← Тафсир

Тафсир · id 151160

تفسير العثيمين: الزمر

ابن عثيمين

Полный текст (515 стр.). Показаны 491–515 · переход к 496.

стр. 491

الآية (٧٣) * قَالَ اللهُ : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. نَقول في قوله تعالى: (سِيق) ما قُلناه فيما سبَق: أنها فِعلٌ ماضٍ مَبنيٌّ للمَجهول، أو مَبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعِله، وجاءت بصيغة الماضِي مع أنها للمُستَقبَل تَحقيقًا لوقوعه؛ لقول الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فالماضِي يَأتي بصورة المُضارِع أحيانًا حِكايةً للحال، والمُستَقبَل يَأتِي بصيغة الماضي تَحقيقًا لوقوعه كأنه شيء وقَع ويُتحدَّث عنه. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ التَّقوَى أن يَتَّخِذ الإنسان وِقايةً من عذاب الله تعالى، وذلك بفِعْل أوامِره واجتِناب نواهيه؛ لأنك لو سأَلْت: ما الذي يَقِي من عَذاب الله تعالى؟ لقيل لك: طاعته بامتِثال أَمْره، واجتِناب نَهيِه. وقيل في التَّقوَى: أن تَعمَل بطاعة الله تعالى على نور من الله تعالى تَرجو ثَواب الله تعالى، وأن تَترُك ما نَهَى الله تعالى على نور من الله تعالى، تَخشَى عِقاب الله تعالى. وقيل في التَّقوَى:

стр. 492

خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ... وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ... ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ... إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الحَصَى (١) ولكن ما ذكَرْناه أوَّلًا هو الجامِع المانِع؛ أن يَتَّخِذ الإنسان وِقايةً من عَذاب الله تعالى بفِعْل أَوامِره واجتِناب نواهيه، فإن خالَف وترَكَ شيئًا من الأوامِر أو فعَل شيئًا من النواهِي؛ فإنه يَنقُص من تَقْواه بقَدْر ما أخلَّ به، وحينَئِذ يَجتَمِع في الإنسان تَقوى وعِصيان، وهذا مَذهَب أهل السُّنَّة والجماعة: أن الإنسان يَجتَمِع فيه خِصال إيمان وكُفْر، خِصال تَقوَى وفِسْق، ولا مانِعَ، ولكلًّ حُكْمه. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ أَضاف الرُّبوبية إليهم؛ لأن رُبوبية الله تعالى للمُتَّقين رُبوبية خاصَّة ليست كالرُّبوبية العامة لجميع العالَمين، بل هي رُبوبية خاصَّة ربَّاهم حتى اتَّقَوْا ربَّهم. وقول المُفَسَّر ﵀: [بلُطْف] مُقابِل قوله في أهل النار: [بعُنْف]؛ لأن الله تعالى صرَّح بأن أهل النار يُدفَعون دَفْعًا إلى نار جهنَّمَ، أمَّا المُؤمِنون فإنهم يُساقون سَوْق إكرام، كأن المَلائِكة تَحتَفُّ بهم إكرامًا لهم وإجلالًا. وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْجَنَّةِ﴾ الجَنَّة في اللغة: البُستان الكثير الأشجار، وسُمِّيَ بذلك لأنه يَجِنُّ مَن فيه، أي: يَستُرُه، وأصل المادة الجيم والنون، أصلُها من السَّتْر؛ ولهذا سُمّيَ القلبُ: جَنَانًا؛ لأنه مُستَتِر، وسُمّيَ الجِنُّ: جِنًّا؛ لأنهم مُستَتِرون، وسُمِّيتِ الجَنَّةُ: جَنَّةً؛ لأنها تَستُر مَن فيها؛ لكثرة أشجارها، هذا في الأصل.

стр. 493

أمَّا في الشَّرْع: فالجَنَّة هي الدار التي أَعَدَّها الله تعالى لأَوْليائه، التي فيها ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أذُنٌ سمِعَت، ولا خطَر على قَلْب بشَر. وقوله تعالى: ﴿زُمَرًا﴾ جَمْع: زُمْرة، ومَعناها: جماعات مُتفرِّقة، وكيفية تَوْزيع هذه الجَماعات قيل: جماعات حسَب الأُمَم. وقيل: حسَب الأعمال. والقول الأَرجَحُ: أنه بحسَب الأعمال، والدليل قوله ﷺ : "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" (١)، ثُم يَتَتابَع الناس على حسَب أعمالهم، فالنار مِثلها، يَعنِي: أن الأسبَق إلى النار الأشَدُّ جُرْمًا كالأسبَق إلى دُخول الجنَّة الأفضَلُ عمَلًا. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الفاتِح خزَنَتُها. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى﴾ للغاية ﴿إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: جاؤُوا الجَنَّة. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ إذا قرَأْت الآية هكذا سيَبقَى قلبُك مُعلَّقا، ستَقول: أينَ جوابُ ﴿إِذَا﴾؟ فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ كلُّها جُمَل مُتَعاطِفة. الجَوابُ: اختَلَف المُعرِبون في ذلك: فمِنهم مَن قال: إن جوابَ (إِذَا) (فُتِحَتْ)، وإن الواو زائِدة. ولكن هذا القولَ ضعيف؛ لأن زيادة الواو لم يُعهَد في اللغة العربية. ومنهم مَن قال: إن الواو للحال بتَقدير (قَدْ)، أي: (حتى إذا جاؤُوها وقد

стр. 494

فُتِحَت أبوابُها)، ويَكون الجواب على هذا محَذوفًا، وهذا ما ذهَب إليه المُفسِّر ﵀. وقيل: الواو حرفُ عَطْف، والجوابُ مَحذوف مُقدَّر قبلَها، والتَّقدير: (حتى إذا جاؤُوها هُذِّبوا ونُقُّوا وفُتِحَت أبوابُها)، وهذا القولُ أصَحُّ الأقوال أن الواو للعَطْف وليست للحال، وأن الجواب مَحذوف مُقدَّر قبل الواو. وهذا القولُ هو الراجِحُ لدَلالة الأحاديث عليه، فإنه قد ورَدَ في الأحاديث الصحيحة أنهم إذا عبَروا الجِسْر - الصِّراط المَمدود على جَهنَّمَ - وقَفوا على قَنطرةٍ بين الجَنَّة والنار، فيُقتَصُّ لبعضهم من بعض، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دُخول الجَنَّة، ثُمَّ إنهم أيضًا إذا وصَلوا الجَنَّة لا يَجِدون أبوابها مَفتوحة، بل يَجِدونها مُغلَقة حتى يَشفَع النبيُّ ﷺ ، فيَفتَح الله تعالى أبوابَها، هذا القولُ هو الراجِح المُتعَيِّن بدَلالة السُّنَّة عليه. مَسأَلةٌ: ورَد أن المُؤمِنين قبل دُخولهمُ الجَنَّة يُوقَفون على قَنطَرة يُقتَصُّ من بعضهم لبعض، فهل هذه القَنطرةُ من الصِّراط أم غيره؟ الجَوابُ: القنطرة التي يُوقَفون عليها بعد العُبور على الصِّراط؛ قيل: إنها طرَف الصِّراط، فهي قَنطرة وإن لم يَكُن تَحتَها شيء، فـ (وُقِفُوا على القَنْطرة) أي: على جانِب الصِّراط الكبير، وقيل: إنها قَنطَرة أُخرى للعُبور عليها، فالله أَعلَمُ. فإن قال قائِل: كيف يُقتَصُّ لبعضهم من بعض والقِصاص كان في عرَصات القيامة قبل العُبور على الصِّراط؟ فالجَوابُ: هذا الاقتِصاصُ غير الاقتِصاص الأوَّل، الاقتِصاص الأوَّلُ للجزاء والمُعادَلة، وهذا الاقتِصاصُ لإزالة ما بَقِيَ في النفوس من أجل إزالة الغِلِّ والحِقْد؛

стр. 495

وقد تَقدَّم: أنهم إذا هُذِّبوا ونُقُّوا دخَلوا الجنَّة كما جاء في الحديث. وقوله تعالى: ﴿أَبْوَابُهَا﴾ قد عَلِم أن أبوابها ثمانية لقول النبيِّ ﷺ في الوُضوء: "فُتَّحَتْ له أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ" (١). وقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ﴾ العجَب أن بعض النَّحويِّين قال: إن الواو هنا واوُ الثمانية، فأَحدَث للواو مَعنًى جديدًا، واستَدَلَّ لقوله بأَمْر عَجيب؛ قال: إن الله تعالى قال قي القرآن: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، فالواو للثَّمانية، فيُقال: سُبحانَ الله! من أين جاءَتْ؟! فالفائِدة في قوله تعالى: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تَقرير ما ذكَرَ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. قال العُلَماءُ ﵏: إنه قال: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تَقريرًا لهذا القولِ؛ ولهذا قال فيما قبله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لم يَقُل: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾؛ لأن الواو عاطِفة تَدُلُّ على أن ما قبلَها ثابِت مُتقَرِّر. قال ﵎: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ خزَنتها المُوَكَّلون بها، وهم ملائِكة، يَقولون لأهل الجَنَّة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ هذا خبَر، وليس دُعاءً فيما يَظهَر؛ لأنه لو كان دُعاءً لكان القادِمون هم الذين يُسلِّمون، وهنا المَلائِكة هي التي تَقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، فكأنها تُخبِرهم بأنهم حلَّ ﵈؛ لأن الجنَّة دارُ السلام.

стр. 496

وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ حال ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾] يَعنِي: سلام عليكم حالَ كَوْنكم طَيِّبين. فالجُملة إذَنْ: حال من الكاف في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿طِبْتُمْ﴾ أي: طِبْتم في كل شيء؛ في الأبدان والعُقول والتَّصرُّف وكل شيء، فهم طَيِّبون حَلُّوا مَكانًا طيَّبًا، طابوا من الغِلَّ والحِقْد، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وطابوا من كل مرَض، لا يُمكِن أن يُصيبهم مرَض، وطابوا من كل كلام فاحِش ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦]، فالطَّيَّب هنا قَدَّرْه في كل شيء. وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾: (ادْخُلوا) فِعْل أَمْر يُراد به الإكرام، ليس أمرًا حقيقيًّا يُراد به إلزام المُخاطَب، ولكنه أمرٌ للإِكْرام، كما تَقول لمَنِ استَأْذَن عليك في بيتك: ادخُلْ. وقوله ﵎: ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الواو في (ادْخُلُوهَا) أي: حالَ كَونِكم خالِدين، والحال هنا مُقدَّرة؛ لأن الخُلود بعد الدُّخول. قال المُفَسِّر ﵀: [مُقدِّرين الخُلود فيها، وجَواب (إذا) مُقدَّر، أي: دخَلوها، وسَوْقهم وفَتْح الأبواب قبل مجِيئهم تَكرمةً لهم، وسَوْق الكُفار وفَتْح أبواب جَهنَّمَ عند مَجيئِهم ليَبقَى حرُّها إليهم إهانةً لهم]، قوله ﵀: [أي: دخَلوها] في نُسْخة: (أَيْ: دخَولها) وهو غلَط. وقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ الواو على رَأْي المُفَسَّر للحال؛ وتَجِد أن الكلام على هذا الوجهِ فيه رَكاكة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ يَعنِي وقد فُتِحت أبوابها

стр. 497

﴿أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أي: دخَلوها؛ لا يَستَقيم، لكن ما ذكَرْنا أنه الراجِح هو المُطابِق تمامًا لما جاءت به السُّنَّة، والسُّنَّة تُفسِّر القرآن. وقول المُفَسَّر ﵀: [وسَوْقهم وفَتْح الأبواب قبل مَجيئهم تَكرمة لهم] قوله ﵀: [سَوْقهم] مُستَفاد من قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ﴾، [وفَتْح الأبواب قبل مَجيئهم]؛ لأنه يَقول: الواو للحال، وقد فُتِحت أبوابها تَكرِمة لهم، لكن يُقال: إن دَعوَى أن أبوابها فُتِحت قبل مَجيئهم دَعوَى لا يُسعِفها الدليلُ، بلِ الدليل على خِلافها؛ لأنهم إذا جاؤُوها لا يَجِدونها مَفتوحةً، بل يَجِدونها مُغلَقة، ثُمَّ يَشفَع النبيُّ ﷺ أن تُفتَح الأبواب لأهلها. فإِذَن: قول المُفَسِّر ﵀ فيه خطَأ من الناحية العِلْمية لمُخالَفته للأحاديث الصحيحة أن النبيَّ ﷺ يَشفَع في فتح أبواب الجَنَّة؛ وهذه مَسأَلة عَقدية في الواقِعِ؛ لأننا نُؤمِن ونَعتَقِد أن للنبيَّ ﷺ شَفاعةً خاصَّةً به، وهي الشفاعة لأهل الجَنَّة أن يَدخُلوا الجَنَّة، وعلى كلام المُفَسِّر ﵀ لا شَفاعةَ؛ لأنهم يَجِدون الأبواب مَفتوحةً. ثُمَّ قال المُفَسِّر ﵀: [وسَوْقُ الكُفَّار وفَتْح جهنَّمَ عند مَجيئِهِم ليَبقَى حَرُّها إليهم إهانةً لهم] قوله ﵀: [ليَبْقَى حَرُّها إليهم] عِبارة فيها نظَر. وعلى كل حال: على كلام المُفَسِّر ﵀: فإنها تُفتَح عند مَجيئهم من أَجْل أن يُباشِرَهم حَرُّها مُباشَرةً بدون تَأخُّر. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن المُتَّقين يُساقون إلى الجَنَّة كما يُساق أهل النار إلى النار، لكن

стр. 498

تَختَلِف الكيفية، والدليل على اختِلاف الكيفية قوله تعالى في أهل النار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]، وقوله تعالى في أهل الجنَّة هنا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، فهذا دليل على أنهم يُساقون سَوْق إكرام. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن التَّقوَى سبَب لدُخول الجَنَّة؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾؛ ووجهُ ذلك: أن تَرتيب الحُكْم على الوَصْف يَدُلُّ على عِلِّيَّتهِ؛ يَعنِي: إذا رُتِّب الحُكْم على وَصْف دلَّ ذلك على أن هذا الوَصفَ هو عِلَّة الحُكْم، فالسِّياق إلى الجَنَّة هو سبَب التَّقوى؛ إذَنْ: تُفيد الآية أن التَّقوى سبَب لدُخول الجَنَّة، ويُؤيِّد هذا قولُه تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ... ﴾ إلخ [آل عمران: ١٣٣]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن أهل الجَنَّة يَدخُلونها جماعاتٍ مُتفَرِّقةً؛ لقوله تعالى: ﴿زُمَرًا﴾، وهذه الجَماعاتُ يَترَتَّب تَقديمها على حسَب أعمالهم الصالِحة. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن أهل الجَنَّة إذا جاؤُوها لا يَجِدونها مَفتوحة الأبواب؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، ولكن يَجِدونها مُغلَّقة، حتَّى يَشفَع النبيُّ ﷺ في فتح أبواب الجنَّة لداخِليها. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن للجَنَّة أبوابًا، وقد ثبَتَ في الصحيح أن أبوابَها ثمانيةٌ (١). ويَترَتَّب على هذه الفائِدةِ: ما ثبَت مِن أن رحمة الله تعالى سبَقَت غضَبَه، وأن عطاءَه أكبَرُ وأعظَمُ من مَنْعه؛ لأنَّ أبواب النار سَبْعة، وأبواب الجَنَّة ثمانية. فإن قال قائِل: ما رأيُكم فيمَن قال: إن كُلًّا من الجَنَّة والنار جِسْم؟

стр. 499

فالجَوابُ: نَقول: صدَق، أَلَيْسَت جَنَّة عَرْضها السمَواتُ والأرضُ؟! أَلَيْس الله تعالى يَضَع قَدَمَهُ على النار حتَّى يَنزَوِي بعضُها إلى بعض؟! أَلَيْس الإنسان يَنظُر إلى مُلْكه في الجَنَّة مَسيرةَ ألفَيْ عام، يَنظُر أقصاه كما يَنظُر أدناه؟! فإذا لم يَجعَلها جِسْمًا فماذا تَكون، أتكون بالهَواء؟! الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات أن للجَنَّة خزَنةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]. ويَتَفرَّع على هذه الفائِدةِ: كمالُ تَقدير الله للأشياء، وأن كل الأشياء مُنظَّمة مَحفوظة مُرتَّبة. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات أن المَلائِكة يَنطِقون ويَتكَلَّمون؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الجَنَّة دارُ السلام، السلام مِن كل آفَة؛ لقول الخزَنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الله ﵎ جمَع لهم - أي: لأَهْل الجَنَّة - بين السلامة من الآفات وطِيب الأحوال والأَوْقات؛ لقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾، فجمَع لهم بين نَفيِ الآفات وطِيب الأحوال والأَوْقات. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الإِذْن لهم على وَجه الإكرام بدُخول الجَنَّة؛ لقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الفَرْق التامُّ والتَّبايُن العَظيم بين ما يُقابَل به أهل الجَنَّة وأهل النار، فأهل النار يُقابَلون بالتَّوْبيخ: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ

стр. 500

رَبِّكُمْ ... ﴾ إلخ، وأهل الجَنَّة يُقابَلون بالتكريم والعِناية والبُشرَى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إزعاج النُّفوس وإغراؤُها على العمَل بعمَل أهل الجَنَّة؛ لأنَّ الإنسان إذا تَبيَّن له الفَرْق العظيم والتبايُن الكبير بين أهل النار وأهل الجَنَّة، فلا بُدَّ أن يَكون عنده ما يَحُثُّه، بل يُزعِجه إزعاجًا إلى العمَل بعمَل أهل الجَنَّة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: خُلود أهل الجَنَّة فيها؛ لقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، والخلود هذا خُلود أَبَديٌّ، سواءٌ قلنا: إن الخُلود هو المُكْث الدائِم، أو إن الخلود المُكْث زمَنًا طويلًا، وذلك لأنه قد تَكرَّر ذِكْر التَّأبيد لأهل الجَنَّة في عِدَّة آيات.

стр. 501

الآية (٧٤) * قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالُوا﴾ عُطِف على (دَخَلوها) المُقدَّر]، فعلى كلام المُفَسِّر ﵀: ﴿وَقَالُوا﴾ الواو حَرْف عَطْف، والفِعْل (قالوا) مَعطوف على (دَخَلوها)، والصوابُ أن الواو للاستِئْناف، وأنهم بعد أن دخَلوا واستَقَرُّوا قالوا هذا الكلامَ. وقوله ﵀: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ بالجَنَّة] حمَدوا الله هنا على إنعامه وعلى كَماله؛ لأنَّ صِدْق اللهِ تعالى إيَّاهم وعدَه بالجَنَّة يَتَضمَّن شَيْئين: الشيء الأوَّل: وَصْف الله تعالى بالصِّدْق، وهذا حَمْد له على كَمال صِفَته. والثاني: تَحقيق ذلك لهم, أي: أنه حَقٌّ لهم فيَكون حمدًا على الشُّكْر. فحَمْدهم اللهَ تعالى الآنَ على أَمْرين: على الكَمال وعلى الإِفْضال: الأوَّل: الكَمال في صِفاته، والصِّفة هنا الصِّدْق، قال تعالى: ﴿الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، ولا شَكَّ أن الصِّدْق كَمال. الثاني: الإِفْضال، حيث أَسكَنَهم الجَنَّة.

стр. 502

فيَكون الحَمْد هنا شامِلًا للأَمْرين؛ لأنَّ الله تعالى يُحمَد على ما لَهُ من صِفات الكَمال، وعلى ما له من تمَام الإِفْضال. وقوله ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾: (صدَق) المُخفَّف غير (صَدَّق) المُشدَّد؛ لأن (صدَق) يَعنِي: أَخبَر بالصِّدْق، و (صدَّق) صدَّق مَن أَخبَر بالصِّدْق، يُقال: حدَّثني فصدَقني. المَعنَى: أَخبَرَني بالصِّدْق، ويُقال: حدَّثْتُه فصدَّقَني. يَعنِي قال: إني صادِق؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾، فالذي جاء بالصِّدْق هو الذي صدَق، وصدَّق مَن أَخبَر بالصِّدْق. قوله ﵀: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ بالجَنَّة ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أي: أرضَ الجَنَّة ﴿نَتَبَوَّأُ﴾ نَنزِل ﴿مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾؛ لأنها كلها لا يُختار فيها مَكان على مَكان]، قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أي: جعَلنا نَرِثها، والأرض هنا دخَلَت عليها (أل)، فهلِ المُراد بها الأرض المَعهودة، أو المُراد بها أرضُ الجَنَّة؟ يَرَى المُفسِّر ﵀ أن المُراد بها أرض الجَنَّة، وهذا التَّفسير يَرِدُ عليه أَمْرانِ: الأَمْرُ الأوَّلُ: أن الأرض إذا أُطلِقت فهي الأرضُ المُقابِلة للسَّماء، وهي أَرْضنا هذه. الأمرُ الثاني: أنه تعالى قال: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ﴾، وكان مُقتَضى السِّياق إذا كانت الأرض هي الجَنَّة أن يُقال: (وأَوْرَثنا الأرض نَتبَوَّأ منها حيثُ نَشاءُ)، فلا يَأتي بالظاهِر؛ لأنَّ الظاهِر في هذا المَكانِ لا مَعنَى له. وعلى هذا فالقولُ الصحيح: إن المُراد بالأَرْض هنا الأرضُ المُقابِلة للسماء، فتَكون (أل) هنا للعَهْد, أيِ: العَهْد الذِّهْنيِّ، لا الحُضورِيِّ، ولا الذِّكْريِّ.

стр. 503

فإذا قال قائِل: كيف أَوْرَثهمُ الأرضَ؟ نَقول: أوَّلًا: أن الله تعالى قال في كِتابه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، فتَوريث الله تعالى الأَرْض للمُؤمِنين في الدُّنيا: أنهم يُقاتِلون الكُفَّار ويَستَوْلون على أراضيهم. ثانيًا: أن وُجودهم على الأرض وسُكْناهم فيها وعُمرانهم إيَّاها كالميراث بالنِّسبة للكُفَّار؛ وذلك لأنَّ الكُفَّار لا يَتَمتَّعون بنِعْمة في الدنيا إلَّا كانت عليهم نِقْمة. فاللُّقْمة إذا رفَعَها الكافِر إلى فمِه يُعاقَب عليها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فمَفهومه: أن مَن لم يَكُن كذلك فعليه جُناح فيما طَعِم. ويَقول في اللِّباس: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فالكُفَّار ليسَتْ لهم في الدنيا ولا خالِصةً لهم يوم القيامة، فهم يَكتَسون بغير حَقٍّ؛ لأنهم يَتَنَعَّمون بنِعْمة الله تعالى ويَكفُرون بالله تعالى. على كل حال نَقول: إِيراثُ الأرض في الدنيا: ما يَستَولِي عليه المُسلِمون من أراضِي الكُفَّار؛ وإِيراثٌ آخَرُ: أن وُجودهم على الأرض بحَقٍّ، ووجود الكُفَّار بغير حقًّ، لكن الله تعالى أَبقاهم لحِكْمة. وقوله تعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ ظاهِره: أي: نَسكُن حيث نَشاءُ، وهذا ليس على ظاهِره، بمَعنَى أن الإنسان الذي في أَدْنى الجَنَّة نُزُلًا لا يَستَطيع أن يَصعَد إلى أعلى شيءٍ، قال النبيُّ ﵊: "إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الْغُرَفَ"

стр. 504

يَعنِي: التي فَوْقَهم "كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابرَ فِي الْأُفُقِ" (١)، يَعنِي: بعيدًا وله إِضاءة، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠]. ولكن يُقال في تَوجيه هذه الآيةِ الكَريمة ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾: الوَجهُ الأوَّلُ: إمَّا أن المَعنَى: نَتَبوَّأ من الجَنَّة حيث نَشاء في الدُّنيا، يَعنِي: نَعمَل في الدُّنيا ما نَشاءُ من الأعمال التي تُبوِّئُنا النُّزُل التي هي ثوابٌ لأعمالنا، ففي الدنيا قد يَكون الإنسان مع الأبرار الأخيار، وقد يَكون مع المُقتَصِدين، وقد يَكون من الظالمِين أنفسَهم؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فالإنسان في الدُّنيا يُمكِن أن يَتَبوَّأ من الجَنَّة حيث يَشاءُ بأعماله الصالِحة المُختَلِفة، فهو إمَّا: ظالِم لنَفْسه، أو مُقتَصِد، أو سابِقٌ بالخَيْرات. الوجهُ الثاني: أن نَقول: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾ أن كل واحِد من أهل الجَنَّة لا يَشاء سِوى الذي هو فيه، يَعنِي: لا يَقَع في قَلْبه أن يَتَمنَّى أنه فوقُ، بل هو مُطمَئِنٌّ تمَامًا في مكانه الذي هو فيه؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٧، ١٠٨] , يَعنِي: لا يَطلُبون تَحوُّلًا، كل واحد منهم راضٍ بما هو فيه، ولا يَرَى أن أحَدًا أَنعَمَ منه، حتَّى لو رآه حِسًّا لم يَرَه قَلْبًا؛ لأنَّه لو رأَى أحَدًا من الناس أعلى منه لكان في قلبه شيءٌ من الحَسْرة واللَّوْعة، وهذا مُنتَفٍ في الجَنَّة.

стр. 505

ويَقول المُفَسِّر ﵀: [لأنها كلها لا يُختار فيها مَكان على مَكان]، فجَنَح المُفَسِّر ﵀ إلى الاحتِمال الثاني: أن كل إنسان في مَكانه لا يَخْتار مَكانَ غيره. فإن قال قائِل: قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ لماذا لم يَقُل: (ونَتبَوَّأ)؛ ليَكون العَطْف يَقتَضي المُغايَرة؟ فالجَوابُ: أنه يُقال: إن جُمْلة (نَتَبَوَّأ) حال، ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ﴾ يَعنِي: حالَ كَوْننا مُتَبوَّئِين، وهي حال مُقدَّرة، والحال المُقدَّرة هي التي يَتَّصِف بها صاحِبها بعدُ، يَعنِي: لا حال الفِعْل أو حال التَّلبُّس بها، فنَقول: الحال هنا صحيح أننا لسنا نَتَبوَّأ من الجَنَّة في نَفْس الدُّنيا، لكنها حال مُقدَّرة، والحال المُقدَّرة هي أن الحال تَقَع بعد عامِلها؛ وتَقدَّم أنَّه يَمتَنِع أن تَكون أرض الجَنَّة لشَيْئين. وقوله: [﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الجَنَّةُ]: [الجَنَّةُ] بالضَّمِّ على أنَّها مَخصوص، والفاعِل ﴿أَجْرُ﴾، و (نِعْمَ) و (بِئْسَ) يَحتاجان إلى شَيْئين: فاعِل ومَخصوص، الفاعِل واضِحٌ والمَخصوص يَكون محَذوفًا في الغالِب. وقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: (نِعْمَ) فِعْل جامِد لإِنْشاء المَدْح، والأجر هنا بمَعنَى الثواب، ولكن الله تعالى سمَّاه أَجْرًا تَفضُّلًا منه ومِنَّةً، كأننا استَحْقَقنا ذلك وجوبًا كما يَستَحِقُّ العامِل أُجْرته وجوبًا. فإن قال قائِل: وهل يَجِب على الله تعالى أن يُثيبَنا؟ فالجَوابُ: يَجِب بوَعْده فإنه وَعَد أن يُثيبَنا، وما وَعَد به فإنه لا يُمكِن إخلافُه. إِذَن: فالوُجوب هنا ليس منَّا على الله تعالى، بل مِن الله تعالى على نَفْسه؛ قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤].

стр. 506

فتَسمية الثواب أَجْرًا من باب تفضُّل الله أنَّه جَعَل هذا الثوابَ على نَفْسه كالأُجْرة للعامِلِ الأجرةَ الثابتةَ اللازمةَ، فكذلك ثواب المُحسِن أَجْر ثابِت واجِب على الله تعالى بإيجابه هو على نفسه تَفضُّلًا منه وإحسانًا. وفي مثل هذا يَقول ابنُ القيِّم ﵀: مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ... هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ إِنْ عُذَّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ... فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّانِ (١) إذَنْ: فهو الذي مَنَّ علينا - في الواقِع - مَرَّتين: المرَّة الأُولى: بتَوفيقنا للعمَل. والمرَّة الثانية: بجَزائِنا على هذا العمَلِ الحسَنةَ بعشَرة أمثالها. وانظُرْ إلى الفَضْل أيضًا والمِنَّة الثالِثة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، فكأننا نحن الذين أَحسَنَّا فأَحْسَن إلينا، مع أن الإحسان لله تعالى أوَّلًا وآخِرًا، فالحمدُ لله ربِّ العالَمين. وقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ قد يَكون كلامًا مُبتَدَأً من الله تعالى، وقد يَكون بقيةَ كلام أهل الجَنَّة حين قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾؛ فإن كان من أهل الجَنَّة فهو زِيادة ثَناء على الله ، وإن كان من الله تعالى ابتِداءً فهو حَثٌّ لنا على أن نَعمَل هذا العمَلَ الذي يَكون هذا جَزاءَه.

стр. 507

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: الثَّناء على الله بالكَمال والإِفْضال؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ فإن صِدْق الوَعْد كَمال، ثُمَّ إن إِيراثَهم الجَنَّة إِفْضال، فجمَعوا في هذا بين الحَمْد على الكَمال والحَمْد على الإِفْضال؛ لأن الله تعالى يُحمَد على الأمرَيْن جميعًا، على كَماله وعلى إِفْضاله، فيَكون هذا جامِعًا بين الحمد والشُّكْر. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: صِدْق اللهِ تعالى وَعْدَه؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، وقد أَخبَر الله تعالى في آيات مُتعَدِّدة أنه لا يُخلِف الميعاد، وذلك لكَمال صِدْقه وكَمال قُدْرته، فإن إِخْلاف الوَعْد إمَّا أن يَكون لكَذِب الوَعْد، وإمَّا أن يَكون لعَجْز الواعِد، وكلاهما ممَّا يُنزَّه الله تعالى عنه؛ فيَكون فيه كَمال الصِّدْق وكَمال القُدْرة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: شُكْر أهل الجَنَّة على إِيراثِهم الأرضَ ونَصرِهم وظُهورهم على الكافِرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الإنسان يَتَبوَّأ بنَفْسه من الجَنَّة حيث يَشاءُ وذلك بعمَله؛ لقوله تعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الرَّدُّ على الجَبْرية الذين يَقولون: إن الإنسان مُجبَر على عمَله وليس فيه اختِيار، وذلك لقوله تعالى: ﴿نَتَبَوَّأ﴾ فإن الفِعْل هنا ظاهِر بنِسْبته إليهم فيَكون باختِيارهم؛ ففيه: إِثبات المَشيئة للعَبْد. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن أهل الجَنَّة في مَنازِلهم لا يُريدون غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾، وهذا من تَمام النعيم؛ لأن الإنسان لو تَطلَّع إلى مَنازِل غيره لرَأَى أنه لم يُكمَل له النَّعيم، يَقول مثَلًا: فلان أَحسَنُ مِنِّي قِصَرًا، فلان أكثَرُ منِّي مالًا. فيَتَنَغَّص

стр. 508

عليه النعيم، لكن إذا رأَى أنه في المكان الذي يَشاؤُه ولا يُريد التَّحوُّل عنه فإن هذا من كمال النَّعيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨]. فإن قال قائِل: ما تَوجيهكم لقول ابن القَيِّم (١) ﵀ بأن ذِكْرَ الله تعالى أمانٌ من الحَسْرة في الجَنَّة، واستَدَلَّ بحَديث: "أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَا يَتَحَسَّرُونَ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهَا" (٢)، فهل هذه الحَسرةُ تَتَوجَّه مع ما تَقدَّم؛ لأنهم يَنظُرون مَن سَبَقهم ومَن هو أَعلَى منهم؟ فالجَوابُ: هذه ليس حَسْرة، هذا تَمَنٍّ، يَعنِي: يَتَمنَّون أنهم فعَلوا ذلك، وتَمنِّي الشيء لا يَدُلُّ على الحَسْرة، ولا يُمكِن أن يَكون في الجَنَّة حَسْرة بمَعنَى الندَم والانقِباض مثَلًا؛ لأنَّ هذا يُنافِي كمال النَّعيم. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الثَّناء على هذا الثوابِ الذي حصَل لأَهْل الجَنَّة في قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: بَيان مِنَّة الله بالجَزاء، حيث جعَله أَجْرًا، وكأنه أَجْر مَفروض على الله . فإن قال قائِل: كيف تَجعَلون على الله تعالى شَيئًا مَفروضًا؟ قُلْنا: أنَجْعَلْه نحن، لكنه هو الذي جعَله على نَفْسه. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: الحثُّ على العمَل الصالِح الذي يُورِث الجَنَّةَ، وأن الإنسان لا يَنبَغي أن يَكون كَسولًا مُتراخِيًا الهِمَّةَ في الأعمال الصالِحة.

стр. 509

الآية (٧٥) * قَالَ اللهُ : ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ﴾: (تَرَى) تَرَى أيُّها المُخاطَب، ويُحتَمَل أن المُراد به رسول الله ﷺ ، ولكن القول الأوَّلَ أَوْلى؛ لأنَّ القول الأوَّلَ يَشمَل القولَ الثانِيَ ولا عكسَ، فإنك لو قُلتَ: وتَرَى يا مُحمَّدُ. حجَبْت هذا الخِطابَ عن بقية الأُمَّة، وإذا قُلت: وتَرَى أيُّها المُخاطَب صار عامًّا للنبيِّ ﷺ ولغيرِه من الأُمَّة. والقاعِدةُ: أنه إذا دار اللَّفْظ بين مَعنًى عامٍّ ومَعنًى خاصٍّ فإنَّه يُحمَل على المَعنَى العامِّ؛ لأنك إذا حمَلته على المَعنَى العامِّ دخَل فيه الخاصُّ ولا عكسَ. وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ جَمعُ ملَك، والمَلَك في الأصل هو الرَّسول، والمَلائِكة جعَلهم الله تعالى رُسُلًا، وهم عالَم الغَيْب قائِمون بأَمْر الله ، مَخلوقون من نور؛ ولهذا ليس فيهم مَعْصية؛ لأنهم خُلِقوا من نور. والجِنُّ خُلِقوا من النار؛ ولهذا كان الأصل أنه ليس فيهم طاعة، فإن أَباهم وزعيمهم استَكبَر من أمر الله تعالى الذي خاطَبَه به مُشافَهةً. قوله تعالى: ﴿الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [حال]، وإنما جعَلها حالًا؛ لأن الرُّؤْية هنا بصَرية، والرؤية البصَرية لا تَنصِب إلَّا مَفعولًا واحِدًا، فما

стр. 510

يَأتي بعدَه مَنصوبًا يَكون مَنصوبًا على الحال، بخِلاف الرُّؤية العِلْمية فإنَّها تَنصِب مَفعولين. إِذَنِ: الرؤيةُ هنا بصَرية، ولهذا أَعرَب المُفَسِّر ﵀ قوله تعالى: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ أَعرَبها حالًا. وقوله تعالى: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ أي: مُحيطين به. والعَرْش هو عَرْش الله الذي استَوَى عليه، وهو أَعظَمُ المَخلوقات وأَعلاها، وأَوْسعها، فإن الكرسيَّ وسِعَ السمواتِ والأرضَ؛ يَعنِي: أَحاط بها وشمِلَها، والعَرْش أَعظَمُ من الكُرسيِّ؛ وقد ورَد عن ابن عباس ﵄ أن الكُرسيَّ مَوضِع القَدَمَيْن (١)، وقال بعضُ العُلَماءِ ﵏: إنه بالنِّسبة للعَرْش كالدرَجة. وقد جاء في الحديث: "أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي الْكُرْسِيِّ كَحَلَقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ" الحلَقة: حلَقة المِغفَر وهي حلَقة ضَيِّقة "أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى هَذِهِ الحَلَقَةِ" (٢). إِذَنْ: فيَكون هذا العرشُ عظيمًا لا يَقدُر قَدْره إلَّا الله . قال ﵀: [﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ من كل جانِب] ووجهُ هذا التَّفسيرِ: أنَّه من كل جانِب؛ لأنه أَطلَق قوله تعالى: ﴿حَوْلِ الْعَرْشِ﴾، وحينئذ لا بُدَّ أن يَكون هذا

стр. 511

الحَولُ من كل جانب؛ لأنهم لو أَحاطوا من جانِبٍ واحِد لم يَكونوا حول العَرْش من الجانب الخالي، فإذا كانوا حافِّين من حوله فلا بُدَّ أن يُحيطوا بجميع جوانِبه؛ ولهذا قال ﵀: [مِن كُلِّ جانِب]. قوله ﵎: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قال ﵀: [﴿يُسَبِّحُونَ﴾ حال] يَعنِي: الجُمْلة هذه حاليَّة [من ضمير ﴿حَافِّينَ﴾]؛ لأن ﴿حَافِّينَ﴾ اسم فاعِل، واسم الفاعِل يَتَحمَّل الضمير كما يَتَحمَّله الفِعْل. وقوله ﵀: [﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ مُلابِسين للحَمْد] يَعنِي: جعَل الباء في قوله تعالى: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ للمُلابَسة، وإن شِئْت فقُلْ: للمُصاحَبة. أي: يُسبِّحون تَسبيحًا مَصحوبًا بالحَمْد, أي: يَقولون: سُبحانَ اللهِ وبحَمْدِه. والجمع بين التَّسبيح والحمد هو كَمال المُسبَّح والمَحمود؛ لأن بالتَّسبيح زوال النقائِص والعُيوب، وبالحَمْد إثبات الكمال، فيَكون الجَمْع بين التَّسبيح والحَمْد مُفيدًا لمَعنًى أكثَرَ ممَّا لوِ انفَرَد التسبيح أوِ انفَرَد الحمد. فإن قال قائِل: قال بعضُ أهل العِلْم في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: إن التسبيح هنا للتَّلذُّذ لا للتَّعبُّد؛ لأنَّه لا تَكليفَ في ذلك اليومِ، فما رأيُكم؟ فالجَوابُ: رأْيُنا أن هذا قول باطِل، بل وللتَّعبُّد، ولكنهم يَتَلذَّذون بالعِبادة، يَعنِي: يَشعُرون بأنهم خاضِعون لله تعالى مُتذَلِّلون له. وأمَّا قوله: لا تَكليفَ في ذلك اليومِ. فهو أيضًا باطِل، ففي ذلك اليومِ تَكليف؛ ألَيْسَ الله يَقول: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]؟ ففيه تَكليف، ومَن نَفَى التَّكليف في ذلك اليومِ فقَدْ أَخطَأ وغفَل عن النُّصوص الدالَّة على أن فيه تَكليفًا.

стр. 512

وقوله ﵀: [﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين جميع الخَلائِق ﴿بِالْحَقِّ﴾ أيِ: العدل، فيَدخُل المُؤمِنون الجَنَّة، والكافِرون النار]، قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ﴾ أي: حُكِم؛ لأن القَضاء مَعناه: الحُكْم. وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَقِيلَ﴾ أُبهِم الفاعِل؛ ليَكون أَعمَّ. يَعنِي: أن الله تعالى في تلك الحالِ يُحمَد من كل أحَد، ومن كل جانِب، ومن كل جِهة، والحمد هنا مَقرون بـ (أل) المُفيدة للاستِغْراق، واللَّام في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ للاختِصاص والاستِحْقاق، فإذا جعَلْنا الحمد للاستِغْراق شمِلت كلَّ أنواع الحَمْد، سواءٌ كان على كَمال الصِّفات أو على الإِفْضال والإِحْسان والإِنْعام، وإذا قُلنا: اللَّام في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ أنها للاستِحْقاق والاختِصاص تَبيَّن أن الحَمدَ المُطلَق لا يَستَحِقُّه إلَّا الله تعالى، ولا يَكون إلَّا لله تعالى اختِصاصًا، ولا يُحمَد به إلَّا اللهُ تعالى استِحقاقًا. والفَرْق بين الحَمْد والمَدْح مع تَساويهما في الحُروف: أن المَدْح وَصْف بالكَمال، لكن لا يَستَلزِم المَحبَّة، وأمَّا الحمْد وهو وَصْف للكَمال مُستَلزِمٌ للمَحبَّة، فالله تعالى يُحمَد ويُمدَح، لكن الحَمد أَخَصُّ من المَدْح؛ لأنَّ المَدْح هو مُطلَق الثَّناء، وأمَّا الحمد فهو ثَناء مَقرون بمَحبَّة وتَعظيم. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالِق العالَمين ومالِكهم ومُدبِّرهم، والعالَم كلُّ مَن سِوى الله تعالى. قال ﵀: [ختَمَ استِقْرار الفَريقين بالحَمْد من المَلائِكة]، وهذا فيه نظَر، فليس من المَلائِكة فقَطْ، بل من المَلائِكة وغيرهم؛ ولهذا أُبهِم الفاعِل فقال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 513

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات المَلائِكة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾. مَسأَلةٌ: هل المَلائِكة مُكلَّفون؟ الجَوابُ: نعَمْ؛ لأنهم يَستَجيبون لله ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، فنَفْيُ العِصيان عنهم يَدُلُّ على أنهم يُكلَّفون بالشيء، وعلى أن العِصيان منهم مُمكِن عَقْلًا، لكنهم لا يَعصون الله تعالى ما أمَرَهم. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إظهار عظَمة الله في ذلك اليومِ، حيث تَحُفُّ جنودُه بعَرْشه، وهذا من مَظاهِر العظَمة وكمال السُّلْطان: أن يُرَى الجُنودُ حافِّين بمالِكهم وخالِقهم وسيِّدهم . الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات العَرْش؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾. فإن قال قائِل: قول الله ﵎: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ ألَا يَدُلُّ هذا على أن للعَرْش جوانِبَ وأركانًا؟ فالجَوابُ: بلى، هو كذلك، والحديث الثابِت في الصحيحين: أن مُوسَى ﵇ يَكون آخِذًا بقَوائِمِ العَرْش (١). الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الثناء على المَلائِكة وذلك بحُسْن انتِظامهم بحَفِّهم من حول العَرْش، وهذا حُسْن فِعْليٌّ، وبكونهم يُسبِّحون الله تعالى بحَمْده وهذا حُسْن قَوْليٌّ،

стр. 514

فيَجْمَعون بين تَعظيم الله تعالى بالفِعْل وتَعظيمه بالقول. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: اختيار الجَمْع بين التسبيح والحمد؛ لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وذلك لأن بالتَّسبيح زوال النَّقْص والعَيْب، وبالحمدُ إثباتُ الكمال. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله ربٌّ لهؤلاءِ المَلائِكةِ مع عِظَمهم؛ لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ وأن رُبوبيته للمَلائِكة رُبوبية خاصَّة بدليل الإِضافة. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الله تعالى يَقضِي بعد هذا كلِّه بين الخَلْق بالعَدْل؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: حُكِم بينهم، وقضاء الله تعالى نَوْعان: كونيٌّ وشَرْعيٌّ. فالشَّرعيُّ: مثل قوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، يَعنِي: وصَّى ألَّا نَعبُد إلَّا الله تعالى. والكونيُّ: مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]، فإن هذا لا يُمكِن أن يَكون قضاءً شَرْعيًّا؛ لأنَّ الله تعالى لا يَقضِي بالفَساد، ولكنه قضاءٌ كَوْنيٌّ. وبهذا نَعرِف الفرق بين القضاء الكَوْنيِّ والشَّرْعيِّ: الفَرْقُ الأوَّل: أن الكونيَّ فيما يُحِبُّ وما لا يُحِبُّ، والشرعيُّ فيما يُحِبُّ. والفرقُ الثاني: أن الكونيَّ لا بُدَّ من وقوع المَقْضِيِّ، والشَّرْعيُّ لا يَلزَم منه وقوع المَقضِيِّ، فقد يَقَع وقد لا يَقَع. فإن قال قائِل: يَرِد كثيرًا: (القضاءُ الكونيُّ)، و (القدَر الكونيُّ) و (الحُكْم الكونيُّ)؛ وكذا (الشَّرْعيُّ)، والفُروق بينهم ليسَتْ فُروقًا، فما هذا؟

стр. 515

فالجَوابُ: صحيح هو كذلك، ومَعنَى الإرادة غير الحُكْم، فالحُكْم قد يَكون بمَعنَى القضاء، لكن الإرادة غير ذلك، وهي تَنقَسِم هذا التَّقسيمَ كما هو واضِح. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ القَضاء في ذلك اليومِ قَضاء بالعَدْل، ليس فيه جَوْر بوجه من الوجوهِ، لقوله تعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: حَمدُ الله في ذلك اليومِ الذِي يَتِمُّ فيه الأمر؛ قال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وإذا قارَنْت بين هذا وبين قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] تَبيَّن لك أن الله تعالى مَحمودٌ في أوَّل الأمر وآخِره، ففي أوَّل الأمر في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وفي آخِره بعد أن قُضِيَ بين الخَلائِق بالحَقِّ قيل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: بيانُ استِحْقاق الله تعالى للحَمْد كلِّه؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و (أل) ذكَرْنا أنَّها للاستِغْراق، واللَّام للاختِصاص والاستِحْقاق. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات عُموم الرُّبوبية؛ لقوله ﵎: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والعالَمون كلُّ مَن سِوى الله تعالى؛ قال بعضُ العُلَماءِ ﵏: إنَّما سُمُّوا بهذا؛ لأنهم عَلَمٌ على خالِقهم. وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى إنَّهُ وَاحِدُ (١)