فإن قال قائِل: ما هو الدَّليل على أن الذين ذُكِروا من الأنبياء في القُرآن كلُّهُم رُسُل؟
فالجوابُ: الدليلُ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، فكُلُّ مَن قصَّه الله علينا فهو رَسولٌ.
فإن قال قائِل: هل يُوجَد دَليل على عدَد الأنبياء والرُّسُل؟
فالجَوابُ: في حديث أبي ذَرٍّ أنهم كانوا مئة وعِشْرين ألفًا مِنهم ثلاثُ مِئة وبِضعةَ عشَرَ رَسولًا والباقي أنبياءُ، لكن الحديث بعض العُلَماء قالوا: إنه غير صَحيحٍ. وإن كان ابنُ حِبَّانَ صحَّحه (١)، فالله أَعلَمُ. ليس هناك شيء يَركَن إليه الإنسانُ في العَقيدة بأن عدَدهم كذا أو كذا، لا الأنبياء ولا الرُّسُل.
وقوله: ﴿وَالْأَحْزَابُ﴾ جمع حِزْب وهي الطائِفة، يَعنِي: الطوائِف، ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد قَوْم نوحٍ.
يَقول المفَسِّر ﵀: [كعادٍ وثَمودَ وغيرهما] فماذا أَغنَى عنهم التَّكذيب، يَقول الله : ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾.
وقوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ هو يَعنِي: كلُّ أمَّة همَّت برَسولهم، أي: بالَّذي أُرسِل إليهم، ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ هذه مُتعَلِّقة بـ ﴿وَهَمَّتْ﴾، أي: همُّوا لتقتُلوه، واللَّام هنا بمعنَى الباء؛ أي: بأن يَأخُذوه فيَقتُلوه، ومنهم مَن قتَلهم بالفِعْل مَن قتل النَّبيِّين بغير حَقٍّ.
وقوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ هذه تُفسِّر مَعنى الجِدال فيما
стр. 72
سبَق في قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجادَلوا بالباطِل؛ أي: جعَلوا الباطل سِلاحًا لهم ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ [يُزيلوا] به الحقَّ، فكانوا يَأتون بالباطِل يَحتَجُّون به على الْحَقِّ لإِدْحاضه.
واعلَمْ أن الذين يَأتون بالباطِل ليَدحَضوا به الحقَّ لا يَأتون بالباطِل على وَجْهه، بل يُزخْرِفون القول له كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، ولهذا تَجِد الذين يُجادِلون بالباطِل يَأتون بعِبارات إذا رآها الإنسان ظنَّها حقّا، كأنها السراب للظَّمْآن ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩].
وكما قال بعضُهم:
حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالهُا ... حَقًّا وَكُلٌّ كاسِرٌ مَكْسُورُ (١)
فهم يَأتون بزُخْرف القول، الزُّخْرف يَعنِي: القول المُنمَّق المُحسَّن المُزيَّن لأَجْل إِدْحاض الحقِّ.
قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ الفاء هنا للسَّبَبية، أي: فبسبَب ما قاموا به من المُجادَلة بالباطِل والتكَذيب أَخَذْتُهم، والضمير الفاعِل يَعود على الله ، والمَفعول يَعود على هَؤُلاءِ المُكذِّبين.
فقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بالعِقاب] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ فسَّرَ المفَسِّر الأَخْذ هنا بالعِقاب لقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: مُعاقَبَتي لهم، وكيف هنا للتَّعجُّب وللتَّقرير وللتَّعْظيم أيضًا، أي: فكان عِقابي عَظيمًا في كيفيَّتِه، وفي وقوعه
стр. 73
مَوْقعه، وفي شِدَّته، فإنَّه عَذاب لم يُبقِ أحدًا منهم، وعلى هذا فالاستِفْهام له عِدَّة مَعانٍ يُعيِّنها السِّياق.
فإن قال قائل: ما الفرق بين الأخذ في قوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ وقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾؟
فالجواب: الأَخْذُ يَأتِي بقَرينة، مِثل قوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي أَهْلَكْتهم، أمَّا أَخْذهُم هُم للأَنبياء فقد يَكون يَأخُذونهم ليَحبِسوهم، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، يُثبِتوك يَعنِي: يَحبِسونك، فتكون ثابِتًا في مَكان لا تَتَعدَّاه، أو يَقتُلوك، أو يُخرِجوك من البلَد؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، ، ولقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ فيَكون إهلاكُهم في مُقابِل ما يُريدونه من إهلاك الرُّسُل، الرسول ﷺ لمَّا همُّوا أن يَقتُلوه أَشار عليهم الشيخُ النَّجديُّ قال: لا يُمكِن أن تَقتُلوا قُرَشيًّا، إلَّا أن يكون عشَرة شُبَّان أقوياءَ وأَعطَوْا كلَّ واحد منهم سيفًا، فإذا خرَج محُمَّد فلْيَقتُلوه ضربة رجُل واحِد، حتى يَتفَرَّق دمُه في القبائِل فلا تَستَطيع قُرَيْش أن تُطالِب به، فيَخضَعوا لأَخْذ الدِّيَة (١). إِذَنْ هَمُّوا بقَتْله، واليَهود همُّوا بقَتْله في قِصَّة بني النضير (٢).
وقوله: ﴿عِقَابِ﴾ قد يُشكِل على الناظِر لأَوَّل وَهْلة كيف كان مجَرورًا مع أنَّه مُبتَدَأ أو خبر مُبتَدَأ، فحمال: إنه ليس بمَجرور، وأن الأصل عِقابي، فحُذِفَت الياء تَخفيفًا والكَسْرة قبلها دَليلٌ عليها.
قال المفَسِّر ﵀: [أي: هو واقِع مَوْقِعه] وهذا بِناءً على أنَّ الاستِفهام تَقريريٌّ،
стр. 74
وإذا قلنا: للتَّعظيم يَكون المَعنى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: فما أَعظَمَ عِقابي، وأَشَدَّه حيث أَزالَهم عن آخِرهم! .
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن الله تعالى أَعذَر إلى الخَلْق بإِرْسال الرُّسُل مُبشِّرين ومُنذِرين؛ لئَلَّا يَكون للناس على الله حُجَّة بعد الرُّسُل؛ لقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، وهذا يَدُلُّ على أن هناك قَوْلًا قاله الأنبياء فكذَّبه هَؤلاءِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن نُوحًا هو أوَّلُ الرُّسُل؛ لقوله: ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، فجعَلَ الأحزاب المُكذِّبين كلهم من بعد قوم نُوحٍ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ نوحًا هو أوَّلُ الرُّسُل، وهذا أمر مَعلوم مُتقرِّر في عِدَّة آيات وفي الأحاديث أيضًا، وبه نَعلَم أن مَن زعَم أن إدريسَ قبل نُوحٍ فإنه خاطِئ، ولا وَجهَ لقوله.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيانُ ما تَنطَوِي عليه صُدور المُكذِّبين للرُّسُل من الهَمِّ بقَتْلهم، يَعنِي أنَّ المُكذِّبين للرُّسُل لم يَقتَصِروا على أن يُكذِّبوا فقَطْ، بل همُّوا بالقَتْل، والقَتْل والاغتِيال وما أَشبَهَ ذلك هو سِلاح العاجِز، وكذلك السَّجْن هو سِلاح العاجِز؛ ولهذا قال فِرعونُ لمُوسى ﵊: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وقال أبو إبراهيمَ (آزرُ) ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦].
فالسَّجْن والقَتْل والاغتِيال والسَّبُّ والشَّتْم كله سِلاح العاجِز؛ لأنَّ القادِر على دَفْع الحُجَّة هو الذي يَدفَع الحُجَّة بمِثْلها بحُجَّة، أمَّا أن يَستَعمِل سُلْطته فهذا يَدُلُّ على عَجْزه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ لأنَّ الفاء للسَّبَبية،
стр. 75
وإثبات الأسباب حَقٌّ، وهو مُقتَضى حِكْمة الله أن كل شيء له سبَب، فالإنسان لا يُولَد له مثَلًا إلَّا بسبَب إذا تَزوَّج وجامَعَ وأَنزَل وُلد له، فالله قَرَن المُسبَّبات بأَسْبابها، وهو مُقتَضى الحِكْمة.
والناس في الأسباب ثلاثة أقسام: طرَفان ووسَط.
فقِسْم أَنكَر الأسباب، وقال لا تَأثيرَ لها، وما يَحصُل بالسبَب فإنه حاصِل عِنده لا به، والسَّبَب أَمَارة على حُلول وقت الحادِث، وعَلامة فقَطْ على حُصول الحادِث، أو على حُلول وقته، فانكِسار الزُّجاجة بالحَجْر إذا أُرسِل عليها ليس هو الذي كسَرَها، لكن الله قدَّر انكِسارها عند وجود الصَّدْمة فقَطْ وليس للحجَر أيُّ تَأثير! فالأشياء تَحصُل عند الأسباب بغَيْر الأسباب، لكن السبَب جعَله الله أَمارة وعَلامة على حُلول وقت الحادِث؛ ولهذا يَقولون: لو أنَّ أحَدًا أَثبَت تأثير الأسباب لكان مُشرِكًا؛ لأنه أَثبَت مع الله خالِقًا فاعِلًا.
والقِسْم الثاني، الطرَف الثاني يَقول: بل الأَسْباب ثابِت تَأْثيرها، وهي مُؤثِّرة بنَفْسها؛ لأنها هي القُوَّة الفاعِلة، ولا عَلاقةَ لله بها، وهذا يُشبِه مَذهَب القدَرية وهو قول الفَلاسِفة، يَقولون: هكذا المَسأَلة طبائِعُ، من طَبيعة هذا الشيءِ أن يَحدُث به هذا الشيءُ، وهذا لا شَكَّ أنه خطَأ، وأنه نَوْع من الشِّرْك.
والقِسْم الثالِث: وسَط يَقول: إن للأَسباب تَأثيرًا، ولكن لا بنَفْسها، بل بما أَودَع الله فيها من القُوَّة المُؤثِّرة، وهذا الذي دَلَّ عليه المَنقول والمَعقول وهو الحَقُّ.
والرَّدُّ على الطبائِعِيِّين الذين يَقولون: إن الأسباب مُؤثِّرة بطَبيعتها أن الله تعالى قال لنار إبراهيمَ، وهي محُرِقة، قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت بَرْدًا وسَلامًا، فخرَجت عن طبيعتها.
стр. 76
إِذَنْ: ليسَت الطبائِع قُوَّة مُؤثِّرةً بنفسها، ولكن بما أَودعَ الله فيها من القُوى المُؤثِّرة، والأدِلَّة على تَأثير الأسباب أكثَرُ من أن تُحصَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨] ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، والأَعْمال الصالحِة سبَب للفَوْز، والأعمال السَّيِّئة سبَب للخُسْران وهكذا، فالأسباب ثابِتة شَرْعًا ولا شكَّ في الأمور الحِسِّيَّة والأمور الشرعية، فالآية التي معَنا: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ تُفيد إثبات الأَسْباب وتَأثير ها، ولكن بأَمْر الله .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَحريم المُجادَلة بالباطِل لإِدْحاض الحقِّ، لقوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥].
ويَتفَرَّع على هذا: أن هذه العادةَ من عادات المُكذِّبين للرُّسُل، ومن المُجادَلة بالباطِل لإِدْحاض الحقِّ أن يُجادِل الإنسان للانتِصار لقوله، وهذا يَقَع كثيرًا في المُتفَقِّهة والمُتكلِّمة وغيرهم، يُجادِلون بالباطِل من أَجْل الانتِصار للقول، كما قال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦]، فمَن جادَل من أَجْل أن يَنصُر قوله لا أن يَنصُر الحقَّ ففيه شبَه من المُكذِّبين للرُّسُل الذين يُجادِلون بالباطِل ليُدحِضوا به الحقَّ.
ثُمَّ إن فيه - أي في الذي يُجادِل لنَصْر قوله فقط - أنه قد عرَّض نفسَه لأمر عظيم جِدًّا، وهو قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠]، فإنَّ الإنسان إذا جادَل لنُصْرة قوله فإنه يَكون لم يُؤمِن به أوَّل مرَّة، وحينَئِذٍ يُبتَلى بهذه العاهةِ العَظيمةِ أن الله يُقلِّب فُؤادَه وبصَره حتى لا يُبصِر الْحَقَّ، ولا يَعِيَ الحقَّ ويَكتُم الحقَّ؛ لأنه لم يُؤمِن به أوَّلَ مرَّة.
والواجِب على المُؤمِن قَبول الحقِّ من أوَّل مرَّة، لا يَترَدَّد في قَبوله، كما كان
стр. 77
الصَّحابة ﵃ يَفعَلون ذلك إذا قال النَّبيُّ ﷺ هذا حرام؛ امتَثَلوا، وكفُّوا عنه فِعْلًا في الحال، وإذا أَمَرَهم ابتَدَروا أَمْره، وهذا شيءٌ له شَواهِدُ كَثيرة وبذلِك حقَّقوا الإيمان عَقيدة وقَوْلًا، وعمَلًا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيانُ شِدَّة عِقاب الله؛ لقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾؛ أي: ما أَعظَمَه! وما أَشدَّه! وما أَحسَنَه؛ لأنه وقَع مَوقِعه! .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه يُخشَى من مُعاجَلة العُقوبة؛ لأنَّ العُقوبة جاءَت بالفاء: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، ولأن المُسبَّب يَكون بعد السبَب مُباشَرة، فالإنسان العاصِي عليه الخطَر من مُعاجَلة الله له بالعُقوبة.
* * *
стр. 78
الآية (٦)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦].
* * *
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: أي مِثْل ذلك الأَمْرِ، وهو وُقوع العِقاب، ﴿حَقَّتْ﴾ وجَبَت ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
قال المفَسِّر ﵀: [أي: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] الآيةَ، ، ففسَّر كلمة الله بذلِك، ولكنَّ في هذا نظَرًا واضِحًا؛ لأن الله يَقول: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ هذه الكلِمةُ، وهي قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: حَقَّت كلِمة ربِّك التي ثبَتَت أزَلًا أن هؤلاءِ أصحابُ النار.
وقوله: ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وجَبَت عليهم، والكلِمة هي قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، ولهذا قال المفَسِّر إنها: [بدَل من ﴿كَلِمَتُ﴾]، وإذا كانت بدَلًا من ﴿كَلِمَتُ﴾ كيف نَقول: إن الكلِمة هي قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، إذا كانت هي البدَلَ، فابنُ مالِكٍ يَقولُ:
التَّابِعُ المَقْصُودُ بِالحُكْمِ بِلَا ... وَاسِطَةٍ هُوَ المُسَمَّى بَدَلَا (١)
стр. 79
فقوله: "التابِعُ المَقصود بالحُكْم بلا واسِطة" هذا البدَلُ.
إِذَنْ: فالمَقصود بالحُكْم المَقْصود بقوله: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هو قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ وإذا وَجَدْت في القرآن أصحاب النار فالمُراد بها أصحابها المُخلَّدون؛ لأن الصُّحْبة تَقتَضي المُلازَمة، ولا يُمكِن أن تَكُون أصحاب النار لمَن تُوعِّدوا بدُخول النار، ثُم يُخرَجون منها، إنما تَكُون لمَن هم أَهْل النار الذين هم أَهْلها وأَصحابُها.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات تَقدير الله الأَشياءَ، أي: إثبات أن الأشياء قد كُتِبَت من قبلُ؛ لقوله: ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، وهذا لا يُنافِي إرسال الرُّسُل، ولا يُنافِي الأمر بما أَمَر به، ولا النَّهيَ عمَّا نَهَى الله عنه؛ لأن الله تعالى أَعطَى الإنسان عَقْلًا ورُشْدًا وبَصيرةً يَعرِف كيف يَتصرَّف، فإذا أُرسِلت الرُّسُل مع الفِطْرة الأُولى ثُم عانَد فقَدْ قامت عليه الحُجَّة.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات الكَلام لله ؛ لقوله: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، ومن عَقيدة أهل السُّنَّة والجَماعة: أن الله تعالى يَتكَلَّم بكلام مَسموع وبحَرْف، يَعنِي أنه يُسمَع ويُفهَم بحُروف مُرتَّبة، فقوله جَلَّ وَعَلَا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، نَعلَم أن الهَمْزة قبل اللَّام، واللَّام قبل الحاء، والحاء قبل الميم، والميم قبل الدال، وهكذا، حُروف مُرتَّبة لم تَأتِ جُملة واحِدة، وإذا كانت مُرتَّبة لزِمَ من ذلك حُدوث الكلِمات؛ لأن ما بعد الأوَّل واقِع بعده فيَكون بهذا دَليلًا على حُدوث كلام الله ، وليس المُراد أصلَ الصِّفة؛ لأن أصل الصِّفة أزَليٌّ لم يمُن حادِثة من قبلُ، فإن الله لم يَزَل بصِفاته، لم يَزَل عليمًا، لم يَزَل مُتكلِّمًا، لم يَزَل سميعًا، لم يَزَل قَديرًا، لكن الصِّفة قد تَحدُث شيئًا فشيئًا باعتِبار آحادها وأفرادها.
стр. 80
أمَّا ما كانت صِفة مَعنَويَّة فالحُدوث ليس لها، ولكن لمُتعَلَّقها، فسَمْعُ الله لا نَقول: إنه حادِث، لأنه لم يَزَل، لكن الذي يَحدُث هو المَسموع، الكلام يَحدُث لأنه نَوْع من الفِعْل.
وعلى هذا فنَقول: في الآية إثبات الكلام لله تعالى، ومَذهَب أهل السُّنَّة والجماعة أن الله يَتكَلَّم بحَرْف مُرتَّب وصوت مَسموع.
فإذا قال قائِل: لو قلت: إنه بحَرْف مُرتَّب لزِمَ أن يَكون كلامُه مُشابِهًا لكلام المَخلوقين؟
فالجَوابُ: لا يَلزَم؛ لأن الكلام لا يُمكِن أن يَكون كلامًا إلَّا بهذا، لكن صوت الرَّبِّ الذي يُسمَع ليس كأصوات المَخلوقين؛ لأن الصوت هو صِفته، لكن الحُروف صِفة الكلام الذي تَكلَّم به، وهي لا يُمكِن أن تَكون كلامًا إلَّا بتَرتيب بعضُه بعد بعض.
فإن قال قائِل: لماذا لا يَكفُر مَن يَقول: إن القرآن محُدَث؟
فالجوابُ: لا يَكون كُفْرًا لأن لهم تَأويلًا، يَقو لون: محُدَث إِنزالُه، ليس الذِّكْر المُحدَث بل إنزاله، ولا شَكَّ أن هذا إقحام لكلِمة إنزال في غير دليل، مثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] قالوا: المَعنى: وجاء أَمْر رَبِّك، فأَقحَموا أَمْر، فنظَرًا لهذا التَّأويلِ لا نَحكُم بكُفْرهم.
فإن قال قائِل: لا يُنافِي هذا كِتابته في اللَّوْح المَحفوظ؟
فالجَوابُ: لا يُنافِي ذلك؛ لأنه ليس هناك دَليل قَطعيٌّ يَطمَئِن الإنسان إليه بأن القُرآن كُتِب أوَّلًا في اللَّوح المَحفوظ.
стр. 81
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، فإنَّه يُمكِن أن يَكون المُراد به ذِكْر هذا الكِتاب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، ومَعلوم أن زُبُر الأوَّلين ليس فيها القُرآن، وإنما فيها التَّحدُّث عنه وذِكْره، فليس هناك دَليل قَطعيٌّ يَطمَئِن الإنسان إليه بأن القُرآن كُتِب في اللَّوح المَحفوظ، وإذا ثبَت هذا فلا يُنافِي أن يَكون كلام الله تعالى به محُدَثًا بمعنى أنه يَتكَلَّم به ليُلْقيَه على جِبريلَ، وإن كان مَكتوبًا من قبلُ في اللَّوح المَحفوظ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عِناية الله برسوله ﷺ ، وجهُه قوله: ﴿رَبِّكَ﴾، حيث أَضاف إليه الرُّبوبية، وهذه الرُّبوبيةُ خاصَّة؛ لأنَّ رُبوبية الله نَوْعان: عامَّة وخاصَّة، فالعامَّة الشامِلة لكل شيء، والخاصَّة المُختَصَّة بما أُضيفَت له، استَمِع إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]، في هذه رُبوبية عامَّة ورُبوبية خاصَّة، العامَّة ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والخاصَّة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]، الأوَّل: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يَعنِي: مكَّة الذي حرَّمها، رُبوبية خاصَّة، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ هو هذه عامَّة.
إِذَنْ: قوله: ﴿رَبِّكَ﴾ من باب الرُّبوبية الخاصَّة، ولا شَكَّ أن أخصَّ رُبوبية تَكون للمَربوبين هي رُبوبية الرُّسُل، ولا سِيَّما أُولِي العَزْم منهم، وهم خمسة: محُمَّد، إبراهيمُ، مُوسى، عِيسى، نُوح، عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: خُلود الذين كفَروا في النار؛ لقوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾،
стр. 82
وهذا الخلودُ أبَديٌّ، جاء ذلك في آيات ثلاث في القرآن في سورة النِّساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجِنِّ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التَّحذير ممَّا يُوجِب غضَب الله وسخَطه؛ لئَلَّا يَكون الرجُل قد حقَّت عليه كلِمة الله ؛ لأن قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ هو أي: مثل ذلك الذي حصَل لهؤلاءِ المُكذِّبين يُحِقُّ كلمة الله .
* * *
стр. 83
الآية (٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].
* * *
قوله: ﴿الَّذِينَ﴾: مُبتَدَأ مُستَأنَف، ويَجِب الوُقوف على ما قَبْله ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّار﴾؛ لأنَّك لو قُلْت: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ ووصَلْتَ لظَنَّ الظانُّ أنَّ أصحاب النار همُ الذين يَحمِلون العَرْش، وهذا فَساد للمَعنى.
قال ﵀: [﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ مُبتَدَأ]، وجُمْلة ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ خبَر المُبتَدَأ.
قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ العَرْش: هو عَرْش الرحمن ، وهو أَكبَرُ المَخلوقات، وأعظَمُها، وأَوْسَعها، وأَشرَفُها فيما عدا المُكلَّفين، هذا العَرْشُ لا يَعلَم قَدْره إلَّا الله ؛ لأننا لم نُخبَر عن قَدْره، ولا نَعلَم من أيِّ مادَّة هو، أهُوَ من نور أو خشَب أو حَديد؟ لا نَعلَم؛ لأننا لم نُخبَر عن ذلك، ولم نَعلَم عن لونه، ولم نَعلَم عن مَلمَسه، ألَيِّنٌ هو أم قاسٍ؟ كل هذا لا نَعلَمه، إنما نَعلَم أنه عَرْش عَظيم محُيط بالمَخلوقات، استَوَى عليه الربُّ ، وله حَمَلة، والمَشهور أن حمَلته الآنَ أربَعة، وفي يوم القِيامة يَكونون ثَمانية، ومن جُملة حَمَلة العَرْش إسرافيلُ المُوكَّل بالنَّفْخ في الصور، فإنه أحَدُ حمَلة العَرْش.
стр. 84
ونحن لا نَعلَم صِفاتِ هؤلاء الذين يَحمِلون العَرش، لكن نَعلَم أنهم مَلائِكة، أمَّا كيف هم فإن ذلك مَوْقوف على ما جاء به السَّمْع.
﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ (من) مَعطوفة على ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ أي: والذين حولَه.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ عَطْف عليه] على المُبتَدَأ؛ لأنَّ المفَسِّر قال: [مُبتَدَأ ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ عَطْف عليه، أي: على المُبتَدَأ، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿يُسَبِّحُونَ﴾ خبَرُه] خبَرُ المُبتَدَأ وما عُطِف عليه، يَعنِي: حَمَلة العَرْش والذين حول العَرْش يُسبِّحون بحمد الله، والتَّسبيح تَنزيهُ الله عمَّا لا يَليق به من نَقْص أو مُماثَلة للمَخلوقين.
والباء في قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ للمُلابَسة؛ أي: تسبيحًا مَمزوجًا بالحمْد، فهُمْ مُسبِّحون حامِدون. قال المفَسِّر ﵀: [أي: يَقولون: سُبحان الله وبحَمْده]، وقد بيَّن الله أنَّ ذلك دائِم مُستَمِرٌّ، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، أمَّا ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨].
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تعالى ببَصائرهم. أي: يُصدِّقون بوَحْدانيَّته، الإيمان في اللُّغة الإقرارُ بالشيء.
وأقول: بل الإقرار بالقَلْب واللِّسان وليس هو مجُرَّد التَّصديق فقط، قد لا يُعرَض على الإنسان شيء فيُؤمِن به، كما إذا شاهَد شيئًا بعَيْنه فإنَّه يُؤمِن به وإن لم يُعرَض عليه، والقول بأنَّه في اللغة التَّصديق. فيه نظَر؛ لأنَّ تَفسير الشيء بالشيء
стр. 85
يَلزَم أن يَكون مُطابِقًا له، ومن المَعلوم أنك تَقول: آمَنْتُ به. وتَقول: صدَّقْت به. وتَقول: آمَنْت له. وتَقول: صدَّقْت له. وتَقول: صدَّقْته. ولا تَقول: آمَنْتُه. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الإيمان ليس هو التَّصديقَ.
وقد نبَّه على ذلك شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ ﵀ في كِتابه (الإيمان)، فقال: "إن الإيمان بمَعنى التَّصديق ليس بصَحيح" (١) وإن كان قد يَأتِي بمَعناه، ولكنْ حقيقتُه أنه ليس إيَّاه، فهو إقرار بالقَلْب، ونُطْق باللِّسان.
وقوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: يُؤمِنون بوُجوده ووَحْدانيته، وبكل ما يَستَحِقّه من أسماء وصِفات وغيرها إيمانًا كامِلًا، والإيمان بالله يَتَضمَّن: الإيمان بوُجوده، ورُبوبيته، وأُلوهِيَّته، وأسمائه، وصِفاته، وانفِراده بذلك.
وقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يَطلُبون المَغفِرة للذين آمَنوا، وقد تقدَّم مِرارًا أن المَغفِرة هي سَتْر الذَّنْب والتَّجاوُز عنه.
وقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ﴾ جُمْلة ﴿رَبَّنَا﴾ مَقول لقَوْل محَذوف فسَّره المفَسِّر بقوله: [يَقولون ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾] ربَّنا" أي: يا ربَّنا، وحُذِفَت منه (يا) النِّداء لكَثْرة الاستِعْمال وتَيمُّنًا بالبَداءة باسم الله ، أو بوَصْفه بالربوبية.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: وسِعَتْ رحمتُك كلَّ شيء وعِلْمك كلَّ شيء]، فمَعنى ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أحَطْتَ به رحمةً، وأَحَطْتَ به علمًا، فما بلَغه عِلْم الله بلَغَتْه رحمَته، ولكن الرحمة إمَّا عامَّة، وإمَّا خاصَّة كما سيَأتي في الفَوائِد إن شاءَ الله.
стр. 86
وجُمْلة ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ هي عِبارة عن تَوسُّل؛ أي: تَوسَّلوا بسَعة عِلْم الله ورحمته إلى مَطلوبهم.
يَقول المفَسِّر ﵀: [﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ من الشِّرْك]، ورجَعوا إلى الله تعالى بالتَّوْحيد والإخلاص، ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾؛ أي: طَريقك، وهو دِين الإسلام، سَواءٌ كان إسلام محُمَّد ﷺ ، أو إسلام من قَبْله؛ لأن هذا الدُّعاءَ عامٌّ لكُلِّ المُؤمِنين، فقَوْل المفَسِّر ﵀: [دين الإسلام] يُريد به الإسلام العامَّ، فالذين اتَّبَعوا الرسُل السابِقين مُسلِمون والذين اتَّبَعوا محُمَّدًا ﷺ مُسلِمون، لكن لا إسلامَ بعدَ محُمَّد ﷺ إلَّا باتِّباع دِينه.
وهنا قال: ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ وفي آية أُخرى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، فأَضاف السبيل إلى المُؤمِنين، وكذلك الصِّراط يُضيفه تعالى أحيانًا لنفسه مثل قوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأَحيانًا للمُؤمِنين مثل: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، ، فالجمعُ بينهما أن الله أَضاف السبيل أو الصِّراط إليه باعتِبارين:
الاعتِبار الأوَّل: أنه هو الذي وضَعَه لعِباده يَسيرون عليه.
والاعتِبار الثاني: أنه مُوصِل إلى الله ، فمَن سلَكَه أَوْصَله إلى ربِّه.
أمَّا إضافتُه للمُؤمِنين في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أو للذين أَنعَم عليهم في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ فلأَنَّهم سالِكوه، فأُضيف إليهم باعتِبار سُلوكهم إيَّاه، وحينَئذٍ ليس بين الآياتِ تَعارُض.
قوله: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أي: اجعَلْ لهم وِقاية من عذاب الجَحيم وهو عذاب النار، كما فسَّر بذلك المفَسِّر.
стр. 87
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات العَرْش، وقد تَكرَّر ذِكْره في القرآن الكَريم في آياتٍ عَديدة، ووَصْفه بأنه كَريم، وبأنه عَظيم، وبأنه مَجيد.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات أنَّ لهذا العَرْشِ حَمَلةً؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ [غافر: ٧]، وإثبات الحمَلة له مع قُدْرة الله على إِمْساكه بدون حمَلة إشعار بتَعْظيمه، وأنه عَظيم مُعتَنًى به؛ ولهذا نَجِد أن الله قال في السَّموات بغير عمَد، ولم يَذكُر لها حمَلة، والعَرْش ذكَر له حمَلة مع أن الذي أَمسَك السَّمواتِ والأرضَ أن تَزولا قادِر على إمساك العَرْش بلا حمَلةٍ، لكن هذا من باب التَّعظيم والتَّنويه بشَرَفه وعظَمته.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن حول هذا العَرْش مَلائِكةً، وأنهم كَثيرون، ربما نَستَفيد كَثْرتهم من قوله: (وَمَن حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧]، كأنَّ كل الذي حول العَرْش، ثُمَّ مَن الذي حَوْل العرش هل يُقدَّر بمَسافة عشَرة أمتار، أو عِشرين مترًا، أو مئة متر، أو أَلْف متر؟ يُقال: الحَوْل في كل مكان بحسَبه، فعِندنا مثَلًا الأرض صَغيرة بالنِّسبة للعَرْش، والذي حَوْل الإنسان فيها لا يَتَجاوَز عشَرة أمتار، ربما نَقول: مَن حَوْلك هو الذي يَسمَع كلامك المُعتاد، لكن مَن حول العَرْش، لا نَعلَم! قد تَكون مِساحاتٍ كبيرةً لا يَعلَمها إلَّا الله.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَعظيم هؤلاء الذين يَحمِلون العَرْش، والذين حول العَرْش، للربِّ ؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَنزيهُ الله عن كل نَقْص، وعن مُماثَلة المَخلوقين؛ فإن قيل: مُماثَلة المَخلوقين من النَّقْص، فلماذا نَقول: وعن مُماثَلة المَخلوقين؟ أفلا يَجدُر بنا أن نَقتَصِر على قولنا: تَنزيهُ الله عن النَّقْص؟
стр. 88
نَقول: لا، مُرادُنا بـ "التَّنزيه عن النَّقْص": أنَّ صِفاتِه الكامِلةَ مُنزَّهة عن النَّقْص، فقوَّتُه لا يَعتَريها نَقْص ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]، وعِلْمه لا يَعتَريه نَقْص ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ أي: لا يَجهَل ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، فمُرادُنا بالنقص أن كَماله لا يَعتَريه النَّقْص، وأمَّا نفيُ المُماثَلة؛ فلأَنَّ الله نصَّ على نفيها، فيَنبَغي أن نَتَّبع في ذلك القُرآنِ أن نَقول: مُنزَّهٌ عن مُماثَلة المَخلوقين.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وَصْف الله بالكَمال والإفضال؛ لقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾؛ لأن الحَمْد وَصْف المحمود بالكَمال والإفضال؛ لأن الله يُحمَد على كَماله، مثل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وكذلك مِثْل قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١]، كل هذا حَمْد على الكَمال، ويُحمَد على إِفْضاله؛ لقول النبيِّ ﷺ : "إِنَّ الله لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكلُ الْاكلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا" (١) هذا حمد على الإِفْضال.
إِذَن: يُستَفاد كَمال الله وإفضاله؛ لقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن كَمال الكَمال بنَفْي النَّقْص، أو بالجمع بين نَفْي النَّقْص وإثبات الكَمال، فكَمال الكَمال أن تَجمَع بين النَّفيِ والإثبات في الكَمال، يُؤخَذ من قوله: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ هذا نَفيُ النَّقائِص، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ إثبات.
إِذَنْ: كَمال الكَمال بالجمْع بين النَّفيِ والإثبات.
стр. 89
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فَضيلة المَلائِكة الذين يَحمِلون العَرْش ومَن حَولَه، تُؤخَذ من إضافة الرُّبوبية إليهم على وَجْه، فإن هذه من الرُّبوبية الخاصَّة ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، وإضافة الربوبية إليهم من عِدَّة وُجوهٍ: منها اختِصاص الله لهم بحَمْل العَرْش، تَسبيحهم بحَمْد الله.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ المَلائِكة مُكلَّفون؛ لقوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ووَجهُ الدَّلالة أنَّهم لولا أنهم مُكلَّفون قاموا بما كُلِّفوا به لم يَكونوا مُستَحِقِّين للثَّناء بالإيمان، لو كان هذا من طَبيعتهم وسَجيَّتهم لم يَكُن للثَّناء عليهم بذلك كبير فائِدة، ويَدُلُّ على أنَّهم مُكلَّفون قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]، ولا شَكَّ أن كل عِباد الله الذين لهم فَهْم وعَقْل لا بُدَّ أن يَكونوا مُكلَّفين.
فائدة: نُزول المَلائِكة في بدرٍ تَثْبيت لقُلوب المُؤمنين، ومُشارَكة لهم في هذا، من باب التَّأييد للمُؤمِنين ونُصرة الحَقِّ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]، ومن المعلوم أيضًا أنَّ الله لو قال لهَؤلاء الكُفَّار: كونوا أَمْواتًا. لماتوا. المَسأَلة ليس مَعناها من باب العَجْز أو القُدْرة.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَسخير الله للمُؤمِنين أن تَستَغفِر لهم المَلائِكة، وليس المَلائِكة مُطلَقًا، بلِ المَلائِكة المُقرَّبون؛ لقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧].
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الحَثُّ على الإيمان حتى تَدخُل في ضِمْن مَن تَستَغفِر لهم المَلائِكة، والإيمان كلُّه خير وسُرور ونعْمة في القلب، ونعمة في البدَن، حتى البلاء الذي يُصيب المُؤمِن هو له خَيْر؛ فلِهذا نقول: احْرِص على تَحقيق إيمانك بفِعْل الوسائِل التي تُنمِّي هذا الإيمانَ وتُغذِّيه وتُقوِّيه.
стр. 90
الْفَائِدَةُ الثَانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّوسُّل إلى الله بصِفاته، كما يُتوسَّل إليه بأسمائه، فهنا تَوسَّل المَلائِكة إلى الله بالرُّبوبية في قولهم: (﴿رَبَّنَا﴾ وتَوسَّلوا إليه بسَعة الرحمة ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً﴾، وبسَعة العِلْم ﴿وَعِلْمًا﴾، والتَّوسُّل إلى الله تعالى بصِفاته من أسباب إجابة الدُّعاء، كالتَّوسُّل إليه بأسمائه.
وهنا يَجدُر بنا أن نَتعَرَّض لمَعنى الوَسيلة وحُكْمها:
فالوَسيلة فِعْل ما يُوصِّل إلى المَقصود يُسمَّى وَسيلة، وربما نَقول: إنه تَناوَبَت فيه السين والصاد، وأن أَصْل الوَسيلة يَعنِي: الوَصيلة، وَصيلة بمعنى مُوصِلة، فهي فَعيل بمعنى مُفعِل.
والوسائِل لا بُدَّ أن تَكون مَعلومة: إمَّا بالشَرْع، وإمَّا بالحِسِّ، وإنَّما قُلتُ ذلك لدَفْع الوسائل المَوْهومة؛ كالذين يُعلِّقون على صدورهم أَشياءَ لم يَثبُت شَرْعًا ولا حِسًّا أنها مُفيدة، لكن على سبيل الوَهْم، أو الذين يُعلِّقون نُحاسًا أو خُيوطًا، أو ما أَشبَه ذلك، هذه وَسائِلُ للشِّفاء ادعوها، ولكنها حقيقة ليست وَسيلةً؛ لانتِفاء ثُبوت ذلك شَرْعًا وحِسًّا.
وإذا كانت الوَسيلة هي فِعْلَ ما يُوصِل إلى الشيء فالعِلْم بإيصال هذا إلى المَقصود - العِلْم بكونه مُوصِلًا - يَأتِي عن طريق الشرع، أو عن طريق الحِسِّ، فكون العسَل شِفاء وتَناوُله وَسيلة للشِّفاء، هذا علِمناه بطريق شَرعي، وربما حِسِّيٍّ أيضًا بعد التَّجرِبة، وكون السَّنَا محُرِّكًا للبطن مُسهِلًا له هذه وَسيلة حِسِّية، والسَّنَا باللغة العامِّية يُسمَّى السَّناوين، وهو أوراق شجَر مَعروف يُخمَّر بالاء ثُم يُشرَب على الرِّيق، فإذا شرِبه الإنسان على الرِّيق فإنه يُسهِله ويُنظِّف بَطْنه، وكان الناس يَستَعمِلونه كثيرًا قبل أن تَأتِيَ هذه الأَدْويةُ، يُسمَّى سنا مَكَّةَ، وله أسماءٌ مُخْتَلِفة.
стр. 91
فالوَسيلة إِذَن هي فِعْل ما يُوصِل إلى المقصود، والعِلْم بإيصاله إلى المَقْصود، يَأتِي عن طريق الشَّرْع وعن طريق الحِسِّ.
والوَسائِل هي التَّوسُّل إلى الله تعالى بإجابة الدُّعاء، أن تَفعَل شيئًا يُوصِل إلى الإِجابة، ولا طريقَ لنا إلى العِلْم بإيصاله الإجابة إلَّا عن طَريق الشرع.
إِذَنْ: نَنظُر التَّوسُّل إلى الله تعالى بأسمائه، هذا القِسْمُ الأوَّلُ، ودَليله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فتَقول: اللهُمَّ يا غَفورُ يا رحيمُ اغفِرْ لي وارْحَمْني. هذا تَوسُّل إلى الله بأسمائه.
الثاني: التَّوسُّل إلى الله بصِفاته، ومنه قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَيكَ عَلَى الخَلْقِ أَحْيِني إِذَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْرًا لِي" (١) تَوسُّل بـ "عِلْمِكَ الْغَيْبَ" والعِلْم صفة "وَقُدْرَتكَ عَلَى الخَلْقِ" والقُدرة صِفة، فتَقول: "اللهُمَّ بعِلْمِكَ الغَيْبَ وقُدْرَتك عَلَى الخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْرًا لِي ... " إلى آخرَه.
القِسْم الثالِث: التَّوسُّل إلى الله بأَفْعاله، ومنه قوله تعالى عن مُوسى ﵊: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، إن جعَلنا قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ من باب الدُّعاء، وإن جعَلْناها من باب الالتِزام لم تَكُن من هذا البابِ.
ولكن من هذا البابِ قولُه ﵊ وهو يُعلِّمنا كيف نُصلِّي عليه: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ" (٢) فالكاف هنا ليسَت للتَّشبيه، الكاف للتَّعليل، يَعنِي: صلِّ على محُمَّد وآل محُمَّد؛
стр. 92
لأنك صلَّيْت على إبراهيمَ، فتَوسَّل إلى الله بفِعْله، يَعنِي: كما منَنْت أوَّلًا على إبراهيمَ وآله فامنُنْ ثانيًا على محُمَّد وآله.
القِسْم الرابع: التَّوسُّل إلى الله تعالى بالإيمان بالله، وهذا من فِعْلك أنت، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ هذه الوَسيلةُ ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾؛ أي: بسبَب ذلك اغفِرْ لنا ﴿ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، هذا تَوسُّل إلى الله بالإيمان به.
القِسْم الخامِس: التَّوسُّل إلى الله بالعمَل الصالِح، لأنَّ العمَل الصالِح سبَب للمَثوبة، ومن المَثوبة حُصول ما دعَوْت به، ودليلُه: قِصَّة أصحاب الغار التي حدَّثَنا بها رسولُ الله ﷺ (١)، أصحاب الغار ثلاثة، آواهُمُ المَبيت الليل، فلَجَؤُوا إلى غار فدخَلوا به، فتَدحْرَجت عليهم صَخْرة عظيمة من الجَبَل فسَدَّت عليهم بابَ الغار، ولم يَستَطيعوا أن يُزَحْزِحوها ولا مُغيثَ لهم إلَّا الله، ليس حولهم بشَر، فتَوسَّلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحِة، أحدُهم تَوسَّل إلى الله ببِرِّ والِدَيْه، والثاني تَوسَّل إلى الله بالعِفَّة التامَّة، والثالِث تَوسَّل إلى الله بالأمانة التامَّة، فبِرُّ الوالدين عمَل صالِح، والعِفَّة عمَل صالِح، والأمانة وأداء الأمانة عمَل صالِح، فلمَّا تَوسَّل الأوَّل منهم انفَرَجَت الصَّخْرة، لكن لا يَستَطيعون الخُروج، تَوسَّل الثاني فانفَرَجَت الصخرة، ولكن لا يَستَطيعون الخُروج، تَوسَّل الثالِث فانفَرَجَت الصخرة مرَّة واحِدة، فخرَجوا يَمشون.
هذا التَّوسُّل إلى الله بالعمَل الصالِح.
стр. 93
السادِس: التَّوسُّل إلى الله بحال الشخص، تَتَوسَّل إلى الله تعالى بذِكْر حالِكَ، أنك فَقير، محُتاج إلى الله، مَريض، وما أَشبَهَ ذلك، ومنه قول موسى ﵊ دليله - وإن شِئْت قلتَ: مثل؛ لأن هذا يَصلُح دليلًا وتمَثيلًا -: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، لمَّا سقَى للمَرْأَتين تَولَّى إلى الظِّلِّ؛ ليَستَظِلَّ به فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ لم يَقُل: أَعطِني، لكن تَوسَّل إلى الله بحاله؛ لأنَّ قول القائِل: أنا فَقير، أنا محُتاج، أنا مَسَّنِي الضُّرُّ. وما أَشبَه ذلك يَعنِي: فأَعطِني، اشفِنِي، وقد جمَع أَيُّوبُ ﵊ بين ذِكْر الحال والتَّوسُّل بالأسماء فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، الأوَّلُ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ ذِكْر الحال، والثاني بالأَسْماء.
السابِع من التَّوسُّل الجائِز: التَّوسُّل إلى الله بدُعاء مَن تُرجَى إجابتُه، ومنه تَوسُّل الصحابة ﵁ إلى النَّبيِّ ﷺ أن يَدعوَ الله لهم، مثل: الاستِسْقاء، والاستِصْحاء، وغير ذلك كثير.
ومن ذلك تَوسُّل الناس عمومًا يوم القِيامة بشفاعة النَّبيِّ ﷺ إلى الله أن يَقْضِيَ بينهم. هذه سَبْعة.
وقولنا: "التَّوسُّل إلى الله بمَن تُرجَى إجابتُه" يُستَفاد منه أن التَّوسُّل إلى الله تعالى بمَن لا تُرجَى إجابته لا يَجوز؛ لأنَّ هذا استِهْزاء بالله، لو أَنَّك أَتَيْت بصاحب رِبًا يَأكُل الرِّبا، وَيأكُل المال بالظُّلْم والغِشِّ والكذِب وقلت: ادْعُ الله لي. فإن هذا لا يَجوز؛ لأَنَّك تَوسَّلْت إلى الله بمَن تَبعُد إجابتُه، فإن النبيَّ ﷺ ذكَر الرجُل يُطيل السفَر أشعَثَ أَغبَرَ يَمُدُّ يديه إلى السماء يا رَبِّ يا رَبِّ، ومَلبَسُه حرام، ومَطعَمه حرام،
стр. 94
وغُذِّيَ بالحَرام قال: "فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" (١) وهو سُخرية، لو أنك أَتَيْت بشَخْص - ولله المثل الأعلى - ليَتوجَّه لك إلى ملِك كان الملِك يُبغِض هذا الشَّخْص ويُبعِده، يَكون هذا استِهْزاء بالمَلِك واستِهْتارًا به، كلُّنا يَعرِف هذا، فلا يَجوز أن تَتوَسَّل إلى الله تعالى بدُعاء مَن لا تُرجَى إجابتُه، لأن هذا من باب السُّخرية بالله ، هذه سَبْعة أقسام من التَّوسُّل الجائِز.
فائدة: الوَسائِل ليسَت هي الوَسائِطَ، الوسائِلُ ليس فيها وسائِطُ إلَّا السابِعة، وهي التَّوسُّل إلى الله بدُعاء مَن تُرجَى إجابتُه.
وإن قيل: لماذا أَخرَج العُلَماء التَّوسُّل إلى الله بالعمَل الصالِح عن التَّوسُّل بالإيمان؟
فالجوابُ: لأن الإيمان بالقَلْب، والعمَل الصالِح بالجَوارِح، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦]، فالإيمان بالقَلْب، والعمَل الصالِح بالجوارِح، ولكن العمَل الصالِح من الإيمان.
فإن قال قائِل: أيَجوز أن أَتوَسَّل بمَحبَّة الرسول، فأَقول: اللَّهُمَّ بمَحبَّتي لرَسولِك؟
فالجواب: يَجوز، لأن محَبَّة الرَّسول لا شَكَّ أنه عمَل صالِح، فإن من أَفضَل الأعمال محَبَّة الرسول ﷺ ، بل لا يُؤمِن الإنسان حتى يَكون رَسولُ الله ﷺ أحَبَّ إليه من نَفْسه وولَده ووالِده والناس أَجْمعين.
стр. 95
فإن قال قائِل: ما حُكْم التَّوسُّل إلى الله بمَحبَّة الصالحِين والعُلَماء؟
فالجوابُ: مَحبَّة الصالحِين والعُلماء هي عِبادة تُقرِّب إلى الله.
إِذَنْ: هي عمَل صالِح تَدخُل في التَّوسُّل إلى الله بالعمَل الصالِح.
فإن قال قائِل: ما حُكْم تَخصيص العالِم بعَيْنه؟
فالجوابُ: الأحسَنُ ألَّا تُخصِّص؛ لأن العالِم بعَيْنه - نَسأَل الله تعالى أن يَحمِيَنا وإيَّاكم، ويَجعَل ظواهِرنا كبواطِننا، أو بواطِننا خيرًا منها - لا تَدرِي حقيقته، قد تَغتَرُّ بإنسان، ولكن لا يَكون على ما تَظُنُّ، لكن عمِّمِ: اللَّهُمَّ بحُبِّي لعلماء الشَّرْع احشُرْني معهم، بحُبِّي للصالحِين اجعَلْني معَهم. وما أَشبَه ذلك.
أمَّا التَّوسُّل المَمنوع: كأن يَتوَسَّل إلى الله بما ليس بوَسيلة، مثل: تَوسُّل المُشرِكين بأَصْنامهم، حيث يَقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهذا لا يَنفَع.
ومن ذلك التَّوسُّلُ إلى الله بجاهِ الرسول ﷺ ، فهذا لا يَجوز، لأَنَّه تَوسُّل بما ليس بوَسيلة، فلا تَستَفيد من جاهِ الرَّسول عند الله شيئًا، لأن جاهَ الرسول عند الله إنَّما يَنفَع الرَّسول فقَطْ لا عَلاقةَ لي به، فلِذلك يَكون التَّوسُّل بجاه الرسول ﷺ ممنوعًا محُرَّمًا، أوَّلًا: لأنه لم يَرِد، والثاني: لأنه ليس بوَسيلة، إذ إن الوَسيلة هي فِعْل ما يُوصِّل إلى المَقصود، وأي ارتباط بين جاه الرَّسول عند الله وبين مَطلوبك؟ !
فصار التَّوسُّل المَمنوع شيئين:
الأوَّل: التَّوسُّل الشِّرْكيُّ: تَوسُّل المُشرِكين بآلهِتَهم لتَقرُّبهم إلى الله، فإن هذا لا شَكَّ أنه وَسيلة غيرُ صحيحة، وأنها باطِلة، على أن تَسميتنا إيَّاها وَسيلة إنما نُريد
стр. 96
مَن لا يَعبُد الأصنام، أمَّا مَن يَعبُد الأصنام فإنه مُشرِك ولم يَتوَسَّل إلى الله تعالى بشيء.
والثاني: التَّوسُّل إلى الله تعالى بجاهِ الرَّسول.
فإن قال قائِل: ما هو الضابِط في الفرق بين الوَسيلة الشِّرْكية والوَسيلة البِدْعية؟
فالجوابُ: الوَسيلة البِدْعية هي التي لم تَرِد عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا عن أصحابه، والشِّرْكية هي ما تَتَضمَّن إشراك غير الله مع الله، مع أنَّ البِدْعة تُسمَّى شِرْكًا بالمَعنى العامِّ؛ لأن المُبتَدِع شرَع شرعًا لم يَشرَعه الله، وقد سمَّى الله ذلك شِرْكًا، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، لكن ما كان مَظهَرُه مَظهَرَ الشِّرْك غلِّب عليه اسمَ الشِّرْك، وما كان مَظهَره سِوى ذلك فيُسمَّى بالاسم الذي يَختَصُّ به؛ ولهذا قال بعضُ العُلَماء: إن جميع المَعاصِي شِرْك؛ لأنَّ الإنسان أَشرَك فيها مع الله هَواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣].
فإن قال قائِل: هل يَجوز تَصنيف الشِّرْك يَعنِي: مثَلًا من الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾، نُسجِّل هذا شِرْك الطاعة أو شِرْك الاتِّباع؟
فالجَوابُ: هو شِرْك اتِّباع، أمَّا شِرْك الطاعة هذا شِرْك عِبادة؛ ولهذا من أَحسَن حدود الطاغوت ما قاله ابن القيِّم ﵀: ما تَجاوَز به العبدُ حدَّه من مَعبود، أو مَتبوع، أو مُطاع (١)؛ فالمَعبود: الأصنام، والمَتبوع: العلماء، والمُطاع: الأُمَراء.
وهذا أحسَنُ ما يُقال في حد الطاغوت، لكن باعتِبار الطاغِي، أمَّا باعتِبار المَعبود أو المَتبوع أو المُطاع؛ هؤلاءِ ليسوا طواغيتَ باعتِبار ذواتِهم؛ لأنَّ العالم قد لا يَرضَى بهذا الشيءِ والأمير كذلك، والمَعبود كذلك، لكن باعتِبار الفاعِل هي
стр. 97
طَواغيتُ - باعتِبار الفاعِل يَعنِي: أنه طغَى فيها هي مَحَلُّ طُغيانه - ومَعنى كونِها طواغيتَ أنها مَحلُّ طُغيانه، وليسَت هي طاغِيةً. فعِيسى ابنُ مَريمَ ﵊ مَعبودٌ، لا نَقول: إنه طاغوت، لكنه مَحَلُّ طُغيان الذين عبَدوه، انتَبِهوا لهذه النُّقطةِ؛ لأن بعض الناس استَشكَل كلام ابن القَيِّم، وقال: كيف نَقول هذا الكَلامَ؟ إذن عِيسى طاغوتٌ؛ لأنه مَعبود، فممال: مُرادُه ﵀ أن مَحلَّ الطُّغيان يَكون في المَعبود والمَتْبوع والمُطاع.
فإن قال قائِل: الله يَقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] كيف عُبِد سيِّدُنا عيسى وغيرُه من الصالحِين؟
فالجَوابُ: قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠١].
وعيسى مِمَّن سبَقتْ لهُمُ الحُسنى؛ ولهذا ضرَب الكُفَّار عِيسى مثلًا وقالوا لمَّا نزَلَتِ الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قالوا: إِذَن عِيسى في النار جدَلًا، فأَنزَل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ مثل قوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، قال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، وأَبغَضُ الرِّجالِ إِلَى الله الأَلدُّ الخَصِمُ.
فائدة: الفَترةُ وهي امتِداد بين عِيسى ومحُمَّد ﵊ لحِكْمة؛ وذلك حتى يَعرِف الناس شِدَّة ضَرورتهم إلى الرِّسالة.
стр. 98
مسألةٌ: ذكَر بعض أهل العِلْم أنه من تمَام حُسْن أدَب الإنسان مع الله ، ومع رسوله ﷺ ، ومع صَحابته ومع العُلَماء إذا ذُكِر الله تعالى قال: . والنبيُّ يُصلِّي عليه، والعُلماء يَتَرحَّم عليهم، والصحابة يَترضَّى عليهم، هل هذا على إطلاقه؟ وهل مَن ترَكَه فإنه خَيْر عَظيم؟
الجَوابُ: أمَّا من جهة الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ فإنه لا شَكَّ أنه إذا ذُكِر فإن الإنسان مَأمور بالصلاة عليه، إمَّا وجوبًا، وإمَّا استِحْبابًا، فمِن العُلَماء مَن أَوجَب عليك إذا ذُكِر عندك اسمُ الرسول أن تُصلِّيَ عليه لحديث: "رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ قُلْ: آمِينَ. فَقُلْتُ: آمِينَ" (١).
وأمَّا الله فليس بشَرْط الثَّناء عليه عند ذِكْره، ولهذا دائمًا يَقول الرسول ﷺ قَوْلًا يُسنِده إلى الله ولا يَذكُر وَصْفًا بالعِزَّة، أو الجَلال، أو التَّعالِي، أو التَّبارُك، أحيانًا يَقول وأَحيانًا لا يَقول، فكونُك أحيانًا تَقول وأحيانًا لا تَقول فهذا أحسَنُ.
وكذلك بالنِّسْبة للتَّرَضِّي عن الصحابة، أو التَّرحُّم على مَن بَعدهم، كل هذا لا يُتَّخَذ سُنَّة راتِبة، ولكن إن ذُكِر أحيانًا فهو حسَن، أمَّا اتِّخاذه سُنَّة راتِبة فهو يَحتاج إلى دَليل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بَيان الصِّيغة التي تَقولها المَلائِكة في استِغْفارهم للمُؤمِنين، أنَّهم يَتوسَّلون أوَّلًا، ثُم يَطلُبون ثانيًا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ
стр. 99
لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر: ٧].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: سَعة رحمة الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً﴾.
فإن قال قائِل: كيف يَصِحُّ ذلك وأكثَرُ بني آدَمَ كُفَّار، فأين الرحمة؟
فالجوابُ: هم مَرحومون بالرَّحْمة العامة، فمَن يُخرِج لهم النَّبات، مَن يُنزِل لهم المطَر، مَن يَجعَلهم أصِحَّاءَ، مَن يُمتِّعهم بالسَّمْع والبصَر إلَّا الله، وهذه رحمة، فرَحْمة الله وسِعَت كلَّ شيء.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: سَعة عِلْم الله؛ لقوله: ﴿وَعِلَمًا﴾.
ويَترتَّب على هاتين الفائِدَتَيْن: أنَّ الإنسان مَتى علِمَ ذلك تَعرَّض لرحمة الله؛ لعله يَكون من الداخِلين فيها، وإذا آمَن بسَعة عِلْم الله استَحْيَى من الله أن يَفقِده حيث أمَرَه، أو يَجِده حيث نَهاه، فلو قال لك أَبوك: يا بُنَيَّ لا تَفعَل كذا. فأنت إذا غاب أبوك ولكَ هَوًى فيه تَفعَله لا شكَّ؛ لأنه لا يَعلَم بك، فإذا كان يُشاهِدك لا تَفعَله. فالله لا يَغيب عنك، إِذَنْ لا تَفعَله لا في السِّرِّ ولا في الجهر إذا كان فيما نَهَى الله عنه، ولا تَتْرُكه إذا كان فيما أمَر به، ولهذا نَقول: لا يَفقِدُك الله حيث أمَرَك، ولا يَجِدك حيث نَهاك.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: فَضيلة التَّوْبة؛ حيث علقت المَلائِكَة بطلَب المَغفِرة بها فقالوا: ﴿لِلَّذِينَ تَابُوا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ من تَحقيق التوبة اتِّباعَ سبيل الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾؛ ولهذا نَجِد أنَّ الله تعالى يَقرُن دائِمًا مع التوبة ذِكْر العمَل الصالِح: ﴿إِلَّا مَنْ
стр. 100
تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: فضيلة الإسلام؛ لإِضافته إلى الله .
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: كمال الإسلام بإضافته إلى الله، ففيه الفَضيلة بإضافته إلى الله باعتِباره مُوصِلًا إليه، وفيه الكَمال بإضافته إلى الله باعتِباره واضِعًا له، أنه هو الذي شرَعَه، وهو كامِل، والكامل لا يَشرَع إلَّا كامِلًا.
الْفَائِدَةُ العِشْرُونَ: أنَّ المَلائِكة أكَّدوا المَغفِرة بحصول أثَرِها، وهي قولهم: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، وذلك أنَّ التَّوْبة لا تَكون إلَّا بالوِقاية من الجَحيم، ولكنهم أكَّدوا ذلك لعِظَم هذا العَذابِ - عذاب الجحيم - فنَصُّوا عليه لهذا السبَبِ، وإِلَّا فإنَّ التَّوْبة في الحقيقة والمَغفِرة تُوجِب الوِقاية من عَذاب الجَحيم، ولكن النَّص عليه يَكون في ذلك زيادة على ما يَتَضمَّنه المَعنَى العامُّ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: الرَّدُّ على الجَبْرية، تؤخذ من قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ فأَضاف الاتِّباع إليهم ولو كانوا مجُبَرين على ذلك لم يَصِحَّ أن يُضاف الفِعْل إليهم، ولهذا إذا أُكرِه الإنسان على الكُفْر لا يَكفُر؛ لأن الفِعْل لا يُنسَب إليه حقيقةً فهو مُكرَه عليه، والله أَعلَمُ.
* * *
стр. 101
الآية (٨)
* * *
* اللهُ : ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨].
* * *
قال الله ﵎: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ هذا من جملة دُعاء الذين يَحمِلون العَرْش ومَن حولَه، يَقولون: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ربَّنا؛ أي: يا ربَّنا، وكرَّروا النّداء بالربوبية؛ لأنهم كانوا بالأوَّل يَسأَلون الله المَغفِرة لهم، ووِقاية عَذاب الجَحيم، وهذا من باب التَّخلية؛ أي: السلامة ممَّا يَضُرُّ، أمَّا الثاني: فهو من باب التَّحلية؛ أي: من باب حُصول المَطلوب ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ فتَرَى الجُملة الأُولى من الدُّعاء فيها النَّجاة من المَرهوب، والثانية فيها حُصول المَطلوب، ولهذا كرَّروا قولَهم: ربَّنا.
﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ﴾ وجعَلوا هذه الجُمْلةَ مَعطوفة على ما سبَقَ لا مُستَأْنَفة؛ أي لم يَقولوا: ربَّنا أَدخِلهم. قالوا: وأَدخِلهم؛ لتَحقُّق ما قبلَها؛ لأن العَطْف يَقتَضي ثُبوت المعطوف عليه وكونه أصلًا، فكأنهم قالوا: ربَّنا واجمَعْ لهم مع ما سبَقَ أن تُدخِلَهم جنَّاتِ عَدن.
وقوله: ﴿جَنَّاتِ﴾ جَمعْ جنَّة، والجَنَّة تَأتِي في القُرآن مجموعة وتَأتي مُفرَدة، فباعتِبار الجِنْس هي جَنَّة واحِدة، وباعتِبار الأنواع هي جِنان، ذكَر الله تعالى فيها أربعة
стр. 102
أنْواع في مَوضِع واحِد: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢]، فهي تُجمَع باعتبار الأنواع، وتُفرَد باعتِبار الجِنْس.
والجَنَّة في الأصل البُستان الكثير الأشجار، وسُمِّيَ بذلك؛ لأنه يَجِنُّ مَن فيه. أي: يَستُره لكَثْرة أشجاره. والمُراد بها شَرْعًا دار النَّعيم التي أَعَدَّها الله تعالى لأَوْليائه، فيها ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أذُنٌ سمِعَت، ولا خطَرَ على قَلْب بشَرٍ، وسَقْفها عَرْش الله ، فهم أَقرَب الناس إلى الله.
وقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ العَدْن بمَعنى الإقامة، يُقال: عدن بمَكان، أي: أَقام، ومنه سُمِّي المَعدِن لمَعادِن الأرض؛ لأن المَعدِن مُقيم ثابِت راسِخ في الأرض، فجَنَّات عدن أي: جنَّات إقامة، ووُصفت بذلك؛ لأن أهلَها لا يَبغون عنها حولًا، ولأنها دائِمة أَبَدَ الآبِدين.
وقوله: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ صِفة ﴿جَنَّاتِ﴾، وإنَّما قالوا ذلك اعتِرافًا بفَضْل الله تعالى أوَّلًا وآخِرًا، وتَوسُّلًا إليه بتَحقيق ما طلَبوا؛ لأنَّ الله إذا وعَد شيئًا أَتمَّه، فإنه لا يُخلِف المِيعاد، فصار ذِكْر قول: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ له فائِدتان:
الأُولى: الاعتِراف بفَضْله ؛ حيث وعَدَهم هذه الجَنَّاتِ.
الثانية: التَّوسُّل إلى الله تعالى بإجابة الدُّعاء، كأنهم يَقولون: أَدخِلهم هذا؛ لأنك وعَدْتهم إيَّاه، فيَكون من باب التَّوسُّل بوَعْده إلى تَحقُّق مَوْعوده.
وقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ مَن صلَح يَقول المفَسِّر ﵀: [عَطْف على (هُمْ) في ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ أو في ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾]، فالواو حرف عَطْف، و ﴿وَمَنْ﴾ اسم مَوْصول مَبنيٌّ على السُّكون في مَحَلِّ نَصْب عطفًا على
стр. 103
﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ أو على ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾، والأحسَنُ أن يَكون عطفًا على ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾، فيَكون الدُّعاء بالدُّخول شامِلًا لهم ولمَن صلَح من آبائهم وأزواجهم وذُرِّيَّاتهم.
فقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذا احتِرازٌ جيِّد حيث قالوا: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ ولم يَقولوا: وآبائِهم وأزواجهم وذُرِّيَّاتهم، قالوا: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾؛ لأنهم لو دعَوْا بالعُموم لكان فيه نوع من الاعتِداء في الدُّعاء؛ لأن الاعتِداء في الدُّعاء هو أن يَدعوَ الإنسان بما لا يُمكِن شَرْعًا أو حِسًّا، كل مَن دعا الله تعالى بما لا يُمكِن شَرْعًا أو حِسًّا فإنه مُعتَدٍ في الدعاء، ولو زِدْنا أيضًا أو حِسًّا أو عادة فهو مُعتَدٍ، فلو سأَل الله تعالى أن يُخرِج له ولَدًا من جِدار بيته لكان هذا اعتِداءً في الدُّعاء، ولو سأَل الله تعالى أن يَجعَله نبيًّا لكان هذا اعتِداءً في الدُّعاء؛ لأن ذلك لا يُمكِن شرعًا، ولو سأَل الله أن يَجعَل السَّمواتِ والأرضَ بيَدِه لكان هذا مُعتَديًا في الدُّعاء؛ لأنه لا يُمكِن عَقْلًا، فما لا يُمكِن شرعًا، أو عقلًا، أو عادة، أو حِسًّا؛ فإنه لا يُدعَى الله به؛ لأن هذا اعتِداءٌ في الدُّعاء.
فهنا يَقول الله : ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ لو قالوا: آباءهم لكان فيه نَوْع من الاعتِداء حيث إن آباء هَؤلاءِ قد يَكونون مُشرِكين كُفَّارًا، لا يَستَحِقّون أن يَدخُلوا الجنَّة، فيَقول: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ﴾ جمع زَوْج، ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ جمع ذُرِّيَّة، فذكَروا الأصول والفُروع والمُصاهَرة، الأُصول والفُروع: آباء وذُرِّيَّات، والمُصاهَرة: أزواج.
أمَّا إذَا قالَ القَائِل في دُعائِه: اللهُمَّ اغفِرْ لنا ولآبائنا وذُرَّيَّاتنا وإخواننا، وجَدَّاتنا وأجدادنا، وخالاتِنا وأَخْوالنا، وعمَّاتنا وأعمامنا، والأصول والفُروع والحَواشي، هذا ليس تَكرارًا للدُّعاء، إنما هو تَكرار للمَدعوِّ لهم، وأنت تَرى المَلائِكة الآنَ ما دعَت
стр. 104
إلَّا لثلاثة أصنافٍ فقَطْ: الأصول، والفُروع، والأصهار - الزَّوْجات - لكن لا نَقول في هذا شيئًا، لا نُنكِر عليه، لكن كونه يُطوِّل على الناس بمِثْل هذه الأشياءِ قد يَكون فيه مضَرَّة على الناس وتعَب.
قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ هذه جُمْلة استِئْنافية يُراد بها التَّوسُّل إلى الله تعالى بعِزَّته وحِكْمته أن يُحقِّق هذا الدُّعاءَ أو هذا المَدعوَّ به.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات أن المَلائِكة عِباد مَربوبون؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ﴾ إلى آخِره.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الشيءَ لا يَتِمُّ إلَّا بانتِفاء المُؤذِي وحُصول المَطلوب؛ وجهُ ذلك أنَّهم لمَّا انتَهَوْا من دعاء الله تعالى بانتِفاء المُؤذِي سأَلوا الله تعالى حُصول المَطلوب، وهو إدخال الجنَّات.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الجَنَّاتِ أنواعٌ، نَستَفيد هذا من الجَمْع في قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الجَنَّاتِ دارُ إقامة، لا يَبغِي ساكِنُها تَحوُّلًا عنها، ولا يَلحَقه فَناء؛ لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التَّوسُّل إلى الله تعالى بفِعْله أو قوله؛ لقوله: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ فإنَّ وَعدَه قول، وهَؤلاء المَلائِكة تَوسَّلوا إلى الله بهذا القولِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بيانُ فَضْل الله على أهل الجَنَّة أوَّلًا وآخِرًا: أوَّلًا: حيث وعَدهم الجَنَّة؛ لأن الوعد بالجَنَّة يَقتَضي العمَل لها. وآخرًا: بإدخالهم إيَّاها.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ من تمَام النَّعيم أن يَجمَع الله بين الإنسان وبين قَرابته وزَوْجه؛
стр. 105
لقوله: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ [غافر: ٨] إلى آخِره.
فإن قال قائِل: هل يَلزَم من ذلك أن يَكونوا في درَجة واحِدة؟
قلنا: لا يَلزَم، ولكن الأزواج لا بُدَّ أن يَكونوا في درَجة أزواجهم، والذُّرِّية ذكَر الله في سُورة الطُّور أنهم في درَجة آبائِهم أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].
وهذا يَدُلُّ على أنَّ الذُّرِّيَّة الذين لم يَبلُغوا مَنازِل آبائهم أنَّهم يُرفَعون حتى يَكونوا في مَنازِل آبائِهم، وأن ذلك لا يَقتَضي نَقْص الآباء من المَنازِل، يَعنِي لا نَقول: إن الحَلَّ الوسَط أن نَرفَع هؤلاءِ قليلًا، ونُنزِل هؤلاءِ قليلًا؛ ولذلك قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لئَلَّا يَظُنَّ الظانَّ أنه إذا رُفِعَت الذُّرِّية فإنها تُرفَع قليلًا، ويُنزَل الآباء بمِقدار ما رُفِع هؤلاء؛ ليَلتَقوا في نُقْطة الوسَط، وهذا ليس كذلك؛ لأنه لو نزَل الآباء قليلًا لزِمَ من ذلك أن يُنقَصوا، ولكن الله يَقول: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾؛ أي: ما نَقَصْناهم، أي: الآباء ﴿مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: الاحتِرازُ في الدُّعاء عن التَّعميم؛ لقولهم: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ﴾، ومن ذلك قولُ إبراهيمَ ﵊: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾؛ أي: أهل المَسجِد الحَرام، ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أهله، ثُمَّ أَبدَل منها قوله: ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فاحتَرَز.
ولكن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يَعنِي: ارزُقْ مَن في هذا البلَدِ، ولو كانوا كُفَّارًا، لكن: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦].
المُهِمُّ: أنه يَنبَغي للإنسان في الدُّعاء أن يَحتَرِز من التَّعميم الذي قد يَتَناوَل مَن
стр. 106
لا يَستَحِقُّ الدُّعاء، فيَكون في دُعائه هذا نوع من الاعتِداء.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات هذَيْن الاسمَيْن: العزيز والحكيم من أسماء الله، وإثبات ما تَضمَّناه من الوَصْف، أو من الصِّفة، فالعَزيز مُتضَمِّن للعِزَّة، والحَكيم مُتضمِّن للحِكْمة والحُكْم.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: التَّوسُّل إلى الله تعالى في الدُّعاء بأَسْمائه.
فإن قال قائِل: سبَق أنَّ التَّوسُّل بالأسماء يَنبَغي أن يَكون مُطابِقًا للسؤال أو للمَسؤول، وهنا ما مُناسَبة العِزَّة والحِكْمة للدُّعاء بإدخال هَؤلاء الجَنَّة؟
فالجوابُ: الظاهِر - واللهُ أَعلَمُ - أن المُطابَقة أنهم دعَوْا أن الله يُدخَل مَن صلَح مِن ﴿آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، وهذا أَمْر يَحتاج إلى عِزَّة وتمَام سُلْطة، وإلى حُكْم وحِكْمة، فلهذا ختَموا هذا الدُّعاء بقَوْلهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ دون أن يَقولوا: إنك ذو الفَضل العَظيم.
وإن قال قائِل: إذا خالَف الوَصْف الدعاء، هل يَكون اعتِداءً، يَعنِي إذا قُلت: اللَّهُمَّ اهْدِ الكَفَرَةَ والمُشرِكين، أو أذِلَّ الشِّرْك والمُشرِكين برحمتك يا أَرحَمَ الراحِمين. فإن هذا اعتِداءٌ؟
فالجوابُ: لا، بل هذا غلَط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾، فهذا زوال مَكروهٍ، وإذلالُ الشِّرْك لا شَكَّ أنه نِعْمة ورحمة.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّرتيب الوُجودي في الأشياء، لقوله: ﴿مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، فهذا هو التَّرتيب: أبٌ، ثُم زَوْج، ثُمَّ ذُرِّيَّة، فهذا تَرتيب وُجودي، ولا شَكَّ أن هذا من محُسِّنات اللَّفْظ.
* * *
стр. 107
(الآية: ٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٩].
* * *
ثُم قال الله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾، هذا مَعطوف على ما سبَقَ، على قوله: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾؛ أي: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ والجُملة فِعْل أَمْر وفاعِل ومَفعول به، بل ومَفعولان، الجُملة تَتضمَّن فِعلًا وفاعِلًا ومَفعولين، الفِعل (قِ)، والفاعِل مُستَتِر وجوبًا، والمَفعول الأوَّل الهاء، والمَفعول الثاني السَّيِّئات، و (قِ) هنا فِعْل أَمْر، لكنه مُكوَّن من حَرْف واحد بعد أن حُذِف منه حُرْفان؛ الأوَّل والثالث، وهكذا كل مِثال ناقِص إذا كان ثلاثِيًّا فإن فِعْل الأمر منه على حَرْف واحِد، هذه القاعِدةُ، كل مِثال ناقِص ففِعْل الأَمْر منه إذا كان ثُلاثيًّا على حَرْف واحد.
والمِثال هو: الذي أوَّله حَرْف عِلَّة، والناقِص: الذي آخِره حَرْف عِلَّة.
إِذَنِ: القاعِدة هذه تَشمَل أمثِلة كَثيرة، وقد جمَعها الخُضَريُّ في حاشِية ابن عَقيل على ألفية ابنِ مالِك (١) جمَعَها في أبيات، منها: قِ فِ عِ يَعنِي عدَّد، لكن الضابِط هو هذا، كل ثُلاثي كان مِثالًا ناقِصًا ففِعْل الأمر منه على حَرْف واحِد.
وقوله: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أي: عَذابها]، وهذا إذا جعَلْنا
стр. 108
السيِّئاتِ بمَعنى الأعمال السيِّئاتِ، فإنه يَتعيَّن أن نُفسِّر ذلك بعذاب السَّيِّئات؛ لأنَّ عمَل السَّيِّئات الآنَ قد انتَهَى وقته، وإنَّما المَوْجود هو الجزاء، فيُفسَّر حينَئِذٍ بالعذاب.
وأمَّا إذا فسَّرْنا السَّيِّئاتِ بما يَسوء دون العمَل الذي يَقَع من العبد، فإنه لا حاجةَ إلى أن نَقول: عذابها؛ لأنَّ العَذاب ممَّا يَسوء، فكأنهم قالوا: وقِهِم ما يَسوؤُهم من العذاب، والقاعِدة في التَّفسير وفي شَرْح الأحاديث: أنَّه إذا دار الأَمْر بين احتِمال التَّقدير وعدَم التَّقدير، فالأَوْلى عدَمُ التَّقدير، وعلى هذا فنَقول: السَّيِّئاتُ هنا لا يُراد بها الأعمال السَّيِّئات التي هي فِعْل العَبْد قطعًا؛ لأن هذا قد انتَهَى، وإنَّما يُراد بالسَّيِّئات ما يَسوء من أعمال، ومن عُقوبات، ومن عادات، ومن غير ذلك.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القِيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾] مَنْ شرطيَّة، وجُملة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ جواب الشَّرْط، وإنَّما اقتَرَن جواب الشَّرْط بالفاء؛ لأنه مَبدوء ب (قَدْ)، وجواب الشَّرْط إذا بُدِئ ب (قَدْ) وجَب اقتِرانه بالفاء، وله نَظائِرُ ممَّا يَجِب اقتِرانه بالفاء.
المُهِمُّ: أنه يَجِب ارتباط جواب الشَّرْط بالفاء إذا وقَع واحِدًا من سبعة أُمور، مَجموعة في قول الناظِمِ:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ وَبِمَا ... وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ (١)
التَّنفيس يَشمَل سوف والسِّين، وهذه الآيةُ من نوع قوله: ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
قوله: ﴿وَذَلِكَ﴾ المُشار إليه وِقاية السَّيِّئات والرحمة ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿هُوَ﴾: يَجوز أن تَكون مُبتَدَأ، و ﴿الْفَوْزُ﴾ خبَرُه، والجُملة من المُبتَدَأ الثاني وخبَرِه
стр. 109
خبَرُ المُبتَدَأ الأوَّل، ويَجوز أن تَكون ﴿هُوَ﴾ ضميرَ فَصْل لا مَحَلَّ لها من الإعراب، وَيكون التقديرُ: وذلك الفوزُ العَظيم، ويُؤيِّد هذا أنَّها تَأتي بهذه الصِّيغةِ في بعض المَواضِع ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وضَمير الفَصْل من حيثُ الإعرابُ لا مَحَلَّ له من الإعراب، أمَّا من حَيثُ المَعنَى فله ثَلاثُ فَوائِدُ:
الفائِدةُ الأُولى: الحصْر.
والفائِدة الثانية: التَّوْكيد.
والفائِدة الثالِثة: التَّمييز بين الصّفة والخَبَر.
والتمييز بين الخَبَر والصِّفة يَظهَر هذا في المِثال.
إذا قُلت: زيدٌ الفاضِلُ. وأنت تُريد أن تَكُون (الفاضِلُ) خبَرَ المُبتَدَأ، فإنَّه يحتَمَل أن تَكُون (الفاضِلُ) صِفةً، والخَبَر لم يأتِ بعدُ، ويُحتَمَل أن يَكون المُرادُ زيدٌ الفاضِل فاهِمٌ، ويُحتَمَل أن تَكُون (الفاضِل) خبَرَ المُبتَدَأ، فإذا جاءَت زيدٌ هو الفاضِل، زال الإشكال، وتَعيَّن أن تَكُون (الفاضِل) خَبَر المُبتدَأ.
أمَّا التَّوْكيد والحصْر فظاهِر؛ لأنك إذا قلت: زَيدٌ هو الفاضِلُ. أكَّدْت أنه فاضِل، وحمَرْت الفَضْل فيه.
وقوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، الفَوْز: حُصول المَطلوب والنَّجاة من المَرهوب، والدَّليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فالنَّجاةُ من المَرهوب في الآية ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ وحُصول المَطلوب ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ ولا تَفسيرَ أبيَنُ وأَوْضحُ من تَفسير الله ، فالفوزُ
стр. 110
هو: النَّجاةُ من المَرْهوب وحُصول المَطلوب، والدليل ما سمِعْتم.
وقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ وَصْف له بالعَظَمة، لأنه لا فوزَ أعظَمُ من هذا، لا فوزَ أعظَمُ من أن يَمُنَّ الله عليك بسُكْنى هذه الدارِ - جعَلَني الله وإيَّاكم من ساكنيها - التي فيها ما لا عَيْنٌ رأَت ولا أُذُنٌ سمِعَت ولا خطَرَ على قَلْب بشَرٍ، كل الناس في الدُّنيا - المُؤمِنون - يَسْعون للوُصول إلى هذه الدارِ، ولهذا لمَّا قال الأَعرابيُّ للنبَّيِّ ﷺ : يا رَسول الله، أنا لا أُحسِنُ دَنْدَنَتَكَ ولا دَنْدنةَ مُعاذٍ، ولكِنِّي أَسأَل الله الجَنّةَ، وأَستَعيذُ به من النار فقال: "حَوْلهَمَا نُدَنْدِنُ" (١)، نحن لا نُريد إلَّا هذا، وهذا الحَديثُ وإن كان في صِحَّته ما فيه، لكن حَقيقة هو هذا، كل المُؤمنين يَعمَلون للوصول إلى هذه الدارِ، وهو - أي: العَمَل لها - يَسير، لكن على مَن يَسَّرَه الله عليه، ومتى يُيَسِّر الله عليك ذلك؛ اسمَعْ إلى قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، الجوابُ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، اعمَلْ أنت كما قال النَّبيُّ ﷺ : "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" (٢).
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن المَلائِكة الذين يَحمِلون العَرْش ومَن حولَه يَسأَلون الله تعالى أن يَقِيَ الذين آمَنوا السَّيِّئاتِ، أي: عذابها حتَّى يَتِمَّ لهم المَطلوب.