﴿لَاصْطَفَى﴾: اصطفى من الصَّفْوَة، وهو خيار الشّيء، فيكون معنى اصطفى اختار.
﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾: أي: من الذي يَخْلُق ما يشاء، و (ما) هنا مفعولُ اصطفى أي: لاصطفى ما يشاء ممَّا يَخْلُقُه؛ وقوله: ﴿مِمَّا﴾ هذه اسْمٌ مَوْصُول، والعائِدُ مَحْذوف، والتَّقْدير: مما يَخْلُقُه، وعبَّرَ بـ (ما) دون (مَن) مع أنَّهُم قالوا: الملائِكَة بناتُ الله، وعزيرٌ ابْنُ الله، المسيحُ ابنُ الله، فعبَّرَ بـ (ما)؛ لأنَّها أعَمُّ مِن (مَن)؛ هذا من وَجْه.
من وجهٍ آخر: أنَّه إذا أُريدَ ملاحَظَة الصِّفَة، فإنه يعبَّر بـ (ما) عن (مَن) وهنا يراد ملاحَظَة الصِّفَة وهي: العبادة وانظروا إلى مثالٍ يتَّضِحُ به ما قلنا؛ قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ولم يَقُلْ: (مَن)، لأنَّه ليس المقصود عَيْنَ المرأة إنما المقصود الوصف؛ ولهذا يعبَّر بـ (ما) عن (مَن).
﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي: من مخلوقاته ذاتِ الإرادَةِ والشُّعور كعُزَيْرٍ والمسيحِ والملائِكَةِ وغيرهم كالجمادات من الأصنام المنْحُوتة وغيرها؛ ما شاء، واتَّخَذه ولدًا قوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ نقول: في ﴿مَا يَشَاءُ﴾ كما قلنا: في ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ واتَّخَذه ولدًا [غيْرَ من قالوا مِن الملائِكَة بنات الله، وعُزَيْر ابن الله، والمسيحُ ابن الله] يعني: الله لو أراد أن يتَّخِذَ ولدًا ما منعه أحَدٌ؛ ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ مما قالوه أو غيره، فهو له المُلْك الكامل، ولكنه لا يتَّخِذُ ولدًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]؛ يعني: مستحيلٌ غايَةَ الاسْتِحالَة أن يتَّخِذَ ولدًا.
ولهذا قال ﵀ هنا: [﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا له عن اتخاذِ الولد، ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ لخَلْقِه] ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تَنْزيهًا له، و ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هذه اسمُ مَصْدَر، مِن سبَّح، والمصدَرُ تَسْبيح، واعلم أن (سبحان) ملازِمَةٌ للإضافة دائمًا،
стр. 37
ولكن ربما تأتي نادرًا أو شذوذًا بغير إضافَةٍ، وربما تَقْتَرِن بـ (أل) فيقال: السُّبْحان، ولكن الأَصْل: أنَّها ملازِمَةٌ للإضافة، وأنها منصوبة على المفعولية المُطْلَقة، وعاملها يكون محذوفًا دائمًا، والمراد: تَنْزيهًا له.
وقول المُفَسِّر ﵀: [عن اتِّخاذ الولد] إنما خصَّه باتخاذ الولد؛ لأنَّ السِّياق في ذلك، وإلا فإنه مُنَزَّه عن اتِّخاذ الولد وعن كل عَيْبٍ ونَقْص.
فإذا قال قائل: هل في اتِّخاذ الوَلَدِ من عَيْبٍ؟
فالجواب: نعم، فيه عَيْبٌ؛ لأمور:
أولًا: لأنَّه يدلُّ على احتياجِ الوالِدِ للوَلَدِ، ولهذا تَجِدُ الإنسان إذا لم يَأْتِهِ الولد يرى أنه ناقِصٌ، ويتمنَّى كلَّ الأمنية أن يأتيه وَلَد يساعده على شُؤُون الحياة ويُبْقي ذِكْرَه بعد موته؛ فاتخاذُ الوَلَدِ نَقْص؛ ولهذا نزَّه الله نفسَه عنه.
ثانيًا: الولد إنما يأتي من أجل بقاءِ النَّوْع الذي تَوَلَّدَ منه، والله غير محتاجٍ لذلك؛ لأنَّه هو الواحِدُ الباقي .
ثالثًا: أنَّ الوَلَدَ يكون مماثلًا لأبيه ولا نَسْمَعُ وما سمعنا أنَّ بَشَرًا جاءه تَيْسٌ، أليس كذلك؟ وإنما يأتيه ولدٌ مِثْلُه، فلو فُرِضَ أنَّ الله اتَّخَذ ولدًا لكان الولد مثلَ الله ، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن أن يُماثِلَه أَحَدٌ.
إذن: ففي هذه الوجوه الثلاثة يتبيَّن أنَّ الولد مُمْتَنِع عن الله غايَةَ الامتناعِ.
ثم إنَّ الله ذكر مانعًا رابعًا: وهو أنه ليس له زَوْجَة فقال تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] فبيَّن أنه ليس له زوجة، فكيف يأتي الوَلَدُ؟! وإنما جاء الولد من آدم مثلًا؛ لأنَّه آيةٌ مُعْجِزَة.
стр. 38
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ ولو كان له ولَدٌ لشاركه في الأُلوهِيَّة، والأُلوهِيَّة ليست إلا له الواحِد؛ ولو كان له ولد لكان اثنين؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكون الوَلَدُ مماثِلًا لوالِدِه، والله واحِدٌ لا ثانِيَ له .
﴿الْقَهَّارُ﴾ القهَّار صيغَةُ مبالَغَة، وصيغة نِسْبَة؛ أي: إنَّه ذو القَهْر الدَّائم المتكَرِّر، فكم من ذي جبروتٍ قَهَرَهُ الله ، ما أكثر الرجالَ والأُممَ ذوات الجبروت التي قهرها الله !
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيان كمال سُلطانِ الله وأنَّه لو أراد شيئًا لم يَمْتَنع عليه؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.
ومن وجه آخر: أنَّ فيه ردًّا لاقتراحهم أو دعواهم بأنَّ الملائِكَة بنات الله أو المسيحَ أو عُزَيْرًا، فيقول: لو أراد الله أن يتَّخِذَ ولدًا لاصطفى ما يشاء دون أن يتَّخِذ ما ادَّعَوْه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات إرادة الله ؛ لقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾ وإرادة الله في فِعْله متَّفَقٌ عليها، لا نظُنُّ أنَّ أحدًا يخالف في أنَّ الله تعالى يريد فِعْله، ولكن هل تتعدَّى إلى فعل المخلوقِ أو لا؟
في هذا خلافٌ بين أهل السُّنَّة وأهل البِدْعة، فمنهم من قال: إنَّها تتعدَّى إلى فعل المخلوق وغالى في ذلك، وقال: إنَّ المخلوقَ ليس له إرادةٌ، وهذا قول الجَهْمِيَّة الجَبْرِيَّة.
ومنهم مَن قال: إنَّها تتعدَّى إلى فِعل المخلوق، لكنْ لا على سبيل الجَبْر، وهذا
стр. 39
مذهبُ أهل السُّنَّة والجماعَة.
ومنهم مَن قال: إنَّها لا تتعدَّى إلى فعل المخلوق وأنَّ المخلوق مستقِلٌّ بفعله ولا إرادة لله تعالى فيه. وهذا مذهب القَدَرِيَّة مَجوسِ هذه الأُمَّة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الأفعال الاختياريَّة لله ؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والأفعال الاختياريَّة لله ثابتة بالسَّمْع والعَقْل؛ أما السَّمْع فما أكثرَ الأفعالَ التي يُضيفُها الله إلى نفسه! وأما العَقْل فلأنَّ الفاعِلَ بالاختيار أكْمَل ممن لا يفعل.
وذهبت الأشاعِرَة وغيرهم من المُعَطِّلَة إلى أنَّ الأفعال الاختياريَّة لا تقوم بالله بحُجَّة أنَّ الفعل الحادِثَ يستلزِمُ حدوث الفاعل؛ ولا شك أن هذا قولٌ باطلٌ يستلزم لوازِمَ باطِلَة؛ منها: أنَّ الله غيرُ قادر على الفعل، وهذا تنَقُّص لله وتكذيبٌ لأخباره الكثيرة التي لا تُحصَر في إثبات الفعل له.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات المشيئة لله ؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والمشيئة نقول فيها كما قلنا في الإرادة، من حيث تعلُّقُها فهي تتعلَّق بأفعال الله، وهل تتعلق بأفعالِ المخلوقِ؟ على الخلاف السابق الذي شرحناه في الإرادة.
لكن هنا أمرٌ يَجِبُ التنَبُّه له، وهو: أنَّ الإرادَةَ تَنْقَسِم إلى قسمين: إرادة شَرْعِيَّة، وإرادة كَوْنِيَّة؛ أما المشيئة فهي قِسْم واحد فقط.
فالإرادة الكَوْنِيَّة: تُرادِفُ المشيئة فهي بمعناها، فإذا قلتَ: (ما أرادَ الله كان) فهو بمعنى: ما شاء الله كان.
أما الإرادة الشَّرْعيَّة: فإنها تُرادِفُ المَحَبَّة؛ أي إنها تتعلَّق بما يحبه الله ، فتقول: (إن الله يريد منا أن نَشْكُره).
стр. 40
والفَرْقُ بين الإرادة الشَّرْعيَّة والكَوْنِيَّة من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الإرادَة الكَوْنِيَّة شامِلَة لما يحبُّه الله وما لا يحبُّه؛ فهو يريد الإيمان ويريد الكُفر، ويريد الطَّاعة ويريد الفِسْق، بالإرادة الكَوْنِيَّة؛ أما الإرادة الشَّرْعيَّة فإنها لا تتعلَّق إلا بما يحبه فقط، فلا يمكن أن تقول: إنَّ الله يُريدُ الفِسْقَ؛ أي: يحبُّه، هذا مستحيلٌ.
الوجه الثاني: الإرادة الكَوْنِيَّة لا بد فيها من وقوع المرادِ، يعني إذا أراد شيئًا كونًا لا بُدَّ أن يقع، والإرادة الشَّرْعيَّة قد يقع وقد لا يقع، فيريد منَّا الإيمانَ والطَّاعة، فقد تُوجَد وقد لا تُوجَد.
وهذا هو الفرق بينهما، وبهذا تَنْحَلُّ إشكالاتٌ أوردها القَدَرِيَّة على أهل السُّنَّة، فقالوا لهم: إذا أثبَتُّم تعلُّقَ إرادة الله بكل شيء حتى في المعاصي لزمكم أنَّ الله يريد الشَّرَّ، فيكون الله - على تقدير قولهم -: شِرِّيرًا! نسأل الله العافِيَة!
ونقول: أما الإرادة الشَّرْعيَّة فإن الله لا يمكن أن يريد الشَّرَّ أبدًا، وأما الإرادة الكَوْنِيَّة فإنه يريد ما شاء، لكنَّ إرادته كونًا للشَّرِّ لها حكمة بالغةٌ كثيرة معروفة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تنزيهُ الله عن كلِّ ما وصفه به الكافرون الجاحدون؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات ثلاثة أسماء من أسماء الله: (الله، والواحد، والقهَّار)، وكل اسمٍ يُثْبِتُه الله لنفسه فإنه يتضمَّن الصِّفَة التي اشْتُقَّ منها؛ فـ ﴿الله﴾ مُشْتَق من الأُلوهِيَّة ففيه إثباتُ الأُلوهِيَّة صفةً من صفاتِهِ، ﴿الْوَاحِدُ﴾: من الوحدانِيَّة، ففيه إثبات الوحدانِيَّة لله ، ﴿الْقَهَّارُ﴾: من القهر، ففيه إثباتُ القهر لله ، وأنه القهَّار الغلَّاب الغالِب لكلِّ شيءٍ.
стр. 41
الآية (٥)
* قَالَ اللهُ : ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥].
ثم قال المُفَسِّر: [﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بـ ﴿خَلَقَ﴾]، هذه الآية جاءت عَقِبَ ردِّ قول من يقول: إنَّ لله وَلَدًا ليبيِّن أنَّ الخالق للسموات والأرض غنِيٌّ عن الولد ولا يحتاج إليه؛ لأنَّ الكلَّ ملكه، ولا يحتاج للولد إلا من كان غيرَ مالكٍ تمامَ المِلك.
قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ السموات جمع: سَماء، والسَّماء تطلَق على معنيين:
المعنى الأول: العُلُوُّ وإن كان دون السَّموات.
والمعنى الثاني: السَّموات المعروفة، السقف، التي بناها الله .
فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: ﴿مِنَ السَّمَاءَ﴾ يعني من السَّحاب، والسماء ليست لاصقة في السماء السقف، ولكنه في العُلُوِّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥]؛ أي: إلى العلو.
وأما الثاني الذي هو البِناءُ، فهو كثير؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ
стр. 42
دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١١، ١٢].
ومنه هذه الآية: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ وجمعها لأنَّها جمع سبْع سَماوات كما في القرآن الكريمِ، وكما في السُّنَّة النبويَّة، والأرض هي الأرض التى وضعها الله للخَلْق يعيشون عليها كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠].
ولم يأتِ في القرآن ذكر عددها صريحًا؛ يعني ليس في القرآن أنَّ الأَرَضين سبع، لكن جاء ذِكْرها بهذا العدد لا على سبيل التَّصريح؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] مِثْلَهُنَّ في العدد، وليس مثلهنَّ في الصِّفَة لتَبَايُنِ ما بين السَّموات والأرضِ في الصِّفَة، فالمماثلة في الصِّفَة مستحيلَةٌ؛ السَّموات كبيرة ورفيعة ومحيطة بالأرض، ولا يمكن أن تكونَ السَّمواتُ مثلَها في الصِّفَة؛ إذن: تعيَّن أن تكون مثلها في العَدَد لأنَّه قال: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: عددًا لا صِفَةً.
أما السُّنَّة فصريحةٌ في أنَّ الأَرَضينَ سَبْعٌ؛ قال النَّبِي ﷺ : "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (١).
والظاهر من النُّصوص: أنَّ هذه الأَرَضين متطابِقَة؛ يعني: بعضها تحت بعض كالسَّمواتِ؛ لأنَّ قوله ﵊: "طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" لولا أنها متطابِقَة لم يُعذَّب بما تحت الأرض العليا، فهي متطابِقَة، ولكن ذكر العلماء - الذين يتكلمون على خَلْق الأَرَضينَ -: هل هذه الأَرَضُونَ مُتباينَة منفصلٌ بعضها عن بعض، أو هي كتلة واحدة؟
стр. 43
نقول في الجواب عليه: الله أعلم، لا ندري، لكنه يجب أن نؤمِنَ بأن هناك سَبْعَ أَرَضينَ كما جاء ذلك في النُّصوص.
وقوله ﵀: [﴿بِالْحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بـ ﴿خَلَقَ﴾] يعني أن خلْقَه إياها بالحَقِّ؛ الحق أي: إنَّه خلقها حقًّا لا خالِقَ لها غيره. هذه واحدة.
والثاني: ﴿بالْحَقِّ﴾ أي من أجل الحَقِّ لا باطلًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧]، وقال : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩].
وصدق الله ، فإن في خلق السَّمواتِ والأَرْضِ من الحق ما هو ظاهِرٌ، فبهما يُعْرَف الله وتظهر آياته: آياتُه الكَوْنِيَّة وآياتُه الشَّرْعيَّة، وبهما يعيش الخَلْقُ، ولا يمكننا في هذا المجلس أن نَحْصُر ما في خلق السَّموات والأرض من الحَقِّ.
ثم قال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يُكَوِّرُ﴾: يُدْخِلُ]، ولا شك أنَّ الله يُولِج اللَّيلَ في النَّهار ويُولِج النَّهار في اللَّيل كما في الآيات الأخرى، ولكن هل معنى التَّكوير هنا: الإيلاج؛ أنه يُدْخِل النَّهارَ على اللَّيل فيطولُ، ويُدْخِل النَّهارَ على اللَّيل فيطولُ؟
الجواب: ظاهِرُ اللَّفْظِ يأبى ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿يُكَوِّرُ﴾ التكويرُ هو التَّدوير، ومنه: كَوْرُ العِمامَةِ؛ أي: لَيُّها، ليَّاتُها تُسمَّى: أَكْوارًا، فيُكَوِّر يعني يُديرُ اللَّيل على النَّهار، وهذا يُشْبِهُ قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] وإذا كان هذا ظاهِرَ اللَّفْظ فإنَّ الواجِبَ أن نُجْرِي اللَّفْظَ على ظاهره؛ لأنَّه - أي الظاهر - هو الذي يتبادَرُ إلى ذهن السَّامِع.
فإذا قال قائل: لماذا لا تجعلون الأمر - كما قال المُفَسِّر ﵀ من أجل أن
стр. 44
نُفَسِّر القرآنَ بالقُرآنِ، فنجعل يُكَوِّر يعني يولِج؟
قلنا: هذا لا يَصِحُّ لوجهين:
الوجه الأول: أنَّه خلافُ ظاهِرِ اللَّفْظ؛ فإنَّ ظاهِرَ اللَّفْظ يُكَوِّر: يُدوِّر ويَطْوِي.
الوجه الثاني: أنَّه يَفوتُ به المعنى المستفاد من كلمة: ﴿يُكَوِّرُ﴾، أما المعنى المستفادُ من الانتقالِ فهذا يُعْرَف من الآية الثَّانية؛ فحينئذٍ نستفيدُ فائِدَة جديدة غير فائِدَةِ الإدخالِ.
أما كَوْنُ الله تعالى يُدْخِلُ اللَّيل في النَّهار، ويُدْخِل النَّهار في اللَّيل؛ فهذا شيء معروف، ودلَّت عليه آيات أخرى.
وقوله: ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ قال ﵀: [فيزيدُ].
وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: ذلَّلَهما؛ والتَّسخيرُ بمعنى التَّذليل، يعني ذلَّلَهما لمصالح العباد، بدليل قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [النحل: ١٢]؛ إذن: التَّذليل هنا لمصلحة العباد.
و ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ معروفانِ لا يحتاجان إلى تَعْريفٍ، ولو أنَّنا أردنا أن نُعَرِّفَهما بما يُعَرِّفُه أهْلُ الفَلَك لزدناهما غُمُوضًا، لو قلنا: إنَّ الشَّمْس كتلةٌ ناريَّة مُلْتَهِبَة ... إلى آخر ما قالوا؛ لكان النَّاسُ يبحثونَ عن الشَّمْس! وأين الكُتْلة، والقَمَر أيضًا كُتْلَة صخريَّة جامِدَة بارِدَة مُظْلِمَة ... إلى آخر ما قالوا؛ فيذهب الذِّهْن أيضًا كلَّ مَذْهَب، لكن إذا قلنا: الشَّمْس آية النَّهار، والقَمَر آية اللَّيل؛ فالكُلُّ يَعْرِفُها؛ وهذا أَوْضَحُ من كلِّ شيء.
﴿وَسَخَّرَ﴾ ذلَّلَهما في جريانِهما، وفي اختلاف هذا الجري، فكونُهما يدوران على
стр. 45
الأرض ويَخْتَلِفان طولًا وقِصَرًا، هذا لا شك أنه لمصالِحِ العباد.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: ﴿كُلٌّ﴾ من الشَّمْس والقمر.
﴿يَجْرِي﴾ أي: يسيرُ [في فَلَكِه]؛ الفَلَكُ الشَّيْء المُستدير، وهما يدوران باستدارةٍ واضِحَة، لكنَّها تختلفُ باختلاف اللَّيل والنَّهار.
وقوله: ﴿لِأَجَلٍ﴾ بمعنى: إلى أجل؛ أي: لغايةٍ، ﴿مُسَمًّى﴾ معيَّنٍ من قِبَل الله . وهذا الأجل المُسَمَّى قال المُفَسِّر ﵀: [يَوْم القيامَة]؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ إلى أن قال: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] ويكون يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠].
فهذان يجريانِ إلى يَوْمِ القيامة، فإذا كان يومُ القيامة ذهبت حاجَةُ النَّاس إليهما وذهبا.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾: ﴿أَلَا﴾ أداة اسْتِفْتاح وتأتي للتَّنْبيه.
وقوله: ﴿هُوَ﴾ يعود على الله .
و ﴿الْعَزِيزُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [الغالِبُ على أَمْرِه، المُنْتَقِم من أعدائِهِ] وهذا أحد معاني العِزَّة التي أثبتها الله لنَفْسِه، وسبق أن لها معنًى ثانيًا وثالثًا: عِزَّةُ القَدْر، وعِزَّةُ الامْتِناعِ، بِالإضافة إلى عِزَّة القَهْر، فالله متَّصِفٌ بالعزَّة كاملًا؛ قال تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] فجميع أنواع العِزَّة ثابتةٌ لله .
وقوله: ﴿الْغَفَّارُ﴾: الغفَّار صيغَةُ مبالَغَةٍ من الغَفْر، أو نِسْبَة، والغَفْر أو الغُفْران سِتْر الذَّنْب والتَّجاوز عنه، ولا يكفي أنْ نقول: إنَّ المَغْفِرة أو الغُفْران هو التَّجاوز
стр. 46
عن الذَّنْب؛ لأنَّ المعنى المُشْتَقَّ منه يأبى ذلك، فالمَغْفِرَة مُشْتَقَّة من المِغْفَر، والمِغْفَر شيء يُوضَعُ على الرأس يقيه من سهامِ الأعداء؛ ففي هذا المِغْفَر سترٌ ووقاية؛ ولهذا نقول في معنى ﴿الْغَفَّارُ﴾ هو غافِرُ الذَّنْب؛ أي: الذي يستر الذَّنْب ويتجاوَزُ عنه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ خَلْقِ السَّموات والأَرْض.
وهذه الفائِدَةُ يترتَّبُ عليها: الرَّدُّ على الطبائعِيِّينَ والفلاسِفَة الذين يقولون بقِدَمِ العالَم، وأنَّ العالَم أزلي، وأن هذه السَّمواتِ ليس لها أوَّل، بل هي موجودة في الأَزَل، فإنَّ هذه الآية تردُّ عليهم؛ لأنَّه تعالى يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي أَوْجَدَها بعد العَدَمِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ السَّمواتِ عَدَدٌ؛ وجهه: الجَمْع؛ لأنَّ الجمع يدلُّ على العَدَد، وقد بيَّنَتِ النُّصوصُ الأخرى أنها سبْعٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ خَلْق السَّموات والأرض بالحَقِّ، وضِدُّه الباطل، فلم تُخْلَق باطلًا وسُدًى ولَعِبًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الخالِقَ للسَّموات والأرض هو الله؛ لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ على أَحَد المعنيين اللذينِ أَشَرْنا إليهما.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات كُرَوِيَّة الأَرْضِ؛ لقوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ ومعلومٌ أنَّ اللَّيلَ والنَّهار يتعاقبانِ على الأرض، فإذا كان سَيْرُهما تكويرًا دلَّ على أنَّ الأرض كُرَوِيَّة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثباتُ قدرة الله بتكويرِ اللَّيلِ والنَّهارِ، وقد أشار الله
стр. 47
إلى ذلك في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧١، ٧٢].
ولوِ اجْتَمَع الخَلْقُ كلُّهم على أن يأتوا باللَّيل في مَوْضِع النَّهار أو بالنَّهار في موضع اللَّيل، ما استطاعوا؛ ففي هذا بيان كمالِ قُدْرَة الله ؛ حيث يكوِّر اللَّيل على النَّهار، ويكور النَّهار على اللَّيل.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بيان نِعْمَة الله علينا بتسخير الشَّمْسِ والقمر؛ لقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الشَّمْس والقمر يجريان في فَلَكِهما، ففيه الرَّدُّ على من زعم أنَّ تعاقُبَ اللَّيل والنَّهار يكون بدوران الأرض، فإنَّ الآية صريحةٌ في أنَّ الشَّمْس تجري والقمر يجري، وعلى الأقل نقول: هي ظاهِرَة في ذلك، وإذا كان لدينا ظاهِرٌ من الكتاب والسُّنَّة فإنه لا يجوز لنا أن نَعْدُوَ هذا الظَّاهر إلا بدليلٍ بيِّن يُسَوِّغُ لنا أن نخالِفَ هذا الظاهر؛ لأنَّ الله خاطبنا بكلامه باللِّسان العربي؛ فوجب علينا أن نأخذ بمقتضى هذا اللِّسان العربي ما لم يوجد دليلٌ على خلافه.
هُمْ يقولون الآن: إنَّ الشَّمْس والقمر لا يجريان، وأنَّ القمر يدور على الشَّمْس، وأنَّ الأَرْض أيضًا تدور حول الشَّمْس، وأنَّ تعاقُب اللَّيل والنَّهار يكون بدوران الأرض، وكلُّ هذا خلاف ظاهِرِ القرآن فلا عِبْرَة به؛ إلا إذا علمنا شيئًا نُقابِلُ به الله بإخراج كلامه عن ظاهره، وإلا فالواجِبُ إبقاؤه على الظاهِرِ؛ حتى لو فرضنا أننا أَقْرَرْنا بأنَّ الأَرْض تدور فإنه لا يلزم من ذلك ألَّا تكون الشَّمْس تدور عليها؛
стр. 48
لأنَّ بعضَ النَّاس يقولون: إذا أقررتم أنَّ الأرض تدور فإنه يَلْزَمُكُم أن يكون اختلافُ اللَّيل والنَّهار بسبب دوران الأرض؟
ونقول: لا يلزم؛ لأنَّه إذا اختلفت دورة الأَرْض مع دورة الشَّمْسِ حصل التعاقب؛ تعاقبُ اللَّيل والنَّهار، ولا مانع.
على كلِّ حال: المُهِمُّ أنه يجب علينا أن نأخذ بظاهر كلام الله؛ لأنَّ الله هو الخالق، وخبَرُه هو الصَّادق، وقد خاطبنا بما نَفْهَمُه من لغتنا لغَةِ العرب، فلا يجوز لنا العُدُول عن الظَّاهِرِ إلا بدليلٍ حِسِّيٍّ نخاطب به الله يوم القيامة إذا سألنا: لم اعتقَدْتُم أنَّ الأرض هي التي تدور وأنَّ اللَّيل والنَّهار يكون بسبب دورانها؟ فيكون لنا حُجَّة، فنقول: لأننا لمَسْنا هذا، فإذا قُدِّر - وهو بعيد فيما يظهر - أنه ثبت أنَّ اللَّيل والنَّهار يكون بدوران الأَرْض لا بدوران الشَّمْسِ، فكيف نُجيبُ عن الظواهر؟
نقول: تجري بحسب مرأى الإنسانِ؛ لأنَّ الشَّيْء إذا كان قارًّا وهو يدور، فالذي فوقه ساكنٌ يظنُّ أنه هو الذي يتحرَّك ويدور، فإذا ثبت هذا قلنا: إنها تجري بحسب نظر الإنسانِ، وإن كانت هي الثَّابِتَة والأرض هي التي تدور.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بيان أهمية معرفة أسماء الله وصفاته في قوله: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ لأنَّ ﴿أَلَا﴾ هنا للتَّنْبيه، ولا يحتاج إلى التنبيه إلا في أمرٍ هامٍّ ينبغي التنَبُّه له.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثبات هذين الاسْمَينِ وما دلَّا عليه من صفة وحُكْم، وهما: (العزيز والغفار).
والقاعدة في باب الأصول أصولِ العَقيدَةِ: أنَّ كلَّ اسمٍ من أسماء الله فهو متضمِّنٌ لصِفَةٍ، وقد يتضمَّنُ مع الصِّفَة حُكْمًا، وهو ما يُسَمَّى بالأَثَر إذا كان متعدِّيًا،
стр. 49
وإن لم يكن متعدِّيًا ففيه الاسْمُ والصِّفَة؛ فمثلًا: الحيُّ من أسماء الله متضمِّنٌ لصفة وهي الحياة، لكنه لا يتعدَّى للغَيْرِ؛ لأنَّ الحيَّ وصفٌ لازِمٌ؛ يعني لا يتعدى الموصوفَ؛ كذلك: ﴿الْغَفَّارُ﴾ اسم من أسماء الله متضمِّنٌ لصِفَة، وهي: المغفرة، متعدًّ للغَيْرِ، وهو أنه يغْفِرُ الذنوب، فهذه القاعدة في أسماء الله : (أنَّ كلَّ اسمٍ منها متضمِّن لصِفَةٍ)، وقد يكون متضمِّنًا للحُكْم النَّابع من هذه الصِّفَة إذا كان متعدِّيًا، أما إذا كان لازمًا لا يتعدَّى الموصوفَ؛ فإنه ليس له الحُكْم، يعني ليس له حكمُ متعدٍّ للغير.
إذن: ففي الآية إثباتُ العزيز والغفار من أسماء الله، وإثباتُ ما دلَّا عليه من صفة، وإثبات المغفرة - وهي الحُكم - من قوله: ﴿الْغَفَّارُ﴾.
стр. 50
الآية (٦)
* قَالَ اللهُ : ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]
ثم قال الله : ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الخطاب هنا لبني آدم ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني يا بني آدم. ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهي آدم ﵇.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وصِفَةُ خَلْقِ آدم: أنَّ الله خَلَقَه من ترابٍ، التُّرابُ هذا صار طينًا بإذن الله وبقي حتى صار كالفَخَّار له صَلْصَلَة وصَوْت عند دقِّه، ثم بعد ذلك خَلَقَ اللهُ منه آدمَ، وبعد أن خَلَقَ جُثَّة آدم نفخ فيه الرُّوحَ فصار حيًّا سويًّا بشرًا، هذا هو أوَّل خِلْقَة الإنسان كما دلَّ على ذلك كتاب الله ، وأمَّا القُرُود الذين زعموا أنَّ أَصْلَ الآدَمِيِّ قِرْد، فنحن نُسَلِّم لهم ذلك بالنسبة لهم، أما بالنِّسْبة لنا فنحن ولله الحمد من بني آدَمَ بَشَرٌ خلق الله تعالى أبانا بِيَدِهِ وعَلَّمَه أسماءَ كُلِّ شيء، وأَسْجَدَ له ملائِكَتَه، وأمَّا هم فلهم ما أحَبُّوا أن يَرُدُّوا أنْفُسَهُم إليه!
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: ﴿ثُمَّ﴾ للتَّرتيب بمهلة؛ لأنَّ خَلْق هذه الزَّوْج متأخِّرٌ عن خلق آدم، فإن الله أبقاه مدةً حتى عرف أنه مُحتاجٌ إلى زوجة ليسكن إليها فخلق الله له زَوْجَة، وجعل هذه الزوجة من نَفْس آدم؛ لقول النَّبِي ﷺ في النساء:
стр. 51
"إِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ" (١) يقتضي أن حواء خلقت من ضِلَع آدم، والله على كلِّ شيء قديرٌ؛ أن يخلق بشرًا من غير زوجة، بل ومن غير زوج، فإن حوَّاء خُلِقَت بلا أمٍّ ولا أبٍ.
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ لا ينافي ما ذكر الله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ لأنَّ الواو لمُطْلَق الجمع لا تستلزم التَّرتيب، فإذا جاءت آية أخرى فيها التَّصْريحُ بالتَّرتيبِ حُمِلَت الآيةُ التي فيها الواو الدَّالَّة على مُطلَق الجمع على الترتيب، على أنَّ تقديمَ الشَّيْء على الشَّيْء في الذِّكْر وإن كان بالواو يقتضي أن يُقَدَّم، هذا هو الأصل، ولهذا لما دنا النَّبِي ﷺ من الصَّفا حين أتى إلى السَّعْيِ قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" (٢) فبدأ بالصفا.
وهذا يدل على أن ما قُدِّم في الذكر فهو متقدِّمٌ على ما بعده رُتْبَة، أو زمنًا، أو مكانًا حسب ما يقتضي الحال، لكن ليس هذا بلازِمٍ، قد يتقدم ما بعد الواو على ما قبلها ولا يُعَدُّ ذلك تناقضًا، لكن في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ لا يمكن أن نقول إنَّ الجَعْل هنا قبل خلق آدَمَ.
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا﴾ هذا ابتداءُ خَلْقِ الإنسان؛ و (مِن) هذه للابتداء، وهل (منها) عَينًا أو (منها) وَصْفًا؟
الجواب: الظاهِرُ الأَمْران؛ لأنَّها من آدم خُلِقَت، وهي مثل آدم أيضًا فهي من نوْعِهِ، وهي أيضًا منه عَينًا، فهي جزءٌ منه وبَضْعَةٌ منه، ولهذا خَطَبَ النَّبِي ﷺ النَّاس
стр. 52
وأخبر أن فاطمة بَضْعَةٌ منه (١).
يقول: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ والزوج يُطْلق على معانٍ منها: الصِّنف؛ كقوله ﵎: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨] أي: أصناف، وكقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أي: أصنافهم؛ ويُطْلَق الزوج على ما سوى الفَرْدِ؛ أي الشَّفْع، فيقال: فَرْد وزَوْج.
وكلمة زوج هنا تشمل المعنيينِ؛ فهي صنفٌ من البَشَر، وهي أيضًا زوج تشفع آدَمَ بعد أن كان فريدًا.
قال ﵀: [﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ الإبل والبقَر والغَنَم والضَّأن والماعز ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾].
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾: الإنزال هنا بمعنى: الخَلْق؛ لأنَّها أُضيفَتْ إلى أعيان وهي الأَنعامُ، والأنعام جمع: نَعَمٍ؛ كأسبابٍ جَمْع: سَبَب.
وقوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: ثمانية أصنافٍ، وقد بيَّن الله هذه الأزواج في سورة الأنعام فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، فالجميع ثمانيةٌ؛ ذَكَرٌ وأنثى من كل صِنْف من الأصناف الأَرْبعَة، وإذا ضربْتَ اثنين في أربعة صارَتْ ثمانية؛ قال المُفَسِّر ﵀: [مِنْ كُلٍّ زَوْجَانِ، ذَكَرٌ وَأُنْثَى كَمَا بَيَّنَ فِي سُورَة الْأَنْعَام].
ثم قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾.
стр. 53
لما ذكر الله ابتداءَ الخَلْق الأَوَّل وهو آدم ذكر ابتداءَ الخلق الثاني وهو النَّوْع الإنساني، النوعُ الإنسانِيُّ كيف خُلقَ؟ فقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: ﴿فِي﴾ للظَّرْفِيَّة، والبطون جمع بَطْن، والأصل: أنَّ هذه المادَّةَ (الباء والطاء والنون) خلافُ الظُّهورِ؛ فالبطون خَفِيَّة، والظُّهور ظاهِرَة.
ومن أسماء الله: (الظَّاهِر والباطِنُ) الظاهر: العالِم، والباطِنُ: الذي لا يَحُول دونه شيءٌ، فهنا البطون إذن جمع بَطْنٍ، وهو مُشْتَقٌّ من البطون، بَطَنَ الشَّيْءُ بُطُونًا، أي: خَفِيَ.
وقوله: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ جمع: أمٍّ أو أمَّهَة، ويقال: أُمَّاتٌ لغير العاقل، ويقال في العاقل: أمَّهَاتٌ.
وقوله: ﴿خَلْقًا﴾ مصدر يَخْلُق ﴿مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي: خَلْقًا متطوِّرًا ينتَقِلُ من خَلْقٍ إلى آخر؛ قال المُفَسِّر ﵀: [أي: نُطَفًا، ثم عَلَقًا، ثم مُضَغًا]، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الأصول في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥].
من تراب باعتبارِ آدَمَ، من نطفة باعتبارِ النَّوْعِ الإنسانيِّ، ثم من عَلَقَةٍ، ثم من مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغير مُخَلَّقة؛ والمضغة: هي قِطْعَةُ اللَّحْم بِقَدْرِ ما يُمْضَغ.
وقد بيَّن النَّبِي ﷺ مُدَّةَ هذا التَّطوُّر في حديث ابنِ مسعود ﵁، قال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونَ عَلَقَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بأَرْبَع كَلِمَاتٍ: بكَتْب رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ" (١)
стр. 54
فقوله: "أربعين يومًا نُطْفَةً" يعني: ماءً وهو المَنِيُّ، لكنه في هذه المدة يتطوَّر تطورًا خفيًّا إلى أن يصِلَ إلى الغاية في تمام أربعينَ يومًا حتى يكون عَلَقَةً؛ أي: دمًا أحمر، والظَّاهِرُ: أنَّه ليس المراد أنه يبقى نُطْفَةً إلى تمام الأربعين ثم ينقلب في لحظة إلى دَمٍ، بل هو يتطوَّر وينقَلِبُ شيئًا فشيئًا إلى أن يَتِمَّ كونُه دمًا في أربعين يومًا، ثم يكون، ثم يبقى هكذا عَلَقَةً، لكنه أيضًا يتجمَّدُ شيئًا فشيئًا وينمو حتى ثمانينَ يومًا، ثم بعد ذلك يكون مُضْغَةً؛ قِطْعَةً لَحْمٍ.
وقوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ يحتمل - والله أعلم - أن مُخَلَّقَة عند انتهاء الطَّوْر الثالث، غير مُخَلَّقَة في ابتداء الطور؛ يعني: فتكون في هذا الطَّوْر في الابتداء غير مُخَلَّقَةٍ، وفي النهاية مُخَلَّقَة، ويحتمل أن تَخْتَلِفَ الأجِنَّة في ذلك فيكون بَعْضُها مخُلَّقًا من حين أن تَنْتَقِل إلى العَلَقَة إلى المُضْغَة، وبعضها يتأخَّر، فالله أعلم، ويُرْجَع في هذا إلى العلماء في هذه المسألة.
ثم قال : ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ ظُلُمات لا يصل إليها الضوء، ﴿ثَلَاثٍ﴾ فَسَّرَها المُفَسِّر ﵀ بقوله: [هِيَ ظُلْمَة الْبَطْنِ، وَظُلْمَة الرَّحِم، وَظُلْمَة الْمَشِيمَة]؛ هذه ثلاثُ ظُلُمات جعلها الله وقايةً لهذا الجنين؛ لأنَّ أشِعَّة الضَّوْء لو وصلت إليه لأَفْسَدَتْه، ولكن الله جعله في هذه الظلمات الثَّلاث، ثم إنَّه جعل ظَهْرَه إلى بَطْنِ أمِّه، ووَجْهَه إلى ظَهْر الأم، وهذا من أجل ألَّا يتضرر وَجْهُه بالصَّدَمات التي تكون على بطْنِ الأُمِّ ليكون الظَّهْر وقايةً للوَجْه، وخلف الجنين الذي هو الذي يلي البطن قوِيٌّ؛ لأنَّ فيه الظَّهْر والأَضْلاع، فهو قويٌّ؛ يعني: مُتَحَمِّل للصَّدَمات.
فإذا أراد الله إخراجَه انقلب هذا الجَنينُ؛ تَحرَّك واضْطَرَب بإذن الله عَزَّ وَجَلَّ
стр. 55
ثم انْقَلَبَ حتى يكون رأسُه هو الأسفل، ويخرج الرأس أولًا من أجل أن يكون خُرُوجه سهْلًا، إذ لو خرج من عند قَدَمَيْه لكان في ذلك ضَرَرٌ وخَطَرٌ، وأيضًا قد تُعَلَّق مثلًا إحدى اليدين في أَحَدِ الجوانِبِ فيحصل في هذا ضَرَر، وربما يَحْصُل تلف على الجنين، ولله في خَلْقِه شؤون.
المهم: أنَّ الله اعتَنَى بنا عنايَةً تامَّةً، ونحن في بطون أمَّهاتنا وعند خروجِنا منها؛ ولهذا قال: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ ونِعْمَ الرَّبُّ !
﴿ذَلِكُمُ﴾ المشار إليه: رَبُّ، والمخاطب: ﴿ذَلِكُمُ﴾ البَشَر؛ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ وإنما أتى باسم الإشارة المفيد للبُعْد ﴿ذَلِكُمُ﴾ ولم يقل: (هذا) إشارةً إلى عُلُوِّ مَرْتَبَة الله، إلى عُلُوِّ منزلته وأنَّ له العُلُوَّ؛ عُلُوَّ الذَّاتِ وعُلُوَّ القَدْرِ، وعُلُوَّ القَهْرِ.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ رَبُّ إما أن تكون صِفَةً أو بدلًا، وفيه إشارة؛ يعني ذكر الرُّبوبِيَّة بعد الأُلوهِيَّة إلى التَّرْبِيَة الخاصَّةِ في حال الحَمْل والعناية التامَّة؛ لأنَّ الحمل في بطن أمه لا يمكن لأحَدٍ أن يَصِلَ إليه لا بِجَلْب مَنْفَعَة ولا بدفع مَضرَّة، ولكن الله هو الذي يتولَّى العناية به.
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ الجملة هذه جملة خَبَرِيَّة قُدِّم فيها الخبر على المبتدأ لإفادَةِ الحَصْر، ﴿لَهُ﴾ أي: وَحْدَه لا يشارِكُه أحد.
﴿الْمُلْكُ﴾ يعني المُلْك المُطْلَق، مُلْك الأعيان ومُلْك الأوصاف؛ فهو مالِكُ الأعيان كلها، ومالِكُ أَوْصافِها وتَصْريفها وتَدْبيرِها.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا توحيدُ الأُلوهِيَّة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ والجملة هذه مكونة من نفي وإثباتٍ، نَفْيٌ من أبلغ أنواع النَّفْيِ؛ لأنَّه مُصدَّرٌ بـ (لا) النافية للجنس،
стр. 56
ولا النافِيَة للجنس يقول علماء النحو والبلاغة: إنَّها نَصٌّ في العُمُوم؛ يعني لَيْسَتْ ظاهرةً في العموم، بل هي أبلغ من الظَّاهِرَة: نصٌّ في العموم.
ولهذا يقال فيها: نافيةٌ للجِنْس لا للوَحْدَةِ، بل للجنس كلِّه، إذن لا يوجد إله إلا اللهُ، ولكن يجب أن نعلم أنَّ المنفِيَّ هنا (الإلهُ الحَقُّ) يعني لا إله حَقٌّ إلا اللهُ، أما الآلِهَة الباطِلَةُ فإنها موجودة؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١] فسماها: آلهة؛ وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] إلهًا آخر، فسمَّاه: ﴿إِلَهًا﴾ لكنه إله باطِلٌ، كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].
فإذا سألنا سائل: هل مع الله إلهٌ؟
فالجواب: يكون بالتَّفْصيل، وهو:
إن أردْتَ إلَهًا حقًّا فلا، وإن أردت إلهًا باطِلًا يُسمَّى: إلَهًا وليس بإله، فهذا موجودٌ.
وفي قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذا قال قائل: أين خبَرُ (لا) هل هو: (هو) أم ماذا؟
فنقول: لا يمكن أن يكون خبر (لا): (هو)؛ لأنَّ (لا) النافية للجنس لا تعمل إلا في النَّكِرَات؛ قال ابن مالك ﵀:
عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلَا فِي نَكِرَهْ ... .............................. (١)
فلا تعمل إلا في النَّكِرات، وهنا (هو) مَعْرِفَة، فنقول: الخبر محذوف، تقديره: لا إله حقٌّ إلا اللهُ، هكذا يجب أن يقال، وأخْطَأَ من قال: لا إلَهَ موجودٌ إلا اللهُ؛ لأنَّ
стр. 57
هذا يتضمَّن أَمْرًا إِمْرًا؛ إذ إنَّك إذا قلت: لا إله موجودٌ إلا الله، جَعَلْتَ الآلِهَة الموجودَةَ جَعَلْتَها الله، وهذا خطأ عظيم! بل الواجب أن نقول: لا إله حقٌّ إلا الله، نَعَم، إلا الله؛ أما في الآية فـ (إلا هو).
إذن: فما محل: (هو) من الإعراب؟
الجوابُ: بدلٌ من الخَبَرِ المحذوف. يقول: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: (أنَّى) اسْمُ استفهامٍ، والمراد به: التَّوْبيخُ والتَّعَجُّب يعني: كيف تُصْرَفُون عن عبادة الله وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا هو، هذا خطأ، سَفَهٌ في العقل، وضلالٌ في الدِّين.
وقوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [عن عبادته إلى عبادة غَيْرِه].
إذا كان هذا الاستفهام للتَّوبيخ والتَّعجُّب فإنه يقتضي أن يكون هذا الانصراف حرامًا؛ لأنَّه لا يوبَّخُ إلا على شيء مُحَرَّم - والله أعلم - لأنَّ أهواءهم هي التي غَلَبَتْهُم، وكلمة ﴿تُصْرَفُونَ﴾ تدل على الانْصِراف؛ لأنَّهُم صُرِفوا، لكنَّهم صَرَفَتْهم أهواؤُهُم والشياطينُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ أَصْلَ البَشَرِيَّة من آدم، وليس كما يقول القرود: إنَّ أصلها قِرْد ثم تطوَّر؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وقد بيَّن الله كيف خلق هذه النَّفْس في مواضع من القرآن.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ البشرية حادِثَة وليست أَزَلِيَّة؛ لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ والخلق يقتضي الحدوث.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الله جعل أزواجَ بني آدم من جِنْسه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا
стр. 58
زَوْجَهَا﴾ ولو كانت الزَّوْجَة من غير الجنس لم تَحْصُلِ الأُلْفة والمودَّة، ولكن الله جعلها من الجنس لهذا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ما مَنَّ الله به علينا مِن إنزال الأنعام؛ الأصناف الثَّمانِيَة، ومنها أن إنعام الله بهذه الأَصْنافِ الثَّمانية أكثر مِن إنعامه بغيرها؛ كالظِّباء والأرانب وما أشبهها؛ لأنَّ الله امتَنَّ بهذه الأصنافِ الثَّمانِيَة دون غيرها؛ لأنَّها أشَدُّ نِعْمَة الله أظْهَر وأبْيَن، ولأنَّها أنعام مألوفَةٌ وأليفة خلافَ الأنعام الأخرى.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الإشارة إلى أنَّ تَكْوينَ هذه الخَليقة مِن زَوْجَينِ، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] فكلُّ شيءٍ مِن الخَليقَة فلا بُدَّ لتَركيبه مِن زوجينِ؛ حتى المياه، وحتى الهواء، وحتى كل شيءٍ، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] وهنا يقول: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بيان حِكمة الله في تطوير الخَلْقِ في قوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]، ولو شاء لخَلَقنا طَوْرًا واحدًا، ولكنَّ حِكْمَتَه تَأبَى ذلك، بل يتطوَّرُ الإنسان مِن طوْرٍ إلى آخر؛ للتدرُّج في الخَلق، كما أنَّ التدرج أيضًا في التشريع والحكمة، فالشَّرْع لم يَنْزِل جُملةً واحدة، يُكَلَّفُ النَّاسُ به مِن أوَّلِه إلى آخِرِه، ولكِنْ نَزَل بالتَّدْريجِ، وما نحن فيه من الحَمْل، لو أنَّ هذا الحَمْل نَشأ في بَطْن الأم دفعةً واحدَةً، لَكان في ذلك ضررٌ عليها، لكنه يتطوَّرُ وينمو شيئًا فشيئًا، حتى يتَّسِعَ البطن شيئًا فشيئًا بدون مَشَقَّة على الأم.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: مِنَّةُ الله على البَشَرِ في أنه يُطوِّرَهم في هذا الخَلْق في مكانٍ لا يمكن أن يَصِلَ إليه أحد؛ لقوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢١, ٢٢].
стр. 59
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: حماية اللهِ الجنينَ لكونه في هذه الظُّلُمات الثَّلاثِ؛ لأنَّ أشِعَّة الضَّوء ربما تَضُرُّه، فجعله الله في هذه الظُّلُمات الثَّلاث.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ القادر على هذا هو المُسْتَحِقُّ للأُلوهِيَّة والعِبادَةِ؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: انفرادُ الله بالملك؛ لقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ فلا مالِكَ إلا اللهُ، وهل المُلك مُلك التَّصرُّف الكونيِّ أو الكوني والشَّرْعي؟
الجواب: الكَوْني والشَّرْعي، فلا مالِكَ إلا الله كونًا، ولا مالِكَ إلا اللهُ شَرعًا، ولهذا له الحُكم الكونيُّ والشَّرعيُّ .
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: النداء الصارخ في تَسْفيهِ هؤلاء القوم الذين اتَّخَذوا مِن دونه أولياءَ، بعد ظهور هذه الآيات العظيمة؛ لقوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾؛ يعني: كيف تُصْرَفون عن الحَقِّ مع وضوحه وبيانه؟!
стр. 60
الآية (٧)
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧].
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أي: إنْ تكفروا بالله وبما يَجِبُ الإيمان به، فإنَّكُم لن تضروا الله؛ لأنَّ الله غَنيٌّ عنكم، ولم يَأمر الله العبادَ بعبادَتِه والإخلاص له لحاجَتِه إليهم، ولكن لمَنْفَعَتِهم هم؛ لأنَّهُم يُثابون على هذا أعظَمَ الثَّواب، ويَنْجُون به من العِقابِ، أما الله فإنه لا يَضُرُّه إذا كَفَرَ كُلُّ الخَلْق، ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ ولو كل الخَلْق، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾.
وقد جاء في الحديث القُدُسِيِّ: "يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُم ما نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا" (١)، لو كان النَّاس كُلُّهُم، بل البَشَر وغيرُ البشر لو كانوا على أَفْجَرِ قلبِ رَجُل لم يَنْقُص ذلك مِن مُلْك الله شيئًا، ولن يَضُرَّ اللهَ شيئًا.
ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، ولا يرضى لهم أن يَكْفُروا بالله، وتَأَمَّل قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ﴾؛ يعني أنَّ الكُفُر أَمْرٌ لا يَليقُ بالعباد،
стр. 61
فلا يَرضى لهم أن يَقوموا به؛ وذلك لأنَّ الله خَلَقهم، فكيف يَرضى للإنسان العاقِلِ أن يَصْرِف العبادة لغير الخالِق؟! ولهذا قال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ﴾ ولم يقل: مِن عباده، أو عن عباده؛ لأنَّ اللام أَبْلغ في كَوْن هذا الشَّيْء لا يليقُ بهم.
وقوله: ﴿لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ العبودية تنقسم إلى قِسْمَيْنِ: عامَّة وخاصَّة، فمِن الأول - أي مِن العامِّ - قولُه تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] ﴿إِنْ كُلُّ﴾ [مريم: ٩٣] (إن) هنا بمعنى (ما)، وعلامةُ (إن) التي بمعنى (ما): أنْ يأتي بعدها (إلَّا)، قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣]؛ يعني: ما أنت إلا نذيرٌ؛ فقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] هذه مِن العبودية العامَّة، حتى الشياطينُ والكُفَّار كُلُّهم عِبادُ الله بالمعنى العام، أما القِسْم الخاصُّ بالعبادة عبادَةِ المؤمنين: وهي العبادَةُ الشَّرْعيَّة؛ أي التعَبُّد لله تعالى شَرْعًا، فهذه خاصَّة بمَن أطاعه، ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله: في الرُّسُل إنهم عباد الله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] هذه عبودية خاصَّةٌ، فقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ﴾ هنا من العامة؛ يعني لا يَرْضى الكُفْر لأي واحِدٍ من عباد الله.
وقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ قال ﵀: [وإن أراده من بَعْضِهِم] هذا كلام جيِّدٌ؛ يعني هو لا يرضاه، لكن يريده مِن بَعْضِهِم، يريده بالإرادة الكَوْنِيَّةِ لا الإرادة الشَّرْعيَّة، وهذا ردٌّ على قولٍ مُبْتَدَعٍ، يقولون: إنَّ الله لا يُريد إلَّا ما يَرضَى، وأمَّا ما لا يرضاه فلا يُريده؛ وعلى هذا القول الباطِلِ تكون المعاصي واقعةً بغيرِ إرادة الله، ولا شَكَّ أن هذا قولٌ يُبْطِله نصوصٌ كثيرةٌ.
مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ
стр. 62
يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فالله مُرِيدٌ لهذا وهذا، لكن بالإرادة الكَوْنِيَّة؛ لأنَّ الكلَّ ملكه ؛ ولهذا قال: [وإن أراده مِن بَعْضِهم] يعني فإرادته مِن بعضهم لا تقتضي أن يكون راضيًا به؛ إذ قد يُريد ما لا يرضاه.
فإن قال قائل: كيف يريد ما لا يرضاه؟ وهل أحدٌ يُكْرِهه؟
قلنا: لا يُكرِهُه أحَدٌ، لكن يُريد ما لا يرضى لحِكْمَة بالغة؛ فلو كان الله تعالى لا يريد إلا ما يرضاه، لأصبح النَّاس كلُّهم مؤمنين، ولم يكن هناك مَيْزَة للمُؤْمِن عن الكافِرِ، ولم يُقَم عَلَم الجهادِ، ولا الأَمْرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ عن المُنْكَر، ولا مُلِئَتِ النَّار، كما وعد الله ، إلى غير ذلك مِن المصالِح العظيمة التي تَنْتُج عن وجود الكفر في عباد الله.
قال: [﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ اللهَ فَتُؤْمِنُوا] ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، إِنْ تَشْكُرُوا، مقابل إنْ تَكْفُرُوا؛ لأنَّ الإنسانَ في نِعَمِ الله بين كافرٍ وشاكِرٍ، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وتأمل كيف قال في الكُفْر: إنَّ الله غَنِيٌّ ولا يرضى، وهنا قال: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ فبدأ في جواب الشَّرْط في ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ ببيان غناه عن الخَلق ، أما الشُّكر فإنه هو الذي يُثيبُ عليه؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ فإذا رَضِيَه فسوف يثيبه، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٧, ٨] ولهذا أثابهم الجنَّاتِ، أسأل الله أن يَجْعَلَنِي وإيَّاكُم منهم.
قال: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ في هذا الفعل إشكال من النَّاحِيَة النحوية، فإنه جوابُ الشَّرْط، فـ (إن تشكروا) هذا فِعْل الشَّرْط، (يَرْضَه) جوابُ الشَّرْط، ومع ذلك فهو
стр. 63
مَفتوحٌ، لأنَّه مَجْزومٌ بحذف الأَلِف، وأصلها (يَرْضَى)، ولكن حُذفت الأَلِفُ للجزم، قال: [(يَرْضَهْ) بِسُكُونِ الْهَاء] تَسْكينها خفيفٌ جدًّا؛ يعني تقرأه بخِفَّة؛ ويقول: [وضَمُّها ﴿يَرْضَهُ﴾ في حال الضم مَعَ إشْبَاعٍ وَدُونه] إشباع: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ تُشْبِعُها حتى يخرج منها واو، ودونه تحذف الواوَ، إذن نقْرَؤُها: (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهْ لَكُمْ) بسكون الهاء ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ بإشباع وبدونه؛ وكل هذا جائِزٌ، وهي قراءة سَبْعِيَّة متواتِرَة.
وكما تقدَّم ونُعيده: أنَّه ينبغي للإنسان أنْ يقرأَ القرآنَ بِجَميعِ القِراءات؛ لأنَّ الكُلَّ حقٌّ، فلا ينبغي أن يَهْجُر حقًّا من الحقوق، ولكن بشرط أن يكون مُتيقِّنًا القراءةَ، فلا يكفي غَلَبَة الظَّنِّ، لا بُدَّ أن يتيقَّنَ، وإلا قرأ بالمتيقَّنِ عنده؛ وشرطٌ آخَرُ: ألَّا يكون عند العامَّة؛ لأنَّ العامَّة إذا قَرَأْتَ عندهم قراءةً تُخالف مُصحَفَهم، صار في ذلك تشويشٌ عليهم بالنِّسْبة للقرآن، وسوءُ ظنٍّ بالنسبة إليك، ورحم الله امرأً كفَّ الغِيبَةَ عن نَفْسِه.
أما في مقام التَّعليمِ، أو في القراءة بينك وبين نفسك، فإنه ينبغي إذا كنت عالِمًا بالقراءة أن تقرأ بها أحيانًا؛ بهذا أحيانًا وبهذا أحيانًا، فمِثْل: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٣, ٤] فيها قراءة: (مَلِك) وقراءة: (مَالِك) فاقرأ بها، مرةً بهذه، ومرةً بهذه.
مسألة: إذا قرأ الإنسان في الصَّلاة في الركعة الأولى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وفي الركعة الثانية قرأ: (مَلِك يوم الدين) هل هذا صحيح؟
الجواب: لا بأس، ولا مانع، ولا حَرَج.
يقول: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾: ﴿يَرْضَهُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أَيِ الشُّكْرَ]
стр. 64
فما هو الشُّكْر؟ الشُّكْر حدَّه بعْضُهم بحدًّ جامعٍ مانِعٍ، فقال: الشُّكْر هو القيامُ بطاعة المُنْعِم اعترافًا له بالجَميل، ويكون بالقَلْب واللِّسان والجوارِح.
وعلى هذا قول الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ منِّي ثَلَاثَةً ... يدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ المُحَجَّبَا (١)
إذن: الشُّكْر القيامُ بطاعة المُنعِم اعترافًا له بالجميل، ومَحَلُّه في القلب واللسان والجوارح:
الأول: بالقَلْب؛ أن يُؤْمِن الإنسان بِقَلْبه بأنَّ هذه النِّعَم مِن الله تَفضُّلًا منه، ولا يقول: هذا لي، أُوتِيتُه على عِلْمٍ عندي، بل يقول: هذا مِن فَضْل ربي.
الثاني: باللِّسانِ؛ أن يتعبَّد لله تعالى بكلِّ قولٍ شَرَعه، ومن ذلك أن يتحدَّث بنِعْمَة الله، فإنَّ هذا مِن الشُّكْر؛ لأنَّه قول مَشْروع، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] مثل أن يقول: كنت فقيرًا فأغناني الله، الحَمْد لله، أنا عندي وَلَد، عندي زوجة، عندي بيت، عندي سيارة، الحمد لله أنا أَطْلُب العلم، أنا حَصَّلتُ كثيرًا من العلم، وهكذا؛ فهذا من الشكر بشرط ألا يكونَ الحامِلُ على ذلك الفَخْرَ أو الرِّياءَ؛ لأنَّ بعضَ النَّاس يتحدث بالنِّعَم من باب الثَّناء على الله؛ أنَّ الله أعطاه ومَنَّ عليه وتَفضَّل عليه.
وأما الجوارح فظاهِرٌ؛ أن تُظهِرَ نِعْمَة الله عليك بالجوارح؛ فمثلًا إذا أعطاك الله قوةً وشجاعَةً تُظهِر ذلك بالقُوَّة في ذاتِ الله مِن جهادِ الكفَّار والمنافقين وغيرهم.
المهم: أنْ يَظْهَر عليك أثَرُ النِّعْمَة في أفعالك، فتقوم بعبادة المُنْعِم .
стр. 65
وقوله ﵀: [﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ اللهَ فَتُؤْمِنُوا]؛ يعني: فتؤمنوا الإيمانَ المُستَلْزِم للعَمَل الصَّالِح، لا مجرد الإيمان بالله ؛ إذ الإيمانُ بالله لا يكون إيمانًا حقيقيًّا حتى يستلزم القَبولَ والإذعان؛ وكثيرٌ مِن العامَّة يظنون أنَّ الإيمان بالله: أنْ تؤمِنَ بوجود الله فقط، وهذا خطأٌ، بل الإيمان بالله هو: الإيمان المُسْتَلْزِمُ للقَبُول والإذعان؛ القَبُول لِما أمر به، وانشراح الصَّدْر به، والإذعان والانقياد التَّام، قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فعلى رأي مَن يقول: إنَّ الإيمانَ هو: الإيمانُ بوجود الله، يظنُّون اليهودَ والنصارى مؤمنين، وقد يُصرِّحونَ بهذا، يقول: النَّصراني مُؤْمِنٌ يؤمن بالله، وإذا مات له شَخْص قال: ﵀، واليهود كذلك!
ونقول: إنَّ هذا ليس هو الإيمانَ بالله، الإيمانُ بالله لا يَصِحُّ - وليس يتمُّ فقط - إلَّا بالقَبول والإذعان؛ فالقَبولُ لِمَا جاء به الوَحْيُ، والإذعانُ والانقياد التَّام.
وقوله تعالى: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قال المُفَسِّر ﵀ في التفسير: [﴿وَلَا تَزِرُ﴾ نَفْسٌ ﴿وَازِرَةٌ وِزْرَ﴾ نَفْسٍ ﴿أُخْرَى﴾ أي: لا تحمله] ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾: (لا) نافية، و ﴿وَازِرَةٌ﴾ فاعِلٌ، وهو نكرة في سياق النفي، فيَعُمُّ كلَّ وازِرٍ.
والوازرة: التي تتحَمَّل الإثم وتقوم به؛ وعلى هذا فمَن دونَ البُلُوغ ليس نَفْسًا وازِرَة؛ لأنَّها لا تتحمَّل الإثْمَ، ومَن كان بالغًا، ولم يَفْعَل الإثم فليس بوازِرٍ.
إذن: فالوازِرَة؛ يعني القابِلَة للوِزْر، وهي: النَّفْس المُكَلَّفَة، وإذا أردنا أن نقول: وازِرَة بالفِعْل، نقول: هي الفاعِلَة للإثم، فـ ﴿وَازِرَةٌ﴾ هنا تشمل الوازِرَة حُكمًا، وقد تشمل الوازِرَة فعلًا أيضًا.
стр. 66
فالوازرة حكمًا هي: القابِلَة للإثم؛ يعني التي يمكن أن تتحمَّل الإثْمَ، وإن لم تَعْمَلِ الوِزْر، والوازِرَة حقيقةً هي: التي فَعَلَتِ الإثْمَ.
مثال ذلك: رجلٌ بالغٌ عاقلٌ، لكنه صالِحٌ نقول: هذا وازرٌ حُكْمًا، ورَجُلٌ آخر زنى أو سرق، نقول: هذا وازرٌ فِعلًا، إذا كان بالغًا عاقلًا، وهذا هو السِّر في أنَّ الله قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾، ولم يقل: (ولا تزر نفسٌ وِزْرَ أخرى)، بل قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾؛ لأنَّ مَن ليست وازِرَة، لا تَزِرُ شيئًا لا عن نفسها ولا عن غيرها ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ ﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ أي إثْمَ نفسٍ أخرى، ومعنى (لا تَزِرُ)؛ أي لا يَلْحَقُها وِزْرُه؛ أي الإثْمُ؛ ولهذا فسَّره المُفَسِّر ﵀ بقوله: [أي لا تَحْمِله] لا تَحْمِل وازرةٌ وِزْرَ أخرى.
فإن قال قائل: الغلامُ إذا بلغ عشرة سنين فإنه يُكلَّف بالصَّلاة، هل يكون وازِرَة؟
فالجواب: لا، لا يُكلَّفُ؛ ولكنْ يُضرَبُ عليها لعشرٍ من باب التَّأديب على التَّمَرُّن على الطَّاعَة، وإلا لو تركها فإنه لا يأثَمُ.
وإن قيل: كيف نجمع بين هذه الآية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ وبين ما ورد أنَّ المَيَّتَ يُعَذَّبُ ببكاء أهله عليه (١)؟
فالجواب: هذا ينبغي أن يُورَد على الآية، وهو أنَّ النَّبِي ﵊ ثبت عنه: أنَّ الميِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أَهْلِهِ عليه، وعائِشَةُ ﵂ قالت: إنَّ المرادَ بذلك
стр. 67
الكافِرُ (١)، ولا شكَّ أنَّها ﵂ بَشَرٌ تُخْطِئُ وتُصيبُ؛ وذلك لأنَّ الكافر يُعَذَّب، سواء بكى عليه أَهْلُه أم لا، لكن هي أرادَت أن تقول: إنَّ معنى الحديث: أنَّ الكافِرَ لَيُعَذَّبُ وأهله يَبْكون عَلَيْه، جعلت هذا معنى الحديث، واستَدَلَّتْ بالآية، ولكَّننا نقول: لا يستقيم هذا التَّأْويلُ بل معنى الآية: أنَّ المراد بالعذابِ: التألُّم النفسي، وليس التألُّمَ البَدَنِيَّ.
ونظير هذا قولُ الرَّسولِ ﵊: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ" (٢) مع أنَّ المسافِرَ لا يتعذَّب تعذُّبًا بدنيًّا، قد يكون من آنَسِ ما يكون إذا كانت الأَرْضُ مُخْصِبَة، والإِبِلُ طيِّبة، والرِّفاق أصحابًا، فيكون السفر نُزْهَة، ومع ذلك فهو قِطْعَة من العذاب القَلْبِيِّ، نحن في الطَّائِرَة مستريحون، ففيها دِفءٌ في الشتاء، وبرودة في الصيف، ونَشْرَب القهوة والعصير، ونأكل التَّمْر، وكلُّ ما طَلَبْنا يأتي، ومع ذلك القَلْب متألِّم، ليس مثل إنسان مُسْتَقِرٍّ في بيته، فالعذاب الذي في القَبْر هو هذا النَّوْع من العَذابِ.
وقال بعض العلماء: يعذَّب عذابًا بدنيًّا؛ أي: يعاقَبُ عقوبة بدنية، ولكن هذا فيمن أوصى أَهْلَه أن يَنوحُوا عليه، وإن كان هذا لم يُذْكَرْ بالحديث، لكن يُحْمَل الحديث على ما تَقْتَضيه النُّصوصُ الأخرى.
وقال بعضهم: هذا في الرَّجُل الذي يَعْلَمُ في أهله أن ينوحوا عليه ولم يَنْهَهُم والفَرْقُ بين القَوْل هذا والذي قبله؛ فالذي قبله أوصاهم، وهذا ما أوصاهم لكن يَعْلَم أنَّهُم يفعلون فلم يَنْهَهُم.
стр. 68
فهذه أربعةُ أقوالٍ في الحديث، وأصَحُّها أنَّ المراد بالعذاب: العذابُ النَّفْسِيُّ، وليس العذابَ البَدَنِيَّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ يعني بعد الشُّكْر من الشاكر، والكفر من الكافر، يكن إلى الله وحده المَرْجِع.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ في هذه الجملة حَصْر، طريقُهُ: تقديم ما حقُّه التَّأخير؛ لأنَّ قوله: إلى ربِّكم؛ خبرٌ مُقَدَّم، ومَرْجِعُكُم؛ مبتدأ مؤخَّر.
وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ولم يَقُلْ: إلى الله؛ لأنَّ المقام هنا مقام رُبُوبِيَّة؛ لأنَّ الرَّبَّ هو المالِكُ المُتصَرِّف الخالق، فكان المناسِبُ أن يقول: إلى ربِّكم، ولو قال: إلى الله مَرْجِعُكم لصَحَّ؛ لأنَّ الله تعالى أيضًا هو المستحِقُّ للعبادة، ولا يستحِقُّ العبادَةَ إلا مَن كان ربًّا.
وقوله: ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة، ولكن اعْلَمْ أنَّ كل مَن مات فقد قامت قيامته؛ لأنَّه انتقل من دار العَمَل إلى دار الجزاء.
قال شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّةَ ﵀ في (العقيدة الواسِطِيَّة): "ومن الإيمان باليَوْمِ الآخِرِ: الإيمانُ بكلِّ ما أخبر به النَّبِي ﷺ مما يكون بعد الموت" (١)، مع أنَّ الذي يكون بعد المَوْت قبل قيامِ السَّاعة، لكن مَن مات فقد قامت قيامَتُه.
قال تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُنَبَّئُكم: يُخْبِرُكم، لكن قد قيل: إنَّ النَّبَأَ لا يكون إلا في الأَمْرِ الهامِّ، بخلاف الخبر، فيكون حتى في الأمور التَّوافِهِ؛ وقال بعض العلماء: هما بمعنًى واحِدٍ.
стр. 69
وقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿بِمَا﴾ ما اسم موصول بمعنى الذي، وعائدها محذوف وهو المفعول به في قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما كنتم تَعْمَلونه. و (ما) الموصولة، بل وجميع الأسماء الموصولة، تفيد العموم، والدليل على أنَّ الأسماء الموصولة تفيد العموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] فأعاد الإشارة إليه جمعًا مع أنه مفرد، وهذا يدلُّ على أنه يفيد العموم.
إذن: كل ما نَعْمَلُ من خير وشَرٍّ وصغير وكبير وسابقٍ ولاحِقٍ، فإن الله تعالى يُنَبَّئُنا به؛ أي: يُخْبِرُنا به.
وتأمَّلِ اللُّطْف والإحسان؛ حيث قال تعالى: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠] ولم يقل: (يُؤاخِذُكم) لأنَّه ثبت في الصَّحيح: "أنَّ اللهَ يخلو بِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ، فيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، ويقول: عَمِلْتَ كَذَا في يَوْمِ كَذَا، وعَمِلْتَ كَذَا في يَوْمِ كذا حتى يَعْتَرِفَ، ثم يقول الله له: قَدْ سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وأنا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ" (١).
فهذا إنباءٌ بدون مؤاخَذَةٍ؛ ولهذا قال ﴿يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] ثم المؤاخَذَة إليه، فالإنباءُ وعدٌ عليه، والمؤاخَذَة إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ ولهذا كان الكُفَّار لا يُنَبَّؤُون بعملهم كما يُنَبَّأُ المؤمن؛ يعني أنَّ الله يخلو به، ويستر عليه، ويُقَرِّره بذنوبه معه وَحْدَه، أما الكُفَّار - والعياذ بالله - فيُنادَى على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] والله أعلم.
стр. 70
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: الله عليمٌ بذاتِ الصُّدُور، وهي القُلُوب، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فالمراد بذات الصدور؛ أي صاحِبَة الصُّدور؛ القلوب، وإنما ذكر الله هذه الجُمْلَة بعد قوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ للإشارة إلى أنَّ الحساب يكون على ما في القلب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٨, ٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩, ١٠].
فالمدار يوم القيامَةِ على ما في القَلْب، أما في الدنيا فالمَدارُ على الأعمال الظَّاهِرَة، ولهذا كان النَّبِي ﷺ يعامل المنافقين معامَلَةَ المسلمين؛ لأنَّهُم كانوا يتظاهَرُون بالإسلام، ونحن نحاسِبُ النَّاس في الدنيا على ما يَظْهَرُ من أَعمالِهم، ونَكِلُ سرائِرَهم إلى الله، أما في الآخرة فإن الحسابَ على ما في القلب.
ولهذا يجب على الإنسان أن يعتَنِيَ بصلاح قلبه قبل صَلاحِ جِسْمِه؛ لأنَّ صلاح الجسم واجهةٌ أمامَ الخَلْق، لكن صلاحُ القَلْبِ هو الذي يكون بين الإنسان وبين ربه .
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيان أنَّ الله إنَّما أَمَرَ العباد بعبادَتِه؛ لحاجتهم لذلك، ومَنْفَعَتِهم به، وليس لحاجته إلى ذلك؛ لقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات اسم الغَنِيِّ لله ، وإثبات ما دلَّ عليه مِن صِفَة؛ لأنَّ كلَّ اسمٍ من أسماء الله مُتَضَمِّن لصِفَة، وليست كلُّ صفةٍ مُتَضَمِّنَةً لاسم؛ ولهذا نقول: إنَّ صفاتِ الله أَوْسَعُ من أسماء الله؛ بمعنى أنها أكْثَرُ، ووجه ذلك ظاهر، إذا قلنا:
стр. 71
كل اسْمٍ مُتَضَمِّن لصفة، تساوت الأَسْماء والصفات، على أنَّ الاسم الواحِدَ يمكن أن يتضَمَّن عدَّة صفات، لكن لِنَقُلْ - على أدنى تقدير -: إنَّه لم يتضمَّنْ إلا صفةً واحدة، فإذا قلنا: كلُّ اسمٍ مُتَضَمِّن لصفة تساوت الأسماء والصفات، وهناك صفاتٌ لا يمكن أن يُشْتَقَّ منها أسماء، وهي كثيرة جدًّا، وبهذا تبيَّنَ أنَّ الصِّفاتِ أَوْسَعُ وأكْثَرُ من الأسماء.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الله لا يرضى الكُفْرَ للعباد؛ لأنَّه غيرُ لائقٍ بهم؛ إذ هم عباد الله، فاللَّائِقُ بهم أن يقوموا بطاعته وعبادته، ولا يليقُ بهم أن يكفروا به.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الرِّضَا لله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى﴾ وقوله فيما بعدها: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.
والرِّضا صفةٌ مِن صفاتِ الله الفِعْليَّة؛ لأنَّه مُتَعَلِّق بِمَشِيئَتِه، وكل وصفٍ يتعلَّق بمشيئة الله فإنَّه يُسَمَّى عند أهل السُّنَّة صفةً فِعْلِيَّة، وكل وَصفٍ معلَّقٌ بسبب فإنه من الصفات الفِعْلِيَّة؛ لأنَّه يُوجد عند وجود السَّبب، والحقُّ أنَّ الرِّضا صفةٌ حقيقية لله كالفَرَح والعَجَب والضَحِك، وما أشبه ذلك.
وزعم أهل التَّعْطيل أنَّ المراد بالرِّضا الثَّواب، ففسروه بشيءٍ بائنٍ عن الله مُنْفَصِلٍ عنه؛ مخافة أن تتعلَّق به الأفعالُ الاختياريَّةُ، وهذا من جَهْلِهِم؛ وذلك لأنَّنا إذا فسَّرْناه بالثَّواب، فالثَّوابُ لا يقع إلا بإرادَةٍ، والإرادة لا تكون إلا حينَ يُوجَدُ سبب الرضا، وحينئذٍ تكون الإرادَةُ حادِثَةً، فهم فَرُّوا من شيء ووقعوا في مِثْلِه، مع تحريفهم للنُّصوص بِصَرْفِها عن ظاهرها، وتَعْطيلهم للصِّفَة التي دلَّ عليها النَّصُّ؛ فهذه ثلاثَةُ محاذيرَ.
فالذين يُحرِّفون الكَلِم عن مواضِعِه يقعون في ثلاثَةِ محاذيرَ:
стр. 72
المحذور الأوَّل: أنَّهُم وقَعوا في مِثل ما فرُّوا منه، فإن كان ما فرُّوا منه محذورًا، فما وقعوا فيه محذور.
الثاني: أنَّهُم حرَّفوا النَّصَّ عن ظاهره، صرفوه إلى معنًى آخر.
الثالث: أنَّهُم عطَّلوا الله عن الصِّفَة التي دلَّ عليها النَّصُّ الذي حرَّفوه، فهم - مثلًا - عطَّلوا الله عن صفة الرِّضا، وحرَّفوا النَّصَّ عن ظاهره، ووقعوا فيما فرُّوا منه، وهكذا في جميع الصِّفات التي حرَّفوها عن ظاهرها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه لا تَلازُم بين الرِّضا والإرادة، وجهه أنه قال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ مع أنه أَخبر في آيات كثيرة: أنَّ الكفر واقعٌ بإرادته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] فإذا جمعنا بين هذا وهذا، عَرفنا بأنه لا تَلازُم بين الرِّضا والإرادة، فقد يُريد ما لا يَرضاه، وقد يَرضى ما لا يُريده، فهو - مثلًا - يرضى من كل واحدٍ من النَّاس أن يَشْكُر لله، وهل أراد ذلك؟ لا.
فالله يرضى من الكافر أن يُسْلِمَ ولكنه لم يُرِدْ أن يُسْلِمَ؛ فلا تلازم، فإنه قد يوجد الرضا بلا إرادة وتوجد الإرادة بلا رضًا ويوجد رضًا وإرادة؛ فالكافر يرضى الله منه أن يسلم، ولا يرضى الكفر، ويرضى الشكر؛ فيرضى من هذا الكافر أن يشكر ويؤمن، لكن هل أراد الله أن يشكر المؤمن؟ لو أراد الله لوقع.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارةُ إلى أنَّ الكُفْر غيرُ مَرْضِيٍّ لله، في قوله: ﴿لِعِبَادِهِ﴾ والعبد يجب أن يكون مؤمنًا بِسَيِّده، مطيعًا له، فكيف يكون عبدًا ثم يكفر به؟!
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فضيلة الشُكْر، وأنَّ الشاكر يَنالُ رضا ربه؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، وقد جاء في الحديث: "إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ
стр. 73
فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا" (١)، "يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا"؛ وقوله: (الأَكْلَة) هل المراد الوَجْبة من الطَّعام أو المراد كُلُّ لُقْمة؟
الجواب: هناك مَن يَرى أنَّ المراد الوَجْبة، وهناك مَن يَرى أنَّ المراد اللُّقمة، وكان الإمام أحمد ﵀ يأكل، وكلما أكل لقمة حَمِدَ الله، فقيل له في ذلك، فقال: "أَكْلٌ وحَمْدٌ خيرٌ من أكلٍ وصَمْتٍ" (٢)؛ لأنَّ لفظ الحديث: "يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ" مُحتملٌ لأنْ يكون المراد به اللُّقمة أو الوجبة من الطعام، وكذلك يقال في الشرب، والإنسان ينبغي له في الشرب أن يشرب بثلاثة أنفاسٍ، في كل نَفَس يَحمَد الله عليه، إذا قلنا: المراد بالشَّرْبة النَّفَس.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الله يرضى الشُكْر لعباده، وإذا رَضِيَ الله عن العبد، كان ذلك سببًا في إرضاء العَبْد، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] فيرضى الله عليهم بعبادتهم إيَّاه، ويرضون عنه بما أثابهم، نسأل الله أن يَجْعَلني وإيَّاكم منهم؛ أنَّ الإنسان يَرضى عن ربِّه، ويرضى الله عنه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنه لا تَحْمِل نَفْسٌ إثْمَ نفسٍ أخرى، حتى وإن ضَمِنَت النفس الأخرى ذلك الذَّنب؛ فمثلًا: لو قال شخص لآخر: افعل كذا من الذُّنوب والإثْمُ عليَّ، فيقول: أنا ضامِنٌ، فهل يصح؟ لا؛ أرأيتم لو ضَمِن دَينًا على شَخْص، فهل يصح؟ يَصِحُّ، وهو يُحمِّلُ نفسه بهذا الضَّمان، يُحَمِّل نفسه دينًا؛ فإذا كان كذلك، لماذا لا يَصِح أن يَضْمَنَ إثْمَ مَن فَعل الإثْم؟
стр. 74
الجواب: لقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] نحن نتحمَّل العذاب عنكمْ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢]، بل إنه يوم القيامة يكون الأمر أشَدَّ، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] يتبَرَّؤون منهم، ويَتَحاجَّون في النَّار، كلُّ طائفة تتبَرَّأ من الأخرى، فلا يمكن لأحدٍ أن يَحْمِل إثم أحدٍ أبدًا.
فإذا قال قائلٌ: كيف يُجمَع بين هذه الآية الكريمة وبين قول الرَّسول ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١)، وإخباره: أنَّه "مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ بغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ - الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ - كِفْلٌ مِنْ ذَلِكَ" (٢).
فالجواب: أنَّ مَن سَنَّ السُنَّة السَّيِّئة، فإن آثام مَنِ استَنَّ به عليه؛ لأنْ هذا مِن فِعْله، فهو في الحقيقة لم يَحْمِل إثْمَ غيره إلا لأنه هو السَّبَب الذي جرَّ النَّاس إلى هذا الإثم؛ فقد يكون ناسٌ مُسْتَوْحِشينَ من هذا الإثم، يَخْشَوْن منه ويهابونه، فإذا فعله شخص هان عليهم الأَمْر، واقْتَدَوْا به، لا سيما إذا كان الشخص ذا كَلِمَةٍ مُطاعة؛ كالأمير والعالم، وما أشبه ذلك.
إذن: لا تعارُضَ بين الآية والحديث، وجهه: أنَّ مَن سَنَّ السُّنَّة السَّيِّئة فإنَّه عمل العمل الذي به الإثْمُ، والسَّبب اقتداءُ النَّاس به.
стр. 75
الْفَائِدَةُ الْعَاشرَةُ: الإشارة إلى أنَّ الإثْمَ إنما يتحمَّلُه من كان قابلًا له؛ لقوله: ﴿وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ والوازِرَة هي التي تكون أهلًا لتَحَمُّل الوِزْر، والذي يكون أهلًا لتَحَمُّل الوِزْر من جَمْعِ وَصْفَيْنِ: البلوغ والعقل؛ لقوله في الحديث الصَّحيح: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ" (١) صحَّحه كثير من أهل العلم.
فإن قال قائل: أليس الأبُ الراعي على أولاده إذا أهملوا شيئًا كان عليه إثمٌ من إهمالهم؟
فالجواب: بلى، ولكِنَّ إهمالَه إيَّاهم وزرٌ وإثْمٌ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]؛ ولأنَّ النَّبِي ﷺ قال: "الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (٢).
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ إلخ: أنَّ المَرْجِعَ إلى الله يوم القيامة.
ويتفرَّع على هذه الفائِدَة: وجوبُ الاستعداد لهذا اللِّقاء وهذا المَرْجِع، والاستعدادُ له يكون بِتَرْكِ المعاصي وفِعْل الطَّاعات، فما دام المَرْجِعُ إلى الله فلا يمكن أن تَرْجِعَ إلى غيره؛ ومهما كان فإنَّ مرجعكم إلى الله ، فهو منه المبتدأ وإليه المُنْتهى.