Полный текст (338 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الَّذي يَنتفعُ بِهِ الميِّتُ مِنْ وَلَدِه لا مانعَ مِن أَنْ يَنتفعَ به مِن غَيرِه، ورُبَّما يُستدلُّ لِذلكَ بِحديثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سَمِعَ رَجلًا يَقولُ: لَبَّيكَ عَنْ شُبرُمَةَ، قال: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ " قال: أَخٌ لِي، أو قَريبٌ لِي (١) ، فقال: أَخٌ أَو قَريبٌ وَهو مُحْرِمٌ عنه، قالوا: فَهذا يَدُلُّ على أنَّه يَجوزُ للإنسانِ أَنْ يَنوبَ عن غَيرِه فيُقالُ: هَذه نِيابةٌ عَن الغيرِ، والحجُّ أَيضًا يَسلَمُ له.
ولكنَّ الَّذي يَظهرُ لي أنَّه لا فَرْقَ بين الولَدِ وغَيرِه وبَين الحجِّ وغَيرِه، لكنَّ الَّذي نَنتقِدُه إِسرافُ النَّاسِ الآنَ بالأعمالِ لِلأمواتِ تَجِدُه يَخْتُمُ القُرآنَ في رَمضانَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ ويَقولُ: المرَّةُ الأُولَى لِأُمِّي والثَّانيَةُ لِأَبَوَيَّ والثَّالثةُ لِجَدَّتي وَالرَّابعةُ لِجَدِّي والخامسةُ لِأخي، وَالسَّادسةُ لِأُختي وَالسَّابعةُ لِعَمِّي وَالثَّامنةُ لعَمَّتي، ويَمضي رَمضانُ ولَيس لَه ثَوابٌ كُلُّه أَعطاه لِلنَّاسِ، هَذا غَلطٌ وإِفراطٌ ولَيس مِن هَدي السَّلفِ الصَّالحِ.
كَذلكَ أَيضًا بَعضُ النَّاسِ يُسرفُ ويُخالفُ السُّنَّةَ فِي إِسرافِه تَجدُه يَذهبُ يَعتمرُ أَوَّلَ عُمرةٍ لَه، وَفي نَفس الوقتِ وَهو في مَكَّةَ ثَاني عُمرةٍ لِأُمِّه، وثَالثُ عُمْرةٍ لِأبيه كُلَّ يومٍ عُمْرةٌ، وَإِذا قَدَّرنا أَنَّه بَقِي عَشَرةُ أَيَّامٍ ولَهُ عَشَرَةُ أَقاربَ عَشْرَ عُمْراتٍ، هَذا غَلَطٌ ولَيس مِن هَدي السَّلفِ، والشَّرعُ لَيس حَسَبَ الذَّوقِ أو مَيلِ النَّفسِ أَوِ الهَوى، بل الشَّرْعُ مُحدَّدٌ، فهَلْ وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهمْ يُكرِّرونَ العُمرةَ لا لأنفسهم ولا لِغيرهِم، لَمْ يَرِدْ إِطْلاقًا، فَأصلُ تَكرارِ العُمرةِ في سَفَرٍ واحدٍ غَيرُ مَشروعٍ؛ ولِهَذا قال عَطاءُ بنُ أَبي رَباحٍ وهو عَالمُ مَكَّة في زَمنِه: لا أَدْري هَؤلاءِ الَّذين يَخرُجونَ إِلى التَّنْعيمِ أَيَأْثمونَ أَمْ يَسلمونَ؟ الحواشي
(١) أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، رقم(١٨١١) ، وابن ماجه: كتاب المناسك، باب الحج عن الميت، رقم(٢٩٠٣) ، من حديث ابن عباس ﵄.стр. 282
يَعْني: مَعناهُ أَنَّه لَيس لهم أَجرٌ؛ لأنَّه لَمْ يَرِدْ عن الرَّسولِ ﵊، فَلذلكَ يَجبُ على طَلَبَةِ العلمِ أَن يُبيِّنوا لِلنَّاس حتَّى وإِنِ انتقدوهم، فَنحنُ دائمًا نُحذِّرُ مِن هَذا في الحَرَمِ، ونَقولُ: هَذا غَلطٌ ولَيس بمَشروعٍ، ثُمَّ يَذهبونَ إِلَى ناسٍ مِنَ النَّاسِ فَيقولُ لَهم: لا بأس، أَوَّلُ يَومٍ لكَ وثَاني يومٍ لِأُمِّك وثَالثُ يَومٍ لِأبيك، أَعطِها العالَمَ كُلَّ واحدٍ عُمرةً، وإِنْ كَثُرَ أَقاربُكَ وقَلَّتْ أَيَّامُكَ في مكَّةَ فَلا بَأسَ أَنْ تأخُذَ عُمرتَينِ في يَومٍ لا مانِعَ فيه، وإِنْ كَثُروا أَكثِرْ، وقَلَّتِ الأيَّامُ أَقِلَّ، اجْعلْ عُمرتَينِ في اليومِ وعُمرتَينِ في اللَّيلَةِ! فلا إِلَهَ إلَّا اللهُ! ومَنْ قَالَ بِهَذا!
لكنَّ المُشكلَةَ أَنَّ بَعضَ العُلماءِ يَتهاونونَ في هَذه الأُمورِ ولا يُريحونَ عِبادَ اللهِ، فتَجِدُه مِسكينًا في أَيَّامِ مَوسمِ الحجَّ يَتكلَّفُ كُلفةً عَظيمةً في الزِّحامِ وَالمشقَّةِ، ومع ذَلك يُصِرُّ على أَنْ يَأتيَ بِعُمرةٍ لِأبيه وأُمِّه مع أَنَّ هَذا ليس مِنْ هَدي السَّلفِ، ويُضيِّقُ عَلى النَّاسِ، يُضيِّقُ بَعضُهم على بَعضٍ، فنَسألُ اللهَ الهِدايةَ.
فإِنْ قال قائلٌ: هَلْ يُفْهمُ أَنَّه لا فَرْقَ بين الولَدِ وَغيْرِه، وبين الحَجِّ وغَيرِه كرَجلٍ صلَّى رَكعتَينِ للهِ ويَقولُ: هُما لِأبي؟
فالجوابُ: هُنا صيغتانِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَعمَلَ لِغيرِهِ:
الصِّيغةُ الأُولَى: أَنْ يَنويَ النِّيَّةَ لِلغيرِ مِن ابتداءِ العَملِ مِن الأَصلِ مِنْ حين ما أَرادَ أَنْ يُكبِّرَ نَوى أَنَّها لِأبيِه أو لِأُمِّه، فَهذَا يَصِلُ ولا إِشكالَ فيه؛ لأنَّه كالَّذي يَحُجُّ ناويًا الحَجَّ عن أَبيهِ أو أُمِّه مِن الأَصلِ.
الثَّانيةُ: أَنْ يَعمَلَ العملَ ثُمَّ بَعد الفَراغِ مِنه يَنويهِ لِأبيه أو أُمِّه هَذه اخْتَلفَ فيها العُلماءُ حتَّى الَّذين يَقولونَ بِجَوازِ إِهْداءِ القُربِ اختلفوا، هَل يَصِحُّ هَذا أَمْ لا؟
стр. 283
ووَجْهُ الفَرقِ بَينَ هَذه وَالَّتي قَبْلَها أَنَّ الَّتي قَبلَها ابْتدَأَ النِّيَّةَ مِن أَوَّل الفِعلِ، فَهو يَفعلُ ويَتحرَّكُ ويَتكلَّمُ فَيَشعُرُ أَنَّه قائمٌ به عَن الغيرِ، أَمَّا هَذا فَقدْ صلَّى وَانتهى مِنْ صَلاتِه على أَنَّها لَهُ فَثَبَتَ الأَجْرُ لَه، وَإِذا ثَبتَ الأَجرُ لَه فَليسَ من حقِّه أَنْ يَتصرَّفَ في الثَّوابِ هُو يَتصرَّفُ فِي العملِ، أَمَّا الثَّوابُ فَلا، فَيَقولُ هَؤلاءِ: إِنَّه إِذا أَهدى العَملَ بَعْدَ فِعلِه لا يَصِلُ إِلَى المُهدَى إِلَيه؛ لِأنَّ العملَ ثَبَتَ لِنفسِه وَانتهى العمَلُ وَالنِّيَّةُ لِنفسِه، وَإِذا أَهداه لِغيرِه فَقدْ تَصرَّف في الثَّوابِ والتَّصرُّفِ في الثَّوابِ لَيس إِليه، وإنَّما هو إِلى اللهِ ، ولَيس هَذا أَمْرًا ماليًّا تَقولُ: واللهِ أَبي أَعطَى فُلانًا عَشَرةَ دراهمَ أو مِئةَ دِرهمٍ، هَذا ثَوابٌ عِندَ اللهِ وكُتبَ لَكَ وانتهى الأَمرُ.
وهَذا التَّفريقُ تَفريقٌ جَيِّد ولَه مَعنًى لَطيفٌ، ولا شَكَّ أنَّه معنًى جيِّدٌ التَّفْريقُ بَين أَنْ تَعملَ العَملَ من أَوَّلِه لصاحبِك، وبَين أَنْ تَعمَلَه لِنفسِك، ثُمَّ بَعدَ ذَلكَ تُهدي ثَوابَه لِصاحبِك، فَهُنا العملُ كُتِبَ لَكَ والثَّوابُ كُتِبَ لَكَ، فَلَا يُمكنُكَ أنْ تَتصرَّفَ فيه التَّصرُّفَ في الثَّوابِ للهِ واللهُ أَعلمُ.
إِذنْ قَولُه تعالى: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ اسْتدلَّ بِها بَعضُ العُلماءِ على أَنَّ العَمَلَ الصَّالحَ لا يَتعدَّى الغيرَ؛ أَيْ: لا يَتعدَّى فَاعلَه ونَحنُ نَقولُ: ما جاءت به السُّنَّةُ فَهو مُخصَّصٌ لِهَذا، والسُّنَّةُ تُفسِّرُ القُرآنَ وتُبَيِّنُه، ولكن هل يُقاسُ عَليهِ؟ هَذا مَحلُّ نَظرٍ، وعِندي أنَّهُ لا بَأسَ أَنْ يُقاسَ عَليهِ؛ لِأنَّ الَّذي وَرَدَ إِنَّما هو قَضايا أَعيانٍ، فَإذا كَانتْ قَضايا أَعيانٍ، فَرُبَّما نَقيسُ على هَذه العَينِ ما شابَهَها، لكنَّ الَّذي يُنكَرُ هو الإِسرافُ وَالإفراطُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ مَن أَساءَ فَعَلى نَفسِه أَساءَ لا يَضُرُّ اللهَ شيئًا.
ولكن لَو قال قائلٌ: أَليس النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم - أَخبَرَ بأنَّ مَن
стр. 284
سَنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً فَعليهِ وزرُهَا ووِزرُ مَنْ عَمِلَ بِها إلى يَومِ القيامةِ (١) ، إذن هَذا الإنسانُ صارتْ إِساءَةُ غَيرِه عليهِ وَاللهُ يَقولُ: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ على نَفسِه فَقَطْ؟
فيُقالُ: إِنَّ كَونَه سَنَّ هَذه السَّيِّئَةَ هو عَمَلُه الَّذي تَبِعَه النَّاسُ عَليه، ولَولا أَنَّه فَعَلَه ما فَعَلَه النَّاسُ، فَالنَّاسُ إِنَّما فَعلوا اتِّباعًا لَه فَيكونُ هَذا في الحَقيقَةِ منْ فِعلِه؛ لِأنَّه هو الَّذي سَنَّ هَذه السُّنَّةَ السَّيِّئةَ؛ ولِهذا ما مِنْ إِنسانٍ يَقتُلُ نفسًا عَمدًا بِغيرِ حَقٍّ إلَّا كان على ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفلٌ مِنها، يَعني: قابيلَ حَيث قَتَلَ هابيلَ حَسَدًا بِدونِ إِساءةٍ إِليه، قَرَّبا قُربانًا فتَقَبَّل اللهُ مِن هابيلَ ولَمْ يَتقبَّلْ من قابيلَ. فَقالَ لَهُ: ﴿لِأَقْتُلَكَ﴾ حَسَدًا؛ لِأنَّ اللهَ قَبِلَ مِن صاحبِه ولَمْ يَقبَلْ منه، فأَرشدَه صاحبُه إِلى ما يَكونُ بِه القَبولُ: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ومَعنى الآيةِ حَثُّه على أَنْ يَتَّقيَ، ولَيس المعنى أَنَّه كان مُتَّقيًا فَقُبِلَ، وإنَّمَا يَحثُّه على التَّقوى كأنَّه يَقولُ: اتَّقِ اللهَ يَتقبَّلْ منك. ثُم قال لَه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨].
ولَعَلَّ هَذا لَم يَكُنْ مَشروعًا في عَهدِهمْ أَنْ يُدافعَ الإنسانُ عَن نَفسِه؛ لأنَّ في شَريعتِنا مَنْ أَرادَ قَتلَك يَجِبُ عَليكَ أَنْ تُدافِعَه حتَّى لو قَتَلْتَه فهو في النَّارِ، ولو قَتَلَكَ فأنت شَهيدٌ، لكن لَعلَّه في عَهدِهم لَم يَكُنْ ذَلكَ مَشروعًا، وهو مِنَ الآثارِ الَّتي كَتبَها اللهُ على مَنْ قَبلَنا ونَجَّانا اللهُ منها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: انتفاءُ الظُّلمِ عَن اللهِ لِقولِه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الحواشي
(١) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة، رقم(١٠١٧) ، من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁.стр. 285
وهَذه مِن صِفاتِ النَّفيِ، وصِفاتُ اللهِ تعالى نَوعانِ: صِفاتُ إِثباتٍ، وصِفاتُ نَفيٍ، فصِفاتُ الإِثباتِ كَثيرَةٌ جدًّا وصِفاتُ النَّفيِ أَقلُّ، ولكن مَعَ ذَلكَ صِفاتُ النَّفيِ هي في الحقيقةِ صِفاتُ إِثباتٍ؛ لأنَّ المُرادَ بِالنَّفيِ إِثباتُ ضِدِّ ذَلكَ فَمثلًا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ المُرادُ إِثباتُ كَمالِ عَدلِه وأَنَّ عَدْلَه لا ظُلمَ فيه بِوَجهٍ مِنَ الوجوهِ.
إِذن خُذْ قاعدةً عَريضةً: لا يوجدُ النَّفيُ المحضُ فِي صِفاتِ اللهِ أَبدًا، كُلُّ نَفيٍ في صِفاتِ اللهِ فَهو إِثْباتٌ لِضدِّ النَّفيِ، فَكأنَّه يَقولُ : هو أَعدلُ الحاكمينَ وَلا ظُلمَ في حُكمهِ إِطلاقًا.
وقولُه تَعالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] مِن صِفاتِ النَّفيِ لكن لِإثباتِ كَمالِ عِلمِه، وَأنَّه لِكمالِ عِلْمِه لا يَرِدُ عليه النِّسيانُ إِطلاقًا، وأَمَّا عِلمُنا نَحنُ فَيَرِدُ عليه النِّسيانُ، وَهو أيضًا حاصلٌ بعدَ جهلٍ سابقٍ يَقولُ اللهُ تَعالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] فعِلمُنا في الواقعِ مَعيبٌ مِن وجوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّه مَسبوقٌ بِجهلٍ.
الثَّاني: أنَّه مَلحوقٌ بِنِسيانٍ.
الثَّالثُ: أَنَّه لَيس شاملًا عامًّا.
ونَقولُ: هَذا النَّفيُ في صِفةِ الله لا يُرادُ به النَّفيَ المَحضَ، بَل هُو إِثباتٌ في الواقعِ، إِذ إِنَّ المُرادَ به إِثباتُ كَمالِ ضِدِّه؛ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ أي: أنَّه عَدلٌ لا ظُلمَ في عَدلِه إِطلاقًا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إِثباتُ العدْلِ في أَعلى مَقاماتِه، حَيثُ قال: ﴿لِلْعَبِيدِ﴾؛ أَيْ: لِعبيدِه، وهَذا أَبْلغُ لو قُلتُ لَك: أَنتَ لا تَظلِمُ عَبيدَك، فَهو أَبلغُ مِمَّا لَو قُلتُ: أَنت
стр. 286
لا تَظلِمُ النَّاسَ؛ لأنَّ عَدمَ ظُلمِك النَّاسَ؛ لِأنَّه لا سَيطرةَ لك عليهم لكن إِذا كُنت لا تَظلِمُ عَبيدَك كان هَذا أَبلغَ في إِثباتِ العدلِ، إِذا كُنتَ لا تَظلمُ مَن لكَ سُلطةٌ عليهِ، فلِئلَّا تَظلِمَ مَن لا سُلطةَ لَك عليه مِن بابِ أَوْلَى.
إِذَنْ فَقابِلْ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بقَولِ القائلِ: فُلانٌ لا يَظلِمُ النَّاسَ، أَيُّهما أَبلغُ؟ الأوَّلُ؛ لِأنَّه إِذا كانَ لا يَظلِمُ عَبيدَه مع أَنَّهم عَبيدُه يَفعلُ بِهمْ ما يشاءُ، فَلِئلَّا يَظلِمَ غَيرَهم، ولَكنَّ هَذا على سَبيلِ الفرضِ وإلَّا فَكلُّ مَن في السَّمَواتِ والأرضِ آتي الرَّحمنَ عبدًا.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الرَّدُّ على الجبريَّة في قَولهِم: إِنَّ الظُّلمَ في حَقِّ اللهِ مُحالٌ، وانتفاءُ المُحالِ ليس مَدْحًا؛ لأنَّ المُحالَ لا يُمكنُ وُجودُه لِذاتِه ولو أَرادَه الإنسانُ لَم يُوجَدْ؛ لأنَّه مُحالٌ، لكنَّ انتفاءَ المُمكنِ إِذا كان الانتفاءُ مَدْحًا فهو مَدْحٌ.
وهُنا في قَولِه تَعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ تُفيدُ الآيَةُ أَنَّ الظُّلمَ في حقِّه مُمكنٌ، لكن لِكمالِ عَدلِه لا يُمكنُ، فالظُّلمُ ليس مُحالًا لِذاتِه في حَقِّ اللهِ، بل هو مُحالٌ لِكمالِ عَدْلِ اللهِ، وبِهذا يَتحقَّق المدحُ مَدحُ اللهِ تَعالَى بِانتفاءِ الظُّلمِ عنه، أَمَّا لو كان شيئًا مُحالًا لا يُمكنُ فالمُحالُ لا يُمدَحُ به.
فإِنْ قال قائلٌ: الأُمورُ الَّتي يُحدِّثُ بها الشَّخصُ نَفسَه غَيرَ الشَّكِّ - كالمَعاصي - إذا رَكَنَ إِليها ولَمْ يَعملْ بها هل تَدخلُ في قولِ الرَّسولِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجاوزَ عن أُمَّتي ما حَدَّثتْ به أَنْفُسَها ما لَم تَعْمَلْ أو تَتكلَّمْ" (١) ؟
فَالجَوابُ: إِن كان فَكَّر فيها ولكن ما هَمَّ بها هَذا لا شَيءَ عليه، ولكنَّ السَّلامةَ الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره، رقم(٥٢٦٩) ، من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 287
أَسلمُ، ولِهذا نَقولُ: إِنَّ مَن أَرادَ المعصيةَ ولَمْ يَفعلْها له ثلاثُ حالاتٍ:
الحالُ الأُولَى: أَنْ يعجَزَ عنها ويَفْعلَ الأسبابَ الَّتي يُريدُ الوصولَ بها إليها ولكن يَعجَزُ كَرَجُلٍ سارقٍ هَمَّ بِالسَّرقةِ ووَضَعَ السُّلَّمَ على الجِدارِ لِيَصْعدَ منه، وبَينما هو في أَثناءِ الصُّعودِ إِذا بِرجُل يَمرُّ في الشَّارعِ فَنَزَل وَهَرَب، هذا يُكتَبُ له عَمَلُ السَّيِّئةِ، كأنَّه عَمِلَها تمامًا مَعَ أنَّه لم يَعملْها؛ لأنَّه أَرادَها وعَمِلَ لها لكن عَجَزَ.
والدَّليلُ على ذَلِكَ قَولُ النَّبيِّ ﷺ : "إِذا التَقَى المُسلِمانِ بِسَيفَيهما فالقاتلُ وَالمقتولُ في النَّار"، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هَذا القاتلُ - يَعني: في النَّارِ - فما بَالُ المَقتولِ؟ قال: "لأنَّه كان حَريصًا على قَتْلِ صاحِبه" (١) .
إِذنْ: مَن هَمَّ بالسيِّئةِ وعَمِلَ لها عَمَلها لكن عَجَزَ عن إِتمامِها كُتِبَ له وِزْرُها كاملًا.
الثَّانيةُ: مَنْ هَمَّ بها وتَمنَّاها ولَكنَّه عَجَزَ عَنها بِدونِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَها، فَهذا عليه وِزرُ النِّيَّةِ، والدَّليلُ على هَذا: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَخبرَ عنْ رَجُلٍ آتاهُ اللهُ المالَ فَجَعَلَ يَتخبَّطُ فيه، فقالَ الفقيرُ: لو أَنَّ لي مِثلَ مالِ فُلانٍ لَعمِلْتُ فيه عَمَلَ فُلانٍ، قال: فَهو بِنِيَّتِه فَهُما في الوِزْرِ سواءٌ" (٢) ، في الوِزْرِ الإِراديِّ لا العَمَليِّ؛ لِأنَّ هذا لَمْ يَعمَلْ.
الثَّالثةُ: أَنْ يَكونَ هَمَّ بِالسَّيِّئةِ وعَزَمَ عليها، ولكن تَذكَّر خَشْيَةَ اللهِ فتَرَكَها الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، رقم(٣١) ، ومسلم: كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، رقم(٢٨٨٨) ، من حديث أبي بكرة ﵁.(٢) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٣٠)، والترمذي: كتاب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، رقم(٢٣٢٥) ، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب النية، رقم(٤٢٢٨) ، من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁.стр. 288
خوفًا مِنَ اللهِ، فَهذا تُكتَبُ له حَسنَةٌ كاملَةٌ.
وهُناكَ قِسْمٌ رابعٌ - لَكن لا يَدْخُلُ في تَقسيمِنا -، وَهو مَنْ لم تَطرأْ له المَعصيةُ على بالِه، فَهذا لا يُكْتبُ له ولا عَليه، كإِنسانٍ مُستقيمٍ، ولا يَطْرأُ على بالِه السَّرِقةُ ولا الزِّنا وَلا شُربُ الخَمرِ، هَذا لَيسَ له ولا عليه، لَكنَّ هَذا غَيرُ داخلٍ في تَقْسيمِ الإِرادةِ يَعني: مَنْ أَرادَ السُّوءَ.
* * *
стр. 289
الآية (٤٧)
* قال اللهُ تَعالَى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧].
* * *
قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إِلَى اللهِ وَحدَهُ، وإِنَّما قُلنا: وَحْدَهُ لِتقديمِ المَعمولِ، وتَقديمُ المَعمولِ يُفيدُ الحَصرَ، وذَلكَ أَنَّ المعمولَ مكانُه أَنْ يَكونَ بَعدَ العامِلِ، فَإذا تَقدَّمَ فَإنَّه يَكونُ مِن بابِ تَقديمِ ما حَقُّه التَّأخيرُ، وَالقاعدةُ اللُّغويَّةُ البلاغيَّةُ: أنَّ تَقديمَ ما حَقُّه التَّأخيرُ يُفيدُ الحَصرَ، وعلى هَذا فقَولُه: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ﴾ المعنَى: إِليه لا إِلى غَيرِه، وأَخَذنا النَّفيَ - لا إِلى غَيرِه - مِن تَقديمِ المعمولِ؛ لِأنَّ المعمولَ حَقُّه أَنْ يَكونَ بَعدَ العاملِ، فَإذا قُدِّم كان هَذا مِن بابِ تَقديمِ ما حَقُّه التَّأخيرُ، وتَقديمُ ما حَقُّه التَّأخيرُ يُفيدُ الحصرَ، هَذه قاعدةٌ لُغويَّةٌ بَلاغيَّةٌ.
﴿يُرَدُّ﴾ أَيْ: يَرجِعُ ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [مَتَى تَكونُ لا يَعلمُها غَيرُه]، أَخَذَ هَذا الحصرَ لا يَعلَمُها غَيرُه مِن تَقديمِ المَعمولِ وهو ﴿إِلَيْهِ﴾.
وهَذا لا شَكَّ فيه أَنَّه لا يَعلَمُ مَتَى تَقومُ السَّاعةُ إِلَّا اللهُ ، ولِهذا قال اللهُ تَعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧]
стр. 290
يَعني: ما عِلْمُها إِلَّا عِندَ رَبِّي: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وقال النَّبيُّ ﷺ : "وقَدْ سَألَه جِبريلُ: أَخْبِرني مَتَى السَّاعةُ؟ قال: ما المَسؤولُ عَنها بِأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" (١) .
يعني: أَنَّه لا عِلمَ عِندي كما أَنَّك أنت ليس عِنْدكَ عِلمٌ، وعَلَى هَذا فَمَنِ ادَّعى عِلْمَ السَّاعةِ فهو كاذبٌ لا شَكَّ فيه ثُمَّ هو كافرٌ أيضًا؛ لأنَّه مُكذِّبٌ للقُرآنِ وَالسُّنَّة.
قال اللهُ تَعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ قَوْلُه: ﴿وَمَا تَخْرُجُ﴾ قَدْ يَتراءى لِلإنسانِ أَنَّ (ما) اسمٌ مَوصولٌ يَعني: ويُرَدُّ إِليهِ عِلْمُ: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ ولكنَّ هذا وَهْمٌ، وعَلَى هَذا فنَقُولُ: (ما) نافيةٌ.
يَقُولُ المفسِّرُ ﵀: ["وَما تَخرُجُ مِن ثَمَرَةٍ" وَفي قِراءةٍ ﴿ثَمَرَاتٍ﴾. المفسِّر فَسَّر على قِراءةِ "ثَمَرةٍ" مُفردةٍ، والقراءَةُ الَّتي بَين أَيْدينا في المصحفِ ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾، وَاعْلَمْ أنَّ للمُؤلِّف ﵀ اصطلاحًا وهو أَنَّه إِذا قال: [وفي قراءةٍ] فَهي سَبْعيَّةٌ، وَإِذا قال: [وقُرِئَ] فهي قراءةٌ شاذَّةٌ ليست مِنَ السَّبْعِ هَذا اصطلاحُ الجَلالَينِ - رَحِمَهُمَا اللهُ -.
إِذنْ: في قِراءةِ ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ القراءةُ هَذه سَبْعيَّةٌ يَعني: أَنَّها ثابتةٌ تَجوزُ القراءَةُ بِها في الصَّلاةِ، وَتَكونُ حُجَّةً في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ وَفي الأَخبارِ العلميَّة.
فَأمَّا عَلَى صيغةِ الجمعِ فَواضحٌ ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ كُلُّ الثَّمراتِ، وأمَّا عَلى صيغَةِ الإفرادِ فَهي أيضًا تُفيدُ العمومَ؛ لِأنَّ "ثمرة" نَكِرَةٌ في سياقِ النَّفيِ مُؤكَّدةٌ بِمِن الزَّائدةِ فتَشملُ جَميعَ الثَّمراتِ، وعَلَى هَذا فَلا اختلافَ في المَعنَى بين ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ وَ"ثمرة".
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثمرة﴾، وفي قِراءةٍ ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ الحواشي
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، رقم(٨) ، من حديث عمر ﵁.стр. 291
أَوعيتُها] الأكمامُ الأَوعيةُ يَقولُ: [جَمْعُ كِمٍّ بِكسرِ الكافِ].
﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ الأكمامُ هي أَوعيةُ الطَّلِّ هَذا مَعروفٌ في النَّخلِ، وكَذلكَ مَعروفٌ في الأزهارِ تَجِدُ الزَّهرةَ عَليها غِلافٌ يُسمَّى كِمًّا، فما تَخرجُ مِن ثَمَرَةٍ مِنْ كِمِّها إِلَّا بِعِلمِ اللهِ أَيُّ ثَمَرةٍ تَكونُ صَغيرةً أَوْ كَبيرةً مَأكولةً أَوْ غَيرَ مَأكولةٍ، فَهي بِعِلمِ اللهِ ووَجْهُ كَونِها بِعِلمهِ أَنَّ هَذه الثَّمراتِ مَخلوقةٌ للهِ، وكُلُّ مَخلوقٍ للهِ فَهو مَعلومٌ لَه لِقولِه تَعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
فأَنت مَتَى أَقْررْتَ أَنَّ اللهَ خالقُ هَذه لَزِمَ مِن إِقْرارِك أَنْ يَكونَ اللهُ عالمًا بِها؛ لِأنَّه لا يُمكنُ أَنْ يَخْلُقَها وهو لا يَعلمُ، ولِهَذا استدَلَّ اللهُ لِذلك بِدَليلٍ عَقليٍّ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
قال اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت: ٤٧]، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ أَيْ: أُنْثى مِن بَني آدَمَ أو مِن الحَيوانِ ما تَحملُ ولا تَضَعُ إِلَّا بعِلمِ اللهِ ، فابتداءُ الحملِ مَعلومٌ عِندَ اللهِ، ووَضْعُه كَذَلكَ مَعلومٌ عِندَ اللهِ ﵎.
نَرجِعُ إِلى قَولِهِ: ﴿مِنْ أُنْثَى﴾ وإِلَى قَولِه: ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ الإِعرابُ ﴿مِنْ﴾ حَرفُ جَرٍّ زائدٌ مِن حَيثُ الإِعرابُ وليس زائدًا مِن حَيثُ المعنَى؛ لِأنَّه يُفيدُ مَعنًى وَهو التَّوكيدُ، وعَلَى هَذا فنَقولُ: ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ حَرفُ جَرٍّ زائدٌ وَ ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ فاعلٌ مَرفوعٌ بِضمَّةٍ مُقدَّرةٍ عَلَى آخِرِه مَنَعَ مِن ظُهورِها اشتغالُ حَركَةِ المَحلِّ بِحرفِ الجرِّ الزَّائدِ، وكَذلِك يُقالُ: ﴿مِنْ أُنْثَى﴾ ﴿مِنْ﴾ حَرفُ جَرٍّ زائدٌ وَ ﴿أُنْثَى﴾ فاعلٌ مَرفوعٌ بضَمَّةٍ مُقدَّرةٍ عَلَى آخِرِه، مَنَعَ مِن ظُهورِها التَّعذُّر، وهو في مَحلِّ جَرٍّ لَفظًا لِدخولِ ﴿مِنْ﴾ عَليهِ.
стр. 292
وقَولُه: ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ بعِلْمهِ السَّابقِ؛ لِأنَّ عِلمَ اللهِ تَعالى مُحيطٌ بِكلِّ شَيءٍ أَزلًا وأَبَدًا، فَهو يَعلمُ ما تَخرجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أَكمامِها إِلى يَومِ القِيامةِ، وَكَذلكَ ما تَحملُ مِن أُنثَى وَما تَضعُ.
ثُمَّ قال : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾ ظَرفٌ والظَّرفُ يَحتاجُ إِلَى ما يَتعلَّقُ بِه؛ لِأنَّه مَفعولٌ فيه، وَإِذا كانَ مَفعولًا فيه فَلا بُدَّ مِن فِعلٍ يَكونُ عاملًا فيه، وَالعاملُ في هَذا مُقدَّرٌ، وَالتَّقديرُ: "وَاذْكُرْ يَومَ يُناديهم أَينَ شُركائِي. ." إلى آخرِه، ومِثْلُ هَذا التَّعبِيرِ مَوجودٌ في القُرآنِ كَثيرًا.
وإِنَّما أَمَرَ اللهُ تَعالَى نَبيَّهُ بِذِكرهِ تخويفًا لهِؤلاءِ المُكذِّبينَ، وتَسليةً لِرَسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عَليه وعَلى آلِهِ وسَلَّم -.
وقَولُه: ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ أَيْ: يَدعوهمْ بِصوتٍ رَفيعٍ؛ لِأنَّ النِّداءَ يَكونُ بِصَوتٍ رَفيعٍ والمُناجاةُ تَكونُ بصوتٍ أَدنَى، وفاعلُ ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ هو اللهُ بِدَليلِ قَولِهِ: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ يَعني: أَنَّ اللهَ تَعالى يُنادي هَؤلاءِ المُشرِكينَ يَقولُ: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾، وَهذا الِاستِفهامُ لِلتَّعجِيزِ وَالتَّوبيخِ أيضًا، فَهو جامعٌ بَينَ مَعنيَينِ: التَّعْجيزِ، وَالثَّاني التَّوبِيخُ. يَعني: أَينَ الَّذينَ أَشركتُم مَعي؟
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ أَعلَمناكَ الآنَ: ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾] آذَنَ بِمعنَى أَعلَمَ، ومنهُ قَولُه تَعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أَيْ: إِعلَامٌ مِنَ اللهِ ورَسولِه (فَآذَنَ) بِمعنَى أَعْلَمَ، ومِنه في الحَديثِ: أنَّ الرَّسولَ - صلَّى اللهُ عَليهِ وعَلَى آلِهِ وسلَّم - قَالَ لِلنِّساءِ اللَّاتي يَغسِلْنَ ابْنتَه: "إِذا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّني" (١) . أي: أَعْلِمْنَني. الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما يستحب أن يغسل وترا، رقم(١٢٥٤) ، ومسلم: كتاب الجنائز، باب في غسل الميت، رقم(٩٣٩) ، من حديث أم عطية ﵂.стр. 293
قَالَ اللهُ تَعالى: ﴿آذَنَّاكَ﴾، يَقولُ المفسِّر: [أَعْلمناكَ الآنَ] فَأفادَ المفسِّر بِقولِه: الآنَ أَنَّ الفعلَ الماضيَ ﴿آذَنَّاكَ﴾ بمَعنَى المُضارعِ، فَهوَ إِذن جُملَةٌ خَبريَّةٌ حاليَّةٌ بِمعنَى الآنَ نُعلِمُكَ، ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾. وقيلَ: ﴿آذَنَّاكَ﴾ إِنَّها فِعلٌ ماضٍ عَلى بابِها، فَهي بِمعنَى الخبرِ عن شَيءٍ ماضٍ.
فعِندَنا قَولانِ هَلِ الإِعلامُ هُنا يَومَ القيامةِ كَما قال المفسِّر: أَعْلمناكَ الآنَ، أَمْ هو إِعلامٌ سابقٌ في الدُّنيا؟
إِنْ نَظرْنا إِلَى ظاهرِ اللَّفظِ نُرجِّحُ أَنَّه إِعلامٌ في الدُّنيا يَعني: أَعلمْناكَ في الدُّنيا فَيكونُ عَلى ظاهرِه، لَكنْ يَشكُلُ عَلى هَذا التَّفسيرِ أَنَّ واقعَ حالهِم لا يَدُلُّ عَلَى هَذا؛ لِأنَّهم مُشركونَ فِعلًا فَكيْفَ يُؤذِنونَه أَنَّه ما منهم مِن شَهيدٍ بِذلكَ، أَجابَ القائِلونَ بِهذا أنَّ المَعْنَى ﴿آذَنَّاكَ﴾ بِحَسَبِ الفِطرةِ وَما في قُلوبِنا؛ لِأنَّه ما مِن مَوْلودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الفِطرةِ.
﴿آذَنَّاكَ﴾ صيغَتُها فِعلٌ ماضٍ يَقتضي أَنْ يَكُونَ هَذا الإِعلامُ سابقًا عَن وَقْتِ الخِطابِ، هَذهِ واحدَةٌ. وَالثَّانيةُ: ﴿آذَنَّاكَ﴾ فِعْلٌ ماضٍ لَكنْ يُرادُ به الخَبرُ عَنِ الحالِ الحاضرَةِ، فَهو بِمعنى نَحنُ نُؤذِنُك الآنَ، وهَذا التَّفسيرُ مُخالفٌ لِظاهِرِ اللَّفظِ لَكنَّه مُوافقٌ لِواقِعِ حالهِمْ.
التَّفسيرُ الأوَّلُ مُوافقٌ لِلَّفظِ لكنَّه مُخالفٌ لِظاهِرِ حالهِمْ؛ لِأنَّهم لا يُعْلِمونه بِذلِكَ، إِذ إِنَّهم مُشركون فِعلًا، وأَجابَ هَؤلاءِ الَّذين يَقولون: إِنَّه آذَنَكَ في الدُّنيا أَنَّهمْ أَعْلَموه بِحسَبِ الفِطرةِ الَّتي فُطِرُوا عَليها؛ لِأنَّه ما من مَولودٍ يُولَدُ إِلَّا على الفِطرةِ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أَيْ: شاهدٌ بِأنَّ لَكَ شَريكًا].
стр. 294
﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافيةٌ و ﴿مِنَّا﴾ جارٌّ ومَجرورٌ خَبرٌ مُقدَّمٌ و ﴿مِنْ﴾ حَرْفُ جَرٍّ زائدٌ إِعْرابًا، وَ ﴿شَهِيدٍ﴾ مُبتدأٌ مَرفوعٌ بِضمَّةٍ مُقدَّرةٍ عَلى آخِرِه مَنعَ مِن ظُهورِها اشْتغالُ المحلِّ بِحركَةِ حَرفِ الجرِّ الزَّائدِ.
يَعني: أَنَّنا قَد أَقْرَرنا بِأنَّه لا أَحَدَ مِنَّا يَشهدُ بِأنَّ لَكَ شريكًا، وهم يَقولون هَذا الآنَ لَكنَّه لا يَنْفعُهم؛ لِأنَّه إِقرارٌ بَعدَ مُعاينةِ العَذابِ، وَالإقْرارُ بَعدَ مُعاينةِ العَذابِ لَيس بِنافِعٍ؛ ولهِذا أَقَرَّ فِرعَونُ حينَ أُغْرِقَ بِأنَّه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، ولكنَّه لَمْ يَنفَعْه فَقيلَ: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].
مِن فَوائِدِ الآيَةِ الكرِيمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أَنَّ عِلمَ السَّاعةِ عندَ اللهِ وحدَه يُؤخَذُ مِن قَولِه تَعالَى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾؛ لِأنَّهُ قَدَّمَ ما حَقُّه التَّأخيرُ وَهو المَعمولُ، وهَذا يُفيدُ الحَصرَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنِ ادَّعى عِلْمَ السَّاعةِ فَهو كافرٌ؛ لأنَّه مُكذِّبٌ للهِ ورَسولِه - وتَكذيبُ اللهِ ورَسولِه مِنْ أَسبابِ الرِّدَّةِ؛ لأنَّ الرِّدَّةَ تَدورُ على شَيئين: إِمَّا تَكْذيبٌ وَإِمَّا استكبارٌ، فَكُلُّ رِدَّةٍ يَحكُم العُلماءُ بِها فإنَّها لا تَخرجُ عَنْ هَذَينِ الأَمرينِ: إِمَّا التَّكذيبُ، وإِمَّا الِاستكبارُ - وَمَنْ صَدَّقَه فَهو كافرٌ أيضًا؛ لِأنَّه صَدَّق ما هو تَكْذيبٌ لِلقُرآنِ الكريمِ، ومَنْ صَدَّقَ ما هو تكذيبٌ لِلقُرآنِ الكَريمِ فإنَّه كافرٌ بِلا شَكٍّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عُمومُ عِلْمِ اللهِ لِقولِه: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ إلى آخرِه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَوبيخُ الكُفَّارِ يَومَ القيامةِ؛ لِقولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾، وَهذا هو التَّوبيخُ في ذَلكَ المَكانِ مِن أَعْظمِ ما يَكونُ مِنَ التَّوبيخِ؛ لِأنَّه
стр. 295
اليَومُ المَشهودُ الَّذي يَشْهدُه اللهُ وَمَلائكتُه وجَميعُ خَلْقِه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إِقْرارُ هَؤلاءِ المُكذِّبينَ بِالبعثِ في ذَلكَ اليَومِ أَنَّه لا شَريكَ للهِ لِقولِه: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾.
* * *
стр. 296
الآية (٤٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨].
* * *
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَضَلَّ﴾ ﴿غاب عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾] ﴿مِنْ قَبْلُ﴾.
قَولُه تَعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا﴾ ﴿مَا﴾ اسْمٌ مَوصولٌ فاعلٌ بِمعنَى الَّذي.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ يَعبُدونَ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في الدُّنيا مِن الأصنامِ] أَصْنامَهُم الَّتي كانوا يَتعلَّقونَ بِها وَيعْبُدونها لِتُقرِّبَهم إِلَى اللهِ زُلفى، في ذَلكَ اليَومِ الَّذي هُمْ أَشدُّ ما يَكونون حاجَةً لَها تَغيبُ عَنهم ولا تَنْفعُهم؛ وَلِهَذا قال: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: ضاعَ وغابَ ما كانوا يَدعون، أَيْ: يَعْبُدونَ مِنْ قَبلُ، ويُريدُ بِذلكَ الأَصنامَ الَّتي كانوا يَعبُدونها في الدُّنيا.
مَثلًا النَّصارى يَعْبُدونَ عيسى ابنَ مَرْيمَ، وقُريشٌ تَعبُدُ اللَّاتَ والعُزَّى ومَناةَ وهُبَلَ، ومِنهم مَنْ يَعبُدُ النَّارَ كَالمَجوسِ، ومَنْ يَعبُدُ الشَّمسَ، ومَنْ يَعبُدُ القمرَ. . إِلَخْ، هَذه الأصنامُ الَّتي تُعبَدُ مِن دونِ اللهِ لا تَنفعُهم يَومَ القيامةِ؛ ولهِذا قَالَ: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [فصلت: ٤٨]، ورُبَّما نَفْهَمُ مِن قولِه: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أَنَّهم ذَهبوا يَطلُبونها يَبحثونَ عَنْها، ولَكنَّها ضَلَّت وضاعَت، ويَكونُ هَذا أَشدَّ حَسرةً في نُفُوسِهم أَنَّهم طَلبوها في وَقتِ الحاجةِ وَلكنْ لَمْ يَجِدوها.
стр. 297
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ظَنَّ هُنا بمَعنَى أَيقنَ، والظَّنُّ يَأتي كَثيرًا بمَعنَى اليَقينِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] إذن ظَنُّوا بمَعنَى أَيْقَنوا، وقالَ اللهُ ﵎: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] معنى يَظُنُّونَ: أي: يُوقِنون أَنَّهمْ مُلاقو رَبِّهم، ولو كانَ الظَّنُّ بمعنى الشَّيءِ الرَّاجحِ لَمْ يكونوا مُؤمِنينَ، لَكنْ يَظُنُّونَ بمَعْنى يُوقِنون، إذن الظَّنُّ في اللُّغةِ العربيَّةِ يَأتي بِمعنى اليَقينِ، ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أَيقَنوا.
وقَولُه: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ فِيها تَقديمٌ وتَأخيرٌ وتَوكيدٌ، التَّقديمُ والتَّأخيرُ أَنَّه قَدَّم فيها الخَبرَ وَأخَّر فيها المُبتدَأَ، وَالخَبرُ ﴿لَهُمْ﴾ وَالمُبتدأُ ﴿مَحِيصٍ﴾، فيها أيضًا تَوكيدٌ وهو ﴿مِنْ﴾ الزَّائدةُ؛ لِأنَّ مَحيصَ مُبتدأٌ مُؤَخَّرٌ ودَخلَتْ عَليه ﴿مِنْ﴾ الزَّائدةُ للتَّوكيدِ، وإِعْرابُه أَنَّه مُبتدأٌ مَرفوعٌ بِالِابْتِداءِ، وعَلامَةُ رَفعِه ضَمَّةٌ مُقدَّرةٌ عَلى آخِره مَنَعَ مِن ظُهورِها اشتغالُ المَحلِّ بِحَركَةِ المُناسبةِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿مَحِيصٍ﴾ مَهْربٌ مِنَ العَذابِ] يَعني: أَيقَنوا أَنَّه لا مَهْربَ لهم مِنَ العذابِ ولا مَفرَّ لَهمْ مِنه، وأَنَّه واقعٌ بِهمْ لا مَحالةَ.
ثُمَّ قال المفسِّرُ ﵀: [والنَّفيُ في المَوضعينِ مُعلَّقٌ عَنِ العَمَلِ، وجُملةُ النَّفيِ سَدَّت مَسدَّ المَفعولَينِ].
النَّفيُ في المَوضِعينِ:
المَوضِعُ الأوَّلُ: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ هَذهِ ﴿مَا﴾ نافِيةٌ مُعلَّقةٌ عَنِ العَملِ؛ لِأنَّ ﴿آذَنَّاكَ﴾ أَعْلمناكَ وَهي تَنْصبُ ثلاثةَ مفاعيلَ، تَقولُ مَثلًا: أَعْلمتُ زيدًا عَمرًا قائمًا، نَصَبتْ ثلاثةَ مَفاعيلَ زيدًا وعَمرًا وقائمًا، وهُنا ﴿آذَنَّاكَ﴾ المفعولُ
стр. 298
الأوَّلُ مَوجودٌ وهو الكافُ، والمفعولُ الثَّاني وَالثَّالثُ مُعلَّقٌ أَغنت عَنهما جُملةُ الِاستفهامِ: ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾، وَعَلَى هَذا فَتَكونُ جُملةُ: ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ كُلُّها تَكونُ في مَوضعِ نَصْبٍ سَدَّت مَسدَّ مَفْعولَيْ آذَنَ.
المَوضعُ الثَّاني: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (ظَنَّ) هَذه تَنْصِبُ مَفعولينِ، وهُنا عُلِّقتْ عَنِ العَملِ بِجُملةِ النَّفيِ وَهي قَولُه: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾، وعَلَى هَذا فَيكونُ: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ جُملةً في مَحلِّ نَصبٍ سَدَّت مَسدَّ مَفعولَي (ظَنَّ)، وهَذا الإِعرابُ في الحَقيقَةِ لا يُدْركُه إِلَّا مَنْ كان عِنده عِلمٌ بِالمفاعيلِ لكنَّا نَحنُ الآنَ شَرحْناه، فَمَنْ فَهِمَه فَهذا المَطلوبُ، وَمَنْ لم يَفهَمْه فَإِنَّه لا يَضُرُّه؛ لأنَّه ليست لَهُ عِلاقةٌ بِالمَعْنى عِلاقَتُه إِنَّما هو بِالإِعرابِ فَقط.
مِن فَوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أَنَّ ما يُعبَدُ من دونِ الله فإنَّه هَلاكٌ وضَلالٌ ولَنْ يُجدِيَ شيئًا عَن عابِديه؛ لِقولِه تَعالَي: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هَؤلاءِ المُكذِّبينَ يُوقنون في ذَلكَ اليومِ أَنَّه لا مَفرَّ لَهُمْ مِن عذابِ اللهِ؛ لأنَّه لَيس هُناكَ أَحدٌ يَدفعُ عَذابَ اللهِ تَعالى عَنْهم فَيوقنونَ بِأنَّه لا مَحيصَ لَهُمْ مِنه.
* * *
стр. 299
الآية (٤٩)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) ﴾ [فصلت: ٤٩].
* * *
﴿لَا يَسْأَمُ﴾ يَعني: لا يَمَلُّ فَهو دائمًا يَسألُ الخيرَ مِنَ المالِ والغِنى وَالجاهِ وغَيْرِ ذَلكَ.
و﴿الْإِنْسَانُ﴾ هُنا يَحتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الكافرَ ويَحتملُ أَنْ يُرادَ بِه الجِنسُ أَيْ: جِنسُ الإِنسانِ سَواءً كان مُؤمنًا أم كافرًا، ثُمَّ تَنْزلُ الأحوالُ على ما يَليقُ بِها.
﴿دُعَاءِ﴾ مُضافٌ وَ ﴿الْخَيْرِ﴾ مُضافٌ إِليهِ مِن بابِ إِضافةِ المَصدرِ إِلَى مَفعولِهِ، وهو أيضًا -أَعنِي الخَيرَ- مَفعولٌ لِدُعاء، وَالمَدعوُّ هو اللهُ فعِندنا داعٍ ومَدعوٌّ ومَدعوٌّ به أي: مَطْلوبٌ، فالدَّاعي الإِنسانُ، والمدعوُّ اللهُ، والمَدعوُّ بِه الخيرُ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [أَيْ: لَا يَزالُ يَسألُ رَبَّه المالَ وَالصِّحَّةَ وغَيرَهما] مِنَ البَنينَ وَالزَّوجاتِ وَالجاهِ وَالشَّرَفِ، وغَيرِ ذَلكَ مِمَّا يَدعوه الإِنسانُ رَغبةً به.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الفقرُ وَالشِّدَّةُ]، وتَخصيصُ الشَّرِّ بِالفَقرِ وَالشِّدَّة ليس على سَبيلِ الحَصْرِ، بَلْ هو على سبيلِ المِثالِ؛ لِأنَّه يَشمَلُ الفَقْرَ والشِّدَّةَ وفَقْدَ الأولادِ، وفَقْدَ الجاهِ، وَالإيذاءَ مِنَ الخَلْقِ وأَشياءَ كَثيرَةً، فتَخصيصُ المفسِّر ذَلكَ بِالفَقْرِ وَالشِّدَّةِ مِن بابِ التَّمثيلِ.
стр. 300
قال اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ الفاءُ رابطةٌ لجِوابٍ وَهو (إن) و ﴿فَيَئُوسٌ﴾ خَبرٌ لِمُبتدإٍ مَحذوفٍ، أي: فَهو يَؤوسٌ قَنوطٌ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [مِنْ رَحمةِ اللهِ وهَذا وما بَعدَه في الكافرينَ].
﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ هُناكَ فَرقٌ بين اليَأسِ والقُنوطِ، اليَأْسُ هو زَوالُ الرَّجاءِ بِحَيْثُ يَنقطعُ رجاءُ الإنسانِ، وَالقُنوطُ أَشَدُّ اليأسِ، وعَلَى هَذا فَيكونُ قَولُه: ﴿فَيَئُوسٌ﴾ هَذا ابْتداءُ القُنوطِ، وَ ﴿قَنُوطٌ﴾ هَذا نِهايتُه.
وَقولُه: ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ أَعْرَبْنا ﴿فَيَئُوسٌ﴾ خَبرُ مبتدأٍ محَذوفٍ، وأَمَّا ﴿قَنُوطٌ﴾ فَنُعربُه عَلى أَنَّه خَبرٌ ثانٍ، وتَعدُّد الأخبارِ جائزٌ، واقعٌ في اللُّغةِ العربيَّةِ وَواقعٌ في القُرآنِ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] كُلُّ هذه أَخبارٌ مُتعدِّدةٌ وَلا يَصِحُّ أَنْ يَكونَ الثَّاني وَصفًا لِلْأوَّل لأنَّها كُلَّها تَعودُ عَلى مَوصوفٍ واحدٍ. وَعليه فَنَقولُ: ﴿قَنُوطٌ﴾ خَبرٌ ثانٍ لِلمُبتدإِ المحذوفِ، وَلا يَصحُّ أَن يَكونَ نَعتًا لِيَؤوسٍ؛ لأنَّ يَؤوسًا نَفْسَها نَعتٌ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [وَهذا وَما بَعده في الكافرينَ] هَذا المُشارُ إِليه اليأسُ وَالقُنوطُ، وما بَعدَه سَيُذكَرُ في الكافرينَ، وإنَّما قالَ المفسِّر ذَلكَ؛ لأنَّ المُؤمنَ لا يَيأَسُ ولا يَقنَطُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، وَقال تَعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) ﴾ [الحجر: ٥٦]، فَلا يُمكنُ لِلمُؤمنِ أَنْ يَيأسَ، وعَلى هَذا فَيكونُ هَذا الوصفُ لِلكافرينَ.
مِن فَوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أَنَّ الإِنسانَ شَحيحٌ وأَنَّه حَريصٌ على الخَيرِ شَحيحٌ بِبذلِ ما يُطلبُ منه.
стр. 301
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الإنسانَ يُحبُّ الخيرَ دائمًا لِقولِه: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾، وَهذا بِطَبيعةِ الإنسانِ أَنَّه يُحبُّ الخيرَ وَهو ما يُلائمُ نَفسَه ومُرادَه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الإنسانَ الَّذي لَيس عِندَه إِيمانٌ إِذا مَسَّه الشَّرُّ يَئِسَ وقَنَطَ مِن رَحمةِ اللهِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ذَمُّ أَهلِ اليأسِ والقُنوطِ مِنْ رَحمةِ اللهِ ؛ لأنَّ اللهَ ساقَ هَذا مَساقَ الذَّمِّ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّه لا يَنبَغي لِلإنسانِ أَنْ يَغلِبَ جانبُ اليأسِ وَالقُنوطِ، كَما أَنَّه لا يَغلِبُ جانبُ الرَّحمةِ؛ لأنَّه إِنْ غَلَبَ جانبُ الرَّجاءِ وَالرَّحمةِ فإنَّه يَدخلُ فيمَنْ لا يَأمنُ مَكرَ اللهِ، وَإِن غَلَبَ جانبُ اليأسِ وَالقُنوطِ دَخَلَ في أَهلِ اليأسِ وَالقُنوطِ.
وهَلِ الَّذي يَنبَغي لِلْإنسانِ أَنْ يَغلبَه جانبُ الرَّجاءِ أوِ الخوفِ؟
اخْتلَفَ السَّالِكونَ إِلَى اللهِ في هَذا فَمِنهم مَنْ قال: يَنْبَغي أَنْ يَغلبَ جانبُ الخوفِ لِيَحذرَ المَعاصيَ ويَتجنَّبَها؛ لأنَّه إِذا غَلَبَ جانبُ الخوفِ خافَ وحَذِرَ مِنَ المعاصي، ومِنهم مَنْ قال: يَغلِبُ جانبُ الرَّجاءِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالي عِندَ حُسنِ ظَنِّ عَبدِه بِه، وَإِذا غَلَبَ الرَّجاءُ ابتعدَ عَنِ اليأسِ وَالقُنوطِ.
ومنهم مَنْ قال: إِنَّه لا يَنبَغي أَنْ يَغْلِبَ هَذا علي هذا، وَأنْ يَجعلَ خَوفَه وَرَجاءَه واحدًا، قالَ الإِمامُ أَحمدُ ﵀: يَنْبَغي أَنْ يَكونَ خَوفُه ورَجاؤُه واحدًا فَأيُّهُما غَلَبَ هَلَكَ صاحبُه (١) .
وَقالَ بَعضُهمْ: إِنَّه يَنبَغي لِلإنسانِ أَنْ يَكونَ بَين الخوفِ والرَّجاءِ، كالطَّائرِ الحواشي
(١) انظر: الاختيارات العلمية لابن تيمية [المطبوع مع الفتاوى الكبرى] (٥/ ٣٥٩).стр. 302
بين جَناحَيْه إِنِ انْخَفَضَ أَحدُهُمَا سَقَطَ، وقالَ بَعضُ أَهْلِ العِلمِ: يَنبَغي أَنْ يَغلِبَ جانبُ الرَّجاءِ عِندَ فِعلِ الطَّاعةِ فَيرجو القَبولَ والثَّوابَ، وَيغلِبُ جانِبُ الخَوفِ عِندَ الهَمِّ بِالمَعصيةِ حتَّى لا يَعصيَ اللهَ .
وَمن العُلماءِ مَنْ يَقوُل: يَغلِبُ جانبُ الرَّجاءِ عِند المَرَضِ حتَّى إِذَا مَاتَ لَقِيَ اللهَ وَهو يُحسنُ بِهِ الظَّنَّ، وَفي حالِ الصِّحَّةِ يَغلِبُ جانِبُ الخَوفِ؛ لأنَّ حالَ الصِّحَّةِ يَدعو الإِنسانَ إِلَى البَطَرِ وَالأَشَرِ فَلْيَغلِبْ جانبُ الخوفِ.
كُلُّ هَذه الأقوالِ الَّتي تَبلغُ سِتَّةً أو سَبعةً كُلُّها في الواقعِ تَنْظُرُ إِلى حالِ العبدِ؛ ولهِذا نَرى في هَذه المسألَةِ أَنَّ الإنسانَ يَنْظرُ إِلَي حالِه، فَإنْ كانَ قَدْ عَمِلَ عَملًا صالحًا وكَدِحَ فيما يُرضي اللهَ فَلْيَغْلِبْ جانبُ الرَّجَاءِ، فَكُلَّما عَمِلَ طاعةً غَلَبَ جانبُ الرَّجاءِ أنَّ اللهَ تَجاوزَ عنها، وَأَنَّ اللهَ تَعالي قَبِلَها وسَيُثيبُه، وإِذا رَأى مِن نَفسِه العُلوَّ والتَّعاظُمَ فَلْيَغْلِبْ جانبُ الخَوفِ حتَّى يَصيرَ إِلَى اللهِ تَعالى صَيْرًا حسنًا.
* * *
стр. 303
الآية (٥٠)
قالَ اللهُ : ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَي رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَي فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) ﴾ [فصلت: ٥٠].
* * *
يَقُولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَلَئِنْ﴾ لَامُ قَسَمٍ] و (إِنْ) شَرْطيَّةٌ [﴿أَذَقْنَاهُ﴾ آتَيناه ﴿رَحْمَةً﴾ غِنًى وصِحَّةً]، ﴿مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ ﴿مِنَّا﴾ أي: مِنَ اللهِ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [(مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ شِدَّةً وبَلاءً] ﴿مَسَّتْهُ﴾ يَعني: أَصابَته ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾، أي: بِعملي] انْظُرْ إِلَي حالِ هَذا.
نَبدأُ أَوَّلًا بالإِعرابِ؛ لأنَّ فيه شيءٌ مِنَ الإِشكالِ، قَولُه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ إلي قولِه: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، ففي الجُملةِ الأُولَى ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ حَرْفُ شَرطٍ، والشَّرطُ يَحتاجُ إِلي جَوابٍ، وَفي سياقِ الآيةِ لَمْ نَجِدْ جوابًا لِلشَّرطِ، فَجوابُ الشَّرطِ في هَذه الآيةِ مَحذوفٌ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ قَسَمٌ وشَرْطٌ، وَإِذا اجْتَمَعَ القَسَمُ والشَّرطُ حُذِفَ جوابُ المتأخِّر مِنهما. والقَسَمُ في اللَّامِ والشَّرطُ (إِنْ) والمتأخِّرُ هو الشَّرطُ، فَيُحذَفُ جَوابُ الشَّرطِ؛ ولهِذا جاءَ جوابُ القَسَم في قولِه: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾.
قال ابْنُ مالِكٍ ﵀ في الألْفيَّةِ (١) : الحواشي
(١) الألفية (ص: ٥٩).стр. 304
واحْذِفْ لَدي اجْتماعِ شَرْطٍ وقَسَمٍ ... جَوابَ ما أَخَّرتَ فَهو مُلتزَمٌ
فَهو: أَيْ هَذا الحذفُ.
قَولُه : ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾، آتَيناه لَكِنْ عَبَّر بِالإذاقةِ عَنِ الإيتاءِ؛ لأنَّ مَنْ ذاقَ شيئًا فَقدِ انتفعَ بِه، وَالإيتاءُ قَد يَنتفعُ بِه الإِنسانُ وَقَدْ لا يَنتفعُ، فَإِذا أَعطيتُكَ خُبْزةً مَثلًا قَد تَنتفعُ مِنهَا وقَد لا تَنتَفعُ، يَعني: قد تَأكلُها وقَد لا تَأكلُها لَكنْ إِذا ذُقتَها فَقد أَكلْتَها وَانتفعتَ بِها؛ فَلِهذا عَبَّر عَنِ الإِتيانِ بِالإذاقةِ؛ لأنَّه أَبْلغُ في المَماسَّةِ وَفي الِانتفاعِ.
وقَولُه: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ فَسَّر المفسِّر ﵀ الرَّحْمةَ بِأنَّه الغنَي وَالصِّحَّةُ، وهذا مثالٌ ولَيس هو الحصرَ، بَل تَشمَلُ الرَّحمةُ كُلَّ ما هو مَطلوبٌ لِلْإنسانِ مِن غِنًى وَصِحَّةٍ وَجاهٍ وأَمْوالٍ وبَنينَ وغَيرِ ذَلِكَ.
وقَولُه: ﴿مِنَّا﴾ إِشارةٌ واضحةٌ إِلَى أَنَّ هَذه الرَّحمةَ لَيْست بكَسبِه ولكنَّها فَضْلٌ مِنَ اللهِ ، فَالغِنَي أَتاه مِن حيث لا يَحتسِبُ، والصِّحَّةُ أتتْهُ مِن حيثُ لا يَحتسِبُ، والبَنونَ وغَيرُهم، هي مِن عندِ اللهِ، وَواضحٌ أَنَّها مِن اللهِ ولَيستْ بِكَسبِه.
وقَولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ رَحمَةٌ مِنْ بَعدِ ضَرَّاءَ يَعني: مَعناه أَنَّه تَيَقَّنَ الضَّررَ ثُمَّ جاءتِ الرَّحمَةُ مِن عِندِ اللهِ، وهَذا أَبلغُ في النِّعمَةِ أَنْ تَأتيَ بَعدَ الضَّررِ؛ لأنَّ النِّعمةَ الدَّائمةَ لا يَحسُّ بِها، لَكنَّ النِّعمةَ الطَّارئةَ بَعدَ الضَّررِ هي الَّتي يَحسُّ بِها؛ ولهِذا مَنْ لَمْ يَذُقْ مَرارةَ المَرضِ، فَإِنَّه لا يَتذوَّقُ حَلاوةَ الصِّحَّةِ حتَّى في الأُمورِ الشَّرعيَّةِ، قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: لا يَنقُدُ الإسلامَ إِلَّا مَن لَمْ يَعرِفِ الجاهليَّةَ (١) أو كَلِمةً نَحوَها. الحواشي
(١) انظر: مجموع الفتاوي (١٠/ ٣٠١).стр. 305
يَعْني: الَّذي لا يَعرفُ الكُفْرَ لا يَعرفُ قَدرَ الإيمانِ، كَذلكَ أيضًا الرَّحمَةُ إِذا كانت مُستديمةً مُستمِرَّةً لا يَحسُّ بِها الإِنسانُ، لَكنْ إِذا جاءَت مِن بَعدِ الضَّررِ أَحسَّ بها وذاق لَها طَعمًا، وأَضْرِبُ لَكُمْ مثلًا الآنَ في النَّفَس، النَّفَس نِعمةٌ كَبيرةٌ مِن أَكْبرِ النِّعَمِ، الإنسانُ لا يَحسُّ بِه، ما دامتِ النِّعمةُ مُستَمِرَّةً لكن لو أُصيبَ بِكَتمِ النَّفَس وحَجْبِهِ ثُمَّ فُرِجَ عَنْهُ لَوَجَدَ لهِذا النَّفَسِ نِعْمةً عَظيمةً وأثرًا عَظيمًا، كَذلكَ المَرضُ فَالإنسانُ الصَّحيحُ المُستمرُّ في صِحَّتِه لا يَعرِفُ قَدْرَها لكن لو مَرِضَ ثُمَّ شُفِيَ تَبَيَّنَ له قَدْرُ النِّعمَةِ.
وَالرَّحمةُ الَّتي ذَكرها اللهُ هنا رَحمةٌ مِنْ بَعدِ الضَّرَّاءِ، فَيكونُ لها أثرٌ بالغٌ أَعظمُ مِمَّا لو كانتِ الرَّحمةُ مُستمرَّةً.
إذا أَذاقَه اللهُ رَحمةً من عندِه مِنْ بَعدِ الضَّرَّاءِ ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾، ﴿هَذَا﴾ جوابُ القَسَمِ، يَعني: يَقولُ هَذا لِي.
قَولُه تَعالى: ﴿هَذَا لِي﴾ أَيْ: هَذا بِعَمَلي فَتَكونُ اللَّامُ بمعنى مِنْ؛ أي: هذا مِنِّي وليس مِن اللهِ، وقيل: اللَّامُ للاستِحقاقِ، يَعني: أَنِّي مُستحِقٌّ له فَلا مِنَّةَ للهِ عَلَيَّ به لأنِّي له أَهلٌ، فأنا حَقيقٌ به، المفسِّر مَشَي على القولِ الأوَّلِ وهو أنَّ اللَّامَ بمعنى مِن؛ أي: لَيَقُولَنَّ هذا مِنِّي وأَنا الَّذي اكْتَسبتُه أَنا الَّذي اتَّجرْتُ، وما أَشبهَ ذلك. القولُ الثَّاني: يَقولُ: هَذا مِنَ اللهِ. لكن لا مِنَّةَ له عَلَيَّ به؛ لأنِّي مُستحِقٌّ له، والآيةُ تَحتَملُ هذا وهذا.
والقاعدةُ في التَّفسيرِ: أَنَّه إِذا كانت الآيةُ تَحتَملُ مَعنيينِ لا يُنافي أَحدُهما الآخرَ، فإنَّها تُحملُ عَليهما جَميعًا إِذا لَمْ يُوجَدْ مُرَجِّحٌ لِأحدِهما.
стр. 306
قال اللهُ تَعالَى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ نَسأَلُ اللهَ العافيةَ، يَعني: ظَنَّ أَنَّه مخُلَّدٌ لمَّا جاءَته هَذه الرَّحمةُ قال: إذن لا بَعْثَ ولا جَزاءَ، ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ ثُمَّ قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ يَعني: عَلى فَرضِ أَنْ تَقومَ السَّاعةُ وأُرَدُّ إِلَي اللهِ، فإنَّ الَّذي نَعَّمَني في الدُّنيا سَيُنعِّمُني في الآخرةِ؛ ولهِذا قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، يَقُولُ المفسِّرُ ﵀: [أَي: الجنَّةَ].
نَقولُ في إِعرابِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ ما قُلناه في: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾؛ لأنَّه اجْتمعَ قَسَم وشَرْطٌ، وتَأخَّر الشَّرطُ فَحُذِفَ جَوابُه وبَقِيَ جَوابُ القَسَمِ في قَولِه: ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ فتَجِدُ هذا الرَّجلَ مِن غرورِه -وَالعِياذُ بِاللهِ- أَنَّه أكَّدَ بِالقَسَمِ و ﴿إِنَّ﴾ و (اللَّامُ) القَسَمُ في قولِه: ﴿وَلَئِنْ﴾ و ﴿إِنَّ﴾ في قولِه: ﴿إِنَّ لِي﴾ واللَّامُ في قولِه: ﴿لَلْحُسْنَى﴾ فَهو أَكَّدَ أَنَّه علي فَرْضِ أَنْ يَرجِعَ إِلَي اللهِ فَسيجِدُ الحُسنى وهي الجنَّةُ كما قال المفسِّر ﵀، وأَخَذَ المفسِّر هذا التَّفسيرَ مِنْ تَفسيرِ النَّبيِّ ﷺ في قَولِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] حَيثُ قَالَ: "إِنَّ الحُسنى الجنَّةُ والزِّيادةُ النَّظَرُ إلي وَجهِ اللهِ" (١) .
إذن هذا الرَّجلُ مَغرورٌ في غايةِ الغُرورِ:
أوَّلًا: أنَّه أضاف النِّعمةَ الَّتي حَصلَتْ له في الدُّنيا أَضافَها إِلَي نَفْسِه، إمَّا مُباشرَةً هو الَّذي حصَّلَها من دونِ اللهِ، وإمَّا لأَنَّه مُستحِقٌّ لها فلا فَضْلَ للهِ عليه بها.
الغُرورُ الثَّاني: أَنَّه أَنكرَ البَعثَ لِقولِه: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. الحواشي
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ، رقم(١٨١) ، من حديث صهيب ﵁.стр. 307
الغُرورُ الثَّالثُ: أنَّه علي فَرْضِ أَنَّ السَّاعةَ قائمةٌ فَسيَجدُ عندَ اللهِ ما هو أَحسنُ: ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾.
فإن قال قائلٌ: هَل للإنسانِ أَنْ يَنْسِبَ الخيرَ إِلي نَفسِهِ وهو يَعترِفُ بِفضلِ اللهِ عليه؟
فالجَوابُ: إِضافةُ العملِ إِلَي النَّفْس جائزةٌ حتَّى إِنَّ الرَّسولَ ﵊ قال في عَمِّه أَبي طالبٍ: "لَولا أَنا لكانَ في الدَّركِ الأسفلِ مِن النَّارِ" (١) ، لكنَّ الإنسانَ يُضيفُه إِلي نَفسِهِ، كما قال هذا الكافرُ: ﴿هَذَا لِي﴾ هَذا بِعَملي أَوْ أَتاني مِنَ اللهِ لأنِّي مُستحِقٌّ له، هَذا لا يَصلُحُ.
قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ أي: نُخبرنَّ، والفاءُ عاطفةٌ واللَّامُ مُوطِّئةٌ للقَسَمِ المَحذوفِ، والتَّقديرُ: فَواللهِ لَنُنبِّئنَّ.
إِذن الجُملةُ مُؤكَّدةٌ بثَلاثةِ مُؤكِّداتٍ ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ المؤكِّدُ الأوَّلُ القَسَمُ، والثَّاني: (اللَّامُ)، والثَّالثُ: نونُ التَّوكيدِ في قَولِه: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ وَالضَّميرُ في قَولِه: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ يَعودُ عَلى اللهِ وعادَ إليه بصيغَةِ الجَمعِ مِن بابِ التَّعظيمِ وَإلَّا فاللهُ إِلهٌ واحدٌ.
﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ أَيْ: بالَّذي عَمِلوه نُخبرُهم بِذلكَ يَومَ القيامةِ، وكَيفيَّةُ هذا أنَّ اللهَ يُحصي أَعمالَهم يَومَ القيامةِ، فَيُنادِي عَليهم على رُؤوسِ الأَشهادِ بِأنَّه قَد أَخزاهُم الله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، رقم(٣٨٨٣) ، ومسلم: كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم(٢٠٩) ، من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ عم الرسول ﷺ .стр. 308
ثم يَقولُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ يَعني: بَعدَ أَنْ نُنبَئِّهَم ويُقِرُّوا بِذلكَ نُذيقُهم ﴿مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [شَديدٍ واللَّامُ في الفِعلَينِ لَامُ القَسَم] وَالفِعلانِ هما: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾.
في هَذه الآيَةِ وَالَّتي قَبلَها بَيانُ حالِ الإنسانِ الكافرِ وَهو كُفرُه بِنِعمةِ اللهِ واعْتزازُه بِنَفسِه؛ لِقَولِه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾؛ فَإنَ هَذا يَدُلُّ علي كُفرِه الشَّديدِ، وَاعتزازِه بِنفسِه وَإِعجابِه بِها.
مِن فَوائِدِ الآيةِ الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أَنَّ الله تَعالى يَرحَم الكافرَ لِقَولِه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً﴾، ولَكنِ اعْلَمْ أنَّ رَحمَةَ اللهِ ﵎ نَوعانِ: رَحْمةٌ خاصَّةٌ، ورَحمة عامَّةٌ.
فما به قوامُ البَدنِ مِنَ الرَّحمةِ العامَّةِ؛ لأنَّه يَشملُ المُؤمنَ وَالكافرَ وَالبَرَّ والفاجِرَ والإنسانَ وَالحيوانَ، هَذه رَحمةٌ عامَّةٌ، وَما بِهِ قَوامُ الدِّينِ مِنَ الرَّحمَةِ الخاصَّةِ، وَهَذا يَختصُّ بِالمُؤمنينَ.
وَالفرقُ بَينهما: أَنَّ الرَّحمةَ العامَّةَ إِنَّما هي غذاءُ البدنِ فَقط وتَزولُ بِزَوالِه،
والرَّحمةُ الخاصَّةُ غذاءُ الرُّوحِ تَبقَي بِبقاءِ الرُّوحِ في الدُّنيا وَالآخِرةِ، وَالرُّوحُ مُنذُ خَلَقَهَا اللهُ لا تَفني كَالوِلْدانِ في الجَنَّةِ وَالحورِ العِينِ في الجنَّة، خُلِقت لِلبَقاءِ، بِخِلافِ الأجسادِ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) ﴾ [الرحمن: ٢٦].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ فَضلِ اللهِ عَلي الكافرِ؛ لِكَونِ الرَّحمةِ الَّتي أَصابتِ الكافرَ مِنْ عِندِ اللهِ؛ لِقَولِه: ﴿مِنَّا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إِعجابُ الكافرِ بِنفسِه حَيثُ يُضيفُ هَذه الرَّحمةَ الَّتي هي مِنَ اللهِ
стр. 309
إِلي نَفسِه لِقَولِه: ﴿هَذَا لِي﴾ أَوْ يُضيفُها إِلي اسْتحقاقِه إِيَّاها، فَكأنَّ اللهَ لا مِنَّةَ له عليه علي القولِ الثَّاني أنَّ مَعنَى قولِه: ﴿هَذَا لِي﴾ هذا مُستَحَقٌّ لي.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيانُ عُتوِّ الكافرِ حَيثُ أَنكرَ ما قامتِ الأدلَّةُ الشَّرعيَّةُ والعقليَّةُ والحِسِّيَّةُ علي ثُبوتِه في قَولِه: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾.
والأدلَّةُ الشَّرعيَّةُ علي ثُبوتِ قيامِ السَّاعةِ كَثيرةٌ لا تُحصى، والأدلَّةُ العقليَّةُ هو أَنَّه ليس مِنَ الحِكمةِ أَنْ يُوجِدَ اللهُ هَذِهِ الخَليقةَ ويَأمُرُها ويَنهاها، ويُسلِّطُ بَعضَهَا علي بَعضٍ بِالسَّيفِ، وَيُقاتلُ المُؤمنُ الكافرَ ثُمَّ تَكونُ النِّهايةُ لا شيءَ، هذا سَفَهٌ، وقَدْ أَشارَ اللهُ إِلي ذلك في قَولِه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أيُّ فائدةٍ لِخَلقٍ يُوجَدُ ويُؤمَرُ ويُنْهَي ويُسلَّطُ بَعضُهُ على بَعضٍ في القتلِ العَمدِ، ثُمَّ النِّهايةُ لا شيءَ! لا فائدةَ مِن هذا، وحِكمةُ اللهِ ﵎ تَأْبَي أَنْ يَقعَ مِثلُ ذَلكَ مِنَ اللهِ، هَذا دَليلٌ عَقليٌّ واضحٌ يُوجبُ أَنْ يُبعثَ النَّاسُ لِيُجازَوْا عَلى أَعْمالهِمْ.
أمَّا الدَّليلُ الحِسِّيُّ علي ثُبوتِ البَعثِ وإِمكانِه وجَوَازِه، فَاللهُ تَعالَى يُقرِّرُه في القُرآنِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ يَعني: هامدةً لَيس فيها نَباتٌ: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ أَي: ماءُ المَطرِ ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ فَصارت حَيَّةً بَعدَ أَنْ كانت مَيْتةً، قال اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]، فَإِحياءُ الأرْضِ مِنْ بَعدِ مَوتِها وَالنَّاسُ يُشاهدونَ دَليلٌ عَلي إِمكانِ إِحياءِ الموتي وبَعْثِهم، وهَذا دَليلٌ واضحٌ حسِّيٌّ مُشاهَدٌ، كَذلِكَ أيضًا أَشْهدَنا اللهُ في الدُّنيا إِحياءَ المَوتي، فَلْنَسْتَعْرِضْ هَذا في القُرآنِ:
المَشهدُ الأوَّلُ: بَنُو إِسرائِيلَ قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فَأَخذَتْهمُ الصَّاعقةُ وَماتوا ثُمَّ بُعِثوا، هذا في الدُّنيا.
стр. 310
المَشْهَدُ الثَّانِي: القتيلُ الَّذي اخْتَلفتِ القَبيلتانِ فيهِ فَأَمَرَهُمُ اللهُ أَنْ يَذبَحوا بَقرةً وأَنْ يَضْربوا القَتيلَ بِبعضِها، فَفَعَلوا فَحَيِيَ القَتيلُ وَقالَ: إِنَّ الَّذي قَتَلَهُ فُلانٌ، فَهذا إِحياءٌ بَعدَ الموتِ.
المَشهدُ الثَّالِثُ: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] خافوا مِنَ الموتِ وخَرَجوا مِن دِيارهم ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فَماتوا ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ أَماتهم لِيَعْلموا أَنَّه لا مَفَرَّ لَهُمْ مِن قَضاءِ اللهِ ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ لِيَقْضِيَ أَجَلًا.
المَشهَدُ الرَّابعُ: صاحبُ القَريةِ مَرَّ علي قريةٍ: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
المَشْهَدُ الخامِسُ: إِبْراهيمُ ﵊: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فَأَمَرَه اللهُ أَنْ يَذبَحَ أَربعةً مِنَ الطُّيورِ وَيَجعلَ علي كُلِّ جبلٍ مِنها جُزءًا، وأَنْ يَدعوها فَفَعَلَ، فَأَقْبَلَت إِليه حَيَّةً إِمَّا أَنَّها تَطيرُ أو تمَشي بِسرعةٍ.
هَذِه خَمسةُ مَشاهِدَ مَذكورةٍ في البَقرةِ، كُلُّها تَدُلُّ عَلَي إِمْكانِ الإِحياءِ بَعْدَ المَوْتِ.
أَمَّا قِصَّةُ عِيسي فَكذلِكَ أيضًا، فَقدْ كانَ عيسَي ﵊ يُحيي المَوتي بِإذْنِ اللهِ يَقِفُ عَلَي الميِّتِ ويَقولُ: يا فُلانُ، قُمْ ويَقومُ بل يَقِفُ عَلَي قَبْرِ المَيِّتِ المَدفونِ، ويَأمرُه أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا، فيَخْرُجُ كما قال تَعالَى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠].
وفي الدَّجَّالِ أَخبَرَنا النَّبيُّ ﵊ أَنَّهُ يَقْطَعُ رَجلًا جِزْلَتَيْنِ وَيمُرُّ بينهما ثُمَّ يَقِفُ ويَأمرُه أَنْ يُقبِلَ يَأمُرُ هذا المَيِّتَ القِطعَتينِ أَنْ يُقْبِلَ فَيَلْتئمَ حالًا ويَقومَ،
стр. 311
والنَّاسُ يَنظُرون (١) ، هذا أيضًا شاهِدٌ محَسوسٌ، فَالمُهِمُّ أَنَّ البعثَ دَلَّ عَليه السَّمعُ والعقلُ والحسُّ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هذا الكافرَ عِندَه مِنَ العَجبِ وَالثِّقةِ بنفسِه علي أَنَّه لَيس له شَيءٌ يَثقُ بِه ما أَمْكنَه أَنْ يَقولَ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الإِقرارَ بِالرُّبوبيَّةِ لا يُدخِلُ الإنسانَ في الإِسلامِ؛ لأنَّ هذا المُنكِرَ مُقِرٌّ بِالرُّبوبيَّةِ، يُؤخَذُ من قَولِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾.
والمُشركون كانوا مُقِرِّينَ بِالرُّبوبيَّةِ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، لَكنَّ الإِقرارَ بِالرُّبوبيَّةِ لا يُغني عَنِ الإنسانِ شيئًا، ولقد فَخِرَ بَعضُ النَّاسِ الجُهَّالِ أَنَّ أحدَ رُوَّادِ الفَضاءِ شَهِدَ بِأنَّ لهِذا الكونِ خالقًا لمَّا صَعَدَ في الفضاءِ، ورَأي الأرضَ وَرَأى ما حولَه مِن الآياتِ شَهِدَ بأنَّ لها خالقًا، فَصارَ بَعضُ النَّاسِ الجُهَّال يُطَنْطِنُ علي إثباتِ أنَّ للكونِ خالقًا بِشهادةِ هذا الرَّجُلِ الكافرِ.
وهذا -حَقيقَةً- يَدُلُّ علي ضَعفِ إِيمانِه؛ لأنَّ خَبرَ اللهِ ورَسولِه عَنْ ذَلك أَصدقُ وأَوجبُ لِلإيمانِ، نَعَمْ لو كُنَّا نُجادلُ شخصًا مُنكِرًا لا يُؤمِنُ بِالأديانِ فَنقولُ له: صاحبُك الَّذي هو مِثلُك أَقَرَّ بِأنَّ لِلكونِ خالقًا رُبَّما يَنفعُ، فَيكونُ هَذا مِن بابِ إقامةِ حُجَّته عليه، لَكنْ نَجعلُ هذا حُجَّةً مُطلَقةً، فيه نَظرٌ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: التَّأكيدُ على أنَّ هؤلاءِ الكافرينَ سوف يُخبَرونَ بما عَمِلوا؛ لِقولِه: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ وَيكونُ هذا يَومَ القيامةِ. الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة، رقم(٧١٣٢) ، ومسلم: كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، رقم(٢٩٣٨) ، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.стр. 312
فَإنْ قال قائلٌ: هَلْ لهِذا القَيدِ مَفهومٌ أو هو لِبيانِ الواقعِ: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟
فَالجوابُ: لِبيانِ الواقعِ لَيس له مفهومٌ لِأنَّك لو جَعلْتَ له مَفهومًا لكانَ المؤمنونَ لا يُنبَّؤونَ بما عَمِلوا مَع أَنَّهم يُنبَّؤونَ، قال اللهُ تَعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) ﴾ [الزلزلة: ٧].
وَثَبَتَ عَنِ النَّبيِّ - صلَّى اللهُ عَليه وعَلَي آله وسلَّم- أنَّ اللهَ يَخلو بعبدِه المُؤمنِ فَيمَرِّره بِذنوبِه عَمِلْتَ كذا فِي يَومِ كذا (١) .
إذن: تَقييدُ الإِنباءِ بِالكافِرِ لبَيانِ الواقعِ يَعني: أَنَّ هَؤلاء الَّذين كَذَّبوا واقعُهم أَنَّهم سَيُنبَّؤونَ بِما عَمِلوا.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أَنَّ كُلَّ شيءٍ مُقيَّدٌ محفوظٌ علي الإنسانِ، نَأخذُه مِن قَولِهِ: ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ فَإنَّ ﴿بِمَا﴾ اسمُ مَوصولٍ يُفيدُ العُمومَ، وقَدْ قال اللهُ تَعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) ﴾ [ق: ١٨] فَأيُّ قَولٍ تَلْفِظُ بِهِ فَلَديكَ رَقيبٌ حاضرٌ عَتيدٌ يَعني: حاضرٌ يَكتبُ ما تَقولُ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ عذابَ هَؤلاءِ الكُفَّارِ سَيكونُ غَليظًا، أي: شَديدًا؛ لِأنَّ الغِلظَةَ مَعناها القَسوةُ، وهي في كلِّ مَوضعٍ بِحسبِهِ، فَغِلَظُ الطِّباعِ لَيْس كَغِلَظِ الطِّينِ أو العَجينِ أَو ما أَشبهَ ذَلكَ، وغِلَظُ العذابِ ليس كَغِلَظِ الطِّينِ والعَجينِ وغِلَظِ القولِ، وَما أَشبهَ ذَلِكَ، كُلُّ غِلْظةٍ بِحَسَبِها. الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، رقم(٢٤٤١) ، ومسلم: كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، رقم(٢٧٦٨) ، من حديث ابن عمر ﵄.стр. 313
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثباتُ العذابِ في الآخرةِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ فَهلْ هناك عَذابٌ قَبلَ الآخرَةِ؟
الجوابُ: نَعَمْ، يُعذَّبُ الإِنسانُ في قَبرِه قَبْلَ أَنْ يُبعثَ، وَهذا ثابتٌ بِالقُرآنِ وَالسُّنَّةِ اسْتَمِعْ إِلَيهِ في القُرآنِ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]، فَقوُله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ يَدلُّ على أَنَّهم شَحيحونَ بِأنْفسِهم لا يُريدونَ أَنْ تَخرُجَ ولهذا يُقالُ: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ تَوبيخًا، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: يَومَ مَوتِكم: ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ وهَذه نَصٌّ في إِثباتِ عَذابِ القبرِ.
وقال اللهُ ﵎ عَن آلِ فِرعونَ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) ﴾ [غافر: ٤٦].
وأَمَّا السُّنَّةُ فَطافِحةٌ في ذَلكَ وكَثيرةٌ، ومِنها ما أَجمعَ المُسلمونَ عَليه، فَكُلُّ المُسلمينَ يَقولون في الصَّلاةِ: أَعوذُ بِاللهِ مِنْ عَذابِ جَهنَّمَ ومِن عَذابِ القبرِ، وهل يُتصوَّرُ أنَّ أحدًا يَتعوَّذ مِن شيءٍ إِلَّا وهو يُؤمنُ بوجودِه! لا يُتصوَّرُ.
إِذَنْ: فَعذابُ القَبرِ ثابتٌ بِالقرآنِ والسُّنَّة وَالإجماعِ، وعليهِ فَيكونُ العَذابُ المَذكورُ في قولِه: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ هو عذابُ الآخرةِ، وهو أَشدُّ مِن عَذابِ القبرِ، أَجارنا اللهُ وإِيَّاكم مِن ذلك.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ مِن عِبادِ اللهِ مَن لا يَشكُرُ اللهَ ولا يَعْترفُ له بِالفَضلِ، فَإِذا جَاءته الرَّحمَةُ بَعْدَ الضَّرَّاءِ ادَّعى أَنَّ هذا بِعمَلِه وأَنَّه مَحقوقٌ به وأَهلٌ له؛ لِقولِه ﵎: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ .. إلخ.
стр. 314
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الرَّحمةَ إِنَّما هي مِن اللهِ لا يَستطيعُ الإِنسانُ أَنْ يَجلِبَ لِنفسِه نَفعًا ولا أَنْ يَدفَعَ عَنْهَا ضَررًا، بل ذلك إلى اللهِ، ولكنَّ اللهَ قَد جَعَلَ لِكُلِّ شيءٍ سببًا، فَللرَّحمةِ أَسبابٌ ولِلعذابِ أَسبابٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بَيانُ حالِ هذا الإِنسانِ الَّذي إِذا أصابتْه الرَّحمةُ والخَيرُ: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ ثُمَّ ادَّعَى دَعوَةً أُخرى أَنَّه لَو رَجعَ إِلي اللهِ لَوَجَدَ عِندَه خَيرًا من ذلك، مع أَنَّه يُنكِرُ قيامَ السَّاعةِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَهديدُ مَنْ هَذهِ حَالُه بِأنَّ اللهَ سَوف يُقَرِّرُه بِذنوبِه ويُذيقُه مِنَ العَذابِ الغَليظِ لِقولِه: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الإظهارَ في مَوضعِه خَيرٌ مِنَ الإضمارِ يَعني: إِذا دارَ الأمرُ بَينَ أَنْ تَأتيَ بِضميرِ المُتحدِّثِ عَنه أو بِاسْمٍ ظاهرٍ، فَإنَّ الأصلَ أَنْ تَأتيَ بِالضَّميرِ، لكن إِذا صارَ هناك فائدةٌ في الإِظهارِ في مَوضعِ الإِضمارِ فَهو أَوْلَى وأَحْسَنُ، الإِظهارُ في مَوضعِ الإِضمارِ في قَولِه: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وَلو أَضْمرَ لقالَ: فَلَنُنَبِّئنَّهُمْ، لكنَّه أَظْهَرَ في مَوضِعِ الإِضمارِ، والإِظهارُ فِي مَوضعِ الإِضمارِ، ذَكَرْنا أَنَّ فيه أَربعَ فَوائدَ:
١ - بَيانُ الصِّفَةِ أَو الوَصْفِ الَّذي اسْتحقَّ مِن أَجْلِه أَنْ يُعاقَبَ بِهذه العُقوبةِ.
٢ - بَيانُ العُمومِ، يَعني: أَنَّ هذا الوعيدَ ليس لهِذا الرَّجُل وَحدَه بَل لكُلِّ كافرٍ، هذا بِالنِّسبةِ لِهذه الآيةِ.
٣ - انْتباهُ المُخاطَبِ؛ لِأنَّ الكلامَ إِذا كانَ على نَسَقٍ واحدٍ بضمائرِه ومُظهَراتِه، فإنَّ الإِنسانَ لا يَنتبهُ لكن إِذا جاء شيءٌ يُخرِجُ الكلامَ عَن سياقِه، فَإنَّه لابُدَّ أنْ يَنْتبِهَ.
стр. 315
٤ - مُراعاةُ فَواصلِ الآياتِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: إِثْباتُ البعثِ لِقولِه: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: عُمومُ عِلْمِ اللهِ ؛ لِأنَّ المنبئَ بِالعَملِ لا بُدَّ أَنْ يكونَ عالمًا به.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: بَيانُ عَظمَةِ اللهِ حَيثُ أَضاف الضَّمائِرَ إِليه بِصيغةِ الجَمعِ، والجَمعُ لِلواحدِ يُرادُ بِه التَّعظيمُ.
* * *
стр. 316
الآية (٥١)
* * *
* قال اللهُ تَعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].
* * *
قَولُه تَعالَى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ يَعني: أَعْطيناهُ نِعمةً والنِّعمةُ تَدورُ على شَيئينِ: علي حُصولِ المَرغوبِ، وعلي النَّجاةِ مِنَ المَرهوبِ. فَمَنْ سَقطَ في بَحرٍ ثُمَّ هيَّأَ اللهُ له مَن يُنقذُه مِنَ الغَرَقِ فَتلكَ نِعمةٌ. وكَذلك أيضًا مَنْ رَزَقَه اللهُ مالًا وولدًا هَذه نِعمةٌ، فَالنِّعمَةُ إِمَّا انْدفاعُ نِقمةٍ، وإمَّا حُصولُ محَبوبٍ لِلإنسانِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾] المُرادُ [الجنس] يَعني: ليس المُؤمنُ ولا الكافرُ، بَل هذا الوصفُ يكونُ مِنَ المُؤمنِ ويكونُ أيضًا مِنَ الكافرِ. يَعني: أَنَّ جِنسَ الإِنسانِ بالنَّظَر إِلي كَونِه إِنسانًا فقط هَذه حالُه، إِذا أَنعمنا علي إِنسانٍ أَعرضَ عَنِ الشُّكرِ، والشُّكرُ حَقيقةً هو طاعةُ اللهِ ، وَيكونُ بِالقَلبِ وبِاللِّسانِ وبِالجَوارحِ، ويَدُلُّ علي أنَّ الشُّكرَ هو طاعةُ اللهِ قَولُ النَّبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعَلَى آلِه وسلَّم-: "إِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمنينَ بِما أَمَرَ بِه المُرسَلينَ، فَقال اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقالَ لِلْمُؤمنينَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] " (١) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم(١٠١٥) ، من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 317
فَجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ الشُّكرَ لله هُوَ العَمَلُ الصَّالحُ يَعني: القيامَ بطاعَةِ اللهِ وَيكونُ بِالقلبِ وَيكونُ بِاللِّسانِ وَيكونُ بِالجَوارحِ، أَمَّا بِالقلبِ فَهو شُعورُ الإِنسانِ بِأنَّ هَذه النِّعمةَ مِنَ اللهِ ، وأَنَّه لَولا فَضلُ اللهِ ما حَصَلَت له فيُقِرُّ بِقلبِه، وَيعترِفُ أنَّ ذلك من عندِ اللهِ وليس بِحولِه وقُوَّته، وأَمَّا الشُّكرُ بِاللِّسانِ فالتَّحدُّثُ بِنِعمةِ اللهِ اعترافًا بِفضلِه لا افتخارًا على خَلقِه بأنْ يَقولَ: الحمدُ لله قدْ رَزقَني اللهُ أَولادًا وَمالًا وعِلمًا وجاهًا وما أَشبهَ ذَلِكَ.
وَمِنَ الشُّكرِ بِاللِّسانِ جَميعُ الطَّاعاتِ القَولِيَّةِ، فَإنَّها مِنَ الشُّكرِ بِاللِّسانِ فَقِراءَةُ القُرآنِ مِنَ الشُّكرِ؛ لأنَّ كُلَّ طاعةٍ بِاللِّسانِ فهي مِنْ شُكرِ اللهِ .
والشُّكرُ بِالجوارحِ العملُ؛ كَالرُّكوعِ والسُّجودِ والقِيامِ والقُعودِ والصَّدقةِ وَما إِلى ذلك، وفي هذا يَقولُ الشَّاعرُ (١) :
أفادتْكُم النَّعماءُ مِنِّي ثَلاثةً ... يَدي ولِساني والضَّميرَ المُحَجَّبَا
يَقولُ اللهُ : ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت: ٥١].
يَقُولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي: ثَنَي عِطفَهُ مُتبخْتِرًا] يَعني: أَعْرضَ بِبَدَنه وبقَلْبِه مُفْتخِرًا مُتعاظِمًا هَذا بِالنِّسبةِ لحِالِه، وبِالنِّسبةِ لمِا يُطلبُ مِنه مِنَ الشُّكرِ يُعرضُ ولا يَشكُرُ اللهَ ، وهذه حالُ كَثيرٍ مِن بَني آدَمَ؛ ولهِذا عَمَّمها اللهُ قالَ: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ لِأنَّ أَكثَرَ بَني آدَمَ عَلى هذه الحالِ.
وقَولُه: ﴿وَنَأَى﴾ في التَّفسيرِ: [(ناء)] يَقُولُ المُفسِّرُ ﵀: [وَفي قِراءةٍ بِتَقديمِ الهمزةِ] في قِراءةِ سَبْعيَّةٍ، واعلمْ أنَّ اصطلاحَ المفسِّر ﵀ أَنَّه إِذا قال: "وفي قِراءةٍ" الحواشي
(١) انظره في غريب الحديث للخطابي (١/ ٣٤٦)، والفائق للزمخشري (١/ ٣١٤) غير منسوب.стр. 318
فَهي سَبعيَّةٌ أي: مِنَ القِراءاتِ السَّبعِ، وإِذا قال: "وقُرِئَ" فَهي مِن القِراءاتِ الشّاذَّةِ.
إذن: (ناء) و (نأي) مَعناهُما واحدٌ كَأَيِسَ ويَئِسَ بِتَقديمِ الهَمزةِ وتَأخيرِها ومَعناهُما واحدٌ، أَيِسَ من كذا وَيئِسَ من كذا، وناءَ بِكذا أو نَأَيَ بكذا مَعناهُما واحدٌ، والمقصودُ أَنَّه كما قال المفسِّر: ثَنَي عِطفَه وانصرفَ مُتبختِرًا ومُتعاظِمًا.
قالَ الله تَعالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أَقبَلَ: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾، يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [كثير]. أي: إذا مَسَّه الشَّرُّ لجَأَ إلي اللهِ وأَطالَ الدُّعاءَ وأَكثرَ مِنهُ، وانظُروا ما حَكَي اللهُ تَعالَي عَنِ المُشركينَ إِذا كانوا في البَحرِ وهاجَ البحرُ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، ولكنَّهم يَعِدونَ وَيكذِبونَ إِذا أَنجاهم اللهُ عادوا إلي كُفرِهم والعياذُ بِاللهِ.
من فَوائِدِ الآيةِ الكَريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أَنَّ الإِنسانَ مِن حيثُ هو إنسانٌ بَطَرٌ عندَ النَّعماءِ لكنَّه مُقبِلٌ عند الضَّرَّاءِ لِقولِه: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ ما يَتمتَّعُ به الإِنسانُ مِنَ النَّعيمِ، فإنَّما هو مِن عندِ اللهِ لقَولِه: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّحذيرُ مِن هذه الحالِ، فإذا رَأي الإِنسانُ مِن نَفسِه أَنَّه عند النِّعمَةِ يَفرحُ ويَبطُرُ ويَتهاوَنُ بِما أَوجبَ اللهُ عَليه، فَليَعلَمْ أَنَّه داخلٌ في هذا الإنسانِ المَذمومِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الإنسانَ يَعرفُ مِن نَفسِه الضَّعفَ إِذا أَصابَه الضَّررُ وَيلجأُ إلي اللهِ حتَّى الكافرُ يَعرفُ مِن نَفسِه الضَّعفَ، ويَلجأُ إلي اللهِ .
стр. 319
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الكُفَّارَ يُؤمنونَ باللهِ وبأنَّه هو كاشفُ الضُّرِّ لِقولِهِ: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.
الإعرابُ في قَولِه: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ هذه جُملةٌ شَرطيَّةٌ، وجَوابُها: ﴿أَعْرَضَ﴾، و ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ مَعطوفٌ عليه. وأَمَّا في قَولِهِ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾، فَجوابُه: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ وعامِلُه مُقَدَّرٌ أي: فَهو ذو دُعاءٍ عَريضٍ. واقتُرِنتِ الفاءُ في جَوابِ الشَّرطِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرطِ جُملةٌ اسميَّةٌ، وَإذا كانَ جَوابُ الشَّرطِ جُملةً اسميَّةً وَجَبَ اقتِرانُها بِالفاءِ وَلا تَسقطُ إِلَّا نادرًا، والجُمَلُ الَّتي إذا وَقَعَت جَوابًا لِلشَّرطِ فَإنَّها تُقتَرَنُ بِالفاءِ مَجموعةٌ في قَولِ النَّاظمِ:
اسميَّةٌ طَلبيَّةٌ وبِجامدٍ ... وبِلن وقَد وبِالتَّنفيسِ
فَإِذا وَقَعَ جَوابُ الشَّرطِ جُملةً من هَذهِ الجُمَلِ السَّبعِ وَجَبَ اقتِرانُه بِالفاءِ ولا تُحذَفُ إِلَّا نادرًا مثل قولِ الشَّاعرِ (١) :
مَن يَفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشكُرُها ...........................
الأصلُ مَن يَفعلِ الحَسناتِ فاللهُ يَشكُرُها، لَكِنَّها سَقطت إِمَّا لِضرورَةِ الشِّعرِ وإِمَّا لِلقِلَّةِ؛ لِأنَّها تَسقطُ حتَّى في النَّثرِ ولكن ذلك قليل.
* * * الحواشي
(١) اختلف في قائله، فنسبه سيبويه في الكتاب (٣/ ٦٤ - ٦٥) لحسان بن ثابت، ونسبه ابن هشام في مغني اللبيب (ص: ٨٠) لعبد الرحمن بن حسان، ونسبه جماعة لكعب بن مالك كما في خزانة الأدب (٩/ ٥١).стр. 320
الآية (٥٢)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) ﴾ [فصلت: ٥٢].
* * *
ثم قالَ اللهُ ﵎: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [كَما قالَ النَّبيُّ - صلَّى الله عَليه وعلى آله وسلَّم-]: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢].
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمَعنَي أَخبِروني، وقَولُه: ﴿إِنْ كَانَ﴾ يَعني: القُرآنَ: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ﴾ وأَنكرتُم أن يَكونَ من عند اللهِ: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أَصلُ الجُملةِ مَن أَضَلُّ مِنكُم أَرأيتُم إِن كانَ مِن عندِ اللهِ وتَبَيَّن لَكُم أَنَّه مِن عندِ اللهِ: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الأصلُ لا أَحَدَ أَضَلُّ مِنكُم ولَكنَّه أُظهِرُ في مَوضعِ الإضمارِ، وذَكَرنا أَنَّ لِلإظهارِ في موضِعِ الإضمارِ فَوائدَ مِنها:
أولًا: تَنبيهُ المُخاطَبِ.
ثانيًا: بَيانُ الصِّفةِ الَّتي استحقَّ بِها صاحبُ الضَّميرِ هذا الوَصفَ.
ثالثًا: بَيانُ العُمومِ.
رابعًا: مُراعاةُ فَواصلِ الآياتِ.
следующие страницы →