Полный текст (338 стр.). Показаны 316–338 · переход к 321.
стр. 316
الآية (٥١)
* * *
* قال اللهُ تَعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].
* * *
قَولُه تَعالَى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ يَعني: أَعْطيناهُ نِعمةً والنِّعمةُ تَدورُ على شَيئينِ: علي حُصولِ المَرغوبِ، وعلي النَّجاةِ مِنَ المَرهوبِ. فَمَنْ سَقطَ في بَحرٍ ثُمَّ هيَّأَ اللهُ له مَن يُنقذُه مِنَ الغَرَقِ فَتلكَ نِعمةٌ. وكَذلك أيضًا مَنْ رَزَقَه اللهُ مالًا وولدًا هَذه نِعمةٌ، فَالنِّعمَةُ إِمَّا انْدفاعُ نِقمةٍ، وإمَّا حُصولُ محَبوبٍ لِلإنسانِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾] المُرادُ [الجنس] يَعني: ليس المُؤمنُ ولا الكافرُ، بَل هذا الوصفُ يكونُ مِنَ المُؤمنِ ويكونُ أيضًا مِنَ الكافرِ. يَعني: أَنَّ جِنسَ الإِنسانِ بالنَّظَر إِلي كَونِه إِنسانًا فقط هَذه حالُه، إِذا أَنعمنا علي إِنسانٍ أَعرضَ عَنِ الشُّكرِ، والشُّكرُ حَقيقةً هو طاعةُ اللهِ ، وَيكونُ بِالقَلبِ وبِاللِّسانِ وبِالجَوارحِ، ويَدُلُّ علي أنَّ الشُّكرَ هو طاعةُ اللهِ قَولُ النَّبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعَلَى آلِه وسلَّم-: "إِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمنينَ بِما أَمَرَ بِه المُرسَلينَ، فَقال اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقالَ لِلْمُؤمنينَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] " (١). стр. 317
فَجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ الشُّكرَ لله هُوَ العَمَلُ الصَّالحُ يَعني: القيامَ بطاعَةِ اللهِ وَيكونُ بِالقلبِ وَيكونُ بِاللِّسانِ وَيكونُ بِالجَوارحِ، أَمَّا بِالقلبِ فَهو شُعورُ الإِنسانِ بِأنَّ هَذه النِّعمةَ مِنَ اللهِ ، وأَنَّه لَولا فَضلُ اللهِ ما حَصَلَت له فيُقِرُّ بِقلبِه، وَيعترِفُ أنَّ ذلك من عندِ اللهِ وليس بِحولِه وقُوَّته، وأَمَّا الشُّكرُ بِاللِّسانِ فالتَّحدُّثُ بِنِعمةِ اللهِ اعترافًا بِفضلِه لا افتخارًا على خَلقِه بأنْ يَقولَ: الحمدُ لله قدْ رَزقَني اللهُ أَولادًا وَمالًا وعِلمًا وجاهًا وما أَشبهَ ذَلِكَ.
وَمِنَ الشُّكرِ بِاللِّسانِ جَميعُ الطَّاعاتِ القَولِيَّةِ، فَإنَّها مِنَ الشُّكرِ بِاللِّسانِ فَقِراءَةُ القُرآنِ مِنَ الشُّكرِ؛ لأنَّ كُلَّ طاعةٍ بِاللِّسانِ فهي مِنْ شُكرِ اللهِ .
والشُّكرُ بِالجوارحِ العملُ؛ كَالرُّكوعِ والسُّجودِ والقِيامِ والقُعودِ والصَّدقةِ وَما إِلى ذلك، وفي هذا يَقولُ الشَّاعرُ (١):
أفادتْكُم النَّعماءُ مِنِّي ثَلاثةً ... يَدي ولِساني والضَّميرَ المُحَجَّبَا
يَقولُ اللهُ : ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت: ٥١].
يَقُولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي: ثَنَي عِطفَهُ مُتبخْتِرًا] يَعني: أَعْرضَ بِبَدَنه وبقَلْبِه مُفْتخِرًا مُتعاظِمًا هَذا بِالنِّسبةِ لحِالِه، وبِالنِّسبةِ لمِا يُطلبُ مِنه مِنَ الشُّكرِ يُعرضُ ولا يَشكُرُ اللهَ ، وهذه حالُ كَثيرٍ مِن بَني آدَمَ؛ ولهِذا عَمَّمها اللهُ قالَ: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ لِأنَّ أَكثَرَ بَني آدَمَ عَلى هذه الحالِ.
وقَولُه: ﴿وَنَأَى﴾ في التَّفسيرِ: [(ناء)] يَقُولُ المُفسِّرُ ﵀: [وَفي قِراءةٍ بِتَقديمِ الهمزةِ] في قِراءةِ سَبْعيَّةٍ، واعلمْ أنَّ اصطلاحَ المفسِّر ﵀ أَنَّه إِذا قال: "وفي قِراءةٍ" стр. 318
فَهي سَبعيَّةٌ أي: مِنَ القِراءاتِ السَّبعِ، وإِذا قال: "وقُرِئَ" فَهي مِن القِراءاتِ الشّاذَّةِ.
إذن: (ناء) و (نأي) مَعناهُما واحدٌ كَأَيِسَ ويَئِسَ بِتَقديمِ الهَمزةِ وتَأخيرِها ومَعناهُما واحدٌ، أَيِسَ من كذا وَيئِسَ من كذا، وناءَ بِكذا أو نَأَيَ بكذا مَعناهُما واحدٌ، والمقصودُ أَنَّه كما قال المفسِّر: ثَنَي عِطفَه وانصرفَ مُتبختِرًا ومُتعاظِمًا.
قالَ الله تَعالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أَقبَلَ: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾، يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [كثير]. أي: إذا مَسَّه الشَّرُّ لجَأَ إلي اللهِ وأَطالَ الدُّعاءَ وأَكثرَ مِنهُ، وانظُروا ما حَكَي اللهُ تَعالَي عَنِ المُشركينَ إِذا كانوا في البَحرِ وهاجَ البحرُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، ولكنَّهم يَعِدونَ وَيكذِبونَ إِذا أَنجاهم اللهُ عادوا إلي كُفرِهم والعياذُ بِاللهِ.
من فَوائِدِ الآيةِ الكَريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أَنَّ الإِنسانَ مِن حيثُ هو إنسانٌ بَطَرٌ عندَ النَّعماءِ لكنَّه مُقبِلٌ عند الضَّرَّاءِ لِقولِه: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ ما يَتمتَّعُ به الإِنسانُ مِنَ النَّعيمِ، فإنَّما هو مِن عندِ اللهِ لقَولِه: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّحذيرُ مِن هذه الحالِ، فإذا رَأي الإِنسانُ مِن نَفسِه أَنَّه عند النِّعمَةِ يَفرحُ ويَبطُرُ ويَتهاوَنُ بِما أَوجبَ اللهُ عَليه، فَليَعلَمْ أَنَّه داخلٌ في هذا الإنسانِ المَذمومِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الإنسانَ يَعرفُ مِن نَفسِه الضَّعفَ إِذا أَصابَه الضَّررُ وَيلجأُ إلي اللهِ حتَّى الكافرُ يَعرفُ مِن نَفسِه الضَّعفَ، ويَلجأُ إلي اللهِ .
стр. 319
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الكُفَّارَ يُؤمنونَ باللهِ وبأنَّه هو كاشفُ الضُّرِّ لِقولِهِ: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.
الإعرابُ في قَولِه: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ هذه جُملةٌ شَرطيَّةٌ، وجَوابُها: ﴿أَعْرَضَ﴾، و ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ مَعطوفٌ عليه. وأَمَّا في قَولِهِ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾، فَجوابُه: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ وعامِلُه مُقَدَّرٌ أي: فَهو ذو دُعاءٍ عَريضٍ. واقتُرِنتِ الفاءُ في جَوابِ الشَّرطِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرطِ جُملةٌ اسميَّةٌ، وَإذا كانَ جَوابُ الشَّرطِ جُملةً اسميَّةً وَجَبَ اقتِرانُها بِالفاءِ وَلا تَسقطُ إِلَّا نادرًا، والجُمَلُ الَّتي إذا وَقَعَت جَوابًا لِلشَّرطِ فَإنَّها تُقتَرَنُ بِالفاءِ مَجموعةٌ في قَولِ النَّاظمِ:
اسميَّةٌ طَلبيَّةٌ وبِجامدٍ ... وبِلن وقَد وبِالتَّنفيسِ
فَإِذا وَقَعَ جَوابُ الشَّرطِ جُملةً من هَذهِ الجُمَلِ السَّبعِ وَجَبَ اقتِرانُه بِالفاءِ ولا تُحذَفُ إِلَّا نادرًا مثل قولِ الشَّاعرِ (١):
مَن يَفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشكُرُها ...........................
الأصلُ مَن يَفعلِ الحَسناتِ فاللهُ يَشكُرُها، لَكِنَّها سَقطت إِمَّا لِضرورَةِ الشِّعرِ وإِمَّا لِلقِلَّةِ؛ لِأنَّها تَسقطُ حتَّى في النَّثرِ ولكن ذلك قليل.
* * * стр. 320
الآية (٥٢)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ [فصلت: ٥٢].
* * *
ثم قالَ اللهُ ﵎: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [كَما قالَ النَّبيُّ - صلَّى الله عَليه وعلى آله وسلَّم-]: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢].
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمَعنَي أَخبِروني، وقَولُه: ﴿إِنْ كَانَ﴾ يَعني: القُرآنَ: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ﴾ وأَنكرتُم أن يَكونَ من عند اللهِ: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أَصلُ الجُملةِ مَن أَضَلُّ مِنكُم أَرأيتُم إِن كانَ مِن عندِ اللهِ وتَبَيَّن لَكُم أَنَّه مِن عندِ اللهِ: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الأصلُ لا أَحَدَ أَضَلُّ مِنكُم ولَكنَّه أُظهِرُ في مَوضعِ الإضمارِ، وذَكَرنا أَنَّ لِلإظهارِ في موضِعِ الإضمارِ فَوائدَ مِنها:
أولًا: تَنبيهُ المُخاطَبِ.
ثانيًا: بَيانُ الصِّفةِ الَّتي استحقَّ بِها صاحبُ الضَّميرِ هذا الوَصفَ.
ثالثًا: بَيانُ العُمومِ.
رابعًا: مُراعاةُ فَواصلِ الآياتِ.
стр. 321
وقَولُه: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [أي: القرآن] وتَبَيَّن لَكم ذَلكَ واتَّضحَ، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أَتَي بـ "ثُمَّ" الدَّالَّةِ علَي التَّرتيبِ والتَّراخي إِشارةً إلي أَنَّ هَؤلاءِ أَنكروا وكَفَروا بَعدَ التَّروِّي وبَعدَ المُدَّة الَّتي يُؤمنُ بِها مَن أَرادَ الإيمانَ.
وقَولُه: ﴿بِهِ﴾ الضَّميرُ يَعودُ عَلى القُرآنِ ويَجوزُ أَن يَكونَ عائدًا إلي الرَّسولِ - صَلَّى اللهُ عليه وعَلى آلِه وسَلَّم-؛ لِأنَّه هو الَّذي نَزَلَ عليه القُرآنُ.
﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [أي: لا أحد ﴿أَضَلُّ﴾]، إِشارةٌ إلي أنَّ الِاستفهامَ هُنا بمَعنَي النَّفيِ، واعلَم أَنَّ الِاستفهامَ يَأتي بِمعنَي النَّفيِ كَثيرًا وَإِتيانُه في مَوضعِ النَّفيِ أَعظمُ مِنَ النَّفيِ؛ لِأنَّه إذا أَتَي الِاستفهامُ في مَوضعِ النَّفيِ صارَ مُشربًا مَعنَي التَّحدِّي كَأنَّه قالَ: أَروني أحدًا أَضَلَّ، وهذا لا شكَّ أَنَّه مُشتَمِلٌ علي النَّفيِ وعلى التَّحدِّي.
وقال: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿مَنْ﴾ مُبتدأٌ اسمُ استِفهامٌ وَ ﴿أَضَلُّ﴾ خَبرُهُ، ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ أي: مَنِ الَّذي هو في ﴿شِقَاقٍ﴾، يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [خلافٍ ﴿بَعِيدٍ﴾] بَل شِقاقٍ أَخَصُّ مِنَ الخِلافِ؛ لِأنَّه قَد يُخالِفُك ولا يُشاقُّك ولَكِنَّ هَؤلاءِ خالَفوا وشاقُّوا.
وقولُه: ﴿بَعِيدٍ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحقِّ أَوقعَ هَذا مَوقِعَ منكم بَيانًا لحِالهِم]، يُريدُ أَوقعَ: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ مَوقِعَ مِنكُم؛ أي: مَوقِعَ الضَّميرِ، فَهو إِظهارٌ في مَوضعِ الإِضمارِ لِبيانِ حالهِم؛ أَي: بَيانُ أَنَّهم هُم أَضلُّ من كُلِّ أَحدٍ وأنَّ حالَهم الشِّقاقُ البَعيدُ فَفيهِ إِظهارٌ في مَوضِعِ الإِضمارِ.
стр. 322
من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَحدِّي هَؤلاءِ المُكذِّبينَ لِلرَّسولِ ﷺ الكافِرينَ بِالقُرآنِ، وأنَّهم بَعدَ أن عَلِموا بِالحقِّ كَفَروا بِه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ لِقولِه: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وَجهُ ذَلِكَ أنَّ القُرآنَ وَصفٌ لأنَّه كَلامٌ، والوصفُ لا بُدَّ أن يَقومَ بِمَوصوفٍ، وإِذا كانَ مِن عندِ اللهِ لَزِمَ أن يَكونَ المَوصوفُ بِهِ هو اللهُ ، ثُمَّ زيادَةً علي ذَلكَ وَجهُ الدَّلالَةِ كَونُه مِن عندِ اللهِ، وأنَّ الكلامَ صِفةٌ ولَيس عَينًا قائمةً بِنَفسها حَتَّى نَقولَ: إِنَّه مَخلوقٌ كَما في قَولِه تَعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
وهذا ما نُؤمنُ بِه وُيؤمنُ بِه السَّلفُ أَهلُ السُّنَّةِ والجماعَةِ بِأنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ تَكلَّمَ بهِ حَقيقةً بِحُروفِهِ، وسَمِعَه مِنه جِبريلُ وأَلقاه عَلي قَلبِ النَّبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسَلَّم-.
وَيرى أَهلُ التَّعطيلِ أنَّ القرآنَ كَلامُ اللهِ لَكنَّه مخَلوقٌ، لَيسَ وَصفًا مِن صِفاتِه بل هو مخَلوقٌ مِن مخَلوقاتِه، وهذا رَأيُ الجَهميَّةِ والمُعتزلَةِ، وهَذا الرَّأيُ يُبطِلُ الأمرَ والنَّهيَ ويُبطِلُ الشَّريعَةَ كُلَّها؛ لِأنَّه إِذا كانَ كَذلكَ صارَ مجُرَّد أَصواتٍ أو مجُرَّد حُروفٍ لا مَدلولَ لَها، كَما نَسمعُ صَوتَ الرَّعدِ مَثلًا لا نَستفيدُ مِنهُ شَيئًا، إِنَّما هو شَيءٌ يُسمَعُ فقط ولَيس لَه مَعنًى، أو حُروفٌ خُلِقَت عَلي هَذا النَّحوِ كَأنَّها نَقشٌ في جِدارٍ أو في بابٍ، نُقوشٌ لَيسَ لَها مَعنًى؛ ولهِذا يُعتبَرُ هَذا القولُ مِن أَشدِّ الإلحادِ؛ لِأنَّه تَبطلُ بِه الشَّريعَةُ.
فَمثلًا: كَلمَةُ (قُل) إذا قلنا: إِنَّها مَخَلوقَةٌ إِن رَسمتَها في وَرقةٍ صارت صورةَ كَلِمةٍ فَقط كَأنَّها نَقشٌ؛ لِأنَّها لَيست بِكلامٍ، وإِن تَكلَّمتَ بِها فالصَّوتُ مَخلوقٌ،
стр. 323
بَلِ اللهُ حينَ تَكلَّم بِها وأَوحاها إِلي جِبريلَ يُعتبرُ خَلَقَ صَوتًا ليس له مَعنًى؛ لِأنَّه مخَلوقٌ مِنَ المخلوقاتِ.
واللهُ فَرَّق بَينَ الخلقِ والأمرِ فَقالَ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وكَذَلكَ: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ولَم يَقُل: مِن خَلقِنا.
فالقائلونَ بِأنَّ القرآنَ كَلامُ اللهِ لكنَّه مَخلوقٌ قد عَطَّلوا الشَّرائِعَ نِهائيًّا، إِذ إِنَّه لَيس هُناكَ أَمرٌ ولا نَهيٌ.
وهُناكَ قَولٌ آخَرُ لِلأشاعِرَةِ يَقولونَ: إِنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ، لكنَّه أي: الكلامُ هو المعنَى القائمُ بِنفسِهِ أَمَّا ما سَمِعَه جِبريلُ فَإنَّه مَخلوقٌ، فالقُرآنُ عندهُم كَلامُ اللهِ لَكِنَّ كَلامَ اللهِ هو المعنَى القائِمُ بِنفسِه، وأَمَّا ما يُسمَعُ مِنَ اللهِ كَمُناجاتِه موسَى وكَلامِه بِالوحيِ إلي جِبريلَ فَإِنَّه مَخلوقٌ عِبارةٌ عَنِ المعنَى القائِمِ بالنَّفسِ.
وهذا المعنَى أَشدُّ وأَخبثُ مِن قَولِ المُعتزلَةِ، لِأنَّ المُعتزِلَةَ يَقولونَ: ما نَقرأُه في المَصاحفِ كَلامُ اللهِ حقًّا، والأشاعِرَةُ يَقولونَ: عِبارةٌ عَن كَلامِ اللهِ ولَيس كَلامَ اللهِ، والكلُّ مُتَّفِقونَ عَلى أنَّ ما نَقرأُه في المَصاحفِ مخَلوقٌ، لكنَّ المُعتزِلَةَ يَقولونَ: هو كَلامُ اللهِ، والأَشعريَّةُ يَقولون: عِبارةٌ عن كَلامِ اللهِ، فصاروا مِن هَذهِ النَّاحيةِ أَخبثَ وأَشَرَّ مِنَ المُعتزِلَةِ والجهميَّةِ.
أَمَّا نَحنُ فَنُؤمنُ بِأنَّ ما كُتِبَ في المَصاحفِ وحُفِظَ في الصُّدورِ فَإنَّه كَلامُ اللهِ وهو غَيرُ مَخلوقٍ.
فإن قالَ قائلٌ: أَرَأَيتَ القارئَ يَقرأُ نَسمَعُ صَوتَه بِالقراءَةِ هَل هذا الصَّوتُ مَخلوقٌ أو غَيرُ مَخلوقٍ؟
стр. 324
قلنا: هو مَخلوقٌ؛ لِأنَّ صَوتَ الإِنسانِ وَصفٌ مِن أَوصافِه فَهو مَخلوقٌ كَأصلِه لَكِنَّ الملفوظَ بِهِ والمُصَوتَ بِه غَيرُ مَخلوقٍ، وهُناكَ فَرقٌ بَينَ الصَّوتِ والنُّطقِ وبَينَ المُصوَّتِ به والمَنطوقِ به، فأَنا لَو قَرأتُ كِتابًا ألَّفَه عالِمٌ مِنَ العُلماءِ فالصَّوتُ صَوتي لَكِنَّ المَقروءَ لِلعالِم الَّذي كَتَبَ الكِتابَ؛ ولهِذا قالَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀ في كِتابِه العقيدةُ الواسطيَّةُ: الكلامُ إِنَّما يُضافُ حَقيقةً إلى مَن قالَه مُبتَدئًا لا إلي مَن قالَه مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا (١).
فَلَو أَرادَ الإِنسانُ أَن يَستَفصِلَ، هَل لَفظُ الإِنسانِ بِالقُرآنِ مَخَلوقٌ أو لا؟
نَقولُ: لَفظُه الَّذي هو تَلَفَّظَه مَخلوقٌ؛ لِأنَّه حَركاتُ الإِنسانِ وشَفَتَيه وصَوتِه، وأَمَّا المَلفوظُ بِه فَإِنَّه كَلامُ اللهِ غَيرُ مخَلوقٍ، وَيدُلُّ لهِذا أَنَّ اللهَ تَعالَي قالَ في القُرآنِ الكريمِ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠] الرَّسولُ هُنا جِبريلُ، وَقالَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠، ٤١] الرَّسولُ هُنا محُمَّدٌ ﵊، ولا يُمكنُ أَن يَكونَ كَلامٌ واحدٌ لمُتكَلِّمَينِ اثنَينِ لَكن أَضافَه إِليهِما لِأنَّهما رَسولانِ مُبَلِّغانِ عَنِ اللهِ؛ ولِهَذا قال: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ في الآيتَينِ.
وذُكِرَ عَنِ الإِمامِ أَحمَدَ ﵀ أنَّ مَن قال: لَفظي بِالقُرآنِ مخَلوقٌ فَهو جَهميٌّ، ومَن قالَ: غَيرُ مَخلوقٍ فَهو مُبتدِعٌ (٢)، هكذا رُوِيَ عنه، وفي رِوايةٍ: مَن قالَ: لَفظي بِالقُرآنِ مخَلوقٌ يُريدُ القُرآنَ فَهو جَهميٌّ، ومَن قال: غَيرُ مَخلوقٍ فَهو مُبتدِعٌ (٣). стр. 325
فالرِّوايَةُ الثَّانيةُ عنه فَسَّرتِ الرِّوايةَ الأولَى أي: مَن قالَ لَفظي بِالقُرآنِ مَخلوقٌ يُريدُ القُرآنَ الَّذي هو اللفوظُ به.
فإِن قالَ قائِلٌ: هَل يُمكنُ أَن يُرادَ بِاللَّفظِ المَلفوظُ؟ قُلنا: نَعَم، لِأنَّ لَفظَ مَصدرٌ والمَصدَرُ يَأتي أَحيانًا بمَعنَى اسمِ المَفعولِ كَما في قولِه -صلَّى اللهُ عليه وَعَلى آلِه وسَلَّم-: "مَن عَمِلَ عَملًا ليسَ عَليهِ أَمرُنا فَهو رَدٌّ" (١). رَدٌّ بمَعنَى مَردودٍ. وكَما في قَولِه تَعالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] أي: أولاتُ مَحمولٌ، فالحَملُ مَصدَرٌ ويُرادُ بِه اسمُ المَفعولِ.
ونَحنُ نَقولُ في كَلامِ اللهِ : إِنَّه كَلامٌ مَسموعٌ بِحرفٍ وصَوتٍ وأَنَّه غَيرُ مَخلوقٍ وأَنَّه صِفةٌ مِن صِفاتِه.
ولَكِن هل هو مِنَ الصِّفاتِ الذَّاتيَّةِ أو مِنَ الصِّفاتِ الفِعليَّةِ؟ نَقولُ: أَمَّا بِاعتِبارِ أَصلِه وأَنَّه تَعالَى لَم يَزلْ ولا يَزالُ مُتكلِّمًا فهو مِنَ الصِّفاتِ الذَّاتيَّةِ، وأَمَّا بِاعتِبارِ آحادِه فَهو مِنَ الصِّفاتِ الفِعليَّةِ؛ لِقولِه تَعالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] صارت ﴿كُن﴾ بَعدَ الإِرادَةِ، وَهذا دَليلٌ علي أنَّ كَلامَ اللهِ من حَيثُ آحادُه وأَفرادُه مِنَ الصِّفاتِ الفِعليَّةِ.
فإِن قالَ قائِلٌ: قَولُ الأشاعِرَةِ هَل يُكَفِّرُهم؟
فالجَوابُ: يَجبُ أَن نَعلَمَ قاعدةً مُهِمَّةً أنَّ المُجتَهدَ مِن هَذهِ الأُمَّةِ ولَو أَخطَأَ فَإنَّه مَغفورٌ لَهُ، هُم يُريدونَ بهذا أنَّ اللهَ مُنزَّهٌ أن تَقومَ بِه الحوادِثُ؛ لِأنَّهم يَعتَقدونَ بِعُقولهِم السَّخيفَةِ أنَّ الحَوادثَ لا تَقومُ إِلَّا بِحادثٍ وهُم يَعلَمونَ أنَّ الكَلامَ حادثٌ، стр. 326
كُلُّ حَرفٍ حَدَثَ بَعدَ الحَرفِ الَّذي قَبلَه، لكن لِعُقولهِم السَّخيفَةِ ظَنَّوا أنَّ مَن يَقومُ بِالحادثِ فَهو حادثٌ، وهَذا خَطأٌ، ولَكن لا نُكفِّرهم في هَذا، ولَو أنَّ إِنسانًا تَبيَّن لَهُ الحقُّ وقالَ: إِنَّه لا يُريدُ الحقَّ وإنَّما يَتَّبعُ هَواه فَقَد يكفر.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الكُفرَ بَعدَ التَّبيُّنِ أَشدُّ قُبحًا مِنَ الكُفرِ مع الجَهلِ بِدَليلِ قولِهِ: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾، فإِنَّ ﴿ثُمَّ﴾ تَدُلُّ على التَّرتيبِ والتَّراخي وأنَّ كُفرَهُم كان بَعدَ أَن تَبيَّنَ الأمرُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّه لا أَحَدَ أَضَلُّ مِمَّن شاقَّ اللهَ ورَسولَه حَيثُ إِنَّه في شِقاقٍ بَعيدٍ لِقولِه تَعالَى: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَلاغَةُ القُرآنِ التَّامَّةُ حيثُ يَختارُ في كُلِّ تَركيبٍ ما يُناسبُ الحالَ؛ لِقولِه تَعالَى: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وُقوعُ الِاستِفهامِ مَوقعَ النَّفيِ وأنَّ إيقاعَ الِاستِفهامِ مَوقِعَ النَّفيِ أُسلوبٌ عَربيٌّ صَحيحٌ، وفائدتُه أَنَّه إِذا كانَ بصيغَةِ الِاستِفهامِ كانَ مُشربًا بِالتَّحدِّي، فَقولُه: ﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ أَبلغُ مِن قولِه: لا أَضَلَّ.
* * *
стр. 327
الآيتان (٥٣، ٥٤)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَي كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٣، ٥٤].
* * *
﴿سَنُرِيهِمْ﴾ السِّينُ لِلتَّنفيسِ، وهي تُفيدُ القُربَ والتَّحقيقَ، و (سوف) لِلتَّسويفِ وَهي تُفيدُ التَّحقيقَ مع البُعدِ؛ ولذلكَ يَجِبُ أن نُفرِّقَ بَينَ سَوفَ والسِّين، إِذا كان الشَّيءُ سَيكونُ قَريبًا فَقُل: سَيكونُ، وإِذا كانَ بَعيدًا فَقُل: سوفَ يَكونُ، ولِهذا تَجِدونَ قَولَ اللهِ تَعالَى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [التكاثر: ٣، ٤]؛ لأنَّه لَم يأتِ بَعدُ وهو بَعيدٌ بِالنِّسبةِ لِكونِه في الدُّنيا.
﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَعني: عَن قُربِ قِراءَةٍ مُتحقِّقةٍ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ أي: نُظهِرُها لَهم حتَّى يَرَونَها بِأَعيُنهم أو حتَّى يَرَونَها بِبَصائرِهم.
﴿آيَاتِنَا﴾ الآياتُ جَمعُ آيَةٍ وهي في اللُّغةِ العَلامَةُ، والمُرادُ بِآياتِ اللهِ عَلاماتُه الدَّالَّةُ عَلى كمالِ عِلمهِ وحِكمتِه وقُدرتِه وغَيرِ ذَلكَ مِن مُقتضياتِ رُبوبيَّتِه، واعلَم أَنَّ الآياتِ نَوعانِ:
١ - آياتٌ شَرعيةٌ وَهي ما جاءت بِهِ الرُّسلُ ومنها هَذا القُرآنُ الكَريمُ.
٢ - وَآياتٌ كَونيَّةٌ: وَهي الدَّالَّةُ عَلي كَمالِ اللهِ ﵎ في العِلمِ والخَلْقِ وكُلِّ
стр. 328
ما يَتعلَّقُ بِرُبوبيَّته، وهي ما يَعجَزُ البَشرُ عَن مثلِه، فالبَشَرُ كُلُّهم عاجزونَ عَن أَن يَخلُقوا أَرضًا أو سَماءً أو نُجوما أو شَمسًا أو قَمرًا؛ ولهِذا قال تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]، هذه آياتٌ كَونيَّة؛ لأَنَّه يَعجَزُ عن مِثلِها البَشَرُ.
والآياتُ الشَّرعيةُ مِثلَ قَولِه تَعالَى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ [القلم: ١٥].
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ أَقطارِ السَّمَواتِ والأرضِ مِنَ النَّيِّراتِ والنَّباتِ والأشجارِ].
قَولُهُ تعالى: ﴿فِي الْآفَاقِ﴾ ﴿الْآفَاقِ﴾ جَمعُ أُفُقٍ وَهو النَّاحيةُ، والآفاقُ هُنا جَمعٌ فتَدُلُّ علي أنَّ هذِه الآياتِ سَتكونُ في كُلِّ ناحيةٍ مِنَ السَّماءِ والأرضِ، فَفي السَّماءِ نُجومٌ وَفي السَّماءِ شَمسٌ وَفي السَّماءِ قَمرٌ، وفيها مَشارقُ وفيها مَغارِبُ، كُلُّ هَذه مِن آياتِ اللهِ مَن يَستطيعُ أَن يَخلُقَ مِثلَ الشَّمسِ؟ لا أَحَدَ. مَن يَستطيعُ أَن يُجريَها بِهذا الِانتظامِ البديعِ مُنذُ خَلَقَها اللهُ إلي أن يَأذنَ بِخَرابِ العالَمِ؟ لا أَحَدَ يَستَطيعُ، مَن يَستطيعُ أَن يُزحزِحَها مِن مَشارِقِها الشَّرقيَّةِ الشَّماليَّةِ إلي مَشارِقِها الشَّرقيَّةِ الجَنوبيَّةِ؟ لا أَحَدَ، وهَلُمَّ جَرًّا هذا في آفاقِ السَّماءِ.
ومِن آفاقِ السَّماءِ ما يَحصُلُ مِنَ الأمطارِ الغَزيرَةِ أَوِ الخَفيفةِ والرَّعدِ والبرقِ وغَيرِ ذَلكَ، المُهمُّ أنَّ آفاقَ السَّماءِ كُلُّ ما عَلا فَإنَّه داخل في آفاقِ السَّماءِ.
كَذلكَ أيضًا آفاقُ الأرضِ فيها مِن آياتِ اللهِ ما يَدُلُّ على كَمالِ عِلمِه وقُدرتِه وحِكمتِه ورَحمتِه جِبالٌ وأَنهارٌ وبِحارٌ، فَيافي وأَوديةٌ، هِضابٌ إلي غَيرِ ذَلكَ، نَباتاتٌ مخُتلِفَةٌ تَجِدُ النَّباتَ كَأنَّه رُقعةُ ثَوبٍ موشَّى، هذا أَخضرُ وهذا بَنَفسَجيٌّ وهذا
стр. 329
أَبيضُ، وزُهورُها مخُتلِفةٌ وثِمارُها مُخُتلِفَةٌ تُسقَي بِماءٍ واحدٍ ويُفضِّلُ اللهُ بَعضَها عَلى بَعضٍ في الأُكُلِ.
كَذَلِكَ أَيضًا يَدخُلُ في قولِهِ: ﴿فِي الْآفَاقِ﴾ ما يَحصُلُ في الآفاقِ مِن حَربٍ وَسِلمٍ وأَمنٍ وخَوفٍ وشِدَّةٍ ورَخاءٍ، كُلُّ هَذهِ مِنَ الآياتِ مِن آياتِ اللهِ في الآفاقِ.
كَذلكَ ما يحصُلُ مِن غَلَبَةٍ وانهِزامٍ وغَيرِ هَذا، فاللهُ تَعالَي وَعَدَ بِأن يُرِيَ العِبادَ آياتِه في الآفاقِ، فَكلُّ ما في الآفاقِ العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ مِمَّا لا يَستطيعُ الخَلقُ أَن يَأتوا بِمِثلِه فَهو مِن آياتِ اللهِ.
﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يَعني: ونُريهُم آياتِنا في أَنفسِهم وذَلكَ مِن نَواحٍ مُتعدِّدةٍ، أَولًا مِن جِهةِ الخِلقَةِ كَيفَ خَلَقَ اللهُ الآدميَّ علي هَذهِ الصِّفةِ البَديعَةِ الغَريبَةِ الَّتي لا يوجَدُ مِنَ الحيواناتِ مَن هو مِثلُه في حُسنِ القامةِ وحُسنِ التَّدبيرِ والعقلِ وغَيرِ ذَلكَ.
كَذلكَ أَيضًا في أَنفُسهم مِن طولٍ وقِصَرٍ وبَياضٍ وسَوادٍ وحُسنِ خُلُقٍ وسوءِ خُلُقٍ.
كَذلكَ في أَنفُسِهم مِن تَقلُّباتِ الأحوالِ وكَونِ الإِنسانِ أَحيانًا يُريدُ كَذا، وأَحيانًا يُريدُ كَذا وأَحيانًا يُريدُ الشَّيءَ ويُصمِّمُ عَليهِ، وإِذا به مَصروفٌ عنه هَذا مِن آياتِ اللهِ.
ولهِذا قيلَ لِعَرَبيٍّ: بِم عَرفتَ رَبَّك؟ قال: بِصَرفِ الهِمَمِ، يَعني: تَقليبَ القُلوبِ، تَجِدُ الإنسانَ مَثلًا مُتَجِهًا إلي أن يَنصَرِفَ إلى الشَّمالِ، فَإِذا به يَنصرِفُ إلي الجَنوبِ بِدونِ أيِّ سَببٍ لَكن بِتقديرِ اللهِ .
كَذلكَ أيضًا مِن آياتِ اللهِ في الإِنسانِ تَركيبُ هذا البَدَنِ العَجيبِ البَديعِ، واسأَل أَهلَ التَّشريحِ عَن هَذا تَجِدُ العَجَبَ العُجابَ إِن أَتَيتَ إلى الرَّأسِ وَما فيه مِنَ
стр. 330
المُخِّ وما فيه مِنَ الأدواتِ، وإِذا أَتيتَ إلي الأَمعاءِ وإلى المَعِدَةِ وإلي الكَبدِ وإلي الغُدَدِ وإلي غَيرِها تَجِدُ العجَبَ العُجابَ، يَعني: أَنَّه دولَةٌ في الواقعِ، دولةٌ كُلُّ شَيءٍ مِنهُ لَهُ عَملُه الخاصُّ. مَن يَستَطيعُ أَن يُرَكِّبَ هَذا؟ اللهُ .
كَذلِكَ أَيضًا مِنَ الآياتِ في الأنفُسِ: ما حَصَلَ لِقُريشٍ في بَدرٍ حَيثُ إِنَّ قُريشًا في بَدرٍ خَرجت إلي بَدرٍ كَما وَصفَ اللهُ : ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧] يَقولُ القائلُ مِنهم: "واللهِ لن نَرجعَ حتَّى نَقدُمُ بَدرًا فنُقيمُ فيها ثَلاثًا نَنحرُ الجَزورَ ونَسقي الخُمورَ وتَعزفُ عَلينا القيانُ وتَسمَعُ بِنا العَربُ، فَلا يَزالونَ يَهابونَنا أَبَدًا".
هَكَذا قالوا، ولَكِنَّ الأمرَ صارَ بِالعَكسِ -والحَمدُ لله-، صار العربُ يَتحدَّثون عَن هَزيمتِهم إلي أن يَشاءَ اللهُ مِن أَمَدِ الدُّنيا، هَذا مِن آياتِ اللهِ.
كَذلِكَ مِن آياتِ اللهِ تَعالَى في الإِنسانِ: أنَّ النَّاسَ يَختَلِفونَ اختلافًا عَظيمًا في الفَهمِ والحِفظِ والعملِ، تَجِدُ هَذا يَختارُ هَذا العَمَلَ، والآخرُ يَقولُ: كَيفَ يَصبِرُ هَذا الرَّجلُ عَلي هذا العَمَلِ، وَآخَرُ بِالعَكسِ، هَذا مِن آياتِ اللهِ ﵎.
كَذلِكَ أَيضًا النَّاسُ يَختَلِفونَ في الفَهمِ: مِنَ النَّاسِ مَن إِذا قَرأتَ عليهِ العبارةَ فَهِمَها من أَوَّل مَرَّةٍ، ومنَ النَّاسِ مَن لا يَفهمُها في أوَّل مرَّةٍ، مِنَ النَّاس مَن إِذا تَلَوتَ عَليهِ العبارَةَ حَفِظَها مِن أوَّل مَرَّةٍ، ومِنَ النَّاسِ مَن لَيس كَذلكَ، كُلُّ هَذا مِن آياتِ الله، وإِلَّا فالدَّمُ واحدٌ والعَصَبُ واحدٌ والعِظامُ واحدةٌ والجِلدُ واحدٌ، وكُلُّ شَيءٍ واحدٌ لَكن يَختلِفُ النَّاسُ هَذا الِاختلافَ العَظيمَ.
كُلُّ هَذا داخلٌ في قَولِه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ مِن لَطيفِ الصَّنعةِ وبَديعِ الحِكمةِ]. ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ
стр. 331
لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ يَتبَيَّنُ بِمعنًى يَتَّضحُ لَهُم أي: لهِؤلاءِ المُكذِّبينَ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿أَنَّهُ﴾ أَي: القُرآنَ]، ويَحتملُ أَن يُرادَ بِهِ الرَّسولُ ﵊، ويَحتَمِلُ أَن يُرادَ المَعنيانِ جَميعًا.
قولُه تَعالَى: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿الْحَقُّ﴾ المُنزَّلُ مِنَ اللهِ ﵎ بِالبَعثِ والحِسابِ والعِقابِ فيُعاقَبونَ عَلى كُفرِهم بِه وبِالجائي به].
﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الحقُّ في الأصلِ هو الشَّيءُ الثَّابتُ الواقعُ لا محَالَةَ، ومنه قَولُه تَعالَى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢] يَعني: الشَّيءَ الثَّابتَ، ويُطلَقُ عَلي مَعانٍ مُتعدِّدةٍ مِنها: أَنَّه الصِّدقُ، فالصِّدقُ حَقٌّ وضِدُّهُ الكَذِبُ باطلٌ، ومِنها: العدلُ، فالعَدلُ حَقٌّ وضِدُّه الجَورُ وهو باطلٌ؛ ولهِذا قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] ومِنها -أي: مِن مَعاني الحَقِّ- أَنَّه الشَّيءُ الثَّابِتُ الَّذي لا يُزَحزِحُه أَحَدٌ، وضِدُّه الشَّيءُ الَّذي لا يَثبُتُ ولا يَستَقِرُّ وكُلُّ إِنسانٍ يُبطلُهُ.
فَأنتَ الآنَ تَجِدُ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ مَهما جادلَ بِهِ المُجادِلُ ليدفَعَه فَحُجَّتُه باطِلةٌ، ولا يُمكنُ لِأحدٍ أَن يَغلبَ القُرآنَ بل القُرآنُ غالبٌ، لَكنِ اعلَموا أَيُّها الإِخوةُ أَنَّ كَونَ القُرآنِ غالبًا إِنَّما هو بِحَسَبِ حامِلِه؛ ولِذلكَ تَجِدُ السَّيفَ البَتَّارَ بيدِ الجَبانِ لا يُغني شَيئًا، لا بُدَّ أن يَكونَ القُرآنُ بِحَسَبِ حاملِهِ وإِلَّا فالقُرآنُ نَفسُهُ لا يُمكنُ أَن يُغلبَ أَبدًا إِلَّا أَنَّه قَد يُغلَبُ مِن جِهةِ حاملِه، وهذا لَيسَ عَيبًا في القُرآنِ ولَكنَّه عَيبٌ في حاملِ القُرآنِ.
قَولُه تَعالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [المُنزَّلُ مِنَ اللهِ بِالبَعثِ والحِسابِ]، وهذا التَّخصيصُ مِنَ المفسِّر ﵀ علي سَبيلِ المِثالِ، وَإِلَّا فَإنَّه
стр. 332
يَتبيَّنُ أَنَّه الحَقُّ في كُلِّ شَيءٍ في كَونه يَغلِبُ ولا يُغلَبُ، وفي كَونِ أَحكامِه عَدلًا وأَخبارِه صِدقًا وغَيرِ ذلك.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [فيُعاقَبونَ علي كُفرهِم بِه]، أَفادنا المفسِّر ﵀ أنَّ المُرادَ بِالتَّبيُّنِ هُنا لازَمَه وهو المُعاقَبَةُ؛ لِأنَّه لَو كانَ المُرادُ التَّبَيُّنَ فقط بِدونِ عِقابٍ عَلي مخُالفتِه بَعدَ التَّبيُّنِ لَم يَكنْ هُناكَ فائدةٌ، وَمن ذَلكَ أَيضًا -أَي مِن كَونِه يُطلَقُ البَيانُ أَوِ العِلمُ ويُرادُ بِه اللَّازِمُ- قَولُ اللهِ ﵎: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾ [الزلزلة: ٦] أَي: ليرَوها ويُجازَوا عَليها، وهذه الآيةُ أَيضًا ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ فَيُعاقَبونَ علي كُفرِهم به.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [وبِالجائي به] الجائي بِهِ الرَّسولُ ﷺ .
قال اللهُ تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ لمَّا بَيَّنَ اللهُ أَنَّه سَيُظهرُ الآياتِ حتَّى يَتبَيَّنَ أنَّ هَذا القُرآنَ حَقٌّ وأَنَّ محُمَّدًا حَقٌّ ذَكَرَ شيئًا أَعظمَ دَلالَةً على أَنَّ القُرآنَ حَقٌّ، وعلى أنَّ الرَّسولَ ﷺ حَقٌّ، إِنَّه هو اللهُ ولهِذا قالَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؟
والجَوابُ: بَلَي يَكفي ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالَى إِذا رَأَى هذا الرَّجلَ يَدعو النَّاسَ إلي ما يَدعوهم إِلَيه ويُقاتِلُهم بِهِ ويَنصُره اللهُ عَليهِم ويُمكِّنُ له في الأرضِ ويَتَّبِعُهُ النَّاسُ هَل يُمكنُ أن يُقِرَّ اللهُ ذَلِكَ وهو باطلٌ؟
لا يُمكنُ أَبدًا، لا يُمكنُ إِطلاقًا، فَكَونُ اللهِ تَعالى يُمَكِّنُ لِرسولِه ﷺ في الأرضِ، ويَجلِبُ قُلوبَ النَّاسِ إِليهِ ويَنصرُه عَلي أَعدائِهِ ويَفتَحُ بِدينِه آفاقَ الشَّرقِ والغَربِ، كُلُّ هَذا دَليلٌ عَلي أَنَّه حَقٌّ، وشَهادَةُ اللهِ لِرسولِه نَوعانِ:
стр. 333
١ - شَهادَةٌ قَوليَّةٌ.
٢ - وشَهادةٌ فِعليَّةٌ.
أَمَّا الشَّهادَةُ القوليَّةُ فَدَليلُها قَولُه تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦] هذه شَهادَةٌ مِنَ الله.
أَمَّا الشَّهادَةُ الفِعليَّةُ فَهي تَمكينُ اللهِ تَعالَى لمُحمَّدٍ ﷺ في الأرضِ ونَصرُه إيَّاه وغَلَبةُ دينِهِ عَلي جَميعِ الأديانِ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ فاعلُ يَكفي] والباءُ مَزيدَةٌ فيهِ لِتَحسينِ اللَّفظِ ونَظيرُها: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: وَكَفَي اللهُ شَهيدًا، وعلى هَذا فَنَقولُ في إِعرابِها: الباءُ حَرفُ جَرٍّ زائِدٌ إِعرابًا فائدَتُه تَحسينُ اللَّفظِ، ورَبُّ فاعلُ يَكفي مَرفوعٌ بِضَمَّة مُقدَّرةٍ عَلي آخِرِه مَنَعَ مِن ظُهورِها حَرفُ الجَرِّ الزَّائدِ.
وقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ أَضافَ الرُّبوبيَّةَ لِلرَّسولِ ﵊، وهذا لِلتَّشريفِ والتَّكريمِ؛ لِأنَّه رَبُّ كُلِّ شَيءٍ.
وانظُر إلي قَولِه تَعالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]؛ لِئَلَّا يَظُنَّ الظَّانُّ أنَّ الرُّبوبيَّةَ خاصَّةٌ بِهذه البَلدَةِ، كَذلِكَ أَيضًا إِضافَةُ الرُّبوبيَّة إلي الرَّسولِ مِن بابِ التَّشريفِ والتَّكريمِ، والإِشارَةُ إلى أَنَّه سَوفَ يَنصُرهُ على عَدوِّه؛ لِأنَّ رُبوبيَّةَ اللهِ لِلرَّسولِ ﵊ رُبوبيَّةٌ خاصَّةٌ.
وقَولُه تَعالَى: ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدلٌ مِن قَولِه: ﴿بِرَبِّكَ﴾. والبَدلُ يَقولونَ في تَعريفِه: هو الَّذي إِذا أَسقطتَ المُبدَلَ مِنه استَقامَ الكلامُ. تَقوُل: أَعجبَني زَيدٌ خُلُقُه هَذا بَدَلٌ، أَسقِط زَيدًا: أَعجَبني خُلُقُ زَيدٍ. أَكَلتُ الرَّغيفَ ثُلُثَهُ: أَسقِطِ الرَّغيفَ، وَيستَقيمُ الكَلامُ، هَذا رابطُ البَدلِ، وهُنا نَقوُل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾
стр. 334
أَسقِط بِرَبِّكَ تَقولُ: أَوَلَم يَكفِ أَنَّ اللهَ علي كُلِّ شَيءٍ شَهيدٌ، يَستَقيمُ، لَكن لا شَكَّ أَنَّ القُرآنَ الكَريمَ لا يُمكنُ أَن يُوجِدَ بَدلًا ومُبدلًا مِنهُ إِلَّا لفائدةٍ عَظيمةٍ، فيَكونُ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ شَهادَةً ونُصرةً وتَثبيتًا وما أَشبهَ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ هَذا بَعضٌ مِن مُقتَضَى رُبوبيَّتِه .
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنه أي: أَوَلَم يَكفِهِم في صِدقِكَ أَنَّ رَبَّك لا يَغيبُ عَنه شَيءٌ ما؟ ]، والشَّهادَةُ هُنا نَوعُها فِعليَّةٌ، يَعني: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وَقَد مَكَّنَ لَكَ في الأَرضِ وَثَبَّتك ونَصَرَك عَلَيهِم وعلى كُلِّ عَدوٍّ لَكَ؟
والجَوابُ: بَلَى، واللهِ إِنَّ هَذا لَكافٍ، وهذا كقولِه تَعالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [العنكبوت: ٥٠] بَعدَها: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] الكِتابُ أَعظمُ آيةً شَهادَةٌ مِنَ اللهِ عَلي صِدقِ رَسولِه.
ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿أَلَا﴾ أَداةُ استِفتاحٍ وتُفيدُ شَيئينِ:
الشَّيءَ الأَوَّلَ: التَّوكيدَ.
والشَّيءَ الثَّانيَ: التَّنبيهَ ﴿أَلَا﴾ وهي غَيرُ مُركَّبةٍ بَل هي كَلمةٌ واحدَةٌ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ لِإنكارِهِم البَعثَ]، فَهُم والعياذُ بِاللهِ في شَكٍّ مِن لِقاءِ اللهِ ولَو كانوا يَرجونَ للهِ لِقاءً لاستقاموا وخافوا مِنه، كُلُّ إِنسانٍ يُؤمِنُ بِأَنَّه مُلاقٍ رَبَّه، فَإِنَّه سوف يَستقيمُ علي أَمرِ اللهِ؛ لِأنَّه يَعلمُ أَنَّ الرَّبَّ سوف يُحاسِبُه علي هذا.
стр. 335
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا﴾ ﴿أَلَا﴾ أَداةُ استفتاحٍ أُخري تُفيدُ التَّنِبيهَ والتَّوُكيدَ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿أَلَا إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ عِلمًا وقُدرةً فَيُجازيهم بِكُفرِهم].
هُم في شَكٍّ مِن لِقاءِ اللهِ لَكِن سوفَ يُنبِّئُهمُ اللهُ بِما عَمِلوا؛ لِأنَّه بِكُلِّ شَيءٍ محُيطٌ وعلى هَذا فَصلَةُ قَولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ بما قَبلَها الإِشارةُ إلي أَنَّه سوفَ يُجازيهم.
من فوائِدِ الآيَتين الكريمَتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ اللهَ تَعالَى سَيُظهرُ ما يَتبيَّنُ بِه صِدقُ الرَّسولِ ﵊ في الآفاقِ وَفي أَنفُسهم، نَأخذُها مِن قولِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هذه الإِراءَةَ قَريبةٌ محُقَّقةٌ، تُؤخَذُ مِن: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ لِأنَّها صُدِّرت بِالسِّينِ الدَّالَّةِ علي التَّحقُّق والقُرب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَنبغي لِلإنسانِ أَن يُفَكِّرَ في آياتِ اللهِ تَعالَى وفي نَفسِه؛ لِأنَّ ذَلكَ طَريقٌ إلي أن يَتبَيَّنَ لَه الحَقُّ، نَأخذُها مِن: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، فأَنتَ كُلَّما ازددتَ تَأمُّلًا وتَدبُّرًا لِآياتِ اللهِ الآفاقيَّةِ والآتيَةِ بِنفسكَ فَإِنَّكَ لا شكَّ تَزدادُ إيمانًا ويَتبَيَّنُ لَكَ صِدقُ الرَّسولِ ﵊.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الإِنسانَ ناقصُ العِلمِ نَقصًا عَظيمًا؛ وَجهُه: أَنَّ اللهَ تَعالَى يُريهِ آياتِه في نَفسِه، فالإنسانُ غَيرُ عالِمٍ بِنَفسِه إِلَّا إذا عَلَّمه اللهُ؛ ولِذلكَ النَّفسُ الَّتي هي مادَّةُ الحياةِ لا نَعرِفُها.
стр. 336
ولهِذا اختَلفَ فيها النُّظَّارُ مِنَ المُتكلِّمينَ والفَلاسِفَةِ وغَيرِهِم، مِنهم مَن قال: إِنَّ النَّفسَ هي الدَّمُ، ومِنهم مَن قال: إِنَّ النَّفسَ جُزءٌ مِنَ البدنِ، ومِنهُم مَن قالَ: إِنَّ النَّفسَ عَرَضٌ في البدنِ، ومِنهم مَن قال: إِنَّ النَّفس لا توصَفُ بِشيءٍ فَلا هي داخلُ العالَمِ، ولا خارِجُه ولا مُتَّصلَةٌ ولا مُنفصلَةٌ، إِلي آخِر ما يَقولونَ في النَّفيِ المُطلَقِ، ومنهم مَن قال: إِنَّ النَّفس مخَلوقٌ مِن مخَلوقاتِ اللهِ وأَنَّها ذاتُ جُرمٍ وأَنَّها تَدخُلُ في البدَنِ وتَسيرُ فيهِ كَما تَسيرُ الجَمرُ في الفَحمِ أَوِ الماءُ في المَدَرِ.
وَيَدُلُّ لِذلكَ أَنَّ النَّبيَّ ﵊ أَخبرَ أَنَّ الإِنسانَ إِذا قُبِضَ أُخِذَت نَفسُه، أَخَذَتها المَلائِكَةُ وجَعَلَتها في كَفَنٍ وحَنوطٍ وأَنَّه إِذا قُبِضَ اتَّبَعهُ البَصرُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أَنَّها شَيءٌ مَخَلوقٌ لَه جُرمٌ وجَسَدٌ، لَكِننا مَع ذلك لا نَعلَمُ مِنها إِلَّا قَليلًا، ولِهذا لمَّا سَألوا عَنِ الرُّوحِ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ القُرآنَ والرَّسولَ -صَلَّى اللهُ عَليهِ وعلى آلِهِ وسَلَّم- حَقٌّ؛ لقَولِه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الآياتِ الدَّالَّةَ عَلى ذَلكَ: آياتٌ توصِّلُ إلي اليَقينِ لِقولِه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ التَّبَيُّن أي: الوُضوحُ والظُّهور، ومنه قَولُه تَعالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإذا عَلِمتَ أَنَّك لَم تَصِل إلي اليَقينِ فاتَّهِم نَفسَكَ، وعَلَيكَ أَن تُعالِجَ هَذا المَرضَ العُضالَ الخَطيرَ حَتَّى تَصِلَ إلي اليَقينِ؛ حَتَّى تَصِلَ إلي ما يَدُلُّ عَليه قَولُ الرَّسولِ - صَلَّى اللهُ عَليه وعلى آلِه وسَلَّم-: "أَن تَعبُدَ اللهَ كَأنَّك تَرا، فَإِن لَم تَكُن تَراه فَإِنَّه يَراكَ" (١). стр. 337
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: كِفايَةُ اللهِ تَعالَى عَن كُلِّ شَيءٍ بِشهادَتِه لِقولِه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَهُ: الِاستِدلالُ بِالآثارِ على مُؤَثِّراتِها، وَجهُ ذَلكَ أنَّ اللهَ تَعالَى استدلَّ بِتَمكينِه الرَّسولَ عَلى أَنَّه حَقٌّ، فالإِنسانُ يَستَدِلُّ بِالآثارِ عَلى مُؤَثِّراتِها؛ ولهِذا قيلَ: البَعرَةُ تَدُلُّ عَلى البَعيرِ، وَهذا جَوابٌ مِن أَعرابي سُئِلَ بِما عَرَفتَ رَبَّك؟ فَقالَ عَلى البَديهَةِ: "البعرَةُ تَدُلُّ عَلى البَعيرِ -اختارَ هذا؛ لِأنَّه أَعرابيٌّ ما يَعرفُ إِلَّا الإِبِلَ -والأثَرُ يَدُلُّ عَلى المَسيرِ- إِذا رَأَيتَ مَثلًا صورةَ القَدمِ عَلى الأَرضِ عَرفتَ أَنَّه قد سارَ عَلى هَذا أَحَدٌ -فسَماءٌ ذاتُ أَبراجٍ وأَرضٌ ذاتُ فِجاجٍ وبِحارٌ ذاتُ أَمواجٍ أَلا تَدُلُّ عَلى السَّميعِ البَصيرِ؟ " (١)، والجوابُ: بَلَي هذا الأَعرابيُّ استدلَّ بِالآياتِ الآفاقيَّةِ عَلى وُجودِ اللهِ وعَلى قُدرته.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: الحذَرُ مِنَ المُخالَفةِ وهذه فائِدَةٌ تَربَويَّةٌ، تُؤخَذُ من: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فَإِذا عَلِمتَ أَنَّ اللهَ شَهيدٌ عَلى كُلِّ شَيءٍ عَلى نَفسِك أَفعالِك أَقوالِك كُلِّ التَّصرُّفاتِ، فَإِنَّكَ سَوفَ تُراقِبُ الله ، ومَن لَم يَتَّعظ بِمِثلِ هذه الآيةِ فَإِنَّه لَن يَتَّعِظَ، إِذا عَلِمتَ أَنَّ اللهَ شَهيدٌ عَليكَ في خَلَواتِكَ في وَحدَتِك في جُلوسِكَ مَع أَهلِكَ في جُلوسِكَ مع صَحبِكَ، فَإنَّك سوفَ تُراقِبُ اللهَ وهذا هو مَعنَى قَولِ الرَّسولِ ﵊: "أَن تَعبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإِن لم تَكن تَراهُ فَإِنَّه يَراكَ" (٢). стр. 338
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: بَيانُ حالِ هَؤلاءِ المُكذِّبينَ وأنَّ سَببَ تَكذيبهِم أَنَّهم في شَكٍّ مِن لقاءِ اللهِ، ومَعلومٌ أَنَّ مَن كانَ في شَكٍّ مِن لِقاءِ اللهِ فَلن يَعمَلَ للهِ؛ ولهذا تَجِدونَ اللهَ ﵎ يَقرِنُ دائمًا بَينَ الإيمانِ بِه واليومِ الآخرِ؛ لِأنَّ مَن نَقَصَ إيمانُه بِاليومِ الآخِر فَسوفَ يَنقُص عَملُه ومَن كَمُلَ إيمانُه بِاليومِ الآخرِ فَسوفَ يَكمُل عَمَلُه؛ لِأنَّه يَرجو أن يَكونَ سَعيدًا في ذَلكَ اليومِ، أَنت حينما تَركَعُ وتَسجُدُ اجعل عَلى بالِكَ أنَّ هَذا الرُّكوعَ والسُّجودَ سَوفَ يَنفعُكَ يَومَ القيامةِ، وهو يَنفَعُكَ مِنَ الآنِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ تَنهي عَنِ الفحشاءِ والمُنكرِ، لَكِنَّ الثَّمرةَ المَلموسَةَ يَومَ القيامَةِ الَّتي تَظهرُ لِكُلِّ أحدٍ، وفي الدُّنيا يَظهرُ لِلمُؤمِن الِانتِفاعُ التَّامُّ بِالطَّاعاتِ، كَما قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: "ما يَفعلُ أَعدائي بي! إِنَّ جَنَّتي في صَدري، حَبسي خُلوةٌ ونَفيي سياحَةٌ وقَتلي شَهادَةٌ" (١) ﵀، فالإنسانُ المُؤمنُ يَجِدُ هَذا في نَفسهِ قَبلَ يَومِ القيامَةِ، وفي يَومِ القيامَةِ يَكونُ الظُّهورُ الكاملُ يَكشِفُ عَن كُلِّ شَيءٍ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: بَيانُ إِحاطةِ اللهِ بِكلِّ شيءٍ: عِلمًا وقُدرةً، وسُلطانًا وتَدبيرًا، وغَيرِ ذَلكَ؛ محُيطٌ بِكلِّ شَيءٍ بِأفعالِهِ وأَفعالِ العِبادِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تَحقيقُ مُراقبةِ اللهِ؛ لِأنَّك إِذا آمَنتَ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ محُيطٌ فَسوفَ تُراقبُه المُراقبةَ التَّامَّةَ، بِحيثُ لا يَفتقدُكَ حَيثُ أَمَرَك، ولا يَراكَ حَيثُ نَهاكَ.
* * *