← Тафсир

Тафсир · id 151161

تفسير العثيمين: غافر

ابن عثيمين

Полный текст (554 стр.). Показаны 526–554 · переход к 531.

стр. 526

الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات أَفْعال الله الاختِيارية؛ يَعنِي: أن الله تعالى قد يُحدِث من أَمْره ما شاء، لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ (إذا) هنا شَرْطية للمُستَقبَل، إِذَنِ الأَمْر لم يَأتِ بعدُ. وهذا يَدُلُّ على أن الله مُتَّصِفْ بالأفعال الاختِيارية خِلافًا للأشاعِرة ونحوهم الذين قالوا: إن الله تعالى لا يُوصَف بالأَفْعال الاختِيارية، كيف يُوصَف بالأفعال الاختِيارِية؟ ! إذا قُلْنا: يُوصَف، قالوا: هذا يَقتَضِي أحَدَ أَمْرين: إمَّا أن يَكون الله حادِثًا، وإمَّا أن يَكون ناقِصًا. أفَا كونه يَستَلزِم أن يَكون الله حادِثًا فلأَنَّ الحوادِث لا تَقوم إلَّا بحادِث، فإذا أَثبَتُّم أن الحوادِث تَقوم به لزِمَكم أن يَكون الله حادِثًا؛ لأن الحوادِث لا تَقوم إلَّا بحادِث، هذه واحِدة. أمَّا النَّقْص فنَقول: إذا كان هذا الفِعْل الذي فعَله الآنَ كمالًا فلماذا لم يَتَّصِف به من قَبلُ؟ إذا كان كَمالًا فلماذا يَحدُث بعد أن لم يَكُن؛ وإن لم يَكُن كمالًا فهو نَقْص يَجِب أن يُنزَّهَ الله عنه. وهذا لا شَكَّ أنه تَلْبيس. أمَّا الأوَّل فقولهم: إن الحوادِث لا تَقوم إلَّا بحادِث. نَقول: من أين أَتاكُم هذا؟ أمِنْ جُيوبِكم، أم من آرائِكم الفاسِدة؟ مَن قال: إن الحَوادِث لا تَقوم إلَّا بحادِث؟ الحوادِث تَحدُث قبل أن تَكون ونحن سابِقون عليها، فكذلك ما يُحدِثه الله يُحدِثه وهو سابِق عليه، وسَبْقه أزَليٌّ، فدَعْواكم هذه باطِلة تَحتاج إلى دَليل، ولا دَليلَ، بل الدليلُ على نَقْضها. وأمَّا قولُكم: إن كان كمالًا فلماذا لم يَتَّصِف به من قبلُ؟ وإن لم يَكُن كَمالا فهو نَقْص، فيَجِب نفيُه، نَقول: هذا أيضًا باطِل؛ لأننا نَقول: إن فِعْل الله الذي يُحدِثه هو

стр. 527

كَمال حال إحداثه، وليس كَمالًا حالَ عدَمه؛ لأن الله تعالى مُتَّصِف بالكَمال، ففي حال عدَمه لا يَكون كمالًا، وفي حال وُجوده يَكون هو الكَمال، وهذا واضِح، فِعْل الإنسان أحيانًا يَكون مُناسِبًا وفي مَحلِّه، وأحيانًا يَكون غير مُناسب وتَكون الحِكْمة ألَّا يَفعَله. وبذلك نَعرِف أن الرُّجوع إلى العَقْل فيما يَتَعلَّق بالله باطِل وضَلال؛ لأن العَقْل قد يَزِلُّ وقد يَهن، فالرُّجوع فيما يَتَعلَّق بالله إلى الكِتاب والسُّنَّة، لا ثالِثَ لهما، اللَّهُمَّ إلَّا أن يُقال: إجماعُ السلَف أيضًا يُرجَع إليه، فيَكون مَصدَر التَّلقِّي في العَقيدة وفيما يَتعلَّق بذات الله وبأسمائه وصِفاته ثلاثة: القُرآن، والسُّنَّة، وإجماع السَّلَف، لكننا نَقول: لا حاجةَ إلى قول إجماع السَّلَف؛ لأن إجماع السَّلَف لا يَكون إلَّا عن كِتاب أو سُنَّة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تَهديد هؤلاءِ المُشرِكين الذين كذَّبوا الرسول ﵊ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ ووَجهُ التَّهديد أن عُلماء البلاغة يَقولون: إن (إذا) تُفيد وقوعَ الشَّرْط في المُستَقبَل، كما إذا قلت لك: إذا جاء زَيْدٌ فأَكرِمْه. تَفهَم من هذا أن زيدًا سوف يَأتِي، لكنه بشَرْط أن يكون مُتأخِّرًا، بخِلاف (إِنْ)، فإن (إِنْ) شَرْطية لكن للمُحتَمَل: إن جاء زيد فأَكرِمْه. إذْ مجَيئُه ليس محُقَّقًا، لكن: إذا جاء فأكَرِمه، يَكون المَجيءُ محُقَّقًا، لكنه مَربوط بزمَن مُستَقبَل. هذه ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ تُفيد أن أَمْر الله لا بُدَّ أن يَأتِيَ. وأَمْر الله يَنقَسِم إلى قِسْمين: كَونيٍّ، وشَرعيٍّ؛ فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] شَرْعيٌّ، وليس كونيًّا؛ لأنه لو كان كونيًّا لكان كل الناس يُؤدُّون الأمانة إلى أهلها، إِذَنْ هو شَرعيٌّ؛ وقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ

стр. 528

لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كَونيٌّ، فصار الأَمْر الآنَ يَكون كونيًّا وَيكون شرعيًّا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن ما قضَى الله تعالى من عِقاب أو عَذاب فإنه حَقٌّ؛ لقوله: ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ وعلى هذا يَنتَفِي بذلك أن يَكون الله تعالى ظالِمًا لمَن عاقَبه. فإن قال قائِل: ألَيْسَت العُقوبة تَنزِل بالأُمَّة وفيهم الصالحِون؟ فالجَوابُ: بلى، تَنزِل العُقوبة على الأُمَّة وفيهم الصالحِون؛ لكنها تَكون عُقوبة على المُسيء ورِفْعة درَجات وتَكفير سَيِّئات على الصالِح؛ ولهذا لمَّا قالت إحدى أُمَّهات المُؤمِنين: أَنَهْلِكُ وَفينا الصالِحُونَ؟ قال: "نَعَمْ، إِذَا كثُرَ الخَبَثُ" (١) فإذا غلَب الخَبَثُ على الطَّيِّب حلَّت العُقوبة على الجميع. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن المُبطِل خاسِر إذا نزَل به العَذاب؛ لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ وإذا كان المُبطِل خاسِرًا فالمُصلِح رابح؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]؛ ولهذا إذا كان الأَهْل مُصلِحين فإن الله لا يُهلِك الأُمَّة، لكن إذا كانوا صالحِين فقَدْ تَهلِك الأُمَّة إذا كثُر الخَبَث، وهذه نُقطة قد لا يَتَفطَّن لها كثير من الطلَبة، انتِفاء الإِهْلاك إذا كان الأهل مُصلِحين ومحُاوِلين للإصلاح، أَمَّا إذا كانوا صالحِين فإنه قد يَقَع الإهلاك إذا كثُرَ الخَبَث، أمَّا مع الإصلاح ولو كثُرَ الخَبَث ما دامَتِ الأُمَّة تُحاوِل الإصلاح وتَسعَى به فإنها لن تَهلِك، وهذه نُقْطة -كما قُلت لكم - قد لا يَتَفطَّن لها كثير من الناس، نَسأَل الله أن يُصلِح أحوالَنا وأحوالَكُم.

стр. 529

فإن قال قائِل: قلنا: مِن عَدْل الله أنه لا يُعذِّب العِباد إلَّا بعد أن أَرسَل إليهم الرُّسل، في هذه الأيامِ هل هناك ضابِط للعُذْر بالجَهْل في الذين يَقَعون في الباطِل وعلى اعتِقادهم أن هذا صوابٌ؛ فهل يُعذَرون بجَهْلهم هذه الأيامِ؟ فالجوابُ: والله، قد يُعذَرون بجَهْلهم؛ لأن من العوامِّ مَن لا يَعرِف الحَقَّ إلَّا عن طريق ناس مُعيَّنِين، وهؤلاء الأناسُ المُعيَّنون مُنحَرِفون، فيُعذَرون، وربما أُناس في الغابات البَعيدة لا يَسمَعون إذاعاتٍ، ولا يَقرَؤُون صُحُفًا، ولا يَعرِفون شيئًا. فإن قال قائِل: أَورَد بعض المُستَشْرِقين على قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] على أن هُناكَ فتَراتٍ بين الأنبياء. فالجوابُ: لا، هذا غلَط؛ لأنه إذا جاء النَّذيرُ ليس مَعناه أن النَّذير يَبقَى نذيرًا ما دام حَيًّا فقَطْ، قد تَبقَى الرِّسالة، أليسَتْ رِسالةُ إسماعيلَ وإبراهيمَ ﵊ بقِيَت في العرَب إلى قُرْب بعثة الرُّسول ﵊ أوَّل ما دخَل الشِّرْك على العرَب من عَمرِو بنِ لُحيٍّ فهو متأخِّر.

стр. 530

الآيتان (٧٩، ٨٠) * قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨٠]. قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [قيل: الإِبِل خاصَّة هنا، والظاهِر: والبقَر والغَنَم]. قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾، ﴿جَعَلَ﴾، أي: سيَّرها مُسخَّرة لكم، والجَعْل هنا جَعْل كَونيٌّ، لأن الجَعْل المُضاف إلى الله يَكون كونًا وَيكون قدَرًا، يَعنِي: يَكون جَعْلًا كونيًّا وَيكون جَعْلًا قدَريًّا شرعيًّا، ففي قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، هذا الجَعْل شَرعيٌّ، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ هذا جَعْل كونيٌّ. وفي قوله تعالى هنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ جَعْل كَوْنيٌّ. والأنعام جَمْع نَعَمٍ. قال المفَسِّر ﵀: [قيل: الإِبِل خاصَّةً. والظاهِر والبَقَر والغَنَم]، بل والظاهِر ما هو أَعَمُّ من ذلك، وهو ما أَنعَم الله به علينا من الحيوان الذي سخَّره لنا من إِبِل وبقَر وغَنَم وفِيَلة وغيرها، وكل شيء. وقوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قسَّم الله هذه الأنْعام

стр. 531

إلى قِسْمين: قِسْم تُركَب، وقِسْم تُؤكَل ولا تُركَب. وعلى هذا تَكون ﴿مِنْ﴾ في المَوْضِعين للتَّبْعيض، وعلامة (مِنَ) الَّتي للتَّبعيض أن محلَّ مَحلَّها كلِمة (بَعْض)، فهُنا احذِفْ ﴿مِنْ﴾ وقُلْ: "لتَرْكَبوا بعضَها، وبعضَها تَأكُلون" يَستَقيم الكَلام، فهذه عَلامة (مِنَ) التَّبْعيضية، أن يَحِلَّ مَحلَّها كلِمة (بَعْض). وقوله: ﴿مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ هذا التَّقْسيمُ لا يَعنِي الانقِسامَ، بمَعنى أنه يُمكِن أن يُوجَد من الأنعام ما يُؤكَل وما يُركَب؛ مثل: الإِبِل؛ فإنها تُؤكَل وتُركَب. وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [مِن الدَّرِّ والنَّسْل والوَبَر والصُّوف]، يَعنِي: والشَّعر، وغير ذلك من المَنافِع، كنَقْل البَضائِع وغيرها؛ ولهذا جاءَت كلِمة ﴿مَنَافِعُ﴾ جَمْع (مَنْفَعة) بصِيغة مُنتَهى الجُموع، وصِيغة مُنتَهى الجُموع ما كانَت على وَزْن (مَفاعِل) أو (مَفاعِيل). قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [هي حَمْل الأثقال إلى البِلاد] ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُون﴾. قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ فسَّرَها المفَسِّر ﵀ بأنها حَمْل الأثقال، ولكن الذي يَظهَر أنها غيرُ ذلك، وأنها قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ يَعنِي: ما يَكون في قَلْب الإنسان من مَحبَّة الفَخْر والخُيَلاء وغيرها، وإن كانت هذه الحاجاتُ قد يَكون مَمنوعةً كالفَخْر والخُيَلاء، لكن لا شَكَّ أن هذه حاجة لكل إنسان، أنه يَجِد فرَحًا وسُرورًا إذا غَنِم كثيرًا من المَواشِي، من الإِبِل والبَقَر والغَنَم والظِّباء والأرانِب، وغيرها، يَجِد الإنسان لهذا طَعْمًا في نفسه، ويُمكِن أن يُقال أيضًا: ومن الحاجات في النَّفْس الاتِّجار

стр. 532

بها، فإن بعض الناس يَتَّجِر بهذه الأنعامِ، والله لم يَذكُر نوع الحاجة، فيَشمَل كل ما يَقَع في القَلْب من مِثْل هذه الأُمورِ. وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَعَلَيْهَا﴾ في البَرِّ، ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ السُّفُن في البَحْر: ﴿تُحْمَلُونَ﴾]. بيَّن الله أن هذه الأَنعامَ نُحمَل عليها، وكذلك السُّفُن كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]. من فوائِدِ الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ نِعْمة الله علَيْنا بهذه الأنعامِ، حيث جعَلَها لنا مُسخَّرة مُذلَّلَة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: جَواز رُكوب الأنعام وأَكْلها، ومن المَعلوم أن هذا ليس على إطلاقه، فإن الذي يُركَب لا يُركَب على وَجْه يَشُقُّ عليه، لو أَراد إنسان أن يَركَب على بَهيمة وهي لا تُطيق أَكثَرَ من واحِد فأَردَف عليها، قلنا: هذا لا يَجوز؛ لما في ذلك من المَشقَّة. وكذلك أيضًا: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، ليس على إطلاقه، إذ مِن هذه الأَنعامِ ما لا نَأكُله، مثل: الحُمُر، فإنها لا تُؤكُل، ولكنها تُحمَل عليها وتُركَب. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الأصل جَواز كل ما يُنتَفَع به من وُجوه الانتِفاع في هذه الأَنعامِ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ وبِناءً على ذلك يَجوز أن يُركَب ما لا يُركَب عادة إذا لم يَشُقَّ عليه؛ لأن ذلك من المَنافِع، فلو كان مع الإنسان بقَرَة واحتاج إلى أن يَركَب عليها - لأن بعض الحيوان الذي لم يَعتَد أن يُركَب يَشُقُّ عليه هذا، حتى وإن كان

стр. 533

يَستَطيع أن يَحمِله - قُلْنا له: اركَبْ، لأن هذه من المَنافِع، والله تعالى أَطلَق المَنافِع ما لم يَشُقَّ عليها، فإن شَقَّ عليها كان مَمنوعًا؛ لأن إيذاء الحَيوان محُرَّم. فإن قال قائِل: بعض الناس يَستَخدِمون هذه الأنعامَ في ما يُسمَّى بالسِّيرك أو الألعاب البَهْلوانية، وما أَشبَه ذلك، مِمَّا يَكون فيه المُوسيقى وأَشياءُ أخرى، هل هَؤلاء الناس آثِمون؟ فالجوابُ: مِمَّا لا شَكَّ فيه أن استِعْمال هذه الحَيواناتِ فيما هو محُرَّم قصدًا أو ذاتًا؛ هذا لا يَجوز، حتى لو رَكِب هذه الأنعامَ ليَصِل إلى بلَد يُفعَل فيه الفواحِش، أو يُلعَب فيه القِمار؛ كان هذا حَرامًا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جَواز ما يَقَع في قَلْب العبد من الفرَح والسرور بهذه الأنعامِ؛ بشَرْط ألَّا يُؤدِّيَ ذلك إلى الكِبرياء والخُيَلاء، فما دام هذا الفرَحُ في نِطاق الأَمْر المُباح فإن الإنسان لا يُلام عليه، بل هو مِمَّا جعَله الله له. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيان نِعْمة الله بحَمْلنا على هذه الأَنعامِ وعلى الفُلْك؛ يَعنِي: أن الله سَخَّر لنا ما نَركَبه في الماء وما نَركَبه في البَرِّ. وهنا تَسخير ثالِث حدَث بعد نُزول القُرآن، وهو ما نُحمَل عليه في الجوِّ، فيَكون الله أَنعَم علَيْنا بمَراكِبَ جَوِّيَّة وبَحرية وبَرِّيَّة.

стр. 534

الآية (٨١) * قَالَ اللهُ : ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١]. ﴿وَيُرِيكُمْ﴾؛ أي: يُظهِرها لكم حتَّى ترَوْها، وعلى هذا فـ (يُرِي) من الرُّباعي لا من الثُّلاثيِّ؛ لأنها مِن (أَرَى) (يُرِي)؛ أي: أَظهَر الشيء حتَّى يَراه الإنسان. وقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ جَمْع (آية)، والآية هي العَلامة على الشيء، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]، أي: عَلامة. فما هي العَلامة؟ الآية عَلامة على ما يَختَصُّ بها من صِفة؛ فمثَلًا: إذا نزَل الغَيْث وأَنبَتَتِ الأرض فهو آية على رحمة الله ، إذا اهتَزَّتِ الأَرْض بأهلها، أو خُسِفت بأَهْلها فهو آية على سَخَط الله وعِقابه وعلى قُدْرته؛ حيث يُزلزِل هذه الأرضَ الكَبيرةَ العَظيمة فيَكون هذا آيةً على ما يَختَصُّ به. فالآياتُ إِذَنْ آياتٌ على ما تَختَصُّ به من صِفة، لا نَقول: إنها كلها آية على شَيءٍ واحِد، بل نَقول: منها ما يَكون آيةً على الرحمة، وآيةً على العِزَّة، وآيةً على الحِكْمة، وآيةً على القُدْرة، وهَلُمَّ جرًّا. إذن: ﴿آيَاتٍ﴾ نَقول: جَمْع (آيَة) وهي العَلامة، وهذه الآياتُ لا تَدُلُّ كلُّها على شيء مُعيَّن، بل لكُلِّ آية ما يَختَصُّ بها. ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ ﴿فَأَيَّ﴾ هنا استِفْهامية مَنصوبة على أنها مَفعول

стр. 535

مُقدَّم لقوله: ﴿تُنْكِرُونَ﴾. وأَسأَلكم: لو كانَت الآية تُنكِرونها أو تُنكِرونه فهل نَنصِب (أيَّ) أو نَرفَعها؟ الجَوابُ: نَرفَعها، ويَجوز النَّصْب؛ لأن هذا يَكون من باب الاشتِغال، وأَضرِب لكم مثَلًا من عِندي حتى لا نَتصَرَّف في كلام الله، لو قُلت: (زَيْدًا أَكرَمْت) هنا يَتعَيَّن النَّصْب على أنه مَفعول مُقدَّم، ولو قُلت: (زَيْدٌ أَكرَمْتُه) فهنا يَجوز الوَجْهان، والرَّفْع أَرجَح؛ لأنه الأصل، أمَّا النَّصْب فيَكون على سبيل الاشتِغال، وعليه فإذا جاء مَعمولٌ مُقدَّم وعامِل مُؤخَّر لم يَستَوفِ عمَله فإنه يَجِب أن يَكون هذا المَعمولُ السابِق حَسبما يَقتَضِيه هذا العامِلُ. قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالَّة على وَحْدانيَّته] يَعنِي: لو قال المفَسِّر: ما هو أَعَمُّ. لكان أَحسَنَ؛ لأنها ليسَتْ آياتٍ دالَّةً على وَحْدانيَّة فقَطْ، بل على الوَحْدانية وعلى ما يَختَصُّ بتِلْك الآيةِ. قال المفَسِّر ﵀: [﴿تُنْكِرُونَ﴾ استِفْهام تَوْبيخ، يَعنِي: قوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ وهو أيضًا استِفْهام تحَدٍّ، فهو جامِع بين التَّوْبيخ والتَّحدِّي، يَعنِي: هذه آياتٌ ظاهِرة لا يُمكِنكم أن تُنكِروها، قال ﵀: [وتَذكيرُ (أي) أَشهَر من تَأْنيثها]؛ لأنَّه يُقال: (أيَّة) ويُقال: (أي) وعلى كلام المفَسِّر يَكون التَّذكيرُ أَشهَرَ من التَّأْنيث ولو كان المُشارُ إليه مُؤنَّثا؛ ولهذا قال: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ﴾، و ﴿آيَاتِ﴾ مُؤنَّث، ولم يَقُل: (فأيَّة آيات الله) لكن في غير القُرآن لو قيل: (فأيَّة آيات الله) لكان هذا سائِغًا، إلَّا أنه مَرجوح.

стр. 536

من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: نِعْمة الله على عِباده بإِراءَتِهم الآياتِ الدالَّةَ عليه، ولو شاءَ الله لأَخفَى عنَّا ذلك، ووكَلَنا إلى ما في نُفوسِنا وفِطَرنا، ولكن مِن رَحْمته أنه يُظهِر الآياتِ حتى يَكون هذا عَوْنًا على ما في الفِطْرة من مَعرِفة آيات الله . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: جَواز تَحدِّي الإنسان بما يَعتَرِف به لولا الجَحْد؛ لقوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾. وهَلْ تَعرِف أن أحَدًا جَحَد الآياتِ مع تَيقُّنه بها؟ الجَوابُ: فِرعونُ وقومُه؛ فإنهم جَحَدوا بآيات الله مع أن أَنفُسهم مُستَيْقِنة بها.

стр. 537

الآية (٨٢) * قَالَ اللهُ : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢]. ثُم قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ إلى آخِرِه. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا الاستِفْهام يُحتَمَل أن يَكون للحَثِّ؛ وعليه فيَكون بمَعنَى الأَمْر؛ أي: سِيروا في الأرض، ويُؤيِّد هذا قولُ الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. ويُحتَمَل أن يَكون للتَّوْبيخ؛ أي: تَوْبيخ هَؤلاءِ عن عدَم السَّيْر في الأرض. والسَّيْر هنا يَشمَل السَّيْر بالقدَم، والسَّيْر بالقَلْب، أمَّا السَّيْر بالقَلْب فمَرجِعه إلى الأخبار الصادِقة، بحَيثُ يَقرَأ الإنسان عن الأُمَم السابِقة ولا شيءَ أصَحُّ من كِتاب الله في الحَديث عن الأُمَم السابِقة؛ بقول الله ﵎: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فلا شيءَ أصَحُّ في الأخبار مِمَّا جاء به الكِتاب العَزيز وصحَّت به السُّنَّة، نَقول: هذا سَيْر بالقَلْب. والسَّيْر بالقَدَم أن يَمشِيَ الإنسان ليَنظُر ما صنَعَ الله تعالى بالمُكذِّبين.

стр. 538

مِثال ذلك: أن يَسير الإنسان إلى دِيار ثَمودَ؛ ليَنظُر ماذا صنَعَ الله بهم، ولكن كما قال النَّبيُّ ﵊: "لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهَا إِلَّا وَهُوَ بَاكٍ" (١) خَوْفَ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَ هَؤُلَاءِ المُكَذِّبِينَ. وأمَّا مَن ذهَب إليها للتَّنزُّه والفُرْجة فإن ذلِك لا يَجوز، كما يَصنَع كثير من الناس اليومَ، يَذهَبون إليها لا على سَبيل العِظة والاعتِبار، ولا يَدخُلونها وهم باكُونَ، بل على سبيل الاطِّلاع فقَطْ على آثار السابِقين، وعلى سبيل النُّزْهة، وهذا حَرام ولا يَحلُّ. فإن قال قائِل: مَن ذَهَب إلى دِيارِ ثَمود للعِبْرة ولكنه لم يَستَطِع أن يَبكِيَ فهل يَتَباكَى؟ فالجَوابُ: لا، وفي الحديث: "فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا"، ورسول الله ﷺ لمَّا مَرَّ بها قَنَّع رَأسَه يَعنِي: غَطَّاه وخَفَضه وأَسرَع ناقَتَه. فإن قال قائِل: إِذَنْ نَقول: ابْكِ أو ارجِعْ. فالجوابُ: نعَمْ، نَقول: ابْكِ أو ارجِعْ، إمَّا أن تَبكِيَ وإمَّا أن تَرجِع، فإن لم تَبكِ وأنت مرَرْت بالبلَد فعَجِّل وقَنِّع رَأْسك، كما فعَل الرسول ﵊. فإن قال قائِل: إِذَنْ نَقول بعدَم جَواز مَن يُصوِّر هذه الصُّوَرَ ويُريها الناس يَنشُرها؟

стр. 539

فالجَوابُ: أي نعَمِ، الظاهِر أنه للمَنْع أَقرَبُ؛ وذلك لأنه إنَّما يُريهم إيَّاها لبَيان قُوَّة القَوْم، لا لِبَيان أن الله أَهلَكهم مع قُوَّتهم، هذا هو الظاهِر من هَؤلاء المُصوِّرين. فإن قال قائِل: هل يَشمَل هذا كلَّ الآثار القَديمة أو التي عُذِّبت فَقَطْ؟ فالجَوابُ: نَحنُ قرَأْنا آية تَدُلُّ على المُراد ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. فإن قال قائِلٌ: بعض القَوْم السابِقين دمَّرَهم الله خارِجَ دِيارِهم، مثل الفَراعِنة، هل نَقول: لا نَدخُل آثارَهُم كدِيار ثَمودَ؟ فالجوابُ: لا، وعلى هذا نَقول: لنا أن نَدخُل المَكان الذي أُغرِق فيه فِرعونُ، ولنا أن نَدخُل مِصرَ أيضًا؛ لأنه لم يُهلَك فِرعونُ في مِصرَ. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ إِعْراب الجُمْلتين أن نَقول: إن (لَمْ) حَرْف نَفيٍ وجَزْم وقَلْب، حرف نَفي؛ لأنَّها تَنفِي، وجَزْم لأنها تَجزِم، قَلْب لأنها تُحوِّل المُضارع إلى الماضِي، والفاء في قوله ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ عاطِفة لا شَكَّ، لكن: هل هي عاطِفة على مُقدَّر مَحذوف، أو عاطِفة على ما قَبلَها من الجُمَل؟ في ذلك قَوْلان: القول الأوَّل: أنها عاطِفة على مَحذوف مُقدَّر بعد الهَمْزة، ويُقدَّر بما يُناسِب المَقام، وعلى هذا فتَرتِيبُها بعد الهَمْزة تَرتيب طَبيعيٌّ. والثاني: أنها عاطِفة على الجُمْلة السابِقة، وبِناءً على ذلك تَكون الفاءُ هنا مُزَحْلَقة عن مَوضِعها؛ إذ إن مَوضِعها يَكون قبل الهَمْزة. والقَوْلان مَعروفان لأَهْل العِلْم بالنَّحوِ، على التَّقدير الأوَّل أنها عاطِفة على

стр. 540

مُقدَّر بعد الهَمْزة يَكون المَعنَى: أَغفَلوا فلَمْ يَسيروا في الأَرْض. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأَرْض؛ لأن ﴿فِى﴾ للظَّرْفية، ولو جعَلنا ﴿فِى﴾ للظَّرْفية في هذا السِّياقِ لكان مَعنى الآية: أن يَدخُلوا في جوف الأَرْض، وهذا غير مُرادٍ قَطْعًا، فتكون ﴿فِى﴾ بمَعنَى (على)؛ كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] أي: مَن على السَّماء، وليس المُراد أن الله في جَوْف السماء؛ لأن ذلك مُستَحيل فقد وَسِع كُرسِيُّه السمَواتِ والأرضَ. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء عاطِفة على ﴿يَسِيرُوا﴾ وعلى هذا يَكون المَعنى: أَفلَمْ يَسيروا فلَمْ يَنظُروا. ويُحتَمَل أن تَكون مَنصوبة بعد فاء السبَبية؛ أي: انتَفَى سَيْرهم ﴿فَيَنْظُرُوا﴾، كما تَقول: لم تَزَرْني فأُكْرِمَك ... وما أَشبَه ذلك من الكلام. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ هَذه اسمُ استِفْهام، وهي محَلُّ نَصْب خَبَر ﴿كَانَ﴾ مُقدَّمًا، و ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمُها. ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، والعاقِبة ذكَرها الله تعالى في سورة القِتال في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]. هذا هو فائِدة النَّظَر: أن هَؤلاء القَوْمَ المُكذِّبين كانوا أشَدَّ من هَؤلاء قُوَّةً، ومع ذلِك دمَّرهمُ الله ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: في العدَد. ﴿وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ أي: في الكيفية. فصاروا مُتمَيِّزين عنهُم في العدَد والكَيْفية. ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ يَعنِي: من العُمران والقُصور وغيرها، ومع ذلك لم تَنفَعْهم هذه الكَثرةُ ولا هذه القُوَّةُ، قال المفَسِّر ﵀: [أي: المَصانِع والقُصور]، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (ما) نافِية، و ﴿أَغْنَى﴾ فِعْل ماضٍ ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (ما) اسم مَوْصول فاعِل ﴿كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ صِلة المَوْصول، ويُحتَمَل أن

стр. 541

تَكون (ما) استِفْهامية والمَعنى: فما الذي أَغنَى عنهم ما كَسَبوا، والاستِفْهامية أَبلَغُ، لأنها تَتَضمَّن النَّفيَ مع التَّحدِّي؛ أي: أي شيء أَغنَى عنهم كَسْبهم حين دمَّرَهم الله؟ إن كانت نافِية فالمَعنَى: ما أَغنَى عنهم كَسْبهم شيئًا، وإن كانت استِفْهامية، فالتَّقدير: ما الذي أَغنَى عنهم ما كانوا يَكسِبون، ونظيرُ ذلك قوله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]؛ أي: أيُّ شيء أَغنَى عنهم، أو أن المَعنَى نَفيُ الإِغْناء. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: الحثُّ على النظَر في أحوال الأُمَم السابِقة، يُؤخَذ من قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وَجهُ الدَّلالة أن الله وبَّخَهم على عدَم السَّيْر. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن السَّيْر في الأرض بالقدَم إذا لم يَصحَبْه النظَر والاعتِبار فإنه لا يَنفَع؛ لقوله: ﴿يَسِيرُوا﴾ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾. يَتفَرَّع على هذا: ما يَفعَله كثير من الناس اليومَ من السَّيْر إلى ديار ثَمودَ؛ حيث يَسيرون بأَبْدانهم، لكن لا يَسيرون بقُلوبهم، ولا يَعتَبِرون، بل يَذهَبون إلى هُنالِك للاطِّلاع على مَآثِر القَوْم، بل على آثار القَوْم الدالَّة على قُوَّتهم، وهذا لا يَجوز، الواجِب على مَن سار إلى تِلك الدِّيارِ أن يَدخُلها وهو باكٍ؛ لقول النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا" (١) ولا يَنفَع التَّباكي؛ لقَوْله: "فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا"، ولم يَقُل: فتَباكَوْا.

стр. 542

إِذَنْ: مَن لم يُوطِّن نَفْسه على هذا الوصفِ الذي رخَّص فيه النبيُّ ﷺ للدُّخول في ديارِ ثَمودَ فإنه لا يَجوز أن يَدخُل، وغالِبُ الناس الذين يَذهَبون الآنَ إنَّما يَذهَبون للفرجة والنُّزْهة فقَطْ، وهذا حرام. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن من الأُمَم مَن هو أشَدُّ قُوَّةً وآثارًا ممَّا كانت عليه قُرَيْش؛ لقوله: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الله تعالى لا يُعجِزه قُوَّة العَدوِّ، ولا كَثرة العَدوِّ، فإن الله تعالى أَهلَكهم مع كَثْرتهم وقُوَّته، وهل الله إذا أَراد إهلاكَهم يَكون إهلاكُهم مُمتَدًّا لمُدَّة من الزمَن حتى يَقضِيَ عليهم؟ الجَوابُ: لا، قال الله ﵎: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ يَعنِي: الذي أَحاط أَرضَه بحظار، والحظار مُركَّب من أعواد خَفيفة أو من سعَف النَّخْل، وتَأكُله الشمس والهواء بسُرْعة. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن قُوَّة الإنسان وكَثْرة عدَده لا تُغنِي عنه شيئًا من عَذاب الله؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

стр. 543

الآية (٨٣) * قَالَ اللهُ : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣]. ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ﴾ هذا الذي أتَى بعد ذِكْر تَدميرهم هو في الحقيقة عَوْد إلى شَرْح ما حصَل، فإن الله أَرسَل إليهم الرُّسُل بالبَيِّنات الواضِحة، وأَنزَل الكُتُب، ولكن ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [المُعجِزات الظاهِرات]، والصواب أن يَقول: الآيات البَيِّنات. هو ﵀ جعَلَ البَيِّنات بمَعنَى: الظاهِرات، وهذا حَقٌّ، وجعَل البَيِّنات صِفة لمَوْصوف محَذوف تَقديرُه: المُعجِزات، وهذا فيه نظَرٌ، بل يُقدَّر: الآيات، وذلك لأن المُعجِزات لم تَرِد في الكِتاب والسُّنَّة محَلَّ الآيات أبَدًا. وأيضًا المُعجِزات تَكون من الرُّسُل وغير الرُّسُل، فالسحَرة مثَلًا تَأتِي لهم الشَّياطين بالمُعجِزات، لكن الآيات يَعنِي: العَلامات الدالَّة على صِدْقهم. هذه أَبلَغُ؛ ولهذا إذا وجَدْتم في الكُتُب - وما أكثَرَ ما تَجِدون المُعجِزاتِ، أو مُعجِزات الأنبياء، أو ما أَشبَه ذلك - فاضرِبوا عنها صَفْحًا وقولوا بدَلها: الآيات. كما قال الله : الآيات. والآياتُ -كما قُلْت - أدَقُّ من كلِمة المُعجِزات؛ لأن المُعجِزاتِ يَدخُل فيها ما يَعجِز البشَر ممَّا تَصنَعه الشياطينُ مع السحَرة وغيرهم.

стр. 544

قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَرِحُوا﴾ أي: الكُفَّار ﴿بِمَا عِنْدَهُم﴾ أي: الرُّسُل من العِلْم فرَح استِهْزاء وضَحِك مُنكِرين لها]. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا﴾ الواو فاعِل فمَن الفارِحُ؛ يَقول ﵀: [أي: الكُفَّار]، وهذا صَحيح فَرِحَ الكُفَّار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. وقوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الضمير يَعود على الرُّسُل على حدِّ تَفسير المفَسِّر بما عند الرُّسُل من العِلْم؛ أي: بما جاؤُوا به من البيِّنات، لكن هل هذا الفَرَحُ فرَحُ استِبْشار أو فرَحُ استِهْزاء؟ يَقول المفَسِّر ﵀: إنه فرَحُ استِهْزاء وضَحِك وسُخْرية؛ ولكِنْ هذا التَّفسيرُ إذا تَأمَّلْته وجَدْتَه تَحريفًا وليس تَفسيرًا؛ لما فيه من البُعْد المَعنَويِّ واللَّفْظيِّ. أمَّا البُعْد اللَّفظيُّ فلأَنَّ فيه تَشتيتَ الضَّمائِر؛ لأن قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ الواو للكُفَّار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الهاء للرُّسُل، هذا تَشتيت للضَّمائِر، والهاء في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ إذا جعَلْنا الكلام نَسَقًا واحِدًا لا شَكَّ أنها تَعود على الكُفَّار؛ أي: بما عِند الكُفَّار من العِلْم. وأمَّا البُعْد المَعنويُّ؛ فِلأَن الفَرَح في الأصل استِبْشار، فإذا صرَفْناه عن مَعناه الظاهِر إلى أن يَكون فرَحَ استِهْزاء كان هذا إخراجًا للمَعنَى عمَّا يَدُلُّ عليه ظاهِر اللَّفْظ. والحاصِلُ: أن هذا التَّفسيرَ الذي ذكَرَه المفَسِّر تَفسير ضَعيف جدًّا، بل هو تَحريف، والصَّواب أن المَعنَى: فَرِح الكُفَّار بما عِندهم؛ أي: بما عِند الكُفَّار من العِلْم، وقالوا: نحن أَعلَمُ بما يُصلِحنا وما يُصلِح دُنيانا ودِينَنا الذي نحن عليه، فأنتم أيها

стр. 545

الرُّسُل سحَرة مجَانينُ، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، وإذا كانوا يَعتَقِدون بقُلوبهم، أو يَقولون بألسِنَتهم ما لا يَعتَقِدون من أن الرُّسُل سحَرة مَجانينُ فإنَّهم لا شَكَّ سيَجْعَلون ما عِندهم من العِلْم هو العِلْم الحَقيقيَّ فيَفرَحون به. وعلى هذا فنَقول: الفرَح هنا فرَح بطَر واستِبْشار فيما يَظُنُّون أنهم على عِلْم أعلى من عِلْم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، ويَعجَب الإنسان أحيانًا فيما يَذهَب إليه بعضُ العُلَماء من تَفسير الآياتِ أو الأحاديث، الآنَ لو قرَأْت هذه الآيةَ على إنسان عامِّيٍّ ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فعلى أيِّ شيء يَتَنزَّل الضمير في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ عِند هذا العامِّيِّ؟ الجَوابُ: على الكُفَّار ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ والإنسان يَفرَح بما عِندَه لا بما عِند غَيْره. قوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وَحَاقَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [نَزَلَ]، لكِنها - أَعنِي: ﴿حَاقَ﴾ - ليسَتْ كـ (نَزَل) من كُلّ وَجْه؛ لأن (نزَل) تَكون بالخَيْر وبالشَّرِّ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ هذا خير، لكن (حاقَ) لا تَأتِي إلَّا في الشَّرِّ، فلا يُقال: حاقَ به القُرآن، أو حاقَ عليه القُرآن. كما يقال: نزَلَ عليه. فـ (حاقَ) هنا بمَعنَى: (نزل)، لكنها لا تُستَعمَل إلَّا في نُزول الشَّرِّ، وهو شَرٌّ بالنِّسْبة لمَن نزَل به، وقد يَكون خيرًا بالنِّسْبة لغيره. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿مَا﴾ فاعِل ﴿حَاقَ﴾، و ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعنِي: فيما سبَق؛ أي: أنهم لمَّا جاءَهُم بَأْس الله ونزَل بهم حاقَ

стр. 546

بهم ما كانوا يَستَهزِئون به فيما سَبَق، حيث كانوا يَستَهْزِئون بالرُّسُل، وبما جاؤُوا به، وبالشَّرائِع، بل ربما يَستَهْزِئون بالله . انظُرْ إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]، يَتبَيَّن لك أن الكُفَّار يَستَهْزِئون بالله، وَيَستَهزِئون بآيات الله، وَيَستَهزِئون بالرُّسُل. وقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [أي: العَذاب] أي: حاق بهِمُ العَذاب الذين كانوا يَستَهزِئون به حين تَوعَّدَتْهم الرُّسُل به، فجعَلوا يَستَهزِئون: أين العَذابُ الذي تَقولون؟ أي: كانوا يَستَفهِمون استِهزاء. من فوائد الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات حِكْمة الله ورَحْمته، وذلك أنه جعَل الآياتِ التي تَأتِي بها الرُّسُل آياتٍ بيِّناتٍ، حتَّى لا يَبقَى حُجَّة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الكُفَّار يَفخَرون بما عِندهم من العِلْم، ولو كان باطِلًا؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وهذا الذي كان فيما سبَقَ مَوْجود الآنَ، فإن بعض أُولَئِك القومِ الذين اَتاهم الله من عِلْم الدنيا ما آتاهم تَجِدهم يَفرَحون بها ويَقولون: هي خَيْر من عِلْم أُولَئِك المُقوقَعِين على أَنفُسهم، وَيعنُون بهم عُلماء الشَّريعة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّحذير البالِغ من رَدِّ ما جاءَت به الرُّسُل؛ لقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الله أَرسَل الرُّسُل بالآياتِ البَيِّنات الدالَّة على صِدْقهم.

стр. 547

ويَتفَرَّع على هذا فائِدتان أو أكثَرُ، وهُما: رحمة الله بالعِباد، وحِكْمة الله تعالى في فِعْله: أمَّا رحمة الله بالعِباد فلأن الله تعالى لو أَرسَل إليهم رُسُلًا بدون آيات، لكان في ذلك تَكليفٌ بما لا يُطاق، لأن الإنسان لا يُمكِن أن يُصدِّق برسول بدون آياتٍ تَدُلُّ على صِدْقه وإلَّا لأَمكَن كلَّ كاذِب أن يَقول: إنه رسولٌ. وأمَّا الحِكْمة فظاهِرة أن الله لمَّا أَرسَل الرُّسُل لم يَترُكْهم هَمَلًا، بل أَعطاهم ما على مِثْله يُؤمِن البَشَر كما أَخبَر بذلك نبيُّنا ﷺ أن الله ما بعَث رسولًا إلَّا آتاه ما يُؤمِن على مِثْله البَشَر، والذي أُوتيَه الرسول ﵊ هو الوَحيُ القُرآن، ولهذا قال: "فَأَرْجُو أَنْ أَكَونَ أَكثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١)؛ لأن القُرآن آية باقِية إلى يوم القِيامة، أو إلى أن يَأذَن الله تعالى بفَساد العالَم، أمَّا آيات الرُّسُل فغالِبُها تَنقَضِي في زمانهم، لكن آية الرَّسول باقِية. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن آياتِ الرُّسُل بيِّنة لا تَحتَمِل الشَّكَّ، لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. ويَتفَرَّع على ذلك: أنه يَنبَغي للعالِم الذي يَنشُر شريعة الله إذا نشَرَها بين الناس أن يَكون نَشْره إيَّاها على وَجهٍ بَيِّن لا اشتِباهَ فيه: أوَّلًا: اقتِداءً بالرّسُل. وثانيًا: ليَزداد المُخاطَب طُمأنينة، لأن الطُّمأنينة لها أثَرٌ في قَبول ما يُلقَى وفي القِيام به، فإن الإنسان إذا لم يُبيَّن له الحَقُّ على وَجْه تَحصُل به الطُّمَأنينة تَجِده يَمشِي، أو يَأخُذ بالحَقِّ وهو مُتردِّد، لكن إذا زِيد طُمَأْنينة انتَفَع بذَلِك.

стр. 548

فإن قال قائِل: هل النَّبيُّ لا بُدَّ له من أَتْباع؟ فالجَوابُ: لا، قال الرسولُ ﷺ : "وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ" (١). مسألةٌ: عادَ الله أَمَدَّ لهم في العَذاب؛ لأنهم يَقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾؟ ! فأَرسَل الله عليهم الرِّيح التي هي أَخَفُّ وأَلطَفُ ما يَكون، فأَهلَكَتْهم، قال: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، "فيها": هذه المُدَّةِ قد يَكون بعضُهم هلَك في أوَّل يَوْم، وبعضُهم في ثاني يوم، تبَعًا لما يَكون من المَلاجِئ أو غيره. فإن قال قائِلٌ: هل هذا مُستَثنًى من العُقوبة؟ فالجَوابُ: لا؛ لأنه أَرسَل عليهم العُقوبة على هذا الشَّكلِ. ويُقال: إن هَذه وإن امتَدَّتْ فهي من حين ابتَدَأ العَذاب هلَك مَن هلَكَ. فإن قال قائِلٌ: ما ورَد عن الأُمَم السابِقة مِمَّا ذكَره الله أنهم كانوا يَتَّخِذون من الجِبال بُيوتًا، هل يُقال: إن عِندهم آلاتٍ يَصنَعون بها هذه الأشياءَ؟ فالجَوابُ: يُحتَمَل أنها آلاتٌ، أو يُحتَمَل أنها لكَثْرتهم كل واحِد يُمسِك عمَلًا ويَقوم به، وتَعرِف أن الإنسان إذا اعتاد على عمَل مُعيَّن ولو كان شاقًّا صار سهلًا عليه.

стр. 549

الآيتان (٨٤، ٨٥) * قَالَ اللهُ : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أي: شِدَّة عَذابنا]. ﴿رَأَوْا﴾ يَعنِي بأَبْصارهم، يَعنِي: رأَوْه رُؤية العَيْن، والبَأْس أشَدُّ العَذاب. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾؛ أي: دون شُرَكائنا ودون ما كُنَّا نَعبُده، وهذا غاية الإِخْلاص، ثُم أَكَّدوا هذا بقولهم: ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿بِمَا﴾ الباء حَرْف جَر مُتعَلِّقة بـ ﴿وَكَفَرْنَا﴾، و ﴿بِهِ﴾ يُحتَمَل أن تَكون للسبَبية؛ أي: بما كُنَّا بسبَبه مُشرِكين، وأن تَكون مُتعَلِّقة بـ ﴿مُشْرِكِينَ﴾ تَعلُّق الجارِّ بعامِله، المَعنى: أنهم لمَّا رأَوْا عَذاب الله آمَنوا، ولكن هل يَنفَعُهم هذا الإيمانُ؟ لا، إن فِرعونَ لمَّا غرِقَ وأَدرَكه الغَرَق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]، ولكن قيل له: ﴿آلْآنَ﴾ يَعنِي: أَتُؤمِن الآنَ؟ ! ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، فلَمْ يَنفَعه إيمانُه، وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، هذا لا تَنفَعه التَّوْبة؛ لأنه رأَى وشاهَدَ، شاهَدَ ما كان غَيْبًا يَكفُر به، والإيمان عن مُشاهَدة لا يُفيد؛ لأن

стр. 550

كل إنسان يُؤمِن بما يُشاهِد، ولو كان أَكفَرَ الناس، وإنما الذي يُحمَد عليه الإنسان ويُنجِيه من عَذاب الله أن يُؤمِن بالغَيْب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ﴾ أَصلُها: (لَمْ يَكُن)، لكِن حُذِفت النون تَخفيفًا، وقد جاء الحَذْف والإبقاء في آيَتَيْن من كِتاب الله، فقال تعالى في إبراهيمَ: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، وهذا الحَذْفُ تَخفيف، وله شروط مَعروفة في كتُب النَّحوِ. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ إيمان هل تُعرِبونها على أنها اسمُ (يَكُن) مُؤخَّر، أو على أنها فاعِل (يَنفَع) واسمُها مُستَتِر؟ الجَوابُ: الثاني، والتَّقدير على هذا: فلم يَكُ إيمانُهم يَنفَعهم. أمَّا على الأوَّل فيَكون (يَنفَع) ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾، فيَكون اسمُها ضَميرَ الشَّأْن اسمَ ﴿يَكُ﴾ محَذوف. وقوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ﴿لَمَّا﴾ هنا ظَرْف بمَعنى: حِين، واعلَمْ أن (لمَّا) تَأتِي في اللُّغة العرَبية على أَوجُه: الأوَّلُ: أن تَكون ظرفًا بمَعنَى (حين) كما في هذه الآيةِ، فإن مَعنَى ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي: حينَ رأَوْا بَأْسَنا. وتَأتِي جازِمة، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾، وهي للنَّفْيِ أيضًا ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ جازِمة ونافِية، لكن الفَرْق بينها وبين (لَمْ) أن ﴿لَمَّا﴾ تُفيد قُرْب مَدخولها ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾، ولكن سيَذوقونه قريبًا، بخِلاف (لَمْ) فتَأتِي للنَّفي المُطلَق، وتَأتِي (لمَّا) شرْطية، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، وتَأَتِي بمَعنَى: (إلَّا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ فهَذِه أَرْبعة مَعانٍ في (لمَّا).

стр. 551

قال تعالى: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ ﴿سُنَّتَ﴾ يَقول المفَسِّر ﵀: [نَصبُه على المَصدَر بفِعْل مُقدَّر من لَفْظه] ﴿سُنَّتَ﴾ بمَعنَى: طَريقة؛ أي: هذه طَريقةُ الله، و ﴿سُنَّتَ﴾ في مِثْل هذا التَّركيبِ يَجوز أن تَكون مَرفوعة؛ أي: "سُنَّة الله" على أنها خَبَر مُبتَدَأ مَحذوف؛ أي: هذه سُنَّة الله، ويَجوز أن تَكون مَنصوبة، والمفَسِّر ﵀ يَقول: إنها مَنصوبة على المَصدَر بفِعْل مُقدَّر من لَفْظه؛ أي: سَنَّ الله بهم سُنَّة الله، ويَجوز أن تَكون مَصدَرًا عامِله محَذوف، لكنه مُقدَّر من الجُمْلة التي قَبلَه؛ لأن هذه العِبارةَ بمَعنَى ما قَبلَها تمامًا، يَعنِي: سُنَّة الله، بمَعنَى ما قبلَها وهي أَخْذُ المُكذِّبين بالعَذاب، فتكون مَنصوبة بمَضمون الجُمْلة لا بفِعْل مُقدَّر، وما ذكَرَه المفَسِّر ﵀ وَجهٌ لا شَكَّ، والمُهِمُّ أن السُّنَّة بمَعنَى: الطريقة، وطَريقة الله تعالى إِهلاكُ المُكذِّبين وتَعذيبهم، وأنَّهم لو آمَنوا بعد نُزول العَذاب لم يَنفَعْهم. فإن قال قائِل: في رَسْم القُرآن هنا ﴿سُنَّتَ﴾ التاء فيها مَفتوحة والقاعِدة أنها مَربوطة؛ لأنها لمُفرَد. فالجَوابُ: إن الرَّسْم العُثمانيَّ ليس على القَواعِد المَعروفة الآنَ، بل هو تَوْقيف، وقد اختَلَف العُلَماء ﵏: هل يَجِب أن يُرسَم القُرآن بالرَّسْم العُثمانيِّ أو لا يَجِب، أو يُفصَّل بين أن يُلقَّن التلاميذ الصِّغار أو الكِبار؟ على ثلاثة أَقوال: القَوْل الأوَّل: إنه لا يَجوز أن يُرسَم القُرآن إلَّا بالرَّسْم العُثمانيِّ على كل حال، حتى وإن كُنتَ تُعلِّم الصِّبيان فعلى الرَّسْم العُثمانيِّ، فتكتُب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] تُكتَب: ﴿الصَّلَاةَ﴾ بالواو، حتى وإن كُنتَ تُدرِّس صَبِيًّا اتِّباعًا للرَّسْم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فـ ﴿الزَّكَاةَ﴾ بالواو، و ﴿الصَّلَاةَ﴾ بالواو؛ لأن هذا هو الرَّسْم العُثمانيُّ.

стр. 552

وقال بعضُهم: بل لا يَجِب؛ لأن الرَّسْم العُثمانيَّ حين رُسِم المُصحَف صادَف أنه على هذا الوَجهِ، ولو كان الرَّسْم العُثمانيُّ على غير هذه القاعِدةِ لكُتِب بحَسب القاعِدة التي كانت في ذلك الوَقتِ، فالمَسأَلةُ ليسَت تَوفيقيةً، لكن صادَف أن الرَّسْم في ذلك الوَقْتِ على هذا الوَجهِ فرُسِم القُرآن عليه؛ وذلك لأن القُرآن لم يَنزِل مَكتوبًا حتى نَقول: لا بُدَّ أن يَكون كما كُتِب. بل نَزَل مَقروءًا، وقاعِدة الرَّسْم تَختَلِف من حينٍ لآخَر، وهذا القولُ له وَجهٌ قَويٌّ؛ لأنا نَعلَم عِلْم اليَقين أنه لو كانت قاعِدة الرَّسْم على غير هذا الوَجهِ في ذلك العَهْدِ؛ لكُتِب بمُقتَضى القاعِدة المَعروفة في ذلِكَ العَهْدِ. والقول الثالِثُ: يَقول: إن كان القُرآن مَكتوبًا للصِّبيان للتَّعلُّم فاكْتبه على القاعِدة المَعروفة بَينَهم، وإن كان للكِبار يَعنِي: يَكتُب الإنسان مُصحَفًا فلْيَكتُبْه على حَسب الرَّسْم العُثمانيِّ، وهذا فيه جَمْع بين القَوْلين؛ لأنك لو تَرسُم القُرآن للصَّبيِّ على حَسب الرَّسْم العُثمانيِّ لحَرَّفه؛ لأن القاعِدة التي بين يَدَيْه تُخالِف الرسم فيُحرِّفه، فيَقرَأ مثلًا: ﴿الزَّكَاةَ﴾ الزَّكوت، و ﴿الصَّلَاةَ﴾ الصلوات، و ﴿الرِّبَا﴾ الربو، وهَلُمَّ جرًّا. فأنا أَميل إلى أنه لا بَأْس أن يُكتَب بمُقتَضى القاعِدة الحاضِرة بالنِّسْبة للمُتعَلِّم، لا شَكَّ في ذلك بالنِّسْبة لغيره في احتِمال، ولكن القَوْل بالمَنعْ فيه نظَرٌ. ﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [في الأُمَم أن لا يَنفَعَهم الإيمانُ وقتَ نزولِ العَذابِ]، هذه واحِدة، والثانية: أن يُعذِّب المُكذِّبين. فالسُّنَّة التي استَفَدْناها من هذه الآيةِ شَيْئان: أوَّلًا: إهلاك المكذِّبين، والثاني: أنه لا يَنفَعُهم إيمانهم إذا رأَوُا العَذابَ.

стр. 553

قوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَخَسِرَ﴾ فسَّرَها المفَسِّر ﵀ بمَعنَى: [تَبيَّن خُسْرانهم لكُلِّ أحَدٍ، وهُم خاسِرون في كلِّ وَقْت قبلَ ذلك]. ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ مَعلوم أن ﴿هُنَالِكَ﴾ ظَرْف مَكان، هذا هو الأصل، فهي اسْمُ إشارة إلى المَكان. وقد تُستَعار إشارةً للزَّمان، فتَقول هُنالِك؛ أي: في ذلِكَ الوَقْتِ، ومِنه هذه الآيةُ انتَبِهِ، الآنَ إذا قُلْت: فُلان هناك. هذا ظَرْف مَكان، وهذا هو الأصل، ولو قُلْت مثَلًا: قَدِم فُلان هُناك. تُشير إلى الوَقْت صارَت إشارةً للزَّمان، لكن هذا خِلاف الأَصْل، بَقِيَ علينا أن يُقال: خَسِرَ في ذلك الوَقتِ الكافِرون. أليسَ الكافِرون خاسِرين في كُلِّ وَقْت؟ بلى، لكن تَبيَّن خُسْرانهم وظهَر؛ لأنَّهم كانوا قبل أن يَنزِل عليهم العَذاب يَظُنُّون أنهم رابِحون؛ ولهذا فرِحوا بما عِندهم من العِلْم، لكن إذا نزَلَ بهم العَذابُ ظهَرَ لهم الخُسْران. فإن قال قائِل: الله قال في الآيَةِ الأُولى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] وفي آخِرِ السُّورة قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ فما فائِدةُ التَّغيِير؟ فالجَوابُ: الفائِدةُ من هذا هو بَيان أن كُلَّ كافِر هو مُبطِل ليس معه حَقٌّ، وكل مُبطِل لا يَقول إلَّا الباطِل فهو كافِر يَعنِي: المُبطِل في كل أحواله فهو كافِر ليس معه شيء من الحَقِّ، والكافِر مُبطِل ليس معه شيء من الحَقِّ أيضًا، فاختِلاف التَّعبير لزِيادة المَعنَى، كما يَكون أيضًا في اختِلاف القِراءات أَحْيانًا، كقول الله ﵎: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾، وفي قِراءة أُخرى: "تَسْتَأْذِنُوا" ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وفي قِراءَةٍ: "فَتَثَبَّتُوا"، فتكون القِراءة هَذه مُفسِّرةً للقِراءة الثانية.

стр. 554

من فوائِدِ الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن أُولَئِك القومَ المُكذِّبين للرُّسُل إذا رأَوُا العَذاب قالوا: آمَنَّا، والمِثال على ذلِك: فِرعونُ لمَّا أَدرَكَه الغرَقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هَؤلاءِ الذين يُؤمِنون بعد أن نزَلَ بهِمُ العَذابُ لا يَستَفيدون من إيمانهم شيئًا؛ لقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن سُنَّة الله في العِباد واحِدة، فإنه لا يُحابِي أحَدًا لغِناه، أو لفَقْره، أو لغير ذلك، بل إن أَكرَم الخَلْق عِند الله أَتقاهُم؛ لقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّحذير من تَكذيب الرُّسُل، وأن مَن كذَّب الرُّسُل فإنه سيَنالُه ما نالَهُم من العَذاب سيَناله ما نالَهم؛ أي: ما نال الأُمَم السابِقة من العَذاب. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: ظُهور الخُسْران لهَؤلاءِ المُكذِّبين قبلَ أن يَموتوا؛ لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾؛ أي: حين جاءَهُم البَأْس تَبيَّن لهم الخُسْران ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.