← Тафсир

Тафсир · id 151160

تفسير العثيمين: الزمر

ابن عثيمين

Полный текст (515 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقيل: الحُور والوِلْدان والمَلائِكة، ولا يَمنَع منه كلام المُفَسِّر ﵀؛ لقوله: [وغيرهما]. وقيل: الله أَعلَمُ نَقول: إلَّا مَن شاء الله تعالى، كما أَبهَم الله ، ولا نَتعَرَّض للتَّفصيل؛ لأنه ليس هناك دليلٌ صحيحٌ صريحٌ في تَعيُّن هؤلاءِ المُستَثْنَيْنَ. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾، والنافِخُ إسرافيلُ، وقوله تعالى: ﴿أُخْرَى﴾ مَفعول مُطلَق أي: نَفْخة أخرى، أو نَقول: إنها وَصْف لمَوْصوف مَحذوف، والتَّقدير: نَفْخة أُخرى، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]. وقوله ﵀: [﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي: جميع الخلائِق المَوْتى، ﴿قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ يَنتَظِرون ما يُفعَل بهم] قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ الفاء حرفُ عَطْف، و (إذا) فُجائِيَّة، والفُجائِيَّة تَدُلُّ على حُصول ما بعدَها مُفاجأةً، بمَعنَى: أنه يَأتِي بسُرعة. وقوله تعالى: ﴿هُمْ قِيَامٌ﴾ جملةٌ اسمِيَّةٌ، والغرَض منها الثُّبوت والاستِمْرار، وهي أبلَغُ ممَّا لو قال: فقاموا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ تَدُلُّ على أن هذا وَصْف لهم كأنه أَمْر ثابِت من قديم، مُستَقِرٌّ مع أنهم لم يَقوموا إلَّا في النَّفْخة الواحِدة الأخيرة. وقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قال: [يَنتَظِرون ماذا يُفعَل بهِمْ]، ويُحتَمَل أن يَكون المعنى: يَنظُرون ما حدَث، من النظَر بالعَيْن، وهذا الاحتِمالُ لا يُنافِي ما ذكَره المُفسِّر ﵀؛ فتَكون الآية شامِلةً لهذا وهذا، أي: يَنظُرون بأعينهم ما حصَل، ويَنتَظِرون ماذا يُفعَل بهم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات النَّفْخ في الصُّور، وأنه واقِع لا محَالةَ، يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ﴾ حيث عبَّر عنه بالماضِي.

стр. 457

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عِظَم هذا النَّفخِ، ويُؤخَذ من إبهام الفاعِل. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هذا النفخَ عَظيم في تأثيره، حيث يَفزَع الناس منه، ثُم يُصعَقون، أي: يَموتون. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الصَّعْق شامِل لكل مَن في السمَوات ومَن في الأرض إلَّا مَن شاء الله تعالى، وهم أقلُّ ممَّن يُصعَقون؛ لأن الغالِب أن المُستَثْنى يَكون أقلَّ من المُستَثْنى منه. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات المَشيئة لله ، وهي كثيرة في كِتاب الله ، ولم يُنكِرها أحَد من الناس إلَّا فيما يَتَعلَّق بأفعال العِباد، حيث أَنكَرها القدَرية. الْفَائِدَةُ السَّادِسةُ: أنه يُنفَخ في الصُّور مرَّتَيْن؛ لقوله : ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن النَّفْخة الأخرى يَكون بها البَعْث؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن القِيام من القُبور يَلِي النَّفْخ في الصُّور مُباشَرةً، نَأخُذها من (إذا) الفُجائِية. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنهم - أيِ: الذين يَقومون - يَقومون وكأنَّ لهم زمَنًا طويلًا في القيام، بدليل أنه أتَى في ذلك بصيغة الجُمْلة الاسمِيَّة. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَمام قُدْرة الله جَلَّ وَعَلَا، حيث إن الخَلائِق كلها تَقوم مرَّةً واحِدة بهذه النَّفْخة، وقد قال الله : ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤] أي: على سَطْح الأرض وظَهْر الأرض.

стр. 458

فإذا قال قائِل: ما عَلاقةُ نَفْخ الصُّور بحياة الناس وبَعْثهم من القُبور؟ فالجَوابُ: أن هذا الصُّورَ مُجتَمَع الأرواح تُجمَع فيه أرواح الخلائِق، ثُمَّ إذا حصَل نَفْخ تَطايَرتِ الأرواح ودخَلَت كلُّ رُوحٍ في جسَدها الذي كانت تَعمُره في الدنيا، لا تُخطِئه أبدًا على كَثْرة الخَلْق وتَفرُّقهم، فإن أرواحهم لا تُخطِئ أجسامهم، فكلُّ رُوح تَدخُل في جسَدها الذي كانت تَعمُره في الدنيا. فإن قال قائِل: ما حُجَّتهم على أن الأرواح تُوجَد داخِلَ الصُّور قبل النَّفْخ وبعد النَّفْخ تُوضَع في الأجساد، فتُوضَع كلُّ رُوح في الجَسَد، وهو من الأمور الغَيْبية؟ فالجَوابُ: دليلهم حديث الصُّورِ الطويلُ (١)، وهذا الحديثُ فيه أشياءُ مُنكَرةٌ، لكن فيه أشياءُ تَشهَد لها النُّصوص الأخرى الصحيحة، وفيه أشياءُ ليسَتْ مُنكَرة، وليس فيها ما يَشهَد لها في الأحاديث الصحيحة، لكن العُلَماءَ ﵏ تَلقَّوْه بالقَبول.

стр. 459

الآية (٦٩) * قَالَ اللهُ : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩]. قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أَضاءَت]، ومنه: أَشرَقتِ الشمسُ، إذا انتَشَر ضَوؤُها، وشرَقَتْ إذا برَزَت، ويُقال: شرَقَتِ الشمسُ. إذا ظهَرَتْ على الأفُق، وأَشرَقَت، إذا ارتَفَعَت أو استَطار ضَوْؤُها؛ ولهذا تُسمَّى الصلاة التي بعد ارتِفاعها قِيدَ رُمْح تُسمَّى: (صلاةَ الإِشْراق) لا صلاةَ الشُّروق، إذِ الشُّروق ظُهور الشمس في الأُفُق، والإشراق ارتِفاعها واتِّساع ضَوْئِها. وهنا يَقول تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ بنور الله تعالى الذي هو نوره، وليس بنور المَخلوق، فإضافة النور إلى الربِّ من باب إضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها، أي: أن الله جَلَّ وَعَلَا يُنير الأرض بنُوره؛ يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ حين يَتجَلَّى] أي: يَظهَر [لفَصْل القَضاء]، فيَأتي للقَضاء بين العِباد. فإن قال قائِل: إنه نورٌ مَخلوق، وأَضافه الله تعالى إلى نَفْسه إضافةَ مَخلوق إلى خالِقه مثل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وبيت الله؟ فالجَوابُ: أن هذا خِلاف الظاهِر، فالله تعالى يَقول: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾، والله تعالى له نور، يَقول تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فكل إنسان يُحرَّف الكلِم عن

стр. 460

ظاهِره نُجيبه بهذا، ونَقول: هذا غيرُ مَقبول؛ لأنه خِلاف ظاهِر اللَّفْظ، فإن أَتيتَ بدليل صحيح يُخرِجه عن ظاهِره فعلى العَيْن والرَّأْس، وإن لم تأتِ بدليل صحيح يُخرِجه عن ظاهِره فقولُك مَردود. وقد ورد أن الله يُنزِل مَلائِكة السماء الدنيا حتى تُحيط بالخَلْق، ثُم تَنزِل مَلائِكة السماء الثانية حتى تُحيط بأهل السماء الدُّنيا؛ لأن أهل السماء الثانية أكثَرُ من أهل السماء الدنيا، إِذْ إن السماءَ الثانية أَوسَعُ من السماء الدنيا، فيَكون سُكَّانها أكثَرَ، ثُم يَنزِل أهل السماء الثالِثة فيُحيطون بمَن قَبْلهم، وهم أكثَرُ من أهل السماء الثانية، وهَلُمَّ جَرًّا، إلى السماء السابِعة. قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]، ﴿وَنُزِّلَ﴾ أي: نزَلوا شيئًا فشيئًا؛ أهل السماء الدنيا، ثُم الثانية، ثم الثالثة ... إلى السابِعة. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ قال أهلُ العِلْم ﵏: إن هذا الغَمامَ هو الذي يَأتِي بين يدَيِ الله ، وهو غَمام عظيم لا نَعلَم قَدْره ولا نَعلَم كيفِيَّته. ولهذا قال تعالى: ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ ولم يَقُل: تَنشَقُّ، بل: (تَشقَّق)، كأنه شيء يَنبَعِث منها شيئًا فشيئًا، وسيَكون هذا عظيمًا، وذلك بين يدَيْ مَجيء الربِّ جَلَّ وَعَلَا، ثُم يَنزِل للقَضاء بين العِباد، وحينئذ تُشرِق الأرض بنور ربها. ولا نَستَطيع الآنَ أن نَتصوَّر كيف هذا الإشراقُ! وكيف هذا النُّورُ! وكيف هذا الغَمامُ! فهو أَمْرٌ لا تُدرِكه عُقولنا الآنَ!. يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ كِتاب الأعمال للحِساب] (وُضِع)

стр. 461

أي: وُضِع بين أَيْدي الناس، قال الله ﵎: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، هذا الكِتابُ كُتِب فيه أعمال العِباد، مَن عمِل مِن خَير أو شَرٍّ، إلَّا ما انمَحَى بالمَغفِرة أو بالتَّوْبة فإنه لا يُوجَد في الكِتاب، فالصغائِر مثَلًا تُكتَب، فإذا صلَّى الإنسان فإن الصلواتِ الخَمسَ يَمحو الله تعالى بهن الخَطايا، وربما يَتوب الإنسان من سَيِّئات كُتِبَت عليه، فلا يُوجَد في الكِتاب إلَّا ما واجَه الإنسان به ربَّه، وكان خُتِم عليه في حياته. وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: (أل) هنا الظاهِر أنها للعُموم لا للجِنْس، يَعنِي: وُضِع كلُّ كِتاب فأَخَذه صاحبه، وهذا الكِتابُ الذي تُكتَب فيه الأعمال يُقال لصاحِبه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ أنتَ بنَفْسك ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. وإذا قرَأَه فلا يُمكِن أن يُنكِر ما فيه، فلا بُدَّ أن يُقِرَّ، إلَّا المُشرِكين، فإنهم يُنكِرون ويَقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ لأنهم إذا رأَوْا أن المُوحِّدين المُخلِصين نَجَوْا من العذاب سَوَّلت لهم أنفسهم أن يُنكِروا الشِّرْك لعلهم يَنجون من العذاب، ولكن هذا لا يَنفَعهم، فإذا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ شهِدَ عليهم سَمْعهم وأبصارهم وجُلودهم بما كانوا يَعمَلون، وحينئذ يَوَدُّ الذين كفَروا لو تُسوَّى بهم الأرضُ ولا يَكتُمون الله حَديثًا. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ كِتاب الأعمال للحِساب]، وكيفية تَوزيع الكِتاب أنه يُوزَّع على وَجْهين: الوجهُ الأوَّلُ: أن يُعطَى باليَمين. والثاني: أن يُعطَى بالشِّمال.

стр. 462

فالمُؤمِن يُعطَى باليَمين، ويَقول للناس: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، انظُروا اقرؤُوا، يَقول هذا ابتِهاجًا بنِعْمة الله تعالى، وتَحدُّثًا بنِعمة الله تعالى كما لو أُعطِيَ الواحدُ نَتيجتَه وإذا فيها التَّقدير مُمتاز، مِئة بالمِئة، فإنه يُريها لكل واحد من الطُّلاب، وإذا كان كلُّ رقَم عليه دائِرة حَمراءُ فإنه يُمزِّقه، لكن في القِيامة لا يُمكِنة أن يُمزِّقه، أمَّا في الدنيا يُمكِنه أن يُمزِّقه أو يُخفيه. على كل حال: هذا أمرٌ جِبِلِّي طبيعيٌّ: أن الإنسان يَفخَر بنِعْمة الله ويُريها للناس فيَقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩, ٢٠]، الظنُّ هنا بمَعنَى اليَقين، يَعنِي: أَيقَنْت أني مُلاقٍ حِسابِي، وأن الله سيُحاسِبني. أمَّا مَن أُوتِيَ كِتابه بشِماله - والعِياذ بالله - فيَقول: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥, ٢٦]، كما يَقول القائِل للزائِر الثَّقيل: لَيْتَه لم يَأتِ، لَيْتَني لم أَرَ وجهه. فالكِتاب الذي يَكون بالشِّمال - والعِياذ بالله - يَعرِف صاحِبه ما فيه فيَقول: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ مَسأَلةٌ: في القرآن الكريم ذَكَر الله أن مَن لم يُؤْتَ كِتابه بيمينه يَأخُذه بشِماله، وفئة أُخرى من وراء ظَهْره، فهل هُما صِفتان أو صِفة واحِدة؟ الجَوابُ: قال بعضُ العُلماءِ ﵏: إنهما صِفتان. وقال بعضُ العُلَماءِ ﵏: إنهما صِفة واحِدة، يَعنِي: أنه يُعطَى الكِتاب بالشِّمال من وراءِ الظَّهْر، ليس هو من الأمام يُعطَى إيَّاه من وجهه، بل من وراء ظَهْره، فيَكون في هذا تَنبيهٌ له وتَذكير له بما فعَل بكِتاب الله تعالى في الدنيا. فوَضَع يَساره وراءَ ظَهْره؛ تَذكيرًا له بحاله في الدنيا، أنه نبَذ كِتاب الله تعالى وراءَ

стр. 463

ظَهْره، قال تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧]، كأنه يُقال له: جَزاؤك من جِنْس عمَلك. وقيل: بل إن من الناس مَن يَأخُذه بشِماله من قِبَل الشِّمال، ومن الناس مِن وراء ظَهْره فتَكون صِفَتَيْن، والله أَعلَمُ. فإن قال قائِل: ألَا يُمكِن أن نَقول: إن أَخْذ الكُفَّار المُعرِضين عن كِتاب الله وآياته الكِتابَ بيُسراهم من وراء ظُهورهم، لا يَستَوِي مع أَخْذ المُؤمِنين العُصاة الكِتاب بيُسراهم؟ فالجَوابُ: أنه لا دليلَ على هذا، فمَن يَقول: إن عُصاةَ المُؤمِنين يَأخُذون الكُتُب بشِمالهم، وقَوْل الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يُثْبِتُ هذا المَعنَى، فلو ثبَت أن عُصاة المُؤمِنين يَأخُذون بالشِّمال لكان لا بأسَ، لكن الآية تَقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٣٣]، فهذا في الكافِر. وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ جاء بهم الله ؛ لأن المُلْك في ذلك الوقتِ لله تعالى، فله التَّصرُّف فيُؤتَى بالنَّبيِّين، و (النَّبيِّين) هنا يَشمَل النَّبيِّين الذين أُرسِلوا، والنَّبيِّين الذين لم يُرسَلوا، فهو عامٌّ. قوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الشُّهداء جمع شَهيد، وليس المُراد بالشُّهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله تعالى، بل المُرادُ بالشُّهداء الذين يُستَشهَدون يوم القِيامة، قال المُفَسِّر ﵀: [أي: بمُحمَّد ﷺ وأُمَّته، يَشهَدون للرُّسُل بالبَلاغ].

стр. 464

أمَّا قوله ﵀: [أي: بمُحمَّد] فظاهِره أنه يُريد أن يُفسِّر النَّبيِّين بمُحمَّد، فيَكون على تفسيره عامًّا أُريد به الخاصُّ، وهذا غير مُسلَّم به، بل الصوابُ: أنه عامٌّ باقٍ على عُمومه، أي: يُؤتَى بالنَّبيِّين كلهم يَشهَدون على أُمَمهم بأنهم بلَغوهم. أمَّا قوله: (الشُّهَداء) فهو من باب عَطْف العامِّ على الخاصِّ، والمُراد بهم: الذين يَشهَدون على الأُمَم وللرُّسُل، وهم هذه الأُمَّةُ، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] مُحمَّد ﷺ ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، فالرُّسُل شُهَداءُ على أُمَمهم يَقولون: يا ربَّنا نَشهَد أنك أَرسَلْتنا إلى أقوامنا وأننا بلَّغْناهم. ولا يُمكِن أن يَقول أحَدٌ في ذلك اليومِ: هذه دَعْوى، فأين البَيِّنة؟ لأنه لو قال مثل هذا القولِ فإنه يَشهَد عليه أَعضاؤُه، والله تعالى يَشهَد قبل كل شيء. أمَّا الشُّهَداء فهُمْ أُمَّة مُحمَّد ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، وهذه الأُمَّةُ - ولله الحمدُ - تَشهَد على الناس في الدُّنيا وفي الآخِرة، ونحن الآنَ نَشهَد أن الله تعالى أَرسَل نوحاً ﵇ إلى قومه، ونَشهَد أن قومَه أُبلِغوا على الوجه الأَكمَل، ونَشهَد أنه بَقِيَ فيهم ألفَ سَنَة إلَّا خَمْسين عامًا، كل هذا نَشهَد به، بما علَّمنا الله في كِتابه، فيَوم القِيامة تَكون الشهادة لنا على الأُمَم. وقول المُفَسِّر ﵀: [يَشهَدون للرُّسُل بالبَلاغ] لو قال: (وعلى الأُمَم بإقامة الحُجَّة) لكان هذا خيرًا، فنحن كذلك نَشهَد على الأُمَم بأنهم بُلِّغوا، وأُقيمت عليهم الحُجَّة، فلنا شَهادتان: شَهادة للرُّسُل، وشهادة على الأُمَم. وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أيِ: العَدْل، والقاضي هو الله ، لكن

стр. 465

أَبهَمه للتعظيم، وهو مَعلوم فليس هناك ضَرورة إلى التَّعْيين؛ لأنه مَعلوم أن القاضِيَ هو الله ربُّ العالَمين. وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الناس، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعَدْل، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ شيئًا، يُقضَى بين الناس يوم القيامة بالعَدْل، وليس القضاء بين الناس فقَطْ بالعَدْل، بل وبين البَهائم أيضًا بالعَدْل، حتى إن الرسول ﷺ أَخبَر بأنه يُقتَصُّ للشاة الجَلحاءِ من الشاة القَرناءِ (١)، سُبحانَ الله! ثُمَّ بعد ذلك تَكون تُرابًا؛ لأنها ليس لها جَنَّة ولا نار، لكِنْ إظهارًا للعَدْل وشِفاءً لما في الصدور؛ لأن الشاة الجَلحاءَ إذا نطَحَتْها الشاه القَرناءُ صار في قَلْبها شيء، لكنها لا تَستَطيع أن تَقتَصَّ؛ لأن هذه لها قُرون وهذه ليس لها قُرون، لكن يوم القِيامة يُعطِي الله الشاة الجَلْحاء قُدرة حتى تَقتَصَّ، أو يُريها الله كيف يَقتصُّ لها من الشاة القَرناءِ؛ ولهذا يَقول تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾. يَقول المُفَسِّر ﵀: [أيِ: العدل]، وفسَّر الحَقَّ هنا بالعَدْل ولم يُفسِّره بالصِّدْق؛ لأن المَقام مَقام حُكْم وقَضاء، والمُناسِب فيه العدل. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ الضمير (هم) يَعود على الناس، يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ شيئًا]، أي: لا يُنقَصون من حُقوقهم شيئًا، بل يُعطَى كل إنسان حقَّه على وجهِ الكَمال. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ الجُمْلة حالِيَّة، يَعنِي: والحال أنهم لا يُظلَمون شيئًا.

стр. 466

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ النُّور صِفةً لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات الرُّبوبية الخاصَّة لله تعالى في ذلك اليومِ، حيث أَضاف الرُّبوبية إلى الأرض مع أنه ربُّ كلِّ شيء، وإضافة رُبوبية الله تعالى إلى شيء مُعيَّن تَقتَضي تَعظيم هذا الشيءِ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]، ولمَّا كان قوله تعالى: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ قد يُوهِم أنه ربٌّ لهذه البَلدةِ دون غيرها؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الكِتاب الذي كُتِبت فيه الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الشُّهَداء على الناس بما عمِلوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يُقضَى بين الأنبياء ﵈ وبين مَن كذَّبوهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنه يُقضَى بين العالِم وأُمَّته؛ لقوله تعالى: ﴿بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ والعلماءُ شُهَداءُ لا شَكَّ، بل هُم رُؤوس الشهداء بعد الأنبياء ﵈، فالعالِم مُبلِّغ عن الرُّسُل، فيُقضَى بينه وبين مَن بلَغَته الرسالةُ بواسِطتهم. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات القَضاء بين الخَلْق في ذلك اليومِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن القَضاء لا حَيفَ فيه ولا جَوْرَ؛ لقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾،

стр. 467

فيُعطَى الإنسان حَقَّه كامِلًا. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: انتِفاء الظُّلْم في ذلك اليومِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وانتِفاء الظُّلْم هنا ليس المُرادُ به نَفيَ الظُّلْم فقَطْ، بلِ المُراد به إثبات كمال العَدْل الذي ليس فيه ظُلْم بوَجْه من الوجوه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

стр. 468

الآية (٧٠) * قَالَ اللهُ : ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠]. قوله تعالى: (وُفِّيَت) أي: أُعطِيَت وفاءً، كما تقول: وفَّيْتُه حَقَّه. أي: أَعطَيْته إيَّاه وفاءً. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: ﴿كُلُّ﴾ بالضَّمِّ على أنها نائِب فاعِل. قوله تعالى: ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ أيِ: الذي عمِلَت، فـ ﴿مَّا﴾ هو اسمٌ مَوْصول، وهو مَفعول ثانٍ لـ (وُفِّيَت)، والمَفعول الأوَّل هو ﴿كُلُّ﴾ وإن كانت بالضَّمِّ، لكن نائب الفاعل يَنوب مَناب المَفعول؛ فلهذا صارت ﴿كُلُّ﴾ في مَحلِّ المَفعول الأوَّل، و ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ في محَلِّ المَفعول الثاني. فإن قال قائِل: الفِعْل المَبنيُّ للمَجهول هل الأَوْلى دائِمًا أن نَقول: مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعِلُه. أم في هذه الصِّيَغِ؟ فالجَوابُ: أن نَقول: الأَوْلَى دائِمًا: (لما لم يُسمَّ فاعِله)، وأنت إذا قُلتَ: (لما لم يُسمَّ)، فصحيح سواءٌ كان مَجهولًا أو غيرَ مَجهول، ثُمَّ إن الفِعْل المَبنيَّ لما لم يُسمَّ فاعِله إذا كان الله تعالى هو الذي تَكلَّم به؛ فلا يَصِحُّ أن نَقول: إن هذا مَجهول لله تعالى. يَعنِي: في القرآن لا يُمكِن أن تَقول: مَبنيٌّ للمَجهول؛ لأن الله تعالى لا يَجهَل الفِعْل، أمَّا في غيره فربما يَقول القائِل مثلًا: لمَّا أَصبَح صاحَ. فقيل: ماذا أَصابَك؟

стр. 469

قال: سُرِق مَتاعي. فهذا مَبنيٌّ للمَجهول؛ لأنه لا يُمكِن أنه يُريد السَّتْر على السارِق!. قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [أي: جزاءَه] حمَلَه على هذا التأويلِ أن العمَلَ قد مضَى في الدنيا، والذي تُوفَّى النفسُ هو الجَزاءُ، كما قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. فإذا قال قائِل: الأمر واضِح كما قال المُفسِّر ﵀، لكن ما الحِكْمة في أن الله عبَّر بالعمَل عن جَزاء العمَل؟ فالجَوابُ: الحِكْمة في ذلك: الإشارة إلى أن الجَزاء لا يَتَجاوَز العمَل، ولا يَنقُص عن العمَل، فكأنه هو العمَل، فإذا كان لا يَتَجاوَزه ولا يَنقُص عنه فكأنه هو العمَل، وهذا هو كَمال العَدْل، وكما تَدين تُدانُ. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ الضمير (هو) يَعود على الله ، يَعنِي: كأنَّ قائِلًا يَقول: كيف يَعلَم ما عمِلت النَّفْس، وقد مضت دُهور ودُهور وفي العمَل الدقيق والجَليل؟ فقال: ﴿وَهُوَ﴾ أيِ: الله ﴿أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يَعنِي: لا يَخفَى عليه شيء، وهو لا يَضِلُّ ولا يَنسَى، فلا يُمكِن أن يَفوت شيء من عمَل الإنسان. وقول المُفسِّر ﵀: أي: [عالِمٌ ﴿بِمَا يَفْعَلُونَ﴾] تفسيره ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ (عالِم) يُعتَبَر تفسيرًا قاصِرًا؛ لأن (أَعلَم) أعلى درجةً من عالِم، فإنك تَقول: زيد عالِم، وعَمرٌو عالِم، فيَتَساوَيان في العِلْم، وتَقول: زَيْد أَعلَمُ من عَمرٍو، فيَكون زَيْدٌ أَعلَمَ وأعلى درجةً من عَمرٍو. فالمُفَسِّر ﵀ الآنَ إذا قال: ﴿أَعْلَمُ﴾ أي: [عالِم] نقَص من عِلْم الله تعالى؛ لأن كلِمة (عالِم) لا تمَنَع المُشارَكة، لكن (أَعلَم) تَمنَع المُشارَكة؛ لأنه لا يَستَوِي الأفضل والمَفضول.

стр. 470

والعجَبُ أننا لو سأَلَنا سائِل: لماذا عدَل المُفَسِّر ﵀ عن اسمِ التَّفضيل إلى اسمِ الفاعِل؟ قال: لأنه لا يَنبَغي أن يَكون هناك تَناسُب أو مُفاضَلة بين الخالِق والمَخلوق. إذا قُلتَ: (أَعلَمُ) مَعناه: فضَّلت الخالِق عن المَخلوق، فنَقول له: سبحان الله! وإذا قُلت: (عالِم) فقد سوَّيْت الخالِق بالمَخلوق، فانْظُر كيف عدَل عن ظاهِر اللَّفْظ إلى فَساد المَعنَى! فجَنَى جِنايَتَيْن - عفا الله عنه -: الأُولى: مُخالَفة ظاهِر اللَّفْظ. الثاني: تَنقيص الخالِق في عِلْمه. فنَحن نَقول: إن الله تعالى أَعلَمُ وأَرحَمُ، ففي القرآن الكريم: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، وأَحكَم ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]. بل أَبلَغُ من ذلك أن الله تعالى قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، مع العِلْم بأنه لا أحَدَ يَظُنُّ أو يُقدِّر أن الأصنام مثل الخالِق، لكن قال هذا من أَجْل إفحام الخَصْم، وبيان ضَلاله؛ بأن نَقول له: آللهُ خيرٌ أَمِ الذي تُشرِكون به؟ فالحاصِلُ: أن علينا أن نُجرِي (أَعلَم) على ظاهِرها من أن المُراد بها تَفضيل الله تعالى في عِلْمه على عِباده، فهو أَعلَمُ بما يَفعَلون. فإن قال قائِل: إن المُفَسِّر ﵀ عدَل عن (أَعلَم) إلى (عالِم)؛ لأن الناس لا يَعلَمون ما يَفعَلون، فالعِلْم مُنتَفٍ وحينئذ لا يَكون تَفسيرُه (أَعلَم) بـ (عالِم) ضارًّا؟ قُلْنا: هذا خطَأ أيضًا، بلِ العالم يَعلَمون ما يَفعَلون، إِذْ كل إنسان يَعلَم ما فعَل،

стр. 471

وكل مَن شاهَد غيره أنه يَفْعَل عَلِم ما فعَل. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ تارةً تَأتِي (يفعَلون)، وتارةً تَأتِي (يعمَلون)، وتارةً تَأتِي (يَكسِبون)، فهل بينها فَرْق؟ نَقول: لا ليس بينها فَرْق؛ لأن مُؤدَّاها واحِد، لكن إذا قيل: قولٌ وفِعْلٌ؛ صار القول باللِّسان، والفِعْل بالجَوارِح، وإذا قيل: عمِل صار شامِلًا للقول والفِعْل، وإذا قيل: قول فإنه يَكون شامِلًا للقول والفِعْل. ومنه - أي: من إطلاق القَوْل على الفِعْل - قول الرسول ﷺ لعَمَّار بنِ ياسِر ﵄: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا" ثُمَّ ضرَب يدَه بالأرض (١). ومعلوم أن هذا ليس قولًا، بل هو فِعْل. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [فلا يَحتاج إلى شاهِد] نعَمْ، لا يَحتاج إلى شاهِد، كفَى بالله تعالى شَهيدًا، لكنه يُقيم الشهود إظهارًا للعَدْل، وتَوْبيخًا للفاعِل؛ لأنه إذا أُقيم عليه الشهود بعد أن أَنكَر صار ذلك أَشدَّ تَوْبيخًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن الناس يَستَوْفون أعمالهم يومَ القِيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ هو بعد أن قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ... ﴾ إلى آخِره. ويَدُلُّ لهذا - أن استِيفاء العمَل يَكون يوم القِيامة - قوله ﵎: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].

стр. 472

أمَّا في الدُّنيا فإن الإنسان قد يُوفَّى عمَلَه وقد لا يُوفَّى، فالكافِر مثَلًا: لا يُمكِن أن يُوفَّى جزاءَ عمَله في الآخِرة، وأُريدُ: جزاءَ عمَله الصالِح، يَعنِي: لو أن الكافِر تَصدَّق، أو أَصلَح شيئًا يَنفَع المُسلِمين، أو فَعَل أيَّ شيء يَتعدَّى نَفعُه؛ فإنه لن يُجازَى عليه في الآخِرة، ولكن يُطعَم به في الدنيا فيُجازَى عليه في الدنيا، ثُمَّ قد يُجازَى في الدنيا ويُطعَم إيَّاه وقد لا يُجازَى. أمَّا المُؤمِن فإنه وإن جُوزِيَ في الدنيا على عمَله الصالِح فإنه لن يُحرَم الجزاء في الآخِرة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ هذا جزاء دُنيويٌّ، ثُم قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هذا أُخرَويٌّ. المُهِمُّ: أن مُنتَهى الجَزاء هو يوم القِيامة، لقوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾. فإن قال قائِل: يَقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦]، فهل يُمكِن في هذا المَوقِفِ العَظيم الإنسان أن يَتَنازَل بشيء من حسَناته لأُمِّه وأبيه؟ فالجَوابُ: الظاهِر أنه لا يُمكِن؛ لأن العمَل انتَهَى وقتُه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عَدْل الله تعالى في جَزائه؛ لقوله : ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ لا زِيادةَ ولا نَقصَ، ويُؤكِّد ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، فإذا كان أَعلَمَ بما يَفعَلون وهو حكَمٌ عَدْل؛ عُلِم أنه لن يَنقُص الإنسان من أَجْره شيئًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات العِلْم لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾.

стр. 473

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الله تعالى يَعلَم أعمال العِباد كما يَعلَم أعمال نَفْسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: احتِراز الإنسان من العمَل بما لا يُرضِي الله تعالى، وأنه يَجِب عليه أن يَحذَر منه؛ لأن الله تعالى يَعلَم ذلك، والإنسان الحيُّ القَلْب لا شكَّ أنه سيَخجَل إذا علِم أن الله تعالى يَعلَم عمَله فعمِل ما لا يُرضيه.

стр. 474

الآية (٧١) * قَالَ اللهُ : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. قوله تعالى: (سِيق) فِعْل ماضٍ مَبنيٌّ للمَجهول، والأَوْلى أن نَقول: مَبنيٌّ لما لَمْ يُسمَّ فاعِله؛ قالوا: أن الأَوْلَى الثاني؛ لأنه قد يَكون الفاعِل مَعلومًا، لكن حُذِف لغرَض آخَرَ؛ ولهذا كان تَعبير المُحقِّقين من النَّحويِّين أن يَقولوا: ما لم يُسمَّ فاعِله. وفي هذا الفِعْلِ نَقول: مَبنيٌّ لما لَمْ يُسمَّ فاعِله. فالظاهِر أن السائِق المَلائِكة، يَسوقُونهم إهانةً. وقول المُفسِّر ﵀: [بعُنْف] دَليله قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [الطور: ١٣] مَعنَى الدَّعِّ: الدَّفْع بشِدَّة وقوة، هذا كيفية سَوْق الذين كفَروا. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حُذِف المَفعول ليَعُمَّ كل ما يُكفَر به ممَّا يَجِب الإيمان به، فإذا كفَروا بالمَلائِكة فهم داخِلون في هذا، وكذلك إذا كفَروا بالنَّبيِّين، وبالكِتاب، وباليوم الآخِر، وبالقَدْر؛ فهم داخِلون في هذه الآيةِ، وكذلك إذا استكبَروا عمَّا يَجِب عليهم الإيمان به فإنهم يَكفُرون؛ لأن الكُفْر نَوْعان: كُفرُ جُحود، وكُفرُ

стр. 475

استِكْبار؛ فالتَّكذيب كُفْر جُحود، وتَرْك العمَل كُفْر استِكْبار، والآية تَشمَل هذا وهذا. فإن قال قائل: في هذه الآيةِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾، وفي الحديث في صحيح البُخارِيِّ وغيره: أنه تُصوَّر لهم النار كأنها سَرَاب فيَأتون مُسرِعين (١)، فكيف يُمكِن الجَمْع بين السُّوق وبين كونهم هم يَتَبادَرونها؟ فالجَوابُ: أن الجَمْع من أحد الوَجْهين: إمَّا أنه يُجمَع لهم بين السَّوْق وبين انطِلاقهم، ولا مانِعَ من أن يَركُض الإنسان وهناك واحد وراءَهُ يَدفَعه. أو يُقال: إنهم إذا وصَلوا إلى حَوْلها ورأَى المُشرِكون النار هابوا ووقَفوا، وعلِموا أنها ليسَتْ بماءٍ، فسوف يَنكِصون وحينئذ يُساقون ويَدَعُّون إلى جَهنَّمَ دعًّا. وإن قال قائِل: هل يُعذَّب الجِنَّ كما يُعذَّب الإنسان في جَهنَّمَ؟ وهل هُما سواءٌ؟ فالجَوابُ: نعَمْ، هذا هو الظاهِر، أن الجِنَّ يُعذَّبون كما يُعذَّب الإِنْس، قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. قوله تعالى: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ قوله: ﴿جَهَنَّمَ﴾ سبَق الكلام عليها، وأن العُلَماءَ ﵏ اختَلَفوا فيها، وهل هي مُعرَّبة أو عرَبية أصلِيَّة.

стр. 476

وقوله تعالى: ﴿زُمَرًا﴾ قال المُفسِّر ﵀: [جماعاتٍ مُتَفَرِّقةً] ووجهُ التَّفريق في هذه الجَماعاتِ قد يَكون باعتِبار الأُمَم، أو باعتِبار الأعمال، بحيث تَكون الزُّمْرة الأُولى هي الكافِرة المُشرِكة، والثانية ما دونَها، والثالِثة ما دونَها وهكذا. فإن قُلْنا بالأوَّل - أي: أن هذه الزُّمَرَ باعتِبار الأُمَم - فإن دليله قولُه تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، فإن هذا يَدُلُّ على أنهم يُذهَب بهم إلى النار أُمَمًا. وإن قُلنا بالثاني: فدَليله ما يُصنَع بأهل الجَنَّة أن أوَّل زُمْرة تَدخُل الجَنَّة وجوهُهُم كالقمر ليلةَ البَدْر، أو على صُورة القمَر ليلةَ البَدْر، فإن هذا يَقتَضي أن يَكون الزُّمَر باعتِبار العمَل، فالله أَعلَمُ. المُهِمُّ: أن نَعرِف أنهم يُساقون زُمَرًا. فإن قال قائِل: أَلَا يَمنَع من كونه المَعنَى ﴿زُمَرًا﴾ أن يَكون جَماعاتٍ باعتِبار العمَل؛ لقول النبيِّ ﷺ : "أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ ثَلَاثَةٌ" (١)؟ فالجَوابُ: نعَمْ، هذا يُؤيِّد أن المُراد باعتِبار العمَل؛ لأن هؤلاءِ الثلاثةَ يَكونون في الأُمَم من قَبْلنا وفينا. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ شَرْطها: ﴿جَاءُوهَا﴾، وجوابُها: ﴿فُتِحَتْ﴾ يَعنِي: من حين أن يَصِلوا إليها تُفتَح، وفَتْحُها أَكْرَهُ شيءٍ إليهم - نَسأَل اللهَ العافِيةَ -؛ لأنهم يَوَدُّون أن يَقِفوا ولو على شَفيرها دون أن يَدخُلوا فيها، ولكنهم يُفاجَؤُون بفَتْحها من أَجْل مُبادَرتهم بالعَذاب، والعِياذ باللهِ.

стр. 477

وقوله تعالى: ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ فقوله تعالى: ﴿أَبْوَابُهَا﴾ جَمْع: باب، وقد بيَّن الله تعالى في كِتابه أن أبوابها سَبْعة، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٣, ٤٤] حَسْب عمَله. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: ﴿خَزَنَتُهَا﴾ أيِ: القائِمون عليها المُوكَّلون بها، وهم مَلائِكة غِلاظ شِداد؛ غِلاظ الطِّباع، شِداد الأجسام، هؤلاء هُمْ خزَنة النار، ليس فيهم رحمة إلَّا امتِثالًا بأَمْر الله ، والله ﵎ يوم القيامة لا يَظلِم الكافِر، بل يَقول ﵎: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فهُمْ أبعَدُ الناس عن رحمة الله. وقوله ﵎: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ مُوبِّخين ومُقرِّرين ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾، فالاستِفْهام هنا للتَّوْبيخ والتَّقرير، يَعنِي: يُقَرِّرون إتيان الرسُل، ويُوبِّخون هؤلاء على الكُفْر بهم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ يَعنِي: لا من غيركم، فلو أَرسَل الله تعالى للبشَر مَلائِكة لكانوا يَنفِرون، يَقول تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥]، وهذا رَدٌّ عليهم لمَّا قالوا: أين المَلائِكةُ؟ فليس من الحِكْمة أن نُنزِل للبشَر ملَكًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ لو أَنزَل الله تعالى ملَكًا، أي: لو فُرِض أن الله تعالى يُرسِل للبشَر ملَكًا ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]، أي: على صورة الرجُل؛ كي لا يَنفِروا منه. وهنا يَقول: ﴿يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ وهذا أبلَغُ؛ من أن يُقال: (مِن أَنفُسِكم)، فمُحمَّد ﵊ من قُرَيْش من بني هاشِمٍ، يَعرِفونه ويَعرِفون أباه ويَعرِفون أجداده، ويَصِفونه بالأمين، ويَثِقون به، وحَكَّموه حين اختَصَموا في وَضْع الحجَر

стр. 478

في مَكانه في الكعبة حتى حكَم فيهم ذلك الحُكْمَ العَدْلَ (١)؛ ولهذا قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] من جِنْسهم؛ لأن الرسول ﷺ ليس مَلَكًا، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]؛ لأنه من العرَب. ولمَّا جاءَهُم بالبينات قالوا: هذا الساحِر، هذا الكذَّابُ، هذا المَجنونُ، هذا الكاهِنُ، هذا الشاعِرُ. سبحان الله! وهو رجُل منهم يَعرِفونه، لكن الاستِكْبار يَأبَى أن يَقول الحقَّ. وقوله : ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ جُمْلة: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ يَجوز أن تَكون حالًا، ويَجوز أن تَكون صِفةً أُخرى؛ لأن قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ صِفة، والنَّكِرة إذا وُصِفت جاز وقوع الحالُ منها، وجاز أن تَكون الجُمْلة صِفةً أُخْرى؛ لأنه لا مانِعَ من تَعدُّد الصِّفات، على أن الحال في الواقِع صِفة، كما قال ابنُ مالِك ﵀: الحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ ... مُفْهِمُ فِي حَالٍ كَفَرْدًا اذْهَبُ (٢) وقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يَقرَؤُون عليكم آياتِ ربكم، والمُراد بالآيات هنا: الآياتُ الشَّرْعية؛ لأن المُراد بها ما نزَل من الوَحيِ. وقول المُفَسِّر ﵀: [القُرآن وغيره] يَعنِي: أنه يَشمَل كلَّ الكتُب التي أُنزِلت.

стр. 479

قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يُخوِّفونكم لقاءَ هذا اليومِ، حيث أَخبَروكم به وأَخبَروكم بما فيه من الأهوال العِظام، فلم يَبقَ لكم عُذْر؛ ولهذا أَقَرُّوا: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قوله ﵎: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ يَعنِي: قد أَتانا رُسُل مِنَّا يَتلون علينا آياتِ ربِّنا ويُنذِروننا لِقاء يومِنا هذا، ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وهذا هو الذي منَعَنا من طاعة الرُّسُل. وقوله تعالى: ﴿حَقَّتْ﴾ بمَعنَى: وجَبَت وثبَتَت، و ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ هي الكلِمة التي يَستَوْجبون بها العَذاب، وفي هذه الكلِمةِ - ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ - قولان: قال المُفَسِّر ﵀: هي قول الله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، هذه هي الكلِمة؛ فإن الله التَزَم لجَهَنَّمَ بمَلْئها من الجِنَّة والناس أَجمَعين، فإذا كان قدِ التَزَم للنار بمَلْئها، فلا بُدَّ أن يَخلُق لها أقوامًا يُكذِّبون الرُّسُل ليَستَحِقُّوا نار جهنَّمَ - والعِياذُ بالله -. وقيل: إن الكلِمة - ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ - هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦, ٩٧]، فإنها لما حقَّتْ عليهم كلِمة الله تعالى امتَنَع إيمانهم، ولكن هنا يَقول الإنسان: هل هذا من باب الاحتِجاج بالقدَر، أم من باب الاعتِراف بالواقِع؟ الجَوابُ: الثاني؛ لأنه لا يُمكِن أن يَحتَجُّوا بالقدَر في ذلك المَوْضِعِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان إهانة الكُفَّار عند دُخولهم النار؛ لكونهم يُساقون بعُنْف ويُدَعُّون دعًّا.

стр. 480

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنهم يَدخُلون النار زُمَرًا، والحِكْمة من ذلك أَشار الله تعالى إليها في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن أهل النار يُفاجَؤُون بها، فمِن حين إتيانهم تُفتَح؛ ليَكون ذلك أشَدَّ مُباغتةً وأشَدَّ حَرارةً - والعِياذُ بالله - فلا يُمَكَّنون من الصبر عنها طَرْفةَ عَيْن، مع أنهم يَوَدُّون أنها لا تُفتَح، ولكن الأمر على خِلاف ما يَوَدُّون فتُفتَح فَوْرًا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن للنار أبوابًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن النار مُظلِمة بعيدةُ القاع، يُؤخَذ من اسمها في قوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: كمال تَنظيم الله للخَلْق، حيث جعَل للنار خزَنة، وللجَنَّة خزَنة، وفي هذه الآيةِ يَقول تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن هؤلاءِ الخزَنةَ يَنطِقون كما يَنطِق البَشَر بخِطاب مَفهوم. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن لُغة أهل النار واحِدة، وربما يُقال: إن لغاتِهم مُختلِفةٌ، وأن الملائكة لكَثْرتهم كلٌّ يُخاطِب القوم بما يَفهَمون من اللغة، والله أَعلَمُ. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: اجتِماع العَذاب القلبي والبدَني على أهل النار، أمَّا البدَنيُّ فظاهِر، وأمَّا القَلْبيُّ فما يَحصُل لهم من التوبيخ والتقريع في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ﴾، ومَعلوم أن من الناس مَن يُحِبُّ أن يُوسَع جِسْمه ضربًا ولا يُوبَّخ

стр. 481

بكلِمة واحِدة، فالتَّوْبيخ ليس بالأمر الهَيِّن، لا سيَّما في مثل هذا الحالِ؛ لأنهم إذا ذُكِّروا بهذه النِّعمةِ في حال لا يَتَمكَّنون من استِدْراك ما فات كان ذلك أشدَّ حَسْرةً، والعِياذُ بالله. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَمام الحُجَّة على بني آدَمَ بإرسال الرُّسُل منهم؛ لقوله تعالى: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؛ لأنهم لو كانوا من غير الجِنْس لم تَتِمَّ الحُجَّة، لكن إذا كانوا من الجِنْس نَفْسه، بل من القَبيلة نفسِها لتَمَّتِ الحُجَّة. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن الرُّسُل صلى الله عليهم وسلم كانوا قد بلَّغوا البلاغ المُبين؛ لقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن ما جاءت به الرُّسُل من الوحيِ حُجَّة مُلزِمة؛ لأن الله تعالى سمَّاه: ﴿آيَاتِ﴾، والآية العلامة المُعيَّنة لما دلَّت عليه، فهي حُجَّة مُلزِمة لكلِّ مَن سمِعها. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنه ما من رَسول إلَّا وقد أتَى بكِتاب؛ لقوله تعالى: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، ويُؤيِّد هذا قوله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. لكننا لا نَعلَم كل كِتابٍ أُوتِيَه رسول، فالذي نَعرِفه التَّوراة والإنجيل والزَّبور وصُحُف إبراهيمَ ﵇ والقرآن. ولا عجَبَ أَنْ لا نَعلَم إلَّا هذه الخَمسةَ، كما أننا لا نَعلَم من الرُّسُل إلَّا خَمْسة

стр. 482

وعِشْرين، والباقون لا نَعلَمهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، يَعنِي: ليس كلُّ الرُّسُل قُصُّوا عليك، قال بعضُ العُلَماء ﵏: ولم يُقَصَّ علينا إلَّا مَن كانوا في الجَزيرة العربية أو ما حولها، يَعنِي لم يُقَصَّ علينا الرُّسُل الذين في أمريكا، أو أَقصى آسيا، أو ما أَشبَه ذلك، إنما قُصَّ علينا مَن كانوا حولَنا؛ لأن هؤلاء يُمكِن أن نَعتَبِر بهم أَكثَرَ من الآخَرين. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: بيان مُقتَضى الربوبية - أَعنِي: ربوبية الله - أنها رُبوبية مَبنيَّة على الرحمة؛ لقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، فلو أن الله تعالى ترَكَنا همَلًا لم تَكُن رُبوبيته تامَّةً، لكنه لم يَتْرُكْنا همَلًا، بل أَرسَل إلينا الرّسُل، فتَمَّت بذلك الرُّبوبيَّةُ التي كان مُقتضاها هِداية الخَلْق. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: اعتِناء الرُّسُل باليوم الآخِر، حيث يُنذِرون الناس به؛ ووجهُ ذلك: أنه إذا لم يَكُن يومٌ يُرجَع فيه الناس إلى الله تعالى وتُوفَّى كلُّ نفسٍ ما عمِلت فإن الناس لا يَعمَلون ولا يَهتَمُّون بالعمَل، فإذا كان الناس يَعيشون في الدنيا ما شاء الله تعالى أن يَعيشوا ثُم يَموتون ولا يَرجِعون فلا يُمكِن لأحَدٍ أن يَستَقيم إلَّا بما أَملاه عليه ضميرُه، أمَّا أن يَستَقيم على ما أُمِر به فهذا بعيد جِدًّا؛ لأن الإنسان يَقول: إنه سيَعيش ثُم يَموت ولا شيءَ بعد ذلك، لكن إذا علِم وأَيقَن أنه سيَكون يومٌ يُبعَث فيه ويُجازَى على عمَله فحينئذ لا بُدَّ أن يَحرِص للاستِعْداد لهذا اليَومِ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: إقرار المُكذِّبين في ذلك اليومِ إقرارًا كامِلًا لقولهم: ﴿بَلَى﴾، و (بَلَى) حَرْف جواب لإثبات النَّفيِ المُصدَّر بالاستِفْهام، فمثَلًا: إذا قُلت:

стр. 483

أَلَيْس زيدٌ قائِمًا؟ فقيل: بلى. أي: أنه قائِم، لكن لو قُلت: نعَمْ. لكان المَعنَى: لم يَكُن قائِمًا. ولهذا يُذكَر عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]: "لو قالوا: نعَمْ. لكَفَروا" (١)؛ لأنهم إذا قالوا: نعَمْ. فالمَعنَى: لستَ برَبِّنا، وهذا كُفْر، فالنَّفيُ المَسبوق بالاستِفْهام يُجاب في الإثبات بـ (بَلَى)، وفي النَّفيِ بـ (نعَمْ)، لكن مع ذلك تَأتِي (نعَمْ) في مَحَلِّ (بَلَى)، لكنه قليل في اللغة العرَبية، قالوا: ومنه قول الشاعِر: أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ... وَإِيَّانَا فَذَاكَ لنَا تَدَانِ نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ... وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي (٢) والبَيْتان مَعروفان؛ فهذا الرجُل يُقرِّر أنه قريب من مَعشوقته؛ لأن الليل يَجمَعهما، فما دام الليلُ يَجمَعهما فكأن الفِراش يَجمَعهما، فقوله: أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ... وَإِيَّانَا فَذَاكَ لنَا تَدَانِ هذا دليل على التَّقارُب بَينَنا: أن الليل يَجمَع بَيْننا. الدليل الثاني: قوله: (وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ)، وما دامَت رُؤْيتنا كلُّها تَتَّفِق في رُؤية الهِلال فهذا اجتِماع. الدليل الثالِثُ: قوله: (يَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي)، فما دام النهار يَعلوها كما عَلاني فنَهارُنا واحِد وليلُنا واحِد، وهِلالُنا واحِد، فإننا مُتادَنون (فَذَاكَ لَنَا تَدَانِ)،

стр. 484

وهذا المِسكينُ إذا كان يَقتَنِع بهذا التَّدانِي فهو قَنوع جِدًّا. الشاهِد من هذين البَيْتين قولُه: (نَعَمْ) يَعنِي: نعَمْ أن الليل يَجمَعه مع أُمِّ عَمرٍو، وهذه (نعَمْ) في مَحَلِّ (بَلَى). الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن مَن حقَّتْ عليه كلِمة العذاب فقد أَوجَبَ؛ لقولهم: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: أن المُكذِّبين للرُّسُل يُبصِرون في ذلك اليومِ بَصَرًا شَديدًا، ويَعلَمون الحقَّ عِلْمًا أَكيدًا؛ لقولهم: ﴿بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، فلو كان هذا الإقرارُ في الدنيا لنَجَوْا من العذاب، قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يَعنِي: يوم القِيامة ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، أمَّا في الدنيا فبَصَرك أَعشَى، لكن في الآخِرة البصَر حَديد قَويٌّ جِدًّا يَرَى أكثَرَ ممَّا يَراه في الدنيا أضعافًا مُضاعَفة. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أن الكلِمة إنما تَحِقُّ على الكافِرين؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. ويَتَفرَّع على هذه الفائِدةِ: أن هؤلاءِ لم تَحِقَّ عليهم الكلِمة إلَّا لكُفْرهم، فهو كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. وعلى هذا يَندَفِع الإشكال، فلو قيل: كيف حَقَّت كلمة ربِّك أو كلِمة الله تعالى على هؤلاء دون غيرهم؟ فالجَوابُ على ذلك من وَجْهين: الوجهُ الأوَّل: أن الله تعالى علِم من هؤلاء أنهم ليسوا أهلًا للهِداية، قال تعالى:

стр. 485

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أَعاذَنا الله تعالى وإيَّاكم من زَيْغ القلوب. الوجه الثاني: أن يُقال: هل ظلَم الله تعالى هؤلاءِ حيث منَعَهم فَضْله؟ والجَوابُ: لا، ففَضْل الله تعالى يُؤتيه مَن يَشاءُ، وفي صحيح البخاري: أن مثَلَنا ومثَلَ مَن قبلَنا كمَثَل رجُل استَأْجَر أُجَراءَ إلى نِصْف النهار، وإلى العَصْر، وإلى الغُروب، فأَعطَى الأوَّلين على قِيراط قِيراط، والآخَرين على قِيراطَيْن قِيراطَيْن، فاحتَجَّ الأوَّلون، فقال: أَظَلَمْتُكم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: ذلك فَضْلي أُوتِيه مَن أَشاءُ (١).

стр. 486

الآية (٧٢) * قَالَ اللهُ : ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]. قوله تعالى: ﴿قِيلَ﴾ فِعْل ماضٍ مَبنيٌّ لما لَمْ يُسمَّ فاعِله، وقال بعض العُلماء ﵀: إنه أَبهَم الفاعِل ليُفيد أن كل الكون يَقول لهم هذا، ﴿قِيلَ﴾ يَعنِي: من قِبَل المَلائِكة، من قِبَل أهل الجَنَّة، من قِبَل كلِّ مَن شهِد. وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا﴾ فِعْل أَمْر للإهانة، وليس للإكرام؛ لأن مَن قيل له: ادخُلِ النار. فإنه ليس بمُكرَم - أَعوذ بالله -، ولكنه مُهان. وقوله تعالى: ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ سبَقَ لنا أنها بنَصِّ القرآن سبعةُ أَبواب. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من الواو في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا﴾، يَعنِي: حال كونكم خالِدين فيها؛ قال المُفسِّر ﵀: [مُقدِّرين الخلود] يَعنِي: مَعناها: أن الحال مُقدَّرة؛ لأن الخُلود يَأتي بعد الدُّخول، يَدخُلون أوَّلًا ثُمَّ يُخلَّدون ثانيًا، فالحال إذا لم تَكُن مُصاحِبة تَكون حالًا مُقدَّرة. والخُلود في الأصل: المُكْثُ الطويل، وقيل: المُكثُ الدائِم، فعلى القول الأوَّلِ يَكون ذِكْر التأبيد بعد الخُلود تَأسيسًا، وعلى القول الثاني - أن الخُلود هو البَقاء الدائِم - يَكون ذِكْر التَّأبيد بعد الخُلود تَوْكيدًا، وأيًّا كان فإن الله تعالى قد صرَّح في ثلاث آيات

стр. 487

من القُرآن: أن خُلود أهل النار فيها أَبَديٌّ. أمَّا أهل الكبائِر فدُخولُهم بلا خُلود، وأمَّا أهل النار - الذين هُمْ أهل النار - فإنه دُخول بخُلود، وتَقدَّم أن بعض العُلَماء ﵏ يَقول: الخُلود هو المُكْث الدائِم، وبعضهم يَقول: هو المُكْث غير الدائِم، ولكن على هذا القولِ يَكون هذا الخُلودُ مُقيَّدًا بالآيات الأخرى الدالَّةِ على الدوام. مَسأَلةٌ: في قوله ﵎: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٦، ١٠٧] هل استَثْنى الله تعالى خُلودهم بالمَشيئة؟ الجَوابُ: أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ عائِد على دوام السمَوات والأرض، يَعنِي: إلَّا ما شاء ربُّك ممَّا فوقَ ذلك؛ لأن دوامَ السمَواتِ والأرض مُؤقَّت، لكن عذاب هؤلاء غيرُ مُؤقَّت؛ فقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ممَّا فوق ذلك إلى ما لا نِهايةَ له، فقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ مَعناها: خالِدين فيها مُدَّةَ دوام السماء والأرض ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ يَعني: إلَّا الذي زاد على مُدَّة دوام السموات والأرض، وهو ما شاء الله تعالى؛ وهذا إذا جعَلنا الاستِثْناء مُتَّصِلًا؛ أمَّا إن جعَلْناه مُنقَطِعًا وصار مَعنَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، لكن ما شاء الله فلا حدَّ له؛ فالمَعنَى واضِح. وقوله ﵎: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: (بِئْس) فِعْل ماضٍ جامِدٌ لا يَتَصرَّف، وهو مُحتاج إلى فاعِل وإلى مَخصوص، ففاعِله ﴿مَثْوَى﴾، ومَخصوصه مَحذوف، قدَّره المُفسِّر ﵀ بقوله: [جَهنَّم]؛ والمَثوَى: المَأوَى.

стр. 488

والمُتكبِّر فسَّره أَعلَمُ الناس به مُحمَّدٌ ﷺ في قوله: "الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ" (١)؛ فالمُتكبِّرون هم الذين يَرُدُّون الحقَّ ويَعْلُون على الخَلْق، هؤلاء همُ المُتكَبِّرون. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن هؤلاءِ المُكذِّبين إذا وصَلوا جَهنَّمَ كأنهم - واللهُ أَعلَمُ - يَتَردَّدون أو يَتَوقَّفون، فيُقال لهم إهانةً: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾، ففيه: إهانة هؤلاء الكافِرين عند دُخولهم جهنَّمَ، حيث يُقال: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات الخُلود - أي: خُلود أهل النار فيها -؛ لقوله ﵎: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. أمَّا كون هذا الخُلودِ مُؤبَّدًا أو إلى أمَد، فهو مُؤبَّدٌ، دلَّ عليه آياتٌ ثلاثة من كِتاب الله تعالى: في سورة النِّساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجِنِّ: ففي سورة النِّساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]. وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]. وفي سورة الجِنِّ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].

стр. 489

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَقبيح مَسْكَن النار، وخُبْث سَكَنها؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن النار مَثوَى أهل الكِبْر، وأمَّا أهل التَّواضُع فمَأواهُمُ الجَنَّة، فالمُتواضِعون للحًقِّ وللخَلْق هؤلاء في الجَنَّة، والمُتكَبِّرون عن الحَقِّ وعن الخَلْق هؤلاء مَثْواهمُ النار. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التَّحذير من الكِبْر؛ لئَلَّا يَكون الإنسان من أصحاب النار. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الكِبْر قد يَصِل بصاحِبه إلى عمَل أهل النار وإن كان يَبدو قليلًا في قَلْبه، يَعنِي: إذا رأيتَ من نَفْسك تَكبُّرًا على أحَد فعالِجْ هذا الداءَ! عالِجْ هذا المرَضَ قبل أن يَستَشرِيَ؛ لأن هذا المرَضَ للقَلْب بمَنزِلة السَّرَطان للبدَن، إن لم تُبادِر بعِلاجه فإنه يَقضِي عليك، ولا تَتَهاوَنْ بالكِبْر، فالكِبْر خُلُق رَذيل ذَميم، وجَرِّب نَفْسك إذا تَواضَعْت: تَجِدْ راحة وطُمَأْنينة، تَجِد أنك لن تَندَم، لكن لوِ استكْبَرت على أحَد ثُمَّ عُدْت إلى عَقْلك لنَدِمت واستَغْفَرت. أمَّا إذا تَواضَعْت فإنك تَجِد راحة وطُمَأنينة ويَحصُل لك في قُلوب العِباد محَبَّة وأُلفة، فإيَّاك والكِبرياءَ، وعليك بالتَواضُع، ولين الجانِب، وإذا انضَمَّ إلى ذلك أنك تُريد بها الوصول إلى كَرامة الله والخُضوع لله تعالى؛ فإنك تَزداد ثوابًا ورِفْعة؛ قال ﷺ : "مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ" (١)؛ وفي قوله ﷺ : "تَوَاضَعَ للهِ" مَعنَيان: المَعنَى الأوَّل: تَواضُع للخَلْق من أَجْل الله تعالى؛ لأن الإنسان قد يَتَواضَع للخَلْق لا لله تعالى، ولكن لِطَمَعٍ، فيَتواضَع له ويَتخضَّع لشخص لأَجْل أن يَنال

стр. 490

منه لُقْمة عَيْش، ولكن إذا تَواضَع لله تعالى - يَعنِي: امتِثالًا لأَمْره - فإن ذلك يَكون سببًا للرِّفْعة. المَعْنى الثاني: مَن تَواضَع لله تعالى نَفْسِه، والتَّواضُع لله تعالى نَفْسه هو التَّواضُع لدِينه، بحيث يَقبَله الإنسان وهو يَشعُر أنه مُحتاج إليه ومُضطَرٌّ إليه وأن مَقام الدِّين أعلى منه. مَسأَلة: إذا نُصِح بعضُ الناس قال: إن النار لها حطَب؛ يَعنِي: أنه هو من حطَب نار جَهنَّمَ؟ فالجَوابُ: أن هذا يُوشِك أن يَكون كما قال، مِثْل الشيخ الكبير الذي عادَه النَّبيُّ ﷺ وهو مَريض، فقال له ﷺ : "لَا بَأْسَ طَهُور إِنْ شَاءَ اللهُ"، فقال الرجُل: طَهور! بل حُمَّى تَفور، على شيخٍ كبير، تُزيرُه القُبور. فقال النبيُّ ﷺ : "أَوْ ذَاكَ" فما أَصبَح الرجُل إلَّا مَيْتًا (١)، يَعنِي: أنه عُومِل بما أَراد لنَفْسه، ولو قَبِل هذا الرجاءَ من الرسول ﷺ لأَوْشَك أن يُعافَى. فهذا الرجُلُ - والعِياذُ بالله - الذي يَقول: (إِنَّ لجَهَنَّمَ حطَبًا) هذا يُوشِك أن يَكون من حطَبها؛ لأن هذا يَدُلُّ على أحَد أمرين: إمَّا السُّخرية، وإمَّا عدَم المُبالاة، وكلاهما كُفْر، فعليه أن يَتوب إلى الله تعالى وأن يَرجِع إلى الإسلام بعد أن خرَج منه.

стр. 491

الآية (٧٣) * قَالَ اللهُ : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. نَقول في قوله تعالى: (سِيق) ما قُلناه فيما سبَق: أنها فِعلٌ ماضٍ مَبنيٌّ للمَجهول، أو مَبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعِله، وجاءت بصيغة الماضِي مع أنها للمُستَقبَل تَحقيقًا لوقوعه؛ لقول الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فالماضِي يَأتي بصورة المُضارِع أحيانًا حِكايةً للحال، والمُستَقبَل يَأتِي بصيغة الماضي تَحقيقًا لوقوعه كأنه شيء وقَع ويُتحدَّث عنه. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ التَّقوَى أن يَتَّخِذ الإنسان وِقايةً من عذاب الله تعالى، وذلك بفِعْل أوامِره واجتِناب نواهيه؛ لأنك لو سأَلْت: ما الذي يَقِي من عَذاب الله تعالى؟ لقيل لك: طاعته بامتِثال أَمْره، واجتِناب نَهيِه. وقيل في التَّقوَى: أن تَعمَل بطاعة الله تعالى على نور من الله تعالى تَرجو ثَواب الله تعالى، وأن تَترُك ما نَهَى الله تعالى على نور من الله تعالى، تَخشَى عِقاب الله تعالى. وقيل في التَّقوَى:

стр. 492

خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ... وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ... ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ... إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الحَصَى (١) ولكن ما ذكَرْناه أوَّلًا هو الجامِع المانِع؛ أن يَتَّخِذ الإنسان وِقايةً من عَذاب الله تعالى بفِعْل أَوامِره واجتِناب نواهيه، فإن خالَف وترَكَ شيئًا من الأوامِر أو فعَل شيئًا من النواهِي؛ فإنه يَنقُص من تَقْواه بقَدْر ما أخلَّ به، وحينَئِذ يَجتَمِع في الإنسان تَقوى وعِصيان، وهذا مَذهَب أهل السُّنَّة والجماعة: أن الإنسان يَجتَمِع فيه خِصال إيمان وكُفْر، خِصال تَقوَى وفِسْق، ولا مانِعَ، ولكلًّ حُكْمه. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ أَضاف الرُّبوبية إليهم؛ لأن رُبوبية الله تعالى للمُتَّقين رُبوبية خاصَّة ليست كالرُّبوبية العامة لجميع العالَمين، بل هي رُبوبية خاصَّة ربَّاهم حتى اتَّقَوْا ربَّهم. وقول المُفَسَّر ﵀: [بلُطْف] مُقابِل قوله في أهل النار: [بعُنْف]؛ لأن الله تعالى صرَّح بأن أهل النار يُدفَعون دَفْعًا إلى نار جهنَّمَ، أمَّا المُؤمِنون فإنهم يُساقون سَوْق إكرام، كأن المَلائِكة تَحتَفُّ بهم إكرامًا لهم وإجلالًا. وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْجَنَّةِ﴾ الجَنَّة في اللغة: البُستان الكثير الأشجار، وسُمِّيَ بذلك لأنه يَجِنُّ مَن فيه، أي: يَستُرُه، وأصل المادة الجيم والنون، أصلُها من السَّتْر؛ ولهذا سُمّيَ القلبُ: جَنَانًا؛ لأنه مُستَتِر، وسُمّيَ الجِنُّ: جِنًّا؛ لأنهم مُستَتِرون، وسُمِّيتِ الجَنَّةُ: جَنَّةً؛ لأنها تَستُر مَن فيها؛ لكثرة أشجارها، هذا في الأصل.

стр. 493

أمَّا في الشَّرْع: فالجَنَّة هي الدار التي أَعَدَّها الله تعالى لأَوْليائه، التي فيها ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أذُنٌ سمِعَت، ولا خطَر على قَلْب بشَر. وقوله تعالى: ﴿زُمَرًا﴾ جَمْع: زُمْرة، ومَعناها: جماعات مُتفرِّقة، وكيفية تَوْزيع هذه الجَماعات قيل: جماعات حسَب الأُمَم. وقيل: حسَب الأعمال. والقول الأَرجَحُ: أنه بحسَب الأعمال، والدليل قوله ﷺ : "أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" (١)، ثُم يَتَتابَع الناس على حسَب أعمالهم، فالنار مِثلها، يَعنِي: أن الأسبَق إلى النار الأشَدُّ جُرْمًا كالأسبَق إلى دُخول الجنَّة الأفضَلُ عمَلًا. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الفاتِح خزَنَتُها. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى﴾ للغاية ﴿إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: جاؤُوا الجَنَّة. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ إذا قرَأْت الآية هكذا سيَبقَى قلبُك مُعلَّقا، ستَقول: أينَ جوابُ ﴿إِذَا﴾؟ فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ كلُّها جُمَل مُتَعاطِفة. الجَوابُ: اختَلَف المُعرِبون في ذلك: فمِنهم مَن قال: إن جوابَ (إِذَا) (فُتِحَتْ)، وإن الواو زائِدة. ولكن هذا القولَ ضعيف؛ لأن زيادة الواو لم يُعهَد في اللغة العربية. ومنهم مَن قال: إن الواو للحال بتَقدير (قَدْ)، أي: (حتى إذا جاؤُوها وقد

стр. 494

فُتِحَت أبوابُها)، ويَكون الجواب على هذا محَذوفًا، وهذا ما ذهَب إليه المُفسِّر ﵀. وقيل: الواو حرفُ عَطْف، والجوابُ مَحذوف مُقدَّر قبلَها، والتَّقدير: (حتى إذا جاؤُوها هُذِّبوا ونُقُّوا وفُتِحَت أبوابُها)، وهذا القولُ أصَحُّ الأقوال أن الواو للعَطْف وليست للحال، وأن الجواب مَحذوف مُقدَّر قبل الواو. وهذا القولُ هو الراجِحُ لدَلالة الأحاديث عليه، فإنه قد ورَدَ في الأحاديث الصحيحة أنهم إذا عبَروا الجِسْر - الصِّراط المَمدود على جَهنَّمَ - وقَفوا على قَنطرةٍ بين الجَنَّة والنار، فيُقتَصُّ لبعضهم من بعض، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دُخول الجَنَّة، ثُمَّ إنهم أيضًا إذا وصَلوا الجَنَّة لا يَجِدون أبوابها مَفتوحة، بل يَجِدونها مُغلَقة حتى يَشفَع النبيُّ ﷺ ، فيَفتَح الله تعالى أبوابَها، هذا القولُ هو الراجِح المُتعَيِّن بدَلالة السُّنَّة عليه. مَسأَلةٌ: ورَد أن المُؤمِنين قبل دُخولهمُ الجَنَّة يُوقَفون على قَنطَرة يُقتَصُّ من بعضهم لبعض، فهل هذه القَنطرةُ من الصِّراط أم غيره؟ الجَوابُ: القنطرة التي يُوقَفون عليها بعد العُبور على الصِّراط؛ قيل: إنها طرَف الصِّراط، فهي قَنطرة وإن لم يَكُن تَحتَها شيء، فـ (وُقِفُوا على القَنْطرة) أي: على جانِب الصِّراط الكبير، وقيل: إنها قَنطَرة أُخرى للعُبور عليها، فالله أَعلَمُ. فإن قال قائِل: كيف يُقتَصُّ لبعضهم من بعض والقِصاص كان في عرَصات القيامة قبل العُبور على الصِّراط؟ فالجَوابُ: هذا الاقتِصاصُ غير الاقتِصاص الأوَّل، الاقتِصاص الأوَّلُ للجزاء والمُعادَلة، وهذا الاقتِصاصُ لإزالة ما بَقِيَ في النفوس من أجل إزالة الغِلِّ والحِقْد؛

стр. 495

وقد تَقدَّم: أنهم إذا هُذِّبوا ونُقُّوا دخَلوا الجنَّة كما جاء في الحديث. وقوله تعالى: ﴿أَبْوَابُهَا﴾ قد عَلِم أن أبوابها ثمانية لقول النبيِّ ﷺ في الوُضوء: "فُتَّحَتْ له أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ" (١). وقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ﴾ العجَب أن بعض النَّحويِّين قال: إن الواو هنا واوُ الثمانية، فأَحدَث للواو مَعنًى جديدًا، واستَدَلَّ لقوله بأَمْر عَجيب؛ قال: إن الله تعالى قال قي القرآن: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، فالواو للثَّمانية، فيُقال: سُبحانَ الله! من أين جاءَتْ؟! فالفائِدة في قوله تعالى: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تَقرير ما ذكَرَ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. قال العُلَماءُ ﵏: إنه قال: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تَقريرًا لهذا القولِ؛ ولهذا قال فيما قبله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لم يَقُل: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾؛ لأن الواو عاطِفة تَدُلُّ على أن ما قبلَها ثابِت مُتقَرِّر. قال ﵎: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ خزَنتها المُوَكَّلون بها، وهم ملائِكة، يَقولون لأهل الجَنَّة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ هذا خبَر، وليس دُعاءً فيما يَظهَر؛ لأنه لو كان دُعاءً لكان القادِمون هم الذين يُسلِّمون، وهنا المَلائِكة هي التي تَقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، فكأنها تُخبِرهم بأنهم حلَّ ﵈؛ لأن الجنَّة دارُ السلام.
следующие страницы →