← Тафсир

Тафсир · id 151159

تفسير العثيمين: ص

ابن عثيمين

Полный текст (253 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الظاهر -والله أعلم- أنه على سبيل العناد، لكن منهم من يشك لقوة الدعاية المضادة، ولا سيما إذا جاءت من أكابر، فسوف يلحق العامة شك من هذا القول. وقوله: ﴿مِنْ ذِكْرِي﴾ أي: من الذكر الذي أنزلتُ، وهو القرآن، والشك هو التردد وعدم الجزم. وقد قيل: إن الإدراك ينقسم إلى خمسة أقسام: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً، وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه، وإدراك الشيء برجحان، وإدراك الشيء بمرجوحية، وإدراك الشيء على السواء، فهذه خمسة أقسام. فإدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً يسمى علماً، كإدراكنا أن الواحد نصف الاثنين، هذا علم. وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه جهل مركب، مثل: أن تدرك أن غزوة بدر مثلًا في السنة الثالثة للهجرة، هذا نسميه جهلاً مركباً، وعدم إدراكه بالكلية هذا جهل بسيط، وإدراك الشيء مع رجحان ظن، وإدراكه مع المرجوحية وهم، وإدراكه مع التساوي شك، فهذه ستة أقسام. إدراكه على ما هو عليه، وعلى خلاف ما هو عليه، وعدم الإدراك بالكلية، والإدراك برجحان، والإدراك بمرجوحية، والإدراك بالتساوي. والشك أحياناً يراد به التساوي، وأحياناً يطلق على الراجح والمرجوح والمساوي، وهذا ما يكون في كلام الفقهاء عندما يتحدثون عن الشك في الحدث أو الشك في نجاسة الطاهر، فإنهم يريدون الشك الراجح والمرجوح والمساوي، أي: بمعنى أنه إذا شككت في

стр. 37

نجاسة الماء الطاهر ولو غلب على ظنك أنه نجس فهو طاهر، وإذا شككت هل أحدثتَ، ولو غلب على ظنك أنك أحدثت فأنت طاهر، وعللوا ذلك بأن الرسول ﷺ قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (١) يعني حتى يتيقن ولا عبرة بالظن. يقول الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾ بل: للإضراب الانتقالي لا الإبطالي ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ قال المؤلف: أي: [لم] وهذا تفسير ببعض المعنى؛ لأن "لما" و"لم " تشتركان في النفي لكنهما تختلفان فيما عداه، لأن "لم" لنفي غير المتوقع، و"لما" لنفي المتوقع القريب، فإذا قلت: لم يقم زيد، فهذا نفي لقيامه على وجه لا يتوقع منه القيام، وإذا قلت: لما يقم زيد، فهو نفي لقيامه على وجه يتوقع منه القيام عن قرب، وعلى هذا فقوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: لم يذوقوه ولكن سيذوقونه قريباً. قالوا: و"لما" تأتي على أوجه: تأتي نافية فتجزم الفعل المضارع كما تجزمه "لم"، وتأتي بمعنى حين، وتأتي شرطية، وتأتي استثنائية. هذه أربعة أوجه. تأتي نافية كنفي "لم" لكنها تختلف عنها بأن منفي "لم" لا يتوقع، ومنفيها يتوقع قريباً، مثل هذه الآية، وتأتي شرطية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢]، وتأتي استثنائية كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وتأتي بمعنى "حين" فتقول: قدمت البلد

стр. 38

لما طلعت الشمس، أي: حين طلعت الشمس. قال: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾ يذوقوا أصلها يذوقون لكن حذفت النون للجزم، لأن "لما" من حروف الجزم. وقوله: ﴿عَذَابِ﴾ قد يشكل على طالب العلم، وهو أن الفعل واقع عليه، وهو مع ذلك لم يُنصَب، أي لم يقل: بل لما يذوقوا عذاباً، فكيف توجيه ذلك؟ كيف لم ينصب ﴿عَذَابِ﴾ مع أن الفعل واقع عليها؟ والجواب عن ذلك أن نقول: إن ﴿عَذَابِ﴾ أصلها: عذابي بالياء، والمضاف إلى ياء المتكلم تقدر عليه الحركات، ولذلك لا بد أنه يكسر من أجل مناسبة الياء، فتكون الحركات مقدرة عليه، وعلى هذا فنقول: عذاب مفعول يذوق، منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة تخفيفاً، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء هنا حذفت للتخفيف، وهذا كثير في القرآن واللغة العربية أن تحذف ياء المتكلم للتخفيف، كما في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] والتقدير: المتعالي، ومن والي. وقوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾ العذاب ليس مطعوماً يذاق، ولكن الإصابة به ذوق، وذوق كل شيء بحسبه، فإذا أعطيتك قطعة لحم ومضغتها فهذا ذوق، وإذا ضربتك وأحسست بالضرب فهذا ذوق، فذوق كل شيء بحسبه، وليس ذوق العذاب كذوق الطعام والشراب، بل هو ذوق مناسب له ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. قال المؤلف: [ولو ذاقوه لصدَّقوا النبيَّ ﷺ فيما جاء به] ولكن هذا

стр. 39

التصديق لا ينفعهم، لأنه إذا صدّق الجاحد بعد نزول العذاب به فإن ذلك لا ينفعه، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. الفوائد: ١ - من فوائد قوله تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾: أن المكذبين للرسول ﷺ فيما جاء به من التوحيد ليس عندهم دليل إلا ما كان عليه آباؤهم؛ لقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. ٢ - ومن فوائدها: أن هؤلاء مكابرون معاندون فمع كونهم لا دليل عندهم قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. ٣ - ومن فوائدها: أن كل إنسان ليس عنده علم شرعي فإنه يلجأ إلى ما كان الناس عليه في العادة، وهذا كما هو في من سبق فهو في من حضر، كثير من الناس تنهاه عن المنكر فيقول: هذا الذي مشى عليه الناس، وهذا ليس بحجة، وهذا كما أنه سابق فهو أيضاً لاحق، فمن الناس مَن إذا أنكرت عليه المنكر قال: هذا ما زال الناس عليه، أو يقول: ما سمعنا بهذا، ومنه قول بعض العامة إذا نُبِّهوا على شيء لم يكونوا يعرفونه، قالوا: هذا دين جديد، ما سمعنا بهذا، وهذا ليس بحجة. وإنما الحجة الدليل القائم من كتاب الله، وسنة نبيه ﵊.

стр. 40

٤ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾: أن هؤلاء يريدون أن يكون الشرع تابعاً لأهوائهم، يأتي الوحي من يشاؤون، ويمتنع عن من يشاؤون؛ لقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾. ٥ - ومن فوائدها: أن صاحب الباطل لا يعرف أن حجَّتَه حجَّة عليه، لأن قولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ هي حجة فيما لو نزل الذكر على من يشاؤون، لأنه لو نزل على مَن عيّنوه وأرادوه، لقال غيرهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ويتفرع على هذه الفائدة كل مُبْطِل يحتج بحق، لكن استدلاله به باطل، فإنه لا حجة له، ومن ذلك ما يحتج به أهل التحريف في باب الصفات أو غيرها من الأدلة الصحيحة التي ليس لهم فيها استدلال. فمثلاً أهل التعطيل يستدلون لتعطيلهم بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ومن المعلوم أنه عند التأمل يكون هذا الدليل حجة عليهم، لأن نفي المماثلة يدل على ثبوت أصل المعنى، ولو لم يكن أصل المعنى ثابتاً لم يكن لنفي المماثلة فائدة. وهكذا كل مبطل يحتج لباطله بحجة صحيحة، لكن استدلاله بها غير صحيح، نجد أن هذه الحجة حجة عليه. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كتابه "درء تعارض العقل والنقل" المعروف بالعقل والنقل أنه ملتزم بأنه ما من صاحب باطل يحتج بآية أو حديث صحيح إلا كان دليله حجة عليه وليس له.

стр. 41

٦ - ومن فوائدها أيضاً: أن هؤلاء الذين اقترحوا هذا الاقتراح وأنكروا أن ينزل الوحي على النبي محمد ﷺ هم في شك مما يدَّعون، فإذا كانوا في شك فكيف يقترحون؟ ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾. ٧ - ومن فوائدها: أن المكذبين للرسل يوشك أن ينزل بهم العذاب، لقوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. ٨ - ومن فوائدها: أن العذاب إذا نزل فإنه يكون ماساً للإنسان مؤثراً فيه، لأنه عبر عن ذلك بقوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. ٩ - ومن فوائدها: أن الكلمات تفسر بحسب السياق، فالذوق في الأصل إنما هو للطعام والشراب، ولكن قد يراد به ما أصاب الإنسان إصابة مباشرة فإنه يسمى مذوقاً. * * * قال الله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾، هذا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] قال بعدها: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] حتى يقولوا نجعل النبوة في فلان دون فلان وهنا لما قالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قال بعدها: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ يعني هل هم الذين يقسمون هذه الخزائن فيجعلون الرسالة في فلان دون فلان. و"أم" هنا بمعنى "بل"، والاستفهام يراد به النفي، وعلى هذا فتقدير الكلام: بل أعندهم خزائن رحمة

стр. 42

ربك، أي: ليست خزائن رحمة الله عندهم حتى يقولوا ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ولماذا لم ينزل على فلان أو فلان؟ قوله: ﴿خَزَائِنُ﴾ جمع خزينة، والخزينة: مستودع الشيء يسمى خزينة، والرحمة: رحمة ربك، أي: ما يكون برحمته من الأرزاق الحسية والمعنوية، والجواب: لا ليس عندهم خزائن رحمة ربك. وقوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾ قال المؤلف: [الغالب ﴿الْوَهَّابِ﴾ أي: الكثير الهبات، وهي العطايا. قال: ﴿رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فأضاف الرحمة إلى رب، ثم أضاف الربوبية إلي النبي ﷺ ﴿رَبِّكَ﴾ اعتناءً به وبياناً أن ما حصل له من الرسالة فهو بمقتضى ربوبية الله الخاصة له، ولهذا نقول: أخص أنواع الربوبية ما كان للرسل، كما أن أخص العبودية عبودية الرسل، ولهذا أضاف الربوبية إليه، لأن أخصّ الربوبية ربوبية الله لرسله وعلى رأسهم محمد ﷺ ، فكأنه يشير إلى أن رسالة الله للرسول ﷺ من رحمته به. وقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ فيه مناسبة عظيمة. العزيز لمقابلة هؤلاء الذين كانوا في عزة وشقاق، ليبين أن عزة الله فوق عزتهم وأنفتهم وحميتهم، وأنه غالب لهم وقاهر لهم. والوهاب بالنسبة للرسول ﷺ ، يعني أنه وهبه النبوة. العزيز: يقول المؤلف: إنه الغالب، وهذا أحد معانيه، ولكن اللفظ يشتمل على معانٍ أكثر، فالعزيز يدل على ثلاثة أنواع من العزة: عزة القدر، وعزة الامتناع، وعزة القهر، فعزة الامتناع: تعني امتناع الله عن كل نقص وعيب، فهو عزيز يمتنع عليه كل نقص وعيب. وعزة القدر: تعني عزة الشرف

стр. 43

والسيادة، فالسيادة المطلقة لله ، والعزة الطلقة لله ، يقول تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، والثالث عزة القهر: وهي عزة الغلبة، أي: أنه غالب لكل أحد، فعزة القهر تعني عزة الغلبة وأنه غالب لكل أحد، ومن أشعار الجاهلية: أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب فإذاً يكون تفسير المؤلف ﵀ للعزيز بالغالب تفسير للفظ ببعض المعاني، وهو تفسير قاصر، لأننا ذكرنا فيما سبق أن كل من فسر القرآن ببعض ما يدل عليه فإن تفسيره قاصر، لكن أحياناً يفسر القرآن ببعض ما دلّ عليه تمثيلاً لا حصراً، كتفسير بعضهم قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] فسر الظالم لنفسه بأنه الذي يؤخّر الصلاة عن وقتها، والمقتصد الذي يصليها في آخر الوقت، والسابق بالخيرات الذي يصليها في أول الوقت، وبعضهم فسّر الظالم لنفسه بالذي لا يزكي، والمقتصد بالذي يزكي ولا يتصدق، والسابق بالخيرات بالذي يزكي ويتصدق. فهذا التفسير نقول: لا شك أنه قاصر، لكن لم يرد المفسر أن المعنى منحصر في هذا، وإنما أراد بذلك التمثيل، يعني مثل الظالم لنفسه مثل الذي لا يزكي، والمقتصد مثل الذي يزكي ولا يتصدوا، والسابق بالخيرات مثل الذي يزكي ويتصدق. قال المؤلف: [﴿الْوَهَّابِ (٩)﴾ من النبوة وغيرها، فيعطونها من شاؤوا؟ ] هذا مفرع على النفي، يعني هل عندهم خزائن الله من

стр. 44

النبوة وغيرها فيعطونها من شاؤوا ويمنعونها من شاؤوا؟ الجواب: لا. ثم قال الله : ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أم هنا للإضراب فهي بمعنى بل والهمزة، يعني بل ألهم ملك السماوات والأرض؟ وهذا الاستفهام للنفي، يعني ليس لهم ملك السماوات والأرض، وقوله: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ السموات: جمع سماء، وهو في اللغة العربية كل ما علا، فكل ما علاك فهو سماء، ولكن المراد به هنا السماوات المعروفة المحفوظة، والمعروف أنها سبع سماوات كما صرح الله به في عدة آيات، وقوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ هي هذه الأرض المعروفة، وهي سبع أراضين كما هو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فإن المثلية هنا في العدد لا في الحجم ولا في الكيفية، وكما جاءت السنة بذلك صريحاً في قول النبي ﷺ : "من اقتطع شبراً من الأرض بغير حقّه، طوقه يوم القيامة من سبع أراضين" (١). وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: ما بين السماء والأرض من المخلوقات العظيمة كالشمس والقمر والنجوم والكواكب وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، وجعل ما بين السماوات والأرض قسيماً لهما يدل على أن ما بينهما مخلوقات عظيمة تقابل السماوات والأرض. قال المؤلف: [إن زعموا ذلك] أي: أن لهم ملك السماوات والأرض فهل يملكون ذلك؟ لا، لا يمكن.

стр. 45

قال المؤلف ﵀: [إن زعموا ذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)﴾] كأن المؤلف ﵀ جعل قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ جواباً لشرط مقدر، يعني إن زعموا أن لهم ملك السماوات والأرض، ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [الموصلة إلى السماء، فيأتوا بالوحي، فيخصوا به من شاؤوا]. قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي: فإن زعموا ذلك فليرتقوا، واللام: لام الأمر، وسكنت لوقوعها بعد فاء العطف، لأن لام الأمر تسكن إذا وقعت بعد الفاء وثم والواو، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] هذه بعد ثم، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] هذه بعد الواو، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] هذه بعد الفاء، بخلاف لام التعليل فإن لام التعليل تكون مكسورة ولو وقعت بعد هذه الحروف، كما قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: ٦٦] ولم يقل: وليتمتعوا، لأن اللام للتعليل، فلام التعليل تكون مكسورة دائماً، ولام الأمر تكون مكسورة إلاّ إذا وقعت بعد الواو والفاء وثم، ولهذا قال: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] فاللام هنا للأمر، والظاهر أن المراد بالأمر هنا التحدي. يعني إن كانوا صادقين فليرتقوا في الأسباب، والأسباب: جمع سبب وهو كل ما يوصل إلى المقصود، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] أي: بشيء يوصله إلى السماء كالحبل ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] فهنا قال:

стр. 46

﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: فليجعلوا أسباباً يرتقون بها، ويصلون إلى السماء. ومعلوم أن هذا التحدي لا يمكن لهم أن يحققوه. ثم قال المؤلف: [الموصلة إلى السماء، فيأتوا بالوحي، فيخصوا به من شاؤوا] بناء على قولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يعني إذاً فارتقوا إلى السماء، وأنزلوا الوحي، وخصوا به من شئتم. ثم قال المؤلف: [و"أم" في الموضعين بمعنى همزة الإنكار]، الإنكار الذي بمعنى النفي. ثم قال: ليس عندهم خزائن الله وليس لهم ملك السماوات والأرض بل هم خالون من هذا كله. الفوائد: ١ - من فوائد هاتين الآيتين: إبطال حجة هؤلاء الذين قالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ وذلك لأن انزال الوحي على شخص ما هو من فضل الله عليه، ومن خزائن رحمته، وهذا لا يملكه هؤلاء المقترحون، لأن الأمر والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. ٢ - ومن الفوائد: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: العزيز والوهاب، وإثبات ما تضمناه من صفة، فالعزيز تضمن صفة هي العزة، وأقسامها ثلاثة كما مر علينا في التفسير، والوهّاب تضمن صفة هي الهبة الكثيرة، وما أكثر هبات الله ، وتضمن القدرة؛ لأنه لا يهب إلا القادر، وتضمن الغنى؛ لأن مَن لا شيء عنده لا يمكن أن يهب، وتضمن الكرم، لأن البخيل لا يهب. ودلالة الوهاب على الهبة من باب دلالة التضمن، وعلى الهبة

стр. 47

والوهاب من باب دلالة المطابقة، وعلى القدرة والغنى والكرم من باب دلالة الالتزام. فإذًا في هذا الاسم أنواع الدلالة الثلاثة، وهي الالتزام والمطابقة والتضمن، والفرق بين هذه الثلاثة أن دلالة اللفظ على جميع معناه دلالة مطابقة، وعلى جزء معناه دلالة تضمن، وعلى اللازم الخارج الذي لا يدل عليه بلفظه لكن من لوازمه دلالة التزام. وأضرب لها مثلًا في أمر حسي ليتبين به الأمر المعنوي. هذا بيت يشتمل على غرف ومجالس وبراحات، أي: أحواش. دلالة هذا البيت على جميع ما فيه من الغرف والمجالس والأحواش دلالة مطابقة، ودلالته على كل حجرةٍ وحدها, ولكل مجلس وحده، ولكل حوش وحده، دلالة تضمن، ودلالته على أن له بانيًا دلالة التزام؛ لأن البيت لا بد له من بانٍ، فنقول: هذا قد بناه بانٍ، ما هو الدليل؟ لأن البيت لا بد له من بانٍ. فالوهاب مثلًا دلالته على الاسم والصفة التي هي الهبة دلالة مطابقة، وعلى الاسم وحده أو الهبة وحدها دلالة تضمن، وعلى القدرة والغنى والكرم دلالة التزام. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة فواصل الآيات لسياق الآية, لأن العزيز الوهاب يناسب قوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ ومناسبة فواصل الآيات لمضمون الآية دليل على البلاغة، ولا يشذ عن هذا شيء، ولهذا لما قرأ رجل عند أعرابي: (والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم) استغرب الأعرابي كيف يقول: نكالًا من الله، ثم يقول: والله غفور

стр. 48

رحيم؟ المغفرة والرحمة لا تتناسب مع النكال، فقال الأعرابي للقارئ: أعد، قال: (والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم) قال: أعد ما هكذا الآية، قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] قال: الآن عزّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع ، ولهذا قال الله تعالى في سورة المائدة في الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤] فأخذ العلماء من هذه الآية أنهم إذا تابوا قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد, لأن الله قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإذا غفر لهم ورحمهم، فإنهم لا يقام عليهم الحد. وفي هذه الآية ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ مناسبة ظاهرة, لأن الله ذو رحمة، وذو عزة وغلبة، وذو هبة وعطاء، فيعطي من شاء بما تقتضيه عزته من خزائن رحمته. لكن بعض الآيات تكون فواصلها مخالفة لمضمونها فيما يظهر، مثل قول عيسى ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ

стр. 49

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] فهنا جاء قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ جوابًا لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وكان المتوقع أن تكون الآية: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، فاستشكل بعض العلماء هذا، قالوا: كيف يقول: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقل: فإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم؟ وأجيب عن ذلك بأن عيسى ﵇ لم يقتصر على ذكر المغفرة، بل ذكر المغفرة والتعذيب، قال: إن تعذبهم، وإن تغفر لهم، فكان الحكم الآن مترددًا بين المغفرة والرحمة، إن نظرنا إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وبين العزة والحكمة والحكم إذا نظرنا إلى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾، فصار ختم القول بقوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أنسب لأن المغفرة إن حصلت فهي من عزة وحكمة. ٤ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)﴾ أن الخلق لا يملكون خزائن رحمة الله، ولا يملكون السموات والأرض وما بينهما؛ لأن ذلك لله . ولهذا كان الرسول ﵊ يقول: "اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ" (١) فخزائن رحمة الله لا يملكها أحد، الذي يملكها هو الله ، وفي حديث ابن عباس "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد

стр. 50

كتبه الله عليك" (١). ويتفرع على هذه الفائدة أنه لا ينبغي للإنسان أن يعلق رجاءه إلا بالله ، ولا يعلق رجاءه بمخلوق إلا في الحدود الضعيفة المرسومة. يجعل الرَّجاء كله والتعلق كله بالله ، وإذا جعل هذا في الله، سخر الله له المخلوقات، حتى البشر يسخرهم له، لكن إذا تعلق بغير الله وُكِلَ إلى من تعلق به وضاع. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ملكية الله للسماوات والأرض وما بينهما, لأن نفي ملك هؤلاء لها دليل على ثبوت الملكية لغيرهم ولا مالك لهذه إلا الله. ٦ - ومن فوائدها: عظم ما بين السماء والأرض، ووجهه أن الله جعل ما بينهما قسيمًا لهما، والقسيم لا بد أن يكون معادلًا أو مقاربًا لقسيمه، لا يمكن أن تأتي بشيء عظيم تقارن بينه وبين شيء بعيد منه في العِظَم. ٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: تحديه هؤلاء المكذبين أن يأتوا بما يدل على أن لهم شيئًا من ملك السموات والأرض، لقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)﴾. ٨ - ومن فوائدها: أنه لا ينبغي التحدي إلا بما لا يستطيعه المُتحدَّى، لماذا؟ لأنك لو تحديته بشيء يستطيعه ثم قام به بطلت حجتك نهائيًا، وهذا يفيدك في باب المناظرة، وفي باب النظر, لأن الناس ناظر ومناظر، فالناظر هو الذي يتأمل الأدلة من ذات نفسه

стр. 51

ويحكم عليها، والمناظر هو الذي يناقشها مع غيره، فمن فوائد النظر والمناظرة أن الإنسان لا يفرض شيئًا على وجه التحدي إلا إذا علم أنه غير ممكن للمُتحدَّى, لأنه لو فرض شيئًا يتحدّى به، ثم أتى به المُتحدَّى، بطلت حجته وانهارت، وانهارت قوة المدافعة والمهاجمة، كما هو معلوم، من أن يرتقوا إلى السماء والله أعلم. ٩ - ومن فوائد هذه الآية: أن بعض العلماء أخذ منها أنه لا يمكن الوصول إلى القمر, لأن الله قال: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)﴾ ثم قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ ومعلوم أن القمر في السماء، فإذا كان هؤلاء الذين يحاولون أن يرتقوا في الأسباب إلى السماء، جندًا حقيرين مهزومين، فإنه لا يمكن أن يصلوا إلى القمر، فهل يمكن أن يؤخذ هذا من هذه الآية؟ ظاهر الآية أنه ممكن أن نأخذ من هذه الآية دليلًا على أن الناس يصلون إلى القمر، إذا كان هذا ظاهر الآية فمعناه أن الآية دلت على إمكان الوصول إلى القمر، وهذا عكس ما استدل به بعض الناس، والحقيقة أنه لا يمكن أن يكون فيها دليل على الامتناع من الوصول إلى القمر, لأن القمر في السماء، التي بمعنى العلو، وليس في السماء التي جعلت سقفًا محفوظًا، وهذا أمر مؤكد لا يختلف فيه اثنان، وإذا كان السحاب في السماء، ويطلق عليه سماء، كما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] والناس الآن يصعدون فوق السماء الذي هو السحاب. كثير منكم ركب الطائرة وهي فوق السحاب، والسحاب تحتها، فكذلك القمر في السماء، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ

стр. 52

بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] فلا شك أن القمر في السماء، ولكن هل هو في السماء التي هي السقف المحفوظ الذي لا يدخل إليه أشرف الملائكة وأشرف البشر إلا باستئذان؟ لا، قطعًا، بل هو تحته بكثير، إذن نقول: إنه ليس في الآية دليل على استحالة الوصول إلى القمر، كما إنه ليس فيها دليل على إمكان الوصول إلى القمر، ويترك هذا الأمر للواقع، فإذا صح أنهم وصلوا إلى القمر فإن الشرع لم يقل باستحالة ذلك، وإذا لم يصح فإن الشرع لا يثبته. فإذا قالوا: وصلنا إلى القمر وثبت ذلك، قلنا: الحمد لله، هذا لا يعارض شرعنا، لا يعارض كتاب الله ولا سنة رسوله ﵊، ومعلوم أن القمر تحت النجوم، والنجوم قال الله فيها: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] لكن القمر تحتها، وأنا وغيري شاهدنا أن القمر حجب النجوم، وأنا شاهدت ذلك بعيني، كان القمر يساير النجمة التي تسمى نجمة الصباح، ومعروف أن القمر يتأخر فإذا بها تختفي، لم نعد نشاهدها، فصار كما لو جاءت سحابة فحالت بيننا وبين القمر. وحدثني من أثق به، قال: إن هذا قد يقع أحيانًا ونشاهده. إذًا القمر ليس في السماء التي هي السقف المحفوظ، فإذا ثبت أنهم وصلوا إليه فلا غرابة في ذلك. إذًا ليس في الآية دليل على انتفاء الوصول إلى القمر. ١٠ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله ، وأن الجنود مهما عظموا، حقيرون بالنسبة إلى قوة الله وعزته، مهزومون أمام قوته، ولهذا قال: ﴿مَهْزُومٌ﴾.

стр. 53

١١ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على هؤلاء المكذبين للرسول ﵊ أن يعتبروا بمن سبقهم، لقوله: ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ أي: هم جند حقيرون مهزومون كما هُزم غيرهم من الأحزاب. قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فقال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. * * * ثم قال تعالى: [﴿جُنْدٌ مَا﴾ أي: هم جند حقير ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في تكذيبهم لك ﴿مَهْزُومٌ﴾ صفة جند ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ صفة جند أيضًا] ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ جند: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم جند، وما: نكرة واصفة, لأن "ما" لها عشر معانٍ جمعت في قول الشاعر: محامل ما عشر إذا رُمْتَ عَدَّها ... فحافظْ على بيتٍ سليم من الشِّعرِ ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها ... بكفٍّ ونفيٍ زِيدَ تعظيمِ مصدرِ نوضح ذلك: ستفهم: استفهامية، شرط: شرطية، الوصل: موصولة، فاعجب: تعجبية، لنكرها: نكرة سواء واصفة أو موصوفة، بكف: كافة، ونفي: نافية، زيد: زائدة، تعظيم: للتعظيم، مصدر: مصدرية.

стр. 54

﴿جُنْدٌ مَّا﴾ قال المؤلف: [هم جند حقير] فعلى هذا تكون "ما" هنا واصفة, يعني موصوف بها, لكن المراد بهذا التحقير، والدليل على ذلك التحقير قوله: ﴿مَهْزُومٌ﴾ والمهزوم حقير. وقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ هنا إشارة للمكان، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، هنالك، أي: في ذلك المكان، المؤلف يقول: [أي: في تكذيبهم لك] فجعل الظرفية المكانية هنا التكذيب، ولكن يبدو أن الأمر على خلاف ما قال المؤلف ﵀، وأن المشار إليه المكان الحسي، لا المكان المعنوي، أي: أنهم إن ارتقوا في الأسباب، فسوف يهزمون، فيكون هنالك، أي: في المكان الذي يرتقون إليه، فإذا قدر أنهم ارتقوا إلى السماء فهل ستكون لهم الغلبة؟ أبدًا بالعكس، حتى لو ظنوا أنهم لو وصلوا إلى السماء، وصعدوا إلى السماء أنهم انتصروا، وصارت لهم العزة فالأمر بالعكس. هذا هو الذي يظهر من الآية الكريمة. أما جعل الظرف هو التكذيب فهذا بعيد، بل التكذيب سبب للخذلان. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ (مهزوم) يقول المؤلف: [صفة جند] صفة ثانية والأولى "ما" و ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ صفة جند أيضًا، يعني جند من الأحزاب مهزوم. واعلم أنه إذا تكررت الصفة للنكرة فإن ما بعد الصفة الأولى يجوز أن يكون حالًا، فإذا قلت: مررت برجل عظيمٍ كريم شجاع، جاز لك أن تقول: مررت برجل عظيم كريمًا شجاعًا, ولكن الأولى أن تكون صفة، أي: نعتًا؛ لتناسق الكلام، وكونه على وتيرة واحدة،

стр. 55

فهنا عندنا ثلاث صفات لجند: "ما" و"مهزوم"، و"من الأحزاب"، ما الذي يجوز أن يكون منصوبًا على الحال؟ مهزومٌ، لكن لا يمكن هنا لأن حركة الإعراب ظهرت على أنه مرفوع، صفة، وكذلك من الأحزاب مثله يعني يجوز أن يكون صفة وهو الأصل، ويجوز أن نجعله في موضع نصب على الحال. قال المؤلف ﵀: [أي: كالأجناد من جنس الأحزاب المتحزبين على الأنبياء قبلك، وأولئك قد قهروا وأهلكوا فكذلك نهلك هؤلاء] يعني أن هؤلاء جند من الأجناد الأخرى، والأجناد الأخرى الأحزاب الذين كذبوا الرسل كان مآلهم الهلاك والدمار، وقد مر علينا في أول السورة: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾. ثم بدأ الله الإشارة إلى قصة أولئك الأجناد أو أولئك الأحزاب فقال : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبل الذين كذبوك من قريش ومن اليهود وغيرهم ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ ونوح هو أول رسول أرسله الله بدلالة القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] ولو كان أحد قبل نوح لخرج من ذريتهما، وبه نعرف أن ما يوجد من شجرة الأنبياء التي كتب فيها أن إدريس قبل نوح خطأ، فإن إدريس بعد نوح بلا شك، أما السنة فصريحة في ذلك فإنه ثبت في حديث الشفاعة الطويل "أن الناس يأتون إلى نوحٍ فيقولون له: أنت

стр. 56

أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض" (١) وهذا صريح، وبه أيضًا نعرف أن ما يذكر في كتب التاريخ من أن إدريس جد لنوح فهو خطأ بلا شك، فإدريس فيما يظهر -والعلم عند الله- من أنبياء بني إسرائيل. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوح ﵊ بعث إلى البشر حين اختلف الناس، وكان الناس في الأول على ملة واحدة، فاختلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] أرسله الله إلى قومه، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهو يدعوهم إلى الله، ويأتيهم بالآيات، ويتحداهم، ولكنهم -والعياذ بالله- كلما دعاهم ازدادوا عتوًا ونفورًا، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧] ولما أذن الله تعالى بهلاكهم دعا نوح ربه ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] فانتصر الله له ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١١ - ١٤] وأمره الله أن يحمل معه مَنْ آمن من قومه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]. فتصوروا أيها الدعاة كيف لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو رسول، والناس لم يكثروا بعد، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، حتى أحد نسله قد كفر به وهو ابنه الذي كان من المغرقين.

стр. 57

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ قال المؤلف ﵀: [تأنيث "قوم" باعتبار المعنى] هل قوم مؤنث؟ أو الفعل الذي كان القوم يفعلونه هو الذي أُنِّث؟ نقول: الفعل هو الذي أُنِّث ﴿كَذَّبَتْ﴾، أما قوم فليس فيها تاء التأنيث، لكن من المعلوم أن الفعل إذا أُنِّثَ فالفاعل مؤنث، فإذا وقع الفاعل لفعل مؤنث فهو مؤنث، لكن هذا اللفظ هل هو مؤنث لفظًا أو باعتبار المعنى؟ قال المؤلف: باعتبار المعنى، وهنا نسأل كيف يكون مؤنث باعتبار المعنى؟ لأن القوم جماعة، وكل جمع يجوز تأنيثه، قال ابن مالك ﵀: والتاءُ مع جَمْع سوى السالِم مِنْ ... مذكَّر كالتاءِ مع إحدى اللَّبِنْ إحدى اللَّبِنْ: هي لَبِنة، فلبنة يجوز فيها التذكير والتأنيث، لكن التأنيث أرجح، كذلك جميع المجموع ما عدا جمع المذكر السالم يجوز فيه وجود التاء في الفعل. ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢)﴾ عاد قوم هود، كانوا بالأحقاف، وكانوا ذوي شدة وقوة، من أشد الناس قوة، فأُعجبوا بقوتهم واستكبروا وعصوا رسولهم ﵊، وافتخروا بما أعطاهم الله من القوة، كما قال الله عنهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فتأمل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ لأن فيها إشارة إلى أنهم ضعفاء أمام خالقهم، ولم يقل: أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات، قال: خلقهم، فهم مخلوقون، والخالق أعلى من المخلوق، وأشد منه قوة ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا

стр. 58

بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] فأهلكهم الله. أهلكهم الله وعلى حين طمع في رحمته، أرسل الله عليهم ريحًا عظيمة، ولما رأوا ما تحمله الريح من الرمال العظيمة ظنوا أن ذلك سحاب. لما رأوا هذا قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] فعصفت بهم الريح العقيم حتى كانت تحمل الواحد منهم إلى جو السماء ثم تقلبه على رأسه، فصاروا ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، أعجاز النخل يعني أصولها وجذوعها؛ خاوية منتكسة، ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ومع ذلك ما آمن معه إلا نفر قليل. ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢)﴾ قال المؤلف: [كان يَتِدُ لكل مَن يغضب عليه أربعة أوتاد يشد إليها يديه ورجليه ويعذبه] فرعون الذي أُرسل إليه موسى، وكان ملكًا قاهرًا لمصر جبارًا عنيدًا، استعبد أهل مصر وقال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وسخر بموسى وقال لهم: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وفخر بما أعطاه الله تعالى من الأنهار، قال لهم: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] وكذب موسى وحاربه، لكن ليس بالسلاح بل بما جمع له من السحرة, لأنه أوْهَمَ الناسَ أن موسى كان ساحرًا، قال: هذا ساحر يرمي العصا في الأرض فتكون حية، ويدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، هذا ساحر.

стр. 59

وجمع السحرة، وألقوا ما عندهم من السحر العظيم الذي أرْهب الناس، حتى موسى ﵇ رهب وخاف، فقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩ - ٦٨] فأيّده الله، وألقى ما في يمينه وهي العصا، فصارت حية عظيمة التهمت الحبال والعصي التي ملؤوا بها الأرض، وصار يُخيل للناس أنها حيات وثعابين تسعى، فالتهمتها كلها، وسبحان الله كيف هذه الحية التي كانت عصا تلتهم كل هذا؟ ! هذا من آيات الله. فلما رأى السحرة هذا الأمر دهشوا، وعلموا أن هذا ليس بساحر, لأن الساحر لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الأمر، بل هو حقيقة، وهو آية أيَّدَ الله بها موسى، فآمنوا كلهم، وسجدوا لله ذُلًّا وعبادة، وقالوا معلنين: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢] فماذا يكون تأثير هؤلاء القوم الذين انتصر بهم فرعون بين الناس؟ سيكون تأثيرهم بين الناس كبيرًا وعظيمًا. أرأيتم لو أنّ أحدًا من الملوك جمع أكبر ما عنده من المهندسين في حشد عظيم، ثم أقرّوا وأذعنوا لخصوم هذا الملك، ماذا يكون شعور الناس؟ سيكون شعورهم أن الملك مهزوم. ولهذا لما حصل إيمان السحرة لجأ فرعون إلى القوة والقهر، وهددهم بأنه سيقطِّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم على جذوع النخل حتى يذوقوا العذاب، ولكنهم بإيمانهم قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ

стр. 60

خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٢ - ٧٣] فصمدوا أمام هذا الطاغية العنيد. لقد كانوا في أول النهار من السحرة الكفرة، وصاروا في آخر النهار من المؤمنين البررة، وبقي فرعون مستمرًا على طغيانه -والعياذ بالله- حتى أهلكه الله بالغرق بجنس ما كان يفتخر به على قومه وعلى موسى حين قال: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] فأهلك بالماء الذي كان يفتخر به. وقول المؤلف في قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ قال: [كان يَتِدُ ... ] إلى آخره. الذي يظهر أن هذا ليس سبب الوصف بذي الأوتاد، وإنما السبب الحقيقي أن يراد بالأوتاد القوة التي ثَبَّتَ بها ملكه، كأوتاد الخيمة تثبت بها الخيمة، ولا يبعد أن يكون من جبروته أن يضع أوتادًا أربعة يصلب عليها الإنسان ويعذبه، لكن هذا لا يمكن أن يمتدح به فرعون على أنه ذو قوة، بل الصحيح المراد بالأوتاد هنا ما كان عليه من القوة التي ثبَّت بها ملكه، كأوتاد الخيمة تثبت بها الخيمة. قال الله تعالى: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣)﴾ قوله: ﴿وَثَمُودُ﴾ معطوفة على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ يعني: وكذبت قبلهم ثمود أصحاب صالح، وهم في مكان يقال له: الحِجْر، وتسمى الآن بمدائن صالح. أرسله الله إليهم ولكنهم كفروا به، ولم يؤمن معه إلا قليل، وآتاهم الله تعالى آية عظيمة، وهي ناقة يحلبونها يومًا وتشرب الماء يومًا آخر. وقيل: إن الواحد منهم يأتي

стр. 61

إليها فيسقيها ويأخذ من لبنها بقدر ما أسقاها، والله أعلم. والمهم أن هؤلاء القوم عندهم قوة مكَّنتهم من أن يتخذوا من الجبال بيوتًا. ولا تزال آثارهم باقية إلى اليوم. وقد مر النبي ﷺ بها وهو ذاهب إلى تبوك، فقنَّع رأسه ﷺ يعني غطاه- وأسرع في السير، وقال: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا وأنتم باكون، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم ما أصابهم" (١). قال: ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ لوط: ابن أخي إبراهيم ﵊، أرسله الله إلى قومه، وكانوا قد ارتكبوا الفاحشة -والعياذ بالله- فكانوا يأتون الرجال ويَدَعُون النساء. فوبَّخهم لوطٌ على ذلك وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] فأنتم الآن تركتم الحلال إلى الحرام، وتركتم النزيه إلى الخسيس. ولكنهم أبوا واستكبروا حتى إن زوجته كانت منهم، فأمره الله أن يسري بأهله، وأرسل على قومه حجارة من سجيل، حتى جعل عاليها سافلها، وهذا من المناسبة بوضوح، فإن هؤلاء لما انقلبوا عن الحقيقة، ونزلوا إلى أسفل الأخلاق، جعل الله أعالي قريتهم سافلها. واختلف العلماء في معنى هذا، فقال بعضهم: إن الأرض حمُلت ثم نكِّست فصار عاليها سافلها، وقال بعضهم: بل إنها تهدمت من الحجارة التي أُرسلت عليهم حتى صار أعاليها سافلها (٢).

стр. 62

قال: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ والأيكة فيها قراءتان (١)، قال المؤلف: [﴿الْأَيْكَةِ﴾ أي: الغَيْضة وهم قوم شعيب ﵇] والغيضة: هي الأشجار اللتف بعضها إلى بعض، وكانوا في نعيم ولكنهم عصوا شعيبًا وسخروا منه ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧] يسخرون منه، وقال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] قال أهل العلم: إنهم أصيبوا بحَرّ شديد جدًا، فأرسل الله غمامة لها ظل، فتنادوا إليها يستظلون بظلها، فكان ظلها أكثر إحراقًا من الشمس -والعياذ بالله- فأُتُوا من حيث أمنوا. هؤلاء يقول الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ يعني أولئك الأحزاب العظماء الذين طغوا واستكبروا وكذبوا الرسل، فالإشارة هنا بصيغة البعد إما لدنو منزلتهم وبعدها عن الصواب، وإما لعلوها باعتبار حالهم التي كانوا عليها من الطغيان والعتو، وذلك لأن "أولئك" لا يشار بها إلا إلى الشيء البعيد علوًّا، أو نزولًا أو مساحة. ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ جمع حزب، والحزب هو الطائفة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] أي: كلّ طائفة.

стр. 63

﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ يحتمل أن تكون مبتدأ وخبر، يعني أولئك هم الأحزاب الذين كذبوا الرسل فأهلكناهم، ويحتمل أن تكون الأحزاب صفة لأولئك. وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ الجملة خبر المبتدأ، قال المؤلف: [﴿إِنْ﴾ ما ﴿كُلٌّ﴾] أي: أن "إنْ" نافية، وقد سبق لنا أن قلنا: إن "إنْ" تستعمل في اللغة العربية على وجوه: النفي، والشرط، والمخففة من الثقيلة، والزائدة. قال المؤلف: [﴿إِنْ كُلٌّ﴾ ما كل من الأحزاب ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾]، كلٌّ مِنْ هؤلاء الأحزاب كذب الرسل، والرسل: جمع رسول، ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي: كل حزب كذَّب رسولَه، وعلى هذا فالجمع موزَّع على الجمع الذي قبله توزيع أفراد، أو هو توزيع جملة؟ أي: كل حزب كذَّب جميعَ الرسل؟ المؤلف مشى على الثاني، قال: [لأنهم إذا كذبوا واحدًا منهم، فقد كذبوا جميعهم، لأن دعوتهم واحدة، وهي دعوة التوحيد] فمشى ﵀ على أن الجمع موزع على الأفراد توزيع جمع، يعني كل حزب كذب جميع الرسل، ويؤيد ما ذهب إليه ﵀ قولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] فإن الله ذكر أن قوم نوح كذبوا المرسلين، ومن المعلوم أنه لم يُبعث رسولٌ قبل نوح حتى نقول: إنهم كذبوا من سبق، وعلى هذا فيكون ما ذهب إليه المؤلف أرجح مما يحتمله اللفظ احتمالًا مرجوحًا، وهو أن يكون الجمع موزعًا على ما قبله توزيع أفراد.

стр. 64

وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ يعني باعتبار الجملة؛ لأن بعض القوم آمنوا لكنهم كانوا قلة، والقلة مع الكثرة تنغمر فيها، فلهذا قال: إن كل من الأحزاب إلا كذب الرسل، ويحتمل أن يقال: إنه لا حاجة إلى هذا التقدير، أي: لا حاجة إلى أن نقول: إن هذا باعتبار الكثير من هؤلاء الأقوام, لأنه قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ فيكون قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ أي: من المكذبين إلا كذب الرسل، وعلى هذا فلا حاجة إلى استثناء الذين آمنوا، وإلى القول بأن الآية جاءت على الأغلب. قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ الرسل الذين أرسلوا إليهم، وهنا نحتاج إلى الفرق بين الرسل والنبيين فنقول: أولًا: كل من ذكر في القرآن من النبيين فهو رسول، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وعلى هذا فيكون كل من ذكر في القرآن من الرسل؛ لأنهم قُصّوا علينا، وكل من قُصَّ علينا فهو رسول، أما على سبيل العموم فإن العلماء يقولون على المشهور عندهم: إن الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه والدعوة إليه, لأنه رسول، والرسول ليس عليه إلا البلاغ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وأما النبي فهو الذي أوحي إليه بوحي لكن لم يأمر بالتبليغ، فيكون كالمجدد من هذه الأمة، فالمجدد من هذه الأمة صالح في نفسه لكنه يدعو بحسب استطاعته، فالنبي لم يكلف بالرسالة، وإنما أوحي إليه بما يُصلِحه ويَصْلَحُ به غيره لا على سبيل الإلزام بالرسالة.

стр. 65

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الفرق: أن النبي هو من جدد شرع مَن قبله ولم يستقلّ بوحي، فهو يأتي بالشريعة السابقة، وأما الرسول فهو الذي يُجدَّد له الوحي، ويأتي بشرِيعة مستقلة، وهذا القول قد نقول: إنه جيد كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] ولكنه ينتقض بآدم ﵊، فإن آدم نبي ولم يكن تابعًا لشريعة سابقة، والقول إذا انتقض فهو ضعيف غير معتمد عليه. قال الله تعالى: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ حق، أي: وجب وثبت، وقوله: ﴿عِقَابِ﴾ فاعل "حق" مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، أي: يكسر ما قبل ياء المتكلم ليناسب الياء، فالكسرة التي يؤتى بها لمناسبة الياء تسمى حركة المناسبة أو كسرة المناسبة، وهي تمنع من ظهور ضمة الإعراب وفتحته على آخر الكلمة. والعقاب: هو المؤاخذة على الذنب، ولهذا سمي عقابًا؛ لأنه يأتي عقب الجريمة، فكل عذاب على جريمة فإنه يسمى عقابًا. وهذا العقاب الذي أنزله الله بهم هو عقاب مبني على العدل؛ لأن الله أضافه إلى نفسه فقال: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾، ونحن نعلم أن الرب لا يظلم أحدًا أبدًا، لا يزيد في سيئاته، ولا ينقص من حسناته، لكن لو كان العقاب من غير الله لكان يمكن أن يزداد على الجريمة، أما العقاب الذي أضافه الله لنفسه فهو عقاب عدل.

стр. 66

الفوائد: ١ - في هذه الآية تسلية وتهديد، تسلية للرسول ﵊، وتهديد للمكذبين له أن يصيبهم مثل ما أصاب من قبلهم. ٢ - ومن فوائدها: إثبات الرسالة لنوح ﵊ لقوله: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ وهو كذلك، فإن نوح هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض. ٣ - ومن فوائدها أيضًا: إثبات الرسالة لهود لقوله: ﴿وَعَادٌ﴾ وعاد هم قوم هود، فإنهم كذبوا هودًا. ٤ - وفي الآية: إثبات رسالة موسى لقوله: ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ ومعلوم أن الذي أُرسل لفرعون هو موسى، ففي الآية إثبات لرسالة موسى. ٥ - ومن فوائدها: أنه مهما عظم سلطان المكذبين للرسل فإنهم أذلاء بالنسبة لسلطان الله لقوله: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾. ٦ - من فوائد الآية: إثبات رسالة صالح لقوله: ﴿وَثَمُودُ﴾ والمرسل إلى ثمود أخوهم صالح. ٧ - ومن فوائدها: إثبات رسالة لوط لقوله: ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾. ٨ - ومن فوائدها: إثبات رسالة شعيب لقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﵇. ٩ - ومن فوائدها: أن جميع هؤلاء الأحزاب كذبوا الرسل لقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾.

стр. 67

١٠ - ومن فوائدها: الاعتبار بالأغلب، وأن الكل قد يطلق على الأغلب, لأن قوم نوح لم يكذبوا كلهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] وكذلك عاد، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٥٨] وكذلك لوط آمن معه مَنْ آمن مِنْ أهله، كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] كذلك فرعون لم يؤمن إلا حينما أدركه الغرق إيمانًا لا ينفعه، وكذلك صالح آمن معه من آمن، وعلى هذا فالله قال: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ إن كل، أي: من هؤلاء إلا كذب الرسل. ١١ - ومن فوائد الآية: أنه مَن كَذَّب رسولًا من الرسل فهو مكذب باعتبار الأغلب لجميع الرسل لقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ وقد ذكرنا في تفسيرها أنها محتملة أن تكون عائدة لكل فرد باعتبار الجمع أو باعتبار الأفراد، أي: هل هو من توزيع الجمل أو من توزيع الأفراد، وذكرنا أنه من الراجح أنها من توزيع الجمل على الأفراد، وذكرنا الدليل على ذلك. ١٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن تكذيب الرسل سبب للعقوبة لقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ والفاء هنا سببية وهي عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها سببية وتعقيب، وأن العقاب حل بهم، وهم ما زالوا على تكذيبهم. ١٣ - وقوله: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ يؤخذ منه فائدة وهي شدة هذه العقوبة لأن الله أضافها إلى نفسه، وقد قال عن

стр. 68

نفسه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٩٨] و ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]. * * * قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ ينظر إذا تعدت بـ "إلى" فهي نظر العين، وإن جاءت متعدية بنفسها صارت بمعنى الانتظار، وإن جاءت مطلقة فهي على حسب السياق، يعني إذا جاءت غير مقيدة بحرف جر، ولا مقيدة بمفعول، فهي على حسب السياق، مثال التي قيدت بـ "إلى" قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فإن ناظرة هنا بمعنى باصرة بالعين؛ لأنها تعدت بـ "إلى" وأضيفت إلى الوجوه أيضًا التي هي مكان العيون، وإذا جاءت متعدية بنفسها فإنها تكون بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] وقد تأتي متعدية ويكون المراد بها نظر العبرة والتفكر كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] وإن جاءت مطلقة غير متعدية بنفسها ولا بـ"إلى" فهي بحسب السياق، مثل قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] منهم من قال: ينظرون بمعنى ينتظرون النعيم الذي يُؤتى به إليهم، ومنهم من قال: ينظرون، أي: ينظرون إلى ما أنعم الله به عليهم، ومنه النظر إلى وجه الله.

стр. 69

﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً﴾ متعدية بنفسها، فهي بمعنى ينتظر، أي: ما ينتظر هؤلاء، أي كفار أهل مكة، كما قال المؤلف: [أي: كفار مكة] ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يصاح بهم، واحدة لا تعاد مرة أخرى، كما قال الله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠]، وقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] فالصيحة هي التي تكون يوم القيامة، كما قال المؤلف: [هي نفخة القيامة تحل بهم العذاب] وهي الساعة، هذه الصيحة الواحدة ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ [بفتح الفاء وضمها، أي: رجوع]. ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ ما: نافية، وليست هنا حجازية لاتفاق التميميين والحجازيين على عدم عملها, لأن الحجازيين يعملونها بشرط الترتيب، أي: تقدم الاسم على الخبر، وهنا لم يتقدم الاسم على الخبر، بل تأخر، فهي إذًا نافية، ولها: جار ومجرور خبر مقدم. و ﴿مِنْ فَوَاقٍ﴾ من: حرف جر زائد للتأكيد، و ﴿فَوَاقٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. أما من حيث التصريف قال المؤلف: [إنها بفتح الفاء وضمها] فَواق وفُواق، ومعناه الرجوع وقيل: معناه الإمهال، يعني إنها لا تمهلهم، بل تأخذهم بسرعة، وقيل: إنها إن كانت فَواق فهي بمعنى الرجوع لأنها من أفاق يفيق إذا رجع إلى عقله، وإذا كانت فُواق فهي بمعنى الإمهال مأخوذ من قولهم: فُواق الناقة، وفُواق

стр. 70

الناقة: هو ما بين الحَلْبتيْنِ أو ما بين الرَّضْعَتيْنِ. ما بين الحلبتين إذا كانت تُحلب، وهي مدة وجيزة، مثاله: يعصر الإنسان الثدي ثم يتوقف ثم يعود ويعصره، فالمدة بين الحلبتين قليلة، وكذلك بين الرضعتين. الطفل الرضيع إذا كان يرضع ثدي الأم، يمص ثم يمص. وهم يطلقون هذا على سرعة الشيء وعدم إمهاله، ويمكن أن نقول: إن القراءتين تجمعان المعنيين، فيكون معنى ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ أي: ما لها من رجوع ولا إمهال. الفوائد: ١ - في هذا أشد التهديد للمكذبين لرسول الله ﷺ ، ولازم ذلك إثبات رسالته ﷺ ، ووجه أن الله توعد المكذبين له، ولولا أن رسالته حق لكان الوِعيد عليه هو كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] الله أكبر، انظر إلى هذا الأسلوب الشديد للآيات الموجهة للرسول ﵊ ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة، ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ حتى لا يبقى به حياة. والوتين هو عرق يتصل بالقلب إذا قطع مات الإنسان فورًا ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ هذا وهو الرسول ﷺ ، لو تقول على الله كلمة واحدة لأخذه الله باليمين، فكيف بالذين يتقولون على الله كلمات، ولا يبالون أن يقولوا: قال الله، وهو لم يقل. ولهذا كان الإِمام أحمد ﵀ من ورعه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا إن كان قد نص على تحريمه، وإلا تجده يقول:

стр. 71

أكره هذا، أو لا يعجبني، أو لا يفعل، أو تركه أحب إليّ أو ما أشبه ذلك، ولكن كان إمامًا، وصار الناس يتداولون هذه الكلمات ويحللونها، هل إذا قال: لا تعجبني، يعني التحريم أو الكراهة، ثم بدأ الناس يتلقون كلامه ويحللونه, لأنه ﵀ خاف الله واتقاه فجعل الله لكلماته نورًا، بخلاف الذين يقولون الآن: الإِسلام يحرم كذا وكذا، وإذا رأيت الإِسلام يحلله، ويمكن أن يوجبه في بعض الأحيان، وهذا يقول: يحرمه الإِسلام، يتكلم واحد معرض للخطأ باسم الإِسلام. وأنت لو قلت: أرى أن هذا حرام، قلنا: هذا رأيك، ويمكن أن تخطئ وتصيب. أما أن تقول: حرّم الإِسلام، وقال الإِسلام، وفعل الإِسلام، فهذه الأقوال خطيرة, لأن أعداء المسلمين إذا أخذوا مثل هذه الأقوال، وقالوا: هذا الإِسلام وكانت تخالف الإِسلام، أخذوا من هذا سببًا للقدح في الإِسلام. والإِسلام بريء منه، لكن بعض الناس يجعل لنفسه منصبًا عاليًا فوق مستواه. ٢ - ومن فوائد هذه الآية: تسلية الرسول ﵊، لأنه إذا قيل له: سنهلك أعداءك، سوف يتسلى. ٣ - ومن فوائد هذه الآية: أن العذاب إذا أخذهم فإنه لن يرجع ولن يتأخر، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. * * *

стр. 72

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ لما توعدهم الرسول ﵊ بيوم القيامة، وأن لهم العذاب فيه، تحدوا الرسول ﵊، بل تحدوا الله ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ بمعنى نصيبنا، يقولون ذلك تحديًا واستكبارًا وعنادًا -والعياذ بالله- وهذا كقولهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] هذا قول معاند مستكبر، وكان الواجب عليهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا له. هذا الواجب، أما أن يقولوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فهذا لا شك أنه في غاية الاستكبار -والعياذ بالله-. قال المؤلف: [وقالوا لما نزلت ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ أي: كتاب أعمالنا ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قالوا ذلك استهزاءً] ما ذهب إليه المؤلف يحتمله اللفظ، لكن لا دليل عليه فيه، والصحيح أن المراد بقطنا، أي: نصيبنا من العذاب الذي توعدتنا به، وقلت إنه سيأتيكم عذاب كما أتى الأحزاب من قبلكم، فكأنهم يقولون: إذا كان الأحزاب قد أوتوا العذاب من قبلنا فليأتنا نصيبنا. وهذا لا شك أنه في غاية ما يكون من التحدي والسخرية والاستكبار -والعياذ بالله- وأنت تعجب أن تصل الحال بالبشر، إلى هذا التحدي -والعياذ بالله- ولكن الشيطان عدو للإنسان، فإذا أطاعه حمله على شيء، يكاد الإنسان أن يقول: إن هذا الشيء لا يمكن أن يقع.

стр. 73

الفوائد: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ في هذه الآية من الفوائد: ١ - اعتراف المشركين بالربوبية لقولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا﴾ وهم مقرّون بالربوبية، ومقرّون بانفراد الله تعالى بها، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. ٢ - ومن فوائدها: أن الإقرار بالربوبية لا يخرج الإنسان من الكفر إذا كان لم يقرّ بتوحيد الألوهية؛ لأن هؤلاء مقرون بالربوبية، وأن الله هو الخالق الرازق والمنفرد بالخلق والرزق، لكنهم يشركون به في العبادة، يعبدون معه غيره، فلم يدخلهم ذلك في الإِسلام. ٣ - ومن فوائدها: بطلان ما ذهب إليه كثير من المتكلمين في تفسير التوحيد، حيث قالوا في تفسير التوحيد: (أن تؤمن بأن الله واحد في ذاته لا قسيم له، واحد في أفعاله لا شريك له، واحد في صفاته لا شبيه له)، فإن هذا لم يتعرضوا فيه لذكر الألوهية إطلاقًا، قالوا: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له ... إلخ هذا هو التوحيد عند عامة المتكلمين، ولا شك أن هذا التوحيد لم يدخل فيه توحيد الألوهية الذي جاءت الرسل بتحقيقه وإثباته والقتال عليه، لم يقولوا واحد في ألوهيته لا يُعبد غيره، أسقطوا هذا نهائيًا، ولا شك أن هذا قول باطل في أن هذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، بل هذا من التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وليس هو التوحيد كله، بل فيه

стр. 74

أيضًا إجمال في قولهم: واحد في صفاته لا شبيه له، ولكن هذا ليس موضوعنا, لأننا نتكلم عن التفسير. فالمشركون الذين قاتلهم الرسول ﷺ ، واستباح دماءهم وأموالهم ونساءهم وذريتهم، كانوا يقرون بما يدعي المتكلمون أنه هو التوحيد. ٤ - ومن فوائدها: استكبار هؤلاء المكذبين للرسول ﵊ حيث تحدوه هذا التحدي وقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ أي: نصيبنا من العذاب، وهذا غاية ما يكون من الاستكبار والعناد. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: إيمانهم بيوم الحساب. يؤخذ من قوله: ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ممكن أن نقول هكذا ويمكن أن نقول: إنهم قالوا ذلك على سبيل التهكم، فيكون هذا أشد في العناد والاستكبار، أي: قبل يوم الحساب الذي يزعمه محمَّد، فيكون المراد بهذا، التهكم برسول الله ﷺ ، وبما أخبر به من يوم الحساب، وهذا هو الظاهر، أي: كأنهم يقولون: عجل لنا نصيبنا من العذاب قبل هذا اليوم الذي يقوله هذا الرجل. * * * فقال الله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ هم بقولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يريدون بذلك مضايقة الرسول ﵊ حتى يضجر ويتعب نفسيًا وفكريًا وربما جسميًا، ولا شك أن هذا يؤذي الداعية.

стр. 75

وأنت لو دعوتَ إلى الله وقام واحد وقال: أهذا ما تتوعدنا به! ائتنا به، عجل لنا به، لا شك أنك تضيق، فالرسول ﷺ بشر، لكنِ الربّ يُصَبِّره شرعًا، ويعينه على ذلك قدرًا، يصبره شرعًا بالأمر اصبر اصبر ويعينه -على ذلك قدرًا، فقد صبر النبيُّ صبرًا لا يصبره أحد، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. والعجيب أن من صبره أنه صبر حين المقدرة عليهم، صبر على العذاب الذي يكون بيده، وعلى العذاب الذي يكون من عند الله، صبر على العذاب الذي يكون بيده حين فتح مكة ووقف على باب الكعبة وقريش تحته وقال: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخٍ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (١) في هذا الحال يستطيع أن يبطش بهم فكلهم أذلة بين يديه، لكن قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" بل قال قبل ذلك: "من دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (٢) كل هذا من باب التسامح والعفو مع المقدرة. أما عفوه وتسامحه مع المقدرة بأمر يوقعه الله سبحانه تعالى فيهم، فإنه لما رجع من الطائف بعد أن فعل به أهل الطائف ما فعلوا أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال، وقال: إن الله يقرئك
следующие страницы →