← Тафсир

Тафсир · id 151160

تفسير العثيمين: الزمر

ابن عثيمين

Полный текст (515 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ بالله مِن شُرور أَنْفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في الله حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ: فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أَثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

стр. 2

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (١). تغمَّدهما الله بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ. وسَعْيًا - بإِذْنِ اللهِ تَعالَى - لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ مُحمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْريَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ. نَسْأل اللهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجَزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعليَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وَصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْريَّةِ ٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ

стр. 3

سورة الزمر الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا مُحمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد: هذه السُّورة تُسمَّى: سورة الزُّمَر؛ لقول الله ﵎ فيها: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣]. وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]. وتَسْمِيَة السُّور تكون لِأَدْنى ملابَسَة وأدنى مُناسَبَة؛ ولهذا سُمِّيَت: سورة البقرة دون أن تُسمَّى: سورة الدَّيْنِ مثلًا، أو سورة العِدَدِ، مع أنَّ ذِكر الدَّيْن وما يتعلَّق به قد يكون كآيات البَقَرَة. قال المفسر (١) ﵀: [مَكِّيَّة] يعني: أنَّها من السُّور المَكِّيَّة، وأصحُّ ما يُقال في السُّور المَكِّيَّة: أنَّها ما نزل قبل الِهجْرَة؛ فما نزل قبل الِهجْرة فهو مَكِّيٌّ، وما نزل بعدها فهو مَدَنِيٌّ، حتى لو نزل في مكَّة وهو بعد الهجرة فإنه يُسمَّى: مَدَنِيًّا؛ ولهذا نقول: إنَّ قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] نقول: إنَّها مدنِيَّة، مع أنَّها نزلت في عَرَفَةَ. قال المُفَسِّر ﵀: [إلَّا ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلخ] هذا الاستثناءُ يحتاج إلى دليلٍ.

стр. 4

والقاعدة: أنَّ كلَّ مَن استثنى آياتٍ من سور مَكِّيَّة وقال: إنَّها مَدَنِيَّة فعليه الدَّليل، والعكس بالعكس، فمن استثنى آياتٍ من سورَةٍ مَدَنِيَّةٍ، وقال: إنَّها مَكِّيَّة فعليه الدَّليلُ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ السُّورةَ إذا كانت مَكِّيَّةً فهي مَكِّيَّة بجميع آياتِها، هذا هو الأصل حتى يقوم دليل على الاستثناء، ولا أعلم لهذا الاستثناء الذي ذكره المُفَسِّر ﵀ دليلًا. بل إنَّ ظاهِرَه من حيث المعنى يقتضي أن يكون من المَكِّيَّات ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، إلخ؛ إذْ كُلُّه يتعلَّق بالتَّوْحيدِ والتَّوْبة. وقوله ﵀: [وهي خمسٌ وسبعون آية] مُقسَّمة إلى هذا التَّقسيم تقسيمًا توقيفيًّا؛ يعني: أنَّ الذي يُحدِّد الآياتِ هو الرَّسولُ ﵊، فهو يُحدِّد الآياتِ ويُحدِّد مكانَها وتَرْتيبها. ولهذا نقول: إنَّ ترتيبَ الآيات توقيفِيٌّ، وترتيب السُّوَر؛ منه توقيفيٌّ، ومنه اجتهادِي من الصَّحابة ﵃: فمثلًا: (الجمُعة)، و (المنافقون)، ترتيبها توقيفيٌّ؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ كان يقرأ في صلاة الجُمُعة بالجُمُعَة والمنافقون (١). و (سبَّح)، و (الغاشية) كذلك، و (البقرة، وآل عمران) كذلك ترتيبها توقيفيٌّ. ومنه شيءٌ اجتهاديٌّ ثبَت باجتهادِ الصَّحابة، قد تختلف فيه مصاحِفُ الصَّحابة؛ لأنَّه عن اجتهادٍ. أمَّا ترتيب الآياتِ فحيث قلنا: إنَّه توقيفي لا يجوز الإخلالُ به، فلا يجوز أن تُقدِّم آيةً على آيةٍ في التِّلاوَة؛ لأنَّ الذي وضع الآيات في مكانِها هو الرَّسولُ ﷺ .

стр. 5

وكذلك ترتيب الكَلِمات أيضًا توقيفيٌّ، فلا يجوز أن تُقدِّم كلمةً مكان كلمة، وترتيب الحروف توقيفيٌّ، لا يجوز أن تُقدِّمَ حرفًا في كلمة على حرف. فها هنا الآن ترتيبات: ١ - تَرْتيب الحُروف. ٢ - تَرْتيب الكَلِمات. ٣ - تَرْتيب الآياتِ. وكلُّه توقيفيٌّ لا يجوز الإخلالُ به. وأمَّا ترتيب السُّوَر؛ فمنه توقيفيٌّ، ومنه اجتهاديٌّ. قال المُفَسِّر ﵀: [بسم الله الرَّحمن الرَّحيم] البَسْمَلَة آيةٌ مُستقِلَّة في كتاب الله ليست من الفاتِحَة، ولا من غير الفاتِحَة؛ على القول الرَّاجح، فهي آيةٌ مُستَقِلَّة يُؤْتى بها للبَداءَةِ بالسُّورة؛ لأنَّنا لو قلنا: للفَصْلِ بين السُّورتين أُورِدَ علينا سورةُ الفاتِحَة؛ لأنَّها ليس قبلها سورَةٌ، إِذَنْ للبدء بالسورة، وسَقَطَت بين الأنفالِ والتَّوْبة؛ لأنَّها لم تَرِدْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولو ثبتت ما أَهْمَلَها الصَّحابة ﵃. والبسملة كما نشاهد ونقرأ شِبه جُمْلة، وليست بِجُملة؛ لأنَّها جارٌّ ومجرور، والجارُّ والمجرور والظَّرف يُسمَّى: شبه جملة، ولا يسمى: جُملة؛ لأنَّه لم توجد فيه أركان الجُملة، ولكن الجملة مُقَدَّرةٌ فيه، فلا بدَّ من تقديرٍ تَتِمُّ به الجملة. فـ[بسم الله الرَّحْمن الرحيم] جارٌّ ومجرور ومضافٌ إليه وصِفَة، متعلِّقة بمحذوف ولا بُدَّ؛ ولهذا قال في نظم الجُمَل:

стр. 6

لَا بُدَّ لِلْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بِفِعْلٍ أوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِ وَاسْتَثْنِ كُلَّ زائِدٍ لَهُ عَمَلْ ... كالْبَاءِ وَمِنْ وَالْكَافِ أَيْضًا وَلَعَلّ فلا بدَّ للجارِّ من التَّعلُّق: (بفعلٍ أو معناه نحو مُرْتَق)، (مُرْتَقٍ) بمعنى الفِعْل؛ لأنَّه اسم فاعل. و (استثن كلَّ زائدٍ له عمل، كالباء ومِن والكاف أيضًا ولَعَل)؛ وذلك لأنَّ الذي فيه حروف جر زائِدَة يُقدَّر كأنه لا حَرْفَ فيه، فلو قلتَ: ليس زيدٌ بقائِمٍ، فإنك تقول: قائِم: خبر ليس، ولا تقول: مجرور بالباءِ، والجارُّ والمجرور متعلِّق بالمحذوف، ويقال: إنَّه خبر ليس. على كلِّ حال: البَسْمَلَة متعلِّقة بمحذوفٍ، أحسن ما يُقدَّر به هذا المحذوفُ أن يُقدَّر فعلًا متأخرًا مناسِبًا للمبدوءِ به، فمثلًا: إذا كنْتَ تريد أن تَقْرَأَ فتقول: التَّقديرُ (بسم الله أَقْرَأُ)، وإذأ أَرَدْتَ أن تَتَوَضَّأ فالتَّقْديرُ (بسم الله أتوضَّأ)، وإذا أردْتَ أن تدخل: (بسم الله أَدْخُلُ)، وهكذا. وقد قدَّرْناه فعلًا؛ لأنَّ الأَصْل في العمل الأفعال؛ واسمُ الفاعل واسم المفعول والمصْدَرُ العاملُ مُلحَقٌ بالفعل؛ ولذلك اخْتَرْنا أن نُقدِّرَهُ (فِعلًا) لا اسْمًا. كما اخترنا أن يكون (متأخِّرًا) لوجهينِ: الوجه الأول: التَّبَرُّكُ بالابتداءِ باسم الله، فنجعل أوَّلَ الجملة (بسم الله) تبرُّكًا. والثاني: إفادة الحَصْر؛ لأنَّ تأخيرَ العامِلِ يفيد الحَصْر. كما اخْتَرْنا أن يكون (مناسِبًا) لما ابتدئ به؛ لأنَّه أدَلُّ على المقصودِ؛ حيث يُعيِّن أنَّ البَسْمَلَةَ لِهذا الشَّيْء؛ فلو قلنا: بسم الله أبتدئ، لفاتنا أنَّه غيرُ مناسِبٍ للمقام

стр. 7

أو للموضوع، ولو قدَّرنا: أَقْرَأُ بسم الله فاتَ التَّأخيرُ، لكنْ فائِدَةُ التَّأخيرِ هي الحَصْر والتَّبَرُّك بالبداءة باسم الله؛ ولو قلنا: بسم الله قِراءَتي فات أن يكون فِعْلًا. [بسم الله الرَّحمن الرَّحيم] اسم: مفرد مضافٌ، والمفرد المضاف للعُمُوم، وعلى هذا فيكون المعنى: بكلِّ اسْمٍ من أَسْماء الله؛ لأنَّ المُفْرَدَ المُضافَ يكون للعُمُومِ. والدَّليلُ على أنَّ المُفْرَدَ المضافَ يكون للعموم قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]؛ فـ (نِعْمَة) مُفرد، ومع ذلك قال: تَعُدُّوا، لا تُحْصوا، فدلَّ هذا على أنها عامَّة في كلِّ نِعْمَة. و (الباء) في قوله: [بسم الله] للاستعانَةِ والمصاحَبَة والمُلابَسَة يعني مُسْتَعينًا مُصْطَحِبًا مُتَلَبِّسًا باسم الله. و (الله) عَلَمٌ على ذاتِ الله ، خاصٌّ به، لا يسمَّى به غيْرُه، واختلف العلماء هل هو مُشْتَقٌّ أو جامِدٌ؟ والصَّحيح: أنَّه مُشْتَقٌّ، لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] ولو جعلناه اسمًا جامِدًا لكان غيرَ دالٍّ على الوصف، بل كان عَلَمًا مَحْضًا، وحينئذ لا يكون دالًّا على الأَحْسَنِ، بل لا يكون دالًّا على الحُسْن فضلًا عن الأَحْسَن. فالصَّحيح الذي لا شَك فيه: أنَّه مُشْتَقٌّ من الأُلوهِيَّة، وهي: التَّقَرُّب والتَّعَبُّد للمَأْلوهِ على وجه المَحَبَّة والتَّعظيم. وأما قوله: [الرَّحْمن] فهو أيضًا عَلَمٌ على الله لا يُسَمَّى به أحدٌ غيره، فهو من أسماء الله الخاصَّة به، ولا يوصف به غيرُه، وهو مُشْتَق من الرَّحمة، وكان بصيغة: فعلان لدلالة هذه الصِّيغة على السَّعَة والامتلاء، فهو دالٌّ على سَعَةِ رحمة الله وشمولها لكلِّ شيء.

стр. 8

وأما: [الرَّحيم] فهو اسم من أسماء الله، لكن يوصَفُ به غيرُه؛ قال الله تعالى عن النَّبِيِّ ﷺ : ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وهو مُشْتَقٌّ من الرحمة، لكنه إذا قُرِنَ بـ (الرَّحْمن) أي: إذا ذُكِرَا جميعًا كانت الرَّحْمنُ دالَّة على الوَصْف، والرحيم دالةً على الفعل؛ أي إنه يَرْحَم برحمته مَن يشاء.

стр. 9

الآية (١) * قَالَ اللهُ : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]. قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ الكتابُ: هو القرآن، وسُمِّيَ كتابًا؛ لأنَّه مكتوب في اللَّوْح المحفوظ، ومكتوب بالصُّحُف التي بأيدينا، ومكتوب في الصُّحُف التي بأيدي الملائكة؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦] وعلى هذا فـ (فِعَال) بمعنى مفعول، وهذه الصيغة - أعني فِعَالًا - تأتي بمعنى مفعولٍ في اللُّغَة العَربيَّة كثيرًا؛ ومنه: غِراسٌ بمعنى مغروس، بِناء بمعنى مبنِيٍّ. قال المُفَسِّر ﵀: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾: القُرآنِ، مبتدأٌ] المبتدأ: تنزيلُ، قال: [﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرُه]. إِذَنْ: معنى الآية: أنَّ الله يُخْبِر بأن تنزيلَ الكتاب مِنْ عنده؛ مِن الله، أي إنه نازلٌ من عند الله لا من جبريل ولا من محُمَّد ولا من أيِّ مَصْدرٍ كان، بل هو نازل من الله ، تكلَّم به، وألقاه إلى جبريل. ثم إنَّ جبريل ﵇ نزل به على قلْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ وتأمَّل قوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ لتَعْلَمَ أنَّ الرَّسول ﷺ وعَى القرآن وَعْيًا تامًّا؛ لأنَّ ما نزل

стр. 10

على القَلْب لا بُدَّ أن يَعِيَه القَلْب. قال ﵀: [﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلكه, ﴿الْحَكِيمِ﴾ في صُنْعِه] ﴿الْعَزِيزِ﴾ لها معانٍ: الأوَّل: عزيز بمعنى: غالِب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] قاله الله تعالى جوابًا على قول المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فسَلَّم الله ذلك: أنَّ الأَعَزَّ يُخْرِجُ الأَذَلَّ، لكن قال: العِزَّةُ لله ولرسوله وللمؤمنين، أما المنافقون فلا عزَّة لهم حتى يستطيعوا أن يُخرجوا المؤمنين منها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. الثاني: عزيز بمعنى: قَوِيٍّ، شديد القوة؛ ومنه قولهم: أرض عَزَازٌ؛ يعني: صُلْبة قويَّة؛ ومن المعلوم: أنَّ الله تعالى في صفاته كُلِّها شديدٌ قويٌّ، فكل الصفات كامِلَة ليس فيها نَقْصٌ ولا وهَنٌ ولا ضَعْفٌ. الثالث من معنى العِزَّة: الامتناع. فالامْتِناعُ يعني: أنَّه مُمْتَنِعٌ عن أن ينالَه سوءٌ. فهذه ثلاثة معانٍ للعزيز: غالب، قوي، ممتنِع عن كل نَقْص. وأما قول المُفَسِّر ﵀: [في مُلْكِه] فإنه قاصر في الحقيقة جدًّا؛ لأنَّه إذا قُيِّدَتِ العِزَّة في الملك فإنَّها لا تتناول إلا العزيز بمعنى: الغالب أو القوي. وأما: ﴿الْحَكِيمِ﴾ فيقول ﵀: ﴿الْحَكِيمِ﴾ في صُنْعِه] أي فيما صَنَع، وهل يُوصَف الله تعالى بأنه صانِعٌ وأنَّ له صُنعًا؟ الجواب: نعم، يُوصف الله بأنه صانع، وأنَّ له صنعًا، قال الله ﵎: ﴿صُنْعَ

стр. 11

اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]؛ لكن يجب أن نعلم أننا إذا وصَفْنا الله بالصُّنْع فليس كصِفَتِنا للمخلوق بالصُّنع؛ فالمخلوق إذا كان صانعًا يحتاج إلى أدواتٍ؛ فإن كان نجَّارًا يحتاج إلى منشار، قدوم، مخراق، وما أشبه ذلك، لكن الله لا يحتاج، فلما قال الله : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]، فليس بناءُ الله كبناء المَخْلوق يحتاج إلى زِمبيل وإلى لَبِن وإلى طينٍ، فالبناء غيرُ البناء والصُّنع غير الصُّنع، وقد يتوهَّم الإنسانُ أنه إذا وصف الله بالصُّنع، وأنه صانِعٌ قد يتوهَّمُ أنه يحتاج إلى آلاتٍ يَصْنَع بها، ولكن هذا خطأ؛ لأنَّ صُنْعَ الله ليس كصنع البَشَر. وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿الْحَكِيمِ﴾ في صنعه] تقييدها بالصُّنْع فيه قصور؛ والصواب: أنَّه (حكيمٌ في صُنْعِه وفي شَرْعِهِ)؛ ولهذا يَخْتِم الله أحيانًا آيات التشريع بالحِكْمَة، كما في قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فهو حكيم في صُنعه حكيم في شَرْعِه؛ (في صُنْعِه) يعني: جميع مصنوعاته كلِّها مُحْكَمةٌ؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ قلِّب، فَكِّر: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ يعني: كَرَّةً بعد أخرى، وفي النِّهايةِ: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] وهذا من الإحكام في الصُّنع. أما في الشَّرْع فيقول الله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وتناقضًا؛ فالقرآن لا يمكن أنْ يتناقَضَ أبدًا؛ وإذا رَأَيْتَ آيةً ظاهِرُها يُناقِضُ الآيةَ الأخرى فاعلم أن ذلك: إمَّا من سوء فَهْمِك، أو من قُصُور عِلْمِك.

стр. 12

(إمَّا من قصور علمك) بأن تكون الآيَةُ هذه ناسِخَةً للآيَةِ، وأنت لا تَعْلَم، أو (من سوء فَهْمِك) بأن تكون كلتا الآيتينِ مُحْكَمَة، ولكن لم تَفْهَمِ الجَمْع بينهما، وإلا فلا يمكن أبدًا أن يكون في كلام الله تناقُضٌ، ولا فيما صَحَّ عن رسول الله ﷺ تناقض أبدًا؛ فهذا لا يُمْكِن؛ لأنَّه شَرْع الله، والله تعالى قد أحكم شَرْعَه. إِذَنْ: فالله تعالى حكيم في صُنْعه وفي شَرْعِه؛ وبناءً على هذا: تكون حكيمٌ بمعنى: مُحْكِم، وعلى هذا التفسير؛ أن معنى الحكيم المُحْكِم لشَرْعه وصنعه، فهنا نسأل هل تأتي فَعيلٌ في اللُّغَة العَربيَّة بمعنى مُفْعِل؟ والجواب: نعم، تأتي فعيلٌ بمعنى مُفْعِل؛ ومنه قول الشاعر: أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُني وَأَصْحَابِي هُجُوعُ (أمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع) السَّميع بمعنى المُسْمِع، فحينئذٍ تكون حكيم بمعنى مُحْكِم. وهل يمكن أن تكون بمعنى حاكِمٍ؟ الجواب: نعم، يُمْكِنُ أن تكون بمعنى حاكم، وعلى هذا فتكون حكيمٌ بمعنى: أنَّ له الحُكْمَ. والحُكْمُ المضاف إلى الله يَشْمَلُ: الحكم الكونِيَّ، والحكم الشَّرْعِيَّ: الحكم الكوني: هو إيجادُهُ للأشياء وخَلْقُه الأَشْياءَ، والحُكْم عليها بالفناء والبقاء والتَحَوُّل والتَّغَيُّر، وما أشبه ذلك، كلُّ هذا (حُكم). الحكم الشَّرْعِيُّ: هو ما جاءت به الرُّسُل عليهم الصَّلاة والسَّلامُ من أحكام الله

стр. 13

التي يُلْزَم بها المُكَلَّف؛ فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] هذا شَرْعِيٌّ؛ وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] هذا كوني، وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠] شرعي؛ وقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] شَرْعِي؛ وقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠] كونِي. فقوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾ سبق أنَّه من الإِحْكام ومن الحُكْم، فالإحْكامُ يعني الإتقان، والإتقانُ هو الحِكْمَة، وهي وَضْع الشَّيْء في مَوْضِعِه. قال العلماء: والحِكْمَة تكون في صُورَةِ الشَّيءِ وهيئَةِ الشَّيء وذاتِ الشَّيء وتكون في غايَتِه؛ فالحِكْمَة في نفس الشَّيْء: يعني أنَّ الشَّيءَ نَفْسَه مشتَمِلٌ على الحكمة، فإذا تأمَّلْتَ الشَّرائِعَ وجَدْتَ أنها مُشْتَمِلة على الحِكْمة، وإذا تأمَّلْتَ الغاية منها وجدْتَها أيضًا في غاية الحِكْمة، كذلك أيضًا إذا تأمَّلْت الصنائع التي صنعها الله وهي الحكمة التي تكون في الكون وجَدْت أنها مُشْتَمِلَة على الحكمة، وإذا تأملت الغاية منها وجَدْتَها أنها حِكْمَة أيضًا. فالعبادات المقصودُ بها: إصلاحُ الخَلْق، وهي مَوْضوعَة على وَفْق الحِكْمة؛ الصلوات كونُها على هذه الهيئة هو الحِكْمة، الزَّكاة والحَجُّ وبقيَّة العبادات، الكون، السَّماء، الأرض، الشَّمس، القمر، كونُها على هذا النظام البديع فهذا حِكْمة، والغاية منها أيضًا حِكْمَة؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]

стр. 14

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: في هذه الآيَةِ يُخبِرُ الله أنَّ تنزيل الكتاب مِن عنده، وعلى هذا فتفيد الآيَةُ الكريمة أنَّ القُرآنَ مُنزَّلٌ غير مخلوقٍ، أمَّا إفادتها لكونه منزَّلًا فظاهر: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾، لكن كيف تفيد أنه غير مَخْلوقٍ؛ فإن هذه الفائِدَة قد يعارِضُ فيها معارِضٌ، ويقول: ليس كلُّ مُنَزَّلٍ غيرَ مَخْلوقٍ بل في المُنَزَّل ما هو مخلوق؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] والماء مَخْلوقٌ؛ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]؛ وهذه الأنعام مخلوقَةٌ، فلا يلزم من الإنزال أو التَّنْزيل أن يكون المُنَزَّل غير مخلوق، فما هو الجواب عن هذا الإيراد؛ لأن هذا إيرادٌ قوِيٌّ يُورده الجَهْمِيَّة الذين قالوا: إنَّ كلامَ الله مخلوقٌ؟ الجواب على هذا الإيراد سَهْل؛ بأن يقال: إنَّ الإنزالَ إذا أُضيفَ إلى عَيْنٍ قائمةٍ بنفسها فهذه العَيْن مخلوقة، وإذا أُضيف إلى وَصْف كان هذا الوصف حَسَب الموصوف، والكلامُ وَصْف، فإذا كان الله أنزل القرآن وهو كلام وأضافه إلى نفسه فهو هو بصفاته أزلِيٌّ أبديٌّ ليس بمخلوق، واجبُ الوجود. إِذَنْ: فيتِمُّ الاستدلال؛ أن نقول: في قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ١] دليلٌ على أنَّ القرآن مُنزَّل غير مخلوق. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فيه دليل على عُلُوِّ الله؛ وَجْهُه أنه قال: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ومِنْ للابتداء، فإذا كان ابتداء الكتاب من عند الله وهو مُنَزَّل، دلَّ على علوِّ مَن كان مِن عنده، وهو الله . الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تعظيم القرآن؛ وَجْهُه: أنَّه نازِلٌ من عند الله، وأنه كلام الله، فيكون عظيمًا كعِظَمِ المُتَكَلِّم به.

стр. 15

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ ثلاثَةِ أسماءٍ من أسماء الله، وهي: (الله، العزيز، الحكيم). ويتفرَّع على هذه الفائِدَةِ: إثباتُ أَرْبَعِ صفات من صفات الله: (الأُلوهِيَّة، العِزَّة، الحِكْمة، الحُكْم). فإذا قيل: كيف استَفَدْنا أرْبَعَ صِفات؟ فنقول: لأنَّ لدَينا قاعدةً، وهي: أنَّ الأَسْماءَ الحسنى كلُّ اسمٍ منها مُتَضَمِّنٌ لصِفةٍ.

стр. 16

الآية (٢) * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ لمَّا بيَّن أنَّ تنزيل الكتاب من الله بيَّنَ إلى مَن أنزل؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يا محمدُ، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ ضميرُ جَمْع، لكنه إذا كان عائدًا إلى الله فليس للجَمْع قطعًا بل هو للتَّعْظيم، وقد اشتبه على النصرانِيِّ مثلُ هذا الجمع، وقال: إنَّ الله ثالثُ ثلاثةٍ؛ لأنَّ الله تعالى يذكر الضَّميرَ عائدًا إليه بصيغة الجمع، وأقل الجمع ثلاثة! فنقول في الرَّدِّ عليه: إنَّ هذا من زَيْغِ النَّصارى؛ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، فاتبعوا المتشابِهَ من القرآن، ولو أنهم ردوا هذا المتشابِهَ إلى المُحْكَم لعلموا أنهم مُخْطِئون غايَةَ الخطأ، وذلك أنَّ الله صرَّح في آياتٍ كثيرة بأنه إلهٌ واحِدٌ، فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. وهذا نصٌّ صريح مُحْكَم، وأما (نا) التي هي ضمير جَمْع فإنها في اللُّغَة العَربيَّة التي نزل بها القرآن صالِحةٌ للجمع وللمُعَظِّم نَفْسَه. إِذَنْ: هي من المتشابِهِ؛ لأنَّ اللَّفْظ إذا احتمل مَعْنَيينِ فإنه يقال فيه متشابِهٌ، والمتشابه يجب أن يُرَدَّ إلى المُحْكَمِ.

стр. 17

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: ﴿إلَيْكَ﴾ هذا الغاية، والخطاب للرسول ﷺ . وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: المكتوبَ، وهو القرآن، وسبق وَجْهُ كَوْنِه كتابًا. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ مُتَعَلِّق بـ (أنْزَل)، ﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا للمُلابَسَة وللتَّعْدِيَة، يعني أنَّ الكتاب نفسه نزل حقًّا من عند الله لا مِن عند غيره، أنزلناه بالحَقِّ يعني: بالتَّأكيد أنَّنا أنزلناه إليك من عندنا. وقلنا أيضًا: (للتَّعْدِية) بمعنى: أنَّ الكتابَ نزَلَ بالحَقِّ، أي: إنَّ ما اشتملَ عليه القرآنُ فهو حَقٌّ. فعلى الوجه الأول يكونُ المرادُ بقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ تأكيدًا أنه نزل من الله؛ وعلى الوَجْه الثاني: يكون المعنى: أنَّ كُلَّ ما اشتمل عليه القرآن من أخبارٍ وأوامِرَ ونواهٍ وغيرِها، فهو حَقٌّ. إذن: قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ له معنيان: المعنى الأول: أنَّ القرآنَ نزَلَ مِن عند اللهِ حقًّا لا باطلًا. المعنى الثاني: أنَّ ما اشتَمَل عليه القرآنُ فهو حَقٌّ؛ أوامر، نواهٍ، أخبار، قَصص؛ كلُّها حَقٌّ. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بأنزل]، ولم يقل: مُتَعَلِّق بأَنْزَلنا؛ لأنَّ المُتَعَلِّق إنما يتعلَّق بالفعل، أما (نا) فهي ضمير، خارجة عن الفعل. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاءُ للتَّفْريع، وعلامة فاء التَّفْريع أنَّ

стр. 18

ما بعدها يكون مُرَتَّبًا على ما قَبْلها، فالمعنى: فلإِنْزَالِنا إليك الكتابَ اعْبُدِ الله مُخْلِصًا له الدين؛ (اعْبُد) الخطاب للنَّبيِّ ﷺ . وقوله تعالى: ﴿مُخْلِصًا﴾ حالٌ من فاعل (اعبُد) وإخلاص الشَّيْء تَنْقِيَتُه من الشَّوائِب، وإزالة ما يخالِطُه، فإذا كان: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فالمعنى: أنْ تُنَقِّيَ دينَكَ مِن كُلِّ شِرك؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك؛ أي: موحِّدًا له] أي: لله . وقوله تعالى: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾: ﴿الدِّينَ﴾ يعني: العَمَل، والمراد به هنا: العمل المخصوصُ، وهو: العبادة؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ولم يَقُل: مخلصًا له العبادَةَ؛ لأنَّ الدِّين هو العمل الذي يريد العامِلُ عليه مكافأةً؛ هذا الدين، ومنه قولهم: كما تدين تُدانُ، واعلم أنَّ الدِّينَ يُطْلَق على العمل الذي يُرادُ به المكافأةُ، ويُطلَق على نفس المكافَأَة، وهي الثَّواب على العمل. فمِن الأوَّل مِثْلُ هذه الآية ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: عملًا تتعبَّدون به. ومثال الثاني قوله ﵎: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، يعني: يوم الجزاء على العَمَل، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨]؛ أي: يوم الجزاء على العمل. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: فضيلَةُ رسولِ الله ﷺ وعُلُوُّ مَرْتَبَتِه، وذلك بإنزال كتاب الله إليه؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾. وهل إنزالُ القرآنِ إلى الرَّسول إنزالٌ إلينا؟

стр. 19

الجواب: نعم، إنزالٌ إلينا؛ لأنَّه رسولُنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] فالنَّازِلُ إلى رسول الله نازلٌ إلينا، ولكنه هو المباشِر لهذا الإنزال ويُبَلِّغُه لنا. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ما سبق من أنَّ القرآن نازلٌ من عند الله فيكون كلامَه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عُلُوُّ الله ؛ لأنَّ النُّزول إنما يكون من أعلى، دلَّ عليه (الكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل والفِطْرَة) خَمْسَةُ أنواع من الأدلَّة، كلُّها تُثْبِت علوَّ الله على خَلْقِه. وقد خالف في هذا طائفتان: الطائفة الأولى: طائِفةُ الحُلُولِيَّة الذين قالوا: إنَّ الله بذاتِهِ في كلِّ مكانٍ. يقولون: إنَّ الله بذاتِهِ نَفْسِه في كلِّ مكانٍ؛ في المسجد، في السوق، في البيت، في السَّطْح، في الحجرة، في أقبح مكان - والعياذ بالله - وهؤلاء أقول: إنَّهم كفَّار، لكن من كان متأوِّلًا وجب إعلامُه وبيان الحقيقة له، فإن أصَرَّ فهو كافِرٌ. الطائفة الثانية المخالِفَة: المُعَطِّلَة الجاحِدَة، الذين يقولون: إنَّ الله تعالى ليس فوقَ ولا تحتَ، ولا يَمين ولا شمالَ، ولا متَّصل ولا مُنْفَصل؛ فهؤلاء وصَفوا الله بالعَدَمِ، كما قال محمود بن سُبُكْتِكِينَ ﵀ لابن فَوْرك لمَّا قال: إنَّ الله لا موجود ولا معدوم .. إلخ، قال له محمود بن سُبُكتِكِينَ: إنَّكَ وصفْتَ الله تعالى بالعَدَم (١). وصدق؛ لو أردنا أن نصف معدومًا ما وجدنا أشدَّ إحاطَةً من هذا الوَصْفِ بالمعدوم.

стр. 20

هدى الله الذين آمنوا لِمَا اخْتَلَفوا فيه من الحَقِّ بإذنه، وقالوا: إنَّ الله تعالى نَفْسَه فوقَ كلِّ شيء؛ كما دل على ذلك الكتابُ والسُّنَّة والإجماع والعقْل والفطرة. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الكتاب حقٌّ مِن عند الله، لم يتقَوَّلْه النَّبِيُّ ﷺ على ربِّه، بل هو من عند الله؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: أنَّه حَقٌّ مِن عند الله . وقد قال الله : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]؛ فقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ بعد أن قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٤] لئلَّا يتوهَّم واهِمٌ أنه لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ صار القرآن من عند الرَّسول ﵊، وأنه هو الذي قاله؛ فقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٥ - ٤٧]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن جميع ما في القرآن حَقٌّ؛ على الوجه الثاني؛ أخبارُه وقَصَصه وأوامره ونواهيه؛ إِذَنْ: أخبارُهُ ليس فيها كَذِب لوَجْهٍ من الوجوه، وقَصَصُه ليس المراد منها: إمضاءَ الوقتِ وإتلاف الوقت، بل هي قَصَص نافعة. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ القرآن حجَّةٌ على النَّاس، يُلْزِمهم بعبادة الله؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ﴾ والفاء هذه للتَّفْريع؛ أي: لأجل إنزال الكتاب إليك: اعْبُدِ الله. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن من لم يَبْلُغْه القرآنُ لم تَلْزَمْه العبادة؛ ويدلُّ لهذا آيات أخرى؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ومثل قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ومثل قوله

стр. 21

تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] ومثل قول ﵊: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" (١) فقال: "لا يَسْمَعُ بي". والنُّصوص في هذا المعنى كثيرة؛ أن من لم تبلُغْه دَعْوَةُ الرُّسُل لا تلزمه العبادة. والدَّليل التَّطبيقيُّ لهذه المسألة عِدَّةُ شواهِدَ: منها: حديثُ عمَّار بن ياسر ﵄ بعثه النبِيُّ ﷺ في سَرِيَّة فأجنب فلم يَجِدِ الماء فتَمَرَّغَ في الصَّعيد كما تتمَّرَغُ الدَّابَّة ظنًّا منه أن هذا لازِمٌ له، وصلى وأخبر النَّبِي ﷺ بهذا، فبيَّن له النَّبِيُّ ﷺ أنَّه يكفيه عن الغُسْل أن يَضْرِبَ الأَرْضَ بيدَيْهِ ثم يَمْسَح وجهه وكَفَّيه (٢)، ولم يأْمُرْه بإعادة الصلاة. وكذلك الرَّجُل الذي جاء فصلَّى ولا يطْمَئِنُّ في صلاته، فقال له النَّبِي ﷺ : "إنك لم تُصَلِّ"، فقال: والذي بعثَكَ بالحَقِّ لا أُحْسِنُ غيرَ هذا؛ فعلَّمَه النَّبِي ﷺ (٢) ولم يأمُرْه بإعادة ما مضى من صلاته؛ مع أنه كان يصلي صلاةً لا تُجْزِئُه.

стр. 22

وكذلك المرأة التي كانت تُسْتَحاضُ فتظُنُّ أن هذا حَيْضٌ فلا تُصْلي (١)، فلم يأمُرْها النَّبِي ﷺ بالإعادة، وأمثالُ هذا كثير. وعليه فلو أنَّ رجلًا أسلمَ في بلاد الكُفْر أو في بلادٍ نائِيَة لا يَصِلُها أحكامُ الشَّرْع وترَك الصَّلاةَ مُدَّة، ثم علم بعد ذلك بوجوبِ الصَّلاة؛ فإننا لا نأمره بإعادَةِ ما ترك، وإنما نأمُرُه بصلاةِ ما حَضَر وَقْتُه فقط. وكذلك لو كانت امرأةٌ في محلٍّ ناءٍ، بلغَتْ بالحَيْضِ وهي صغيرة ولم تَصُم رمضان، ولكنها في محلٍّ ليس حولَها علماءُ تَسْألُهُم قد غلب عليها الجَهْل - كالبادِيَة مثلًا - فإننا لا نأمرها بقضاءِ ما تركت من الصَّوْم للجَهْل. وهذا هو اللَّائِقُ بالشَّريعة الإسلاميَّة المبْنِيَّة على اليُسْر والسُّهولة، وعلى أنَّ الله تعالى لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعَها، ولا يكلِّفُ نَفْسًا إلَّا ما آتاها، ويمكن أن يكون في الآية إشارةٌ إلى ذلك، فلما ذكر ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿فَاعْبُدِ﴾ فبعد الإنزال أَمَرَ بالعبادة. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وجوبُ الإخلاصِ للهِ في العِبادة؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ والإخلاص تَنْقِيَةُ الشَّيْء ممَّا يَشُوبُه؛ ولهذا جاء في الحديث الصَّحيحِ أنَّ الله تعالى قال: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي ترَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" (٢).

стр. 23

فلو تصدَّق الإنسان بمالٍ لكنَّه مُرَاءٍ بذلك من أجل أن يُمدَح فإنه لم يَعْبُدِ الله، وهو آثِمٌ وليس بمأجورٍ، ولو صلَّى ليُمْدَحَ فإنه لم يَعْبُدِ الله، وهو آثِمٌ وليس بمأجور؛ لأنَّ الله أمر بعبادة خاصَّة، وهي الإخلاصُ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ العبادة دينٌ يدين به الإنسانُ، ومعنى كَوْنِه دينًا أنه يعْمَلُ ليُثابَ. ويتفرَّع على هذه الفائِدَة: أنَّه ينبغي للإنسانِ حين العبادَةِ أن يلاحِظَ هذا المعنى، وهو أنه يَعْمَل ليُثابَ؛ لأنه إذا شعر بهذا الشعور فسوف يُتْقِنُ العَمَل؛ إذ إنَّ العقل يهدي الإنسان إلى أنَّ الثَّواب على قَدْرِ العمل، إن أحْسَنْتَ العمل حَسُنَ الثَّواب، وإن قصَّرْتَ فالثَّواب يَنْقُصُ، وهذه المسألة - أعني شعور كَوْن الإنسان يعمل من أجل الثَّوابِ - أعتقد أنَّها تَفُوتُ كثيرًا من النَّاس لا يَنْتَبِهون لها. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الإشارة إلى نِيَّة المعمولِ، فحينما تَعْمَل تريد التَّقَرُّبَ إلى الله بامتثال أمره، فمثلًا: عندما تريد أن تتوضَّأ تنوي بأنك تتوضَّأ امتثالًا لأمر الله حينما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] من أجل أن تَشْعُرَ بالعبادة ولذَّة العبادة، لا لأجل أن تُبْرِئَ ذِمَّتك بِفِعْلِ ما هو فَرْضٌ عليك من الطَّهارة للصَّلاة، هذا لا شكَّ نيَّة طيِّبة، لكِنْ أَطْيَبُ منها أن تستَشْعِرَ بأَنَّكَ تَمْتَثِل أمرَ الله لتَشْعُرَ بلذَّة العبادَةِ، وأنَّك حقيقَةً عبدٌ لربِّك . هذه مسائل ينبغي للإنسان أن يَنْتَبِه لها في عبادَتِه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾

стр. 24

الآية (٣) * قَالَ اللهُ : ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]. قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ قوله: ﴿أَلَا﴾ أداة اسْتِفْتاح، وهي حرفٌ يراد به التَّنْبيهُ؛ لأنَّ المُتَكَلِّمَ إذا قال: (ألا) انتبَه المخاطَبُ. وقوله: ﴿لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الجارُّ والمجرور خبَرٌ مقدَّم، و ﴿الدِّينُ﴾ مبتدأ مؤخَّرٌ، ويفيد تقديمُ الخَبَر الحَصْرَ؛ أي لله وحده. وقوله: ﴿الدِّينُ﴾ يعني: العَمَل الذي يُراد الثَّوابُ عليه. وقوله: ﴿الْخَالِصُ﴾، يعني: النَّقِي من الشوائب والشِّرْك؛ أي: إنَّه يجب على العاقل أن يجعل الدِّينَ الخالِصَ لله وحده؛ إذ كيف يليق بالعاقل أن يتعبَّد بالحَقِّ لله من أجل التَّقَرُّب إلى غيره؟! هذا خلاف العَقْل، فإذا قام الإنسان يصلي من أجل أن يراه النَّاس فهو سفيهٌ في عَقْله، ضالٌّ في دينه. ولكن: كيف تجعل الحَقَّ الخالص لله تَجْعَلُه للنَّاسِ؟ الجواب: نعم، العمل الذي للنَّاس للنَّاس، لكن العمل الذي لله يجب أن يكون لله؛ ولهذا قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ﴾ وَحْدَهُ ﴿لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ فلا يجوز أن نجعله لغيره.

стр. 25

ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ إلخ، الواو هنا للاستئناف، ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأٌ و ﴿اتَّخَذُوا﴾ صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: (يقولون ما نعبدهم) أو: (قالوا: ما نعبدهم). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: اتَّخذوا بمعنى صيَّروا، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] يعني: صيَّره؛ وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]؛ أي: صيَّر إلَهَه هواه. فإذا كانت ﴿اتَّخَذَ﴾ بمعنى صيَّر فإنَّها تحتاج إلى مفعولين: (مُصَيَّر ومُصَيَّر إليه) فالمفعول الأول؛ يقول المُفَسِّر ﵀: [الأَصْنام ﴿أَوْلِيَاءَ﴾]؛ وعليه فيكون المفعول الأولُ محذوفًا، والثاني: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، وحَذْفُ المفعول إذا دلَّ عليه الدَّليل جائزٌ. قال ابن مالك ﵀ في باب المبتدأ والخبر: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زيدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا (١) (حَذْفُ ما يُعْلَم جائِزٌ) الواقع أن هذا البيت في المبتدأ والخبر، لكن هو عامٌّ، فحَذْف ما يُعلَم جائِزٌ، وقد يكون من الفصاحَة والبلاغَة أن يُحْذَف، إنما الأصل أن ما يُعْلَم يجوز حَذْفُه، وما لا يُعْلَم لا يجوز حذفه، لأنَّ الكلام لا بد أن يكون مُبَيِّنًا لمراد المُتَكَلِّم، وهذا لا يكون مع حَذْفِ ما لا يُعْلَم. إِذَنِ: المفعولُ الأول محذوف، والتقدير: الأصنام، والثاني موجود، وهو قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ جَمْع ولِيٍّ؛ أي: يتولَّونَها ولاية عبادَةٍ يتضرَّعون إليها، يسجدون

стр. 26

لها، يَنْذِرون لها، يتصدَّقون لها، لكن لا يعتقدون أنَّ هذه الأصنام تَنْفَعُهم أو تضرُّهُم بذاتها ولا أنها تَخْلُق ولا أنها ترزق، لكن يَدَّعُون أنَّهم اتَّخَذوها وسيلة. ولهذا يقول ﵀: [﴿أَوْلِيَاءَ﴾ وهم كفَّارُ مكَّة] وتخصيص هذا بكُفَّار مكة فيه قصور، ولا ينبغي أن نفسِّر العامَّ بما هو أخَصُّ إلا على سبيل التَّمْثيل، أما على سبيل تَحْديدِ المعنى بحيث يأتي اللَّفْظ في القرآن عامًّا ثم نُفَسِّره بمعنًى أخصَّ، فإن هذا قصورٌ في الحقيقة، لكن: نَعَم، إن أراد الإنسانُ بهذا التَّفسيرِ التمثيلَ؛ يعني مِثْل كفَّار مكَّة فهذا لا بأس به، لكِنَّ القارِئَ الذي يقرأ مثل هذه العبارة من كلام المُفَسِّر لا يشُكُّ أنَّ المُفَسِّر أراد بهذا التَّخصيصَ، وفي هذا نظرٌ ظاهِرٌ، فالواجب إبقاءُ دَلالة عموم الآيات وكذلك الأحاديث على ما هي عليه، حتى يقومَ دليلٌ عقليٌّ أو قرينة لفظيَّة على أنَّ المراد الخاصُّ. فائِدَة: قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ الأَحْسَنُ الوقوف عليها في القراءَةِ. يقول ﵀: [وهم كفَّار مكَّة قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾]، [قالوا] هذه الجملة محذوفة لأنَّها معلومةٌ من السِّياق، ويصِحُّ أن نُقَدِّرَ: يقولون: ما نعبدهم، ولعلَّها أنسَبُ من قول المُفَسِّر: [قالوا]: يعني حكايةً للحالِ التي هم عليها، وعلى كلًّ فالجُمْلَة المحذوفة هي خبر المبتدأ، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ ولا يجوز أن نجعل جملة: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ هي الخبر لفساد المعنى قال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ هذا حصر لمرادهم من عبادة هذه الأصنام؛ يعني ما نَعْبُدُهم إلا لهذا الغَرَضِ ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وهذا إقرارٌ منهم واعترافٌ بأنَّهم يعبدون الأصنام؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ وأن هذه العبادَةَ هي وسيلَةٌ لغايَةٍ أشْرَفَ منها، وهي: القُرْبَى لله . وهذا من جهلهم؛ لأنَّهم الآن إذا عبَدوهم جعلوها غايةً؛ لأنَّ المقصود هو

стр. 27

الوصول إلى الله ، والوصولُ إلى الله لا يكون إلا بعبادَتِه، فهم إذا عبدوهم جَعَلوهم هُمُ الغايَةَ، ولهذا سنُبيِّنُ إن شاء الله أنَّ هذا من سَفَهِهِم. وقوله ﵀: [﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ قُرْبَى، مَصْدَرٌ بمعنى تقريبًا] ﴿زُلْفَى﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: إنَّها [مصدر] لكنها مصدرٌ مَعْنَوِيٌّ لموافَقَتِه العامِلَ في المعنى دون اللَّفْظ، فالمصدَرُ قد يكون لفظيًّا وقد يكون معنويًّا؛ فإن وافق عامِلَه في اللَّفْظ فإنَّه لَفْظيٌّ؛ مثل: قمْتُ قيامًا، وإن خالفه في اللَّفْظِ دون المعنى صار معنويًّا؛ كقولك: قُمْتُ وقوفًا، وأمَّا قولُك: قَعَدْتُ قُعودًا؛ فلَفْظيٌّ، وقولك: (قعَدْتُ جُلوسًا) معنوي. يقول: تقرَّبوا إلى الله زُلْفى، يقول: إنَّه بمعنى قُرْبى، وقُرْبَى أيضًا يراد بها التَّقْريب، وإنَّما قال المُفَسِّر ﵀: إنَّه يُرادُ بها التَّقْريبُ؛ من أجل أن يُطابِقَ الفِعْلَ، فالفعل (قَرَّبَ) مضارِعُه (يُقَرِّب) المصدر المطابِق: (تقريبًا) لا قُرْبًا، ولكن من المعلوم أنه قد يوافِقُ المصدَرُ عامِلَه في اللَّفْظ، ولكنه لا يطابقه في الحروف، ومثل هذا يُسَمَّى عندهم اسمَ مَصْدر؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، فلو كان مصدرًا لقال: إنباتًا، فلما قال: ﴿نَبَاتًا﴾ ونَقَصَت حروفُه عن حروف فِعْلِه سُمِّيَ اسْمَ مَصْدَرٍ. المُهِمُّ أنَّهم يقولون: نحن لا نعبد هذه الأصنام إلا من أجل أن تُقَرِّبَنا إلى الله تعالى قُرْبَى. وحالُ بَعْضِ النَّاس عند القبور كحالِ هؤلاء؛ فهناك ناسٌ يطوفون بالقبور يَنْذِرون لها، يَسْجُدون لها، يقولون: هؤلاء أولياءُ يُقَرِّبوننا إلى الله! وهؤلاء الآن لهم وجود في العالَم الإسلامي.

стр. 28

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الجملة اسْتِئْنافِيَّة لبيانِ مآلِ هؤلاء الذين اتَّخَذوا الأصنامَ أولياءَ؛ يعني: فماذا تكون نهايَتُهم؟ يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [وبين المسلمين] فأشار إلى أنَّ الطَّرَف الآخَرَ من البَيْنونة، أو من البَيْنِيَّة على الأَصَحِّ محذوف؛ وبين المسلمين، وهذا التَّقدير ليس في السِّياق ما يدلُّ عليه، لو قال: بينكم، لكان صحيحًا، أنَّ المراد بينكم وبينهم، لكن هو قال: ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين هؤلاء الكُفَّار ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وكأنَّ المُفَسِّر ﵀ ظنَّ أنه لا اختلاف بين الكُفَّار، وليس كذلك، بل الخلاف بينهم حاصِلٌ في الدنيا وفي الآخرة، قال الله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨] إلى آخر الآيات؛ محاوَرَة، منازَعَة، مخاصَمَة؛ فيحكم الله بينهم، وقد ذكر الله ذلك في عِدَّةِ آيات. فالصَّواب: أنَّ الضميرَ بينهم؛ أي: يعود على الكُفَّار، وأنَّ الخِلافَ أو الاختلاف حاصلٌ بينهم أنْفُسِهم، فالنَّصارى واليهود بينهم خلاف: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]. وهذا الخلاف ثابتٌ بين الأُمَم الكافِرَة؛ فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون من أمر الدِّينِ، فيُدْخِل المؤمنين الجنَّة والكافرين النَّارَ، هذا بناءً على ما ذهب إليه المُفَسِّر، ولكِنْ على القول الذي هو ظاهِرُ الآيَةِ الكريمَةِ: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيجعل كلَّ إنسان في منزلته، وقد بيَّن الله ذلك في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٣]

стр. 29

لما ذكر المحاورة بين المُسْتَضْعَفينَ والمُسْتَكْبرينَ. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ هذه الجملة مُؤَكَّدَة بـ (إنَّ). وقوله: ﴿لَا يَهْدِي﴾ المراد بذلك: هدايةُ التَّوْفيق، وأما هدايَةُ الدلالة فإنها حُجَّةُ الله على خَلْقِه، لا بدَّ أن تنالَ كلَّ أحد؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]؛ (هديناهم) هداية دَلالة. إذن: إنَّ الله لا يَهدي هدايةَ توفيقٍ، لا هداية دَلالة؛ بل هداية الدلالة ثابِتَةٌ لكُلِّ أحَدٍ. قوله تعالى: ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾: ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي الذي هو ﴿كَاذِبٌ﴾. قال المُفَسِّر ﵀: [في نِسْبَةِ الوَلَدِ إليه]، والذين نسبوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمُشْرِكون؛ ثلاثة: أما اليهود فقالت: عُزَيرٌ ابْنُ الله، وأما النصارى فقالوا: المسيحُ ابنُ الله، وأما المشركون فقالوا: الملائِكَةُ بناتُ الله والآية كما يُشاهَد: ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامَّة، لكن كأنَّ المُفَسِّر خصَّصها بنِسْبَة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤]؛ وإلا فلو نظرنا إلى الآية: ﴿كَاذِبٌ﴾ لكانت مُطْلَقَة لم تقيَّد بنِسْبَة الوَلَدِ إلى الله ، لكن المُفَسِّر قيَّدَها باعتبار أو بِقَرينَة السِّياق: ﴿كَفَّارٌ﴾، ﴿كَفَّارٌ﴾ هذه يُحتَمَل أن تكون صيغة مبالغَة، ويحتمل أن تكون للنِّسْبة فإن كانت للنِّسبة صارت صفةً لازِمَة؛ كما نقول: نجَّار وحدَّاد وخشَّاب وبنَّاء، وما أشبه ذلك، وإن كانت صيغة مبالغة لم تكن صفةً لازِمَة لكنها تدل على الكَثْرة.

стр. 30

وعلى كلِّ حال: فسواء كانت للمبالَغَة أو للنِّسْبَة فالمراد بها: الكَفُور بالله . وقال المُفَسِّر ﵀: [بعبادَتِه غَيْرَ الله] ولا شكَّ أن هذا كُفْر؛ عبادَةُ غَيْرِ الله، وتخصيصُ الكفر هنا بعبادة غير الله يؤيِّدُه السِّياق، وهو قوله فيما سبق: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الله لا يقبل إلا دينًا خالصًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أمأ ما سواه فليس لله حتى وإن أشْرَكْتَ به مع الله؛ لأنَّ الدين لله هو الخالِصُ النَّقِيُّ من شوائب الشِّرْك. فإن قال قائل: إذا كان العمَلُ خالصًا في أوَّلِه مُشْرَكًا فيه في آخره، فهل يَبْطُل العَمَلُ كلُّه، أو يَبْطُل ما فيه الشِّرْكُ؟ فالجواب: في هذا تفصيلٌ؛ إذا كانت العبادة التي وقع الشِّرْك في أثنائها ينبني بعضُها على بعض فإنَّها تَبْطُل؛ مثل الصَّلاة؛ فرَجُلٌ أَحْرَم بالصلاة مُخْلِصًا لله وفي أثنائها سَمِعَ حوله أحدًا فراءى في ذلك في صلاتِهِ في أثناء العبادَةِ، فنقول: الصلاة تَبْطُلُ كُلُّها؛ لأنَّ أَوَّلَها وآخِرَها مبنيٌّ بَعْضُه على بعضٍ. أما إذا كانت لا ينبني بَعْضُها على بعضٍ فإنَّ ما كان خالصًا يَصِحُّ، وما كان مَشُوبًا لا يَصِحُّ؛ فمثل رجل كان يتصدَّقُ، عنده ألف ريال، فكلما جاء فقيرٌ أعطاه منها؛ أنفق خَمْسَ مئة ريال خالصة لله، وفي أثناء الإنفاق حضَرَ أناسٌ فراءاهم، فهل تَبْطُلُ الصَّدَقة الأولى التي بها الإخلاصُ؟

стр. 31

الجواب: لا، لأنَّ بَعْضَها لا ينبني على بعضٍ، فكُلُّ ريال مُنْفَصِل عن الذي قبله؛ وهذه مسألة مُهِمَّة. أما المسألة الثانية: فأحيانًا يهاجِمُ الرِّياءُ القَلْبَ، ويدافعه الإنسانُ، فهل يؤثِّر هذا على إخلاصِهِ؟ الجواب: لا، لا يؤثِّرُ ما دام يدافِعُه ويُعْرِضُ عنه؛ لأنَّه الآن في جهادٍ لعَدُوِّه، والشيطان دائمًا يأتي الإنسانَ من كل وَجْه، قال الله تعالى عنه في سورة الأعراف: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] يعني: في كل مكانٍ، فيأتي الإنسانَ يُثَبِّطُه عن العبادة، يُثَبِّطُه عن طلب العلم، يثبِّطه عن صلة الرَّحِم، عن بِرِّ الوالدَينِ، وما أشبه ذلك مما أوجب الله عليه، فإذا رأى منه تَصْميمًا عَلى القيام بالعبادة أتاه من جهةٍ أخرى، وهو: الغُلُوُّ في العبادة، والزيادَةُ فيها، والتَّنَطُّع والتكَلُّف، فإذا عَجَز عنه من هذه الناحية أتاه من جهة النِّيَّة؛ أنك مُراءٍ، ولكنَّ الإنسان يجب عليه أن يدافِعَ الشيطان بقدر ما يستطيع مُسْتَعينًا بالله . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: غِنى الله غنى الله الغنى التَّام. ووجه ذلك: أنَّه إذا كان الله لا يَقْبَلُ إلا ما كان خالصًا دلَّ على غناه عن عمل العباد لأنَّه - وحاشاه من ذلك - لو كان فقيرًا مُحتاجًا لذلك لاكتفى بما يأتيه منهم ولو على سبيل المشارَكَة، كالإنسان المُحتاجِ يقبل منك ما كان خاصًّا له وما كان مُشْتَرَكًا، فلما كان الله لا يقبل إلا ما كان خالِصًا عُلِمَ بهذا غناه عن العباد، وإلى هذا يشير قوله تعالى في الحديث القدسي: "أَنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ" (١).

стр. 32

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن عابدي الأصنامِ قد تولَّوُا الأَصنامَ واتَّخَذوها أولياءَ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن عباد الأَصْنام يُمَوِّهون على النَّاس، يقولون: نحن ما نعبُدُهم إلا لغايةٍ، وهي أن يُقَرِّبونا إلى الله زُلْفى. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يمكن أن نُعَدِّي هذا الحُكْم إلى جميع أهل الباطِلِ، فهم يدَّعُونَ أنهم يُحْسِنون صُنعًا وهم كَذَبَة. ولْنَضْرِبْ لهذا مثلًا بأهْلِ التَّعْطيلِ: أهلُ التَّعْطيلِ يدَّعون أنهم بتَعْطيلِهِم هذا مُنَزِّهون لله، وأنَّ قَصْدَهم تنزيه الله عن النَّقص وعن مشابَهَة المخلوقين، وهم كاذبون في هذا؛ لأنَّهُم إذا عطَّلوه عن كمالِ صِفاتِهِ فهو ضِدُّ التَّنْزيل، وهؤلاء يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ والحقيقة: أنَّ هذه العبادةَ تُبْعِدُهُم من الله مسافاتٍ كثيرةً. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إقرارُ المشركين بأنَّهُم يَعْبُدون أصنامهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ فإنَّهم يصرِّحون بأنَّهُم يَعْبُدونهم، لكن لا يقولون: نعبدهم لنَتَقَرَّب إليهم، بل: ﴿لِيُقَرِّبُونَا﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ المشركينَ في عَهْدِ الرَّسول ﷺ يُقِرُّون بوجود الله، وأنه أعْظَمُ من كل عظيم؛ لقولهم: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ فهم مُعْتَرِفون بالله وأنه أعظم من أصنامهم؛ ولهذا جعلوها وسيلةً له أو للتَّقرُّب إليه. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنه سيكون بين هؤلاء المشركينَ وبين أوليائِهِم، سيكون نزاعٌ وخُصُومَة يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ الحُكْم لله وحده في ذلك اليوم - أعني يوم القيامة - وأنَّ المَرْجِعَ إليه.

стр. 33

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ من كان كاذبًا كفَّارًا فإنَّ الله لا يوافِقُه؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّحْذيرُ من الكَذِبِ وخصال الكُفْر، وأنَّ الكَذِب سببٌ لِمَنْع الهداية وذلك - وهذه القاعدة التي يمكن أن نُطَبِّق عليها هذه الفائِدَة - لأنَّ الحكم إذا عُلِّق بوصف وُجد بوجوده وانتفى بانتفائِهِ، ويدلُّ لهذا أنَّ النَّبِي ﷺ قال: "إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ" (١). الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الصِّدْق سببٌ للهِدايَة؛ وجهه: أنَّه إذا كان الكَذِب سببًا للغِوَاية فضِدُّه سببٌ لضِدِّه، يكون الصِّدْق سببًا للهداية. ويتفرَّع على هذه الفائِدَة: التَّرغيب في الصِّدْق، ولكن الصِّدْق مع الله، ومع رسول الله، ومع عباد الله؛ فالصِّدْقُ مع الله بالإخلاص له، ومع الرَّسول باتِّباعه، ومع عباد الله بحُسْن المعاملة، فعليك بالصِّدْقِ: "فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، والْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا"، جَعَلَنَا اللهُ وإيَّاكم منهم. يقول بعض السُّفَهاء: الكَذِب منجاةٌ؛ ويقول بعض الباعَة: الكَذِبُ مساميرُ السِّلَع؛ ونقول: الكذب مَهْلَكَة، والصِّدْق منجاة. وبالنسبة للسِّلَع فالذين يبيعون ويشترون ويقولون: اكْذِبْ لأجل تُحْكِم السِّلْعة مثلَ المساميرِ للأبوابِ؛ ماذا نقول لهم؟ نقول: بلِ اصْدُقُوا؛ فإن هذا هو المساميرُ، في

стр. 34

الحقيقة؛ لأنَّ هذا هو الذي يُثْبِت البَرَكة، لكن الكَذِب مَنْفَقَةٌ للسِّلعة مَمْحَقَةٌ للكَسْب. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الكفر سببٌ للغواية؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، ويؤيِّد هذا قولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التَّحْذير من خِصالِ الكُفْر؛ لأنَّ الحُكْمَ إذا عُلِّق بِوَصْف ثبت بوجوده وانتفى بانتفائِهِ، خصالُ الكُفْر التي لا تؤدي إلى الكُفْر المُطْلَق قد تكون سببًا والعياذ بالله للغِواية، مثل: الطَّعْن في النَّسَب، النياحة على الميِّت، قتل المعصوم المُسْلِم؛ لقوله ﵊: "سِبَابُ المُؤْمِنِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" (١).

стр. 35

الآية (٤) * قَالَ اللهُ : ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]. قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما قالوا: اتَّخَذ الرَّحْمن ولدًا ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. ﴿لَوْ﴾ هذه شَرْطِيَّة؛ الشَّرْط الذي فيها: ﴿أَرَادَ﴾ وجوابُهُ: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ واعلم أنَّ (لو) الشَّرْطِيَّة إذا كان جواب الشَّرْط فيها مُثْبتًا فالأكثر اقترانه باللام (لَوْ أراد الله لَاصْطَفَى)، وقد يأتي غيرَ مُقْتَرِنٍ باللام كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]؛ أما إذا كان منفيًّا - وهو كثير الأمثلة في هذا - فإنه قد يَقْتَرِن باللام كقول الشاعر: وَلَوْ نُعْطَى الخِيَارَ لمَا افْتَرَقْنَا ... وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي (١) ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾: أراد إرادةً كَوْنِيَّة، فتكون بمعنى المشيئَة يعني: لو شاء الله أن يتَّخِذَ ولدًا، يعني أن يجعل لنفسه ولدًا [كما قالوا: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾].

стр. 36

﴿لَاصْطَفَى﴾: اصطفى من الصَّفْوَة، وهو خيار الشّيء، فيكون معنى اصطفى اختار. ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾: أي: من الذي يَخْلُق ما يشاء، و (ما) هنا مفعولُ اصطفى أي: لاصطفى ما يشاء ممَّا يَخْلُقُه؛ وقوله: ﴿مِمَّا﴾ هذه اسْمٌ مَوْصُول، والعائِدُ مَحْذوف، والتَّقْدير: مما يَخْلُقُه، وعبَّرَ بـ (ما) دون (مَن) مع أنَّهُم قالوا: الملائِكَة بناتُ الله، وعزيرٌ ابْنُ الله، المسيحُ ابنُ الله، فعبَّرَ بـ (ما)؛ لأنَّها أعَمُّ مِن (مَن)؛ هذا من وَجْه. من وجهٍ آخر: أنَّه إذا أُريدَ ملاحَظَة الصِّفَة، فإنه يعبَّر بـ (ما) عن (مَن) وهنا يراد ملاحَظَة الصِّفَة وهي: العبادة وانظروا إلى مثالٍ يتَّضِحُ به ما قلنا؛ قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ولم يَقُلْ: (مَن)، لأنَّه ليس المقصود عَيْنَ المرأة إنما المقصود الوصف؛ ولهذا يعبَّر بـ (ما) عن (مَن). ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي: من مخلوقاته ذاتِ الإرادَةِ والشُّعور كعُزَيْرٍ والمسيحِ والملائِكَةِ وغيرهم كالجمادات من الأصنام المنْحُوتة وغيرها؛ ما شاء، واتَّخَذه ولدًا قوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ نقول: في ﴿مَا يَشَاءُ﴾ كما قلنا: في ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ واتَّخَذه ولدًا [غيْرَ من قالوا مِن الملائِكَة بنات الله، وعُزَيْر ابن الله، والمسيحُ ابن الله] يعني: الله لو أراد أن يتَّخِذَ ولدًا ما منعه أحَدٌ؛ ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ مما قالوه أو غيره، فهو له المُلْك الكامل، ولكنه لا يتَّخِذُ ولدًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]؛ يعني: مستحيلٌ غايَةَ الاسْتِحالَة أن يتَّخِذَ ولدًا. ولهذا قال ﵀ هنا: [﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا له عن اتخاذِ الولد، ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ لخَلْقِه] ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تَنْزيهًا له، و ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هذه اسمُ مَصْدَر، مِن سبَّح، والمصدَرُ تَسْبيح، واعلم أن (سبحان) ملازِمَةٌ للإضافة دائمًا،

стр. 37

ولكن ربما تأتي نادرًا أو شذوذًا بغير إضافَةٍ، وربما تَقْتَرِن بـ (أل) فيقال: السُّبْحان، ولكن الأَصْل: أنَّها ملازِمَةٌ للإضافة، وأنها منصوبة على المفعولية المُطْلَقة، وعاملها يكون محذوفًا دائمًا، والمراد: تَنْزيهًا له. وقول المُفَسِّر ﵀: [عن اتِّخاذ الولد] إنما خصَّه باتخاذ الولد؛ لأنَّ السِّياق في ذلك، وإلا فإنه مُنَزَّه عن اتِّخاذ الولد وعن كل عَيْبٍ ونَقْص. فإذا قال قائل: هل في اتِّخاذ الوَلَدِ من عَيْبٍ؟ فالجواب: نعم، فيه عَيْبٌ؛ لأمور: أولًا: لأنَّه يدلُّ على احتياجِ الوالِدِ للوَلَدِ، ولهذا تَجِدُ الإنسان إذا لم يَأْتِهِ الولد يرى أنه ناقِصٌ، ويتمنَّى كلَّ الأمنية أن يأتيه وَلَد يساعده على شُؤُون الحياة ويُبْقي ذِكْرَه بعد موته؛ فاتخاذُ الوَلَدِ نَقْص؛ ولهذا نزَّه الله نفسَه عنه. ثانيًا: الولد إنما يأتي من أجل بقاءِ النَّوْع الذي تَوَلَّدَ منه، والله غير محتاجٍ لذلك؛ لأنَّه هو الواحِدُ الباقي . ثالثًا: أنَّ الوَلَدَ يكون مماثلًا لأبيه ولا نَسْمَعُ وما سمعنا أنَّ بَشَرًا جاءه تَيْسٌ، أليس كذلك؟ وإنما يأتيه ولدٌ مِثْلُه، فلو فُرِضَ أنَّ الله اتَّخَذ ولدًا لكان الولد مثلَ الله ، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن أن يُماثِلَه أَحَدٌ. إذن: ففي هذه الوجوه الثلاثة يتبيَّن أنَّ الولد مُمْتَنِع عن الله غايَةَ الامتناعِ. ثم إنَّ الله ذكر مانعًا رابعًا: وهو أنه ليس له زَوْجَة فقال تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] فبيَّن أنه ليس له زوجة، فكيف يأتي الوَلَدُ؟! وإنما جاء الولد من آدم مثلًا؛ لأنَّه آيةٌ مُعْجِزَة.

стр. 38

ثم قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ ولو كان له ولَدٌ لشاركه في الأُلوهِيَّة، والأُلوهِيَّة ليست إلا له الواحِد؛ ولو كان له ولد لكان اثنين؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكون الوَلَدُ مماثِلًا لوالِدِه، والله واحِدٌ لا ثانِيَ له . ﴿الْقَهَّارُ﴾ القهَّار صيغَةُ مبالَغَة، وصيغة نِسْبَة؛ أي: إنَّه ذو القَهْر الدَّائم المتكَرِّر، فكم من ذي جبروتٍ قَهَرَهُ الله ، ما أكثر الرجالَ والأُممَ ذوات الجبروت التي قهرها الله ! من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بيان كمال سُلطانِ الله وأنَّه لو أراد شيئًا لم يَمْتَنع عليه؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. ومن وجه آخر: أنَّ فيه ردًّا لاقتراحهم أو دعواهم بأنَّ الملائِكَة بنات الله أو المسيحَ أو عُزَيْرًا، فيقول: لو أراد الله أن يتَّخِذَ ولدًا لاصطفى ما يشاء دون أن يتَّخِذ ما ادَّعَوْه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات إرادة الله ؛ لقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾ وإرادة الله في فِعْله متَّفَقٌ عليها، لا نظُنُّ أنَّ أحدًا يخالف في أنَّ الله تعالى يريد فِعْله، ولكن هل تتعدَّى إلى فعل المخلوقِ أو لا؟ في هذا خلافٌ بين أهل السُّنَّة وأهل البِدْعة، فمنهم من قال: إنَّها تتعدَّى إلى فعل المخلوق وغالى في ذلك، وقال: إنَّ المخلوقَ ليس له إرادةٌ، وهذا قول الجَهْمِيَّة الجَبْرِيَّة. ومنهم مَن قال: إنَّها تتعدَّى إلى فِعل المخلوق، لكنْ لا على سبيل الجَبْر، وهذا

стр. 39

مذهبُ أهل السُّنَّة والجماعَة. ومنهم مَن قال: إنَّها لا تتعدَّى إلى فعل المخلوق وأنَّ المخلوق مستقِلٌّ بفعله ولا إرادة لله تعالى فيه. وهذا مذهب القَدَرِيَّة مَجوسِ هذه الأُمَّة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الأفعال الاختياريَّة لله ؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والأفعال الاختياريَّة لله ثابتة بالسَّمْع والعَقْل؛ أما السَّمْع فما أكثرَ الأفعالَ التي يُضيفُها الله إلى نفسه! وأما العَقْل فلأنَّ الفاعِلَ بالاختيار أكْمَل ممن لا يفعل. وذهبت الأشاعِرَة وغيرهم من المُعَطِّلَة إلى أنَّ الأفعال الاختياريَّة لا تقوم بالله بحُجَّة أنَّ الفعل الحادِثَ يستلزِمُ حدوث الفاعل؛ ولا شك أن هذا قولٌ باطلٌ يستلزم لوازِمَ باطِلَة؛ منها: أنَّ الله غيرُ قادر على الفعل، وهذا تنَقُّص لله وتكذيبٌ لأخباره الكثيرة التي لا تُحصَر في إثبات الفعل له. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات المشيئة لله ؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والمشيئة نقول فيها كما قلنا في الإرادة، من حيث تعلُّقُها فهي تتعلَّق بأفعال الله، وهل تتعلق بأفعالِ المخلوقِ؟ على الخلاف السابق الذي شرحناه في الإرادة. لكن هنا أمرٌ يَجِبُ التنَبُّه له، وهو: أنَّ الإرادَةَ تَنْقَسِم إلى قسمين: إرادة شَرْعِيَّة، وإرادة كَوْنِيَّة؛ أما المشيئة فهي قِسْم واحد فقط. فالإرادة الكَوْنِيَّة: تُرادِفُ المشيئة فهي بمعناها، فإذا قلتَ: (ما أرادَ الله كان) فهو بمعنى: ما شاء الله كان. أما الإرادة الشَّرْعيَّة: فإنها تُرادِفُ المَحَبَّة؛ أي إنها تتعلَّق بما يحبه الله ، فتقول: (إن الله يريد منا أن نَشْكُره).

стр. 40

والفَرْقُ بين الإرادة الشَّرْعيَّة والكَوْنِيَّة من وجهين: الوجه الأول: أنَّ الإرادَة الكَوْنِيَّة شامِلَة لما يحبُّه الله وما لا يحبُّه؛ فهو يريد الإيمان ويريد الكُفر، ويريد الطَّاعة ويريد الفِسْق، بالإرادة الكَوْنِيَّة؛ أما الإرادة الشَّرْعيَّة فإنها لا تتعلَّق إلا بما يحبه فقط، فلا يمكن أن تقول: إنَّ الله يُريدُ الفِسْقَ؛ أي: يحبُّه، هذا مستحيلٌ. الوجه الثاني: الإرادة الكَوْنِيَّة لا بد فيها من وقوع المرادِ، يعني إذا أراد شيئًا كونًا لا بُدَّ أن يقع، والإرادة الشَّرْعيَّة قد يقع وقد لا يقع، فيريد منَّا الإيمانَ والطَّاعة، فقد تُوجَد وقد لا تُوجَد. وهذا هو الفرق بينهما، وبهذا تَنْحَلُّ إشكالاتٌ أوردها القَدَرِيَّة على أهل السُّنَّة، فقالوا لهم: إذا أثبَتُّم تعلُّقَ إرادة الله بكل شيء حتى في المعاصي لزمكم أنَّ الله يريد الشَّرَّ، فيكون الله - على تقدير قولهم -: شِرِّيرًا! نسأل الله العافِيَة! ونقول: أما الإرادة الشَّرْعيَّة فإن الله لا يمكن أن يريد الشَّرَّ أبدًا، وأما الإرادة الكَوْنِيَّة فإنه يريد ما شاء، لكنَّ إرادته كونًا للشَّرِّ لها حكمة بالغةٌ كثيرة معروفة. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تنزيهُ الله عن كلِّ ما وصفه به الكافرون الجاحدون؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات ثلاثة أسماء من أسماء الله: (الله، والواحد، والقهَّار)، وكل اسمٍ يُثْبِتُه الله لنفسه فإنه يتضمَّن الصِّفَة التي اشْتُقَّ منها؛ فـ ﴿الله﴾ مُشْتَق من الأُلوهِيَّة ففيه إثباتُ الأُلوهِيَّة صفةً من صفاتِهِ، ﴿الْوَاحِدُ﴾: من الوحدانِيَّة، ففيه إثبات الوحدانِيَّة لله ، ﴿الْقَهَّارُ﴾: من القهر، ففيه إثباتُ القهر لله ، وأنه القهَّار الغلَّاب الغالِب لكلِّ شيءٍ.
следующие страницы →