كل اسْمٍ مُتَضَمِّن لصفة، تساوت الأَسْماء والصفات، على أنَّ الاسم الواحِدَ يمكن أن يتضَمَّن عدَّة صفات، لكن لِنَقُلْ - على أدنى تقدير -: إنَّه لم يتضمَّنْ إلا صفةً واحدة، فإذا قلنا: كلُّ اسمٍ مُتَضَمِّن لصفة تساوت الأسماء والصفات، وهناك صفاتٌ لا يمكن أن يُشْتَقَّ منها أسماء، وهي كثيرة جدًّا، وبهذا تبيَّنَ أنَّ الصِّفاتِ أَوْسَعُ وأكْثَرُ من الأسماء.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الله لا يرضى الكُفْرَ للعباد؛ لأنَّه غيرُ لائقٍ بهم؛ إذ هم عباد الله، فاللَّائِقُ بهم أن يقوموا بطاعته وعبادته، ولا يليقُ بهم أن يكفروا به.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الرِّضَا لله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى﴾ وقوله فيما بعدها: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.
والرِّضا صفةٌ مِن صفاتِ الله الفِعْليَّة؛ لأنَّه مُتَعَلِّق بِمَشِيئَتِه، وكل وصفٍ يتعلَّق بمشيئة الله فإنَّه يُسَمَّى عند أهل السُّنَّة صفةً فِعْلِيَّة، وكل وَصفٍ معلَّقٌ بسبب فإنه من الصفات الفِعْلِيَّة؛ لأنَّه يُوجد عند وجود السَّبب، والحقُّ أنَّ الرِّضا صفةٌ حقيقية لله كالفَرَح والعَجَب والضَحِك، وما أشبه ذلك.
وزعم أهل التَّعْطيل أنَّ المراد بالرِّضا الثَّواب، ففسروه بشيءٍ بائنٍ عن الله مُنْفَصِلٍ عنه؛ مخافة أن تتعلَّق به الأفعالُ الاختياريَّةُ، وهذا من جَهْلِهِم؛ وذلك لأنَّنا إذا فسَّرْناه بالثَّواب، فالثَّوابُ لا يقع إلا بإرادَةٍ، والإرادة لا تكون إلا حينَ يُوجَدُ سبب الرضا، وحينئذٍ تكون الإرادَةُ حادِثَةً، فهم فَرُّوا من شيء ووقعوا في مِثْلِه، مع تحريفهم للنُّصوص بِصَرْفِها عن ظاهرها، وتَعْطيلهم للصِّفَة التي دلَّ عليها النَّصُّ؛ فهذه ثلاثَةُ محاذيرَ.
فالذين يُحرِّفون الكَلِم عن مواضِعِه يقعون في ثلاثَةِ محاذيرَ:
стр. 72
المحذور الأوَّل: أنَّهُم وقَعوا في مِثل ما فرُّوا منه، فإن كان ما فرُّوا منه محذورًا، فما وقعوا فيه محذور.
الثاني: أنَّهُم حرَّفوا النَّصَّ عن ظاهره، صرفوه إلى معنًى آخر.
الثالث: أنَّهُم عطَّلوا الله عن الصِّفَة التي دلَّ عليها النَّصُّ الذي حرَّفوه، فهم - مثلًا - عطَّلوا الله عن صفة الرِّضا، وحرَّفوا النَّصَّ عن ظاهره، ووقعوا فيما فرُّوا منه، وهكذا في جميع الصِّفات التي حرَّفوها عن ظاهرها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه لا تَلازُم بين الرِّضا والإرادة، وجهه أنه قال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ مع أنه أَخبر في آيات كثيرة: أنَّ الكفر واقعٌ بإرادته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] فإذا جمعنا بين هذا وهذا، عَرفنا بأنه لا تَلازُم بين الرِّضا والإرادة، فقد يُريد ما لا يَرضاه، وقد يَرضى ما لا يُريده، فهو - مثلًا - يرضى من كل واحدٍ من النَّاس أن يَشْكُر لله، وهل أراد ذلك؟ لا.
فالله يرضى من الكافر أن يُسْلِمَ ولكنه لم يُرِدْ أن يُسْلِمَ؛ فلا تلازم، فإنه قد يوجد الرضا بلا إرادة وتوجد الإرادة بلا رضًا ويوجد رضًا وإرادة؛ فالكافر يرضى الله منه أن يسلم، ولا يرضى الكفر، ويرضى الشكر؛ فيرضى من هذا الكافر أن يشكر ويؤمن، لكن هل أراد الله أن يشكر المؤمن؟ لو أراد الله لوقع.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارةُ إلى أنَّ الكُفْر غيرُ مَرْضِيٍّ لله، في قوله: ﴿لِعِبَادِهِ﴾ والعبد يجب أن يكون مؤمنًا بِسَيِّده، مطيعًا له، فكيف يكون عبدًا ثم يكفر به؟!
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فضيلة الشُكْر، وأنَّ الشاكر يَنالُ رضا ربه؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، وقد جاء في الحديث: "إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ
стр. 73
فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا" (١)، "يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا"؛ وقوله: (الأَكْلَة) هل المراد الوَجْبة من الطَّعام أو المراد كُلُّ لُقْمة؟
الجواب: هناك مَن يَرى أنَّ المراد الوَجْبة، وهناك مَن يَرى أنَّ المراد اللُّقمة، وكان الإمام أحمد ﵀ يأكل، وكلما أكل لقمة حَمِدَ الله، فقيل له في ذلك، فقال: "أَكْلٌ وحَمْدٌ خيرٌ من أكلٍ وصَمْتٍ" (٢)؛ لأنَّ لفظ الحديث: "يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ" مُحتملٌ لأنْ يكون المراد به اللُّقمة أو الوجبة من الطعام، وكذلك يقال في الشرب، والإنسان ينبغي له في الشرب أن يشرب بثلاثة أنفاسٍ، في كل نَفَس يَحمَد الله عليه، إذا قلنا: المراد بالشَّرْبة النَّفَس.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الله يرضى الشُكْر لعباده، وإذا رَضِيَ الله عن العبد، كان ذلك سببًا في إرضاء العَبْد، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] فيرضى الله عليهم بعبادتهم إيَّاه، ويرضون عنه بما أثابهم، نسأل الله أن يَجْعَلني وإيَّاكم منهم؛ أنَّ الإنسان يَرضى عن ربِّه، ويرضى الله عنه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنه لا تَحْمِل نَفْسٌ إثْمَ نفسٍ أخرى، حتى وإن ضَمِنَت النفس الأخرى ذلك الذَّنب؛ فمثلًا: لو قال شخص لآخر: افعل كذا من الذُّنوب والإثْمُ عليَّ، فيقول: أنا ضامِنٌ، فهل يصح؟ لا؛ أرأيتم لو ضَمِن دَينًا على شَخْص، فهل يصح؟ يَصِحُّ، وهو يُحمِّلُ نفسه بهذا الضَّمان، يُحَمِّل نفسه دينًا؛ فإذا كان كذلك، لماذا لا يَصِح أن يَضْمَنَ إثْمَ مَن فَعل الإثْم؟
стр. 74
الجواب: لقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] نحن نتحمَّل العذاب عنكمْ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢]، بل إنه يوم القيامة يكون الأمر أشَدَّ، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] يتبَرَّؤون منهم، ويَتَحاجَّون في النَّار، كلُّ طائفة تتبَرَّأ من الأخرى، فلا يمكن لأحدٍ أن يَحْمِل إثم أحدٍ أبدًا.
فإذا قال قائلٌ: كيف يُجمَع بين هذه الآية الكريمة وبين قول الرَّسول ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١)، وإخباره: أنَّه "مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ بغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ - الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ - كِفْلٌ مِنْ ذَلِكَ" (٢).
فالجواب: أنَّ مَن سَنَّ السُنَّة السَّيِّئة، فإن آثام مَنِ استَنَّ به عليه؛ لأنْ هذا مِن فِعْله، فهو في الحقيقة لم يَحْمِل إثْمَ غيره إلا لأنه هو السَّبَب الذي جرَّ النَّاس إلى هذا الإثم؛ فقد يكون ناسٌ مُسْتَوْحِشينَ من هذا الإثم، يَخْشَوْن منه ويهابونه، فإذا فعله شخص هان عليهم الأَمْر، واقْتَدَوْا به، لا سيما إذا كان الشخص ذا كَلِمَةٍ مُطاعة؛ كالأمير والعالم، وما أشبه ذلك.
إذن: لا تعارُضَ بين الآية والحديث، وجهه: أنَّ مَن سَنَّ السُّنَّة السَّيِّئة فإنَّه عمل العمل الذي به الإثْمُ، والسَّبب اقتداءُ النَّاس به.
стр. 75
الْفَائِدَةُ الْعَاشرَةُ: الإشارة إلى أنَّ الإثْمَ إنما يتحمَّلُه من كان قابلًا له؛ لقوله: ﴿وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ والوازِرَة هي التي تكون أهلًا لتَحَمُّل الوِزْر، والذي يكون أهلًا لتَحَمُّل الوِزْر من جَمْعِ وَصْفَيْنِ: البلوغ والعقل؛ لقوله في الحديث الصَّحيح: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ" (١) صحَّحه كثير من أهل العلم.
فإن قال قائل: أليس الأبُ الراعي على أولاده إذا أهملوا شيئًا كان عليه إثمٌ من إهمالهم؟
فالجواب: بلى، ولكِنَّ إهمالَه إيَّاهم وزرٌ وإثْمٌ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]؛ ولأنَّ النَّبِي ﷺ قال: "الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (٢).
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ إلخ: أنَّ المَرْجِعَ إلى الله يوم القيامة.
ويتفرَّع على هذه الفائِدَة: وجوبُ الاستعداد لهذا اللِّقاء وهذا المَرْجِع، والاستعدادُ له يكون بِتَرْكِ المعاصي وفِعْل الطَّاعات، فما دام المَرْجِعُ إلى الله فلا يمكن أن تَرْجِعَ إلى غيره؛ ومهما كان فإنَّ مرجعكم إلى الله ، فهو منه المبتدأ وإليه المُنْتهى.
стр. 76
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: بيان شُمولِ عِلْمِ الله؛ لقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالذي كنتم تعملون كله صغيره وكبيره، والخطابُ لجميع النَّاس، وهذا يدلُّ على شمول عِلْم الله ، وهو كذلك؛ فعِلْم الله تعالى واسِعٌ محيطٌ بكلِّ شيءٍ، وقد نبَّه الله على بيان كيف كان واسعًا؛ فقال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ يعني: إذا كان الله هو الخالِقَ، وهذا شيءٌ مُقَرٌّ به، لزم أن يكون عالِمًا بما خَلق؛ إذ كيف يُمْكِنُ أن يَخْلُقَ ما لا يعلمه! هذا مستحيلٌ.
أما قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ فـ ﴿مَنْ﴾ هل هي فاعل أو مفعولٌ؟ يجوز فيها الوجهان: أنْ تكون فاعِلًا، بمعنى: ألَا يعلم مَنْ خلق مَنْ خَلَقَهُ، ويجوز أن تكون مفعولًا به؛ أي: ألَا يعلمُ اللهُ من خَلَقَه، ومعلومٌ أنَّ الخالق والمخلوق بينهما تناسُبٌ؛ فلا خالق إلا بِخَلْق ومَخْلوق، ولا مَخْلوق إلا بخالِقٍ؛ نعم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الله عالِمٌ بأسرار العبد؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] بل لَيَعْلَمُ ما يُسْتقبَل للمَرْء، والإنسانُ يعلم ما تُوَسْوِسُ به نفسه، لكن لا يعلم ماذا يَكْسِبُ غدًا، والله يعلم ماذا يَكْسِبُه العبد غدًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الإشارة إلى أنَّ الحسابَ يوم القيامة يكون على ما في الصُّدور؛ لأنَّه لمَّا ذكر الإنباء قال: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يعني فالمَرْجِعُ في الحساب إلى ما في القلب، فصحِّحْ ما في قلبك؛ لأنَّ المدارَ عليه، ولهذا شواهِدُ من الآيات ذكرناها أثناء التَّفسير.
стр. 77
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الإشارَةُ إلى أنَّ القلبَ هو الذي عليه مدار الصَّلاح؛ لأنَّه إذا كان الحساب على ما في القَلْبِ فهو عليه مدار الصَّلاح؛ ويؤَيِّده قولُ النَّبِي ﷺ : "أَلا وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (١).
стр. 78
الآية (٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ﴾ أي: أصاب، و ﴿الْإِنْسَانَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: المراد به [الكافر] المراد به الكافر، وإنَّما جعل هذا العام خاصًّا لظاهر سياقِ الآية كما يتبَيَّن، وإلا فالأصل أنَّ الإنسانَ من ألفاظ العُمُوم، فـ (أل) فيه لاستغراق الجِنْس.
وعلامة (أل) التي لاسْتِغْراق الجِنْس أن يَحُلَّ مَحَلَّها (كُلٌّ) أي: كُلُّ إنسان، لكن المُفَسِّر ﵀ جعله عامًّا أريد به الخاصُّ لقرينة السِّياق، فإنَّ السِّياق يدلُّ على أنَّ المراد به الكافِرُ؛ لأنَّه لا يمكن أن يتأتَّى ما يدل عليه السِّياقُ من مؤمن.
قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ ضُرٌّ: نكِرَةٌ في سياق الشَّرْط فتكون عامَّةً، أيَّ ضُرٍّ يكونُ؛ في بدنه، في أهله، في ماله، عام، خاص؛ أي ضرٍ يكون يدخل في قوله: ﴿ضُرٌّ﴾.
قوله: ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ ولم يقل: دعا الله، ففي هذه الحال - أي في إصابة الضر - عرف ربَّه وأنه لا مَلْجَأَ منه إلا إليه، فيدعو ربَّه معتقدًا أنه ربُّه يَمْلِك ما شاء ويتصَرَّفُ فيما شاء.
стр. 79
وقال المُفَسِّر ﵀: [تَضَرَّع] يعني: فَسَّرَ دعا بمعنى تضَرَّع؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ [الأعراف: ٥٥] والتَّضَرُّع هو الاستكانة والذُّلُّ أمام الله .
قوله: ﴿مُنِيبًا﴾ راجعًا إليه، فإذا دعا ربه مُنيبًا إليه كَشَفَ الله ضُرَّه؛ لأنَّه قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢].
وإجابة الله للمُضْطَرِّ تَشْمَلُ الكافر والمُسْلم؛ حتى الكافر الذي يعلم الله أنه سَيَكْفُرُ بعد زوال اضْطِرارِهِ يُجيبُ دعوته، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
فهو يعلم أنَّهُم سيُشْرِكون بعد النَّجاة، ومع ذلك يجيبهم؛ لأنَّ رَحْمَتَه سبقت غَضَبَه، ففي حال الضَّرورة يَصْدُق لجوءُ الإنسانِ إلى ربِّه؛ لأنَّه يعلم أنه لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلا اللهُ؛ فإذا لجأ إلى ربِّه فإنَّ رحمته سبقت غضبه، فيجيبه رحمةً به.
فهنا يقول : ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ إلى آخره؛ يعني كأنَّ هذا - والله أعلم - إشارة إلى أنَّه بعد أن تَغْمُرَه النِّعْمَة ويَسْتَمِر فيها وقتًا يُنَعَّم بها، بعد ذلك يَكْفُر.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾ قال ﵀: [إذا أَعْطاه] تفسير: لـ ﴿خَوَّلَهُ﴾، [إنعامًا] تفسير لـ ﴿نِعْمَةً﴾ أمَّا تفسير خوَّله بـ (أعطاه) فواضِحٌ، وأما تَفْسيرُ نِعْمَةٍ بإنعامٍ فلا وَجْهَ له؛ لأنَّ المُعْطَى ليس الإنعامَ وإنما المُعْطَى النِّعْمَة، وعلى هذا فإبقاءُ الآية على ظاهرها أَوْلى مِمَّا ذهب إليه المُفَسِّر ﵀.
стр. 80
إذن: فأعطيناه إنعامًا لا يستقيم به الكلامُ؛ لأنَّ الإنعامَ فِعْل الله، والمُعْطى هو النِّعْمَةُ، وليس فِعْل الله، فإبقاءُ الآية على ظاهرها لا شَكَّ أنَّه هو الموافق للواقِعِ.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾: (مِن) هنا للابتداء أي: نِعْمَةً صادرةً من الله يتبيَّن بها أنها فضلٌ مَحْضٌ من الله.
قوله ﵀: [﴿نَسِيَ﴾ تَرَكَ ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ يتضَرَّعُ ﴿إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو الله].
فانظر - يا أخي - كان يتضَرَّعُ إلى الله في أن يَكْشِفَ عنه الضُّرَّ، فلما كشَفَ الله عنه الضُّرَّ وأعطاه نِعْمَةً زائدة على كَشْفِ الضُّرِّ ماذا تكون حالُه؟ قال تعالى: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾.
قوله: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ النِّسيانُ هنا بمعنى الغَفْلَة وليس المراد به: ذُهُولَ القَلْبِ وإنما المرادُ: الغَفْلَة المتَضَمِّنَة للتَّرْك، ومن ذلك قوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤, ٥] أي: غافلون عن صلاتِهِم.
وقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ الضَّميرُ يعود على الله ، و ﴿مَا﴾ تعود على الله؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [فـ (ما) في موضع (مَن)].
(ما) في قوله: ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ في مَوْضِعِ (من)؛ يعني: مرادُ المُفَسِّر ﵀: أنَّ (ما) بمعنى (من) أي: نَسِيَ من كان يدعو إليه من قبل، يعني مَن يُوجِّهُ الدُّعاء إليه، أو كما قال المُفَسِّر ﵀: [يتضَرَّعُ إليه] وهو الله ، فغَفَلَ، وكأنَّ الله ما أنعم عليه بِكَشْفِ الضُّرِّ وتَخْويلِهِ النِّعْمَةَ.
قوله: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ الأندادُ لم يَغْفُلْ عنهم،
стр. 81
و (الواحِدُ القهَّار) غَفَلَ عنه ذلك الشَّخْصُ، والعياذ بالله! مع أنَّ الأنداد لم تَنْفَعْه ولم يتضرَّع إليها حين أصابه الضُّرُّ، ومع ذلك يُقْبِلُ عليها وَيدَعُ من أَنْعَمَ عليه.
﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ شركاءَ، والأندادُ جَمْع: نِدٍّ، والنِّدُّ هو المُسَامِي لنِدِّه؛ المُماثِلِ له فيجعل لله أندادًا في العبادة، فيعبد هذه الأصنام كما يعبُدُ الله ، يَنْذِرُ لها كما يَنْذِر لله، يذبَحُ لها كما يذبح لله، وهكذا.
قال ﵀: [﴿لِيُضِلَّ﴾: بفتح الياء وضَمِّها ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ دين الإسلام].
قال تعالى: ﴿أَنْدَادًا لِيُضِلَّ﴾ اللَّامُ هذه إمَّا أن تكون للتَّعليل، وإما أن تكون للعاقِبَة، فإن كانت على قراءة الفَتْح (لِيَضِلَّ) فاللَّامُ للعاقِبَة؛ يعني: جعل لله أندادًا أدَّتْ به إلى الضلال، وإن كانت بِضَمِّ الياء (لِيُضِلَّ) فاللام للتَّعليل؛ يعني: جعل لله أندادًا ليَقْتَدِيَ به النَّاسُ فيَضِلُّوا.
والآية فيها قراءتان: (لِيَضِلَّ) و ﴿لِيُضِلَّ﴾ فيَضِل تعود إلى نفسه، ويُضِل تعود إلى غيره، وهاتان القراءتان كلتاهما صحيحة، وكل واحدة تفيد معنًى يُكمِل معنى الأخرى، فهو يَضِلُّ بِنَفْسه، ويُضِلُّ غَيْرَه أيضًا.
فإن قال قائل: هل يمكن نقول: إنَّ قِراءة ﴿لِيُضِلَّ﴾ أقربُ مِن قراءة (ليَضِلَّ)؟
فالجواب: لا، لكن يمكن أن نقول: لا شكَّ أن يُضِلَّ متعدٍّ ضلالُه للغير، لكن إذا قلنا: إنَّه ضَلَّ أوَّلًا ثم أضَلَّ ثانيًا يكون مجموع القراءتين فيهما فائِدَةٌ لا تحصل بانفراد إحداهما.
ولام العاقبة تأتي في اللُّغَة العَربيَّة، كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فهل آلُ فرعون التقطوا موسى من أجل أن
стр. 82
يكون لهم عدوًّا وحَزَنًا؟ أبدًا؛ يقول: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، لكن في العاقبة صار ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
وتأتي اللام أيضًا زائدةً، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ﴾ أي: أنْ يُذْهِبَ، وكما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ﴾ أي: أنْ يُبَيَّن، وإنما قالوا: إنَّها زائدة لأنَّ كلمة (أراد) تتعدى بِنَفْسِها لا باللَّام، ولا تصلح أن تكون للتَّعليل؛ لأنَّ التعليل مستفادٌ من الإِرادَة، وعلى هذا فيعربونها على أنها زائِدَة.
فتبين أنَّ اللام التي تدخل على المضارع تكون زائدة، وتكون تعليلية - وهي الأكثر - وتكون للعاقِبَة.
وقوله ﵎: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: ﴿سَبِيلِهِ﴾ أي: طريق الله المُوصِل إليه، هذه سبيل الله.
والسَّبيلُ يضاف إلى الله تارةً كما في هذه الآية، وكما في آياتٍ أخرى كثيرة، ويضاف إلى المَخْلوق؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] فما هو الجمع بينهما؟ الجمع بينهما: أنَّه يُضاف إلى اللهِ باعتبار أنَّه هو الذي وَضَعَه وأنه مُوصِلٌ إليه، ويضاف إلى غير الله للمخلوق باعتبار أنه هو السَّالِكُ له، إذن فسبيلُ الله؛ يعني: هو الذي شرع هذا السبيل، ووَضَعَه للعباد، وهو يوصل إلى الله، سبيلُ الرَّسول ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨]؛ أي: طريقي الذي أَسْلُكُه.
ومثل ذلك يقال في الصراط: صراط الله؛ قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] فصراط الله باعتبار أنه هو الذي وَضَعَه وأنه مُوصِل إليه و ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ باعتبارِ أنَّهُم هم الذين يَسْلُكونه.
стр. 83
وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [دينِ الإِسْلامِ]، وهذا تفسيرٌ للكلمة بمرادها؛ لأنَّ التفسير للقرآن أحيانًا يكون تَفْسيرًا لفظيًّا، وأحيانًا يكون تفسيرًا معنويًّا:
التفسير اللَّفْظي: أنْ تُفَسِّرَ اللَّفْظة بمعناها.
والتفسير المعنوي: أنْ تُفَسِّرَ اللَّفْظَةَ بالمرادِ بها.
فمثلًا: دين الإسلام لا يُطابِقُ في المعنى اللَّفْظي السبيلَ؛ لأنَّ السَّبيلَ في اللغة الطَّريق؛ فلو قيل: فَسِّر (سَبيل)؛ تقول: يعني: طريق، لكن السَّبيل المراد به: دين الإسلام؛ لأنَّ دين الإسلام - وهو شرائع الإسلام - يُوصِل إلى الله ، والذي وضعه هو الله .
إذن: المُفَسِّر ﵀ فسَّر السبيل هنا بالمعنى المرادِ؛ أي: إنَّ المرادَ بذلك كذا وكذا.
وقوله ﵀: [دين الإسلام] واضِحٌ أنَّه هو سبيل الله؛ لأنَّ الله هو الذي شَرَعَه ، ولأنَّ من سلكه أوصله إلى الله.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بقيَّةَ أَجَلِكَ] ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أعوذ بالله!.
قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ الخطابُ للرسول ﷺ ، ويُحْتَمَل أن يكون الخِطابُ لكلِّ من يَصِحُّ خطابه؛ أي: قل أيُّها الإنسانُ لهذا الكافر أو لهذا الإنسانِ الموصوفِ بهذه الصفات: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾.
وقوله: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ هذا أمْرٌ، لكنه ليس على ظاهِرِه، بل المراد بالأمر
стр. 84
هنا: التَّهديدُ؛ كقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ومعلومٌ أنَّ الإنسان ليس بالخيارِ بين الإيمان والكفر، لكن هذا من باب التَّهديدِ، فهنا ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ ليس معناه أننا نُبيحُ له أن يتمتَّع بالكُفْر، أو نأمره أن يتمَتَّع بالكفر، بل نهدِّدُه؛ فالأَمْرُ هنا للتَّهْديد.
فإن قال قائل: ما الذي أخرجه عن المعنى الأصلي؟
فالجواب: أنَّه أخرجَه عن المعنى الأصلي: قرينَةُ السِّياقِ.
فقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أي: اكْفُرْ وتَمَتَّع بالكفر؛ لأنَّ الكافر يتمتَّع بكفره تَمَتُّعَ البهائِمِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
فالكافر - والعياذ بالله - لا يُقَيِّد نَفْسَه بعبادة؛ لا بصلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، ولا غير ذلك من العبادات، بل هو قد اتَّبَعَ هواه وتَمَتَّع كما يتمتَّعُ الحمارُ؛ وفي النهاية قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
وما أسْرَعَ وصولَه إلى النار؛ لأنَّ الدنيا قليلٌ؛ أي: زمنٌ قليلٌ؛ مهما طال بك العُمُر، فإنه إذا وافاك الأَجَل كأنْ لم تَلْبَثْ إلا ساعَةً من نهارٍ، وإذا شِئْتَ تصديقَ هذا فاعْتَبِرْ ما مضى من عُمُرك بما بقي، اعتبر ما مضى، الآن كلنا يختلف سِنُّه عن الآخر، لكنْ كلُّنا كأننا ولادَة هذه السَّاعَة؛ يعني: كلُّ الذي مضى كأنه لم يَكُنْ، هكذا يكون بَقِيَّةُ العُمُر، مهما طال بالإنسان العُمُر؛ ولهذا قال: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ وإن طال بك العُمُر.
стр. 85
يقول ﵀: [بَقِيَّة أَجَلِك ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾] الجملة هذه مؤكَّدة بـ (إنَّ) يعني: ومهما تَمَتَّعْتَ فمآلُكَ إلى النار ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وأصحاب النار إنما تُطْلَقُ على الذين يُخَلَّدون فيها، فالمؤمِنُ العاصي وإن كان يَسْتَحِقُّ العذابَ بالنار، فإنه لا يُسَمَّى من أصحابِ النار؛ لأنَّ الأصل في الصُّحْبَة: طولُ المُلازَمَة، هذا الأصْلُ في الصحبة؛ طولُ المُلازَمَة، إلا في مسألة واحدة هي الصَّحابة مع الرَّسول ﷺ ، فلو اجْتَمَع بالرَّسول ﷺ مُؤْمنًا به ولو لَحْظَةً صار من أصحابه.
يقول تعالى: ﴿النَّارِ﴾ هي الدار التي أعدها الله للكافرينَ، وقد بيَّن الله تعالى في الكتاب، وبَيَّن رسولُه ﷺ في السُّنَّة ما فيها من أنواع العذاب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٨].
أعوذ بالله! يُصَبُّ فوق رأسه من عذاب الحَميمِ؛ الماءِ الحارِّ الشَّديدِ الحَرارَةِ ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وهذا من باب التَّهَكُّم به؛ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. يعني: وأين عِزَّتُكَ وأين كَرَمُك في الدنيا؟! يرى نَفْسَه سيِّدًا شريفًا، ولكنه في الآخرة يُهانُ إلى هذه الإهانَةِ.
المهم: أنَّ أَنْواعَ العذابِ في النار شيء - والعياذ بالله - إذا تصوَّرَهُ الإنسان فإنه يتَبَيَّنُ له شِدَّةُ ما يلاقي هؤلاء من العُقُوبة الشَّديدَة؛ نعوذ بالله من النار.
стр. 86
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الكافِرَ لا يعرف ربَّه إلا عند الضَّرورة؛ لقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن عبادة الضَّرورة لا تنفع غالبًا أي إنَّ الإنسان إذا عَرَفَ ربَّه عند الضَّرورة فقط، فالغالب أنه لا ينتفع بهذه العِبادَة؛ لأنَّها ليست عبادةً عن رَغْبَة ولكنها عبادة من أجل إنجاءِ الإنسانِ من الهَلَكَة، وإن كان أحيانًا يَنْتَفِعُ ربما يكون هذا سببًا لفَتْحِ الله عليه، كما يوجَدُ الآن من النَّاس مثلًا من يصاب بمرض شديدٍ ويخاف منه الهلاك، فيُنيبُ إلى الله ويدعو الله ، ثم يَمُنُّ الله عليه بالاستمرار، لكنَّ الغالِبَ أنَّ التعبُّد ضرورةً لا يُفيدُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الكافِرَ يُؤْمِنُ بالله، وأن إيمانه بالله لا يُخْرِجُه من الكفر؛ لقوله: ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ فالإيمانُ بالله وبربوبيته لا يكفي ولا يُخْرِجُ الإنسانَ من الكفر. ودليل ذلك: أنَّ المشركينَ الذين بُعِثَ فيهم رسولُ الله ﷺ كانوا يُقِرُّون بالله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩].
يعني: يُقِرُّون بأنَّ الذي خَلَقَهُم هو الله وَيصِفُونَه بالصِّفات الكامِلَة، ومع ذلك فهم كفَّار استباحَ النَّبِيُّ ﷺ دماءهم ونساءهم وأموالَهُم وذُرَّيَّتَهم.
وبه نعرف أن من قال عن النصارى: إنَّهُم مؤمنون، فهو جاهل، بل إن كان عالِمًا بما يدلُّ عليه الشَّرْعُ مِنْ كُفْرِهِم فهو مُرْتَدٌّ؛ لأنَّ من حكم بالإيمانِ لِمَن كَفَّرَهُ الله، فإنَّه مُرْتَدٌّ مُكَذِّبٌ لله ، وكذلك من قال عن اليهود: إنَّهم مؤمنون بالله؛ فإن
стр. 87
هذا الكلام صادِرٌ إما عن جهل وإما عن رِدَّةٍ، والعياذ بالله.
فإذا قال: إنَّهم يؤمنون بالله يقولون: الله هو الكاشِفُ للضُّرِّ، وهو المدبِّر للأمور!.
قلنا: هذا لا يَنْفَعُهُم، ولهذا تجد عند العامَّة لمَّا التبس عليهم هذا الأمْرُ تجدهم إذا قيل لهم: إنَّ تارِكَ الصَّلَاةِ كافِرٌ، قالوا: كيف يكون كافِرًا وهو يشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، فأين الكُفْرُ؟
فيقال: ليس كلُّ من شَهِدَ بهذا يكون مُؤْمنًا، فالمنافقون يأتون إلى رسولِ الله ﷺ يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ويؤكِّدونَ هذا، فيؤكِّدُ الله كَذِبَهُم، فيقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]؛ فهم وإن شهدوا بألسنتهم فهم كاذبون بقلوبِهِم.
وعلى كلِّ حال: هذه الآيَةُ تدلُّ على أنَّ مُجَرَّد اعتراف الإنسان بالرَّبِّ لا يُخْرِجُه عن الكفر.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الله يجيب دعوة المُضْطَرِّ، ولو كان كافرًا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾.
فإن قال قائِلٌ: كيف يجيب الله دَعْوَتَهُ وهو كافر؟
قلنا: هذا من آثار سَبْقِ رَحْمَتِه لِغَضَبِه؛ فإنَّ رَحْمَتَه سبقت غضبه، فالكفر موجِبٌ للغضب، والضَّرورة موجبة للرَّحْمة، فتَسْبِقُ الرَّحمةُ الغضبَ، فيجيبه الله ، وهذا كإجابَةِ المظلومِ ولو كان كافرًا، المظلومُ تُجابُ دَعْوَتُه ولو كان كافرًا إقامةً للعَدْلِ، وانتصارًا للحق؛ قال النَّبِيُّ ﷺ لمعاذِ بْنِ جَبَلٍ: "اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا
стр. 88
وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ" (١)
إذن: فهذان شَخْصانِ تُجابُ دَعْوَتُهما مع الكفر؛ هما: المظلوم، ومَن وَقَعَ في ضرورة، إذا دَعَوَا الله، فأما إجابةُ المظلومِ فمن أجل العدل والانتصارِ للحَقِّ، وأما إجابة المضطر فلِأَنَّ المُضْطَرَّ اجتمع في حَقَّهِ سببانِ:
سببٌ موجبٌ للرَّحْمة وهو الضَّرورة، وسببٌ موجِبٌ للغَضَبِ والانتقامِ وهو الكفر، ورَحْمَة الله تعالى قد سَبَقَتْ غَضَبَه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ النِّعْمَةَ مَحْضُ فضلٍ من الله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾ لأنَّها لا يمكن أن تكون مكافأةً عن عمل، فإنَّ الإنسان لو حُوسِبَ على عمله محاسبةً دقيقةً لكان عَمَلُه لا يقابِلُ واحدًا من ملايينَ مِن نِعَمِ الله ، فيَخْرُج مغلوبًا، بل إنَّ بعض العلماء ﵏ يقولون: إنَّ العَمْلَ الصَّالِحَ من نِعْمَةِ الله؛ فنَفْسُ العَمَلِ من النِّعْمَة، فإذا شكر العَمَل صار الشُّكْرُ نِعْمَةً، وإن شَكر فالشُّكْرُ صار نِعْمَةً أخرى، وعلى هذا قول الشاعر:
إِذَا كانَ شُكْرِي نِعْمةَ اللهِ نعْمَةً ... عليَّ لَهُ في مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ وَاتَّصَلَ العُمْرُ (٢)
لأنَّك إذا أَنْعَم الله عليك نِعْمَةً ثم شَكَرْتَه فشُكْرُك إياه نِعْمَة، ثم إنْ شَكَرْتَه على الشُّكْر فهو نِعْمَة أخرى وهُلَمَّ جَرًّا.
стр. 89
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الكافِرَ - وإن شئت فقُلِ الإنسان - ينسى النِّعْمَة؛ فإذا أنعم الله عليه نِعْمَةً بعد ضَرُورَةٍ نسي، ثم عاد إلى غَيِّهِ، وهذا خطير جدًّا على الإنسان، وهذا واقِعُ الإنسان: أنَّ الله إذا أنعم عليه نِعْمَة بإنجائِهِ من ضَرورَةٍ نَسِيَ ذلك ثم عاد إلى غَيِّه، وهذا يقع؛ فنَجِدُ الأحداث الآن تَمُرُّ بالنَّاس، فيمكن في حالِ حُلولِ هذه الأحداث أن يكون لهم رَجْعَةٌ بعضَ الشَّيْء، ولكن إذا زالت الضَّرورة عادوا إلى ما كانوا عليه من قَبْلُ، بل ربما يَحْمِلُهم الأَشَرُ والبَطَرُ على أن يزيدوا في غَيِّهم.
وهذا له خُطُورَتُه؛ فإن الله تعالى ذكر في القرآن: أنَّ الإنسانَ إذا عاد إلى غَيِّه بعد إنقاذه من الهلاك، فإن الله يُصيبُه بعذابٍ أَشَدَّ من الأَوَّل.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الكافر يعود إلى كُفْرِه ولا يذكر ما دعا اللهَ إليه من قبل، وهو: إنقاذه من الضَّرورة؛ لقوله تعالى: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الله لا نِدَّ له؛ لأنَّ الله أنكر على من جعلوا له أندادًا، فيكون في هذا ردٌّ على أهْلِ التَّمْثيل الذين أثبتوا لله الصِّفاتِ مع التَّمْثيل، فقالوا: إنَّ الله تعالى له وَجْهٌ كوجوهنا، ويدٌ كأيدينا، وعينٌ كأعْيُنِنا، وساقٌ كسُوقِنا، وهكذا!
ونقول: كلامُكُم هذا كذِبٌ، وأنتم وأهلُ التَّعْطيلِ سواءٌ؛ لأنَّكم أنتم عطَّلْتُم النَّصَّ عن مدلوله الصَّحيحِ؛ إذ إنَّ مدلولَ النُّصوص في صفات الله: صفاتٌ لائِقَةٌ لله ، فإذا جعلتموها للتَّمثيل حرَّفْتُموها، ونقول: هذا الفعل منكم تعطيل في الحقيقَةِ لمدلول النَّصِّ الصَّحيحِ؛ لأنَّ مدلول النَّصِّ فيما يتعلق بالصفات صفاتٌ لائِقةٌ بالله .
стр. 90
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن هؤلاء الكفَّار يَحْرِصون على أن يَضِلَّ النَّاسُ بِفِعْلِهِم؛ لقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ على قراءَةِ الضَّمِّ في قوله: ﴿لِيُضِلَّ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنه كما يكون الاقتداءُ بالقَوْل يكون الاقتداءُ بالفِعْل؛ لأنَّ هذا الكافر جعل لله أندادًا، وكان جَعْلُه للأنداد سببًا لضَلالِ غَيْره.
ويتفرَّع على هذا فائِدَة: وهي: تَحْذيرُ الإنسان - ولا سيما القُدْوَة - من المخالفة؛ لأنَّ النَّاس سوف يَقْتَدون به ويَحْتَجُّون بِفِعْلِه؛ فمثلًا طالِبُ العِلْم: إذا قام إلى الصَّلاة يُكْثِر الحرَكَة، فمرةً يَحُكُّ رَأْسَه، ومرةً يَحُكُّ ظَهْرَه، ومرةً يَحُكُّ بَطْنَه، ومرةً يَعْرُكُ عَيْنَه، ومرةً ينْظُر ساعَتَه، ومرةً يكتب ما تذَكَّرَ في صلاتِهِ؛ إذا كان هذا طالِبَ العلم ويفعل هذا الشَّيْء؛ فإن النَّاس سوف يقتدون به، ولو أُنْكِرَ على واحِدٍ من النَّاس كَثْرَةُ الحَرَكَة لقال: فلان يَفْعل.
ولهذا أحيانًا نُنْكِرُ على بعضِ النَّاس المعامَلاتِ الرِّبَوِيَّةَ التَّحَيُّلِيَّةَ، فيقولون: فلان يفعل كذا، ممن هو من طَلَبَة العلم؛ فالنَّاس يَحْتَجُّون، وهذه الآية تدل على أنَّ الاقتداءَ يكون بالفعل؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ولم يقل: ودعا النَّاس ليُضِلُّوا عن سبيل الله، بل جعل فِعْلَه سببًا لضلال النَّاس، وهذا يدلُّ على الاقتداء بالفِعْل كالقَوْل.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وأما على قراءة الفَتْحِ: (ليَضِلَّ) فيؤخذ منه فائِدَة، وهي: أنَّ جَعْلَ الأندادِ لله ضلالٌ؛ لقوله: (ليَضِلَّ عَنْ سَبيلِهِ).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تهديد هؤلاء الكفَّار الذين اتَّخَذوا من دون الله الأنداد؛ تؤخَذُ من قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، وقد بيَّنَ الله صِفَةَ هذا التَّمَتُّع فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢] البهائِمُ ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
стр. 91
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الدنيا مهما طالَتْ فهي قليلة ولا تُنْسَب للآخرة؛ ولهذا قال الله : ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]؛ ويقول للعموم: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]؛ وقال النَّبِي ﷺ : "لمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (١) (السَّوْطُ): عصًا قَصيرة؛ (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فيها) من الدنيا؛ أي: الدنيا كلُّها منذ النشأة إلى قيامِ الساعة بما فيها من الزخارف واللَّهْوِ والزِّينَة؛ ولهذا قال: تمتَّعْ قليلًا؛ فهذه المتعة للكافِرِ، وإن كان ينال شَهْوَتَه هي قليلةٌ زمنًا، وقليلةٌ كَمِّيَّةً، وقليلةٌ كَيْفِيَّةً.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الكُفَّار ملازمون للنار لا يخرجون منها؛ لقوله: ﴿أَصْحَابِ النَّارِ﴾ لأنَّ الصاحِبَ هو المُلازِمُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: مُخاطَبَة الإنسان بما يليق بحالِهِ، فهذا الكافر المعانِدُ الذي بدَّلَ نِعْمَةَ الله كُفْرًا يخاطَبُ بهذا الخطاب القاسي، وهو: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ بينما لو كانت المسألَةُ مسألةَ دَعْوَةٍ ما قابلناه هذه المقابَلَة، فلا نقول لمن ندعوه للإسلامِ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ لكنْ نَقُولُهُ لمن عانَدَ وكابَرَ وبدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ النار؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، ويجب علينا في إثبات النار شيئان:
الأول: إثباتُ وُجُودِها الآن، وأنها موجودة، فإن النَّبِي ﷺ عُرِضَتْ عليه الجنة
стр. 92
وعُرِضَتْ عليه النَّار في صلاة الكُسُوفِ (١) وشاهدها، ورأى من يُعَذَّب فيها، رأى فيها امرأةً تُعَذَّب بِهِرَّةٍ حَبَسَتْها حتى ماتَتْ، ورأى فيها صاحِبَ الْمِحْجَنِ، والْمِحْجَن عندنا في اللُّغَة العامِّيَّة (مِحْجان) عَصًا مَحْنِيَّة الرأس، هذا الرجل يَمُرُّ بالحُجَّاج فيَشْبِك متاعَ الحَاجِّ برأْسِ المِحْجَنِ، فإن تفطَّنَ له صاحب المتاع؛ قال: والله، هذا المِحْجَنُ أَمْسَكَ به، وإن لم يَتَفَطَّنْ له أخذه، فرآه النَّبِي ﷺ يُعَذَّبُ في النار بِمِحْجَنِه، وهو يصلي صلاةَ الكُسُوف، ثم تأخَّرَ النَّبِي ﵊، تأخر مخافَةَ أن يُصيبَه من لَفْحِ النار، إذن: فرُؤْيَتُه إيَّاها حِسِّيَّة؛ هذا واحد.
الشَّيْء الثاني: يجب أن نُؤْمِنَ بأنَّ النار مُؤَبَّدَةٌ أَبَدَ الآبدينَ يُعَذَّبُ فيها أهلُها، ما هم عنها بمُخْرَجِينَ، وهي مؤبدة دائمًا؛ لأنَّ الله تعالى ذكر تأبيدها في ثلاثَةِ مواضِعَ من القرآن:
الموضِعُ الأول: في سورة النساء؛ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩].
والموضع الثاني: في سورة الأحزابِ، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤, ٦٥].
والموضع الثالث: في سورة الجِنَّ؛ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
стр. 93
وبعد هذا لا يمكن أن نَقْبَلَ قولًا من أي عالِمٍ كان بأنَّ النَّار غير مُؤَبَّدَة، ولا نقابل هذا النَّصَّ الصَّريحَ بقياساتٍ؛ لأنَّ قوله تعالى: "إِنَّ رَحْمَتي سَبقَتْ غضَبِي" (١) هذا صحيحٌ نَصٌّ مُحْكَمٌ وخَبَرٌ صادِقٌ، لكن الخَبَر يجوز تخصيصُه، فنقول: أهْلُ النار ليسوا أهلًا للرَّحْمة، وعقوبة الله إيَّاهم على التَّأبيد هي من كمال العَدْلِ والحِكْمَة، فكما أَمْضَوْا أعمارَهُم بالكُفْر، كل الدنيا أَفْنَوْها بالكُفْر، فالآخِرَة أيضًا تَذْهَبُ عليهم بالجزاء والعُقُوبة، هذا هو العَدْل، وهذه الحِكْمَة.
ونقول: عمرك في الدنيا كُلُّه مضى في الكُفْر.
إذن: فحياتُكَ في الآخِرَة تمضي بالجزاء والعُقُوبَة، لا حياةَ لك في الآخِرَة، كما أنه لم يَكُنْ لك حياةٌ في الدنيا؛ طاعَةُ الله.
مسألة: ما قيل عن شَيْخِ الإسلام أنه قال بفناءِ النَّارِ ليس بصحيحٍ؛ ولْنَفْرِضْ أنَّ الذي قال بِفَنَاءِ النار - وحاشاه من ذلك - أبو بَكْرٍ، وهو أَفْضَلُ من شيخ الإسلام أَلْفَ مَرَّةٍ؛ هل نقبله مع وجود الآيات؟
لا نقبله؛ فإذا وَجَدْنا قولًا مُخالِفًا للكتاب والسُّنَّة من أي قائلٍ به، فإنَّ مَوْقِفَنا أن نَعْتَذِرَ عنه، لا أن نَجْعَلَ قَوْلَه حُجَّة على كلام الله ورسوله، مهما كان؛ فليس هناك أحا مَعْصومًا من الخطأ أبدًا إلا من عَصَمَه الله كالرُّسُل.
стр. 94
الآية (٩)
* قَالَ اللهُ : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ﴾ قال ﵀: [(أَمَنْ) بتخفيف الميم] أمَنْ, وعلى هذا فتكون الكلمة مركَّبَة من همزة الاستفهام ومِنْ (مَنْ) الموصولة؛ أي آلَّذي هو قانت ... إلى آخره.
قوله ﵀: [﴿هُوَ قَانِتٌ﴾ قائمٌ بوظائِفِ الطَّاعاتِ] القنوت يُطْلَقُ على معانٍ متعَدِّدة:
١ - منها الخشوع؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
٢ - ومنها الدُّعاء: الدُّعاء في الوِتْر أو الفرائض عند النوازل.
٣ - ومنها: دوامُ الطَّاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
والمثال الأول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: خاشعين؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية أُمِرَ الصَّحابَةُ بالسُّكُوتِ ونُهُوا عن الكلام؛ فهنا ﴿قَانِتٌ﴾ من معنى: دوام الطَّاعة ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [قائمٌ بوظائِفِ الطَّاعاتِ] يعني: مديمٌ لها.
стр. 95
قوله ﵀: [﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ ساعاتِهِ]؛ وقوله: [﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ في الصَّلَاة] نَعَم؛ ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ نصَّ على السجود وعلى القيام دون الرُّكوع والقعود؛ لأنَّ السُّجودَ شريفٌ بِهَيْئَتِه، والقيامُ شريفٌ بذِكْرِهِ؛ فالسُّجُود شريفٌ بهيئَتِه؛ لأنَّ أَفْضَلَ هَيْئَةٍ للمُصَلِّي أن يكون ساجدًا، ولهذا قال ﷺ : "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ لِرَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ" (١)، والقيامُ شريفٌ بذِكْرِهِ، فالقرآنُ كلام الله، وكلام الله تعالى أَشْرَفُ الكلام؛ فلهذا نَصَّ على هذين الرُّكْنَيْنِ من أركان الصلاة: القيام، والسجود.
وكان الرَّسول ﵊ إذا سجد يُسْمَعُ لصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزيزِ المِرْجَلِ (٢)؛ أي القِدْرِ الذي يَغْلي.
وكان ﵊ إذا قام لا يَمُرُّ بآية رحمةٍ إلا سألَ، ولا بآية وَعيدٍ إلا تَعَوَّذ، ولا بآية تسبيحٍ إلَّا سَبَّح (٣).
وهذا يدلُّ على أنَّ القائِمَ في اللَّيل ينبغي له أن يلاحِظَ هذا، يلاحظ قوة الخُشُوع في حال السُّجود والبكاء، ويلاحِظُ أيضًا حُضُور القلب أثناء القراءة ليتابع إذا مَرَّ بآية رحمةٍ سألَ، وبآية وعيدٍ تعوَّذ، وبآية تسبيح سبَّح قائمًا وقاعدًا ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾.
وقوله ﵀: [﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ أي: يخافُ عذابَها، ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ﴾ جَنَّةَ ﴿رَبِّهِ﴾] فهنا قوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ هذه حال؛ أي: حالَ كونه يحذر الآخِرَة، وحالٌ
стр. 96
مقارِنَةٌ لقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ يعني: حالَ كَوْنِه في سجوده وقيامه يَحْذَرُ الآخرة؛ أي: يخافها، وليس: يخاف وقوعها؛ لأنَّ وقوعَها لا بدَّ، لكن يخاف عذابَها؛ أي: يخاف أن يُعَذَّب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [جَنَّةَ ﴿رَبِّهِ﴾] ولا شكَّ أنَّ الرحمة يُراد بها الجَنَّة، كما قال الله تعالى للجنة: "أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ" (١)؛ ولكن يُرادُ بالرَّحْمَة معنًى آخرُ، وهو: فِعْلُ الله بالعبد؛ أي رحمته للعبد، والأَوْلَى في هذه الآية أن نقول: يرجو أن يَرْحَمَه الله، ويكون المراد بالرحمة هنا: رَحْمة الله التي هي فِعْلُه، يعني يرجو أن يَرْحَمَه الله بالأمرين: بالنَّجاة من النار وبِدُخُول الجنَّة، وهذا المعنى أحْسَنُ؛ لأنَّ المتبادِرَ في الغالب لمعنى الرَّحْمة أن تكون فِعْلَ الله، يعني أنَّ الله يَرْحَمُكَ، وأيضًا إذا قلنا: رَحْمَة الله صار يرجو أن يَنْجُوَ من النَّار أو من عذاب الآخرة، وأن يفوز بالجنَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال ﵀: [كَمَنْ هُوْ عاصٍ بالْكُفْرِ أو غَيْرِهِ] أفادنا المُفَسِّر ﵀ بهذا التقدير أنَّ الآيَةَ يُبَيَّنُ الله فيها أنه لا يستوي هذا وهذا، هل يستوي من هو قانتٌ آناءَ اللَّيل ساجدًا وقائمًا كَمَنْ هو عاصٍ بالكُفْرِ وغيره؟
الجواب: لا، وهذا من بلاغَةِ القرآن؛ فالقرآنُ فيه أشياءُ كثيرةٌ تُحذَفُ لدَلالَةِ المذكور على المحذوفِ، وهذا من البلاغة؛ لأنَّه إذا حُذِفَ الشَّيْءُ استفاد المخاطَبُ فائدتينِ:
الفائِدَة الأولى: اختصارُ الكلام، وهذا واضِحٌ.
стр. 97
الفائِدَة الثانية: قوَّةُ الانتباه؛ لأنَّ الآية إذا كان فيها شيءٌ مَحْذوف، فإن الذِّهْنَ يتطَلَّعُ إلى هذا الشَّيْء المحْذوفِ، فتَجِدُ الإنسانَ يَتَوَقَّف ليُفَكِّرَ ويتأمَّل: ما الذي حُذِفَ وما تقديره؟
لكن لو جاء الكلام مُرْسَلًا هكذا لم يحصل له هذا التَّوَقُّف وهذا التَّفكير، فأنت الآن لو قَرَأْتَ الآية الكريمة: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ﴾ [الزمر: ٩] لوَجَدْتَ نفسك متشَوِّفًا إلى شيء آخر، فالكلام ما تَمَّ، ولا بدَّ أنَّ هناك شيئًا آخَرَ، وحينئذٍ يشتَدُّ انتباهُكَ، وتزدادُ تأمُّلًا في المعنى؛ ولأنَّ هذا المحذوفَ لا بدَّ منه، فالإنسانُ يتطلَّع: ما هذا المحذوفُ؟ فالكلامُ الآن ناقص.
بمعنى أنَّ الكلام يحتاجُ إلى شيء، فيتطَلَّع الإنسان إلى مَعْرِفَة هذا الشَّيْء، وحينئذٍ يزدادُ في التَّدَبُّر، فهذا من بلاغة القرآن؛ أعني: يَحْذِفُ الله أحيانًا أشياءَ يَحْتاجُ المخاطَبُ إليها؛ من أجل هاتين الفائدتين.
قال المُفَسِّر ﵀: [وفي قراءة: أَمْ مَنْ] من اصطلاح المُفَسِّر ﵀ أنه إذا قال: [في قراءَةٍ] أو قال: [بِفَتْحِ كذا وضَمِّ كذا] أو قال: [بالتاء والياء]، فإن القراءة سَبْعِيَّة، وأحيانًا يُعَبِّر فيقول: [وقُرِئَ] فالقراءة شاذَّة غيرُ سَبْعِيَّة.
فإذا أتى بقراءتينِ مُتَساويَتَيْنِ مثلًا يقول: [في قراءةٍ] أو: بالضم والفتح أو بالياء والتاء، وما أشبه ذلك من القراءات، فالقراءة سبعية، أما إذا قال: [وقُرئ] بصيغة المبني للمَجْهول فالقراءة شاذَّة.
بناءً على هذه القاعدة: تكون القراءة (أَمْ مَنْ) سبعية؛ لأنَّه قال: [وفي قراءةٍ:
стр. 98
(أمْ مَنْ) فأمْ بمعنى بل والهمزة] قوله: [بمعنى بل والهمزة] أي بَلْ أَمَنْ هو قانتٌ آناء اللَّيل، فتكون للإضراب، والإضرابُ هنا انتقالي.
والفرق بين الإضراب الانتقالي والإضرابِ الإبطاليِّ: أنَّه في الإضرابِ الإبطالي يكون الأَوَّل مُلْغًى، والعمدة على الثاني.
وأمَّا في الانتقالي: فالأوَّل باقٍ على ما هو عليه، والثاني استئنافيٌّ، لا علاقة له بالأول. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾ أي يا محمد، أو قل يا من يَصِحُّ منه الخطاب: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؛ استفهامٌ بمعنى النفي ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الجواب: لا، لا يستوي الذين يَعْلَمونَ والذين لا يَعْلَمون، وهذا عامٌّ في كُلِّ عِلْم؛ فلا يستوي العالِم والجاهِلُ، حتى في علم النِّجَارة والحِدَادة والكيمياء وغيرها، لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، لكن هذا لا يقتضي أن يكون العالِمُ مَمْدُوحًا؛ لأنَّ من العُلُوم ما جَهْلُهُ خَيْرٌ مِنْ عِلْمِهِ، فإذا كان العلم مذمومًا وقلنا: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. صار غيرُ العالِم أَفْضَلَ، وإذا كان العِلْمُ ممدوحًا وقلنا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ صار العالِمُ أفضَلَ.
وإذا جاءت هذه الجُمْلة في علم الشَّريعَةِ فالعالِم أفضل، وفي علم النَّحْو العالمِ أفضل؛ أما في علم الكلام فالجاهِلُ أفضل!
كما قال بعض السلف: "الجَهْلُ بالكَلَامِ عِلْمٌ" لأنَّ عِلْمَ الكلام أدى بأصحابه إلى مهالِكَ؛ حتى إن فطاحِلَ عُلَمائِهِم يتمَنَّون وهم في سياقِ الموت أنَّهُم ماتوا على دينِ العجائِزِ، ودِينُ العجائِزِ أَسْلَمُ، وإن كان جَهْلًا ولكنه أسلم من علمٍ يؤدِّي بهم - والله أعلم - إلى الشَّكِّ والحَيْرة.
стр. 99
فقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هذه من الآيات القليلة اللَّفْظِ الكثيرةِ المعنى؛ لأنَّه يمكن أن تُطَبِّقَها على كلِّ عِلْم، لكن هل هذا العلم مَحْمودٌ أو مذموم؛ فعلى حَسَبِ الحال؛ أي لا يستويانِ كما لا يستوي العالم والجاهل.
وفي حاشية الجمل: "قوله: بتخفيف الميم؛ أي: فالهمزة للاستفهام الإنكاري، كما سيشير له بقوله: أي لا يستويان، وما: اسم موصول بمعنى الذي، مبتدأٌ في محلِّ رفعٍ، خبره محذوف قدَّرَهُ بقوله: كمن هو عاصٍ، وقوله: ﴿هُوَ قَانِتٌ﴾ جُمْلَة اسْمِيَّة صلة الموصول، وقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ حالان من قانت، وقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ حالٌ أخرى متداخِلَة أو مترادِفَة، أو جملة استئنافِيَّة معترضة.
وقوله: [بمعنى بل]؛ أي: التي للإضراب الانتقاليِّ، والهمزة؛ أي: التي للاستفهام الإنكاريِّ، وعلى هذه القراءة تُرْسَمُ الميم في النون كرَسْمِها على قراءة التخفيف، وهذا اتِّباعًا لخطِّ مُصْحَفِ الإمام كما يؤخذ من الجَزَرِيَّة (١) وشَرْحِها لشيخ الإسلام، وهذا بالنَّظَرِ لرَسْمِ المصحف، وأما في غيره فتُرْسَمُ ميمًا مفصولةً من ميم (مَنْ) كما في عبارة الشَّارِحِ، و (من) على هذه القراءة مُبتدأٌ أيضًا، والخبر مُقَدَّرٌ كما تقدَّمَ في الإعراب بِعَيْنِه على القراءتين لم يختلف، وقوله: لا يستويان. أي: القانِتُ والعاصي، فهذا تفسيرٌ للنَّفْي المستفاد من همزة الإنكارِ في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ سواء مُصَرَّح بها على القراءة بها والتي في ضِمْنِ أم على الثانية، وقوله: كما لا يستوي العالم والجاهل تفسيرٌ لقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ إلى آخره، فالاستفهام فيه أيضًا إنكاري". انتهى.
стр. 100
وعبارة السَّمينِ: "قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ قرأ الحَرميَّان: نافعٌ وابنُ كثير بتخفيفِ الميم، والباقون بتشديدها.
فأمَّا الأُولى ففيها وجهان:
أحدهما: أنَّها همزةُ الاستفهامِ دَخَلَتْ على (مَنْ) بمعنى الذي، والاستفهامُ للتقريرِ، ومقابِلُه محذوفٌ، تقديرُه: أمَنْ هو قانتٌ كمَنْ جعل لله أندادًا، أو أَمَنْ هو قانِتٌ كغيرِه، أو التقدير: أهذا القانِتُ خيرٌ أم الكافرُ المخاطَبُ بقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ وَيدُلُّ عليه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فحَذَفَ خَبَرَ المبتدأِ أو ما يعادل المُسْتَفْهَم عنه، والتقدير أنَّ الأَوَّلانِ أَوْلَى لقِلَّةِ الحَذْفِ.
والثاني: أنْ تكونَ الهَمْزَةُ للنِّداء، و (منْ) منادى، ويكون المنادى هو النَّبِيَّ ﷺ ، وهو المأمور بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كأنه قيل: يا مَنْ هو قانتٌ، قل كَيْتَ وكَيْتَ.
وأمَّا القراءة الثانية فهي (أم) داخلةً على (مَنْ) الموصولة أيضًا فأُدْغِمَتِ الميمُ في الميم، وفي (أم) حينئذٍ قولان:
أحدهما: أنَّها متصلةٌ، ومعادِلُها محذوفٌ، تقديرُه: آلكافِرُ خيرٌ أمِ الذي هو قانِتٌ.
والثاني: أنَّها منقطعةٌ فتُقدَّرُ بـ بل والهمزةِ؛ أي: بل أمَنْ هو قانِتٌ كغيرِه أو كالكافِرِ المقولِ له: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ". انتهى (١).
فتَبَيَّن لنا أن قوله: (لا يستويان) أي: القانت والكافر كما لا يستوي العالِم
стр. 101
والجاهل، فيكون قوله: (لا يستويان) ليس عائدًا على قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بل عائدٌ على ما سبقه، وهو ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ كمن هو عاصٍ لا يستويان، كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
قوله تعالى: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ يعني ساعاتِ اللَّيلِ لأنَّه أحيانًا يُطْلَبُ من الإنسان أن يقومَ كُلَّ اللَّيل كما في عَشْرِ رمضان الأخيرة، فإن السُّنَّة أن يُحْيِيَ اللَّيل كلَّه، فلو قال: (في) لتَعَيَّنَ أن يكون هناك متَّسَعٌ، فإذا قال: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ شَمِلَ هذا وهذا.
فإن قال قائل: أما نقول: إنَّه من باب الاستعدادِ للعبادَةِ، كما لو نام بِنِيَّةِ قيامِ اللَّيل، يكون داخلًا فيه؟
فالجواب: ربما يكون، لكنْ في بعض الأحيان قد يعمل أعمالًا لا يَسْتَعِدُّ بها للعبادة، ولهذا ليس من المَشْروعِ أن يقوم الإنسانُ اللَّيلَ كلَّه في كلِّ أحيانه، لكن أحيانًا.
ثم قال الله : ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ إنما: أداة حصرٍ، والحَصْر هو إثبات الحُكْمِ في المَحْصور فيه ونَفْيُه عما سواه، فإذا قيل: إنَّما القائِمٌ زيدٌ، فهو كقولنا: لا قائِمَ إلا زيدٌ.
قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [يتَّعِظُ].
قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أصحابُ العقول، أصحاب تفسير لـ ﴿أُولُو﴾، والعقول تفسير للألباب؛ جمع لُبٍّ: وهو العقل؛ لأنَّ الإنسانَ بلا عقلٍ قُشُورٌ، ولا يكون إنسانًا حقيقةً إلا بالعَقْل، وعلى هذا فالكُفَّار بجميع أنواعهم قُشُورٌ لا خير فيهم؛ لأنَّهُم ليسوا بعُقَلَاء، كما قال الله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
стр. 102
والعقل الذي يُحْمَدُ فاعله هو عَقْلُ الرُّشْد - أي الذي يَحْجِزُك عما يضُرُّك -، أما عَقْل الإدراك فإنه يستوي فيه المَحْمُود والمَذْموم، عقل الإدراك الذي يترتب عليه التَّكليف، وهو الذي يأتي في كلام الفقهاء؛ يقولون: (مِنْ شروط العبادة: العَقْل) يعني عَقْل الإدراك، أما عَقْلُ الرُّشْد الذي يَحْجِز صاحبه عما يضُرُّه، فهذا لا علاقة بالتَّكليف به، بل إنما يقال: مَنْ حَجَزَهُ عَقْلُهُ عَمَّا يَضُرُّه فهو العاقِلُ حقًّا، ومَنْ لا فَلَا.
قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: لا يتذَكَّرُ إلا هؤلاء.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ القرآنَ الكريمَ يَفْتَحُ للإنسان الاستدلالَ العقليَّ؛ يعني أنه يعرض الأشياء عَرْضًا عقليًّا، وذلك بطلب التَّدَبُّر والتَّفهُّم؛ فمثلًا: من هو قانت ومن هو عاصٍ، بكل بساطَةٍ إذا عُرِضَت حال هذا وحال هذا على العقل سيقول: لا يَسْتويان؛ من هو قانِتٌ آناء اللَّيل ليس كَمَنْ هو عاصٍ.
وهذه من الطُّرُق التي ينبغي لطالب العلم - عند المناظرة - أن يتَّخِذَها سبيلًا إلى إفحام الخَصْم؛ لأنَّ كثيرًا من الخُصُوم قد لا يقْتَنِعون بمجَرَّد الدليل الأَثَرِيِّ فنسوق إليهم الدَّليلَ النَّظرِيَّ، ولا سيما في الوقت الحاضِرِ؛ حيث اتَّخَذ كثيرٌ من النَّاس - إن لم أقل: أكثرهم - طريق إبليسَ سبيلًا، وهو معارضة السمع بما يَظُنُّه عقلًا؛ يعني معارضة النُّصوص بما يظنُّون أنه عقل.
ونحن نعلم علم اليقين: أنَّه ليس في النُّصوصِ ما يخالِفُ العَقْل الصَّريحَ أبدًا، بل في النُّصوص ما يؤَيِّده العقل الصَّريح، ويكون هذا شاهِدًا؛ لهذا كلٌّ منهما يقوَّى بالآخَرِ.
стр. 103
وقد ذكر ابنُ القَيِّمِ ﵀ في النُّونِيَّة (١): أنَّ لدَيْنا أربعَةَ أدِلَّة، كلُّها يشهد بعضها لبعض، هي: الكتابُ والسُّنَّة والعَقْل والفِطْرة. وهذه الأدلة الأربعة لا يمكن أن تتناقَضَ أو تتنافَرَ، بل بعضها يؤيِّد بَعْضَها ويشهد له، والله أعلم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيان الفَرْق بين النَّاس في عبادة الله ، وأنه لا سواء بَيْنَ من هو قانتٌ آناء اللَّيل ساجدًا وقائمًا ... إلخ، وبين من هو عاصٍ بعيدٌ عن الله .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن ظاهِرَها دوامُ الطاعة آناء اللَّيل في السُّجود والقيام؛ أي في الصلاة، ولكن السُّنَّة بَيَّنَتْ ذلك، وأنَّ الأَفْضَل في قيام اللَّيلِ أن ينامَ نِصْفَه، ويقوم ثلثه، وينام سُدُسَه. وهذا من تقييد القرآنِ بالسُّنَّة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فضيلة صلاة اللَّيل؛ لقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾، وقد دلَّت على ذلك السُّنَّةُ، فقال النَّبِي ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيلِ" (٢).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فضيلة القيام والسُّجود من بين أركان الصَّلاة، وقد بيَّنَّا وجه ذلك أثناءَ التَّفْسير؛ أنَّ القيام شريفٌ بذِكْرِه، والسجود شريفٌ بِهَيْئَتِه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنه ينبغي للإنسان أن يكون في سَيْره إلى الله جامعًا بين الخَوْف والرَّجاء؛ لقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ﴾، ولكن هل يكونان سواءً، أو يُغلَّب جانب الرَّجاء، أو يُغَلَّب جانبُ الخوف؟
في هذا أقوالٌ لأربابِ السُّلوك؛ فمنهم من قال: ينبغي أن يكون رجاؤُه وخَوْفُه واحدًا كجَناحَيِ الطَّيْرِ، إذا مال أحدهما اختَلَّ طيرانه.
стр. 104
قال الإمام أحمد ﵀ (١): ينبغي أن يكون خَوْفُه ورجاؤه واحدًا، فأيُّهما غلب هَلَكَ صاحِبُه؛ لأنَّه إن غَلَّب جانِبَ الخَوْفِ أدخله في اليأس والقُنُوت، وإن غَلَّبَ جانِبَ الرَّجاء أدخله في الأَمْن من مَكْر الله.
وقال بعض أرباب السلوك: ينبغي أن يُغَلِّب جانِبَ الرَّجاء؛ لقول الله تعالى في الحديث القُدُسي: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ" (٢). وعلى هذا فيُغَلِّبُ جانِبَ الرَّجاء.
وقال بعض العلماء: يُغَلِّب عند فعل الطَّاعات جانِبَ الرَّجاء، فإذا فعل طاعة فلْيُغَلِّب جانب القَبول دون جانب الرَّدِّ، أما في فعل المعصية؛ فإن الأَوْلَى أن يُغَلِّبَ جانب الخَوْف؛ لئلَّا يقع في المعصية.
وقال بعضهم: في حال المَرَضِ يُغَلِّبُ جانب الرَّجاء، وفي حال الصِّحَّة يغلب جانب الخوف؛ لأنَّ النَّبِي ﷺ قال: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوْ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ" (٣) والمريض قد وُجِدَ فيه سَبَبُ الموت، وهو المرض، فيغَلِّب جانب الرجاء ليموت وهو يُحْسِن الظَّنَّ بالله.
ولو قال قائل: إنَّه يرجع في ذلك إلى نَفْسِ الإنسان، والإنسانُ هو طبيب نفسه؛ إن رأى من نفسه جُنوحًا إلى انتهاك المعاصي والمُحَرَّمات فَلْيَتَوَعَّدْها بالعذابِ حتى
стр. 105
يرتَدِعَ، وإن رأى من نفسه قوةً على طاعَةِ الله ومثابرةً عليها وقيامًا بها فلْيُغَلِّبْ جانب الرَّجاء حتى يُحْسِن الظَّنَّ بالله، وهذا يرجع إلى الإنسان نفسه، والإنسانُ في بعض الأحيان يُغَلِّب هذا، وبعض الأحيان يُغَلِّب هذا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات عذابِ الآخرة؛ لقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ ولا يُحْذَر الشَّيْءُ إلا بثُبُوته، أَمَّا ما ليس بثابِتٍ فلا يُحْذَر.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنه في باب الجزاء والأَحْكامِ يُغَلَّبُ جانب الرُّبُوبِيَّة؛ لقوله: ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ لأنَّ الرُّبوبِيَّة هي التي بها التَّصَرُّف والسُّلطان.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؛ لقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشرَةُ: أن هذا النَّفْيَ أمرٌ مُعْتَرَفٌ به؛ لأنَّه جاء بصيغة الاسْتِفْهام، ونحن ذكرنا أنه إذا جاء الاسْتِفْهام مرادًا به النَّفْيُ صار مُشْرَبًا معنى التَّحدي.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فضيلة العِلْم، ولكن يجب أن نَعْلَم أنَّ العِلْم يَشْرُف بِشَرَف مَوْضُوعِه، وعلى هذا فأفضل العلوم العِلْم بأسماء الله وصِفاتِهِ؛ لأنَّ هذا أشرفُ موضوعات العِلْم، ثم العِلْم بأحكامِهِ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ" (١).
ثم تتلو العُلُوم حسب مراتِبِها، وأخَسُّ العلوم ما يَصُدُّ عن سبيل الله، وعن طريق السَّلَفِ الصَّالِح؛ مثل: علم الفلسفة، علم الكلام، وما أشبههما، إلا إذا تعَلَّمه الإنسان من أجل أن يَرُدَّ به على أهله، فهنا قد يكون تَعَلُّمه واجبًا؛ لأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِبٌ.
стр. 106
ولهذا أمر النَّبِي ﵊ زيدَ بْنَ ثابِتٍ ﵁: أن يتَعَلَّم لغة اليهود (١)، مع أن تعلُّم اللغاتِ الأَجْنَبِيَّة ليس محمودًا ولا مأمورًا به، لكن لمَّا كان وسيلةً إلى مَعْرِفَة ما يأتي من الكتاباتِ من اليهود والرَّدِّ عليهم بِلُغَتِهِم أمره النَّبِي ﷺ أن يتعَلَّم لغة اليهود، وتَعَلَّمَ لُغَةَ اليهودِ في خلال سِتَّةَ عَشَرَ يومًا، لأنَّ زيد بن ثابت ﵁ من الأَذْكياء فتعَلَّمَها، ثم إنَّ اللغة العِبْرِيَّة قريبة من اللُّغَة العَربيَّة فسَهُل تَعْليمُها.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن أصحاب العُقُول هم أهل الاتِّعاظِ؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن من لا يتذكَّر فهو ناقِصُ العقل؛ لأنَّه إذا كان لا يتذَكَّر إلا أصحابُ العقولِ، فمن لا يتذكَّر يكون ناقِصَ العقل ولا شكَّ، ونقصان عقله بحسب نَقْصِه من التَّذَكُّر.
ووجه ذلك من النَّاحِيَة العَقْلِيَّة النَّظَرِيَّة: أنَّ الإنسان العاقل لا يمكن أن يختارَ لنفسه إلا ما فيه النَّجاةُ، ولا نجاة من عذاب الله إلا بالتَّذكُّر والاتِّعاظ، فلهذا كان العقل السليم يَسْتَلْزِم أن يتذكَّر الإنسان ويتَّعِظَ من أجل طلب ما هو أحضُّ للنفس وأَنْفَع ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الثَّناء على ذوي العقول؛ حيث جعلهم هم المتذَكِّرينَ المُتَّعِظينَ المُنْتَفِعينَ بما يسمعون.
стр. 107
الآية (١٠)
قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
ثم قال الله : ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ قوله: ﴿قُلْ﴾ الخطابُ للرَّسول ﷺ ، أو لِكُلِّ من يصِحُّ توجيه الخطاب إليه؛ فعلى الأول يكون التَّقدير: قل يا محمَّدُ، وعلى الثاني يكون التقدير: قل أيها الإنسانُ.
وقوله: ﴿يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: (عبادِ) هنا فيها شيء محذوفٌ، وهو الياء التي دلت عليها الكَسْرة في قوله: ﴿يَاعِبَادِ﴾ وحُذِفَتِ الياء تخفيفًا.
قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ عَطْف بيان أو وَصْف.
قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمان في اللغة: التَّصديق أو الإقرار؛ بل نقول: الإقرارُ؛ لأنَّه هو المطابق للإيمان في التَّعَدِّي والعمل، يقال: أقَرَّ بكذا وآمَنَ بكذا، والتَّصْديق لا يطابِقُه تمامًا، وعلى هذا فنقول: الإيمانُ هو الإقرار، لكنه ليس مجرَّد الإقرار كما قاله بعض طوائف المُبْتَدِعَة - مُرْجِئَة الجَهْمِيَّة - بل نقول: هو الإقرار المُسْتَلْزِم للقَبُول والإذعان، هذا الإيمانُ، إذا لم يستلزم للقَبُول والإذعان فإنه ليس بإيمانٍ.
قوله: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أي عذابَه]، وفي هذا نَظَرٌ، بل المراد: تقوى الله ، والله يضيف التقوى أحيانًا إلى نفسه، وأحيانًا إلى النَّار،
стр. 108
وأحيانًا إلى يوم الجزاء؛ فقد قال الله ﵎: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] بعد أن قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٣٠, ١٣١]؛ فلو فَسَّرْتَ تقوى الله بتقوى عذابه لكان في الآية تَكرار.
فالصواب: أنَّ الله يُضيف التقوى أحيانًا إلى نفسه، وأحيانًا إلى النَّار، وأحيانًا إلى يوم الجزاء، كما في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
والصَّحيح: أنَّها تُفَسَّرُ بما تُضاف إليه؛ فقوله: ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ أي: اتَّقوا الله نَفْسَه لِعَظَمَةِ وكمالِ سُلْطانِهِ .
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ أي: عذابه، بأن تطيعوه]، نقول: الصَّحيحُ: أي الله نفسه. وقوله: [بأن تطيعوه] هذا تفسيرٌ للتقوى، وعلى هذا نقول: التقوى: طاعة الله بفِعْل أوامِرِه واجتنابِ نَواهيه؛ لأنَّ أَصْلَ التقوى مأخوذٌ مِنَ الوِقَايَة، ولهذا يقولون: إنَّ أصلها (وَقْوَى) من الوِقايَة.
والوقاية هي اتخاذُ ما يَقي الإنسانَ، ولا يقي الإنسانَ من عذابِ الله إلا طاعَةُ الله، ولهذا نقول: إنَّ أَجْمَعَ ما قيل في التقوى أنَّها طاعةُ الله؛ كما قال المُفَسِّر ﵀؛ أو اتخاذُ وقاية من عذابه بفِعْل أوامره واجتنابِ نَواهيه.
ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر مُقَدَّم و ﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ الإحسانُ يكون في عبادة الله، ويكون إلى عبادِ الله، أما الإحسانُ في عبادة الله فلا أَجْمَع ولا أصدق من تفسيرِ النَّبِي ﷺ له حين سأله جبريلُ عن الإيمان؛ فقال: "أنْ تُؤْمِنَ بالله"؛ وقال ﷺ حين
стр. 109
سأله عن الإحسان، فقال: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (١) فإذا عبد الإنسانُ ربَّه كأنه يراه فسوف يعبُدُه حقَّ العبادة؛ لأنَّه يَعبُد اللهَ كأنَّه يرى الله، وهذا تكون عبادَتُه مبنِيَّةً على كمال اليَقينِ، وإذا كانت كذلك فلا بدَّ أن تكون موافِقَةً للأمر، ولا بد أن تكون خالِصَة.
إذن: الإحسانُ تمام الإخلاص، وتمام المُتابَعَة؛ فتمامُ الإخلاصِ وتمام المُتابَعَة؛ لقوله: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ ترَاهُ" وعبادة الله على هذا الوَجْه هي مَبْنيَّة على تمام اليقين، وهذه المرتبة أعلى من المرتبة الثانية: "فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" يعني: فإن لم تَعْبُدْه على هذا الوجه فاعْلَمْ أنه يراك.
ويقال: إنَّ الأوَّلَ إحسانُ الطَّلب، والثاني إحسانٌ في الهَرَب؛ (إحسانٌ في الهَرَب) يعني: العابد طلبًا أكْمَل حالًا من العابِدِ هربًا؛ وهذا يلزم منه أن تكون العبادة خالصةً لله متابَعًا فيها شريعَةُ الله.
أما الإحسان إلى عباد الله فيكون بالمالِ والبَدَنِ وهو كثير؛ فقد تُحْسِن إلى عباد الله بالمالِ؛ كالصَّدْقات والهدايا والهِباتِ، وقد تُحْسِن إلى عباد الله بالبَدَنِ كالمساعدة وما أشبه ذلك، وتُعينُ الرَّجُلَ في دابَّتِه فتحْمِلُه عليها أو تَرْفَعُ عليها متاعه، وتعين عباد الله بالجاهِ والشَّفاعَة عند الحاجة إلى ذلك.
المهم: أنَّ الإحسانَ إلى عباد الله مُتَنوِّعٌ كثيرٌ، وقد فسَّرَه بعضهم بأنه كَفُّ الأذى وبَذْلُ النَّدى وطلاقة الوجه؛ فكفُّ الأذى عن النَّاس؛ لأنَّ مَن لم يَكُفَّ أذاه فإنه لم يُحْسِنْ، والثاني: بَذْل الندى. أي: المَعْروف، والثالث: طلاقَة الوجه، بأن تَلقى
стр. 110
النَّاس بوجهٍ مُنْطَلِقٍ مُنْشَرِحٍ لا بوجهٍ مُقَطَّب مُعَبَّس.
فالإحسان إذن: إحسانٌ في عبادة الله، وإحسانٌ إلى عبادِ الله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أي: في عبادة الله، وإلى عباد الله.
وقوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ هل نجعل ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ مُتَعَلِّقًا بـ (أَحْسن)؛ أو نقول: هو خبرٌ مُقَدَّم و ﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّرٌ، والجملة من المبتدأ والخبر خَبَرٌ ﴿لِلَّذِينَ﴾؟
الجواب: ننظر: إذا قلنا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ في هذه الدنيا متعلِّقة بـ (أحسن)، و ﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأٌ خَبَرُه ﴿لِلَّذِينَ﴾ هذا وجه.
الوجه الثاني: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وينتهي الكلام، ثم: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ مبتدأٌ وخَبَرٌ.
والأول أَحْسَنُ؛ فإنَّ إحسانَهُم في الدنيا وجزاؤهم حَسَنَةٌ، هذا ما مشى عليه المُفَسِّر ﵀؛ يقول: [﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ بالطَّاعَةِ].
إذن: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ مُتَعَلِّقَة بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾ وقول المُفَسِّر ﵀: [بالطَّاعَة] فيه قصور؛ وجهه: أنَّنا قُلْنا إنَّ الإحسانَ يَشْمَلُ الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، وعلى كلام المُفَسِّر ﵀: في العبادة فقط، ولكنَّ الصَّحيح ما ذكرنا.
قوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [هي الجَنَّة]، ولعله اعتمد في هذه التفسير على قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فإن الحُسنى هي الجَنَّة، والزيادة: النَّظَرُ إلى وجه الله، ولكن: هل ﴿حَسَنَةٌ﴾ هنا تُطابِقُ ﴿الْحُسْنَى﴾ هناك؟
لا، فالحُسنى اسم تفضيل، وهنا ﴿حَسَنَةٌ﴾ نكِرَة لا تدل على التَّفْضيل، فعندي