وبما جعَلَ في الورَق من قابِلية ذلك.
ولهذا يُوجَد الآنَ مَوادُّ تُضادُّ النار، تُلقَى في النار ولا تَحتَرِق؛ لأن هُناك مانِعًا يَمنَع من تأثير السبَب، وهذا القولُ هو الراجِح، ألَمْ تَرَوْا أن إبراهيمَ ﵊ أُلقِيَ في النار العَظيمة التي لم يَستَطِع مُلقوه أن يَقرَبوا منها حتى أَلقَوْه في المَنجَنيق ورمَوْه فيها رَمْيًا؛ لم يَحتَرِق مع أن النار سبَب للإِحْراق، لكن الله قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت بَرْدًا وسَلامًا عليه، قال العُلَماء: لو قال الله كوني بَرْدًا، ولم يَقُل: كُوني سَلامًا. لكانت بَرْدًا مُهلِكًا، لكن الله قال: ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، فكانت بَرْدًا وسَلامًا وكأنه لم يَكُن في نار.
إِذَنْ نَقول: الأصَحُّ من أقوال العُلَماء في تأثير الأسباب أنها مُؤثِّرة لا لذاتها، ولكن بما جعَل الله فيها من القُوى المُؤثِّرة في المَحلَّات القابِلة.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الفرَح بغير الحَقِّ سبَب للعَذاب والإِضلال، يُؤخَذ من قوله: ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الفرَح بالحَقِّ مَحمود؛ ولهذا جاء في الحَديث عن النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ المُؤْمِنُ" (١)، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، فالفرَح بالحَقِّ مَحمود، والفَرَح بغير الحَقِّ مَذموم، والفرَح بما ليس حَقًّا ولا باطِلًا ليس محَمودًا ولا مَذمومًا؛ لأنه من اللَّغْو، ولكن عِباد الرحمن إذا مَرُّوا باللَّغْو مَرُّوا كِرامًا.
ثُم اعلَمْ أن الفرَح يَكون طبيعيًّا، الإنسان إذا أَتاه ما يَسُرُّه لا بُدَّ أن يَفرَح
стр. 492
يَنفعِل بدون إرادة، ومَعلوم أن هذا لا يُؤاخَذ به الإنسان إلَّا إذا كانَت طَبيعته مُنحَرِفة بحيث يَفرَح بالسُّوء دون الخَيْر.
فإن قال قائِل: قُلنا: الفرَح بالحَقِّ مَمدوح، فما ضابِط الحَقِّ الذي يُفرَح به؟
فالجوابُ: إذا فعَل الإنسان خيرًا فهذا حَقٌّ، فإذا فرِح بذلك فهو حَقٌّ، إذا فرِح بالمَطَر فهذا حقٌّ، إذا فرِحَ بأن الله أيَّدَه بشيء فهذا حقٌّ؛ ولهذا فرِحَ ابنُ عباس ﵄ حين أَفتَى الرجُلَ بالتَّمتُّع في الحَجِّ فرأَى في مَنامه رجُلًا يَقول له: عُمْرة مُتَقبَّلة وحَجٌّ مَبرور. فأَخبَر بذلك ابنَ عبَّاس ففَرِح بها، وقال: انتَظِرْ حتَّى نُعطِيَك مِن العَطاءِ (١) أو كلِمة نَحوَها.
فإن قال قائِل: فَرَح قارونَ الذي ذُمَّ عليه، هل هو بالبَغيِ أو بالمال الذي أُوتِيَ؟
فالجوابُ: بكِلا الأَمْرَيْن
فإن قال قائِل: لكن الفرَح بالمال ذاته ليس مَذمومًا.
فالجَوابُ: لا، قد يَكون مَذمومًا وقد يَكون مَمدوحًا، إذا فرِح بالمال ليَستَعين به على حَقٍّ، يَعنِي: إنسان يُريد أن يَشتَريَ كُتُبًا وليس عنده مال فرَزَقه الله المال فيَفرَح ليَشتَريَ الكُتُب، لكن إنسان يُريد أن يَشتَرِيَ آلةَ لَهْوٍ وليس عِنده مال فرَزَقه الله المالَ فاشتَرَى به آلةَ لَهْوٍ، فالفرَح هنا مَذموم.
فإن قال قائِل: هل يُثاب الإنسان على الفَرَح؟
стр. 493
فالجوابُ: أي نعَمْ؛ لأنه يَدُلُّ على حُسْن نِيَّة وقَصْد، إذا فرِح بالحَقِّ فإنه يُثاب على ذلك؛ لأنه يَدُلُّ على أنه يُريد الحَقَّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الأسباب تَتَوارَد، بمَعنى أنه قد يَرِد على الشيء سببٌ، يُؤخَذ من قوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾، والمَرَح أشَدُّ الفَرَح، وهكذا الأسبابُ الشَّرعية تَتَوارَد، بمَعنَى أنه قد يَكون في الإنسان سَبَبان، واحِد مِنهما يُوجِب الحُكْم، فإذا اجتَمَعا صار كل واحِد يُقوِّي الآخَرَ.
فإِنِ اختَلَف مُوجِب السبَبَيْن فهل نَقول: إننا نَأخُذ بأَحَد السبَبَيْن دون الآخِر، أو نَأخُذ بالسبَبَيْن ونَعمَل بمُوجبهما؟
الجوابُ: الثاني ما لم يَكُن أحدُهما أقوى فيَندَرِج به الأصغَرُ، فإذا اجتَمَع سببان واختَلَف مُوجبهما، أَخَذْنا بمُوجب كل منهما ما لم يَكُن أحدُهما أقوى فيُؤخَذ بالأَقْوى.
مثال ذلك: ابنُ عَمٍّ هو زَوْج ماتت امرَأَتُه، هنا اجتَمَع في حقِّ هذا الزَّوْجِ جِهة فَرْض وجِهة تَعصيب، فهل يَرِث بالفَرْض أو بالتَّعصيب أو بهما؟
الجَوابُ: بِهما، فنَقول: هذا الزَّوجُ له النِّصْف فَرْضًا، والباقِي تعصيبًا، فهُنا وَرِث بالفَرْض وبالتَّعصيب.
ورجُل ملَكَ أَمَةً ثُمَّ تَزوَّجها فهل يَصِحُّ هذا الزواجُ ليَملِك بُضْعها أو لا يَصِحُّ؟
الجوابُ: لا يَصِحُّ؛ لأن المِلْك أَقوى؛ ولهذا لا يَصِحُّ على السَّيِّد أن يَعقِد النِّكاح على أَمَته، لكن يَستَمتِع بها بمِلْك اليمين.
ورجُل بالَ وتَغوَّطَ، هنا سبَبان مُوجِبان للوُضوء هل نَأخُذ بكُلِّ واحِد منهما؟
الجَوابُ: هنا لم يَختَلِف المُوجِب هنا؛ لأن المُوجِب هو الوضوء فلا يَختَلِف،
стр. 494
لكن يَقوَى المُوجِب بتَعدُّد المُوجَب، لكن لمَّا لم يَختَلِف فنَقول: نَأخُذ بهما جميعًا؛ لأن لا فائِدةَ من ذلك.
إِذَنْ: إذا اجتَمَع مُوجِبان فإذا اتَّحَد مُوجِبهما أَخَذْنا بواحِد وكفَى، وإن اختَلَف المُوجِب أخَذْنا بهما ما لم يَكُن أحدُهما أقوى، فيُؤخَذ بالأقوى ويُترَك الأَضْعَف.
стр. 495
الآية (٧٦)
قَالَ اللهُ : ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. [غافر: ٧٦].
قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿ادْخُلُوا﴾ فِعْل أَمْر، والآمِر هُمُ المَلائِكة، والأَمْر يُراد به لإهانة، ليس أَمْر إكرام، ولكِنه أَمْر إهانة وإِلْزام؛ لأنه لا بُدَّ أن يَدخُل. وقوله: ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ جَمعْ، وعدَد أبواب جَهنَّمَ سَبْعة كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿جَهَنَّمَ﴾ اسمٌ من أَسْماء النار، وسُمِّيَت بذلك لأنها ذاتُ جُهْمة، إذا قُلْنا: إن جَهنَّمَ اسمٌ عرَبيٌّ زِيدت فيه النون. وإن قُلنا: إنه اسمٌ غيرُ عرَبيٍّ ولكنه عُرِّب، فلا حاجةَ أن نَقول: إنه مُشتَقٌّ من الجُهمة التي هي الظُّلْمة أو القَعْر، وأيًّا كان فهو اسم من أَسْماء النار، أَعاذَنا الله وإيَّاكم منها.
فإن قال قائِل: قُلْتم: إن العدَدَ لا مَفهومَ له في قوله ﷺ : "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ" (١) قُلْتم: هذا العدَدُ لا يَدُلُّ على الحَصْر، وإن لله أَسماءَ أُخرى فلِماذا نَقولُ بالحَصْر، أو بإفادة العدَد الحَصْر في أبواب جَهنَّمَ وأبواب الجَنَّة؟
стр. 496
فالجوابُ: نَقول: أمَّا الأوَّلُ وهو قوله: "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا" فإنَّما قُلنا: إنها لَيْسَت للحَصْر بدليلٍ وهو حَديث عبد الله بن مَسعود في حَديث الهَمِّ والغَمِّ، قال: "أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ" (١)، وإذا كان الله مُستَأْثِرًا به في عِلْم الغَيْب عنده، فإنه لا يُمكِن للإنسان أن يُدرِكه؛ لأن الله استَأْثَر به، فمن ثَم قُلنا: إن العَدَد لا مَفهومَ له في قوله: "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا" وأن المعنى أن مِن أَسماء الله تِسْعة وتِسْعين اسمًا مَن أَحصاها دخَل الجَنَّة.
فإن قال قائِل: إذا قُلنا: ﴿ادْخُلُوا﴾ تَأتِي للإهانة وتَأتِي للإكرام أَفَلا يَكون فيها رَدٌّ على مَن قال: إن القُرآن فيه مَجاز، وذلك لأَنَّنا نَقول: كلُّ كلِمة في مَوْضِعها فهي حَقيقة فيها.
فالجوابُ: نعَمْ، ربما يَكون في ذلك دَلالة على نَفيِ المَجاز؛ ولهذا كان الصوابُ ما اختارَه شَيْخُ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ (٢) ﵀ "أنَّه لا مَجازَ في اللُّغة ولا في القُرآن".
والعُلَماء اختَلَفوا على هذا في أَقْوال: فمِنْهم مَن قال: لا مَجازَ لا في القُرْآن ولا في غيره. ومِنهم مَن قال: لا مَجازَ في القُرآن ويَجوزُ في اللُّغة. ومِنهم مَن قال: المَجاز في القُرآن واللُّغة. ومِنهم مَن قال: كلُّ الكَلام مَجاز. وأَظُنُّ هذا رَأْيُ ابن جِنِّي (٣)، أن جميع الكلام كله مجَاز، حتى إذا قال: ضرَبْت زَيْدًا. قال: هذا مجَاز. قُلتُ: خيرًا. قال: هذا مَجاز. وهَكذا، لكن الراجِح أن لا مَجازَ؛ وذلك لأن الذي يُعيِّن مَعنَى
стр. 497
الكلِمة هو السِّياق والقَرائِن؛ ولهذا ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ﴾ القَرينة تَدُلُّ على أن الأَمْر للإِهانة ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ القَرينة تَدُلُّ على أنه للإكرام.
فائِدةٌ: قول الله ﵎ في أَهْل النار يُقال لهم: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ الأمر بدُخول النار أَمْر الله ، والمُراد به يومَ القيامة هو الإِهانة، وقوله تعالى في أهل الجَنَّة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ المُراد بالأَمْر الإكرام؛ إِذَنْ نَأخُذ من هذا أن الكلِماتِ يَختَلِف مَعناها باختِلاف السِّياق، وهذه فائِدة عَظيمة لطالِب العِلْم أن الكلِماتِ يَختَلِف مَعناها باختِلاف السِّياق، فكَمْ كلِمةٍ كان لها مَعنًى في سِياق ولها مَعنًى آخَرَ في سِياقٍ آخَرَ.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ هذه حالٌ من الفاعِل في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾ والخُلودُ هل هو طُول المُكْث أو هو التَّأْبيد؟
نَقول: اللُّغة العرَبية يَأتِي فيها الخُلود مُرادًا به طولُ المُكْث، وَيأتِي مُرادًا به التَّأبيد، والمُراد به هنا الثاني يَعني: أنهم خالِدون فيها أبدًا.
ودليلُ ذلك أن الله تعالى صرَّح في القُرآن الكريم بأن أَهْل النار خالِدين فيها أبَدًا في ثلاثة مَواضِعَ:
المَوضِع الأوَّل: قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].
والآيةُ الثانية: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥].
стр. 498
والآيةُ الثالِثةُ: قول الله : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
وبهذِه الآياتِ الثلاثِ يَتبيَن ضَعْف - بَلْ بُطلان - قولِ مَن يَقول: إن النار ليسَتْ مُؤبَّدة، وإنها تَفنَى. فإن هذا القَوْلَ مُنكَر؛ لأنه مخُالِف لصريح القُرآن، ولا يُمكِن لإنسان يُخالِف صريح القُرآن لمُجرَّد تَعليلات يُعلِّلها، مثل أن يَقول: إن رحمة الله تعالى سبَقَت غَضَبَه، وإن هَؤلاء مَآلهُم إلى أن يَفنَوْا هم والنار. يُقال: نعَمْ رحمة الله سبَقَت غَضَبَه، لكن وَعْد الله حَقٌّ، وإذا كان وَعْد الله حقًّا، فإنهم يُخلَّدون فيها أَبَدًا.
فإن قال قائِل: نحن قُلنا بأن القولَ: إن النار ليسَتْ مُؤبَّدة مُخالِفٌ لصَريح القُرآن، فإن قيل: هذا وعيد، وإخلاف الوَعيد جائِز! .
فالجَوابُ: نَقولُ: هذا لا يُمكِن؛ لأنَّنا لا نَقول: إخلاف الوَعيد جائِز، إلَّا في أَمْر ضَروريٍّ لا بُدَّ منه مِثْل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣].
وهذه بعضُ الأَجْوبة التي أُجيب عن هذه الآيَةِ بها، أن هذا الوَعيدُ، وإخلافُ الوعيد كرَم، وهو ثَناء ومَدْح للمُخلِف، لكِنْ هذا الجَوابُ في الواقِع جَواب يُهَزُّ ليس جَوابًا راسِخًا؛ لأنَّنا نَقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١] أي: ما وعَدَ به من عُقوبة أو كرامة، وأمَّا الآية: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ في آية القَتْل فيُحمَل الخُلود على المَعنَى الثاني وهو المُكْث الطويل، وبهذا ليس هناك تَناقُضٌ.
فإن قال قائِل: التَّخليد الأبَديُّ في هذا العذابِ الأَليم كيف يَكون جَزاء لإنسان لم يَبقَ في الدُّنيا إلَّا مِئة سَنَة، أو مِئتي سَنَة، أو أَلْف سَنَة، فيَكون هنا العَذاب أكثرَ
стр. 499
من زمَن العمَل؛ لأنه لا أَحَدَ بَقِيَ في الدنيا أَبدَ الآبِدين فيَقتَضي هذا أن يَكون فيه ظُلْم؛ لأن الجزاء صار أكثَرَ من العمَل بكثير، ولا يُنسَب له، كما قُلت لكم يَعنِي: لنَفرِض أن أحَدًا من الناس عاشَ ألفَ سَنَة، أو أَلفَيْ سَنةٍ، أو عشَرة آلاف سَنَة، لكنه عاش إلى أَمَد ثُم نَقول: عَذابه مُؤبَّد. يَكون هذا ظُلمًا؟
فيُقال: إن هذا أَمضَى حَياته الدُّنيا كُلَّها في محُادَّة الله ورُسُله فيُمضِي حَياته الأخرى كلَّها في العَذاب، وهذا عَدْل، ثُم إن هذا الذي عُذِّب أبَدًا قد قيل له في الدُّنيا وبُيِّن له أن جزاءَه العَذاب الأبَديُّ، فلماذا يُقدِم على شَيْء يَعرِف أن هذا جَزاءَه، وحينَئِذٍ لا ظُلمَ، ولا عُذْرَ للكافِرين.
فالمُهِمُّ: أن قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يُراد به الخُلود الأبَديُّ.
فإن قال قائِل: ما قولكم في ما ورَد: "يَبْلغ المرءُ بنِيَّته ما لَا يَبْلغ بعَمَله"؟
فالجَوابُ: أوَّلًا هذا ليس حَديثًا صحيحًا عن الرسول ﷺ ، وثانيًا مُرادُ قائِله أن الإنسان يُدرِك بنِيَّيه ما لا يُدرِك بعمَله، هذا المَعنَى، فالإنسان المَريض الذي يَتمَنَّي أنه صحيح يَقوم بما أَوْجَب الله عليه، هذا أَدرَكَ بالنِّيَّة ما لم يُدرِك بالعمَل، وكذلك أيضًا بالنِّسبة للشَّرِّ، الإنسان إذا نوَى الشرَّ وهو عاجِز عنه يُعاقَب مُعاقَبة الفاعِل لكن بالنِّية، دَليل ذلك قول النَّبيِّ ﵊ في الرجُل الفَقير الذي ليس عِندَه مال، وكان هناك رَجُل آخَرُ يُنفِق المال في غير مَرضاة الله فقال الرجُل: "لَوْ أَنَّ لِي مَالَ فُلَانٍ لَعَمِلْتُ فِيهِ عَمَلَ فُلَانٍ" قال النَّبيُّ ﷺ : "فَهُوَ بنِيَّتِهِ فَهُما فِي الوِزْرِ سَوَاءٌ" (١).
стр. 500
وقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ هذه الجُملةُ جُملةٌ إنشائِية يُراد بها الذَّمُّ، ويُقابِل هذا في المَدْح: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿فَبِئْسَ﴾ هنا فِعْل إنشائِيٌّ يُراد به الذَّمُّ، والمَعنى: أن هذه الدارَ كلُّها ذَمّ كلُّها بلاءٌ؛ ولهذا وُصِفت بأنها ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إهانةُ الكُفَّار، وهو عَذاب قَلْبيٌّ؛ لأن العَذاب القَلبيَّ قد يَكون أشَدَّ من العَذاب البدَنيِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن لجهنَّمَ أبوابًا؛ لقوله: ﴿أَبْوَابَ﴾ وقد جاء في القُرآن الكَريم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: خُلود أهل النار فيها؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ والصواب الذي لا شَكَّ فيه أن الجلود مُؤبَّد للآيات الثلاث التي سُقْناها قبلَ قَليل.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَناوُل القَدْح على نار جَهنَّمَ؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التَّحذير من التَكبُّر؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊: "لَا يَدْخُلُ الجَنّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ" (١) فالكِبْر - والعِياذُ بالله - سبَب لدُخول النار.
لكن قد يَكون سبَبًا لدُخولها مع الخُلود، وقد يَكون سبَبًا لدُخولها للتَّطهير فقَطْ، فإن كان هذا التَّكبّرُ تَكبُّرًا عن الحقِّ ورَدًّا له فهذا سبَب لدُخول النار على
стр. 501
التأبيد، وإن كان التَّكبُّر دون ذلك، مثل أن يَتكبَّر على الخَلْق مع القِيام بحقِّ الخالِق أو يَتكَبَّر عن بعض الأشياء ولا أَظُنُّ أحَدًا يَتكبَّر عن أَمْر من أَمْر الله إلَّا وهو كافِر كُفْرًا مُطلَقًا؛ لأن إبليسَ تَكبَّر عن شيء واحِد وكفَر وهو السُّجود، لكن مَن تكَبَّر على الخَلْق دون الحقِّ فهذا لا يُخلَّد في النار، يُعاقَب بمِثْل ما فعَل من ذَنْب.
تنبيه: أنا أُحِبُّ من طالِب العِلْم أن يَكون قوِيًّا في استِنْباط الأَحْكام من الأَدِلَّة؛ لأن القادِر على استِنْباط الأحكام من الأدِلَّة يَحصُل على عِلْم كثير من أدِلَّة قَليلة، كم من إنسان يَستَنبِط من آية واحِدة عِشرين فائِدة ويَأتِي إنسان آخَرُ ولا يَستَنبِط إلَّا خمسَ فوائِدَ مثَلًا، الأوَّلُ حصَل على ثلاثة أضعاف ما حصَل عليه الثاني، وذلك بالاستِنْباط، ولكن هنا مَسأَلة، لا تُفْرط في الاستِنْباط؛ لأنك إن أَفْرَطتَ فيه حمَّلْت النُّصوص ما لا تَحتَمِل، فكُن وسَطًا وإذا دار الأَمْر بين أن يَكون هذا الحُكْمُ مُستَنبَطًا من آية أو حَديث أو لا يَكون فما هي السَّلامةُ؟
إن قلت: لا يَكون. قال لك الآخَرُ: السَّلامة أن يَكون؛ حتى لا نُبطِل دَلالة النَّصِّ، لكن نَقول: الأوَّلُ أرجَحُ؛ لأنك إذا لم تَتَيقَّن أن الآية دلَّت عليه وسَكَتَّ فقد سلِمْت؛ لأنَّك لم تَنفِ.
والسكوتُ درَجة بين النَّفيِ والإثبات فأنت إذا سكَتَّ لم تَكُن قلتَ على الله بغير حَقٍّ، لكن إذا أَثبَتَّ في النصِّ ما لا يَدُلُّ عليه فقد قُلتَ على الله بغير حَقٍّ.
إِذَنْ: فالسَّلامة فيما إذا شكَكْت هل النَّصُّ دلَّ على هذا أو لا، السَّلامة أن تَسكُت، ولكن لا تَنفِ؛ لأنه قد يَكون دالًّا عليه في نَفْس الأمر، ولكن فَهْمك لم يُدرِكه.
стр. 502
الآية (٧٧)
* قَالَ اللهُ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧].
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ﴿فَاصْبِرْ﴾ الخِطاب هنا للرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمِ -، وهو فِعْل أَمْر، والأَمْر الأصل فيه الوُجوب كما سيَأتِي، أمَّا مَعنَى الصَّبْر لُغة فهو الحبْس، ومنه قولهم: قُتِل فُلان صبرًا. أي: حَبْسًا؛ أيِ: أُمسِكَ ثُم قُتِل، لكنه في الاصطِلاح الشرعيِّ أخَصُّ مُطلَق الحبْس، فهو حَبْس النَّفْس عمَّا يُسخِط الله تعالى فيما يُرضِي الله.
ومن ثَم قال العُلماء: إن الصبْر يَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام: صَبْر على طاعة الله وهو أعلى الأقسام، وصَبْر عن مَعْصية الله وهو الثاني في المَرتَبة، وصَبْر على أقدار الله المُؤلمِة وهو الثالِث في المَرتَبة أيضًا.
الأوَّل: صَبْر على طاعة الله، بأن يَصبِر الإنسان نَفْسه على طاعة الله بأن يَقوم بالواجِب، وأن يُكمِل ذلك بالمُستَحَبِّ، وهذا يَحتاج إلى صَبْر وإلى عَناء، ولا سِيَّما مع ضَعْف الإيمان، فإن ضَعيف الإيمان يَشُقُّ عليه فِعْل الطاعات، فيَحتاج إلى أن يَصبِر وأن يَحبِس نفسه على فِعْل الطاعة، ويَعِدَها بالخير والثواب، ويَقول: إن الوَقْت ماضٍ وذاهِبٌ، فإمَّا أن يَكون في طاعة الله، وإمَّا أن يَكون في مَعْصية الله،
стр. 503
وإمَّا أن يَكون لَغْوًا فيَحمِلها ذلك على القيامِ بطاعة الله.
والصَّبْر على طاعة الله شاقٌّ من وَجْهين: من وَجْه إلزام النَّفْس بالقِيام به، ومن وَجْه تعَب البدَن بالقِيام به، فهنا عَناءان: الآنَ الأوَّل مع النَّفْس، والثاني مع الجوارِح؛ ولهذا كان هو أعلى أَقْسام الصَّبْر، مثال ذلك الصَّبرُ في الجِهاد، هذا صَبْر على طاعة الله، وهو أشَقُّ أنواع الطاعة التي يُصبَر عليها؛ ولهذا جعَلها النبيُّ ﷺ ذُروة سَنام الإسلام؛ لأنَّه أشَقُّ ما يَكون.
الثاني: صَبْر عن مَعصية الله؛ يَعنِي: أن الإنسان قد يَهوَى المَعْصية، ولكن يَحبِس نفسه عنها، فهذا صَبْر عن مَعْصية الله ويَتَضمَّن هذا الصَّبرُ حَبْس النَّفْس مع الكفِّ، ففيه عَناءٌ واحِد، وهو حَبْس النَّفْس عن المعصية، لكن ليس فيه تعَب بدَنيٌّ؛ إذ إنه كف بلا فِعْل، والكفُّ بلا فِعْل أَهوَنُ من الفِعْل؛ يَعنِي: ليس فيه مَشقَّة بدَنية، غاية ما فيه أن مُعاناة قلبية للصَّبْر عن هذه المَعصيةِ.
والقِسْم الثالِث: الصَّبْر على أقدار الله المُؤلمِة، هي التي لا تُلائِم النَّفْس إمَّا بوَفاة مَحبوب، وإمَّا بحُصول مَكروهٍ فيَحبِس الإنسان نَفْسه في هذا الأَمرِ، وهو أقلُّ أقسام الصَّبْر رُتبةً؛ لأنه يَأتِي بغير اختيار الإنسان. انتَبِه الصَّبْر على الطاعة باختيار الإنسان، وعن المَعصية باختِياره، لكن على الأقدار لا، ليس بمَلْكك أن تَمنَع ما قدَّر الله عليك من وَفاة محَبوب، أو حُصول مَكروهٍ؛ ولهذا قال بعضُ السلَف: عند حُلول المَصائِب إمَّا أن تَصبِر صَبْر الكِرام، وإمَّا أن تَسلوَ سَلوَ البَهائِم. وقِس نَفْسك إذ تَأتيك المُصيبة اليومَ أَكبَرَ من الجِبال وأَحرَّ من النِّيران، ثُم تَخِفُّ شيئا فشيئا حتى لا تَكاد تَذكُرها.
стр. 504
إِذَنْ: إمَّا أن تَصبِر وتَحتَسِب، وإمَّا أن تَسكُت حتى لو تَسخَّطْت، فالمال إلى نِسيانها، وإما أن يَسلوَ الإنسان سَلوَ البَهائِم.
فإن قال قائِلٌ: قوله ﷺ : "إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا" (١) ما يَقَع في القَلْب أثناء المصائِب، وما أَشبَه ذلك هل هذا يُنافِي الصبر؟
فالجَوابُ: لا، الحُزْن على الشيء لا يُنافِي الصَّبْر، الذي يُنافيه أن يَقَع في قلبه التَّسخُّط على الله، وما يقَعُ فتَجِب مُدافَعته، وأن يَعلَم أن الله حَكيم، وقد يُريد الله بالإنسان خيرًا إذا ابتَلاه، فإذا كان هجَم على قلبه فالواجِب أن يُدافِع، لكن لا أَعتَقِد أن مُؤمِنًا يَتَسخَّط على ربه، نعَمْ يَكرَه ما حصل، صحيح كل إنسان يَكرَه ما يَحصُل له من البَلاء، لكن كونه يَعتَقِد أن الله ظلَمَه، وأن هذا عُدوان من الله عليه، وما أَشبَهَ هذا لا أَظُنُّ أحَدًا يَفعَله.
فإن قال قائِلٌ: ما عَلامة الإنسان الذي لم يَبلُغ الصَّبْر؟ .
فالجَوابُ: إذا وجَد في نَفْسه التَّسخُّط، وفي قلبه التَّسخُّط.
وهذا القِسْمُ الثالث من أقسام الصبْر: الصبْر على أقدار الله المُؤلمِة؛ يَكون بالأمور الآتِية: حَبْس اللِّسان عن التَّسخُّط، لا تَسخَط تَقول: أَصابَني الله بكذا، ولم يُصِب فلانًا، أَصابَني بالفَقْر والناسُ أغنياءُ، أَصابَني بالمرَض والناسُ أصِحَّاءُ. وما أَشبَه ذلك ما يَقول هذا، لا يَقول: واوَيْلاه واثُبوراه وانقِطاع ظَهْراه. وما أَشبَه ذلك لا يَقول هذا؛ لأن هذا مُنافٍ للصَّبْر، الإخبار بما أَصاب الإنسانَ
стр. 505
من مُصيبة دون التَّشكِّي، وقَعَ هذا من النَّبيِّ ﷺ ؛ حيثُ قال: "بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ" (١) ولا حرَجَ، يَعنِي هناك فَرْق بين شخص يَتكلَّم بما أَصابَه تَسخُّطًا أو شِكاية لمخلوق، وبين شخص يُخبِر عمَّا أَصابه، فقَطْ مجُرَّد خبَر، والأعمال بالنِّيَّات.
الثاني: حَبْس الجوارِح عند المُصيبة عن فِعْل ما لا يَجوز وما يُنبِئ عن الغَضَب؛ مثل: شَقِّ الجُيوب، لَطْم الخُدود، نَتْف الشُّعور، وما أَشبَه ذلك. هذا أيضًا مُنافٍ للصَّبْر، ولهذا تَبرَّأ النبيُّ ﷺ من فاعِله فقال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ، وَلَطَمَ الخُدُودَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ" (٢).
الثالِثُ: وهو حَبْس القَلْب عن كراهة ما قَدَّر الله وهذا أَعظَمها وأَدَقُّها، قد يَرَى الإنسان الضعيف المَخلوق المَمْلوك المُدبَّر، قد يَرَى أن ربَّه ظلَمه - والعِياذُ بالله - دون أن يَتكلَّم ودون أن يَفعَل، لكن قَلْبه مَملوء على الله سُخْطًا، مِن السُّخْط ورُؤْيةِ أنَّ الله تعالى ظلَمه، أو ما أَشبَه ذلك. هذا يَجِب أيضا أن يَتخَلَّى القلب عنه، وهذا أَخطَرُ ما يَكون بالنِّسبة للصَّبْر على الأقدار، اتْلُ قولَ الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] ﴿حَرْفٍ﴾ يَعنِي: طرَفٍ، ليسَت عِبادةً راسِخة ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١].
وهذا يَشمَل فِتْنة المَصائِب وفِتْنة الشُّبُهات، من الناس مَن يُؤمِن بالله واليوم
стр. 506
الآخِر، لكنه على طرَف إن أَصابَه خَيرٌ ولم يُناقِشه أَحَد أو يُجادِله أحَدٌ مَشَى، وإن جاء أَحَد يُشكِّكه في هذا الأَمْرِ شكَّ، فانقَلَب على وَجْهه؛ خسِر الدنيا والآخِرة.
ومن الناس أيضًا مَن يَكون في نِعْمة، قد أَنعَم الله عليه بالأموال والأولاد وما يَحتاج إليه من الدّنيا أو يُكمِلها، فأُصيب بحادِث فقَدَ أَهلَه به كلَّهم.
فمن الناس مَن إذا كان يَعبُد الله على حَرْف يَسخَط على الله، وَيكرَه قضاء الله، كَراهة سَخَط، ليس كَراهة أنه يَتمَنَّى ما لم يُصِبْه، لا، إنما يَتَسخَّط على ربِّه، وهذا من جَهْل الإنسان، أنت مِلْك لله هذا الربِّ الكَريمِ الذي إذا أَصابَك بسَرَّاء فشَكَرْت أَثابَك، وإن أَصابَك بضَرَّاءَ فصبَرْت أَثابَك. كيف تَسخَط على هذا الربِّ الكَريم وأنت مِلْكه وعَبْده، يَتَصرَّف فيك بما شاء، وله الحِكْمة فيما فعَل؟ ! وظيفتك الصَّبْر عند البَلاء، والشُّكْر عند الرَّخاء.
فالمُهِمّ: أن الصَّبْر الآنَ تَبيَّن أنه ثلاثة أقسام:
الأوَّل - أَعلاها وأَتَمُّها -: وهو الصبر على طاعة الله.
الثاني: الصَّبْر عن مَعْصية الله.
الثالث: الصَّبْر على أَقْدار الله.
فأَفضَلها الأوَّل، ثُم الثاني، ثُم الثالِث.
يُوسُف ﵊ أُصيب ببَلاء في خُلُقه وبَلاء في جَسَده، صبَرَ على هذا وهذا، دعَتْه امرأةُ العَزيز في مَكان مُغلَق، وهي امرأة العَزيز عِندها من الحُليِّ والزِّينة - وربَّما من الجمال - ما ليس عند غيرها، وهو فَتاها أيضًا، ليس هو أكبَرَ منها شرَفًا عِندها، دَعَتْه إلى نفسها في مَكان خالٍ وهمَّ أن يَفعَل؛ لأن النَّفْس البَشَرية قد يَغيب
стр. 507
عنها مُلاحَظة أَمْر الرُّبوبية، فهَمَّ بها لكِنْ هي السابِقة: همَّتْ به وهَمَّ بها، لكن بعد أن هَمَّ رأَى بُرهانَ الله ، أَراه الله البُرهانَ الآيةَ، كأنها رُؤْية عَيْن، فامتَنَع وقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ هذا صَبْر عن المَعْصية، وصَبْر عَظيم، فتًى شابّ مع سَيِّدته الجَميلة، في مَكان لا يَطَّلِع عليه أحَدٌ، ومع هذا كفَّ عنها.
وأُوذِيَ في جَسَده، فحُبِس، سُجِن ولَبث في السِّجْن بِضْع سِنين، ومع ذلك صَبَر؛ حتى إن الملِك لمَّا قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أَبَى أن يَخرُج حتى تُسأَل النِّسْوة ماذا حصَل؛ ليَتبَيَّن براءَتَه قبل أن يَخرُج، وهذا لا شَكَّ صَبْر عَظيم، لكن أيُّ الصَّبْرين أعظَمُ؟
الجَوابُ: الأوَّل الصَّبْر عن المَعصية؛ لأن السَّجْن حاصِل حاصِل، صبَر أو لم يَصبِر، وليس باختِياره.
فإن قال قائِل: ما هو الفَرْق إذا أَصاب الإنسانَ شيءٌ من الجوْف قال: قدَّر الله ما شاء فعَل. وبعضُهم يَقول: قدَرُ الله وما شاءَ فعَلَ؟
فالجوابُ: يَجوز هذا وهذا، قدَّر الله. هذا فِعْل ماضٍ، وقدَرُ الله. خبرٌ لمُبتَدَأ محَذوف، التَّقديرُ: هذا قدَرُ الله.
فقول الله تعالى لرسوله ﵊: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يَتَضمَّن كل الأَقْسام، ولهذا كان نَبيُّنا ﷺ أَصبَرَ الناس في أَحْكام الله، وأَصبَرَ الناس على أَحْكام الله.
فإن قال قائِل: بعضُ العُلَماء، قال: إن ما أَصاب الرُّسُل من التَّكذيب والتَّعْذيب أشَدُّ مِمَّا أَصاب يُوسُفَ من اتِّهامه بما اتُّهِمَ به؟
فالجَوابُ: لكل شيء حُكْم، فيُوسُفُ ﵊ اتُّهِمَ بما اتُّهِمَ به، وعُذِّب
стр. 508
عليه، وسُجِن مع بَراءَته وظُهور براءَته في النِّهاية، وهؤلاء المُكذِّبين بعضُهم فُعِل به أكثَرَ مِمَّا فُعِل بيُوسُفَ، من التعذيب، بل بعضُهم قُتِل، فلكل شيء وجهٌ، ولا يُمكِن المُقارَنة بين هذا وهذا.
فإن قال قائِلٌ: علِمْنا أنَّ فِرعونَ وهامانَ وقارونَ قد أَهلَكهم الله هل هلَكوا كلُّهم مرَّة واحِدة، أم كل واحِد على حِدَة؟
فالجوابُ: أمَّا قارونُ فالله بيَّن أنه خُسِف به وبداره الأرض، فليس مِمَّن هلَك بالغرَق، وأمَّا هامانُ فالظاهِرُ أنه هلَك مع فِرعونَ.
فإن قال قائِل: هل سبب هَلك قارونَ أنه أتَى بامْرأة غانِية فافتَرَت على مُوسى ﵇ أنه زنَى بها؟
فالجَوابُ: افتِخاره بماله هو الذي خسَفَ به الأرض.
وقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هذه جُمْلة مُؤَّدة بـ (إِنَّ) وَعْد الله حَقٌّ. وَيقول المفَسِّر ﵀: [إنَّ وَعْد الله بعَذابِهم حَقٌّ] وهذا قُصور من المفَسِّر ﵀، بل إن وَعْد الله بعَذابهم ونَصْرك حَقٌّ، بل لو قُلْنا بأنه أعَمُّ من ذلك أيضًا، لولا أنه في سِياق المُحاجَّة مع الكُفَّار لقُلْنا: إنه أَعَمُّ. إن وَعْد الله حَق في كل شيء؛ في عَذاب هَؤلاءِ، ونَصْره، وفي الجَنَّة، وفي كل شيء.
وقوله: ﴿حَقٌّ﴾؛ أي: أَمْر ثابِت واقِع، فكُلُّ ما وعَد الله به فهو حَقٌّ ثابِت واقِع؛ لكَمال صِدْقه وكَمال قُدْرته؛ لأن إخلاف الوَعْد يَأتِي من أَحَد أَمْرين: إمَّا كَذِب الواعِد، وإمَّا عَجْزه عن تَنفيذ ما وَعَد به، والله لا يُخلِف المِيعاد؛ لكَمال صِدْقه وكَمال قُدْرته ﵎.
стр. 509
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾ ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يَقول المفَسِّر ﵀ في إعرابها: [فيه (إِنِ) الشَّرْطية مُدغَمة و (ما) زائِدة تُؤكِّد مَعنى الشَّرْط أوَّل الفِعْل والنون تُؤكِّد آخره ... ] إلى آخِره.
﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ الفاء هذه عاطِفة، و (إِنْ) شَرْطية، و (ما) زائِدة للتَّوْكيد، وهي كزِيادتها في قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، ﴿أَيًّا مَا﴾ (ما) زائِدة، لو حُذِفت: وقيل: أيًّا تَدْعو. استَقام الكلام، لكن يُؤتَى بحُروف الزِّيادة للتَّوْكيد. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ لو حُذِفت (ما) وقال: إن نُريَنَّك. استَقام، لكنها تَأتِي للتَّوْكيد.
﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ (نُرِي) فِعْل مُضارع، لكنه بُنِيَ على فَتْح آخِره، وهي الياء؛ لاتِّصاله بنون التَّوْكيد، والنون للتَّوْكيد، والكاف مَفعول به. التَّوْكيد هنا في آخِر الفِعْل، و (ما) في أوَّله، فصار هذا الفِعلُ - الذي هو الإِراءَة - مُؤكَّدًا بمُؤكِّدين: (ما) الزائِدة في أوَّله، ونون التَّوْكيد في آخِره، والكاف هذه مَفعول أوَّل، و ﴿بَعْض﴾ مَفعولٌ ثانٍ، و (نُرِي) الرّؤْية هنا بَصَرية، لكن لمَّا دخَلت علَيْها همزة التَّعْدية صارت ناصِبة مَفعولين، تَقول: فُلان رأَى النَّجْمة. نصَبَت مَفعولًا واحِدًا. فلان أَريته النَّجْمة. مَفعولين. من أَجْل دُخول الهَمْزة، على (رأَى). هذه مَثْلها؛ لأن (نُرِي) رُباعيٌّ أَصْلها أَرَى يُرِي ونرِي.
﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يَعنِي: فأنت تَراه. قال المفَسِّر: [﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ به من العَذاب في حَياتك، وجَواب الشَّرْط مَحذوف أي: فذاك]، أين جواب الشَّرْط (إن) في قوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾؟ يَعنِي: إن أَرَيْناك بعض الذي نَعِدهم فقد رأَيْته بعَيْنك وأَقَرَّ الله عَيْنك به، وهذا هو المَطلوب.
стр. 510
﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ يَعنِي: قبل أن نُريَنَّك ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ وسنُريك بهم، هذا تَهديد عظيم. وقوله: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ هذه مَعطوفة ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ وهي قَسيم قوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يَعنِي: إمَّا أن ترى العَذاب قبل مَوْتك، وإمَّا أن نَتَوفَّاك ثُم نُعذِّبهم بعد الرجوع إلينا، وهذا أشَدّ، فإن عَذاب الآخِرة أشَدُّ وأَبقَى، ولهذا جاء في الحَديث: "إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ شَخْصًا عَجَّلَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا" (١) عُوقِب في الدنيا بماله أو بدَنه أو أَهْله أو مجُتَمَعه، وإلَّا ترَكه حتى يُوافَى به يوم القِيامة، نَسأَل الله أن يَقيَنا وإيَّاكم عَذاب الدُّنيا والآخِرة، وَيرزُقنا العافِية.
قال المفَسِّر: [﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ فنُعذِّبهم أشَدَّ العَذاب، فالجَواب المَذكور للمَحذوف فقَطْ]، أين المَحذوفُ ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ يَعنِي: إذا تَوفَّيْناك فإلينا يُرجَعون.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَ: وُجوب الصَّبْر، لأن الله تعالى أَمَر به في قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾ ووجهُ كَوْنه واجِبًا: الأصل في الأَمْر الوجوب، وهذه المَسأَلةُ اختَلَف فيها الأُصوليون: هل الأَصْل في الأَمْر في كِتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ الوُجوب أو الأَصْل النَّدْب؟ إن قُلْنا: الأصل الوُجوب كان هذا المأمورُ به فلزَمًا به، وإذا قلنا: النَّدْب؛ صار الإنسان بالخِيار: إن فعَله فهو خَيْر، وإن ترَكه فلا شَيءَ عليه.
وهذا محَلُّ إشكال في الواقِع: عند التَّطبيق، وعند التدليل أيضًا فيه نظَر.
стр. 511
أَقول: الأُصوليُّون اختَلَفوا في هذه الأمرِ هل هو للوُجوب أو للنَّدْب؟ يَعنِي: هو المُرادُ الأمر المُطلَق المُجرَّد عن القَرينة، أمَّا ما دلَّت عليه القَرينة؛ فالأمر فيه واضِحٌ، إن دلَّت على الوُجوب فهو واجِب، وإن دلَّت على الاستِحْباب فهو مُستَحَبٌّ، وإن دلَّت على الإباحة فهو مُباح، وإن دلَّتْ على التَّهديد فهو للتَّهْديد.
قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ هل المَعنَى أن الإنسان يَعمَل ما يَشاءُ، أو أن هذا تَهديد؛ الجوابُ: تَهديد. ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، لكن المُراد الأَمْر المُجرَّد عن كل قَرينة، هل هو للوُجوب أو للاستِحْباب؟ من العُلَماء مَن قال: إنه للوُجوب، ولهم أدِلَّة. ومنهم مَن قال: إنه للاستِحْباب، ولهم أدِلَّة.
القائِلون بالوُجوب يَستَدِلُّون بمِثْل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قالوا: هذا يَدُلُّ على الوَعيد فيمَن خالَف أَمْر الله فيَدُلُّ إِذَنْ على أن الأَمْر للوُجوب. وقالوا أيضًا: إن الرَّسول ﵊ قال: "مَما أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتنِبوه" (١) وهذا أيضًا يَدُلُّ على الوُجوب؛ لأنه قال: "فَأْتُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ" مثل هذا التَّعبيرِ إنَّما يَكون في الواجِب "وَمَا نَهَيْتكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ"؛ ولأنه يَقبُح عادةً أن يَقول السَّيِّد لعَبْده: افعَلْ كذا. ثُم يُخالِف، فتكون مخُالَفة الأمر قَبيحة، والقبيح مَنهيٌّ عنه مَكروهٌ.
أمَّا القائِلون بأن الأصل في الأمر الاستِحْباب فتقولون: إن كونه مَأمورًا به يَدُلُّ على فِعْله، والأصل بَراءَة الذِّمَّة، فلا نُؤثِّم الإنسان إذا تَرَكَ ما أُمِر به إلَّا بدَليل؛
стр. 512
لأن الأصل بَراءَة الذِّمَّة، ولأنَّنا وجَدْنا مَسائِلَ كَثيرةً وأدِلَّة كثيرة فيها الأَمْر، أَجمَع العُلَماء على أنها للاستِحْباب، وهذا يُوهِن القول بأن الأَمْر للوُجوب.
تَوسَّط قوم فقالوا: إذا كان الأَمْر في عِبادة فهو للوُجوب، وإذا كان في آداب فهو للاستِحْباب. وهذا أَقرَبُ من الإطلاق بأنه للوُجوب، أو الإِطْلاق بأنه للاستِحْباب. يَعنِي: هذا التَّفسيرُ هو أَقرَبُ ما يَكون، ومع هذا فليس بمُنضَبِط، بل قد تَأتِي أَوامِرُ في الآداب وهي واجِبة.
فنَقول: الأصل أَقرَبُ ما يُقال في هذه المَسأَلةِ: أن الأصل في الأوامِر في التَّعبُّد الوُجوب؛ لأننا خُلِقنا للعِبادة وأُمِرنا بها فنَتعَبَّد. والأصل في الأَوامِر في غير العِبادة - كالآداب مثَلًا - للاستِحْباب، ومثل ذلك يُقال في النَّهيِ: هل هو للتَّحريم أو للكَراهة؟
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات وُقوع وَعْد الله وأنه حَقٌّ، ولا بُدَّ أن يَقَع؛ لقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وهذه جُمْلة مُؤكِّدة بـ ﴿إِنَّ﴾ تَدُلُّ على أن وَعْد الله لا بُدَّ أن يَقَع، ووَعيده كذلِك حَقٌّ، ولا بُدَّ أن يَقَع، إلَّا أن يَمُنَّ الله بالعَفْو، وإلَّا فالأصل أن وَعيده واقِع. لا يُقال كما يَقول بعض الناس: الوَعيدُ ليس بواقِع، وليس بحَقٍّ، وأمَّا الوَعْد فهو حَقٌّ، نَقول: كلُّه حَقٌّ، لكِن الوَعيد قد يَعفو الله عنه، والعَفو كرَم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن وَعْد الله حَقٌّ ثابِت لا بُدَّ أن يَقَع، وهو كذلك، ولقد صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَهديد هَؤلاءِ المُكذِّبين للرسول ﵊ بأَحَد أمرَيْن: إمَّا بعُقوبة عاجِلة قبل أن يُتوفَّى، وإمَّا بعُقوبة آجِلة في يوم القِيامة؛ لقوله: ﴿فَإِمَّا
стр. 513
نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن مَرجِع الأُمور كلِّها إلى الله، وليسَتْ باختِيار أحَدٍ، فهو الذي يُقدِّر ما شاء، سَواءٌ في الدّنيا أو في الآخِرة؛ لقوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن عَذاب العَدوِّ يَشفِي غَليل عَدوِّه؛ لقوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ فإن الإنسان إذا رأَى عَذاب الله تعالى لعَدوِّه فلا شَكَّ أنه يَشفِي غَليلَه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه لا بَأسَ أن نَفرَح إذا أَصاب الله عَدُوَّنا بمُصيبة؛ لأن الظاهِر أن قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ لأَجْل أن تَقَرَّ عَينُه بذلك، فإذا أُصيب أَعداؤُنا بخَسْف أو صَواعِقَ أو فَيضانات، أو ما أَشبَه ذلك، وفرِحنا بهذا، فلا لومَ علينا، لأنهم أَعداؤُنا يَفرَحون بما يُصيبنا، فالجَزاء مِن جِنْس العمَل.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: إثبات رُجوع الخَلْق إلى الله؛ لقوله: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ وهذا عامٌّ في كلِّ شيء، في الأَحْوال، والأَوْقات، وفي كل شيء، المَرجِع إلى الله وحدَه.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات كَلام الله، أن الله يَتكَلَّم، يُؤخَذ من قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾، لأن الوَعْد يَكون بالقَوْل، ولا شَكَّ أن الله تعالى يَتكَلَّم، وأنه لا نَفادَ لكلِماته، قال الله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] ﴿الْبَحْرُ﴾ اسمُ جِنْس يَعُمُّ كل البِحار، لنَفِد البَحْر قبل أن تَنفَد كلِمات الله، سُبحان الله، لو كان حِبْرًا يُكتَب به البِحار كلُّها لنَفِدت قبل أن تَنفَد كلِماتُ الله.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ يَعنِي: لو أن الذي في
стр. 514
الأَرْض من الشَّجَر كان أقلامًا ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ يَعنِي: وكُتِب بالأقلام بمِداد البَحْر، قال: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] وهذا يَدُلُّ على عظَمة الربِّ ؛ لأنه مُدبِّر الكون، وإذا أَراد أَمْرًا فإنما يَقول له: كُنْ فيَكون، ولا مُنتَهَى لإرادة الله.
وهل قول الله قول مَسموع بصَوْت، قول الله تعالى بصَوْت؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، ولا لداءَ ومُناجاةَ إلَّا بصَوْت، وورَد الصوت صريحًا فيما ثبَت عن النبيِّ ﷺ أن الله تعالى يَقول: "يَا آدَمُ - يَوْمَ القِيَامَةِ - فَيَقُولُ: لبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ الله: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيُنَادِى بِصَوْتٍ: إِنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرَّيتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قالَ: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ ... " إلى آخِره (١). هذا صريح بأن الله يَتكلَّم بصَوْت.
وهنا في هذه المَسأَلةِ مَذاهِبُ، نَذكُر منها المَذاهِب المَشهورة الثلاثة:
الأوَّل: أنه يَتكلَّم بصَوْت مَسموع وحَرْف غير مخَلوق؛ لأنه كلامُه، وهذا مَذهَب السلَف وأئِمَّة الخلَف أن الله يَتكَلَّم بصَوْت مَسموع وحَرْف غير مَخلوق، فكَلامه هو اللَّفْظ والمَعنَى.
والقول الثاني: أن الله تعالى يَتكلَّم بصَوْت مَسموع وحَرْف مَخلوق، والكَلام كلامه، وهذا مَذهَب الجَهْمية الذين يَقولون: إن القُرآن كَلام الله ولكنه مخَلوق؛ لأن كل كَلام الله عِندَهم مَخلوق.
стр. 515
والثالِث: مَن يَقولون: إنه لا يَتكلَّم بصَوْت ولا بحَرْف مَخلوق، إنَّما كلامه هو المَعنى القائِم في نَفْسه، لكن يَخلُق شيئًا يُعبِّر عن هذا الذي في نَفْسه، فيُسمَع هذا المَخلوقُ، ويُضاف إلى الله إضافةَ تَكريم وتَشريف، وهذا مَذهَب الأشاعِرة الذين هُمْ أهل الكَلام.
والذين يَقولون: همُ الذين دافَعوا المُعتَزِلة عن الباطِل، وهمُ الذين انتَصَروا للإسلام، وهم في الحقيقة لا للإسلام انتَصَروا، ولا لحَرْب الإسلام كسَروا، بل قد نَقول: قولهم في الكَلام شَرٌّ من قول الجَهْمية؛ لأنهم اتَّفَقوا على أن ما يُسمَع من كَلام الله مَخلوق، وعلى أن القُرآن مخَلوق؛ لكن الجَهْمية يَقولون: مخَلوق، وهو كَلام الله. وهَؤلاء يَقولون: مَخلوقٌ، وليس كَلامَ الله، بل هو عِبارة عنه.
إِذَنْ: أين كَلامُ الله؟ قال: المَعنَى القائِم بنَفْسه، والحقيقة أن المَعنَى القائِم بالنَّفْس ليس كلامًا وإنما هو عِلْم، عِلْم بما سيُخلَق من كلام، فتقول: هذا هو كلامُه. والعَجيب أنهم استَدَلُّوا باَية وشِعْر نَظْم، أمَّا الآية فقالوا: إن الله يَقول: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] فأَثبَت القَوْل النَّفْسيَّ. أمَّا الشِّعْر فقالوا: إن الشاعِر قال:
إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلَا (١)
الفُؤادُ يَعنِي: القلب.
فنَقول لهم: أمَّا الآية فلا دَلالة فيها لكم، بل هي على رُؤُوسكم؛ لأن الله تعالى
стр. 516
لم يُطلِق القول، بل قَيَّد فقال: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا كقَوْل الرسول ﷺ : "إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا" (١) وحَديث النَّفْس لا يُمكِن أن يُقال: إنه حَديث. ولا أن يُقال: إنه قَوْل إلَّا بقَيْد؛ ولهذا لو حُذِفت ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وقيل: ويَقولون: لولا يُعذِّبنا الله. يُفهَم منه أنه كَلامُ اللِّسان. لكن هم بأَنفُسهم يُقدِّرون، يَقول الواحِد مِنهم: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ إِذَنْ ما نَقوله حَقٌّ؛ لأن الله لم يُعذِّبْنا، هذا يُقدِّره الإنسان في نَفْسه.
أمَّا الشِّعْرف "إن الكَلام لَفِي الفُؤاد" فهو قول الأَخطَل الشاعِر النَّصرانيِّ، قاله بعد تَغيُّر الألسُن، وعلى فَرْض أنه يُوافِق فإنه يَجِب أن يُحمَل على أن المَعنى أن الكلام المُعتَبر هو ما يُقدَّر أوَّلًا في الفُؤاد ثُم يَنطِق به اللِّسان؛ ولهذا لا يُعتَبر الكلام الذي يَسبِق على اللِّسان كَلامًا، ولا يُؤاخَذ به، فالكَلام الحَقيقيُّ الرَّصين المُعتَبر هو الذي يَكون أوَّلًا في القَلْب ثُم يُعبَّر عنه باللسان، هذا مَعنى البَيْت الذي لا يَحتَمِل غيرَه.
فإن قال قائِل: هل يَلزَم أن يَتكَلَّم بمُخاطَبة المَخلوق؟
فالجواب: لا، قد يَتكَلَّم بما يُثنِي به على نَفْسه، مثل أن يَقول: أنا الله الواحِد الأحَدُ، وما أَشبَه ذلك، كما يَقول الله يومَ القِيامة: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ لا يُجيب أحَد، فتقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
ونَقول: الكَلام صِفة كَمال، والله تعالى مَوْصوف بالكَمال أزَلًا وأبَدًا، وإذا كان كذلك فإن الله لم يَزَل مَوْصوفًا به، ولا يَلزَم من هذا أن يَكون هُناك
стр. 517
مخُاطَب، وكذلك الأفعال، فالذين أَثاروا مثَلًا مَسأَلة التَّسلسُل، وما أَشبَه ذلك، هم بَعيدون عن النُّصوص في الواقِع، وإلَّا لعلِموا أن الله تعالى لم يَزَل ولا يَزال فَعَّالًا، وأنه لم يَكُن في وقت من الأَوْقات مُعطَّلًا عن الفِعْل، ولا يَلزَم من الفِعْل المَفعول؟ حتى نَحن لا يَلزَم من فِعْلنا أن يَكون هناك مَفعول، قد يَتَحرَّك الإنسان ولا يُنتِج شيئًا، لكن الفِعْل يُقال: لا يُمكِن أن يَمُرَّ على الله تعالى زَمان من الأَزمنة وهو مُعطَّل عن الفِعْل، لأنه إمَّا أن يُقال: تَعطَّل هذا عن عَجْز، أو عن غير عَجْز. فإن قلنا: عن عَجْز. فهذا بَليَّة، وإن قُلنا: عن غير عَجْز. نَقول: ما الذي يَمنَعه؟
إِذَنْ: فالتَّسلسُل ليس بمَمنوع في الماضِي، كما أنه ليس مَمنوعًا في المُستَقبَل، مع أنِّي أنا أَكرَه أن يَتكَلَّم الناس في هذا، لأنه كَلام لا فائِدةَ فيه، ولم يَكُن السَّلَف يَقولون به، لكن جاءَنا أهل الكَلام وأَدخَلونا في هذه المَعمَعةِ، وصار ما كان.
стр. 518
الآية (٧٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: ٧٨].
قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ إلى آخِره. الجُملةُ هَذه مُؤكَّدة بثَلاثة مُؤكِّدات: اللَّام، و (قد)، والقَسَم المَحذوف، والتَّقدير: والله لقَدْ أَرسَلْنا رُسُلًا من قَبلِك، والرسولُ هو بشَرٌ، يُوحَى إليه بشَرْع، ويُؤمَر بتَبليغه؛ ولهذا سُمِّي رسولًا؛ أي: مَدفوعًا من قِبَل الله ليُبلِّغ، وأمَّا النبيُّ فإنه بشَرٌ أُوحِيَ إليه بشَرْع، ولكنه لم يُكلَّف بتَبليغه، بمَعنَى: أنه يُجدِّد شَرْع مَن قَبلَه إن كان قَبْله رَسولٌ حتى يُحيِيَ هِمَم الناس فيَقتَدُوا به، وإذا لم يَحتَجِ الناس إلى رسول لم يُرسِل إليهم أحَدًا، فإن آدَمَ ﵊ كان نَبيًّا ولم يَكُن رسولًا، هو نَبيٌّ يَتعَبَّد لله تعالى بما أَوْحاه الله إليه، ولكن لم يُرسَل؛ لأن الناس لم يَختَلِفوا بعدُ، كما قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، فالرُّسُل إنَّما أُرسِلوا بعد الاختِلاف؛ ولهذا قال بعضُ أَهْل العِلْم: إن تَقدير الآية الكَريمة: كان الناس أُمَّة واحِدة فاختَلَفوا فبعَثَ الله النَّبيِّين مُبشِّرين. وقال: إن في الآية إيجاز حَذْف؛ أي: حُذِف منها ما دَلَّ السِّياق على حَذْفه.
стр. 519
فالرَّسولُ بشَر أُوحِيَ إليه بشَرْع وأُمِر بتَبليغه.
فإن قال قائِل: في تَعريف النَّبيِّ أنَّه الذي أُمِر بوَحْي ولم يُبلِّغه؛ فكيف نُوفِّق بينه وبين قول النَّبيِّ ﷺ : "مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ الله إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لأُمّتِهِ خَيْرَ مَا يَعْرِفُهُ وَيحذِّرُهُمْ شَرَّ مَا يَعْرِفُهُ" (١)؟
فالجَوابُ: هذا المُراد بالنَّبيِّ الرسول، المُراد به الرَّسول؛ ولهذا تَجِد الآنَ في القُرآن الكَريم أنبياءَ هُمْ رُسُل، لكِن تُذكَر بلَفْظ الأنبياء ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، ثُم قال في الأَخير: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهؤلاءِ الرّسُل كان يُرسَلون إلى أُممِهم فقَطْ، كما ثبَتَ ذلك في الصَّحيحَيْن من حديث جابِرٍ: "وَكَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (٢) ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ كما قال الله كلُّ أُمَّة أَرسَل الله إليها رَسولًا لتَقوم الحُجَّة.
قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (مِن) هَذه تَبعيضِيَّة؛ أي: بعضُهم قصَصْناهم عليك وأَخبَرْناك بهم، وبعضُهم لم نَقصُصْهم عليك. قال أَهلُ العِلْم: وإنما قَصَّ الله على رسوله ﷺ مَن كانوا من الجَزيرة العرَبية وما حَولَها؛ لأن أَخبار هَؤلاءِ له بَقيَّة في العرَب؛ فلِهذا قَصَّه الله، أمَّا مَن كانوا في
стр. 520
أَمْريكا، أو في شَرْق آسيا، أو ما أَشبَه ذلك من الأماكِن البَعيدة فهَؤُلاءِ لم يَقُصَّ علينا من نَبئِهم شَيئًا.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ رُوِيَ أنه تعالى بعَث ثَمانية آلاف نَبيٍّ؛ أربعة آلافٍ من بَني إسرائيلَ، وأربَعة آلافٍ من سائِر الناسِ، وجَدير بالمفَسِّر ﵀ أن يَقول: [رُوي] بصيغة التَّمْريض؛ لأن هذا لا يَصِحُّ، كيف يَكون من بني إسرائيلَ وهم مُتَأخَرون عن أُمَمٍ كَثيرة أربَعة آلاف، ومن سائِر الناس أَرْبعة آلافٍ؟ ! هذا بَعيدٌ، بل إن الله أَرسَل في كُلِّ وَقْت وحين ما تَقوم به الحُجَّة، وليس لنا أن نَبحَث عن عدَد هَؤلاءِ، وإن قُلْنا: لنا فإنه ليس عَلَيْنا، يَعنِي: لو قيل لنا أن نَبحَث للاطِّلاع لم يَكُن سائِغًا أن نَقول: علينا أن نَبحَث. بل نَقول: آمَنَّا بالله وبرُسُله، مَن عَلِمنا مِنهم ومَن لم نَعلَم.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ مِنْهم ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ لأنَّهُم عَبيد مَربوبون]. قوله: ﴿وَمَا كَانَ﴾ ﴿وَمَا﴾ نافِية، ﴿كَانَ﴾ فِعْل ماضٍ ناقِص، و ﴿لِرَسُولٍ﴾ خبَرُه، ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ اسمُ (كانَ)؛ أي: وما كان إِتيان أَحَدهم بآيَة إلَّا بإِذْن الله، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يَعنِي: أن الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام آتاهُم آياتٍ، لكن هل هُمُ الذين يَملِكون هذا؟ الجواب: لا، هذا من عِند الله، ولكن الله تعالى بَيَّن أنه ما من رَسولٍ إلَّا وأُوتِيَ آية.
وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يَعنِي: بالآيات البَيِّنات، حتى يُؤمِن البَشَر، وحتى لا يَكون لهم حُجَّة عِند الله؛ لأن الله لو بَعَث رسولًا هكذا إلى الناس وقال: إنِّي رَسول الله، ولم يَأتِ بآية، فإن الناس لن يَقبَلوا منه، وإلَّا لأَمكَن كلَّ كاذِب أن يَدَّعِيَ الرِّسالة،
стр. 521
لكن لا بُدَّ من آيات، آيات بَيِّنات واضِحة على أنه رَسولٌ، ومعَ هذا لا يُمكِن لرَسول أن يَأتِيَ بآية إلَّا بإِذْن الله.
وقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الإِذْن الكَونيّ، فإذا أَذِن الله كَوْنًا أن يَأتِيَ الرسول بآية أَتى بآيَة، والرَّسول قد يَأتِي بآيَة ابتِداءً وقد يَأتِي بآيَة بطلَب من المُرسَل إليهم، كما قِيل: بل قد جاء في الحديث الصحيحِ: إِنَّ قُرَيْشًا قالوا للرَّسولِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: أَرِنا آيَةً. فأَشارَ إلى القَمَر، فانفَلَق فِلْقَتَيْن، إِحْداهُما على الصَّفا، والثانية على المَرْوةِ (١)، وشاهَدَ الناسُ ذلِكَ، ولكِن مع ذلك ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] قالوا: إن محُمَّدًا سحَرَنا، والقَمَر لم يَتصَدَّع، ولكن لمَّا لم يُعيِّنوا الآيةَ التي طلَبوها لم يُؤاخَذوا بالعِقاب؛ لأن الأُمَم إذا عيَّنوا الآية التي طلَبوها ثُم لم يُؤمِنوا عاجَلَهم الله بالعُقوبة.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ ﴿بِآيَةٍ﴾ أي: عَلامة على صِدْقه ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهنا قال: (آية) ولم يَقُل: بمُعجِزة، وقد جَرَى على أَلسِنة كثيرٍ من العُلَماء ﵏ تَسمية آيات الأنبياء بالمُعجِزات، ولكن هذه التَّسْمية غير سَديدة، بل الأَوْلى أن نُعبِّر بآية، نَقول: آية النَّبيِّ، ولا نَقول: مُعجِزة؛ أوَّلًا لأن هذا هو التَّعبير القُرآنيُّ، وثانيًا لأن المُعجِزة تَأتِي من الرسول، وتَأتِي من الساحِر، وتَأتِي من الشَّياطِين، يَأتِي من هَؤلاء ما يَعجِز عنه البَشَر.
فالتَّعبير السَّليم أن نُعبِّر بآيَة:
стр. 522
الأوَّل: لمُوافَقة القُرآن.
والثاني: لأن المُعجِزة تَكون من الرسول وغيرِه.
والثالث: أن كلِمة (آية) فيها إشارة إلى أن ما جاء به هذا الرسولُ مِمَّا يَعجِز البَشَر آية، عَلامة.
فهذه ثلاثة أَشياءَ تُبيِّن رُجْحان التَّعْبير بآية على التَّعبير بمُعجِزة.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بنُزول العَذاب على الكُفَّار ﴿قُضِيَ﴾ بين الرُّسُل ومُكذبيها ﴿بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: ٧٨] أي: ظهَر القَضاء والخُسران للناس، وهم خاسِرون في كل وقت قبل ذلِك].
قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أَمْر الله تعالى الكَونيُّ، لأن أَمْر الله يَنقسِم إلى قِسْمين: كونيٍّ، وشَرعيٍّ، كما سنَذكُره إن شاء الله.
قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بنُزول العَذاب على الكافِرين، ونُزول النَّصْر للرُّسُل وأتباعهم.
وقوله: ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ والقاضِي هو الله ، وحُذِف الفاعِل هنا للعِلْم به، لأن الله تعالى هنا هو الذي يَقضِي بالحقِّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠]، ويُحذَف الفاعِل أحيانًا للعِلْم به، كما في قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، وكما في هذه الآيةِ، وقد يُقال: إنه حُذِف الفاعِل هنا للتَّعْميم؛ ليَكون القاضِي هو الله، وكذلك القاضِي بالحَقِّ هم الرُّسُل وأتباعُهم، لأنهم قضَوْا بالحَقِّ بالانتِصار على عَدوِّهم، لكن الأَوَّل أَوْلى، أن يَكون الفاعِل واحِدًا، ولكن حُذِف للعِلْم به: ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾.
стр. 523
﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ هنا الخُسْران: فواتُ الرِّبْح، و (هنا) اسمُ إشارة للمَكان، والمُراد به الزَّمان؛ ولهذا قال المفَسِّر: [في كل وقت] المَعنَى: خَسِر في ذلك الوقتِ المُبطِلون.
فإذا قال قائِل: ألَسْتُم تَقولون: إن (هنا) إشارة إلى المَكان؟
قُلنا: بلى، لكن قد تُستَعار إشارة للزَّمان. واللَّام في قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ للبُعْد، والكاف حَرْف خِطاب ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: الذين وقَعوا في الباطِل؛ لأن القَضاء بالحَقِّ يَقتَضي زوال الباطِل، وإذا زال الباطِل خسِرَ أهله، والباطِل ضِدُّ الحَقِّ، وُيفسَّر في كل مَوضِع بحَسبه، فالباطِل في الكلام الخَبَريِّ هو الكذِب، والباطِل في الحُكْم الجَوْر، والباطِل في المُعامَلة الغِشُّ، وما أَشبَهَ ذلك.
المُهِمّ: أن الباطِل يُفسَّر في كل مَوْضِع بحَسبه.
وقول المفَسِّر ﵀: [وهم خاسِرون في كلِّ وَقْت] احتِرازًا من الإشارة في قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾؛ لئَلَّا يَظُنَّ ظانٌّ أنهم خاسِرون حين نُزول العَذاب فقَطْ، مع أنهم خاسِرون كلَّ وقت، وقد يُقال: لا حاجةَ إلى ذلك - يَعنِي: لا حاجةَ إلى ما قال المفَسِّر - لأن المَقصود: وخَسِر هنالِكَ، أي: ظهَرَت خَسارتهم وبانَتْ؛ لأنه قبل أن يُؤتَوْا بالعَذاب ربما يَقول القائِل: إنَّهم ربِحوا، كما قال أبو سُفْيانَ في يوم أُحُد، قال: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، والحَرْب سِجالٌ (١). فظَنَّ أنه ربح في ذلك اليومِ، فالأَوْلى أن تَبقَى الآية على ظاهِرها، وألَّا يُستَدرَك القُرآن، فيُقال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أَي: ظهَر خُسْرانهم وبانَ.
أمَّا خُسْرانهم قبل نُزول العَذاب فهو ليس ببَيِّن، إذ قد يَقول القائِل: إنهم
стр. 524
يَربَحون فيما إذا أَدَالَ لهم الله تعالى على الإسلام إدالة غير مُستَقِرَّة، لأنه لا يَجوز أن نَعتَقِد أن الله يُديل الكُفْر على الإسلام إدالةً مُستَقِرَّة، بل مَن ظَنَّ بالله هذا فقَدْ ظنَّ به ظنَّ السَّوْء، لكن الله تعالى يَقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
من فوائلِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ الرُّسُل السابِقين؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عَدْل الله في عِباده، حيث لم يُعاقِبهم إلَّا بعدَ إرسال الرُّسُل، وتَكذيب هَؤلاءِ القَوْمِ الذين أُرسِل إليهم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإشارة إلى أنَّه لا رسولَ بعدَ محُمَّد، لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ ولم يَقُل: سنُرسِل. وهذه الفائِدةُ في الواقِع ليسَت بتِلْك القَويَّةِ، يَعنِي: مَأخوذة من الآية، لولا الواقِع ما أَخَذْناه من الآية، لأن الله إنما يَتَحدَّث عن شيء مضَى.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن من الرُّسُل مَن قَصَّهم الله على محمد ﷺ ، ومنهم مَن لم يَقُصَّه؛ لقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات كلام الله، لقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا﴾ والقَصُّ في الأصل: تَتبُع الأثَر، وأمَّا في الكلام فهو ذِكْر أخبار مَن سلَف، وهذا يَدُلُّ على أن الله يَتكلَّم ، وهذا هو ما دلَّ عليه الكِتاب والسُّنَّة وإجماع السَّلَف، ولكن هل يَتكلَّم بصَوْت يُسمَع أو لا؟ نعَمْ، يَتكلَّم بصَوْت يُسمَع.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثباتُ حِكْمة الله في حَديثه عن الأُمَم السابِقة؛ حيث قسَّم إلى مَن قُصَّ علينا نَبؤُهم ومَن لم يُقَصَّ، وما ذلِك إلَّا لحِكْمة عَظيمة بالِغة.
стр. 525
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام أَيّدَهم الله تعالى بالآيات؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن الرُّسُل لا يَملِكون إيجاد الآيات مَهما بلَغَت مَنزِلتهم؛ فإنهم لا يَملِكون أن يَأْتوا بآية واحِدة؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَسْلية الرَّسول ﵊ فإن الكُفَّار يَطلُبون منه آياتٍ، ولكن الله تعالى يَقول: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُسلِّي الرسول ﵊، وأن هذا الأمرَ ليس إليك، بل هو إلى الله، إذا شاءَ أن يُؤتِيَك آية أتاكَ، وإلَّا فهو الحَكيمُ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثبات الإِذْن لله ، والإِذْن نَوْعان: إِذْن شَرعيٌّ، وإِذْن كَونيّ، فالإِذْن الكَونيُّ ما يَتعلَّق بالمَخلوقات، وإِيجادُها، وإِعدامُها، وتَغيُّرها، وما أَشبَه ذلك. والإِذْن الشَّرْعيُّ ما يَتعَلَّق بالمَشروعات؛ فلْنَنظُر إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، شَرعيٌّ، ولا يَصِحُّ أن يَكون كونيًّا، لأنَّنا نَعلَم أنه إذا فعَلوه فقَدْ أَذِنَ الله فيه.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] أي: لم يَأذَن به شرعًا، ولا يَجوز أن يَكون الإِذْنُ هُنا إِذْنًا كونيًّا؛ لأنه وقَع فقَدْ أَذِن الله تعالى فيما شَرَع هَؤلاءِ إِذنًا كونيًّا.
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو يوم القِيامة، لكن أين الشَّرْع؟
الجواب: الشَّفاعة؛ إذ يَطلُب من الله أن يُخفِّف العَذاب عن شخص أو ما أَشبَه ذلك، أو يَرفَع درَجاتِه، وهذا إِذْن كَوْنيٌّ لا شَكَّ.
стр. 526
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات أَفْعال الله الاختِيارية؛ يَعنِي: أن الله تعالى قد يُحدِث من أَمْره ما شاء، لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ (إذا) هنا شَرْطية للمُستَقبَل، إِذَنِ الأَمْر لم يَأتِ بعدُ.
وهذا يَدُلُّ على أن الله مُتَّصِفْ بالأفعال الاختِيارية خِلافًا للأشاعِرة ونحوهم الذين قالوا: إن الله تعالى لا يُوصَف بالأَفْعال الاختِيارية، كيف يُوصَف بالأفعال الاختِيارِية؟ ! إذا قُلْنا: يُوصَف، قالوا: هذا يَقتَضِي أحَدَ أَمْرين: إمَّا أن يَكون الله حادِثًا، وإمَّا أن يَكون ناقِصًا.
أفَا كونه يَستَلزِم أن يَكون الله حادِثًا فلأَنَّ الحوادِث لا تَقوم إلَّا بحادِث، فإذا أَثبَتُّم أن الحوادِث تَقوم به لزِمَكم أن يَكون الله حادِثًا؛ لأن الحوادِث لا تَقوم إلَّا بحادِث، هذه واحِدة.
أمَّا النَّقْص فنَقول: إذا كان هذا الفِعْل الذي فعَله الآنَ كمالًا فلماذا لم يَتَّصِف به من قَبلُ؟ إذا كان كَمالًا فلماذا يَحدُث بعد أن لم يَكُن؛ وإن لم يَكُن كمالًا فهو نَقْص يَجِب أن يُنزَّهَ الله عنه. وهذا لا شَكَّ أنه تَلْبيس. أمَّا الأوَّل فقولهم: إن الحوادِث لا تَقوم إلَّا بحادِث. نَقول: من أين أَتاكُم هذا؟ أمِنْ جُيوبِكم، أم من آرائِكم الفاسِدة؟
مَن قال: إن الحَوادِث لا تَقوم إلَّا بحادِث؟ الحوادِث تَحدُث قبل أن تَكون ونحن سابِقون عليها، فكذلك ما يُحدِثه الله يُحدِثه وهو سابِق عليه، وسَبْقه أزَليٌّ، فدَعْواكم هذه باطِلة تَحتاج إلى دَليل، ولا دَليلَ، بل الدليلُ على نَقْضها.
وأمَّا قولُكم: إن كان كمالًا فلماذا لم يَتَّصِف به من قبلُ؟ وإن لم يَكُن كَمالا فهو نَقْص، فيَجِب نفيُه، نَقول: هذا أيضًا باطِل؛ لأننا نَقول: إن فِعْل الله الذي يُحدِثه هو
стр. 527
كَمال حال إحداثه، وليس كَمالًا حالَ عدَمه؛ لأن الله تعالى مُتَّصِف بالكَمال، ففي حال عدَمه لا يَكون كمالًا، وفي حال وُجوده يَكون هو الكَمال، وهذا واضِح، فِعْل الإنسان أحيانًا يَكون مُناسِبًا وفي مَحلِّه، وأحيانًا يَكون غير مُناسب وتَكون الحِكْمة ألَّا يَفعَله.
وبذلك نَعرِف أن الرُّجوع إلى العَقْل فيما يَتَعلَّق بالله باطِل وضَلال؛ لأن العَقْل قد يَزِلُّ وقد يَهن، فالرُّجوع فيما يَتَعلَّق بالله إلى الكِتاب والسُّنَّة، لا ثالِثَ لهما، اللَّهُمَّ إلَّا أن يُقال: إجماعُ السلَف أيضًا يُرجَع إليه، فيَكون مَصدَر التَّلقِّي في العَقيدة وفيما يَتعلَّق بذات الله وبأسمائه وصِفاته ثلاثة: القُرآن، والسُّنَّة، وإجماع السَّلَف، لكننا نَقول: لا حاجةَ إلى قول إجماع السَّلَف؛ لأن إجماع السَّلَف لا يَكون إلَّا عن كِتاب أو سُنَّة.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تَهديد هؤلاءِ المُشرِكين الذين كذَّبوا الرسول ﵊ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ ووَجهُ التَّهديد أن عُلماء البلاغة يَقولون: إن (إذا) تُفيد وقوعَ الشَّرْط في المُستَقبَل، كما إذا قلت لك: إذا جاء زَيْدٌ فأَكرِمْه. تَفهَم من هذا أن زيدًا سوف يَأتِي، لكنه بشَرْط أن يكون مُتأخِّرًا، بخِلاف (إِنْ)، فإن (إِنْ) شَرْطية لكن للمُحتَمَل: إن جاء زيد فأَكرِمْه. إذْ مجَيئُه ليس محُقَّقًا، لكن: إذا جاء فأكَرِمه، يَكون المَجيءُ محُقَّقًا، لكنه مَربوط بزمَن مُستَقبَل. هذه ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ تُفيد أن أَمْر الله لا بُدَّ أن يَأتِيَ.
وأَمْر الله يَنقَسِم إلى قِسْمين: كَونيٍّ، وشَرعيٍّ؛ فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] شَرْعيٌّ، وليس كونيًّا؛ لأنه لو كان كونيًّا لكان كل الناس يُؤدُّون الأمانة إلى أهلها، إِذَنْ هو شَرعيٌّ؛ وقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ
стр. 528
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كَونيٌّ، فصار الأَمْر الآنَ يَكون كونيًّا وَيكون شرعيًّا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن ما قضَى الله تعالى من عِقاب أو عَذاب فإنه حَقٌّ؛ لقوله: ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ وعلى هذا يَنتَفِي بذلك أن يَكون الله تعالى ظالِمًا لمَن عاقَبه.
فإن قال قائِل: ألَيْسَت العُقوبة تَنزِل بالأُمَّة وفيهم الصالحِون؟
فالجَوابُ: بلى، تَنزِل العُقوبة على الأُمَّة وفيهم الصالحِون؛ لكنها تَكون عُقوبة على المُسيء ورِفْعة درَجات وتَكفير سَيِّئات على الصالِح؛ ولهذا لمَّا قالت إحدى أُمَّهات المُؤمِنين: أَنَهْلِكُ وَفينا الصالِحُونَ؟ قال: "نَعَمْ، إِذَا كثُرَ الخَبَثُ" (١) فإذا غلَب الخَبَثُ على الطَّيِّب حلَّت العُقوبة على الجميع.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن المُبطِل خاسِر إذا نزَل به العَذاب؛ لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ وإذا كان المُبطِل خاسِرًا فالمُصلِح رابح؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]؛ ولهذا إذا كان الأَهْل مُصلِحين فإن الله لا يُهلِك الأُمَّة، لكن إذا كانوا صالحِين فقَدْ تَهلِك الأُمَّة إذا كثُر الخَبَث، وهذه نُقطة قد لا يَتَفطَّن لها كثير من الطلَبة، انتِفاء الإِهْلاك إذا كان الأهل مُصلِحين ومحُاوِلين للإصلاح، أَمَّا إذا كانوا صالحِين فإنه قد يَقَع الإهلاك إذا كثُرَ الخَبَث، أمَّا مع الإصلاح ولو كثُرَ الخَبَث ما دامَتِ الأُمَّة تُحاوِل الإصلاح وتَسعَى به فإنها لن تَهلِك، وهذه نُقْطة -كما قُلت لكم - قد لا يَتَفطَّن لها كثير من الناس، نَسأَل الله أن يُصلِح أحوالَنا وأحوالَكُم.
стр. 529
فإن قال قائِل: قلنا: مِن عَدْل الله أنه لا يُعذِّب العِباد إلَّا بعد أن أَرسَل إليهم الرُّسل، في هذه الأيامِ هل هناك ضابِط للعُذْر بالجَهْل في الذين يَقَعون في الباطِل وعلى اعتِقادهم أن هذا صوابٌ؛ فهل يُعذَرون بجَهْلهم هذه الأيامِ؟
فالجوابُ: والله، قد يُعذَرون بجَهْلهم؛ لأن من العوامِّ مَن لا يَعرِف الحَقَّ إلَّا عن طريق ناس مُعيَّنِين، وهؤلاء الأناسُ المُعيَّنون مُنحَرِفون، فيُعذَرون، وربما أُناس في الغابات البَعيدة لا يَسمَعون إذاعاتٍ، ولا يَقرَؤُون صُحُفًا، ولا يَعرِفون شيئًا.
فإن قال قائِل: أَورَد بعض المُستَشْرِقين على قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] على أن هُناكَ فتَراتٍ بين الأنبياء.
فالجوابُ: لا، هذا غلَط؛ لأنه إذا جاء النَّذيرُ ليس مَعناه أن النَّذير يَبقَى نذيرًا ما دام حَيًّا فقَطْ، قد تَبقَى الرِّسالة، أليسَتْ رِسالةُ إسماعيلَ وإبراهيمَ ﵊ بقِيَت في العرَب إلى قُرْب بعثة الرُّسول ﵊ أوَّل ما دخَل الشِّرْك على العرَب من عَمرِو بنِ لُحيٍّ فهو متأخِّر.
стр. 530
الآيتان (٧٩، ٨٠)
* قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨٠].
قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [قيل: الإِبِل خاصَّة هنا، والظاهِر: والبقَر والغَنَم].
قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾، ﴿جَعَلَ﴾، أي: سيَّرها مُسخَّرة لكم، والجَعْل هنا جَعْل كَونيٌّ، لأن الجَعْل المُضاف إلى الله يَكون كونًا وَيكون قدَرًا، يَعنِي: يَكون جَعْلًا كونيًّا وَيكون جَعْلًا قدَريًّا شرعيًّا، ففي قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، هذا الجَعْل شَرعيٌّ، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ هذا جَعْل كونيٌّ. وفي قوله تعالى هنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ جَعْل كَوْنيٌّ.
والأنعام جَمْع نَعَمٍ. قال المفَسِّر ﵀: [قيل: الإِبِل خاصَّةً. والظاهِر والبَقَر والغَنَم]، بل والظاهِر ما هو أَعَمُّ من ذلك، وهو ما أَنعَم الله به علينا من الحيوان الذي سخَّره لنا من إِبِل وبقَر وغَنَم وفِيَلة وغيرها، وكل شيء.
وقوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قسَّم الله هذه الأنْعام