن فوائدها: بيان الدعوة الكاذبة التي ادعاها إبليس في قوله: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾.
٢٤ - ومن فوائدها: أن الإنسان قد يعمَى عن الحق فيستدل بما هو حجة عليه، يظن أنه حجة له لقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾.
٢٥ - ومن الفوائد: أن من قدَّم العقل على السمع فإنما هو متبع لخطوات الشيطان، لأن الشيطان قدَّم ما يدعي أنه عقل على السمع فأخطأ في ذلك، فهكذا كل من قدم العقل على السمع سواء في العلميات وهي علم العقائد، أو في العمليات فإنه مشابه لإبليس، متبع لخطواته، واعلم أن كلَّ بليه تقع من تحريف الكلم عن مواضعه، والاستكبار عن عبادة الله وغير ذلك فأصله من إبليس.
٢٦ - ومن الفوائد: إقرار إبليس بأن الله هو الخالق لقوله: ﴿خَلَقْتَنِي﴾ ﴿وَخَلَقْتَهُ﴾.
стр. 244
٢٧ - ومن الفوائد في هذه الآية: أن إبليس كان قد أقر بانحطاط منزلته عن الربوبية لقوله: ﴿خَلَقْتَنِي﴾ والمخلوق لا يمكن أن يكون ربًا.
٢٨ - ومن الفوائد في الآيات: أن إبليس أعلم بحقائق صفات الله تعالى من كثير من أهل التعطيل، فالذين فسروا اليد بالقوة هنا لو كان تفسيرهم صحيحًا لقال إبليس: يا رب وأنا خلقتني بيديك، لأن الله خلق إبليس بقوته كما خلق آدم، لكن إبليس فهم أن المراد باليد غير القوة، ولهذا لم ينقض فضيلة آدم بأنه هو خُلِق بيد الله.
٢٩ - ومن فوائدها: أن إبليس في استكباره وإبائه صار مستحقًا للطرد والإبعاد ولهذا قيل له: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧)﴾.
٣٠ - ومن فوائدها: أن إبليس لما أُخرج أُبلغ بأنه مرجوم، والرجم زيادة على الطرد.
٣١ - ومن الفوائد: أن إبليس ملعون لقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ وفي آية أخرى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ [الحجر: ٣٥] فهل نقول: إن اللعنة المطلقة في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ هي المقيدة في قوله هنا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ أو نقول: إن اللعنة هناك أعم فعلى إبليس لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، يحتمل هذا وهذا، يحتمل أن نأخذ بالمطلق؛ لأنه أعمّ، ويحتمل أن نحمل المطلق هناك على المقيد هنا.
٣٢ - ومن الفوائد في الآية: أننا لا ندعو على إبليس باللعنة، لأنه قد استحق هذه اللعنة بأمر الله أو بخبر الله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ فلا
стр. 245
حاجة إلى أن تقول: إبليس لعنه الله، لأنه ملعون. وقد قال ابن القيم ﵀ على قول الرسول ﵊: "إن الشيطان يتعاظم في نفسه إذا قيل: تعس الشيطان" (١) قال: إن مثل ذلك إذا دعي عليه باللعنة والتقبيح وما أشبه ذلك، فإنه يتعاظم في نفسه، أي: كأنه لم يُقدَّر عليه ذلك، فإذا كان قد قُدِّرَ عليه فلا حاجة أن أدعو الله عليه، ولكن أستعمل ما أمرني الله به في قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. فإن قيل: أليس النبي ﷺ قال لإبليس لما جاءه في الصلاة بشهاب من نار ليجعله في وجهه، قال: "أعوذ بالله منك" ثلاث مرات، ثم قال: "ألعنك بلعنة الله" (٢).
فالجواب: بلى، لكن الرسول قيدها فقال: "ألعنك بلعنة الله".
٣٣ - ومن الفوائد في هذه الآية: إثبات الجزاء لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ والدين هنا بمعنى الجزاء.
٣٤ - ومن الفوائد في هذه الآيات: أن الله أجاب طلب إبليس ودعاءَه لكن لا ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ بل ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾ ويوم الوقت المعلوم، هو يوم موت الناس أجمعين حين ينفخ في الصور فيصعقون جميعًا.
٣٥ - ومن الفوائد في هذه الآيات: أن الله قد يقدر أسباب الشر لحكمة، وذلك بإجابة دعاء إبليس أن ينظره إلى يوم الوقت المعلوم،
стр. 246
وإبليس لا شك أنه مبدأ كل شر، ولكن الله تعالى أبقاه لحكمة عظيمة، ولولا بقاء إبليس ما وجد عاص في الأرض، وإذا انتفى العصيان صار الناس أمة واحدة، ولم يكن الإيمان مزية، ولم يكن جهاد ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، ولو كان الناس أمة واحدة لتعطل كثير من شعائر الإسلام، فكان من الحكمة بقاء إبليس، وبقاء ما يدعو إليه إبليس.
٣٦ - ومن فوائد هذه الآيات: معرفة إبليس بالله حيث أقسم بعزة الله أن يغوي بني آدم لقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾.
٣٧ - ومن فوائدها: أن من أسباب الإعانة أن يستعين الإنسان بما يناسب المقام من أسماء الله وصفاته، لأنه لم يقل: فبمغفرتك لأغوينهم، لو قال: فبمغفرتك لم يناسب المقام، لأنه يريد أن يتسلط والسلطة يناسبها من الصفات العزة دون المغفرة.
٣٨ - ومن فوائد هذه الآيات: أن إبليس وعد متوسلًا بعزة الله أن يغوي جميع بني آدم. ويتفرع عن هذه الفائدة أنه يجب الحذر من إبليس ووساوسه، فإذا قال قائل: ما الذي يُعلمني بوساوس الشيطان؟
الجواب سهل: كل شيء يأمرك بمنكر فهو من إبليس، وكل ما يثبِّطك عن الخير فهو من إبليس، فاحذر. فإذا وجدت في نفسك تأخرًا في الخير فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا وجدت في نفسك إقدامًا على الشّر فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
стр. 247
٣٩ - ومن فوائد هذه الآيات: مزية عباد الله تعالى المخلصين حيث سَلِمُوا من إغواء إبليس.
٤٠ - ومن فوائدها: أنه كل من كان لله تعالى أعبد كان أشد عصمة من الشيطان ووساوسه، لأنه استثنى من إغواء بني آدم عباده المخلصين، والمعلَّق بوصف يقوى بقوة ذلك الوصف.
٤١ - ومن فوائد الآيات: أن الله تعالى يمن على من يشاء من عباده فيخلصهم له لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٣].
٤٢ - ومن فوائد هذه الآيات: أن قول الله تعالى كلَّه حقٌّ لقوله: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ قدم المعمول لإفادة الحصر.
٤٣ - ومن فوائدها: أن كل ما قدره الله تعالى فهو حق، سواء كان ملائمًا للبشر أو غير ملائم. وجه ذلك أن كل شيء قدّره الله كائن بقوله: كن، وكن قول، فإذا كان كل ما قاله الله حقًا لزم أن يكون كل ما قضاه حقًا، وهو كذلك، ولهذا قال النبي ﵊: "الخير كلُّه بيديك، والشر ليس إليك" (١).
٤٤ - ومن فوائد هذه الآيات: أن الشيطان في جهنم لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾.
٤٥ - ومن فوائدها: أن الله تعالى وعد جهنم بملئها، ويتفرع عن هذه الفائدة الحذر الشديد من أن يكون الإنسان من أهل جهنم، نعوذ بالله منها، وقد ثبت في الصحيحين: "أن جهنم لا تزال يُلقى
стр. 248
فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط" (١).
٤٦ - ومن فوائد هذه الآيات: أن للشيطان أتباعًا لقوله: ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ فإذا قيل: مَنْ أتباعه؟ قيل: المستكبرون عن عبادة الله، لأن أعظم ميزة يتميز بها الشيطان أنه مستكبر عن طاعة الله، فكل مَن استكبر عن طاعة الله فإنه مِن أتباع الشيطان.
* * *
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْه﴾ أي: على ما جئت به وعلى تبليغه ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ من: زائدة، وأجر: مجرور لفظًا منصوب محلًا على أنها مفعول به ثان لقوله: ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾.
واعلم أن سأل إن تعدت بـ "عن" فهي بمعنى الاستفهام، وإن تعدت بنفسها نصبت مفعولين، فهي بمعنى طلب العطاء، فإنَّ قولك: سألته عن كذا، يعني: الاستفهام، وإذا قلت: سألته كذا، فهو طلب العطاء، وهنا سأل طلب عطاء وعلى هذا فإن ﴿أَجْرٍ﴾ محلها النصب، وقول المؤلف: [جُعْل] تفسير لأجرٍ، يعني لست أطلب منكم أن تعطوني دراهم، أو تعطوني أرزاقًا، أو تزوجوني بناتكم، أو تسكنوني قصوركم على تبليغ الرسالة، ولكنه ﷺ إنما يسأل الأجر مِن الله .
стр. 249
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي: المتقولين القرآن من تلقاء نفسي، أي: وما أنا من المتقولين، ولكن عدل عن المتقولين إلى المتكلفين، لأن القرآن لا يمكن أن يأتي بمثله البشر حتى لو تكلف الإنسان وبذل الجهد، فإنه لا يمكن أن يأتي بمثله، ولما كان هذا القرآن لا يأتي بمثله البشر صار مَن أتى به متكلفًا لو كان جاء به من عنده، فهو يقول: أنا لا أتقول القرآن لا عن يسر ولا عن كلفة.
﴿إِنْ هُوَ﴾ [أي: ما القرآن]. ﴿إِنْ﴾ فسرها المؤلف ب "ما"، وقد ذكرنا علامة "إن" التي بمعنى "ما" أن يأتي بعدها "إلا". [﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عظة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ للإنس والجن العقلاء دون الملائكة] وقول المؤلف: [دون الملائكة]، إنْ أراد بإخراج الملائكة أنهم لا يكلفون بالعمل به فقد يكون مُسلّمًا، وإن أراد أنهم لا يتذكرون به ولا يتقربون به فهذا غير مسلم، لأن الله تعالى يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦] والمراد بهم الملائكة.
وقوله: ﴿ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ تقدم معنى الذكر في أول السورة، وتقدم قريبًا ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ [صَ: ٤٩] وهذه الثالثة، والمعنى أنه ذكر بنفسه وشرفه وذكر بالوعظ به.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ قال المؤلف ﵀: [﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ يا كفار مكة ﴿نَبَأَهُ﴾ خبر صِدْقِه ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي: يوم القيامة] قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ جعل المؤلف الضمير في تعلمن عائدًا إلى كفار مكة
стр. 250
بناء على أن الخطاب المذكور في هذه السورة لأهل مكة، لأنها مكية، ولكن قد ذكرنا أن العبرة بالعموم لا بخصوص المكان أو السبب، والخطاب لجميع الناس ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ فإن هذا النبأ الذي أنبا الله به بواسطة هذا القرآن الكريم سيعلمه الناس كلهم، وذلك ما أخبر به عما يكون يوم القيامة، فإن هذا القرآن أخبر عن ما يكون يوم القيامة، وهذا سيعلمه الناس كلهم بعد حين.
وهناك أشياء أخبر عنها القرآن مضت وانقضت، فهذه عَلِمَها بعد حين مَن سبق هذه الحوادث وأدركها، وهناك حوادث ستأتي يعلمها بعد حين مَنْ يدركها، وأما الذي يدركه جميع الناس فهو ما يكون يوم القيامة قال: ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ [أي: يوم القيامة، وعَلِمَ بمعنى عرف]، قال: علم بمعنى عرف، لأنه تعدى إلى واحد ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ وعلم إذا تعدت إلى واحد فهي بمعنى عرف، كما تقول: علمت المسألة يعني عرفتها، قال: [واللام قبلها: لام قسم مقدر، أي: والله] لتعلمن نبأه.
الفوائد:
١ - في هذه الآية من الفوائد: أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يعلن بأنه لا يسأل على الرسالة أجرًا، أي: أجرًا دنيويًا، وأما أجر الآخرة فلا شك أن النبي ﷺ يرجوه، لأنه هو الدال على الخير، الآمر به، ولهذا مُنع ورثة الرسل مِن أن يرثوا شيئًا من أموالهم خوفًا من أن يقال إنما اكتسبه الرسل من أجل الرسالة. قال النبي عليه الصلاة