"صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي" (١).
إذَن: أوَّلُ ما نُفسِّرُ القرآنَ به هو القرآنُ؛ لأنَّ الَّذي فسَّرَه هو الَّذي تَكلَّم به وهو أعلمُ بمُرادِه، ثمَّ بسُنَّة النبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- القوليَّة والفعليَّة؛ لأنّ النَّبِيَّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- أعلمُ الناسِ بكلامِ اللهِ؛ لأنَّه رسولُه.
٣ - ثُمَّ بعدَ ذلكَ بتفسيرِ الصَّحابَةِ ﵃، وتفسيرُ الصَّحابةِ لا شكَّ أنَّه أَوْلى مِن غيره؛ لأنَّ الصَّحابةَ ﵃ أعلمُ النَّاسِ بِلُغَةِ القرآنِ بلا مُنازِع؛ ولأنَّ القرآنَ نزلَ في عَصرِهم وفي الأحْوالِ الَّتي يعرِفونها.
ولا ريبَ أنَّ المعنَى يُعرَف في الزَّمنِ والحالِ الَّتي نزلَ بها؛ ولهذا يَنقُلون إلَيْنا أسبابَ النُّزولِ في الآياتِ التي نزَلَتْ على سببٍ؛ لأنَّهمْ كانوا يَعلَمون ذلك.
فيُرجَعُ في تفسيرِ القرآنِ -إذا لمْ يُوجَدْ في كتابِ اللهِ أو سنةِ رسولِه- إلى أقوالِ الصَحابةِ.
والصَّحابةُ ﵃ يَختلِفون في فَهْمِ القرآنِ اختِلافًا ظاهرًا، كما يَختَلِفون في مَراتِبهم في الفَضائلِ، كذَلِك أيضًا يَختلِفون في العلمِ وفي تَفسيرِ القرآنِ، ومِنْ أعلَمِهم بالتَّفسيرِ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ لأنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- دعا له، وقال: "اللَّهمَّ فقِّهْهُ في الدِّينِ وعلِّمْهُ التَّأويلَ" (٢)، يعني: التَّفسيرَ.
стр. 6
٤ - وبعْد هذا في المَرتَبة الرَّابِعة: الرُّجوعُ إلى كلامِ التَّابِعين الَّذين أخَذوا عنِ الصَّحابةِ ﵃ وليسَ كلّ التَّابِعين، بلِ الَّذين اشتُهِرَ عنهمُ الأخْذُ عنِ الصَّحابةِ.
وعلى رأسِهم مجُاهِدُ بنُ جبرٍ ﵀ الذي أخذَ تَفسيرَ القرآنِ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄ فكانَ يَقرأُ القرآنَ على ابنِ عبَّاسٍ، ويقِفُ عندَ كلِّ آيةٍ، يَسألُهُ عنْ تفسيرها (١).
٥ - ثمَّ بعدَ ذلكَ يُؤخَذُ بالأمْثلِ فالأمْثلِ من أقوالِ أئمةِ هذهِ الأمَّةِ وعلمائِها.
ثمَّ اعْلمْ أنَّ تفسيرَ القرآنِ لا يقتَصرُ على تَفسِيرِ الصَّحابةِ والتَّابِعين؛ لأنَّه قدْ يَخرجُ للآياتِ معانٍ لم تكنْ تَطْرَأُ على البالِ فيما سبَقَ، كما تُشيرُ بعضُ الآياتِ إلى المخترَعاتِ الحديثةِ الَّتي وقعَتْ في زمانِنا هذا، وكما تُشيرُ بعضُ الآياتِ إلى ما عُلِم في عِلْمِ الأحياءِ والكائِناتِ؛ وذلك لأنَّ القرآنَ كتابٌ عالَمِيٌّ لا يَزالُ النَّاسُ يَستخْرِجون كُنوزَه وفَوائِدَه إلى يومِ القِيامةِ.
وبِناءً على ذلك: يجبُ علينا أنْ نعتَنيَ بكلامِ اللهِ وأنْ نتَدبَّرَه ونتفَهَّمَه؛ حتَّى نلْحقَ بالرَّكْبِ.
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* * *
البَسمَلةُ تَقدَّمَ الكَلامُ عليها كثيرًا، وبيَّنَّا أنَّها آيةٌ مِنْ كِتابِ الله، ولكِنَّها ليستْ آيةً تابِعةً للسُّورة الَّتي بَعدَها ولا الَّتي قَبلَها، بلْ هيَ آيةٌ يُؤتَى بها لابتِداءِ السُّوَرِ، ما عدا سُورة (بَراءةَ).
أمَّا مَعناها: فإنَّ الإنْسان يَقولُ: أبتَدئُ بكلِّ اسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ، وإنَّما جعَلْنا المَعنَى بكلِّ اسمٍ مِن أسماءِ اللهِ؛ لأنَّ كلمةَ "اسم" مفردٌ مضافٌ، وكلُّ مفردٍ مضافٍ إلى معرفةٍ فإنَّه يُفيدُ العُمومَ؛ ألمْ ترَوْا إلى قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لو نَظَرْنا إلى لفْظِها لقُلْنا: إنَّها واحِدةٌ، لكنَّها كثيرةٌ لا تُحصَى؛ فيكونُ هذا المفردُ الَّذي أُضِيفَ: للعُمومِ.
وهذه هي القاعِدةُ: كلُّ مُفردٍ مُضافٍ لمَعرفةٍ فإنَّهُ مُفيدٌ للعُمومِ؛ ولهِذا قُلنا: بكلِّ اسْمٍ مِن أسْماءِ اللهِ.
و"الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" صِفتان للفظِ الجَلالةِ، لكنَّ الأُولى رُوعيَ فيها الوَصفُ، والثَّانيةَ رُوعي فيها الفِعلُ، وهو إيصالُ الرَّحمةِ.
أمَّا مُتعلِّق هذا الجارِّ والمَجرورِ فإنَّه محَذوفٌ، ويُقدَّرُ مُؤخَّرًا مُناسِبًا للمَقامِ، فإذا كنتَ تُريدُ أنْ تَقرأَ فقُلتَ: بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فقَدِّرْ: أقرَأُ، وإنَّما اختِيرَ أنْ
стр. 8
يكونَ فعْلًا لأنَّ الأصْلَ في العمَلِ الأفْعالُ؛ ولهذا يَعملُ الفِعلُ بلا شَرطٍ، والأسْماءُ الَّتي تَعمَلُ عمَلَ الفِعلِ لا بُدَّ لها مِن شُروطٍ - كما هو مَعروفٌ في عِلمِ النَّحوِ.
وإنَّما اخْتَرنا أنْ يَكونَ مُتأخِّرًا لفائِدتيْنِ:
الفائِدةُ الأولى: تيَمُّنًا بذِكْرِ اسمِ اللهِ.
والفائِدةُ الثَّانيةُ: إرادةُ الحصْرِ؛ لأنَّه إذا تأخَّرَ العامِلُ كانَ ذلك حَصْرًا، فإذا قُلتَ: زيدًا أكرِمْ، فالمعنى: لا تُكرِم غيرَه، لكنْ لو قلتَ: أكرِمْ زيدًا، لم يمتنع أنْ تُكرمَ غيرَه.
وقدَّرْناه مُناسِبًا؛ لأنه أَبْيَنُ للمَقصودِ، فلو قال قائل: "بسمِ اللهِ أبتدئُ"، قلنا: صحيح، لكنَّها لا تُبيِّنُ المرادَ كما تُبيِّنُه: "بسمِ اللهِ أقرأُ"؛ وذلك لأنَّ الِابتِداءَ يكونُ للقِراءةِ ولغيرِ القِراءةِ، فلهذا اختِيرَ أنْ يكونَ مناسبًا للمَقامِ.
والخُلاصَةُ: أنَّ مُتعلقَ الجارِّ والمَجْرورِ مَحذوفٌ، وهو فِعلٌ مُتأخّرٌ مُناسبٌ للمَقامِ.
فإنْ قال قائِل: هَلْ صَحِيح ما يَروي بعضُهم عنْ أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- قال: "إذا قرأتم: الحمدُ للهِ ربِّ العالمَين فاقرؤُوا: "بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ" فإنَّها إحدى آياتِها" (١)؟
فالجوابُ: هذا الحديثُ ليس بصحيحٍ، ويدُلُّ على ذلك:
أوَّلًا: حديثُ أبي هريرة ﵁ الثَّابتُ في الصَّحيحِ، أنَّ اللهَ تعالى قالَ: "قَسمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عبدي نِصفَينِ" -يعني الفاتِحةَ- "فإذا قالَ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمَين،
стр. 9
قالَ: حمِدني عبدي ... " إلى آخرِ الحديثِ (١)؛ فبَدأ بقولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ثانيًا: أنَّ الرَّسول ﷺ كانَ لا يَجهرُ بها في القِراءةِ الجهْريَّةِ على القولِ الرَّاجِحِ، ولو كانتْ منَ الفاتِحةِ لجَهَرَ بها، كما يَجهرُ ببقيةِ الآياتِ.
ثالِثًا: أنَّ بقيَّةَ سوَرِ القرآنِ ليستِ البسْملةُ منها، فنحتاجُ إلى دليلٍ قويٍّ يُبيِّنُ أنَّها منَ الفاتِحةِ.
رابِعًا: أنَّ قولَه تَعالى: "قَسمْتُ الصَّلاةَ بيني وبين عَبْدي نِصفيْن"، هي نِصفٌ في السِّياقِ ونِصفٌ في المعنى، ولا يتمُّ ذلك إذا جعلْنا البسْملةَ منها؛ فقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذِه للهِ، و ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ثلاثُ آياتٍ للهِ؛ و ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ للعبدِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ للعبدِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ للعبدِ؛ إذَن: ثَلاثٌ وثَلاثٌ.
وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ صارتْ بينهما كما جاء في الحَديثِ: "هَذا بيني وبين عبدي"، فصارتْ ثَلاثَ آياتٍ ونصفًا مِنْها للهِ، وثلاثَ آياتٍ ونصفًا للعبد، ولو قُلنا: إنَّ البَسْمَلةَ مِنْها، ما اسْتَقامَ هذا.
خامِسًا: أنك إذا جَعَلْت البَسْمَلة مِنَ الفاتِحةِ صارتِ الآيةُ الأخيرةُ طويلةً لا تتَناسَبُ مَع ما قبلها؛ لأنه ستكونُ الآياتُ الأخيرةُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ , وهذه لا تتَناسَبُ مَع قولِه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فهو خِلافُ البلاغةِ.
فصارَ عندنا خمسةُ أوجُهٍ كلُّها تدُلُّ على أنَّ البسْملةَ ليستْ منَ الفاتِحةِ.
стр. 10
الآية (١)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿حم﴾ [فصلت: ١].
* * *
قالَ المُفسِّر ﵀ (١): [اللهُ أعلمُ بمُرادِه به]، وهذا هوَ الأدبُ مَع كِتابِ اللهِ وسنَّةِ رسُولِه -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- أنَّ الَّذي لا تَعرِفُ معناهُ قلْ: اللهُ أعلمُ بمُرادِه به؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
ولكن قد يَقول قائِل: إنَّنا نعلَم أنه لا معنى لهذه الحُروف الِهجائيَّة الَّتي تُوجَد في كثير منَ السُّوَر؛ ونعلمُ ذلك بدَلالَةِ القرآنِ، فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] , واللِّسانُ العرَبيُّ لا يكونُ التَّعبيرُ بمثلِ هذهِ الحُروفِ لهُ معنًى في حدِّ ذاتِهِ لوْ قُلتَ: "أ، ب، ج، ح، خ"؛ فلَيسَت لها معنًى، فإذا لم يكنْ لها معنًى بمُقتضَى اللِّسانِ العَربيِّ، قُلْنا: إنَّ قولَه: ﴿حم﴾ و ﴿الم﴾ و ﴿الر﴾، وما أشبهَها، ليسَ لها معنًى في حدِّ ذاتِها.
ويَرِدُ على هذا: إذا لم يكُنْ لها معنًى صارتْ لَغوًا، وكلامُ اللهِ تعالى لا لَغوَ فيهِ! !
إنسانًا أورَدَ عليهِ كيفَ تَقولُ: إنَّه قُرآنٌ، والحالُ وصفٌ، والقرآنُ ليسَ وصفًا، فقالَ: بصِفتِه، وصفْتُه: ﴿عَرَبِيًّا﴾؛ يَعني: لو كانتْ في الآيةِ الكريمةِ قُرآنًا فقطْ، لمَا صحَّ أنْ تَكونَ حالًا؛ لأنَّ الحالَ لا بُدَّ أنْ تَكونَ مُشتقَّةً: اسمَ فاعلٍ، أوِ اسمَ مَفعولٍ، أو ما أشبهَ ذلكَ، وقرآنٌ غيرُ مشتقٍّ؛ فلهذا قالَ: إنَّها [حالٌ مِن "كتابٌ" بصِفتِه].
إذَن: [بصِفَته] عائِدٌ على "قرآنٍ"، كأنه قالَ: صحَّ أن يَكونَ حالًا لأنه مَوصوف.
فإذا قالَ قائِلٌ: كيفَ تجعَلونَهُ حالًا مِنْ كتابٍ وكتابٌ نكرةٌ وصاحبُ الحال لا بُدَّ أنْ يكونَ مَعرِفةً؟
قُلنا: إنَّ هذهِ النَّكرةَ خُصِّصَتْ في قولِه: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ , خُصِّصتْ بالصِّفةِ، والنَّكرَةُ إذا خُصِّصتْ صارتْ قريبةً منَ المَعرِفةِ؛ فلِذلك جازَ وقوعُ الحالِ منها.
فلدَينا الآنَ إشْكالانِ:
الإشْكالُ الأوَّلُ: كيفَ جاءتِ الحالُ مِن كِتابٍ وهوَ نكِرةٌ؟
وجَوابُه: أنَّ كِتابًا الَّذي هو النَّكِرةُ وُصِفَ بقولِه: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾، وإذا وُصِفتِ النَّكرة جازتِ الحالُ منها.
الإشْكالُ الثَّاني: الحالُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إذا أعرَبْنا قُرآنا حالًا، فكيفَ صحَّ أنْ يكونَ حالًا وليسَ بمُشْتقٍّ؟
فالجوابُ: أنه مَوصوفٌ مُشتقٌّ فلذلكَ جازتِ الحالُ منه.
وقولُه: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ معنَى كونِه عرَبيًّا: أوَّلًا: كلِمةُ "قُرآن" على وزنِ فُعْلانٍ،
стр. 19
كشُكرانٍ وغُفرانٍ وما أشبهَ ذلكَ. فهلْ هو بمعنى قارئٍ أو بمعنى مَقروءٍ؟ قِيلَ: إنَّه بمعنى مَقروءٍ، ومَقروءٌ هلْ هو منَ الجَمْع أو منَ التِّلاوَةِ؟ قِيلَ: إنَّه مِنْ قَرى يَقري بمعنى جمَع، ومنه اسمُ القريةِ؛ لأنَّها جامعةٌ للناسِ، وقِيل: مِن قرَأ بمعنى تَلا.
والصَّوابُ: أنه جائزٌ أنْ يَكونَ مِنْ هذا ومن هذا؛ لأنه ما دامَ اللَّفظُ صالحًا للمعنيِّينَ ولا مُنافاةَ بينَهما، فإنَّه يُحمَلُ عليهما جَميعًا؛ وهذا إذا قُلنا: إنَّ ﴿قُرْآنًا﴾ بمعنَى مَقرُوءٍ.
ويَجوزُ أنْ تكونَ بمعنى اسمِ الفاعِلِ "قارِئ"؛ فَقُرآنُ بمَعنى قارِئ؛ أي: جامِعٌ، جامِع للأحكام والتَّوْحيد وغير ذلك.
أمَّا "عرَبِيًّا" فهو نِسبة للعَرَب؛ لأنَّه جاءَ بلُغَتِهم.
وقولُه تعالى: [﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يَفهَمون ذلك، وهم العرَب]، يعنِي: أنَّ الله جعلَه قرآنا عرَبيًّا لقَوْم يعلَمونَه ويفهَمُونه، ولا حُجَّة لهم في مُعارَضَته والكُفرِ به، لأنَّهم يَعلَمُونه، كما قالَ تعالى في آية أُخْرى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]؛ أي: تَفهَمون معناه، حيثُ جاء بلِسان العَرَب.
فائِدة: ورَدت في القرآنِ آيات تَجرِي على سبيل المَثَل، مِثل: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] فهل صحيحٌ أنَّه وردَ النَّهي عن استِعمالها في غير مَكانها؟
الجَواب: للاستِشهاد بها لا بأسَ به؛ أمَّا أنْ تَجعَل القرآنَ بدلًا عن الكلامِ فهذا حرام.
وقد ذَكَر صاحبُ (جواهِرِ الأدَب) قِصَّة عَنوَنها بقولِه: "المُتكلِّمةُ بالقرآنِ
стр. 20
الكريمِ بدَلًا عن الكَلام" (١)، وجاءَ بقِصَّة امْرأةٍ تُخاطِب أولادَها بالقُرآن، إذا قالَت: تَغدُّوا، قالَت: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ ولو أمَرْتَهم يَشتَرون حاجَة منَ السُّوق قالَت: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] , وما أشْبه ذلك.
ثُمَّ قالَ في آخر القِصَّة: هذه امْرَأة لها كذا من السِّنين تَتكلَّم بالقرآن مخَافَة أنْ تَزِلَّ، فيغضَب عليها الرَّحمَن. والواقِع أنَّها زَلَّت تمَامًا، فقد جعَلَت تُنزِّل آيات القرآن الكريمِ على أغراضِها الخاصَّة، وهذا لا يَجوز.
أمَّا الاسْتِشهاد بالقُرآن مِثلَ أنْ تَرى رَجُلًا مَفْتُونًا بالدُّنيا، تَقُول: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] هَذا لا بأْس به، وقَد جاء في الحديثِ أنَّ الرَّسُول ﵊ لمَّا رَأى الحسنَ والحُسَينَ وهُما يَعثُران بثَوبٍ جديدٍ نَزَل وأخذَهُما وقالَ: صدَق اللهُ: " ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] " (٢).
مِن فَوائدِ الآيتَين الكَرِيمَتيْن:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ نُزول القرآنِ من عندِ اللهِ؛ لِقولِه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ إنزالَ القُرآنِ من آثارِ رحمةِ الله؛ حيثُ قالَ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
стр. 21
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ اسمَين من أسماءِ اللهِ، وهما: الرَّحمنُ الرَّحيمُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ ما دلَّ عليه هذانِ الاسْمان مِن صِفة الرَّحمةِ، وقد ذَكرْنا في التَّفْسير: أنَّ أهلَ التَّعطيلِ نفَوْا أن يَكونَ للهِ رَحمةٌ، وقُلنا: إنَّهم يُفسّرون الرَّحمةَ إمَّا بالإحْسانِ والثَّوابِ، وهو مُنفصِل، وإمَّا بإرادَة الإحْسانِ والثَّوابِ؛ لأنَّهم كانوا يُقرُّون بالإرادَة، وبيَّنَّا بُطلان هذا القَول، وأنَّ الصَّواب أنَّها -الرَّحمةُ- من صِفاتِ اللهِ ولكنَّها ليْست كرَحمةِ المَخلوقِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ القُرآنَ فُصِّلتْ آياتُه، والتَّفصيلُ: تَفصيلٌ لفظيّ ومَعنويّ؛ فالتَّفصيلُ اللَّفظيُّ بالفَواصِل بينَ الآياتِ، والمَعنويُّ بالتَّفصيل في المَعنى، فإذا ذَكَرَ الله تَعالى أمْرًا ذَكَر نهْيًا، وإذا ذَكَرَ ثَوابًا ذكرَ عِقابًا، وإذا ذَكَرَ أهلَ الخير ذَكَرَ أهلَ الشَّرِّ، وهكذا "مَثانى".
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ القرآنَ كلُّ آيةٍ منه تُعتَبر آية على صِدق الرَّسول ﵊ لِقولِه تَعالى: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾، وآياته جَمعٌ يعُمُّ كلَّ فردٍ على حِدتِه وَيعمُّ المَجموعَ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ القُرآنَ نَزلَ باللُّغةِ العرَبيَّةِ، ففيه مَنقَبةٌ للعرَبِ؛ لأنَّ هذا القُرآنَ نَزلَ بلغَتِهم، وفيهِ إحياءٌ للُّغةِ العرَبيَّةِ؛ لأنَّ هذا القُرآنَ سيبقى إلى أنْ يأذَنَ الله بخَرابِ العالَمِ. ومنَ المَعلومِ أنه إذا بقِي باللِّسانِ العَربيِّ فسوف تَحيَا اللُّغةُ العَربيَّة وتَبقى، وهذا من آثارِ القُرآنِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنه لا يَفقَه هذا القُرآنَ -ولَو كان باللُّغةِ العرَبيَّةِ- إلَّا ذَوُو العِلمِ؛ لِقولِه: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أمَّا مَن ليْسَ مِن أهلِ العِلمِ فإنَّه لا يَستَفيدُ مِن هذا الكِتابِ شيئًا؛ لأنَّه أمِّىٌّ.
стр. 22
والَّذي يَقرأُ القُرآنَ بلا فَهم للمَعنى فهو أمِّيٌّ وإنْ تلاهُ؛ لِقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] , فالَّذي لا يَعلمُ القُرآنَ إلَّا قراءَةً فقطْ؛ فهوَ كالَّذي لا يَقرأُ القُرآنَ ولا فرقَ.
стр. 23
الآية (٤)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤].
* * *
قوله ﵀: [﴿بَشِيرًا﴾ صِفة "قرآنا"]، يعني: جعَلْناه قرآنا عرَبيًّا؛ بَشِيرًا لمِن آمَن به، كما قالَ تعالى: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] , ونذِيرًا لمَن كَفر به، وإن شِئْتَ فقُل: إنَّه نذِير لجَميع العالمَين، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
المُهِمُّ: أنَّ البِشارة خاصَّة والإنْذَار عامٌّ، ورُبَّما يَكون خاصًّا كما قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] يعني: الَّذين كَفروا به، فصارَت (البَشيرُ) خاصَّة بمَن آمنَ، و (النَّذيرُ) تَكونُ عامَّة، وتَكونُ خاصَّة.
والبَشيرُ هو المُخبِرُ بِما يسُرُّ، وسُمِّي خَبَرُه بِشارَة؛ لأنَّ أثَرَه يَظْهر على بَشرَة الإنْسان؛ ولهذا تَبْرُق أسارِيرُ وجْهِه منَ الفرَحِ.
وقوْلُه: ﴿وَنَذِيرًا﴾ الإنْذار: هو الإعْلام المَقْرون بالتَّخوِيف.
وقولُه: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ الفاءُ عاطِفَة، و"أعرَضَ" مَعْطوفة على "فُصِّلت" يَعنِي: كتابٌ فُصِّلت آياتُه، ومعَ ذلِك أعرَضَ أكثرُهم، ويَحتَمل أن تَكون الفاء للاستِئناف؛ يَعنِي: أنَّها جُملة مُستأنفة لا تُعطَف على ما قبْلَها: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أكثَرُ الَّذين بَلَغَهم.
стр. 24
وقولُه ﵀: [﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ قَبُولٍ]، وهذا نَتيجةُ الإعْراضِ: أنَّهم صارُوا لا يَسْمَعون، ونَفْي السَّماعِ عنْهم؛ لانتِفاءِ فائِدتِه، وهي الاتِّعاظُ والقَبولُ.
واعْلَم أنَّ السَّمعَ يُنفَى تارَةً لِعدَم أصْلِه، وتارَة لعدَمِ ثمرَتِه؛ فقولُه تَعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ هذا نَفيٌ لأصلٍ، فالميْتُ لا يَسمَعُ، وقولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] لانتِفاءِ ثمَرتِه، لأنَّ السَّمعَ الَّذي لا ثمرَة له كالمَعدُومِ.
مِن فَوائِد الآيَةِ الكرِيمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ القُرآنَ فيه البِشارَةُ والنّذارَةُ؛ لكنْ هلْ هذا مُوزَّع، أم يُمكِنُ أنْ يَكونَ بَشيرًا ونَذيرًا في آنٍ واحدٍ؟
الجَوابُ: يُمكِن هذا وهذا، أمَّا عنِ الأوَّل - ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ - فنجِدُ مِن آياتِه ما هو بِشارةٌ للمُؤمِنين، ونجِدُ مِن آياتِه ما هو إنْذارٌ. وأمَّا على الثَّاني -أنَّ الآيةَ الواحِدةَ قد ينتَفِعُ بها أقوامٌ ويتضرَّرُ بها آخرون- قال تَعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
ولا تَستَغربْ أنْ يكونَ الشَّيءُ الواحِدُ ضارًّا بوجهٍ ونافعًا من وجْهٍ آخرَ، فالقُرآنُ نافعٌ للمُؤمنين ضارٌّ لغيرِ المؤمِنين، ولا تستَغرِبْ هذا.
وأضرِب لَك مثلًا حِسّيًّا بالتَّمرِ؛ حُلوُ المذاقِ: فاكِهةٌ، وغِذاءٌ، وقوتٌ يأكلُه واحدٌ فيتضرَّر به، ويأكله آخرُ فينْمو به، مَع أنه شيءٌ واحدٌ! .. هكذا القُرآنُ.
стр. 25
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه مَع وصْفِ القُرآنِ بهذا الوصْفِ الجلِيلِ بتفصِيلِ الآياتِ، وأنه بلسانٍ عربيٍّ، وأنَّه بشيرٌ ونذِيرٌ، لم يَسلَمْ مِنَ المُعارَضةِ والإعْراضِ؛ لِقولِه: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جَوازُ نفيِ السَّمعِ لمَن لا ينتَفِعُ به؛ لِقولِه: ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ , وكذَلِك يُقالُ في بَقِيَّة الحواسِّ، لمَن لمْ ينتَفِعْ بها، نقول: إنَّ وجودَها كالعدَم؛ فمَن لمْ ينتفِع بما رَأى نَقول: هذا لا يُبصرُ ولو كان لهُ عيْنانِ.