← Тафсир

Тафсир · id 151159

تفسير العثيمين: ص

ابن عثيمين

Полный текст (253 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن من توفيق الله أن يسَّر لفضيلة شيخنا -تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه- تفسير سورة "صَ" في دروسه العلمية التي كان يعقدها رحمه الله تعالى بالجامع الكبير في مدينة عنيزة. وقد عهدت مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية إلى فضيلة الشيخ فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، أثابه الله، بالعمل لإعداد هذا الكتاب للنشر، وتخريج أحاديثه وآثاره، فجزاه الله خيراً. نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، موافقاً لمرضاته، نافعاً لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويضاعف له المثوبة والأجر، ويعلي درجته في المهديين، إنه سميع قريب. وصلىّ الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللجنة العلمية في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

стр. 2

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ قال المؤلف (١) -رحمه الله تعالى-: [سورة (ص) مكية] والقرآن الكريم مكي ومدني، وأصح الأقوال في تمييز المكي من المدني: أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني وإن نزل في غير المدينة، فالحد الفاصل زمني وليس مكاني، فما بعد الهجرة مدني وما قبلها مكي. قال: [ستٌّ أو ثمانٌ وثمانون آية] والآيات هي عبارة عن الفواصل التي تكون بين جملة أو جملتين فأكثر، وسُمِّيت آية لأنها

стр. 3

معجزة، فإن القرآن -كما سبق- قد تحدى اللهُ فيه الناسَ أن يأتوا بحديث مثله وإن قَلَّ. قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذه البسملة آية من كتاب الله يؤتى بها في ابتداء كل سورة إلا سورة براءة فإنه لا يؤتى بها، وذلك أن الصحابة ﵃ لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل براءة بقية الأنفال. أو هي سورة مستقلة؟ فوضعوا فاصلاً دون بسملة؛ لأنه لو جزموا بأنها من الأنفال لم يضعوا فاصلاً، ولو جزموا بأنها مستقلة لوضعوا البسملة، ولكن هذا الاجتهاد منهم نعلم أنه هو المطابق للواقع، وأنهم مصيبون فيه قطعاً، وذلك لأن البسملة لو نزلت بين الأنفال وبراءة لبقيت، لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فلما لم تبق باجتهادٍ من الصحابة عُلِم أنهم كانوا مصيبين للواقع. والبسملة جار ومجرور، ومضاف إليه، وصفة، أي: نعت. والقاعدة النحوية: أن كل جار ومجرور لا بد له من متعلَّق، أي: من شيء يتعلق به، والشيء الذي يتعلق به الجار والمجرور هو العامل، والجار والمجرور معمول، ولهذا قال ناظم الجمل: لا بد للجار والمجرور من التعلّق ... بفعل أو معناه نحو مرتقي واستثنى كل زائد له عمل ... كالباء ومن والكاف أيضاً ولعل

стр. 4

فكل حرف أصلي غير زائد فلا بد له من متعلق بفعل، أو بما كان بمعنى الفعل، كاسم الفاعل واسم المفعول. إذاً البسملة لا بد لها من متعلَّق، فما هو هذا المتعلَّق؟ أصح ما قيل في متعلَّق البسملة أنه فعل متأخر مناسب للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ كان التقدير بسم الله أقرأ، وإذا أردت أن تأكل كان التقدير بسم الله آكل، وإذا أردت أن تذبح ذبيحة كان التقدير بسم الله أذبح. ولهذا قال الرسول ﷺ وهو يخطب في الناس يوم النحر: "من لم يذبح فليذبح باسم الله" (١) وإنما ويقدّر فعلاً لأن الأصل في العمل هو الفعل، ولذلك يعمل في معموله بدون شرط، وأما اسم الفاعل واسم المفعول واسم التفضيل والمصدر فلا يعمل إلا بشرط. ونقدِّره متأخراً فنقول: بسم الله أقرأ لسببين: السبب الأول: التبرك بالبداءة باسم الله. والسبب الثاني: إفادة الحصر، لأن تأخير العامل يفيد الحصر، فإن من طرق الحصر: تقديم ما حقه التأخير، وقدرناه مناسباً للمقام؛ لأنه أدلّ على المقصود مما لو قدرناه فعلاً عامّاً كما لو قيل: إن التقدير باسم الله أبتدئ، أو بسم الله أبدأ؛ لأن بسم الله أبدأ أو أبتدئ لم تعين الفعل الذي ابتدأت به، فالحاصل أننا نقدر المتعلَّق في البسملة أنه فعل متأخر مناسب للمقام.

стр. 5

الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الابتداء بها في الأمور الهامة، ولهذا يبتدئ الله بها كل سورة إلا براءة، ومن المعلوم أن السورة من الأمور الهامة، وجاء في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر" (١) والحديث حسن. ٢ - ومن فوائدها: إثبات الألوهية لله في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. ٣ - ومن فوائدها: إثبات أسماء الله لقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وهذا مفرد مضاف فيعم كل اسم لله ، ولهذا يفسرها بعض المفسرين بقولهم: أي: بكل اسم من أسماء الله أبتدئ. ٤ - ومن فوائدها: التبرك بذكر اسم الله ، فتكون أسماء الله مما يدعى الله به لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ومما يتبرك به ويستعان به؛ لأنها تقدم بين يدي الأمور الهامة. وإذا أردت أن تعرف مدى بركة هذه التسمية فانظر إلى الذبيحة يُسمّى عليها فتكون طيبة حلالاً، ولا يسمّى عليها فتكون خبيثة حراماً مع أن الذابح واحد، والآلة المذبوح بها واحدة، ومكان الذبح واحد، وإنهار الدم واحد، كل شيء واحد، لكن لما فقدت التسمية صارت خبيثة ميتة لا يحل أكلها، فإذا سُمِّي عليها صارت طيبة.

стр. 6

وإذا أتى الرجل أهله فقال: "بسم الله اللهم جَنِّبْنا الشيطانَ، وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه، إنْ يقدر بينهما ولد في ذلك لم يَضُرَّه الشيطانُ أبداً" (١) وإنْ لم يُسمِّ بهذه التسمية كان عُرْضَة لأن يصاب ولده بالشيطان ويضر به. ٥ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأنها رحمة واسعة لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ لأن الرحمة صفة تدل على السعة والامتلاء. ٦ - ومنها: إثبات الأسماء الثلاثة لله، وهي: الله والرحمن والرحيم. * * * قال الله : ﴿ص﴾ قال المؤلف: [الله أعلم بمراده به] وذلك لأن كلمة (ص) حرف هجائي لا يدل على معنى في اللغة العربية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن هذه الحروف الهجائية التي ابتُدِئتْ بها بعضُ السور رموز إلى معاني، وعيَّنها كل إنسان بما يرى أنه مناسب. وذهب آخرون إلى أنها أسماء من أسماء الله، أو من أسماء الرسول ﷺ ، وذهب آخرون إلى ما ذهب إليه المؤلف، بأنها مجهولة المعنى، لا ندري ما معناها، ولكن القول الراجح ما ذهب إليه إمام المفسرين في عهده مجاهد ﵀ أن نقول: ليس لها معنى، وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، واللسانُ العربي لا

стр. 7

يُثبِت معنىً لهذه الحروف الهجائية، وعلى هذا فتكون هذه الحروف الهجائية مثل ن، ق، ص، الم وما أشبهها ليس لها معنى في اللغة العربية، إذاً ليس لها معنى في القرآن، لأن القرآن باللغة العربية. ولكن يشكل على هذا القول مع رجحانه أنه يقتضي أن يكون في القرآن كلمات لغو ليس منها فائدة! والجواب عن هذا أن نقول: هي ليست لغواً في سياقها، فإنها جاءت لمغزىً عظيمٍ، وهذا المغزى أن هذا القرآن العظيم الذي أعجز فصحاء اللغة وأمراء البيان لم يكن بحروف غير مألوفة عندهم حتى يقولوا: لا نعرف هذه الحروف، بل كان بالحروف التي يتكون منها كلامهم. قال الذين ذهبوا هذا المذهب: ودليل ذلك أنك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بحرف هجائي إلا وجدتَ بعد هذا الحرف ذكر القرآن ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٢]، ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، فكل سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية يأتي بعد الحروف الهجائية ذكرُ القرآن، ما عدا قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ١ - ٣]، و ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ

стр. 8

أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]، ويمكن أن يُجاب عن ذلك بأن يُقال: أما قوله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ فلأنه ذكر صفة عظيمة من صفات مَن تمسك بالقرآن وهي الصبر على الأذى في ذات الله. وأما الثانية: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فقد ذكر شيئاً من خصائص الوحي، وهو علم الغيب، فإن كون الروم غُلِبت الآن وستَغلِب في بضع سنين، من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله ، وهو من خصائص الوحي، وسواء كان هذا الجواب سديداً مقبولاً أم لم يكن، فإن النادر لا حكم له. قال الله تعالى: ﴿ص﴾ نقول فيها: "ص" حرف هجائي ليس له معنى، لكن جيء به للإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجز العرب كان من هذه الحروف التي يتركب منها كلامهم. ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الواو هنا: حرف قسم ولهذا جَرَّت الكلمة التي بعدها "القرآن". والواو حرف قسم لا تدخل إلا على الاسم الظاهر، ولا يُذكر معها فعل القسم، بخلاف باء القسم، فإنها تدخل على الاسم الظاهر، وعلى الضمير، ويُذكر معها فعل القسم، ويحذف، وتدخل على كل اسم. قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فذكر معها فعلُ القسم. وتقول: ربي به لأفعلنَّ، أو أقسم به لأفعلن، فهنا دخلت على الضمير. أما التاء فهي أخص أدوات القسم، لا تدخل إلا على لفظ الجلالة "الله"،

стр. 9

ولا يُذكر معها فعلُ القسم. وقيل: تدخل على لفظ الجلالة "الله" وعلى "ربّ" قال ابن مالك: والتاءُ لله وربِّ، وأكثر ما يقسم اللهُ به الواو، وذلك لأنها الأكثر على الألسن، فجاءت الأكثر في القرآن. ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي بمعنى صاحب، وهي مجرورة، لكنها مجرورة بالحرف نيابة عن الكسرة، وقوله: ﴿ذِي الذِّكْر﴾ قال المؤلف: [أي: البيان أو الشرف] يعني أن القرآن ذو ذكر، أي: ذو بيان للناس، يُذكِّرهم ويتذكَّرون به، أو ذو شرف لشرفه وشرف من يعمل به. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فهو ذكر: يُذْكَرُ به ما ينفع الناس في معاشهم ومعادهم. وذكر: يتذكَّر به الناس ويتعظون به، وهو أعظم موعظة. وذكر: أي شرف لمن تمسك به. قال المؤلف: [وجواب هذا القسم محذوف، إنما قال المؤلف: وجواب هذا القسم؛ لأنه ما من قسم إلا وله جواب. إذ إن القسم أركانه أربعة: مُقْسِم، ومُقْسَم به، ومُقْسَم عليه، وصيغة. فكل قَسَم لا بد فيه من هذه الأركان، والمقسم عليه هو جواب القسم إذن لا بد لكل قسمٍ من جواب، والجواب إن كان مذكوراً فهو معلوم، وإن كان محذوفاً فيعيّنه السياق. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور: ٥٣] الجواب هنا مذكور ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] مذكور، جواب القسم ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾. وفي هذه الآية قد وجد المُقْسَم به والصيغة ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والمُقْسِم هو الله . بقي المُقْسَم عليه، وهو جواب القسم.

стр. 10

يقول المؤلف: [إنه محذوف، وتقديره ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدّد الآلهة] وحسب هذا التقدير يكون جواب القسم جملة منفية: ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدّد الآلهة، لكن الأمر أن الإله واحد، وهو الله، وهذا التقدير الذي ذكره المؤلف لا يتعيَّن، يعني لو قال قائل: التقدير والقرآن ذي الذكر إن إلهكم لواحد. لو قال قائل هكذا، حصل به ما حصل من قول المؤلف: ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة. وذهب بعض العلماء إلى أن مثل هذا القسم لا يحتاج إلى جواب؛ لأن جوابه معلوم منه كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٥]، جواب القسم محذوف، فيكون المُقْسَم به متضمناً للجواب، كيف يكون متضمناً للجواب في هذه الجملة القسمية ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾؟ يعني أنكم قد ذُكِّرتم بهذا القرآن الذي من جملة ما ذَكَّر به أن الله واحد، ولهذا ذهب ابن القيم ﵀ في كتابه "التبيان في أقسام القرآن" إلى أن القسم أحياناً لا يحتاج إلى ذكر الجواب، بل ولا يحتاج إلى تقديره؛ لأنه يعلم من السياق المُقْسَم عليه. قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ بَلِ: هنا للإضراب، والإضراب نوعان: إبطالي وانتقالي، فالإبطالي إبطال لما قد سبق كأنه مسحه وأتى ببدله، والانتقالي إقرار لما سبق لكن انتقل من شيء إلى آخر، وما قبل هذا الإضراب يبقى كما هو لا يبطل.

стр. 11

قال المؤلف: [﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة] وتقييد المؤلف للذين كفروا بأهل مكة فيه نظر، والأولى الأخذ بالعموم، وسلوك هذه الطريق، أعني أن يُخَصَّ القرآن ببعض أفراد العام ليس بسديد ولا جيد، وذلك لأنه نقص في التفسير، إلا أن يقوم دليل على ذلك، فإذا قام دليل على ذلك وجب الأخذ بالدليل، أما إذا لم يقم دليل على ذلك فالواجب الأخذ بالعموم، لأنه أعمّ وأكثر معنىً، فالذين كفروا من أهل مكة وغيرهم إلى يوم القيامة ﴿فِي عِزَّة﴾ ولكنها ليست عزة غلبة كالعزة التي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وإنما هي عزة أنفه وكبرياء وعناد، ولهذا قال المؤلف: [﴿فِي عِزَّةٍ﴾ حميةٍ وتكبُّرٍ عن الإيمان] وهذه العزة مذمومة؛ لأنها عزة تمنع صاحبها من قبول الحق. وأما العزة التي هي عزة النصر فهي تأييد لصاحبها. وبينهما فرق كبير. قوله: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ يعني مشاقة، فالشقاق مصدر شاقّ، كقتال مصدر قاتل، والمعنى مشاقة لله ولرسوله. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤] وهنا قال المؤلف: [خلاف وعداوة للنبي ﷺ ]، وهذا أيضاً فيه نظر. لأنه خصّ الشقاق بالنبي ﷺ مع أن الكافرين يشاقون الله ورسوله، فهم في أنفة وكبرياء وحمية ومشاقة لله ورسوله. يعني أنهم يجُانبون ما أمر الله به ورسولُه، كأنما يكونون في شِقّ، وما جاء به الوحي في شِقٍّ آخر، وربما يقول قائل: إنهم أيضاً في شقاق فيما بينهم، ولا سيما اليهود، فإن الله تعالى قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤].

стр. 12

الفوائد: ١ - من فوائدها: أن القرآن كلام الله بحرف، تكلم به بالحروف العربية التي يتكلم الناس بها ويتركب منها كلامهم؛ لقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾. ٢ - ومن فوائدها: فضيلة القرآن وشرفه، حيث أقسم الله به، ولا يقسم الله إلا بالشيء العظيم. ٣ - ومن فوائدها: جواز الإقسام بالقرآن، من أين يُؤخذ؟ هل يؤخذ من القرآن؟ هذا خطأ ليس في القرآن دليل على جواز الإقسام بالقرآن؛ لأن الله تعالى يقسم بما لا يجوز أن يقسم به المخلوق كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، فإذا أقسم الله بشيء فإنه لا يلزم أن يجوز لنا الإقسام به؛ لأن الله يقسم بما شاء، لكننا نقسم بالقرآن بدليل آخر لا بهذه الآية، وهو أن القرآن كلام الله، فهو صفة من صفاته، والإقسام بصفات الله جائز. ٤ - ومن فوائدها: أن القرآن ذِكْر على الوجوه التي ذكرناها في معنى الذِّكْر، فهو موعظة يُتذكَّر به، وهو ذِكر يتذكَّر به الإنسان ويتعلم، وهو ذِكر يُنال به الشرف، وهو ذِكر لله يُتعبَّد لله -تعالى بتلاوته كما يُتعبَّد بغيره من الأذكار، مثل: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله. ٥ - ومن فوائدها: بيان ما في نفوس الكفار من الحمية والأنفة الباطلة؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾.

стр. 13

٦ - ومن فوائدها: أن الكفار لا يسكتون على كفرهم ويستمرون في طغيانهم وأنفتهم، بل يحاولون أن يصدوا عباد الله عن دين الله، لأنهم في شقاق دائم، يشاقون الله ورسوله. ٧ - ومن فوائدها: أن لنا أن نقول: إنهم في عزة وشقاق مع الحق دائماً، سواء مع الله، أو مع الرسول، أو مع ورثة الرسول وهم العلماء، أو مع أتباع الرسول عموماً وهم المؤمنون، فهم في شقاق دائم مع الحق. * * * قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ قال المؤلف: [﴿كَمْ﴾ أي: كثيراً ﴿أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: أمّة من الأمم الماضية] قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قدره المؤلف بقوله: كثيراً، وعلى هذا تكون كم تكثيرية، وهي في محل نصب على أنها مفعول مقدم لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لـ ﴿كَمْ﴾، لأن كم اسم مبهم تحتاج إلى تمييز، أي: إلى شيء يبينها ويميزها، فلو قيل: كم أهلكنا من قبلهم، لم يتبين الكلام، ماذا أهلك؟ فإذا قال: ﴿مِنْ قَرْن﴾، تبين الكلام، ولهذا نقول: إن ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ تمييز لـ ﴿كَمْ﴾ مجرور بـ ﴿مِنْ﴾. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل الكفار الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وقوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أمة. والمعنى أن الله أهلك كثيراً من الأمم قبل هؤلاء، ومَن أهلك كثيراً من الأمم قبل هؤلاء فإنه حَرِيّ أن يهُلك هؤلاء، لكن إهلاك الأمم السابقة كان بعذاب من الله، وإهلاك المكذبين لرسول الله ﷺ كان بأيدي المؤمنين،

стр. 14

فالحروب والقتال الذي وقع بينهم وبين الرسول ﷺ كان عذاباً لهؤلاء المكذبين، وكان على يدي النبي ﷺ وأصحابه، كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥] ولا شك أن عذاب الأعداء على يد النبي ﷺ وأصحابه أشفى لصدورهم مما لو كان العذاب من الله . وهذا شيء مشاهد. إذا كانت غلبة عدوك على يدك، كان ذلك أشفى لصدرك، وأحيا لنفسك وأقوى وأعز، مما لو أهلكه الله بعذاب من عنده. فلهذا كان هلاك المكذبين لرسول الله ﷺ على يد الرسول ﷺ وأصحابه. قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا﴾، الضمائر تعود على الألفاظ باعتبار لفظها، ويجوز أن تعود على الألفاظ باعتبار معناها. ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ ولم يقل: اقتتلا، لو قال: اقتتلا لكان الضمير عائداً على اللفظ ﴿طَائِفَتَانِ﴾، ولما قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ صار عائداً على المعنى، لأن الطائفة جماعة. إذاً قوله: ﴿فَنَادَوْا﴾ أي: القرن، فأعاد الضمير عليها باعتبار المعنى. وقوله: ﴿فَنَادَوْا﴾ يقول المؤلف: [حين نزول العذاب بهم] ولكن نادوا مَنْ؟ هل المعنى نادى بعضهم بعضاً؟ يستغيث بعضهم ببعض، أو المعنى أنهم نادوا الله، أي: دعوه أن يغيثهم، أو المعنى أنه حصل منهم الأمران؟

стр. 15

القاعدة عندنا في التفسير متى كان اللفظ صالحاً لمعنيين فأكثر فإنه يحمل عليهما جميعاً. وعلى هذا يكون (نادوا) محذوف المفعول من أجل العموم، أي: أن بعضهم ينادي بعضاً: يا فلان أغثني أغثني، وكذلك ينادون الله، لأن الله يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤]. ولكن قال الله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ لات: (لا) النافية زيدت عليها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ، كما زيدت تاء التأنيث في "رُبَّتَ" وفي "ثُمَّتَ" لتأنيث اللفظ. تقول: رُبّ رجل لقيته، وتقول: رُبَّتَ رجل لقيته، وتقول: قام زيد ثمَّ قام عمرو، وتقول: قام زيد ثُمَّتَ قام عمرو. فإذاً هي (لا) النافية زيدت عليها تاء التأنيث، لتأنيث اللفظ فتصبح "لات" ,و (لا) النافية تعمل عمل ليس، واسمها محذوف في هذه الآية، وخبرها: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ والتقدير: [أي: ليس الحينُ حينَ فرار] فسره المؤلف بالمعنى، فعليه تكون "لا" بمعنى "ليس" واسمها محذوف تقديره الحينُ، وخبرها موجود، وهو قوله: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ والغالب أن خبر "لا" يكون زماناً نحو: لات حين، ولات أوان، قال الشاعر. نَدِمَ البغاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْدَمِ ... والبغيُ مَرْتَعُ مبتغيه وَخيمُ يعني وليست الساعةُ ساعةَ مَنْدَم. وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾ المناص: الفرار والنجاة. يعني ليس الحينُ حينَ فرار ونجاة، لأنه بعد نزول العذاب لا ينفع نفس إيمانها. قال

стр. 16

المؤلف -رحمه الله تعالى-: [أي: ليس الحينُ حينَ فرار، والتاء زائدة لتأنيث اللفظ، والجملة حال من فاعل "نادوا"] وعلى هذا تكون في محل نصب؛ لأن الجملة الحالية دائماً في محل نصب. يعني نادوا في حال لا مناص لهم مما نزل بهم، ولهذا قدّر المؤلف: [أي: استغاثوا والحالُ أن لا مهربَ ولا منجى]. هذا ما قدّره المؤلف في جملة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: أنها حالية، فتكون مقيدة بحال مناداتهم، ولكن يجوز أن تكون استئنافية، فنادوا، ثم يخبر الله أن هذا الوقت ليس وقت مفر، والفرق بين قولنا استئنافية أو حالية: أنه إذا كانت حالية صارت قيداً للمناداة. يعني نادوا في حال لا ينفعهم فيه النداء، وإذا كانت استئنافية تكون منفصلة من حيث القيدية عما قبلها، فيكون الله قد أخبر بأنهم نادوا، ثم أخبر بأنهم في حال ليسوا متمكنين من الفرار. قال المؤلف: [وما اعتبر بهم كفار مكة] وهذه الثمرة من ذكر أن الله أهلك قروناً كثيرة فيما سبق، ومع هذا لم يعتبر بذلك أهل مكة، بل كذبوا الرسول ﷺ وآذوه وقالوا: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر، وإنه كاهن، وكل وصف ينفّر الناسَ عنه وصفوه به ﷺ ، ولم يعتبروا بمن سبق، بل زادوا على هذا. الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآية: تسلية الرسول ﵊ في أن الله تعالى أهلك المكذبين قبلهم فحَرِيّ أن يهلك هؤلاء. وقد بينا أثناء التفسير أن الله تعالى أهلك هؤلاء لكن على يد الرسول ﷺ -

стр. 17

وأصحابه في الغزوات التي انتصر فيها، وقلنا: إن هذا النصر والتأييد أبلغ من النصر الذي يأتي به الله من عنده؛ لأن الله يعذب هؤلاء بأيدي عباده المؤمنين وحزبه. ٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير هؤلاء المكذبين، وأنهم لن يعجزوا الله في شيء كما لم يعجزه من سبقهم ممن كان قبلهم من الأمم التي أُهلكت ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن التكذيب للرسل كان كثيرًا، لأن إهلاك القرون إنما كان بسبب تكذيبهم، فإذا كثرت القرون فلازم ذلك أن يكثر التكذيب، أي: إذا كثرت القرون المهلكة، كان لازم ذلك أن يكثر التكذيب. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الله وعظمته، حيث أهلك أمماً كثيرة وقروناً عظيمة، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ فبين الله أن الذي خلقهم أشدّ منهم قوة، وأنه عذبهم بما هو من ألطف الأشياء، وهي الريح. ٥ - ومن فوائد هذه الآية: أن الأمم الهلَكة إذا نزل بهم العذاب لم يستفيدوا من الاستغاثة بالله ولا بأنفسهم؛ لقوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ يعني ليس هناك فرار من هذا العذاب الذي نزل بهم. * * *

стр. 18

قال الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ العجب يكون له سببان: السبب الأول: الإنكار، والسبب الثاني: الاستحسان، يعني يقال: عجب من كذا، أي: استحسنه، وعجب من كذا، أي: أنكره، فهو شبيه بأفعال الأضداد، لأن في اللغة العربية كلماتٍ تدل على المعنى وضده، تسمى عند علماء العربية: الأضداد في اللغة. فالعجب تارة يكون استحساناً، وتارة يكون استنكاراً، فقول عائشة ﵂: كان النبيّ ﷺ يعجبه التيامن في تنعله وترجله (١). المراد بالإعجاب هنا الاستحسان، وفي قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾ هذا عجب استنكار وردٍّ، وليس عجب رضاً واستحسان، وهذا نظير قوله تعالى في سورة قَ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢]. قوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أنْ مصدرية على تقدير مِنْ، أي عجبوا مِنْ أن جاءهم، وقلنا: إنها مصدرية؛ لأن ما بعدها يُحوَّل إلى مصدر، أي عجبوا من مجيء المنذر منهم، وقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ المنذر: هو المخبر بالخبر للتخويف، ولهذا نقول: إن الإنذار خبر مقرون بتخويف، والنبي ﷺ كان منذراً، وكان مبشراً، ولكن الكفار يليق بحالهم الإنذار، قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف: ٢] والتبشير يكون للمؤمنين. وهنا قال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ لأن هذا هو اللائق

стр. 19

بحالهم، وقوله: ﴿مِّنهُم﴾ نسباً وجنساً، فهو منهم جنساً؛ لأنه بشر، ولم يُنزِل الله رسولاً على البشر من الملائكة. ونسباً؛ لأنه من قريش فهو منهم جنساً ونسباً، ومع ذلك عجبوا. قال المؤلف: [رسولٌ من أنفسهم ينذرهم ويخوِّفهم النارَ بعد البعث] أي: بعد أن يبعثوا [وهو النبي ﷺ ]، عجبوا عجب استنكار ورفض ورَدٍّ مع أنهم كانوا يصفون الرسول ﷺ بالصادق الأمين، ولما جاءهم بالرسالة صار كاذباً خائناً -والعياذ بالله- إذاً معاداتهم له ليس لشخصه، ولكن لِمَا جاء به. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيه وَضْعُ الظاهر موضع المضمر، ويكون الكلام لو أُتيَ بالمضمر، وعجبوا أن جاءهم منذر منهم، وقالوا: هذا ساحر كذاب، لكن قال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ والفائدة من الإظهار في موضع الإضمار: أولاً: تنبيه المخاطب، لأن الكلام إذا تغير نسقُه أوجب للسامع أن ينتبه بخلاف ما إذا كان على نسق واحد، فقد يأتيه النوم، لكن إذا اختلف انتبه. ثانياً: التسجيل على هؤلاء بالكفر لأنه لو قال: وقالوا هذا ساحر كذاب، لم نعرف حكمهم، أما إذا قال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ عرفنا أنهم كافرون. ثالثاً: أن الحامل لهم على هذا هو الكفر، فلا يبعد أن يأتي مِن غيرهم مثل ما أتى منهم، لأن العلة واحدة، فمتى وجدت هذه العلة

стр. 20

حصل المعلول من أي شخص كان، فهذه فوائد الإظهار في مواضع الإضمار. ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ يشيرون إلى المنذر منهم، وهو الرسول ﷺ ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ جمعوا بين وصفين ذميمين: ساحر؛ لأنه يسبي عقول الناس، وكذاب، لأن ما جاء به كذب غير مطابق للواقع، فصار الرسول ﵊ الذي هو أصدق الخلق، صار عندهم كذاباً، ولم يقولوا: كاذباً، لأن كذاباً تكون صفة للمتصف بصفة الكذب، كما تقول: نجار وحداد وما أشبه ذلك مما يكون صفة لازمة، فهم قالوا: إنه ساحر لقوة تأثيره على سامعه، فإن الرسول ﷺ كان إذا سمع الناسُ قراءتَه تأثروا بها تأثراً عظيماً، وكانت النساء والصبيان يجتمعون إلى بيت الرسول ﷺ ليسمعوا قراءته، وكانوا يتأثرون بهذه القراءة، فكان كفار قريش يقولون: إن محمداً سحر أبناءنا ونساءنا، وأنه ساحر، لقوة تأثيره فيهم، وكذاب، يعني أن ما جاء به فهو كذب لا حقيقة له. والكاذب هو المخبر بخلاف الواقع. فكل من أخبرك بخلاف الواقع فقد كذبك. الفوائد: ١ - في هذا دليل على سفه قريش الذين كذبوا الرسول ﷺ , واستنكروا ما جاء به. ووجه ذلك أنه لم يأتهم أحد غريب عليهم لا في جنسه، ولا في نسبه، فالذي جاءهم جنسه بشر مثلهم، ونسبه منهم من قريش، ومع ذلك يعجبون استنكاراً مما جاءهم.

стр. 21

٢ - ومن فوائد الآية: إقامة الحجة للرسول ﷺ على هؤلاء، لقوله: ﴿مُنْذِر﴾ يعني لقد أقام عليهم الحجة بالإنذار، وقد قامت الحجة للرسول ﷺ بأنه لم يفرط في رسالته، بل أنذر، وقام بما قام به من البلاغ. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين عجبوا استنكاراً كفارٌ، لقوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾. ٤ - ومن فوائدها: أن كل من قال مثل قولهم، وعجب مثل عجبهم فإنه كافر، من أيّ جنس كان من البشر. ٥ - ومن فوائدها: بيان قوة تأثير كلام الرسول ﷺ في نفوس القوم، لقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾ والساحر يؤثر في المسحور. ٦ - ومن فوائدها: كذبهم في وصف الرسول ﵊ حيث قالوا: إنه ساحر كذاب، والحقيقة أنهم هم الكذابون بما وصفوا به الرسول ﷺ . ٧ - ومن فوائدها: أن أعداء الرسل لا يعادونهم عداء شخصياً، ولكنهم يعادونهم عداء معنوياً، لما جاؤوا به من الرسالة. ويتفرع على هذه الفائدة أن الكافرين سيكونون أعداء لكل من يتبع الرسول. كل مَن اتبع الرسول سيجد له أعداء من الكافرين والمنافقين. ويتفرع على ذلك تسلية من وجد عداء من أعداء الله لتمسكه بكتاب الله وسنة رسوله، فإنه يقال: هذا العداء الذي حصل لك قد حصل لمن هو خير منك فلا تعجب.

стр. 22

٨ - ومن فوائد الآية: أن أعداء الرسل بل أعداء الرسالة يطلقون ألقاب السوء على من تمسك بالشرع، يضعون ألقاب السوء لكل من تمسك بالشريعة؛ لقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ وقد حصل هذا، فإن أهل التعطيل مثلاً يصفون أهل الإثبات من السلف بأنهم حشوية مجسمة ممثلة رعاع غوغاء وما أشبه ذلك من ألقاب السوء من أجل أن ينفروا الناس، والعجب أن هؤلاء الذين يضعون ألقاب السوء لو تأملنا لوجدنا هذا اللقب الذي وضعوه للمتمسكين بشريعة الله، يصدق عليهم هم، ألم يبلغكم قول المنافقين في الرسول ﵊ وأصحابه، قالوا: ما رأينا مثل قُرّائنا هؤلاء أرغبَ بطوناً، ولا أكذبَ ألسناً ولا أجبنَ عند اللقاء من هؤلاء القراء (١). وهذه الأوصاف الثلاثة تنطبق عليهم هم، فهم أكذب الناس ألسناً، وأجبن الناس عند اللقاء، وأرغب الناس بطوناً، وليس لهم هَمٌّ إلا بطونهم. ٩ - ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول ﵊ لم يقيموا عليه حجة في ما كذبوه فيه، وليس عندهم إلا السبّ والعيب، وهذا يدل على ضعف حجة من ناوأك، فإذا وجدت الذي ناوَأك ليس عنده إلا الصراخ والعويك، ولطم الخد، ونتف الشعر وما أشبه ذلك، فاعلم أنه ليس له حجة إنما يريد أن يشوش عليك، لعلك تنهزم، وإلا فصاحب الحجة يدلي بحجته

стр. 23

بهدوء وبدون إثارة، أما أن يسب ويشتم ويثور فإن هذا دليل على أنه مهزوم ومخذول، وأنه يريد أن يتخذ من هذا السلاح مهرباً ومخلصاً مما هو عليه من الضيق، الذي عجز أن يدفع به حجة خصمه. * * * قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هذا مصب الإنكار. هذا الاستفهام يحمل معنيين: المعنى الأول: التعجب الاستنكاري. والثاني: الإنكار البليغ على رسول الله ﷺ ، حيث جعل الآلهة إلهاً واحداً. هنا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ جعل نصبت مفعولين: الأول: الآلهة، والثاني: إلهاً واحداً. يعني أصيّر محمد الآلهة إلهاً واحداً! وهم يعبدون آلهة متعددة: اللات والعُزَّى ومناة وهبل وغيرها من الأصنام. كيف يأتي محمد ويقول: ليس هناك آلهة إلا الله. هذا عندهم من أكبر الكذب، حيث قال لهم: "قولوا: لا إله إلا الله" أي: كيف يسع الخلق كلّهم إلهٌ واحد؟ وهذا من جهلهم وغباوتهم أن ينكروا كون الآلهة إلهاً واحداً، فنقول لهم: من الخالق؟ وكم؟ يقولون: الخالق هو الله؟ وإنه واحد. فإذا كان الخالق هو الله، وهو واحد كما تؤمنون به، فإنه لا غرابة أن يكون الإله هو الله وهو واحد، ومن وسع الخَلْقَ خَلْقاً وسعهم تعبُّداً، فإذا كانت الآلهة لم تخلق شيئاً بإقراركم، فكيف تستحق أن تكون آلهة، وإذا كان يمكن انحصار الخلق في واحد، فإنه يمكن أن تنحصر العبادة في

стр. 24

واحد، ولهذا قال: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ إن هذا: المشار إليه جَعْله الآلهة إلهاً واحداً ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي: عجيب، لكن كلمة عجاب أبلغ من كلمة عجيب، لأنها تدل على المبالغة، أي: لا شيء يتعجب منه الإنسان عجباً عظيماً كثيراً، ولهذا عدلوا عن عجيب إلى عجاب ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾. قال الله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ لم يذكر مكان الانطلاق؛ ليعم كل مكان يجتمعون فيه ويذكرون مثل هذا الشيء، فكلما اجتمعوا في مكان وتذاكروا فيما بينهم ما جاء به الرسول ﷺ من التوحيد، انطلقوا من هذا المكان وهم يتواصون بالباطل والصبر عليه، ولهذا قال: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ والملأ هم الأشراف والكبراء والوجهاء، وهم الذين كانوا يقابلون الرسل بالردّ والرفض خوفاً على مكانتهم من أن تزول باتباع الرسل. ولو تأملتم القرآن لوجدتم أن الذين يقومون في وجوه الرسل هم الملأ والأشراف. أما الضعفاء من النساء والأولاد والفقراء فهم الذين يكونون أول من ينقاد للرسل. وأما قول المؤلف: [﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم فيه من النبي ﷺ : "قولوا: لا إله إلا الله" (١)] فهذا تقييد لمطلق، وقد ذكرنا أن تفسير القرآن بما هو أخص تفسير قاصر؛ لأنه يقصر المعنى المطلق على هذا المعنى المقيد، أو

стр. 25

المعنى العامّ على المعنى الخاصّ، وهذا نقص بلا شكّ، إلا إذا قام الدليل على ذلك فليتبع الدليل. فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] هذا عامّ، ولكن إذا طبقنا هذا الكلام على الواقع وجدنا أن المرادَ بالناس الخاصَّ. ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ القائل واحد ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أيضاً ليس كل الناس قد جمعوا لرسول الله ﷺ ، الذين لم تبلغهم الدعوة لم يجمعوا له، فيكون تفسيرنا الناس بخاصٍّ في هذه الآية، تفسيراً دلّ عليه الواقع، أما إذا لم يكن دليل فإن الواجب إبقاء القرآن على عمومه إنْ كان من العامّ، وعلى إطلاقه إنْ كان من المطلق. هنا نقول: إن المؤلف ﵀ جعل الانطلاق من مجلس خاصٍّ، وهو المجلس الذي اجتمعوا فيه مع رسول الله ﷺ عند أبي طالب حين قال: "قولوا: لا إله إلا الله" ولكن الأولى أن نجعله عامّاً يشمل هذا المجلس وغيره. قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ أن امشوا واصبروا هل المراد هنا المشي بالقدم؟ أو المراد المشي على الطريقة؟ بمعنى سيروا على طريقتكم واصبروا على آلهتكم، من نظر إلى الانطلاق، ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قال: إن المراد بذلك المشي بالقدم، بمعنى أنهم إذا انطلقوا حثَّ بعضهم بعضاً على المشي والسير؛ لئلا يعودوا فيعرِّجوا على ما انطلقوا منه، كأنهم إنما ينطلقون فراراً، فيوصي بعضهم بعضاً بالمشي. وإذا نظرنا إلى المعنى أو إلى عموم أحوالهم قلنا: إن

стр. 26

المراد بذلك المشي على الطريقة، يعني سيروا على طريقتكم ولا يهمنكم أحد. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني: احبسوا أنفسكم عليها لا تحيدوا عنها. وهذا من باب التواصي بالباطل، يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم واثبتوا على عبادتها. إن هذا المذكور من التوحيد لشيء يراد ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ يعني اثبتوا عليها في عبادتها، والدفاع عنها، وعدم قبول كل شيء يبطلها. اصبروا ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ هذا المشار إليه، ما جاء به النبي ﷺ من التوحيد. ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: يريده مَن جاء به، وهذا يدل على صدق الرسول ﷺ . معناه أن هذا الرجل قال قولاً يريده، فهو جادّ في قوله، والشيء الذي يراد لا بد أن يسعى مريدُه ليحققه، بخلاف الإنسان الذي يقول القول باللسان لا بالقلب، ولهذا تجد الذي يقول القول بلسانه وقلبه، يصمم ويعزم على أن ينفذ ما قال. لكن الذي لا يريد يكون قوله بلسانه سطحياً، فقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي يريده قائله وهو النبي ﵊، وإذا صدر القول عن إرادة فهذا يعني أن صاحبه مصمم عليه، وعلى غلبته، وأن يكون هذا القول هو القول السائد الذي يمشي عليه الناس، بخلاف مَن قال قولاً لا يريده، مثل أن يقول القول مجاملة، أو من أجل إمضاء الوقت أو ما شابه ذلك. فإنه لا يكون عنده العزم الصادق على تنفيذ ما قاله.

стр. 27

الفوائد: ١ - من فوائدها: أن النبي ﷺ كان يدعو هؤلاء إلى توحيد الله في ألوهيَّته وهو مع هؤلاء يجادلهم في ألوهيته تعالى، ويدعوهم إلى توحيد الألوهية، لأن توحيد الربوبية عندهم ثابت مقرّون به، يقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] لا ينكرون توحيد الربوبية لكنهم ينكرون توحيد الألوهية، ولذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فكان الصراع بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش على توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فقد أقرّوا به. ٢ - ومن فوائد هذه الآية: وجوب تقديم الأهم فالأهم في الدعوة إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ أول ما دعا هؤلاء إلى التوحيد لم يقل: صلّوا ولا زكّوا ولا صوموا ولا حجّوا، بل دعاهم إلى التوحيد، وهذا هو شأن القرآن، وهذا هو شأن سنة الرسول ﵊ العملية، فإنه لما بعث معاذاً إلى اليمن أمره أن يدعوهم أول ما يدعوهم إليه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرة هؤلاء الذين أنكروا توحيد الألوهية حيث ادعوا أن الدعوة إليه من الأمور العجيبة جداً لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ وكما قلت آنفاً: إن مَن وصف

стр. 28

الحقّ بأوصاف الباطل فإن حقيقته أن تعود هذه الأوصاف إليه، فأيهما أشد عجباً رجل يدعو إلى توحيد الله، وآخر يدعو إلى الإشراك به ونفي التوحيد؟ أيهما أعجب؟ ولهذا نقول: والله إن الشيء العجاب أن تنكروا توحيد الله، وأن تَدّعوا أن لله شريكاً. هذا هو الشيء العجاب. أما رجل يدعو إلى توحيد الله الذي دلت عليه الفطرة، ودلت عليه الآيات الكونية والشرعية، فإن هذا ليس بعجاب، بل العجاب فعلكم أنتم. ٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استعمال المؤكدات في الكلام، وأنه من الأساليب اللغوية، لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ فهم أكدوا هذه الجملة بمؤكدين بـ "إن" واللام ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فوائد قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)﴾. ١ - في هذه الآية دليل على تخوّف هؤلاء من تأثير دعوة الرسول ﷺ فيهم، ولهذا كانوا يتواصون بالصبر على آلهتهم، وكانوا يتواصون بالبقاء والثبات على طريقتهم، وكانوا يتواصون بالهروب من الأماكن التي يدعى فيها إلى التوحيد. كل هذا يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾. ٢ - ومن فوائد الآية: أن أهل الباطل يَحِنّون على باطلهم، ويحافظون عليه ويخافون من تزعزعه، لقوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُم﴾ وهكذا أهل الباطل تجدهم دائماً يحوطون

стр. 29

باطلهم بالسياج الذي يمنع من الوصول إليه على وجه يمزق هذا الباطل. ٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للاجتماع على الشيء تأثير في بقائه وثباته. تؤخذ من التواصي بالثبات على ما هم عليه، والصبر على آلهتهم. ولا شك أن العمل الجماعي أكثر تأثيراً من العمل الفردي مهما كان الفرد في القوة، ولهذا أمر النبي ﵊ بأن نتزوج الودود الولود من أجل كثرة الأمة (١)، فإن الكثرة لها تأثير عظيم، ولهذا امتن الله بها في كتابه على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]، وذكَّر شعيب قومه بها حيثْ قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، والعامة يقولون: الكثرة تغلب الشجاعة. ٤ - ومن فوائدها: أن النبي ﷺ كان يقول قولاً يعني به ما يقول؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾. ٥ - ومن فوائدها أيضاً: أن الإنسان إذا عنى ما يقول فإن تأثيره في المخاطَب أكثر، لأن الخطاب يكون باللسان، واللسان وسيلة للتعبير عن ما قي القلب، ثم إن كان اللسان يعبر عن ما في القلب حقيقة، فإن الوسيلة التي تتلقى هذا القول وهي الأذن، توصل ما تسمع إلى القلب، ولهذا يقول العامة: إذا خرج الكلام من اللسان فلن يتجاوز الآذان، وما خرج من القلب نفذ إلى القلب، وهذا

стр. 30

صحيح أن القول الخارج من القلب يؤثر أكثر بكثير من القول الخارج من اللسان، وأضرب لذلك مثلاً: لو قام رجلان يعظان الناس، أحدهما يعظ من قلب، وتشعر أنه يتكلم من أعماق قلبه، ويظهر أثر قوله على صفحات وجهه، والآخر أبلغ منه وأشدّ ترصيعاً للكلام وتنميقاً له، لكن قوله يخرج من لسانه فقط، وقلبه على خلاف ذلك، أو على الأقل لا يؤمن بما يقول، فالأول أشدّ تأثيراً. ولو قام عاميّ يتكلم بكلام عاميّ لكن من أعماق قلبه تأثر الناس به أكثر مما لو تكلم رجل فصيح اللسان قوي البيان، لكن قلبه خالٍ مما يقول، وهذا الشيء مشاهد، ولهذا قال الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ يعني يقال ويراد حقيقة، فهم لقوة إرادة النبي ﷺ لما يقول، كانوا يخافون من هذه الإرادة ويقولون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)﴾ والله أعلم. * * * قال الله ﵎ حاكياً عن قريش ما كانوا يتواصون به من الصبر على آلهتهم، والثبات عليها، نقل عنهم من جملة كلامهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ ما سمعنا بهذا، والمشار إليه التوحيد، أي: أنه لا إله إلا الله ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ الملة: هي الدين الذي يكون عليه الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وتطلق الملة على الحقّ وعلى الباطل، فالكفار على ملةٍ والمسلمين على ملة، وفي كلام أهل الفقه في الفرائض:

стр. 31

لا يتوارث أهل مِلَّتين، وجاء في ذلك حديث عن رسول الله ﷺ (١)، فالملة هي الدين الذي يكون عليه المَرْء من عقائد وعبادات وأخلاق. وقوله: ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ قال المؤلف: [أي: ملة عيسى ﵇] لأن عيسى هو آخر الرسل قبل محمد ﷺ ، لم يكن بينه وبين محمد ﷺ نبي، وما قيل عن نبوة بعض العرب مثل خالد بن سنان أو غيره فإنه لا صحة له، وذلك لأن العرب ليس فيهم رسول إلا إسماعيل ﵊ ومحمد ﷺ ، وما سوى ذلك فكل ما يُدَّعَى من أن في العرب رسولاً أو نبياً فهو كذب. يقول: ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: ملة عيسى ﵊، وذلك أن الذي سمعوه في ملة عيسى هو أن الله ثالث ثلاثة، وهذا ليس بتوحيد. والعجب من ضلال النصارى حيث يقولون: إننا نوحّد الله، وهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فأين التوحيد في ثلاثة، لا يمكن أن تجعل الثلاثة واحداً؟ ! ولهذا يعتبر هذا من أضل ما ضل فيه النصارى، وهم كما هو معلوم ضالون، ولكن هذا من أشد ما يكون من الضلال. كيف تقول: إنك موحد وأنت تقول: إن الله ثالث ثلاثة: مريم وابنها والله، فالعرب الذين في عهد الرسول ﷺ ما سمعوا في ملة عيسى توحيداً، وإنما سمعوا فيها تثليثاً، فكأنهم يقولون: أنت يا محمد أتيت بملة لم تكن لمن قبلك، فالذين من قبلك آخرهم الملة النصرانية، وهم لا يقولون بالتوحيد.

стр. 32

﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾. إنْ يقول المؤلف: [ما] وعلى هذا فهي نافية، وعلامة "إن" النافية أن يأتي بعدها الإثبات بـ "إلَاّ" أو نحوها، وهنا أتى بعدها الإثبات بـ "إلَاّ" ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ أي: ما هذا إلا اختلاق، و"إن" تأتي في اللغة العربية على أوجه: نافية، وزائدة، وشرطية، ومخففة من الثقيلة، فهنا "إنْ" نافية وفي قولك: إن أكرمتني أكرمتك؛ شرطية، وفي قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢] نافية: إذا أثبت "إلَاّ" فهي نافية. وفي قول الشاعر: أنا ابنُ أُباةِ الضيمِ من آلِ مالكٍ ... وإنْ مالكٌ كانت كرامَ المعادنِ إنْ مالكٌ مخففة من الثقيلة، وفي قول الشاعر: بني غُدانة ما إنْ أنتُمُ ذهباً ... ولا صريفاً ولكن أنتُمُ الخزفُ قال المؤلف هنا: [﴿إِنْ﴾: ما ﴿هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾: كذب] هذا المشار إليه ما جاء به الرسول ﷺ من التوحيد، وقوله: ﴿إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ أي إلاّ كذب، يقال: اختلق الكلام، أي: افتراه وكذبه، وهذا بناء مبني على قوله فيما سبق ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾، والكذاب لا يأتي إلا بالكذب والاختلاق، ولما أنكروا التوحيد أنكروا الرسالة أيضاً فقالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ هذا الاستفهام للنفي لكنه أتى بصيغة الاستفهام مبالغة في نفيه، كأنهم يتعجبون كيف ينزل عليه الذكر من بيننا ولم ينزل على أحد غيره؟ ! وهذا كقوله تعالى حكاية لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] القريتين: هما مكة والطائف.

стр. 33

يقولون: لولا نزل هذا القرآن على رجل من الأكابر والأشراف، لا على هذا الغلام الذي يعتبر من أصغر القوم، فكيف ينزل عليه الذكر من بيننا. وقوله: ﴿أَأُنْزِلَ﴾ ذكر المؤلف فيها قراءات قال: [بتحقيق الهمزتين]: أي: همزة الاستفهام وهمزة الفعل، والتحقيق أن تقرأه هكذا ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [وتسهيل الثانية] تسهيل الثانية بأن تمر عليها مراً فلا يظهر أنك حذفتها ولا أنك بيَّنتها، [وإدخال ألف بينهما على الوجهين] أي: وجهي التحقيق والتسهيل. ألف بينهما، أي: بين الهمزتين فتقول على قراءة التحقيق ﴿أَأُنْزِلَ﴾ وعلى قراءة التسهيل ﴿أَأُنْزِلَ﴾ فالقراءات إذن أربع: تحقيق الهمزتين بلا ألف، وتحقيق الهمزتين بألف، وتسهيل الثانية بدون ألف، وتسهيلها مع ألف. ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ عليه: على محمد ﷺ الذي جاء بهذا القرآن الذي يذكّرهم به. ﴿الذِّكْرُ﴾: القرآن. وهذا إقرار منهم بأن القرآن ذكر، وإن كان يحتمل أن يكونوا قالوه على سبيل الاستهزاء والتهكم، وأنهم لا يؤمنون بأنه ذكر، وأيّاً كان فالمقصود بذلك نفي أن يكون محمد ﷺ هو الرسول. يقول المؤلف: ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ وليس بأكبرنا ولا أشرفنا] ويريدون أن يكون نزول القرآن على أكبرهم وأشرفهم، ولكن الذي نتيقن أنه لو نزل على أشرفهم وأكبرهم لكذبوا أيضاً، لكذبوا كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩]

стр. 34

فهم معاندون لا يريدون الحق، ونعلم أنه لو نزل على غير محمد ﷺ لطلبوا أن يكون نزل على غيره؛ لأنهم لم ينفوا الرسالة حقيقة من أجل شخصية محمد ﷺ ، فإن شخصيته عندهم من أفضل الشخصيات، وأقواها أمانة، وأحسنها خلقاً، ولكن يقولون هذا على سبيل العناد والمكابرة، فهو كقولهم لما حدثوا بالبعث: ﴿قَالُوا ائْتُوا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥] وهذا مكابرة منهم، لأنهم لم يُحَدَّثوا بالبعث الآن، وإنما حُدِّثوا بالبعث يوم القيامة، فلم يأتِ الموعد الذي حُدِّد للبعث حتى يتحدوا بهذا التحدي فيقال لهم: إن الله يميتكم ثم يحييكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، والرسل ما قالت لهم: إنكم تبعثون الآن حتى تقولوا: هاتوا آبائنا، وإنما يقولون: ستبعثون يوم القيامة، وسيأتي الله بآبائهم ومن سبقهم. وقول المؤلف ﵀: [ليس بأكبرنا ولا أشرفنا]، أما قولهم: ليس بأكبرنا، إن كانوا قالوه فهم صادقون، فالرسول ليس بأكبرهم سناً، فيهم من يكبره سِنّاً، وأما قولهم: ولا أشرفنا، فهم كاذبون، فإن محمداً ﷺ أشرف الخلق. قال النبي ﷺ : "إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كِنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (١)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فلم يجعل رسالته إلا في أحق الناس بها، وأجدرهم بها، وأولاهم بها.

стр. 35

يقول المؤلف: [أي: لم يُنزل عليه] هذا تفسير للاستفهام في قولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي: أن الاستفهام للنفي، لكنه جاء على سبيل الاستفهام؛ للتعجب والاستبعاد من أن يُنزل عليه الذكرُ من بينهم. قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ بل: إغراء لإبطال ما ادعوه من كونهم يريدون أن ينزل القرآن على أشرفهم. يقول: هم في شك من ذكري، فكيف يقولون: لو نزل على أشرفنا، لو نزل على غير محمد، والشَّاكُّ في الأصل لا يطلب الفرع أصلاً، فإذا كانوا في شك من نزول هذا الذكر، بقطع النظر عن كونه من محمد ﷺ فكيف يقولون: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ وعلى هذا فقولهم ليس مبني على أصل. يعني أنهم لم يؤمنوا بهذا الذكر أصلاً فضلاً عن أن يكون أنزل على محمد أو غيره. ﴿مِنْ ذِكْرِي﴾ قال المؤلف: [وَحْيِيْ، أي: القرآن، حيث كذبوا الجائي به]، فإن من كذب من جاء بالشيء فإنه منكر للشيء؛ لأنه لو قال لك قائل: قَدِم فلان اليوم، فقلت: أنت كاذب، هل تكون مؤمناً بقدومه؟ لا، لا تكون مؤمناً بقدومه، وكيف تكون مؤمناً بقدومه وهو لم يأتك إلا من هذا الطريق الذي زعمت أن صاحبها كذاب، ولهذا إذا كان هذا الذكر لم يأتِ إلا عن طريق محمد ﷺ ، وقالوا: إنه كاذب، وإنه ليس برسول، وليس له حق في الرسالة؛ لأنه يوجد مَن هو أحق منه، فكيف تقولون بأنه ذِكْر. إذاً هم في شك من هذا الذكر، وهل هذا الشك حقيقة أو على سبيل العناد؟

стр. 36

الظاهر -والله أعلم- أنه على سبيل العناد، لكن منهم من يشك لقوة الدعاية المضادة، ولا سيما إذا جاءت من أكابر، فسوف يلحق العامة شك من هذا القول. وقوله: ﴿مِنْ ذِكْرِي﴾ أي: من الذكر الذي أنزلتُ، وهو القرآن، والشك هو التردد وعدم الجزم. وقد قيل: إن الإدراك ينقسم إلى خمسة أقسام: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً، وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه، وإدراك الشيء برجحان، وإدراك الشيء بمرجوحية، وإدراك الشيء على السواء، فهذه خمسة أقسام. فإدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً يسمى علماً، كإدراكنا أن الواحد نصف الاثنين، هذا علم. وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه جهل مركب، مثل: أن تدرك أن غزوة بدر مثلًا في السنة الثالثة للهجرة، هذا نسميه جهلاً مركباً، وعدم إدراكه بالكلية هذا جهل بسيط، وإدراك الشيء مع رجحان ظن، وإدراكه مع المرجوحية وهم، وإدراكه مع التساوي شك، فهذه ستة أقسام. إدراكه على ما هو عليه، وعلى خلاف ما هو عليه، وعدم الإدراك بالكلية، والإدراك برجحان، والإدراك بمرجوحية، والإدراك بالتساوي. والشك أحياناً يراد به التساوي، وأحياناً يطلق على الراجح والمرجوح والمساوي، وهذا ما يكون في كلام الفقهاء عندما يتحدثون عن الشك في الحدث أو الشك في نجاسة الطاهر، فإنهم يريدون الشك الراجح والمرجوح والمساوي، أي: بمعنى أنه إذا شككت في

стр. 37

نجاسة الماء الطاهر ولو غلب على ظنك أنه نجس فهو طاهر، وإذا شككت هل أحدثتَ، ولو غلب على ظنك أنك أحدثت فأنت طاهر، وعللوا ذلك بأن الرسول ﷺ قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (١) يعني حتى يتيقن ولا عبرة بالظن. يقول الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾ بل: للإضراب الانتقالي لا الإبطالي ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ قال المؤلف: أي: [لم] وهذا تفسير ببعض المعنى؛ لأن "لما" و"لم " تشتركان في النفي لكنهما تختلفان فيما عداه، لأن "لم" لنفي غير المتوقع، و"لما" لنفي المتوقع القريب، فإذا قلت: لم يقم زيد، فهذا نفي لقيامه على وجه لا يتوقع منه القيام، وإذا قلت: لما يقم زيد، فهو نفي لقيامه على وجه يتوقع منه القيام عن قرب، وعلى هذا فقوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: لم يذوقوه ولكن سيذوقونه قريباً. قالوا: و"لما" تأتي على أوجه: تأتي نافية فتجزم الفعل المضارع كما تجزمه "لم"، وتأتي بمعنى حين، وتأتي شرطية، وتأتي استثنائية. هذه أربعة أوجه. تأتي نافية كنفي "لم" لكنها تختلف عنها بأن منفي "لم" لا يتوقع، ومنفيها يتوقع قريباً، مثل هذه الآية، وتأتي شرطية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢]، وتأتي استثنائية كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وتأتي بمعنى "حين" فتقول: قدمت البلد

стр. 38

لما طلعت الشمس، أي: حين طلعت الشمس. قال: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾ يذوقوا أصلها يذوقون لكن حذفت النون للجزم، لأن "لما" من حروف الجزم. وقوله: ﴿عَذَابِ﴾ قد يشكل على طالب العلم، وهو أن الفعل واقع عليه، وهو مع ذلك لم يُنصَب، أي لم يقل: بل لما يذوقوا عذاباً، فكيف توجيه ذلك؟ كيف لم ينصب ﴿عَذَابِ﴾ مع أن الفعل واقع عليها؟ والجواب عن ذلك أن نقول: إن ﴿عَذَابِ﴾ أصلها: عذابي بالياء، والمضاف إلى ياء المتكلم تقدر عليه الحركات، ولذلك لا بد أنه يكسر من أجل مناسبة الياء، فتكون الحركات مقدرة عليه، وعلى هذا فنقول: عذاب مفعول يذوق، منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة تخفيفاً، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء هنا حذفت للتخفيف، وهذا كثير في القرآن واللغة العربية أن تحذف ياء المتكلم للتخفيف، كما في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] والتقدير: المتعالي، ومن والي. وقوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾ العذاب ليس مطعوماً يذاق، ولكن الإصابة به ذوق، وذوق كل شيء بحسبه، فإذا أعطيتك قطعة لحم ومضغتها فهذا ذوق، وإذا ضربتك وأحسست بالضرب فهذا ذوق، فذوق كل شيء بحسبه، وليس ذوق العذاب كذوق الطعام والشراب، بل هو ذوق مناسب له ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. قال المؤلف: [ولو ذاقوه لصدَّقوا النبيَّ ﷺ فيما جاء به] ولكن هذا

стр. 39

التصديق لا ينفعهم، لأنه إذا صدّق الجاحد بعد نزول العذاب به فإن ذلك لا ينفعه، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. الفوائد: ١ - من فوائد قوله تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾: أن المكذبين للرسول ﷺ فيما جاء به من التوحيد ليس عندهم دليل إلا ما كان عليه آباؤهم؛ لقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. ٢ - ومن فوائدها: أن هؤلاء مكابرون معاندون فمع كونهم لا دليل عندهم قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. ٣ - ومن فوائدها: أن كل إنسان ليس عنده علم شرعي فإنه يلجأ إلى ما كان الناس عليه في العادة، وهذا كما هو في من سبق فهو في من حضر، كثير من الناس تنهاه عن المنكر فيقول: هذا الذي مشى عليه الناس، وهذا ليس بحجة، وهذا كما أنه سابق فهو أيضاً لاحق، فمن الناس مَن إذا أنكرت عليه المنكر قال: هذا ما زال الناس عليه، أو يقول: ما سمعنا بهذا، ومنه قول بعض العامة إذا نُبِّهوا على شيء لم يكونوا يعرفونه، قالوا: هذا دين جديد، ما سمعنا بهذا، وهذا ليس بحجة. وإنما الحجة الدليل القائم من كتاب الله، وسنة نبيه ﵊.

стр. 40

٤ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾: أن هؤلاء يريدون أن يكون الشرع تابعاً لأهوائهم، يأتي الوحي من يشاؤون، ويمتنع عن من يشاؤون؛ لقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾. ٥ - ومن فوائدها: أن صاحب الباطل لا يعرف أن حجَّتَه حجَّة عليه، لأن قولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ هي حجة فيما لو نزل الذكر على من يشاؤون، لأنه لو نزل على مَن عيّنوه وأرادوه، لقال غيرهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ويتفرع على هذه الفائدة كل مُبْطِل يحتج بحق، لكن استدلاله به باطل، فإنه لا حجة له، ومن ذلك ما يحتج به أهل التحريف في باب الصفات أو غيرها من الأدلة الصحيحة التي ليس لهم فيها استدلال. فمثلاً أهل التعطيل يستدلون لتعطيلهم بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ومن المعلوم أنه عند التأمل يكون هذا الدليل حجة عليهم، لأن نفي المماثلة يدل على ثبوت أصل المعنى، ولو لم يكن أصل المعنى ثابتاً لم يكن لنفي المماثلة فائدة. وهكذا كل مبطل يحتج لباطله بحجة صحيحة، لكن استدلاله بها غير صحيح، نجد أن هذه الحجة حجة عليه. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كتابه "درء تعارض العقل والنقل" المعروف بالعقل والنقل أنه ملتزم بأنه ما من صاحب باطل يحتج بآية أو حديث صحيح إلا كان دليله حجة عليه وليس له.
следующие страницы →