← Тафсир

Тафсир · id 151161

تفسير العثيمين: غافر

ابن عثيمين

Полный текст (554 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المفَسِّرين في زمانه، زمَن التابِعين. وهو الحقُّ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. فإن قال قائِل: يَرِد على هذا القولِ أنَّ في القُرآن ما ليس له مَعنًى، وليس له فائِدةٌ، وإنَّما هو حروف مُقطَّعة ليس لها فائِدة! ! . قلنا: الجَوابُ عن هذا الإيرادِ أنَّ الله تَكلَّم بذلك لمَغزًى لا لمَعنًى؛ أي: لحِكْمة بالِغة، وهي أنَّ هذا القُرآن الذي أَعجَزكم أيُّها البُلَغاء من العرب لم يَكُن أتَى بشَيْء جديد من حروف، بل أتَى بالحروف التي تُركِّبون منها كلامكم، ومع ذلك أَعجَزكم، فعجَزْتم عن صَفِّ الحروف حتى تَكون مثل القُرآن، فإذا كُنْتم عجَزْتم عن ذلك، فعَجْزُكم عن معنَى هذه الكلِماتِ من بابِ أَوْلى. وهذا الذي ذكَرَه الزَّمخشريُّ (١) في تفسيره وارْتَضاه شيخ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ (٢) ﵀ وذكَره أيضًا إمَّا ابتِداءً أو تَقليدًا. المُهِمُّ: أنَّ هذا هو الصوابُ عند المُحقِّقين، وهو أن الله تعالى أَنزَلها لتَمام التَّحدِّي لهؤلاء البُلَغاءِ الذين عجَزوا أن يَأتوا بمِثل القُرآن، أو بمِثل بعضه، وأَيَّدوا قولهم هذا بأن الله تعالى لم يَبتَدِئ سورة بحروف هِجائية إلَّا ذكَر بعدَها القُرآن إلَّا نادِرًا. فإن قال قائل: ما نَقول في الحُروف المُقطَّعة هذه في أوائل السُّوَر، هل تَدخُل فيما قال ابن عبَّاسٍ (٣) أن القُرآن أربعة أقسام: القِسْم الرابع أنه ما لا يَعلَمه إلَّا الله؟

стр. 37

فالجوابُ: لا، هذه تَدخُل على رأْيِ المفَسِّر، أمَّا على القول الذي رجَّحنا فإنَّه مَعلوم أنه ليس لها مَعنًى، يَعنِي ممَّا يَدخُل تحت عِلْمنا أنه ليس لها مَعنى. قَالَ اللهُ : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: ٢]. قوله ﵀: [﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ القُرآن، مُبتَدَأ، يَعنِي: المُراد بالكِتاب هنا القُرآن، مع أنَّ الكِتاب اسم جِنْس يُحتَمَل أن تَكون فيه (أل) للجِنْس، فيَشمَل كل كِتاب، ولكن الظاهِر ما ذهَبَ إليه المفَسِّر، لأنَّ المَقصود بذلك تَقرير كون هذا القُرآنِ الذي نَزَل على المُكذِّبين من عند الله . وقوله: [مُبتَدأٌ] يُريد قوله: ﴿تَنْزِيلُ﴾؛ أي: أنَّها مُبتَدَأ، والمُبتَدَأ يَحتاج إلى خبَر، والخبَر قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قال المفَسِّر: [﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبَرُه] تَنزيل الكِتاب من الله لا من غيره. قال ﵀: [﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخَلْقه] العَزيز: ذو العِزَّة، وقد سبَق أن عِزَّة الله تَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام: ١ - عِزَّة القَدْر. ٢ - وعِزَّة القَهْر. ٣ - وعِزَّة الامتِناع. وهو كذلك في كل مَوضِع جاء فيه "العَزيز" فهذا هو مَعناه، أي: أنَّه ذو عِزَّة. أمَّا عِزَّة القَدْر: فمعناها: أنه ذو شَرَف وسيادة. وأمَّا عِزَّة القَهْر فمَعناها: أنه ذو غلَبة وسُلْطان. وأمَّا عِزَّة الامتِناع: فمَعناه: أنه ذو امتِناع عن كل نَقْص وعَيْب.

стр. 38

وقد سبَقَ الاستِشْهاد على هذه المعانِي الثلاثة وبيان اشتِقاقها؛ فيَكون قولُ المفَسِّر ﵀: [﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكه، فيه قُصور؛ لأَنَّه جعَله بمَعنى الغالِب فقَطْ، والصواب ما ذكَرْنا لكم. وقوله تعالى: ﴿الْعَلِيمِ﴾ قال ﵀: [بخَلْقه] والعليم أي: ذو العِلْم، وعِلْم الله ليس بمَحدود لا أوَّلًا، ولا آخِرًا، ولا مِقدارًا، فعِلْم الله تعالى واسِعٌ شامِلٌ لكل شيءٍ، عِلْم الله تعالى أزَليٌّ؛ أي: لم يَسبِقْه جَهْل، عِلْم الله تعالى أبدَي؛ أي: لا يَلحَقه نِسْيان، فصار عِلْم الله تعالى واسِعًا شامِلًا زمَنًا وكيفًا، زمَنًا أي: في المُستَقبَل وفي الماضي، وكيفًا أي: أنَّه شامِل لكُلِّ ما من شأنه أن يُعلَم. قَالَ اللهُ : ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣]. قال المفَسِّر ﵀: [﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ للمُؤمِنين ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ لهم ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافِرين]، قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ الغَفْر هو السَّتْر مع الوِقاية، ومنه المِغفَر: ما يُوضَع على الرأس عند الحَرْب؛ لاتِّقاء السِّهام، ومعلومٌ أنَّ المِغفَر ساتِر، فهو جامِع بين السَّتْر والوِقاية، والذَّنْب: المعصية، يُقال: أَذنَب الرجُل. إذا عصى، ومَعنَى غافِر الذَّنْب؛ أي: ساتِره المُتجاوِز عنه. وقول المفَسِّر: [للمُؤمِنين] فيه نظَر واضِح؛ لأنَّ مَغفِرة الذَّنْب شامِل للمُؤمِنين وغير المُؤمِنين، قال الله ﵎: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، فهو غافِر الذَّنْب لكلِّ مَن تاب إلى الله وسأَل المَغفِرة. وقوله: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قابِلُه: مَعناها: أن مَن تاب إلى الله قَبِلَ الله تَوبَتَه، و ﴿التَّوْبِ﴾ بمعنى: الرُّجوع إلى الله من مَعصيته إلى طاعته.

стр. 39

وقال المفَسِّر: [لهم] أي: للمُؤمِنين، وهذا أيضًا ليس بصحيح، فالتَّوْبة مَقبولة من المُؤمِنين والكافِرين، قال الله ﵎ عن المُشرِكين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧، ١٨]. فقال: ﴿يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ إِذَنْ: لو تابوا قَبْل ذلك لقُبِلت، فتَبيَّن بهذا أن ما ذهَب إليه المفَسِّر ﵀ من تَخصيص ذلك بالمُؤمِنين يُعتَبر قصورًا. قال: [مَصدَر] ﴿وَقَابِلِ﴾ اسم فاعِل، إِذَنْ فالمَصدَر هو ﴿التَّوْبِ﴾. قال ﵀: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافِرين] كأنَّ المفَسِّر ﵀ خصَّ الغافِر والقابِل بالمُؤمِنين؛ لقوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾؛ لأن شِدَّة العِقاب إنَّما هي للكافِرين، ولكنَّ في هذا نظَرًا؛ لأنَّ المَقصود هنا ذِكْر صفة الله أنه جمَع بين الفَضْل والعَدْل، بين الفَضْل في كونه غافِرَ الذَّنْب وقابِل التوب، والعَدْل في كونه شَديدَ العِقاب؛ لأنَّ شِدة العِقاب من الله لمَنِ استَحَقَّها عَدْل، إذ إنَّ الله أَخبَرنا وبيَّن لنا أنَّ مَن فعَل كذا عاقَبَه بالعُقوبة الشديدة، فإذا فعَل الإنسان ما تُوعِّد عليه بالعُقوبة الشَّديدة فهو الذي اختار لنَفْسه هذا، فيَكون مُعامَلة الله له به تَكون عَدْلًا. وقوله: [أي: مُشَدِّدُه] وليُنْتَبه لهذا التَّفسيرِ! فقَد عَدَل عن ظاهِر الآية التي تُفيد أنه نفسه شَديد العقاب؛ لأنهم - الأشاعِرة - يَنفون الصِّفاتِ، والتَّشديدُ فِعْل بائِن عن الله ، فهي مِثْل القادِر، يَعنِي تَعود الصِّفة على مَذهَب الأشاعرة إلى القُدْرة،

стр. 40

وتَعود على مَذهَب الماتُريدية إلى الخَلْق؛ لأن الماتُريدية يُثبِتون الخَلْق والتَّكوين بخِلاف الأشاعِرة. فلنَنظُرِ الآنَ: فعلَى كلام المفَسِّر تَكُون ﴿شَدِيدِ﴾ بمَعنى مُشدِّد، ولنا أن نُطالِب فنَقول: هل "فَعيل" تأتي بمَعنى "مُفعِل"؟ الجوابُ: نعَمْ، تَأتي "فعيل" بمَعنى مُفعِل كقول الشاعِر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُيي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ (١) "السَّميع" هنا بمَعنى المُسمِع، "الداعِي" الذي يُسمِعه، "يُؤرِّقُني" فلا أَنام، "وأَصحابي هُجوع" نائِمون. فمن حيثُ اللَّفْظ لا اعتِراضَ على المفَسِّر؛ أي: من حيثُ جَعْله (فعيل) بمَعنَى (مُفعِل) لا اعتِراضَ عليه؛ لأن ذلك وارِد في اللغة العرَبية، لكن من حيثُ المَعنَى فيه نظَر؛ لأن ظاهِر قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، أنه هو نَفسُه عِقابُه شديد، وهو كذلك، فإذا كان العِقاب شَديدًا لزِمَ أن يَكون الأَلَمُ -ألَمُ مَن عُوقِب- شديدًا أيضًا، والعِقاب مَأخوذ من المُعاقَبة، وهي المُجازاة، وسُمِّيَت المُجازاة عِقابًا؛ لأنها تَعقُب العمَل، لكنها تُذكَر غالِبًا فيما يَسوء لا فيما يَسُرُّ. قَالَ اللهُ : ﴿ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣]. قوله: ﴿ذِي﴾ بمَعنَى صاحِب، وهي مَجرورة بالياء نِيابةً عن الكَسرة؛ لأنَّها من الأسماء الخَمسة.

стр. 41

و ﴿الطَّوْلِ﴾ يَقول ﵀: [أي: الإِنعام الواسِع] هذا الطَّوْلُ، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] إلى آخِره؛ فالطَّوْل هو الغِنَى الواسِع، ومن تمَام الغِنَى أن يَكون مُنعمًا، والله مُنعِم، واسِع الغِنى. وقوله ﵀: [﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ وهو مَوْصوف على الدوام بكُل من هَذه الصِّفاتِ، فإضافة المُشتَقِّ منها للتَّعريف كالأخيرة] فيه عِدَّة صِفات ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ هذه أربَعة، والأَخيرة غير مُشتَقَّة، فإنَّ ﴿ذِي﴾ بمَعنى صاحِب غير مُشتَقَّة، لكنَّها مُؤوَّلة بمُشتَقٍّ، أمَّا ما قبلها ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾، ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾، فهي مُشتَقَّة، ووَصْف، ولهذا جاءت باسم الفاعِلِ، وجاء "الغَفورُ" الذي هو اسمُه على صيغة المُبالَغة. وجعَل المفَسِّر ﵀ هذه الصِّفاتِ لا يُراد بها إثبات المَعنى المُشتَقِّ منه، ولكنها للتَّعريف فقَطْ، ولا يَخفَى ما في هذا الكلامِ من القُصور التامِّ، فكيف نَجعَل المُشتَقَّ لمُجرَّد التَّعريف؟ كيف نَقول: إن ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ المُراد بذلك التَّعريفُ بالله ، لا أنه غافِر، ولا أنه قابِل، ولا أنه شديد العِقاب؟ ! فهو قاصِر جدًّا، ولا يَصِحُّ أن نُفسِّر كلام الله تعالى بهذا الكلامِ، بل نَقول: ﴿غَافِرِ﴾ مُشتَقّ من الغَفْر، وهو صِفة مَقصودة، ليس المَقصود بها التعريف، وكذلك نَقول في ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾، وفي ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾. وقول المفَسِّر: [مَوْصوف على الدوام بكُلٍّ من هذه الصِّفاتِ] قال ذلك هرَبًا من إثبات صفات الأفعال، فانتَبِهْ لأنك إذا قلت: غافِر بمَعنَى يَغفِر، صارت صِفة فِعْل يَتعلَّق بالمَشيئة! . وعند الأشاعِرة وغيرهم من المُتكلِّمين يَمتَنِع أن يُوصَف الله

стр. 42

تعالى بوَصْف هو فِعْل، لا يُمكِن، قالوا: لأن الفِعْل يَدُلُّ على الحُدوث، والحُدوث لا يَكون في القديم، لا يَكون الحُدوث إلَّا لحادِث! . وقد سبَق لنا بيانُ بُطلان هذا القَوْلِ، فالصَّواب إِذَنْ: أنَّ ﴿غَافِرِ﴾ ﴿وَقَابِلِ﴾ صِفتان من صِفات الأفعال، وأمَّا ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ فهي أيضًا صِفة من صِفات الأفعال؛ لأن التَّقدير: عِقابُه شديد، فهو من باب إضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها، أي: أن عِقابه شديد، فتكون كما سبَق من الصِّفات الفِعْلية. وأمَّا ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فإذا قلنا: إن مَعناه ذي الغِنَى الواسِع، فهي من صِفات الذات، وإذا قلنا: إنَّها بمَعنَى الإنعام الواسِع؛ فهي من صِفات الأفعال. فإن قال قائِل: هل ﴿شَدِيدِ﴾ صِفة فِعْل لله ؟ فالجوابُ: لا هي صِفة لفِعْله، ليسَتْ صِفة فِعْل، وإنما هي صِفة لفِعْل الله، يَعنِي نفس العِقاب شديد، وهو جَعلها مُشدِّدًا شيئًا مُنفصِلًا عن الله . فإن قيل: عِقاب الله منه النار، فكأنها هي التي وُصِفَت بالشِّدة، فكيف وصَفنا بها الله ؟ فالجوابُ: هو نفسه شديد العِقاب، أنا مثَلًا إذا قلت: فُلان قَويُّ الضَّرب. يَعني ضَرْبه الواقِع منه قويٌّ، والعِقاب الواقِع منه شديد، والمَوْصوف الله شِدَّة عِقابه هو، أمَّا المُعاقَب به فهذا شيء آخَرُ، فعندنا عِقاب ومُعاقَب به ومُعاقَب وارِد عليه العِقاب، فإذا عاقَبت شخصًا بالضرب فهذا الضربُ مُعاقَب به، وأمَّا ضَرْب الضارِب فهو وَصْفه الذي هو عِقابه. فإن قال قائِل: قلنا: إن المفَسِّر يَتهَرَّب من إثبات الصِّفات الفِعْلية، ثُم هو قال

стр. 43

هنا: [ذي الطَّوْل الإنعام الواسِع، وهو مَوْصوف على الدوام بكُلٍّ من هذه الصِّفات]. فهو هنا أثْبَت الصِّفات؟ فالجَوابُ: أي لكن على أنَّها صِفات ذاتِية، ثُم إنَّ المفَسِّر أيضًا لاحَظَ شيئًا آخرَ من جهة النَّحْو، وهو أن ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ و ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ هذه صِفات مُضافة، وإضافتها ليست مَحْضة، بل إضافتها إضافة لَفْظية، والإضافة اللَّفْظية لا تَقتَضي التعريف. فإن قال قائل: لكن سَمَّاها صِفاتٍ! . فالجوابُ: لا مُخالفةَ، هي صِفات لكن ما قصَده؟ انظُرْ عِبارة المفَسِّر: [وهو مَوْصوف على الدوام بكُلٍّ من هذه الصِّفات، إذا كان موصوفا بها على الدوام فتكون صِفاتٍ ذاتيةً. ثُم يَقول: [فإضافة المُشتَقِّ منها للتَّعريف كالأخيرة] المُشتَقُّ: ﴿غَافِرِ﴾ ﴿وَقَابِلِ﴾ ﴿شَدِيدِ﴾، يَقول: للتَّعريف، يَعنِي أن إضافتها أَفادَت التَّعريف كالأخيرة: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فإن هذه الإِضافةَ أَفادَتِ التَّعريف لا شَكَّ؛ لأنها إضافة اسمٍ جامِد إلى مَعرِفة، فيَكون مَعرِفة. واسم الفاعِل واسم المَفعول والصِّفة المُشبَّهة إذا أُضيفت فإنها لا تُفيد التعريف، ويُسمُّون هذه الإضافةَ: إضافةً لَفْظية، لا مَعنَوية، وبعضُهم يَقول: مَحْضة، وغير مَحْضة، وأتَى المفَسِّر بهذا الكلامِ؛ لأنه يُورَد عليه مَسألة: "الله العزيز العليم"، فهذه مَعارِف، وإذا قلنا: غافِر صِفة لله. وقُلنا: إن إضافَتها لَفْظية، ورَدَ علينا إشكالٌ، الإضافة اللَّفْظية لا تَقتَضي التعريف، فتكون الصِّفة نكِرة وُصِفَ بها مَعرِفة، ووَصْف المعرفة بالنكِرة غير جائِز.

стр. 44

ولا يَجوز أن تَقول: جاء زَيْد فاضِل. يَجِب أن تَقول: جاء زَيْد الفاضِلُ. فإذا كانت الإضافة ﴿غَافِرِ﴾ و ﴿وَقَابِلِ﴾ و ﴿شَدِيدِ﴾، في لا تُفيد التعريف، وأَعرَبْناها على أنَّها صِفة، فصار في هذا إشكال، وهو أننا وصَفْنا مَعرِفة بنكِرة، وهذا غير جائِز، فأَراد المفَسِّر أن يُصحِّح المَوْضوع فقال: إن هذه الصِّفاتِ لا يُراد بها الحُدوث، وإنَّما هي صِفات على الدوام، وإذا كانت الصِّفات على الدوام خرَجَت عن مُشابَهة الفِعْل، وصارَت الإضافة للتَّعريف؛ لأَجْل أن يَصِحَّ وَصْف اسم الجلالة، أو لفظ الجلالة بهذه الصِّفاتِ لمَّا كانت إضافتُها مَحْضة مَعنَوية. لكنْ للمُعْرِبين قول آخَرُ، بل قول ثالِث: في القول الآخَر يَقولون: إن ﴿غَافِرِ﴾ و ﴿وَقَابِلِ﴾ و ﴿شَدِيدِ﴾ بدَل من الله، والبدَل لا يُشتَرط فيه مُوافَقة المُبدَل منه، لكن القول بأنها بدَل غيرُ صحيح؛ لأن عَلامة البدَل أن يَحِلَّ مَحلَّ المُبدَل منه، وهذا لا يَصِحُّ، هذا وَصْف زائِد على المَوْصوف. وهناك رَأْيٌ ثالِث لإخواننا الكَوْفيِّين المُيسِّرين يَقولون: يَجوز أن تُنعَت المعرِفة بمِثل هذا التركيبِ، ولو كانت الإضافةُ لفظيةً غيرَ مَحْضة. يَعني يَقولون: ما أُضيف إلى المَعرِفة ولو كانَت الإِضافة غيرَ مَحْضة يَجوز أن يَكون نَعْتًا للمَعرِفة اعتِبارًا باللفظ؛ لأن لَفْظ: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ مَعرِفة؛ لأنه أُضيف إلى مَعرِفة، وإن كانَتِ الإضافة عِنْدهم غير حقيقية، وإنَّما هي لَفْظية. فالنَّحويُّون يَقولون: لا يُهِمُّ لفظية أو مَعنَوية، ما دام ظاهِر اللفظ مُنسجِم الصِّفة مع المَوْصوف، فهذا يَكفِي. والقاعِدة المُتبعة عندنا فيما إذا ورَد خِلاف بين النَّحويِّين أن نَتَّبع الأسهَل اقتِداءً بالرسول ﵊، أنه ما خُيِّر بين أَمْرين إلَّا اختار أَيسَرَهما ما لم يَكُن إثمًا.

стр. 45

ونحن لا نَأثَم إذا اتَّبَعْنا الكُوفيين في رَأْيهم؛ لأنها ليست مَسائِلَ شرعية؛ فعَلى رَأْيِ الكوفِيِّين لا حاجةَ إلى كلام المفَسِّر ﵀. فنَقول: الإضافة لَفْظية، لكن صورتها أنها إِضافة مَعنَوية؛ لأنها أُضيف إلى معرِفة، فصحَّ أن يُوصَف بها المَعرِفة؛ وهذا البَحثُ لا يُدرِكه الإنسان تمامًا إلَّا إذا عرَف أن الإضافة نَوْعان: مَحْضة مَعنَوية، ولفظية غير محَضَة. مَسْألة: كيف نَجمَع بين القول بأنَّ أسماء الله تعالى لا تُحصى، وبين قول النبيِّ ﷺ : "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنّةَ" (١)؛ فالجوابُ على ذلك أن نَقول - إِذا كان السائِل مُستَفهِمًا فقل: الجوابُ على ذلك، وإذا كان مُورِدًا أي مُناقِضًا، فقل: الجوابُ عن ذلك؛ ولهذا يَكون "الجواب عن ذلك" في مَقام الرَّدِّ على مَن اعتَرَض عليك، و"الجواب على ذلك" في جواب مَنِ استَرشَد -: أن كلام النبيِّ ﷺ ككَلام الله لا يَتَناقَض أبدًا، فإذا كان قد ثبَتَ عنه أنه قال: "أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ" (٢) علِمنا أن من أسماء الله ما لا يُمكِن الوصولُ إليه، ولا يُمكِن إدراكُه؛ لأن ما استَأثَر الله به لا يُمكِن أن نَعلَمه، فحينَئِذ يَتعيَّن أن نَقول: إن مَعنى قوله: "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ" أي: من أسمائه تِسعة وَتِسْعِينَ مَن أَحصاها دخَل الجَنَّة، فتكون جُملة "مَنْ أَحْصَاهَا" وصفًا لكلمة "اسْمًا"، وليست جُملةً مُستقِلَّة مُستَأْنَفة، تَكون معنى "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا" مَوْصوفة بأن "مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجنّةَ"، وله أسماءٌ أخرى لكن اختَرْ

стр. 46

منها تِسعة وَتِسْعِينَ فإذا أَحصَيْتها دخَلْت الجَنَّة. ومعنى إحصائها: هو مَعرِفتها لفظًا ومَعنًى، والتَّعبُّد لله بمُقتَضاها، أي: مَعرِفة لَفْظها ومَعناها والتَّعبُّد لله تعالى بمُقتضاها. قال ﵀: [﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المَرجِع] الجُمْلة خبَرية مُكوَّنة من مُبتَدَأ وخبَر، والخبَر فيها مُقدَّم، وإذا قُدِّم الخبَر أَفاد التخصيص والحَصْر؛ إليه أي: إلى الله وحدَه، المَصير: المَرجِع، وهل المُراد بقوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المَرجِع في كل شيء، أو إليه المَصيرُ بعد الموت؟ الجوابُ: إليه المَصيرُ في كل شيء، فإليه المَرجِع في الحُكْم بين النَّاس، إليه المَرجِع في تدبير الأمور، إليه المَرجِع بعد الموت، إليه المَرجِع في كل شيء، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. من فوائدِ الآياتِ الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ القُرآن الكريم حُروف، تَكلَّم الله به بحُروف، ففيه الرَّدُّ على الأشاعِرة، ومَن سلَك سبيلهم الذين يَقولون: إن كلام الله هو المَعنى القائِم بالنَّفْس، وإنَّ الله لا يَتكلَّم بحَرْف وصَوْت، لكن يَخلُق حُروفًا وأصواتًا تُسمَع تَعبيرًا عمَّا في نفسه. وحقيقةُ هذا القولِ نَفيُ الكلام؛ لأنَّ ما في النَّفْس من المعلومات المُرتَّبة ليسَت كلامًا، ولكنها مَعلومات، عِلْم، وليست كلامًا. والرَّدُّ عليهم معلوم من كتُب العقائِد: منها أنَّ القول إذا أُطلِق فهو قول اللِّسان، وإذا أُريد به قول النَفْس حُدِّد، مثل: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾

стр. 47

[المجادلة: ٨]، ومثل قوله ﷺ : "إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا" (١). الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عُلوُّ الله ، يُؤخَذ مِن قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾؛ لأن النُّزول لا يَكون إلَّا من أعلى. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ القُرآن كلام الله، لا كلامُ غيرِه؛ لقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾، وذلك أنَّ ما ذكَر الله أنه نزَّله يَنقَسِم إلى قِسْمين: إمَّا أن يَكون أعيانًا قائِمة بنَفْسها، فهذه مَخْلوقة. أو تَكون أَوْصافًا لا تَقوم إلَّا بالغَيْر، فهذا غير مَخْلوق. مثال الذي أَضاف الله تعالى إنزالَه إلى نفسه، وهو عين قائِمة بنَفْسها، قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، فالحَديد مَخْلوق، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، أعيان قائِمة بنَفْسها مَخْلوقة، ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف: ٢٦]، مَخْلوق. إِذَنْ: فما أَضاف الله تعالى مِن إنزاله إليه، وهو عين قائِمة بنَفْسه؛ فهو مَخْلوق، وإلَّا فهو غير مَخْلوق، والقُرآن هو كلام لا يَقوم إلَّا بالغير، إِذَنْ هو غير مَخْلوق. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وصفُ القُرآن الكريم بالكِتاب، فلماذا وُصِف بالكتاب؟ نَقول: أوَّلًا: لأنه يُكتَب فهو مَكتوب بالمَصاحِف التي بأيدينا. ثانيًا: أنه بصحُف بأَيْدي المَلائِكة: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٢، ١٣].

стр. 48

ثالثًا: أنَّه مَكتوب في اللوح المَحْفوظ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، وعليه فكِتاب بمَعنى مَكتوب، وهل يَأتي "فِعال" بمَعنى "مَفعول"؟ نَقول: كثيرًا، كغِراس بمَعنى مَغروس، وبِناء بمَعنى مَبنيٍّ، وفِراش بمَعنى مَفروش، وما أَشبَهَه. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات ثلاثة أسماء من أسماء الله: الله، والعزيز، والعليم، من قوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وإثبات ما دلَّت عليه هذه الأسماءُ من الصِّفات، فالله دلَّ على الأُلوهية، والعَزيز على العِزَّة، والعليم على العِلْم، واعلَمْ أنَّ كل اسم من أسماء الله فإنه مُتضَمِّن لصِفة، وليس كل صِفة يُشتَقُّ منها اسمٌ؛ ولهذا قُلْنا: إنّ الصِّفاتِ أوسَعُ من الأسماء. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ذِكْر الأسماء المُناسِبة للمَقام. يَعني: أنَّ الله جَلَّ وَعَلَا يَذكُر من أسمائه ما يُناسب المَقام، فهذه السورةُ تَتَحدَّث عن المُكذِّبين للرُّسُل، وما جرَى عليهم من الهَلاك والانتِقام، فالذي يُناسِبه من الأسماء العِزَّة التي فيها الغلَبة والأَخْذ؛ فلهذا جاءَت هنا العَزيز، وجاء العَليم، ليُفيد أنَّه لعِزَّته أخَذَ هؤلاءِ المُكذِّبين، ولعِلْمه أَنزَل الكتُب وعلِم كيف يَأخُذ هؤلاءِ المُكذِّبين. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الله جَلَّ وَعَلَا يَغفِر الذُّنوب جميعًا لقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾، والذَّنْب هنا مُفرَد محُلًّى ب (أل) فيَكون عامًّا؛ لأن المُفرَّد المُحلَّى ب (أل) يَكون عامًّا، مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ٢]، أي: إن كل إنسان. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: الحَثُّ على كل ما تَكون به المَغفِرة، وجهُ ذلك: أنَّ الله تعالى لم يُخبِرْنا بأنه غافِر الذَّنْب من أَجْل أن نَعلَم أنه غافِر فقَطْ، لكن من أَجْل أن نَتعرَّض لمَغفِرته.

стр. 49

وما هي الأسباب التي تَكون بها المَغفِرة؟ الجواب: الأسباب كثيرة؛ منها: الاستِغْفار، تقولُ: اللهُمَّ اغفِرْ لي، ومنها: أعمال صالحِة يُكفِّر الله بها الخَطايا، ومنها: إحسان إلى الخَلْق، حتى إن الله غفَر لامرأة بَغيٍّ بسَقْيِها كلبًا عَطشانَ، وغفَر لرجُل وجَد شجَرة في الطريق تُؤذِي الناس فأَزالها، فغفَر الله له. المُهِمُّ: أن نَتعرَّض لأسباب المَغفِرة؛ لأن ذلِك مُقتَضى قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّه يَقبَل التوبة من عِباده، ولكن لا يُقبَل الشيءُ حتى يَكون جارِيًا على مُقتَضى الشريعة؛ لقول النبيِّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ ردٌّ" (١). والتوبة الجارِية على مُقتَضى الشريعة هي ما جمَعَت خمسة أُمور، وهي ما يُعرَف بشُروط التَّوْبة: الشَّرط الأوَّلُ: الإخلاص لله ، بأن يَكون الحامِل للإنسان على التَّوْبة هو إخلاصَه لله ، حُبُّ التَّقرُّب إليه والفِرار من عُقوبته، فلا يَحمِله على التوبة مُراعاة الخَلْق، ولا حُصول الجاهِ والرِّئاسة، وإنَّما يَحمِله الإخلاص لله. الشَّرط الثاني: النَّدَم على فِعْل المَعصية أن يَشعُر الإنسان بانفِعال ندَم وحَسْرة على ما وقَع منه، فلا بُدَّ من ندَم؛ لأن النَّدَم هو الذي يَتبيَّن به حقيقة رُجوع الإنسان إلى الله، وأن هذه المَعصيةَ أثَّرَت في نفسه، فندِم على ما جرَى منه، لا يُقال: إن النَّدَم

стр. 50

انفِعال، والانفِعال يَأْتي بغير الاختيار؛ كالغضَب مثَلًا، والحُزْن من الواقِع، يُقال: المُراد بالنَّدَم هنا تَحسُّر القلب، فهو انفِعال يَقَع من الإنسان ليس كالانفِعال الذي يَأتِي سببه من الخارِج، هذا ربَّما لا يَستَطيع الإنسان أن يُغيِّر ما وقَع. الشَّرط الثالث: التَّخلِّي عن المَعصية والانفِصال عنها، فإن تابَ وهو مُصِرٌّ فإن تَوْبَته أشبَهُ ما تَكون بالاستِهْزاء، كيف يَقول الذي يَأكُل لحم الخِنزير: أَستَغفِر الله تعالى، وأَسأَل الله أن يَجعَل طعامي طيِّبًا؟ ! وهو يَأكُل هو يَمضَغ اللَّحمة جيِّدًا، وَيقول: أَستَغفِر الله من أَكْل لحم الخِنزير، وأَسأَل الله أن يَجعَل طعامي طيِّبًا! هذا أَشبَه ما يَكون بالمُستَهزِئ. ولو أنَّ رجُلًا نَهاك عن شيء، ووجَدَك تَعمَل هذا الشيءَ، وأنت تَقول: أَرْجو منك أن تَعذِرني، وما أَشبَه ذلك وهو يَأكُل، وقال له: لا تَأكُل، وهو يَأكُل، فإنَّ هذا الذي يُخاطِبه سوف يَقول: إنَّك تَستَهزِئ بي وتَسخَر بي. فلا تَوْبةَ مع الإصرار، ولا بُدَّ أن يَتخلَّى عن الذَّنْب. وإذا كان الذَّنْب لله فالتَّخلِّي عنه سَهل، لكن إذا كان الذَّنْب لغير الله -يَعنِي: أَذنَب في حق غير الله- فكيف يَتخلَّى عنه؟ نَقول: إذا كان مالًا فالتَّخلِّي عنه بإيصاله إلى صاحِبه، بأيِّ وَسيلة كانت، فإن كان قد مات فإن ورَثَته، فإن جهِلهم فإلى بيت المال، أو إذا كان بيت المال غيرَ مُنتَظِم، أو يُخشَى عليه أن يَضيع، فلْيَتصَدَّق به هو لصاحِبه، هذه أربَعُ مَراحِلَ: لصاحبه، لورَثَته، لبيت المال، إن جهِلهم، يَتصَدَّق به. والغالِب أن الصدَقة أَوْلى من بيت المال. وإذا كان عُدوانًا على النفس ليس مالًا، فالتوبة منه أن يُمكِّن صاحب الْحَقَّ من الاقتِصاص منه، فمثَلًا: إذا كان قدِ اعتَدَى على شخْص بضَرْب، فلْيَذهَب إليه

стр. 51

ويَقول: أنا اعتَدَيْت عليك بالضَّرْب اضرِبْني كما ضرَبْتك. كما فعَل النَّبيُّ ﷺ مع الرجُل الذي ضرَبه النبيُّ ﷺ حينما رآه مُتقدِّمًا في الصفِّ فقال الرجُل: أَقِدْني يا رسول الله ﷺ . فكشَف النَّبيُّ ﷺ عن بَطْنه ليُقيدَه، فماذا فعَل الرجُل؟ قبَّله (١). فهذا النبيُّ ﷺ ، وهو أَشرَف الخَلْق، وأَحَبُّ الناس إلى أَتباعه مكَّن من الاقتِصاص منه، هذا اثنان: المال والبدَن. أما إذا كان في العِرْض: بأنِ اعتَدَيْت على شخص في عِرْضه، يَعنِي بأنِ اغتَبْته أو سبَبْته، والفرق بين الغِيبة والسَّبِّ أن السَّبَّ مُواجهة والغِيبة مع الغَيبة، فذِكْرك أخاك بما يَكرَه إن كان غائِبًا فهي غِيبة، وإن كان حاضِرًا فهو سَبّ، فإنَّ التَّوْبة من هذا أن تَستَحِلَّه، فلو قلت: سُبَّني كما سبَبْتُك فلا يَصِحُّ؛ لأن هذا جِناية على نَفْسك، ولكن استَحِلَّه، وهذا إذا كان سبًّا؛ لأنَّه قد عَلِم بذلك. فأمَّا إذا كان غَيْبة فهل تَستَحِلُّه تَذهَب إليه وتَقول: إني اغتَبْتك فاعذِرْني اسمَحْ لي؟ الجوابُ: قال بعض العُلَماء: نعَمْ! يَجِب أن تَذهَب إليه وتَقول: أنا اغتَبْتُك فاعذِرني، حُلَّني. وقال بعض أهل العِلْم: لا يَلزَم استِحْلاله بل يَكفِي أن تَستَغفِر له كما جاء في الحديث، وإن كان ضَعيفًا: "كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْته أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ" (٢) استَغفِر له وأَثنِ عليه بما هو أَهْله في الأماكِن التي اغتَبْته فيها، يَقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].

стр. 52

وهذا القولُ أَصَحُّ؛ لأنَّ هذا فيه البَراءة وعدَم التَّشويش؛ لأنه ربما لو ذهَبْت إليه تَقول: اغتَبْتك فحُلَّني، مَهْما أَتيت به من صِيغة الغِيبة قد لا يَقتَنِع بها، إذا قلت: إني قُلْت فيك: إنك بَخيل. قد يَقول: إنك قلت: بَخيل وجبانٌ. ربما يَقول له الشيطان هكذا، وَيأْبَى أن يُحلِّلك، فإذا كان لم يَعلَم فاحمَدِ الله على ذلك واستَغفِر له وأَثنِ عليه بما هو أَهْله في الأماكن التي كُنت اغتَبْته فيها، وبذلك تَسلَم من الإِثْم، هذه صِفة التَّخلِّي من الذَّنْب إذا كان في حَقِّ غير الله. وهنا سُؤالٌ: بعض الناس يَكون عليه حقٌّ ماليٌّ لشخص، إمَّا سَرَقه، أو جَحَده، أو ما أَشبَه ذلك، ثُم يَتوب هذا الفاعِلُ، ويَذهَب إلى صاحِب الحقِّ، وَيقول: خُذْ حقَّكَ. فيَأبى صاحِب الحقِّ أن يَأخُذه، فماذا يَصنَع؟ وهذا يَرِد كثيرًا: يَكون صاحِب الحقِّ قد حمَل في نفسه على هذا الظالِمِ الذي ظلَمه، وَيأبى أن يَقبَل، فماذا يَصنَع؟ هل نَقول: إنه حينَئذٍ سقَط حقُّه وصحَّت تَوْبة المُعتَدي، وَيبقَى إن طلَب حقَّه مرَّة أخرى أُعطِيَ، وإن لم يَطلُب فإن المُعتَديَ بَرِئَ؟ نَقول: نُنزِّل هذه الحالَ على القواعِد الشرعية، فالقَواعِد الشرعية تَقتَضي أن هذا الذي عليه الحقُّ قد برِئَ؛ لأن الله يَقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وهذا ما يَسَعه! قدَّم الْحَقَّ لصاحبه، وقال: خُذْ. قال: لا، لا آخُذه، أنت اعتَدَيْت عليَّ في الأَوّل ولا أَقبَل منك، هذا الذي أَربى أن يَقبَله هو الذي أَخطَأ وجنَى؛ لأنه يَنبَغي للإنسان إذا اعتَذَر إليه أَخوه أن يَقبَل عُذْره، لكن هذا هو الذي جنَى الآنَ، فهذا الرجُلُ نَقول: أنت الآنَ برِئَت ذِمَّتُك، خلِّ الدراهِم عندَك إن جاء يومًا من الدَّهْر أَعطِها إيَّاه. وإن مات: فهل يَلزَمه أن يُعطيَه الورَثة؟

стр. 53

الجوابُ: في هذا نظَر، وذلك أن الرجُل الذي اعتُدِيَ عليه لم يَقبَل هذا المالَ، ولم يَدخُل في مُلْكه، فإذا كان لم يَقبَله ولم يَدخُل في مُلْكه، فكيف يَنتَقِل إلى الورَثة؟ ! ومن شَرْط الإِرْث انتِقال المال عن المَوْروث، وهذا المَوْروثُ لم يَقبَل هذا المالَ، وقد يُقال: إن الأصل أنَّه مُلكه فيَلزَم الرَّدُّ إلى ورَثَته، وهذا الأخيرُ أحوطُ، لكن في وجوبه نظَر؛ لأنَّ الذي اعتَدى وأَراد أن يَرُدَّ، يَقول: أنا أَعطَيْت الرجُل وأبَى أن يَتملَّكه، فكيف يَنتَقِل إلى الورَثة؟ ولكن نَقول: الأحوَطُ والأَوْلى أن يَرُدَّه إلى الورَثة، ليَسلَم منه. لكن لو فُرِض أنه لا ورَثةَ له، أو أن ورَثَته مجَهولون، فإن هذا التائِبَ قد أدَّى ما عليه. الشَّرط الرابع: أن يَعزِم على "ألَّا يَعود إلى الذَّنْب"، أو "أن لا يَعود إلى الذَّنْب"، الأوَّل أو الثاني؟ الأوَّل: أن يَعزِم على ألَّا يَعود إلى الذَّنْب، أو الشرط ألَّا يَعود إلى الذَّنْب؛ الأوَّل، والفَرْق بينهما أننا إذا قلنا: الشرط ألَّا يَعود ثُم عاد بطَلَت التوبة الأُولى، وإذا قلنا: الشرط العَزْم على ألَّا يَعود، وقد عزَم ألَّا يَعود، ثُمَّ عاد، فالتوبة الأُولى تَبقَى صحيحة، وعليه أن يَتوب توبة ثانية للذَّنْب الجديد، فالشَّرْط هو: العَزْم ألَّا يَعود في المُستَقبَل، فإن عاد فعليه تَوبة أُخرى، وهكذا. فإن قال قائِل: ألَيْس قد ثبَت في الصحيح أنَّ الرسول ﷺ أَخَر: "أن رجُلًا أَذنَب ذَنْبًا فتابَ، ثُم أَذنَب فتابَ، ثُم أَذنَب فتابَ، ثُم قال الله : عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ" (١)، فهل هذا

стр. 54

يَعنِي أن الإنسان إذا تَكَرَّر منه الذَّنْب وهو يَستَغفِر يُغفَر له؟ فالجَوابُ: نعَمْ، مَهْما أَذنَب ثُم استَغْفَر يُغفَر له. لكن لو قال قائِل: إن ظاهِر الحديث: "فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ" يَعنِي: فلْيَعْصِ الله! قُلنا: لا يَستَقيم هذا؛ لأنه يُخالِف الأدِلَّة الكثيرة الدالَّة على أنه لا بُدَّ لكل ذَنْب من تَوْبة إلَّا طائِفة واحِدة من هذه الأُمَّةِ، همُ الذين لا يَحتاجون إلى تَوْبة من الذنب، وهم أهل بَدْر، فإنَّ الله اطَّلَع إليهم وقال: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ كَفَرْتُ لَكُمْ" (١). فهَؤلاءِ القَومُ ثلاثُ مِئة وبِضعةَ عشَرَ رجُلًا، وهُمْ أَهْل بَدْر اطَّلَع الله عليهم فكافَأَهم مُكافَأَة لم تَحصُل لغَيْرهم، اطَّلَع عليهم فقال: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، هذه الحَسَنةُ العَظيمة مَحَت جميع ما يَعمَلونه من السَّيِّئات، ونفَعَت هذه الغَزوةُ لمَنْ غَزا، حتى حاطِب ﵁ الذي كتَب بأَخْبار النَّبيِّ ﷺ إلى قُرَيْش قُبَيْل غَزوة الفَتْح لمَّا عُثِر على ما صنَع، قال عمرُ ﵁ للرسول ﷺ : دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ فَقَدْ نَافَقَ. فعُمرُ ﵁ شُجاع ليس عنده إلَّا السَّيْف، قال: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الله اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (٢) فوقَعَت هذه السَّيِّئةُ العَظيمة من جُمْلة ما يُغفَر لأهل بَدْر؛ ولهذا كان أهل بَدْر أفضَلَ من أهل بَيْعة الرُّضوان، أفضَلُ لما حصَل فيه من النُّصْرة العَظيمة للنَّبيِّ ﷺ ؛ ولهذا يُسمَّى يومُ بَدْر يومَ الفُرقان. قال: فأَهْل بَدْر.

стр. 55

الشَّرْط الخامِس: أن تَكون التوبة في الوقت الذي تُقبَل فيه التَّوْبة، وهو أن تَكون التَّوْبة قبل طلوع الشَّمْس من مَغرِبها، وقبل حُضور الأَجَل. فالأوَّلُ عامٌّ لكل أحَد، فلا تَوبةَ لأَحَد إذا طلَعَت الشمس من مَغرِبها؛ لقول النبيِّ ﷺ : "لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" (١)، وهذا يُؤيِّده قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، والمُراد ببَعْض الآياتِ: طُلوع الشَّمْس من مَغرِبها. والثاني أن تَكُون قبل حُضور الأَجَل، فإذا حضَر الأَجَل لم تَنفَعِ التَّوْبة؛ لقول الله ﵎: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، هذا ليس لهم تَوْبة، وتَطبيق هذا عمَليّا أنَّ فِرعونَ لمَّا أَدرَكه الغرَقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾؛ تُؤمِن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩١، ٩٢]، لا رَحمةً بكَ ولكِن ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، وأمَّا رُوحُك فلا نَجاةَ لها، وإنَّما نجَّاه الله ببَدَنه؛ لأنه قد أَرعَب بني إسرائيلَ، ولا يَكادون يُصدِّقون بأنه هلَك حتى يُشاهِدوه فيَطمَئِنُّوا؛ فلهذا نجَّاه الله تعالى ببَدَنه؛ ليُشاهِدوه! . فإن قال قائِل: هل يُشتَرَط ألَّا يَكون مُصِرًّا على ذَنْب آخرَ؟ يَعنِي: لنَفرِض أنه تاب من شُرْب الخَمْر، لكنه باقٍ على الزِّنا - والعِياذ بالله - فهل تَصحُّ تَوْبته من شُرْب الخَمْر؟

стр. 56

فالجوابُ: في هذا خِلاف، فمن العُلَماء مَن يَقول: لا تَصِحُّ التوبة من ذَنْب مع الإصرار على ذنب آخَرَ، ومنهم مَن قال: بل تَصِحُّ؛ لأنَّ كل ذَنْب له جُرْمه. ومنهم مَن قال: إذا كان الذَّنْب الذي أَصَرَّ عليه من جِنْس الذي تاب منه، فإن التوبة لا تَصِحُّ، كرجُل تاب من الزِّنا، لكنه يُطلِق بصَرَه في النظَر المُحرَّم، فإن توبَته من الزِّنا لا تَصِحُّ، أو رجُل تاب من النظَر المُحرَّم، ولكنه لم يَتُبْ من المَسِّ المُحرَّم، هذا أيضًا لا تُقبَل توبتُه. ومن العُلماء مَن قال: تُقبَل مُطلَقًا، إذا تاب من ذَنْب تاب الله عليه من هذا الذَّنْب؛ لأن الله حكَمٌ عَدْل، ورحمتُه سبَقَت غضَبَه، وهذا الرجُلُ عِنده جِنايات مُتعدِّدة، تاب من واحِدة منها، فلْيَكُن تائِبًا؛ وهذا القولُ أصَحُّ، ولكن لا يُطلَق على هذا التائِبِ وصفُ التوبة المُطلَقة؛ لأن توبته هذه مُقيَّدة، يَعنِي: لا يَستحِقّ وصفَ التائِبين على الإطلاق، فلا يَدخُل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ لأنَّ هذا الرجُلَ لا يَصدُق عليه أنَّه تائِب على وَجهِ الإطلاق؛ لكنه تائِب من ذَنْب واقِع في ذَنْب آخرَ. وهذا القولُ هو الذي تَجتَمِع فيه الأدِلَّة، فيمال: استِحْقاق الوصف المُطلَق فيمَن تاب من ذَنْب مع الإصرار على غيره لا يَكون، وأمَّا وَصْفه بتَوْبة مُقيَّدة فهذا صحيح، كالسرِقة فإنه إذا قُطِعت يدُه فلا بُدَّ من ردِّ المال إلى صاحِبه، نَقول: هذا بالنِّسبة لحقِّ الله سقَط في إقامة الحدِّ عليه، لكن لا بُدَّ من أن يُوصِل المال إلى صاحِبه. فإن قال قائِل: مَن يَشتَرِك في الزِّنا؟ فالجوابُ: الواقِع أن الزِّنا يَشتَرِك فيه الفاعِل والمَفعول به، حتى المَفعول به يَتلذَّذُ ويَجِد شَهْوة، أمَّا إذا قلتا: بالإِكْراه فهذا صحيح أنه عُدوان، لا بُدَّ مِنِ استِحْلاله؛

стр. 57

أمَّا حقُّ الله فنُقيم عليه الحَدَّ، وحقُّ العِباد - وهو الإكراه والعُدوان عليه - لا بُدَّ مِنِ استِحْلاله. فإن قال قائِل: رجُل سرَق من شخص مالًا، ثُم ردَّه عليه وقال: هذه هَدية. هل يَبرَأ منه؟ فالجوابُ: لا يَبرَأ، هو ردَّه على أنه هَدية، وهذا قبِلَه على أنه هَدية، وأن المُهدِي له عليه مِنَّة، وأنه يَحتاج إلى مُكافَأة. ولو وَضَع معَها رِيالًا وقال: هذه هَدية؛ لكان مخُادِعًا، ولا بُدَّ، لكن - الحمد لله - يَقول: والله أنا في حالِ السَّفَه، وهذه تَقَع كثيرًا في حال الصِّغَر، وإلَّا فالكبير ليس بسارِق - إن شاء الله -، لكن وهو صَغير يَسرِق من دُكَّان، أو من صاحِب له، يَأخُذ قلَمًا، أو يَأخُذ ساعة، فلا بُدَّ أن يُوصِله إليه وَيقول: هذه حَقّ لك علَيَّ. ولكن لو قال مثَلًا: هذه من إنسان تاب، وقد سرَقها منك، ولم يَقُل: أنا أو غيره، فهذا يَصِحُّ، والظاهِر أنه يَنبَني على استِحلال المَجموع. مسألة: ورَد في حَديث النَّبيِّ أن الإنسان يَكتُب في بَطْن أُمِّه شَقِيٌ أو سَعيد (١)، فلماذا يعمل الإنسان؟ فالجَوابُ: قد احتَجَّ الصَّحابة بهذه الحجَّة على الرسول ﵊ لمَّا قال لهم: "مَا مِنْكُمْ أَحَد إِلَّا وَقَدْ كتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ" قالوا: يا رَسول الله، فَفيمَ العمَلُ؟ - أي: من أَجْل ماذا نَعمَل؟ - فقال: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ

стр. 58

لمَا خُلِقَ لَهُ" (١). ونَقول: أنت مَكتوب أَنَّك في الجنَّة أو في النار بسبَب عمَلِك، فاعمَلْ عمَل أهل الجنَّة لتكون من أَهْلها. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ عِقاب الله تعالى شَديد، لقوله تعالى: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾. ويَتفَرَّع على هذه الفائِدةِ: الحذَرُ من التَّعرُّض لعِقابه، وقد قال الله لنَبيِّه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال في آية أُخرَى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: بَيانُ كَمال غِنى الله؛ لقَوله: ﴿ذِي الْطَّوْلِ﴾، أي: صاحِبه، والطَّوْل هو: الغِنَى، كما شرَحْناه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: انفِراد الله تعالى بالأُلوهية؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهو أحَد أقسام التوحيد الثلاثة التي هي: تَوْحيد الرُّبوبية، والأُلوهية، والأَسْماء والصِّفات، ويُسمَّى تَوْحيد العِبادة، فهو باعتِبار العبد تَوْحيد عِبادة، وباعتِبار المَعبود تَوْحيد أُلوهية. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بَيان أنه لا مَعبودَ حقٌّ إلَّا الله، ولا بُدَّ أن نُقيِّد: لا مَعبودَ حقٌّ إلَّا الله، لأنَّ هناك ما يُعبَد من دون الله وتُسمَّى آلهِة، وقد سمَّاها الله تعالى آلهِة: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]،

стр. 59

﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، لكِنها آلِهة باطِلة. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن المَصير إلى الله ؛ لقَوْله ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: وُجوب التَّحاكُم إلى شريعة الله، تُؤخَذ من قوله: حيثُ قدَّم الخبَر، وتَقديم الخبَر يُفيد الحَصْر والاختِصاص. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الجمْع بين الخَوْف والرجاء في السَّيْر إلى الله، وجهُ ذلك: أنَّ الإنسان إذا علِم أن المَصير إلى الله، وأنه غافِر الذَّنْب، وقابِلُ التَّوْب، وشَديد العِقاب، يَرجو من وَجْه، ويَخاف من وَجهٍ آخرَ، ما دام المَصيرُ إلى مَن هذا وَصْفه، فإنه لا شَكَّ أنه يَرجو تارةً، ويَخاف أُخرى. وأيُّهما يُغلِّب؟ قال بعض العُلَماء: يَجِب أن يَكون خوفُه ورجاؤُه واحِدًا، لا يُغلِّب الرجاء؛ فيقع في الأَمْن من مَكْر الله، ولا يُغلِّب الخوف، فيَقَع في القُنوط من رحمة الله، بل يَكون خوفه ورَجاؤُه واحِدًا، قال الإمامُ أحمدُ رحمه الله تعالى: يَنبَغي أن يَكون خوفُه ورَجاؤُه واحِدًا فأيُّهما غلَب هلَك صاحِبه (١). وقال بعضُهم: يَنبَغي أن يَسير الإنسان إلى الله تعالى سَيْر الطَّيْر، جَناحاه مُتساوِيان، فإن مال أَحَدُ جَناحيه، جنَح إلى الجانِب الذي مال إليه، وقال بعضُ العُلَماء: يَنبَغي في جانب الطاعة أن يُغلِّب جانِب الرجاء، وأن الله تعالى يَقبَلها، وفي جانِب المَعصية أن يُغلِّب جانِب الخوف؛ لئَلَّا يَقَع فيها، فإذا هَمَّ بسيِّئة ذكَر شِدَّة العِقاب فخاف فارْتَدَع، وإذا عمِل صالِحًا ذكَر الثواب والجزاء وقَبول الله فغلَّب جانِب الرجاء.

стр. 60

وقال بعض العُلَماء: يَنبَغي أن يُغلِّب جانب الخَوْف في حال الصِّحة، وجانِب الرجاء في حال المرَض حتى يَأتيَه الموت وهو يُحسِن الظَّنَّ بالله؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ" (١). فالأَقوال إِذَنْ ثلاثة: الأوَّل: أن يَكون خوفُه ورجاؤُه واحِدًا. والثاني: أن يُغلِّب جانب الرَّجاء في العمَل الصالِح، وجانب الخوف إذا همَّ بالمعصية. والثالث: أن يُغلِّب جانِب الرجاء في حال المرَض، وجانب الخَوْف في حال الصِّحَّة. هذه ثلاثة أقوال، والذي يَظهَر أنَّ القول بأنه يُغلِّب جانب الرجاء في حالِ فِعْل الطاعة، وجانب الخوف إذا هَمَّ بمَعصية هو أقرَبُ الأقوال، من أَجْل أن يَردعَ نَفْسه إذا هَمَّ بمَعصية خوفًا من الله، وأن يُؤمِّل القَبول من الله والثواب إذا فعَل الطاعة فيُغلِّب جانِب الرجاء. وهذا القول ليس جَديدًا، وهو بقَطْع النظَر عن حالات تَعرِض للإنسان، فكما نَقول: هذا الشيءُ مُباح. وقد يَكون واجِبًا، وقد يَكون حرامًا، فنحن إذا رجَّحنا يَعنِي نَنظُر إلى القول من حيثُ هو قولٌ، لكن قد تَعرِض للإنسان حالات حتى إذا هَمَّ بالمَعصية قد يَكون يُغلِّب جانب الرجاء، أو بالعكس، فالقول من حَيثُ هو

стр. 61

قولٌ القياسُ يَقتَضي أننا نُغلِّب جانِب الرجاء إذا فعَلْنا الطاعة، ونَقول: إن الله تعالى لم يُوفِّقْنا للطاعة إلَّا وسيَقبَلها منا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]؛ ولهذا قال بعض العُلَماء: مَن وُفِّق للدعاء فلْيُبشِر بالإجابة. وإذا همَّ بالمَعْصية فمَعلوم أنه إذا غلَب جانب الخَوْف سوف يَرتَدِع، لكن هناك حالات تَطرَأ على الإنسان شيء آخَرُ، فالحالات العارِضة نَقول فيها: الإنسان طَبيب نَفْسه، أمَّا القول من حيثُ هو قولٌ فهذا القولُ أَقرَبُ للقِياس. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الحثّ على التَّوكُّل على الله، والآية دَليل على الحثِّ على التَّوكُّل على الله؛ لأنه لمَّا كان المَصير إلى الله، كان يَنبَغي أن يَتعَلَّق الإنسان برَبِّه لا بغيره، ما دام المَصيرُ إلى الله، فتَوكَّل على الله لا على غيره. الْفَائِدَةُ الثَّامِنهَ عَشْرَةَ: اللُّجوء إلى الله تعالى عند الشَّدائد، وعند طلَب المَحبوب، تُؤخَذ من قوله: ﴿إِلَيْهِ المَصِيِرُ﴾، فإذا اشتَدَّت بك شِدَّة فلا تَلتَفِت إلى زَيدٍ أو عَمرٍو، عليك بالله ، حتى الشدائِد التي أَسبابها خَفِيَّة لا يَنفَعك إلَّا الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. * * *

стр. 62

الآية (٤) * * * قَالَ اللهُ : ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ [غافر: ٤]. * * * ثُمَّ قال الله : ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤]؛ "ما": نافِية، و"إلَّا": أداة حَصْر، والجملة هنا جملة خبَرية حَصْرية، فهي خبَرية لأنها مَنفِيَّة، وحَصْرية لأنه حَصَر الجِدال في الذين كفَروا: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أمَّا الذين آمَنوا فلا يُجادِلون في آيات الله. والمُجادَلة: المُنازَعة والمُخاصَمة، مَأخوذة من الجَدْل وهو: فَتْل الحَبْل حتى يَشتَدَّ ويَقوَى هكذا، هذا أَصْل الجَدْل: المُنازَعة، وهي مَأخوذة من الجَدْل أي: فَتْل الحبْل؛ لأن كلَّ واحِد من المُتنازِعَيْن كأنَّما يَفتِل حَبْلًا لمُنازِعه، فيَكون ذلك أشَدَّ في الإحكام. وقوله: ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [القرآن]، وَينبَغي أن نُفسِّر الآياتِ بما هو أعَمُّ، وهذا الذي فسَّر المفَسِّر به الآياتِ يُعتَبر قُصورًا، ولا يَنبَغي أن نُفسِّر العامَّ بأَخصَّ منه إلَّا إذا دلَّتْ قَرينة قوية على ذلك، وهنا لا دَلالةَ، فالمُنازِعون في آيات الله منهم مَن يُنازع في القرآن، ومِنهم مَن يُنازع في السُّنَّة، ومنهم مَن يُنازع في الخَلْق. فمثَلًا: الكسوف من آيات الله، وخُسوف القمَر من آيات الله، ومن الناس

стр. 63

مَن يُجادِل فيه، وَيقول: ليس هذا من باب تَخويف العِباد، وأيُّ رابِطة بين هذا وبَيْن التخويف، وسبَبه طبيعيٌّ مَعلوم يُدرَك بالحِساب؟ ! فيُجادِل في شَرْع الله، وفي آيات الله، فتقول مثَلًا: لماذا كان كذا، وكان في مَوْضِع آخَرَ كذا وكذا؟ كقِصَّة المَعرِّيِّ الذي جادَل في كون اليَدِ تُقطَع في ربُع دِينار ودِيَتُها خَمسُ مِئة دِينار (١)، وكقول بعضِهم: لماذا يَنتَقِض الوُضوء بالريح من أسفَلُ، ولا يَنتَقِض بالرِّيح من أَعْلى؟ والريح من أَعْلى هو: الجُشاء، وما أَشبَه ذلك من المُجادلات في الآياتِ الشرعية! . ومِنهم مَن يُجادِل في القُرآن، يَقول: القُرآن فيه تَناقُض! قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقال في آية أُخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، هذا تَناقُض! فيُجادِل. فالمُهِمُّ: أن الجدَل يَكون في الآياتِ الشرعية الثابِتة في القُرآن والسُّنَّة، ويَكون أيضًا في الآيات الكونية، فيَنبَغي أن نُفسِّر الآياتِ بما هو أعَمُّ مِمَّا ذكَر المفَسِّر، فنَقول: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ الكَوْنية أو الشَّرْعية ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وأمَّا المُؤمِنون فلا يُجادِلون، المُؤمِنون يَقولون: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، ولا يُجادِلون، عرَفْنا ذلك من كَوْنه حَصَر المُجادَلة في الذين كفَروا. قال ﵀: [﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مَكَّةَ] وهذا تَخْصيص آخَرُ، فالله يَقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمفَسِّر يَقول: من أهل مكَّةَ، سُبحانَ الله! القُرآن يُعَمِّم، ونحن نَخُصُّ، فهذا خطَأ وقُصور في التَّفْسير، فنَقول: ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ أعَمُّ من القُرآن، ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أعمُّ من أهل مكَّةَ، فالذي يُجادِل في آيات الله: الذين كفَروا من أهل مكَّةَ ومن غير أَهْل مكَّةَ، من أهل المَدينة، من أَهْل الطائِف، من أهل جُدَّةَ،

стр. 64

من أهل القَصيم، مِن كل مَكان، كلُّهم يُجادِلون في آيات الله، إذا كانوا كُفَّارًا. فإن قال قائِل: كيف تَجمَع بين هذه الآيةِ وبين قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] فأمَرَ بالمُجادَلة؟ هنا أَمَر: ﴿وَجَادِلْهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ فالجوابُ: مجُادَلة الكُفَّار تَكون بالباطِل لإِبْطال الحَقِّ، أمَّا الذين آمَنوا فمُجادَلتهم تَكون لبيان الْحَقَّ. إِذَنِ: المُجادَلة هنا غيرُ المُجادَلة هناك. قوله تعالى: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ الفاء: للتَّفْريع على ما سبَق، والخِطاب في قوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ﴾ إمَّا للنَّبيِّ ﷺ ؛ لأنه الذي نزَلَ عليه القُرآن، وإمَّا لعُموم المُخاطَبِين؛ لأن القُرآن نزَل للجميع، وأَوْلاهما الثاني؛ لأنَّ القاعِدة التَّفْسيرية عِندنا: أنه إذا دار الأَمْر بين كون المَعنَى عامًّا أو خاصًّا؛ فإنَّه يُحمَل على العامِّ؛ لأن الخاصَّ يَدخُل في العامِّ ولا عَكْسَ. إِذَنْ: فلا يَغرُرْك أيُّها المُخاطَب، وأوَّل مَن يَدخُل في ذلك الرسولُ ﷺ ، و ﴿يَغرُرْكَ﴾ يَعنِي: لا يَخدَعك، ولا تَغتَرَّ به. وقوله تعالى: ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ التَّقلُّب هو: التَّردُّد من شيء إلى شيء، ومنه تَقلُّب الإنسان في فِراشِه من جَنْب إلى جَنْب، المعنى: لا يَغُرك تَردُّدهم في البلاد يَمينًا وشِمالًا، وشَرْقًا وغَرْبًا، للتِّجارة ولغير التِّجارة. قال المفَسِّر ﵀: [﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ للمَعاش سالِمين فإن عاقِبَتهم النار]، ولكن لو قال: فإنَّ عاقِبَتهم البوارُ لكان أحسَنَ؛ لأنَّ الله تعالى ضرَبَ مثَلًا بمَن كان على حالهم بأنَّ الله أَهلَكَهم، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى آخِره.

стр. 65

من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ الكُفَّار يُجادِلون في آيات الله، لقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: حِرْص الكُفَّار على إبطال الْحَقِّ بالمُجادَلة والمُجالَدة، فالمُجادَلة كما في الآية، والمُجالَدة: إذا عجَزوا عن إبطال الْحَقِّ بالجدَل أَبطَلوه بالقِتال، كما في آيات أُخرى. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحذَر من مجُادَلة الكُفَّار، إذا كانَ ليسَ عِند الإنسانِ سِلاح، أي: لا تَدخُل مع الكُفَّار في جدَل إذا لم يَكُن لدَيْك سِلاح، لأنك سَوْف تُهزَم، وهَزيمتك ليسَتْ هَزيمة شَخْصية لكنها هَزيمة للإسلام. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه يَنبَغي لنا أن نَعرِف مَعايِب الكُفَّار وأقوالهم حتى يُمكِننا أن نُجادِلهم؛ لأنَّ الجَدَل كما قلنا فيما سبَق: المُنازَعة، كل واحد يُنازع الآخَر ليَفتِل كلامه أمامَه حتى يَشتَدَّ عليه، فلا بُدَّ أن تَعرِف ما هم عليه من الباطِل من أَجْل أن تُحاجَّهم فيه، يَعنِي: لا يَكفِي في مجُادَلة الكُفَّار أن تَعرِف الحقَّ الذي أَنْت عليه، بل لا بُدَّ أن تَعرِف الباطِل الذي هَمَّ عليه. والله يُجادِل الكُفَّار بمِثْل هذا يَقول: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، والآياتُ في هذا كثيرة، اعْرِفْ ما عند عَدوِّك من الباطِل من أَجْل أن تَدْحَض حُجَّته. فإن قال قائِل: كَيفَ نَجمَع بين هذه الآية الكَريمةِ التي ذكَر الله فيها أنه لا يُجادِل في الآيات إلَّا الكُفَّار، وبيَّنَ قول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ

стр. 66

الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فأَمَر بالجِدال مع أنه في هذه الآيَةِ ذَمَّ الجِدال، وقال: إنه لا يُجادِل إلَّا الكُفَّار؟ فالجوابُ على هذا سَهْل: أن المُجادَلة التي أُمِرنا بها هي المُجادَلة لإِبْطال الباطِل، وإحقاق الْحَقِّ، أمَّا الكُفَّار فإنَّهم يُجادِلون لإِبْطال الحقِّ وإحقاق الباطِل .. عَكْس ما أُمِرنا به. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الله تعالى يُمِلي للكُفَّار وُيمهِلهم، ويُمكِّنهم من التَّقلُّب في البلاد حيث شاؤُوا؛ لقوله: ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَحذيرُ المُؤمِن أن يَغتَرَّ بما أَنعَمَ الله به على هَؤلاء الكُفَّار من التَّقلُّب في الدُّنيا حيث شاؤُوا؛ لقوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيانُ سفَه أُولئِك الذين أُغْروا واغتَرُّوا بالكُفَّار، بيان سفَهِهم في العُقول وضَلالهم في الدِّين، فإنَّ بعض المُسلِمين ضُعَفاء الإيمان انبَهَروا ممَّا عليه الكُفَّار، وظنُّوا أن ما هم عليه من تَحلُّل الأخلاق، وفَساد العقائِد والكُفْر، هو الذي أَوجَب أن يَكونوا على هذا المُستَوى من التَّقدُّم المادِّيِّ، فانبَهَروا بذلك، وانفَلَتوا من الدِّين، وضيَّعوا مِشْيتهم ومِشْية الحمامة .. صاروا كالغُراب، يَقولون: إن الغُراب أعجَبَه مِشْيةُ الحمامة - ومَعروف الفَرْق بين مِشْية الحَمامة ومِشية الغُراب -، فقال: سأَمشِي مثل مِشْية الحمامة. فأَراد أن يَفعَل ولم يُدرِك شَيْئًا، أَراد أن يَعود إلى مِشْيته الأُولى، فعجَز أن يَعرِفها، فضَيَّع المِشْية الأُولى والثانية! . وهؤلاء المَساكينُ الذين انبَهَروا بما عليه الكُفَّار من القوة المادِّيَّة، وما زُخرِف لهم من الدُّنيا، ضيَّعوا دِينَهم ولم يَصِلوا إلى ما عليه هؤلاءِ من الدنيا، وقد قال الله

стр. 67

تعالى لنَبيِّه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١]. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّه مَهما طال الأمَدُ بهَؤلاء الكُفَّار، فإن مَآلَهم الهَلاك والبَوار، وانظُروا الآنَ: كلُّ الكُفَّار السابِقين ذهَبوا إلى النار؛ لأنَّنا نَشهَد بالله أنَّ كلَّ كافِر في النار، فهَؤلاءِ الذين ماتوا على الكُفْر انتَقَلوا من الدنيا التي جُعِلت لهم جَنَّة إلى النار، والعِياذُ بالله. وقد كان ابن حجَرٍ العَسقلانيِّ كان قاضِيَ القُضاة في مِصرَ - يَعنِي: كبير القُضاة - وكان إذا مشَى يَمْشِي على عرَبة تجرُّها الخُيول أو البِغال في مَوكِب، فمَرَّ ذات يوم بيَهودي سمَّان - يَعنِي: يَصنَع السَّمْن - أو زَيَّات - ومعلومٌ أنَّ الزَيَّات والسَّمَّان تَكون ثِيابُه مُلوَّثة بالزيت وأحواله سيِّئة - فأَشار إلى المَوكِب فوقَف، فقال لابن حجَرٍ: إنَّ نَبيَّكم يَقول: "إِن الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ" (١)، وكيف يَتَّفِق هذا القولُ مع حالي وحالِك، فأنت الآنَ مُسلِم وفي هذه الرَّفاهية، وفي هذا المَوكِبِ العَظيم، وهو يَهودِيٌّ وتَعِسٌ، في زيت أو سَمْن يُلوِّث ثِيابه ويَدَيْه وكل شيء، فقال له ابنُ حجَرٍ رحمه الله تعالى: "نعَمْ، لكن ما أَنتَ فيه من البُؤْس هو جَنَّة بالنِّسبة لما ستَؤُول إليه إذا مِتَّ". لأنه إذا مات يَكون في النار، فهذا جَنَّة بالنِّسبة للنار، "وأمَّا أنا فنَعيمي هذا بالنِّسْبة للجَنَّة يُعتَبر سِجْنًا"؛ لأن نَعيم الجنَّة أعلى بكثير من هذا، فقال اليَهوديُّ: أَشهَد أن لا إلَهَ إلَّا الله، وأن محُمَّدًا رسول الله (٢)، سُبحانَ الله! تَبيَّن له الأمر بكلِمة بَسيطة.

стр. 68

فأَقول: إن هَؤلاءِ الكُفَّارَ مَهما زُّينَت لهم الدُّنيا، فإنهم - والعِياذ بالله - سيَؤُولون إلى عَذاب، وكما نَعلَم جميعًا أنَّ الإنسان إذا آلَ إلى عَذاب بعد النَّعيم صار العَذاب عليه أشَدَّ، لكن لوِ انتَقَل من عَذاب إلى عَذاب صار أَهوَنَ، أمَّا من نعيم إلى عَذاب فصَعْبٌ جِدًّا، ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾. إِذَنْ: هؤلاءِ الكُفَّارُ الذين يَذهَبون ويَجيئُون كل هؤلاءِ لا يَغُرَّنكم، لا سِيَّما إذا كان تَردُّدهم في البلاد استِكْبارًا في الأرض ومَكْر السَّيِّئ، وعُلوًّا على الخَلْق، وزعمًا منهم أنهم سيُدبِّرون الناس، وسيَسُنُّون نِظامًا عالَمِيًّا كما يَقولون، فإننا نَعلَم أن مَآلَهم الفَشَل إذا نحن صدَّقنا الله، إذا نحن صدَّقْنا الله فإن كَيْدَهم لا يَضُرُّنا: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]، يَعني: كيدًا أعظَمَ، ومَعلوم أنَّ الكَيْد الواقِع من الله أشَدُّ من الكَيْد الواقِع من البَشَر. مسألة: بعض الناس يَقول: لا يَجوز للإنسان أن يَقول: إن الكُفَّار كلهم في النار، نَقول: الذي بلَغَته الدَّعوةُ نَشهَد أنه في النار، والذي لم تَبلُغه الدَّعوةُ لا نَشهَد له؟ فالجوابُ: لا، بل نَقول: كلُّ كافِر في النار، لكن مَن لم تَبلُغه الدَّعوةُ فلا نَجزِم له بجَنَّة ولا نار؛ لأنه لم يَصدُق عليه أنه كافِر إلى الآنَ، ونَقول: أَمْره إلى الله يوم القِيامة، وهذا بخِلاف الذي يَنتَسِب للإسلام، وفعَل ما يُكفِّر جاهِلًا فقد سبَقَ لنا القول في هذه المَسأَلةِ، وذكَرْنا لكم أن شَيْخ الإسلام ﵀ لمَّا ناظَر الجَهْمية وبيَّن لهم الْحَقَّ، وأَصَرُّوا على ما هم عليه قال: "أَنَا أَعْلَمُ لَو أَنَّنِي لو قلتُ بما تَقولون لكنتُ كافِرًا، وأمَّا أنتُم فلَسْتُم كفَّارًا عندي لأَنَّكم مُتأَوِّلون" (١) هذا وهو يُناظِر الجَهْمية ويُبيِّن لهمُ الخقَّ، ذكَر هذا في كِتاب الاستِغاثة.

стр. 69

وهذا يَدُلُّ على مَسألة يَشتَدُّ فيها بعض الناس اليوم في مَسأَلة فِعْل ما يُكفِّر، حيث يُكفِّرون الناس مُطلَقًا بلا بَيِّنةٍ، والمَسأَلة هذه كما قُلْنا فيما سبَق خَطيرة، فالآنَ شيخ الإسلام ﵀ يَقول: أنا أَعلَم أنني لو قلتُ بقَوْلكم لكُنْت كافِرًا؛ لأني أَعلَمُ أن هذا خِلاف الحَقِّ، أمَّا أنتم فلَسْتم تَكفُرون عِندي لأَنَّكُم مُتأَوِّلون؛ وهُمْ جَهمية، مع أن إطلاق الكُفْر على الجهْمية عُمومًا جاء ذلك عن الإمام أحمدَ وغيرِه، وكما نقَلْتُ لكم أيضًا عن الشيخِ محُمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّاب ﵀ أنه قال: "إِنَّنا لا نُكَفِّر الذين اتَّخَذوا صنمًا على قَبْر البَدَويِّ وعبد القادِر؛ لجهْلهم وعدَم مَن يُنبِّههم" (١). وقد كان كثيرٌ من الناس أو من طلَبة العِلْم يُفرِّقون بين الأصل والفَرْع، فيَقولون: الفَرْع يُعذَر فيه بالجهْل، والأَصْل لا يُعذَر، فهذا ليس بصحيح، أوَّلًا أن تَقسيم الدِّين إلى أصل وفَرْع يَقول شيخ الإسلام (٢): هذا بِدْعة، ليس في القُرآن ولا في السُّنَّة تَقسيم الدِّين إلى أَصْل وفَرْع، هانما حَدَث هذا من كلام المُتكلِّمين بعد القُرون المُفضَّلة، قسَّموا الدِّين إلى أَصْل وفَرْع، وقال: إن هذا التَّقسيم يَنتَقِض بأن الصلاة عندهم فَرْع، وهي من أصل الأصول، وبأن بعض المَسائِل التي فيها الخِلاف فيما يُسمُّونه أصولًا لا يُكفَّر المُخالِف فيه، كما تقدم في الصِّراط، وفي المِيزان، وفي عذاب القَبْر، وفي رُؤْية النَّبيِّ ﷺ ربَّه، كل هذه مِمَّا يُسمُّونه أصولًا، ومع ذلك ففيها الخِلاف، وإن كان الخِلاف في الأصل لم يَرِد، لكن فُروع الأصول فيها الخِلاف، فهذه المَسائِلُ يَنبَغي لطالِب العِلْم أن يُحرِّر فيها القول قبل أن يَحكُم على عِباد الله بما لم يَجعَله الله له. * * *

стр. 70

الآية (٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ [غافر: ٥]. * * * قال الله ﵎: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر: ٥]، هذا كالتَّعليل لقوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر: ٤]، يَعنِي: فلْيَنظُر عاقِبة مَن كان قَبلَهم حين كذَّبوا. وقوله: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ الضمير يَعود على الذين كذَّبوا النَّبيَّ ﷺ . وقوله: ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ نوح ﵊ هو أوَّلُ رَسول أَرسَله الله تعالى إلى أهل الأرض بعد أنِ اختَلَفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ونوح بُعِثَ إلى أهل الأرض؛ لأنَّ أهل الأرض كانوا هم قَوْمَه، أمَّا حين تَعدَّدتِ الأقوام فقد كان الرسولُ لا يُبعَث إلَّا إلى قومه خاصَّة، كما ثبَت ذلك عن النبيِّ ﷺ (١).

стр. 71

فإن قال قائِل: ما هو الدَّليل على أن الذين ذُكِروا من الأنبياء في القُرآن كلُّهُم رُسُل؟ فالجوابُ: الدليلُ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، فكُلُّ مَن قصَّه الله علينا فهو رَسولٌ. فإن قال قائِل: هل يُوجَد دَليل على عدَد الأنبياء والرُّسُل؟ فالجَوابُ: في حديث أبي ذَرٍّ أنهم كانوا مئة وعِشْرين ألفًا مِنهم ثلاثُ مِئة وبِضعةَ عشَرَ رَسولًا والباقي أنبياءُ، لكن الحديث بعض العُلَماء قالوا: إنه غير صَحيحٍ. وإن كان ابنُ حِبَّانَ صحَّحه (١)، فالله أَعلَمُ. ليس هناك شيء يَركَن إليه الإنسانُ في العَقيدة بأن عدَدهم كذا أو كذا، لا الأنبياء ولا الرُّسُل. وقوله: ﴿وَالْأَحْزَابُ﴾ جمع حِزْب وهي الطائِفة، يَعنِي: الطوائِف، ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد قَوْم نوحٍ. يَقول المفَسِّر ﵀: [كعادٍ وثَمودَ وغيرهما] فماذا أَغنَى عنهم التَّكذيب، يَقول الله : ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾. وقوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ هو يَعنِي: كلُّ أمَّة همَّت برَسولهم، أي: بالَّذي أُرسِل إليهم، ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ هذه مُتعَلِّقة بـ ﴿وَهَمَّتْ﴾، أي: همُّوا لتقتُلوه، واللَّام هنا بمعنَى الباء؛ أي: بأن يَأخُذوه فيَقتُلوه، ومنهم مَن قتَلهم بالفِعْل مَن قتل النَّبيِّين بغير حَقٍّ. وقوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ هذه تُفسِّر مَعنى الجِدال فيما

стр. 72

سبَق في قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجادَلوا بالباطِل؛ أي: جعَلوا الباطل سِلاحًا لهم ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ [يُزيلوا] به الحقَّ، فكانوا يَأتون بالباطِل يَحتَجُّون به على الْحَقِّ لإِدْحاضه. واعلَمْ أن الذين يَأتون بالباطِل ليَدحَضوا به الحقَّ لا يَأتون بالباطِل على وَجْهه، بل يُزخْرِفون القول له كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، ولهذا تَجِد الذين يُجادِلون بالباطِل يَأتون بعِبارات إذا رآها الإنسان ظنَّها حقّا، كأنها السراب للظَّمْآن ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩]. وكما قال بعضُهم: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالهُا ... حَقًّا وَكُلٌّ كاسِرٌ مَكْسُورُ (١) فهم يَأتون بزُخْرف القول، الزُّخْرف يَعنِي: القول المُنمَّق المُحسَّن المُزيَّن لأَجْل إِدْحاض الحقِّ. قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ الفاء هنا للسَّبَبية، أي: فبسبَب ما قاموا به من المُجادَلة بالباطِل والتكَذيب أَخَذْتُهم، والضمير الفاعِل يَعود على الله ، والمَفعول يَعود على هَؤُلاءِ المُكذِّبين. فقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بالعِقاب] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ فسَّرَ المفَسِّر الأَخْذ هنا بالعِقاب لقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: مُعاقَبَتي لهم، وكيف هنا للتَّعجُّب وللتَّقرير وللتَّعْظيم أيضًا، أي: فكان عِقابي عَظيمًا في كيفيَّتِه، وفي وقوعه

стр. 73

مَوْقعه، وفي شِدَّته، فإنَّه عَذاب لم يُبقِ أحدًا منهم، وعلى هذا فالاستِفْهام له عِدَّة مَعانٍ يُعيِّنها السِّياق. فإن قال قائل: ما الفرق بين الأخذ في قوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ وقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾؟ فالجواب: الأَخْذُ يَأتِي بقَرينة، مِثل قوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي أَهْلَكْتهم، أمَّا أَخْذهُم هُم للأَنبياء فقد يَكون يَأخُذونهم ليَحبِسوهم، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، يُثبِتوك يَعنِي: يَحبِسونك، فتكون ثابِتًا في مَكان لا تَتَعدَّاه، أو يَقتُلوك، أو يُخرِجوك من البلَد؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، ، ولقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ فيَكون إهلاكُهم في مُقابِل ما يُريدونه من إهلاك الرُّسُل، الرسول ﷺ لمَّا همُّوا أن يَقتُلوه أَشار عليهم الشيخُ النَّجديُّ قال: لا يُمكِن أن تَقتُلوا قُرَشيًّا، إلَّا أن يكون عشَرة شُبَّان أقوياءَ وأَعطَوْا كلَّ واحد منهم سيفًا، فإذا خرَج محُمَّد فلْيَقتُلوه ضربة رجُل واحِد، حتى يَتفَرَّق دمُه في القبائِل فلا تَستَطيع قُرَيْش أن تُطالِب به، فيَخضَعوا لأَخْذ الدِّيَة (١). إِذَنْ هَمُّوا بقَتْله، واليَهود همُّوا بقَتْله في قِصَّة بني النضير (٢). وقوله: ﴿عِقَابِ﴾ قد يُشكِل على الناظِر لأَوَّل وَهْلة كيف كان مجَرورًا مع أنَّه مُبتَدَأ أو خبر مُبتَدَأ، فحمال: إنه ليس بمَجرور، وأن الأصل عِقابي، فحُذِفَت الياء تَخفيفًا والكَسْرة قبلها دَليلٌ عليها. قال المفَسِّر ﵀: [أي: هو واقِع مَوْقِعه] وهذا بِناءً على أنَّ الاستِفهام تَقريريٌّ،

стр. 74

وإذا قلنا: للتَّعظيم يَكون المَعنى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: فما أَعظَمَ عِقابي، وأَشَدَّه حيث أَزالَهم عن آخِرهم! . من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن الله تعالى أَعذَر إلى الخَلْق بإِرْسال الرُّسُل مُبشِّرين ومُنذِرين؛ لئَلَّا يَكون للناس على الله حُجَّة بعد الرُّسُل؛ لقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، وهذا يَدُلُّ على أن هناك قَوْلًا قاله الأنبياء فكذَّبه هَؤلاءِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن نُوحًا هو أوَّلُ الرُّسُل؛ لقوله: ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، فجعَلَ الأحزاب المُكذِّبين كلهم من بعد قوم نُوحٍ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ نوحًا هو أوَّلُ الرُّسُل، وهذا أمر مَعلوم مُتقرِّر في عِدَّة آيات وفي الأحاديث أيضًا، وبه نَعلَم أن مَن زعَم أن إدريسَ قبل نُوحٍ فإنه خاطِئ، ولا وَجهَ لقوله. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيانُ ما تَنطَوِي عليه صُدور المُكذِّبين للرُّسُل من الهَمِّ بقَتْلهم، يَعنِي أنَّ المُكذِّبين للرُّسُل لم يَقتَصِروا على أن يُكذِّبوا فقَطْ، بل همُّوا بالقَتْل، والقَتْل والاغتِيال وما أَشبَهَ ذلك هو سِلاح العاجِز، وكذلك السَّجْن هو سِلاح العاجِز؛ ولهذا قال فِرعونُ لمُوسى ﵊: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وقال أبو إبراهيمَ (آزرُ) ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦]. فالسَّجْن والقَتْل والاغتِيال والسَّبُّ والشَّتْم كله سِلاح العاجِز؛ لأنَّ القادِر على دَفْع الحُجَّة هو الذي يَدفَع الحُجَّة بمِثْلها بحُجَّة، أمَّا أن يَستَعمِل سُلْطته فهذا يَدُلُّ على عَجْزه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ لأنَّ الفاء للسَّبَبية،

стр. 75

وإثبات الأسباب حَقٌّ، وهو مُقتَضى حِكْمة الله أن كل شيء له سبَب، فالإنسان لا يُولَد له مثَلًا إلَّا بسبَب إذا تَزوَّج وجامَعَ وأَنزَل وُلد له، فالله قَرَن المُسبَّبات بأَسْبابها، وهو مُقتَضى الحِكْمة. والناس في الأسباب ثلاثة أقسام: طرَفان ووسَط. فقِسْم أَنكَر الأسباب، وقال لا تَأثيرَ لها، وما يَحصُل بالسبَب فإنه حاصِل عِنده لا به، والسَّبَب أَمَارة على حُلول وقت الحادِث، وعَلامة فقَطْ على حُصول الحادِث، أو على حُلول وقته، فانكِسار الزُّجاجة بالحَجْر إذا أُرسِل عليها ليس هو الذي كسَرَها، لكن الله قدَّر انكِسارها عند وجود الصَّدْمة فقَطْ وليس للحجَر أيُّ تَأثير! فالأشياء تَحصُل عند الأسباب بغَيْر الأسباب، لكن السبَب جعَله الله أَمارة وعَلامة على حُلول وقت الحادِث؛ ولهذا يَقولون: لو أنَّ أحَدًا أَثبَت تأثير الأسباب لكان مُشرِكًا؛ لأنه أَثبَت مع الله خالِقًا فاعِلًا. والقِسْم الثاني، الطرَف الثاني يَقول: بل الأَسْباب ثابِت تَأْثيرها، وهي مُؤثِّرة بنَفْسها؛ لأنها هي القُوَّة الفاعِلة، ولا عَلاقةَ لله بها، وهذا يُشبِه مَذهَب القدَرية وهو قول الفَلاسِفة، يَقولون: هكذا المَسأَلة طبائِعُ، من طَبيعة هذا الشيءِ أن يَحدُث به هذا الشيءُ، وهذا لا شَكَّ أنه خطَأ، وأنه نَوْع من الشِّرْك. والقِسْم الثالِث: وسَط يَقول: إن للأَسباب تَأثيرًا، ولكن لا بنَفْسها، بل بما أَودَع الله فيها من القُوَّة المُؤثِّرة، وهذا الذي دَلَّ عليه المَنقول والمَعقول وهو الحَقُّ. والرَّدُّ على الطبائِعِيِّين الذين يَقولون: إن الأسباب مُؤثِّرة بطَبيعتها أن الله تعالى قال لنار إبراهيمَ، وهي محُرِقة، قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت بَرْدًا وسَلامًا، فخرَجت عن طبيعتها.
следующие страницы →