Полный текст (338 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
شأنٍ خاصٍّ، وهُنا قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، أُمِرَ أن يُبلِّغَ ويُعلِنَ بأنَّه بشَرٌ مِثلُنا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ على مَن قال: إنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- خُلِقَ مِن نُور لِقولِه: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وأنه لا ظِلَّ له: يَمشى في الشَّمسِ؛ فلا يَكونُ لَه ظلٌّ.
وجْهُ ذلِك: تحقِيقُ البَشَريَّةِ بالمُماثَلَةِ؛ قال تَعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فأيُّ أحادِيثَ تَأتي بمثْلِ هَذه الأمُور الَّتي تُوجِب أنْ يَخْرُجَ النبيُّ ﷺ عَن نِطاق البَشَريَّة، فإنَّها مَوضُوعَةٌ مَكذُوبَةٌ؛ لأنَّه بشرٌ مِثْلُنا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ يلْحَقُه الحَرُّ والبرْدُ والجُوعُ والعَطَشُ والخَوْفُ والأمْنُ، وغيرُ ذلِك منْ مُقتَضَيات البشَريَّة؛ لِعُموم قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ , وتَحقِيقُ البَشَريَّة بالمِثْلِيَّةِ حتَّى لا يَقولَ قائِلٌ: إنَّ هذا مَجازٌ، فأكَّد هذِه البشَريَّةَ بالمِثليَّةِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- لا يعلمُ الغَيْبَ إلَّا ما أُوحِي إليه؛ لأننا نحن لا نَعلَم الغَيبَ وهُو بشَرٌ مِثلُنا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- لا يَملِك لنَفسه نَفعًا ولا ضَرًّا ولا لِغَيْرِه.
وجْهُ ذلِك: أنَّه مِثلُنا، وإذا كُنَّا نحن لا نَمْلِك لأنفُسِنا نفْعًا ولا ضَرًّا ولا لِغَيرنا، فكذَلِك النَّبيُّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ-.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ موْتَ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- مَوتٌ حقيقيٌّ، وأنه بمَوْتِه انقَطَعَ عملُه إلَّا ما يأتِيه مِن ثواب أجُورِ أمَّتِه؛ لِقولِه: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ , والمُماثَلةُ تَقتَضي المُساواةَ مِن كلِّ وجْهٍ إلَّا ما خصَّه الدَّليلُ، وبِه ينْقَطِعُ أمَلُ
стр. 37
كلِّ مَن طلَبَ منَ الرَّسولِ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- أنْ يَشفَعَ له، فيقِفُ عِندَ قبرِه ويقُولُ: يا رسُول الله، اشْفَعْ لِي! ! فإنَّ هذا لا يجوزُ، لأنَّه اعْتِداءٌ في الدُّعاءِ، حيثُ يَطلُبُ الإنْسانُ ما ليْسَ له، ولا يُمكِنُ للرَّسُولِ أنْ يَفعَلَه -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- لأنَّه ماتَ، وإذا ماتَ ابنُ آدَم انقَطَعَ عمَلُه، لا بالدُّعاءِ وَلا غيْرِه.
فإنْ قالَ قائِلٌ: بَعضُ النَّاس يَذهَبون إلَى قبْرِ النَّبي ﷺ ويدْعُون اللهَ هُناك وَيَستَدِلُّون بِقول اللهِ تَعالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ , وَيَقولُونَ: إنَّ هذِه الآيةَ لا تدلُّ على الخُصُوصيةِ، وما ذَنبُ مَن يَأتون مِن بَعْده أنَّه لا يَستَغفِرُ لهُم النَّبيُّ ﷺ ؟
فالجَوابُ: هذا داخِلٌ في قولِه تَعالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] إنَّ الَّذي قال له: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٦٤] , يتَحدَّث عَن قومٍ معيَّنِين، بِدلِيلِ قولِه: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾، و"إذ" لِما مَضَى، وقولُه: ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ يعني استَغْفَرتَ لهم، لكنْهُنا أظْهَرَ في مَقام الإضْمارِ؛ تَعظِيمًا لشَأنِ الرَّسولِ ﵊ وبيانًا لأَنَّه أقرَبُ مِنهم إجابَةً، ثمَّ قال: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٤ - ٦٥] إلى آخرِه؛ ولم يقلْ:
ولو أنَّهم إذا ظَلَموا أنفُسَهم، فإنَّه لو قال: إذا ظَلَموا قُلْنا: هَذه لَهم ولغَيرهم، ولكِن قال: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾.
ثمَّ إنَّ استِغفارَ الرَّسُولِ ﵊ بَعْد مَوْتِه مُستَحيلٌ؛ لأنَّ الِاسْتغفارَ عَمَلٌ، والعَمَلُ قدِ انقَطَعَ بموْتِه.
ثمَّ إنَّ هؤُلاء ليْسُوا أفقَهَ في كِتابِ اللهِ، وليْسُوا أعلَمَ بِحالِ رسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ
стр. 38
الصَّحابةِ ﵃ فهل أحدٌ مِنهُم جاءَ إلَى قبْرِ الرَّسُولِ، قال: يا رَسُول الله استَغْفِر لي؟ .. أبدًا! بلْ إنَّهم لمَّا أُصِيبُوا بالجدْب لم يَقولوا: يا رسُول الله، هلَكَتِ الأْمْوالُ وانقَطَعتِ السَّبلُ، فادْعُوا اللهَ يُغيثُنا، مَع أنَّهم إلى جَنْبه، بل هُم استَغاثُوا، ودعَوُا الله، وطلَبَ عمَرُ منَ العبَّاسِ، أنْ يدعُوَ اللهَ (١).
ولكِنْ لا بدَّ لكلِّ ذي باطِلٍ أنْ يجِدَ شُبهةً في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهَذا مِن حِكمةِ الله وابتلائه وامتِحانِه، ولكِن كما قال شَيْخُ الإسْلامِ ﵀ في كِتابِه (دَرْء تَعارضِ العَقْلِ والنَّقْلِ) وِفي (فتاواه) أيضًا؛ يقولُ: "كلُّ إنْسانٍ يَستدِلُّ بدَليلٍ صَحيحٍ مِنْ كِتابٍ أو سُنَّةٍ على باطِلٍ، فإنَّ هذا الدَّليلَ دَليلٌ على إبْطالِ باطِلِه لا على إثْباتِ باطِلِه"؛ والدَّليلُ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدْ يَنْسى؛ لأنَّ هذا مُقتَضى البَشَريَّةِ، وكما حقَّقَ ذلِك في قولِه: "إنَّما أنا بشرٌ مِثْلُكم أنْسى كما تَنسَوْن" (٢) إثْباتِ باطِلِه.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ النَّبيَّ - صلى اللهُ علَيْه وعلَى آلِه وسلَّم- يجتَهِدُ، ورُبَّما يُخطِئ في اجتِهاده؛ لأنَّ هذا مُقتَضى البَشرِية، وكما هُو الواقِعُ في مِثلِ قوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] , وفي قولِه تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ стр. 39
يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١ - ١٠].
ولكنه ﷺ يَمتازُ عن غيره: في أنه لا يُقَرُّ على خطأٍ -ولو بالاجتِهادِ- بخلافِ غيرِه، فقدْ لا يُذكَّرُ ولا يَذْكُرُ إذا نَسِي، وقد لا يُعَلَّمُ ولا يَعْلَمُ إذا جهِلَ، يعني: خطؤُنا نحنُ قد نَستمرُّ عليه دون أن نُنبَّه له أو أن نَنْتَبِه، لكنَّ الرَّسولَ ﷺ لا يُمكنُ أنْ يُقَرَّ على خطأ، ولا يمكنُ أن يُقَرَّ على نِسيانِ ما يجبُ، بل لا بدَّ أن يَتنبَّه أو يُنبَّه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثْباتُ رِسالَةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- تُؤخَذُ مِن قولِه: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾؛ لأنَّ الوَحْيَ لا يَكون إلَّا لنَبىٍّ.
فإنْ قالَ قائلٌ: كَيفَ تَقُولون: إنَّ الوَحيَ لا يَكون إلَّا لِنبيٍّ، وقدْ أوحَى الله تَعالَى إلَى غيرِ الإنْسانِ فَقال الله تَعالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ وقال تَعالَى في غيْرِ الأنْبِياءِ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧]؟
قُلنا: هَذا الإشْكالُ لا يَرِدُ إلَّا على مَنْ لا يُفرِّقَ بينَ مَعاني الوَحيِ، فأمَّا مَن فرَّقَ بينَها، وقالَ: إنَّ الوحْي إمَّا أنْ يَكونَ بشَرْعٍ، وإمَّا أنْ يَكونَ بغيْرِه، فإنْ كان بشَرْعٍ فهَذا لا يكُونُ إلَّا للرُّسُلِ أوِ الأنبِياءِ، وإنْ كانَ بغَيْرِ الشَّرِع فإنَّه يكُونُ مِن بابِ الإلْهامِ، فيَكونُ قوله تَعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] أي: ألْهمَها أنْ تتَّخِذَ مِنَ الجِبالِ بُيوتًا .. إلَى آخِرِه، وكذَلِك قوله تَعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ يَعنِي: وحْي إلْهامٍ، وبذلِك يَزولُ الإشْكالُ.
مسْألة: في تَعريفِ النَّبيِّ أنَّه مَنْ أُوْحي إليْه ولَم يُؤمَرْ بالتَّبْليغِ، فَإذا قال قائِلٌ: كَيف ونَحنُ -أُمَّةَ النَّبيِّ ﷺ لمْ يُبلَّغ إلَيْهم، ومَع ذلِكَ أُمِروا بالتَّبْليغِ؟
стр. 40
الجَوابُ: هذِه مسْألة تنْبَني على اختلافِ العلماءِ، في مَن هو "النَّبيُّ" ومَن هو "الرَّسول"، فجُمهورُ العُلَماءِ على أنَّ الرَّسولَ هُو مَن أُوحي إلَيه بالشَّرعِ وأُرسِلَ به، وأُمِرَ أنْ يُبلِّغَه؛ وأمَّا النَّبيُّ فهُو مَنْ نُبِّئَ أي: أُخبِرَ، والإخْبارُ لا يلْزَمُ مِنه التَّكلِيفُ بالإبْلاغِ؛ فهُو مَن أُوحِيَ إلَيْه بشَرْعِ ولَم يُؤمَرْ بتَبلِيغِه، بلْ أُمِرَ أنْ يفْعَلَه بنَفْسِه، فيَكونُ هذا الإنْباءُ تجديدًا للرِّسالَةِ السَّابقةِ، أو إنْشاءً لِشرِيعة لَم تكن قائِمةً.
وهَذا هو الَّذي قالَه الجُمهورُ وهو الصَّحيحُ؛ لأننا لو قُلنا: إنَّ النَّبيَّ هو من جدَّدَ شريعةً سابِقةً وأمَرَ أنْ يُبلِّغَ النَّاسَ وأنْ يُوقِظَهم. لو قُلنا: النَّبيُّ هو هَذا لَأَشْكلَ علينا نُبوَّةُ آدَمَ ﵇، فإنَّ آدمَ نبيٌّ مُكلَّمٌ، ومع ذلِك لم يَسبِقْه رسُولٌ.
فإنْ قال قائلٌ: ما الفائدَةُ إذنْ؟
قُلنا: الفائدةُ؛ أوَّلًا: مَصلَحةُ هَذا النَّبيِّ هو بنفْسِه فإنَّه أوحِيَ إلَيه بشَرْعٍ.
ثانيًا: أنه إنْ كانَ في شَريعةٍ سابقةٍ، فهُو عِبارةٌ عَن تَجديدِ تِلكَ الشَّريعةِ، وإنْ كان في غيرِ شريعةٍ سابقةٍ كآدمَ، فإنَّ النَّاسَ في عهدِه بدائيُّون لم يكثروا ولم يختلفوا ولم تُفتَحْ عليهِم الدُّنيا، فكانوا يَنظُرون إلى ما يَفعَلُه أبوهم فيَفعَلونه، دُون الحاجَةِ إلى أنْ يُرسَلَ إلَيهم؛ ولهَذا قالَ الله تَعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] يَعني فاختَلَفوا؛ ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
فيَتَرجَّحُ عندي قولُ جمهُورِ العلَماءِ: أنَّ "النَّبيَّ" هو مَن أُوحِي إليه بالشَّرعِ، ولم يُؤمَرْ بتبْلِيغِه؛ وأمَّا نحْن فلمَّا لم يَكُنْ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ نبيٌّ صِرْنا مأمُورين بإبْلاغِ رِسالتِه، فنَحن -في الحقِيقةِ- رُسلُ رسُولِ الله؛ ولهِذا جاءَ في الحَديثِ: "أنَّ العُلماء
стр. 41
ورَثَة الأنبِياء" (١).
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أهميَّةُ التَّوحيدِ؛ حيثُ حُصرَ الوَحيُ بالتَّوْحيدِ؛ قالَ تَعالى: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ مَع أنَّه يُوحَى إلَيهِ أشْياءُ أُخرَى كالصَّلاةِ والزَّكاةِ وغَيرِ ذَلِك، لكِن لمَّا كانَ أهمُّ ما جاء به ﷺ التَّوحيدُ حُصِرَ الوحْيُ بِه؛ فقالَ: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨].
وإنِّي أقُول: مَتى حقَّق الإنْسانُ التَّوحيد فلا بُدَّ أنْ يقومَ بشَرائع الإسلامِ؛ لأنَّه إذا وحَّدَ الله بالقَصْدِ وجَعلَه هو حَياتَه، فلا بُدَّ أنْ يتَّجِه إلَيه، بالطَّرِيقِ الَّذي شرَعَه مُوصِلًا إلَيه؛ ولهذا نَقول: إنَّ حَدِيثَ عَتْبانَ ﵁: "إنَّ الله حرَّم على النَّارِ مَنْ قال لا إلَه إلَّا اللهُ يَبْتَغي بذَلِك وجْهَ اللهِ" (٢)، هُو على ظاهِرِه، فمَنْ قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ يَبْتغي بذلِك وجْهَ الله، فإنَّه محرَّمٌ على النَّارِ، ومُقتَضَى تَحْرِيمِه على النَّار ألَّا يَعْملَ كَبيرَةً تُوجِبُ دُخُولَه النَّارَ، أو تَقتَضي دُخَولَه النَّارَ.
فكلُّ مَن قال: لا إلَه إلَّا الله يَبْتغي وجْهَ اللهِ، فلَن يَعملَ ما يُغضِبُ اللهَ؛ إذْ كيف تُريدُ وَجْهَه ثمَّ تَعمَلُ ما يُغضِبُه؟ ! فإنَّ عملَ ما يُغضِبُه يصُدُّك عنِ الوُصُولِ إلَى وجْهِه، وإذا كانَ يَصدُّك وأنتَ تبتَغِي وجْهَه فلا بُدَّ أنْ تَعدِلَ عنه، إمَّا بالكفافِ مُطْلقًا وإمَّا بالتَّوبةِ مِنْه إنْ وقَعت فِيه. وليُنتبَهَ لهذِه النُّقطةِ؛ لأنَّ بعضَ النَّاسِ يَقولُ لَنا: أنتُم стр. 42
تُكفِّرون تاركَ الصَّلاةِ، وقد قالَ النبيُّ ﷺ : "إنَّ الله قَد حرَّمَ على النار مَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللهِ يَبْتَغي بِذلِك وجْهَ اللهِ" (١) ولَم يَذكُرِ الصَّلاةَ، قُلنا له: بلْ ذَكَرَ الصَّلاةَ وذَكَرَ ما دُون الصَّلاةِ أيضًا في قَولِه: "يَبتَغي بذلِك وجْهَ اللهِ".
ونَحْن نَقُولُ: لا يُمكِنُ بأيِّ حالٍ منَ الأحْوالِ أنْ يكُونَ رجُلٌ يَقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللهَ يَبْتَغي بذَلك وجْهَ الله، أنْ يُحافِظَ على تَرْكِ الصَّلاةِ أبدًا، وإنَّ مَن حاوَلَ أنْ يَجمَعَ بيْن ذلِك وبيْن ترْكِ الصَّلاةِ، فقَد حاوَلَ أنْ يجْمَع بيْن الماءِ والنَّارِ، وهَذا أمرٌ ظاهرٌ.
وسأَضرِبُ مَثلًا -ولله المَثَلُ الأعْلَى-: لو كُنتَ تُريد أنْ تَصِلَ إلَى شخْصٍ منَ النَّاسِ، وتَسْعى بكلِّ وَسِيلةٍ أنْ تَصِلَ إلَيه، هلْ تَفْعلْ ما يحولُ بينَك وبيْن الوُصُولِ إلَيه مِنْ مَعصِيَتِه؟ أبدًا! بلْ تَنْظرُ ماذا يُحبُّ فتفْعَلُه مِن أجْلِ أنْ تصِلَ إلَيْه، ومن أجلِ أنْ يكُونَ مُستقبِلًا لك بالتَّرْحيبِ.
أمَّا أنْ تَقولَ: واللهِ أنا أُحِبُّ فُلانًا وأُحِبُّ أنْ أصِلَ إلَيْه، وفُلانٌ يَقولُ: لا تَمْشِ مَع هذا الطَّرِيقِ، وإذا أرَدْتَ أنْ تأتِي إليَّ فائتِني مَع الطَّريقِ الأيمَنِ؛ فقُلتَ: والله أنا أحِبُّ فُلانًا، وأحِبُّ أنْ أصِل إلَيْه، ولكِن مَع الطَّريقِ الأيسَرِ، فتَمْشي فيه وأنْت تقُولُ: واللهِ أنا أُحِبُّ هذا وأعَظِّمُه، وهُو أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسي. فهَذا كذِبٌ لا شكَّ.
إذَنْ: كلُّ مَن قال: لا إلَه إلَّا الله يَبْتَغي بذلِك وجْه الله، فإنَّه سوْف يَتَحاشى المَعاصِي ولَو صَغِيرة؛ ولهذا جاء حصْرُ الوَحْيِ في هذِه الآيةِ بالتَّوحِيدِ: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وَهُو الله . стр. 43
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وُجُوبُ الإخْلاصِ للهِ والِاسْتِقامَةِ على دِينه؛ لِقَولِه: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾؛ فـ"استَقِيموا" هَذا الْعَمَلُ، و"إلَيْه" هَذا الإخْلاصُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: تَهديدُ المُشرِكين؛ لِقولِه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ , وهَذا النَّوعُ مِنَ التَّهديدِ يَكونُ فيما هُو شِركٌ، وَيكون فيما هُو دُون ذلِك؛ فقَد قال الله تَعالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٢] وَهَؤلاء لَيسُوا بمُشرِكين، يعْني أنَّ عمَلَهم هَذا لا يُوصلُ إلَى الشِّرك، وقال النبيُّ ﷺ : "وْيلٌ لمِن حدَّث فكذَبَ ليُضحِكَ به القَوم، ويلٌ له! ثمَّ ويلٌ له! " (١)، وهَذا أيضًا ليسَ منَ الشِّركِ.
وعَلى هَذا فَلا يُقالُ: إنَّ كلَّ وعِيد كان بهَذه الكَلِمةِ يُفيدُ أنَّ الفِعلَ شِرك، بَل قَد يَكونُ شِركًا أو ما دُونَه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ التَّوحيدَ تَزْكِيةٌ للنَّفْسِ؛ لِقَولِه: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، ولا شكَّ أنَّ التَّوحيدَ تَزْكِيةٌ للنَّفْسِ؛ لأنك تَقْطعُ العَلائقَ مَع غَيْرِ اللهِ إلَّا فيما يُحبُّ اللهُ.
فالمُوَحِّدُ حقِيقةُ قلْبِه دائمًا مَع اللهِ دائمًا يَتَقلَّبُ في قضائِه الكَونىِّ راضِيًا به كَما يتَقلَّبُ في قضائِه الشَّرعيِّ راضيًا به؛ ولهذا تَجِدُه إذا أصابَته سرَّاءُ شكَرَ ولم يَبْطَرْ، وإذا أصابَتْه ضرَّاءُ صبَرَ ولم يتسَخَّطْ؛ فهو دائمًا مَع اللهِ، يَقولُ لنَفْسِه: أنا عبْدُ اللهِ يَفْعلُ بي ما شاء، أنا عبْدُ اللهِ إنْ أصابَني بالسَّرَّاءِ شكَرْتُ فكان خيْرًا لِي، وإنْ أصابَني بالضَّرَّاءِ صبَرْتُ فكان خيرًا لي، أنا عبْدُ اللهِ لا يُمكِنُ أنْ أُعارِض قضاءَ اللهِ، يَقضي стр. 44
عليَّ اليومَ بالسُّرورِ فأُسَرُّ، وغَدًا بالسُّوءِ فأَسْتاءُ؛ فيَمْشِي مَع اللهِ مَع قضائه وقَدَرِه، وهَذا هو الَّذي يجِدُ الرَّاحةَ تمامًا.
ولهذا مِن ثمَراتِ الإيمانِ بالقدَرِ: أنَّ الإنْسانَ يَكونُ دائمًا مُطمَئنًّا لَيس به قَلَقٌ ولا حُزْنٌ، وإنْ كان ربَّما في الصَّدمةِ الأولى يجِدُ الإنسانُ الحُزْنَ، لكِن بالتَّصْبِيرِ -تَصْبِير نفسِه- ومُشاهَدةِ القَدَرِ يُسَهِّلُ علَيه الأمْرَ، وإلَّا فمِن المَعلُومِ أنَّ الإنسانَ ليسَ حدِيدًا ولا حِجارةً فَلا يَتَأثَّرُ! لكِنَّه عِندما يُصَبِّرُ نفْسَه ويَحمِلُها يَصبِرُ فيَطمِئنُّ.
فالمهمُّ: أنَّ التَّوحيدَ كلَّه خيرٌ, وكلَّه زَكاةٌ؛ تَزكِية للنَّفسِ وتَطْهيرًا لها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ المُشرِكين لا يُؤمِنون بالآخِرةِ؛ ولهذا إذا قِيلَ له: وحِّدِ اللهَ تنْجُ مِن عَذابِه، قال: ليسَ هُناك عَذابٌ؛ فيَكفُرون بالآخِرَةِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الإيْمانَ بالآخِرَةِ يدْعُو إلَى التَّوحِيدِ وتحقِيقِه، وهذا حقٌّ وواقِعٌ، فكلُّ إنسانٍ يُؤمِنُ بأنه سَوف يُحشَرُ يومَ القِيامةِ في أرضٍ قاعٍ صفصفٍ، لا يرى فيها عِوجًا ولا أمْتًا، وأنه سيُجازَى على عمَلِه، وكلُّ إنسان عاقِل سَوف يستَعدُّ لهذا اليَومِ؛ ولِذلك يَنْبغي لَنا مَع كَون قُلوبِنا مَع الله أنْ نتَذكَّرَ السَّاعةَ وقِيامَ النَّاسِ، ولَيس بيْن الإنْسانِ وبين هذِه الحالِ وقْتٌ محُدَّدٌ مَعلُومٌ أبدًا. ولا يَصِلَ إلى هذا إذا مات ومَتى يَمُوتُ ولا يعْلَمُ؛ فقدْ يَخْرجُ الإنسانُ مِن بَيْتِه ولا يَرجِعُ إلَيه، قدْ ينامُ على فِراشِه ويُحمَلُ مَيتًا، قدْ يَركَبُ سيَّارَتَه ولا يَنزِلُ مِنها.
فإذن تَذكَّرْ -يا أخِي- عِنْدما تَستَولي على قلْبِك الغَفْلةُ هذا اليَوْمَ الَّذي تُحشَرُ فيه أنت وسائِرَ الخلْقِ حافيًا عاريًا أغْرَلَ، لَيس عِندَك مالٌ ولا بَنون وَلا أحدٌ يَحمِيك، تَذكَّرْ هَذا! فَإذا تَذَكَّرتَه فَسَوف تَعمَلُ لهذا اليَومِ، وإنَّ إخْوانَك وأوْلادَك وآباءك
стр. 45
الَّذِين فقَدتَهم في الحياةِ ستَجتَمعُ بهم في هذا اليَومِ، ولَيس هُناك اجْتِماعٌ إلَّا في هذا اليَومِ.
إذن: استعِدَّ لهِذا اليَومِ، فاعْمل صالحًا ولا يفُتكَ الرَّكبُ، وكُن في مُقَدِّمَتِه، واجْعَلِ الدُّنيا وراءَ ظَهْرِك، اجْعَلها تابِعةً لك ولا تَجْعلْ نَفسك تابعًا لَها حتَّى تنْجُوَ، فكُلُّ إنْسانٍ يُؤمِنُ بالآخِرةِ فإنَّه إذا تَذَكَّرها سَوف يَعْمَلُ لها، لِقولِ اللهِ تَعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] , أسْأل اللهَ تَعالى أنْ يَجْعلَني وإيَّاكُم مِنَ المُتَّقِين الَّذِين يُؤمِنون بالآخِرةِ وَيعْمَلون لها.
стр. 46
الآية (٨)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨].
* * *
لَمَّا ذَكَرَ عُقُوبَة المُشْرِكين بَيَّن ثَوابَ المُؤمِنين؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أنْزَل هَذا الكِتابَ مَثانيَ، وإنَّما كان الأمْرُ كذَلِك؛ لِيَكونَ الإنْسانُ سائِرًا إلَى ربِّه بين الخوفِ والرَّجاءِ، فإنَّه إذا سمِعَ عُقوبَةَ المُكذِّبين خاف، وإذا سمِعَ ثوابَ المُؤمنين رجَعَ، وهكذا يَنْبَغي للإنْسانِ أنْ يَكونَ سائِرًا إلَى الله بيْن الخَوفِ والرَّجاءِ، كما قال تَعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ولكِن في بعضِ الأحيانِ، قد يَكونُ مِن المَصلَحةِ تغْليبُ الرَّجاءِ، أو مِن المصلَحةِ تغلِيبُ الخوْفِ، فإذا اشتَدَّتْ رَغْبةُ الإنْسانِ في المَعْصيةِ فلْيُغلِّبْ جانِبَ الخوفِ حتَّى يرتَدِعَ عنها، وإذا فعَل الإنسانُ عِبادةً فلْيغلِّبْ جانِبَ الرَّجاءِ، وهو قَبُولُ اللهِ ﵎ إياها، وكذَلِك أيضًا يَنْبَغي له في حالِ المَرَضِ أنْ يَرجِعَ إلى اللهِ وأنْ يُحسِنَ الظَّنَّ به، كما جاء في الحَديثِ: "لا يمُوتنَّ أحدُكم إلَّا وهُو يُحسِنُ الظَّنَّ بربِّه ﵎" (١). стр. 47
قولُه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ جَمَعَ اللهُ تَعالى بيْن العَقِيدةِ والعَمَلِ، بيْن الإيمانِ والإسْلامِ، فـ ﴿آمَنُوا﴾: العَقيدَةُ، و"عمِلوا الصَّالحاتِ": الإسْلامُ. وهَذا يقَعُ في القُرآنِ كثِيرًا؛ فالإيمانُ وحدَه لا يَكفِي، بل لا بُدَّ مِن عمَلٍ صالِحٍ حتَّى يَحصُلَ الثَّوابُ، وكلَّما جاءَت "آمَنُوا" فالمُرادُ: آمَنُوا بما يَجِبُ الإيمانُ به منَ الأصُولِ السِّتَّةِ الَّتي بيَّنها الرَّسولُ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- لجِبريلَ ﵇ حِينَ قال: "الإيمانُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ وبمَلاِئكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ وتُؤمِنَ بالقَدَرِ خيرِه وشرِّه" (١)؛ وذلك لأنَّ الإيمانَ المُجمَلَ في القُرآن يُفسِّرُه تَفْصيلُ السُّنَّة؛ لأنَّه لا أحدَ أعْلمُ بكِتابِ الله مِن رسُولِ اللهِ ﷺ .
أمَّا قوْلُه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فمَعلومٌ أنَّ "الصَّالحاتِ" وَصْفٌ لمَوصُوفٍ مَحذُوف، والتَّقدير: الأعْمال الصَّالحات؛ فما هي الأعْمالُ الصَّالحاتُ؟
الجَوابُ: الأعْمالُ الصَّالحاتُ هي ما جَمعَتْ شرطَين:
الأوَّلُ: الإخْلاصُ لله .
والثَّاني: المُتابعةُ لرسُولِ اللهِ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ-.
فكُلُّ عمَل فيه شِرْكٌ، فإنَّه ليْس بصالحٍ، وهُو مردُودٌ على صاحبِه؛ لقَولِ الله تَعالى في الحديثِ القُدسيِّ: "أنا أغنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّركِ، مَن عمِلَ عمَلًا أشرَك فيه معِي غيرِي ترَكتُه وشِركَه" (٢).
وكذَلِك أيضًا فلا بُدَّ مِن اتِّباعِ الرَّسولِ، فالعَملُ البِدعيُّ غيرُ مقبُولٍ وإنْ стр. 48
أخلَصَ الإنسانُ فِيه؛ لِقوْلِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "مَن عمِلَ عمَلًا ليْس علَيه أمرُنا فهُو ردٌّ" (١).
إذنْ: الأعمالُ الصَّالحاتُ لا بُدَّ أنْ تتَضمَّن شيئين، وهُما: الإخْلاصُ للهِ، والمُتابَعةُ لرَسولِ الله -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ -.
وقولُه تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ هذِه الجُملَةُ خبَرُ إنَّ؛ وقدْ نقولُ: إنَّ تقدِيمَ الجارِّ يدُلُّ على الحَصْرِ؛ أيْ: لهُم لا لِغيرهم مِن المُكذِّبين أو الفاسقين أجْرٌ؛ أي: ثوابٌ. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [غيرَ مَقطُوعٍ] بلْ هُو دائِمٌ كَما قال تَعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] وقِيلَ: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مَمنُونٍ بِه؛ أي: يُعطُونه بلا مِنَّةٍ، وهَذا محُتَملٌ.
وإذا كان محُتَملًا ولا يُنافي المَعنَى الأوَّلَ كان المُرادُ بالآيَةِ المَعنَيَيْن جمِيعًا؛ إذْ لديْنا قاعِدةٌ في التَّفسيرِ -وكذَلِك في الحدِيثِ- مُهِمَّةٌ، وهِي إذا كان النَّصُّ يحتَمِلُ معنيَين لا يُنافي أحدُهُما الآخَرُ فإنَّ النَّصَّ يُحمَلُ عليهِما جميعًا؛ وذلِك لأنَّ اللهَ يَعْلَم ما يَحتَمِلُه كلامُه، وكذَلِك الرَّسولُ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - فَلَمَّا لم يُعيَّن أحدُ الاحتِمالَين وجَبَ أنْ يكُونَ شامِلًا لهُما، لكِن إذا كان أحدُهما أرجَحَ منَ الآخَرَ فإنَّه يتْبَعُ الأرْجَحَ؛ ولهِذا نقُولُ: يُقدَّمُ ظاهِرُ النَّصِّ على تأويلِ النَّصِّ، والتَّأويلُ هو اتِّباعُ المَعنَى المَرجُوحِ.
إذنْ: قَولُه تَعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: ثَوابٌ غيرُ مقْطُوع، وثوابٌ غيرُ ممْنُونٍ به. стр. 49
مِنْ فوائِدِ الآيَةِ الكَرِيمةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَحقِيقُ أنَّ القُرآنَ مثانٍ، تُثنَّى فيه المَعاني المُتَقابِلَةِ، فإذا ذُكِرَ ثوابُ المُجرِمين ذُكِرَ ثَوابُ المُتَّقِين، وإذا ذُكِرتِ الجنَّة ذُكرتِ النَّارُ، وهلُمَّ جَرًّا؛ مِن أجلِ أنْ يَكونَ الإنسانُ سائِرًا إلَى ربِّه بيْن الخوْفِ والرَّجاءِ، وهكَذا يَنبَغي للإنْسانِ في سيرِه إلى ربِّه أنْ يكُونَ خائِفًا راجِيًا؛ لِقولِه تَعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فما سببُ (الرَّهَب) والجَوفِ؟
الجَوابُ: سببُ الخوفِ ذُنوبُ الإنسانِ، فإذا نَظرَ إلى ذُنوبِه وتَقصِيرِه خافَ كَما قال تَعالى: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، أي: يَخافون ألَّا يُقبَل منهم. والرَّجاءِ، إذا نَظَر إلى عفْوِ اللهِ وفضْلِه، وأَنَّه جَلَا وَعَلَا حلِيمٌ رَجَاهُ، وقوِيَ رجاؤه، فيكُونُ دائرًا بينَ الجوفِ والرَّجاءِ.
وقال بعضُ أهْلِ العِلمِ ﵏: في الطَّاعةِ يُغلِّبُ جانِبَ الرَّجاءِ، وفي المَعصِيةِ يُغلِّبُ جانِبَ الخَوْفِ، وهَذا لَه نظَرٌ قوِيٌّ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا فعَلَ الطَّاعةَ فيَنْبَغي أنْ يُحسِنَ الظَّنَّ باللهِ، وأنَّ اللهَ سيَقْبَلُ مِنه فَيَقوَى رجاؤه. أمَّا إذا همَّ بالمَعصِيةِ فيَنبَغي أنْ يُغلِّبَ جانِبَ الخَوفِ حتَّى لا يَقَعَ في المَعصِيةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإيمانَ وحْدَه لا يَكفِي حتَّى يقتَرِنَ بعَمَلٍ، لكِن إذا أُطلِقَ الإيمانُ شمِلَ العمَلَ، وإنْ ذُكِرَ معَه العمَلُ صارَ العَمَلُ علانيةً والإيمانُ سِرًّا؛ مِثل قولِه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هُنا جمَعَ بيْن الإيمانِ والعمَلِ؛ فيَكون الإيمانُ في القَلْبِ، والعَمَلُ في الجوارحِ.
فإنْ قال قائلٌ: في قَولِ اللهِ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
стр. 50
هل هذه الآيَةُ ومَثيلاتُها تَصلُحُ دلِيلًا لمِن أخْرجَ العَمَلَ الصَّالحَ من الإيمانِ بِمُقتَضى أنَّ العَطْفَ يَقْتَضي المُغايَرةَ؟
الجَوابُ: هذا لا يصِحُّ؛ لأنَّ العمَلَ الصَّالحَ دلَّتِ النَّصوصُ على أَنَّه مِنَ الإيمانِ، لكِن لا مانعَ أنْ يكُونَ الشَّيءُ الواحدُ مُنقَسِمًا إلَى أنْواعٍ، فالإيمانُ تَدخُلُ فِيه الأعْمالُ لا شكَّ، لكِنَه يَتَنوَّع؛ فمِنه ما هُو عقِيدةٌ، ومنه ما هو عمَلٌ قولِيٌّ، ومنه ما هُو عمَلٌ فِعليٌّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: دوامُ نَعيمِ المُؤمنين العامِلين الصَّالحِاتِ؛ لِقولِه: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي لا يُقطَعُ، كما قال تَعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ أجْرَ الآخِرِة خيْرٌ مِن أجْرِ الدُّنيا وثوابِها، وجْه ذلِك: أنَّ أجْرَ الآخِرَة غيرُ مقطوعٍ، بلْ هُو مستمِرٌّ دائِمًا وغيرَ ممْنُونٍ به أيْضا، بلْ يُعطَى الإنسانُ بِدون مِنَّةٍ. وأمَّا ثوابُ الدَّنيا فإنَّه بالعَكْسِ.
* * *
стр. 51
الآية (٩)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩].
* * *
ثمَّ قال تَعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ قُل: أيْ يا محُمَّدُ لهِؤُلاءِ المُكذَّبين: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ * * *
... ﴾.
وقولُه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ الجُملَةُ هذِه استِفْهامٌ، بِمعنَى التَّقريرِ، يَعني: إنَّكم لتكفُرون، و"إنَّ" للتَّوكِيدِ، و ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ للتَّوكِيدِ أيضًا؛ وذلِك لأنَّ اللَّامَ الواقِعَةَ في خبَرِ "إنَّ" أو اسْمَها المُؤخَّرَ تَكُون للتَّوكِيدِ؛ ف "إنَّ" تنْصِبُ المُبتَدأَ وتَرْفَعُ الْخَبرَ، والكافُ اسْمُها، وجُملَةُ ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ خبَرُها.
أمَّا مِن حَيثُ الْقِراءاتِ فتقولُ المُفَسِّر: [بتَحقِيقِ الهَمْزةِ الثَّانيَةِ وتسهِيلِها] تَحقِيقُها أنْ تقولَ: "أإِنَّكُمْ"، وتَسهيلُها أنْ تقُولَ: "أاِنَّكم" فتمُرَّ بها بسُرعَةٍ، [وإدْخال ألِف بينَهما بوَجهَيها وبيْن الأُولى]، والوجْهان هُما التَّحقِيق والتَّسهِيل، فأدْخَل أَلِفَيْنِ بينَهُما على القِراءتَين، فتكونُ القِراءاتُ أرْبَعًا: إدْخال الألِفِ تَقُول: "آإنَّكم" هذا في التَّحقيقِ، "آاِنكم" هذا بالتسهيل.
إذَن: تَحقيقٌ وتَسهِيلٌ بألِف، وبدُونِها: اثْنتان في اثنَتيْن: بأرْبَعِ قِراءاتٍ.
стр. 52
مَسْألةٌ: قِيلَ في قَولِه تَعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾: إنَّهم يَقرَؤُونها: "أهِنَّكُم"؛ فَإذا ثَبتتِ القِراءةُ بالهاءِ، فَهذا يُعتَبرُ إبْدالًا ولَيس بِتَسهِيل، إبْدال الهَمزَةِ هاءً.
فإنْ قِيلَ: بعضُ النَّاسِ يَنطِقون التَّسْهيلَ كأنَّه هاءٌ!
فالجَوابُ: بعضُ النَّاسِ يتَشدَّدُ في التَّسهيلِ حتَّى تَكونَ هاءً، وربَّما يتَشدَّدُ آخَرُ حتَّى تَكونَ حاءً حقِيقةً؛ لأنَّ بعضَ النَّاس -الله يهدِينا وإيَّاهم- يَفعَلُ هذا عِندَ القِراءَةِ وقَد أنكَر هَذا شَيخُ الإسْلامِ ﵀ في (فتاواه) (١) وغيْرِها هَذا التَّشدُّدَ في تَحقِيقِ بعْضِ القِراءاتِ، فبَعْضُ النَّاسِ -مثَلًا في القَلقَلةِ-: يُقلْقِلُ كأَنَّه يُقلْقِلُ حصاةً أو حَجرًا؛ يَعني يُؤكِّدُ على الحَرفِ كَثيرًا.
والحَقيقَةُ: أنَّ التَّنطُّعَ ليسَ بحَسَنٍ، والإهْمال ليس بحَسَنٍ، وخَيرُ الأمُورِ الوَسَطُ.
وقولُه تَعالى: ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ تَكْفُرون به؛ أي: تَجحَدونَه وتَستكبِرون عن عِبادَتِه؛ لأنَّ الكُفرَ كلَّه يدُورُ على شَيئَينِ: إمَّا جَحدٌ، وإمَّا استِكبارٌ، فمَثلًا الشَّيطانُ إنَّما كفَرَ بالاستِكبارِ، وإلَّا فهُو مُقِرٌّ باللهِ وبعِزَّةِ الله وبقُدرَةِ اللهِ، لكِنه استكبَرَ، وآلُ فِرعَونَ ومَن شابَهَهم كَفروا بالجُحودِ، فمَدارُ الكُفرِ كلِّه على هَذين الأمْرَين: الجَحدِ أو الاسْتِكبارِ، فقَوله: ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ يَشمَلُ المعنيَيْن؛ لأنَّهم جَحدوا تَوحِيدَ اللهِ واستكبَروا عَن عِبادَتِه.
وقال تَعالى: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ولم يَقُلْ: بالله، بلْ أَتَى بفِعلٍ مِن أفعالِه جَلَّ وَعَلَا بفِعْل لا تَقدِرُ علَيه هَذه الأصْنامُ، والإتْيانُ بالفِعلِ الَّذي لا تَقدِرُ علَيه الأصْنامُ، стр. 53
هُو إقامةٌ للحُجَّةِ في نفْسِ الوَقتِ؛ أي: تَكفُرون بِهذا مَع أنَّ أصْنامَكم لا تَفْعَلُه.
وقولُه: ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال المُفسِّرُ: [الأحَد والاثنين]؛ لأنَّ أوَّلَ يومٍ ابتَدأ فيه اللهُ الخَلْقَ الأحَدُ.
وقولُه: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ الواوُ حرْفُ عطْفٍ، و"تَجعَلُون" مَعطُوفةٌ على "تَكفُرون"، لا على الصِّلةِ يَعني: لا على "خَلَقَ".
وقولُه: [﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ شركاء]، أنْدادًا جَمْع نِدٍّ، والنِدُّ في الأصْلِ هُو المُساوي والمُماثِلُ، يُقالُ: هَذا نِدُّ هَذا؛ أيْ: مُماثِلٌ له ونَظِيرٌ له، والمُرادُ بِهم هُنا: الشُّركاءُ الَّذِين يعبُدُونهم كما يَعبُدون اللهَ، والعَجَبُ أنَّ هؤُلاء المُشرِكين مِن سَفَهِهم يَقولون: إنَّما نعْبُدُهم لِيُقرِّبونا إلَى اللهِ، تَعْبدُونهم مَع اللهِ وتَقُولون: يُقرِّبونا إلَى الله؟ ! إنَّ الله غنِيٌّ عنْ هذا، وهَذا لا يَزيدُكم مِن الله إلَّا بُعدًا.
وقولُه تَعالَى: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ذلِك، أَتَى باسِم الإشارة دُون الضَّمِير، ثمَّ جعَلَها إشارةَ بُعدٍ للتَّعْظيمِ والتَّفخيمِ والتَّعلِيةِ، لأنَّ البُعدَ هُنا إشارةٌ إلَى المَكانِ العالي ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ولَو قال: "هُو ربُّ العالمَين" استَقام الكَلامُ، لكِن لمْ يَحصُل ما تدلُّ علَيْه الإشارةُ مِنَ التَّعظيمِ، ثمَّ ما يدُلُّ علَيْه صِيغَةُ البُعدِ منَ العُلُوِّ. ونظِيرُ ذلِك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، ولمْ يَقُلْ: "هوَ الكِتابُ"، ولا: "هَذا الكِتابُ"، إشارةً إلَى ما ذكَرنا.
قولُه: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قال المُفسِّرُ: [مالِك] وفِي هَذا التَّفسير قُصورٌ، بلْ نقُولُ: خالِقٌ ومالِكٌ ومدبِّر؛ لأنَّ الرُّبوبيَّةَ هِي الجلْقُ والمُلكُ والتَّدبِيرُ، فإذا قُلنا: مالِكٌ، صار في هذا قُصُورٌ، فقَولُه: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالِقُهم ومالِكُهم ومدبِّرُ أمُورِهم.
стр. 54
وقولُه: [﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ جمع عالَم وهُو ما سِوى اللهِ] فكلُّ ما سِوى اللهِ فهُو عالَم، وسمِّي عالمًا، لأنَّه عَلَم على خالِقِه جَلَّ وَعَلَا، فإنَّ كلَّ شيْء فِيه آيَةٌ تدلُّ على وَحْدانيَّة الله وقُدرَتِه وحِكمَتِه وعِزَّتِه، وغيرِ ذلِك.
قال ﵀: [وجمَعَ لاختِلافِ أنْواعِه] يَعنِي: لمْ يَقُلْ: العالَم، بلِ أَتَى بالعالمَين [بالياءِ والنُّونِ تغْلِيبًا لِلعُقلاءِ]، فإنْ قال قائِلٌ: هلِ العُقَلاءُ أكثَرُ أو غيرُ العُقلاءِ؟
فالجَوابُ: إنْ قِيلَ: إنَّ العُقَلاءَ أكثَر، فيُحتاجُ إلَى دلِيلٍ، ورُبَّما يَكونُ دلِيلُه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما مِن مَوضِعِ أربَع أصابِعَ مِنها إلَّا وفِيه مَلَكٌ قائِمٌ للهِ أو راكعٌ أو ساجِدٌ" (١)، والسَّماءُ واسِعةٌ عظِيمةٌ، كلّ سماءٍ أوسَعُ ممَّا تحْتَها، فمَن يُحصي هؤُلاء! هَذا شيْءٌ عظِيم، والبَيْت المَعمُور في السَّماء السَّابِعةِ يدْخُلُه كلُّ يومٍ منَ المَلائِكةِ سبعُون ألْف مَلكٍ لا يعُودُون إلَيه، فمَن يُحصِي الأَيَّامَ، كُلُّ يَومٍ يُضرَبُ في سَبعِين ألفِ مَلَكٍ! فإذا رأَينا هَذا قُلْنا: العُقلاءُ أكثَرُ.
وإنْ نظَرْنا إلى ما في الأرْضِ قُلنا: غيرُ العُقَلاءِ أكثر، فعلى هَذا التَّقدِيرِ - أنَّ المرادَ مثلًا من في الأرضِ - نقولُ: إنه غلَّبَ العُقلاءَ لشرَفِهم، والحاصِلُ: أنَّ تغلِيبَ العُقلاءِ إنْ كانَ العُقلاءُ أكثَرُ فغُلِّبوا لِكَثرَتِهم، وإنْ قُلنا: غيرُ العُقلاءِ أكثرُ، فغُلِّبَ العُقلاءُ، يُغلَّبُ مَن لَيْس بمُمَيِّزٍ لِشرَفِهم.
مِن فوائِدِ الآيةِ الكَريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: في هَذا دَلِيلٌ على وُجُوبِ إعْلانِ المُؤمِنِ ما علَيه الكُفَّارُ مِنَ الكُفرِ باللهِ؛ لِقولِه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾. стр. 55
ويتَفرَّعُ على هَذه الفائدَةِ: أَنَّه لا تجُوزُ مُداهَنةُ الكُفَّارِ، وإنْ كانَت المُداراةُ تَجُوزُ لكِنَّ المُداهَنةَ لا تجوزُ.
والفَرقُ بينَهما: أنَّ المُداهَنةَ سُكوتُ الإنسانِ عَن مَعصِيةِ العاصِي، كأنَّه يَقولُ: لَك مَعصِيتُك ولِي طاعَتي، فأنتَ اعْمَلْ وأنا أعمَلُ، فهَذه مُداهَنةٌ ومُصانعةٌ لا تَجُوزُ؛ قال اللهُ تَعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، وممن لا يَجُوزُ لِلمُؤمنِ أنْ يُداهِنَ.
أمَّا المُداراةُ فمَعناها: أنْ يَنقُلَ الإنْسانَ ممَّا هُو عليْه مِن المَعصِيةِ شيئًا فشَيئًا وهُو غيرُ راضٍ بها، بلْ هُو كارِهٌ، ولا يَرى أَنَّه يجوزُ إقْرارُها، بِخلافِ المُداهِنِ.
وأمَّا المُداهَنةُ في الحَقِيقةِ فأشْبَه ما لَها في وقتِنا الحاضِرِ ما يُسمُّونه بالمُجامَلةِ أو بالعَلمَنة، فإنَّ العلمانيِّين يقُولُون: دع كلَّ إنْسانٍ وشأنَه، الدَّولةُ دولَةُ، والدِّينُ دِينٌ، فالدَّولةُ لا بُدَّ أن تتَّحِدَ، وأما الدِّينُ فلكلٍّ دِينُه، فلا تُنكِر على الكافِرِ ولا على الفاسِقِ، دعْ كلَّ إنسانٍ يعمَلُ ما شاء! !
المُهمُّ: أنَّ هذِه الآيَةَ صرِيحةٌ في أَنَّه يجِبُ أنْ نُنكِرَ على الكافرين كُفرَهم، وَألَّا نُداهِنهم. ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّه يَنبَغي تأكِيدُ ما يُمكِنُ أنْ يُنْفَى أو يُشَكَّ فِيه؛ وجْهُه: أَنَّه أكَّد ذلِك بقَولِه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾، وإلَّا فيكْفي أنْ يقُولَ: قلْ لقَد كفرْتُم، أو قلْ كفرْتُم، لكِن لمَّا كان هَذا أمْر يُشَكُّ فِيه ويُقالُ: هؤُلاء لمْ يكفُروا بالله بلْ آمَنوا به؛ لأنَّهم يؤمِنُون بأنَّ اللهَ مَوجُودٌ وبأنَّ اللهَ خالِقُ السَّمواتِ والأرْضِ، لكِن إذا لم يتَّبِعوا شَرعَه فهُم كافِرون به، ولَو أقرُّوا بِوجُودِه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيانُ قُدر اللهِ وبيانُ حِكمَتِه في خلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ، حيثُ خلَق هذِه الأجْرامَ العَظيمَةَ الكَبيرَةَ الواسِعةَ في خِلال ستَّةِ أَيَّامٍ.
стр. 56
أمَّا الحِكمَةُ فوجْهُها: أنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا كان قادِرًا على أنْ يخْلُقها بلَحظَةٍ واحِدَةٍ: كُن فيكُونُ، لكنَّه جَلَّ وَعَلَا ربَطَ الأسبابَ والمُسبَّباتَ، وجَعلَها تتَفاعَلُ شيئًا فشَيئًا حتَّى تنتَهِي، هَذا مِن وجْهٍ.
ومن وجْهٍ آخرَ: أَنَّه أخَّرَ ذلِك لِيُعَلِّم عِبادَه التَّأنِّي في الأُمُورِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ خلْقَ الأرْضِ قبْل خلْقِ السَّماءِ؛ لأنَّه لمَّا ذكَرَ خلْقَ الأرْضِ في أربَعةِ أَيَّامٍ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ وَهَذا كقَوْلِه تَعالى في سُورةِ البَقَرةِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
ولكِن هَذا يُعارِضُه ظاهِرُ قولِه تَعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠] فهُنا ذَكَرَ أنَّ الأرْضَ دُحِيت بَعدَ خلْقِ السَّماءِ، فهلِ المُرادُ بالدَّحْوِ شَيءٌ سِوى الخلْقِ، أو أنَّ البَعْديَّةَ هُنا بَعدِيةُ ذِكرٍ؛ يعنِي كما يَقولُون: هَذا تَرتِيبٌ ذِكري، ولَيس ترتِيبًا زمَنِيًّا؛ الجَوابُ: في هَذا وجْهان:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الدَّحْو ليْس الخلْقَ، بلْ هُو شَيْءٌ آخَرُ، فسَّرَه اللهُ بِقولِه: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١] فهَذا الدَّحوُ، وإخْراجُ الماءِ والمَرْعى شَيءٌ زائِدٌ على الخلْقِ والتَكوينِ.
وأمَّا الوجْهُ الثَّاني: فإنَّ البَعدِيةَ هُنا بَعديَّةُ ذِكرٍ، وهُو ما يُعرفُ عِند عُلَماءِ النَّحوِ بالترتيبِ الذِّكريِّ، ومِنه قَولُ الشَّاعِر (١): стр. 57
إنَّ مَن سادَ ثُمَّ سادَ أَبُوه ... ثمَّ سادَ مِن بعْدِ ذلِك جَدُّه
فتجِدُ أنَّ التَّرتيبَ على خِلافِ التَّرتيبِ الزَّمنيِّ، لكِنَّ هَذا يُسمَّى ترتيبًا ذِكريًّا، يَحتَمِلُ الوَجهَين.
ولكنَّ الوجْهَ الأوَّلَ أوْلَى؛ أنْ يُقالَ: إنَّ الدَّحوَ ليْس الخَلْقَ، الخلْقُ والتَّكوِينُ شيْءٌ، والدَّحْوُ شيْءٌ آخَرُ.
والدَّلِيلُ: أنَّ اللهَ تَعالى قال فَي الدَّحوِ مُفسِّرًا إيَّاه: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾.
إذَنْ: لا مُعارَضةَ بيْن الآيتَين؛ لتَنزِل كلّ واحِدةِ مِنهُما على وجه لا يُعارِضُ الوجْهَ الآخَرَ.
واعْلَمْ أَنَّه ينبَغي للإنسانِ إذا رأَى آيتَيْن ظاهِرهُما التَّعارُضُ ألَّا يُسرِعَ في الحُكْمِ بالتَّعارُضِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ أنْ تَتعارَضَ آيتان مِن كلِّ وجْهٍ - كما ذكَرْنا ذلِك في أصُولِ التَّفسِيرِ - ولكِن ليَتأنَّى وليَتأمَّل وليُفكِّرْن، فإنَّ أدْرَك أنْ لا تَعارُضَ فهَذا المَطْلُوبُ، وإلَّا وجَب أنْ يَسْألَ أهلَ العِلْمِ، فإنْ لمْ يَتبيَّن لَه الأمْرُ وجَب علَيه التَّوقّفُ، وصارَتْ هَذه مِن الآياتِ المُتشابِهاتِ الَّتي يجِبُ أنْ يقُولَ فِيها: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].
وقد ذَكَرنا لكُم فِيما مَضَى أنَّ مِن العُلماءِ مَن ألَّف في الآياتِ الَّتي ظاهِرُها التَّعارُضُ وجمَع بيْنها، وذَكَرْتُ لكُم أنَّ مِن أحْسنِ ما رأيْتُ ما ألَّفَه الشَّيخُ الشّنقِيطيّ (دَفْع إيْهام الاضْطِراب عَن آيِ الكِتاب).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ نوْعَ الكُفرِ الَّذي حصَل مِن هؤُلاء المُخاطَبين هو الشَّركُ؛ لِقولِه: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: ٩]، وجعَلوا الأندادَ لَه أنواعًا كثيرَةً؛ إمَّا أنْ يجعَلَ
стр. 58
لَه أندادًا في الذَّاتِ، فيَقولَ: إنَّ اللهَ لَه مَثِيلٌ كما فعلَتِ النَّصارَى، حيثُ قالُوا: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وكما فعَلَ المُمثِّلَةُ الَّذِين مَثَّلوا صِفاتِ الله بصِفاتِ خَلْقه، فإنَّ هَذا مِن الشِّركِ.
وقدْ يَكون نِدًّا في العِبادةِ يَعبُده وإنْ كان لا يَرى أَنَّه مِثل اللهِ لكِن يَعبُده، ويدَّعي أَنَّه إنَّما عبَده لِيُقرِّبَه إلى الله وقَد يَكون هُناك أنْداد في المَحبَّة بأنْ محبَّ الشَّيءَ كما يُحِبُّ اللهَ.
والعَجَبُ أنَّ الشَّيطانَ يَجرِي مِن ابْن آدَم مجَرَى الدَّم، فيُحِبُّ الشَّخصَ، ويتَعلَّقُ به كَثيرًا، ويَقولُ: أنا أُحِبُّه للهِ، والحَقِيقةُ أَنَّه يُحِبُّه مَع اللهِ ولَيسَ للهِ. فالَّذِي محبُّ الشَّخْصَ لله تَكونُ المَحبَّةُ الأصلِيَّةُ هي محَبَّةَ اللهِ؛ فهَذا أحبَّه؛ لِأَنَّهَ يُحِبُّ اللهَ، لكِنَّ الَّذي يَجعَلُ قَلْبه مُنْصرفًا إلى هَذا المَحبُوبِ لا يُفكِّرُ إلَّا به، ولا ينامُ إلَّا على ذِكْرِه، ولا يَستَيقِظُ إلَّا بذِكْرِه؛ هَذا لَم محبَّه للهِ، بَلْ أحبَّه مَع اللهِ، وهَذا شِركٌ كَما قال تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥].
وكذَلِك مِن النِّدِّ أنْ يَتَعلَّقَ قَلْبُ الإنْسانِ بِالمَخْلُوقِ خَوفًا ورَجاءً، لا محَبَّةَ خوفٍ ورَجاءٍ، بِحَيثُ يَعتَمِدُ علَيه في تَحصِيلِ مَعاشِه، أو في دَفْعِ الضَّرَر عنْه، وهَذا يَقَعُ كثِيرًا ولا سِيَّما بعْد فتْحِ المُستَشفَياتِ؛ فإنَّ أكثَرَ النَّاسِ يَتَعلَّقُ قلبُه بالمُستَشفى، تَجِدُه إذا مرِضَ أخَذ حبَّةً أو حبَّتيْن، ولا يقُولُ: يا ربِّ عافِني! أو يلْجَأُ إلَى اللهِ، مَع أَنَّه رُبَّما يَكون هَذا الطَّبِيبُ الَّذي اعتَمدَ علَيه ورَجاه كافِرًا مُلْحدًا، فهَذا أيْضًا مِن اتِّخاذِ النِّدِّ للهِ.
ولِهَذا كان ضرَرُ بعضِ المُستشفِياتِ الآن - مَع ما فِيها مِن النفْعِ والخَيرِ الكَثِيرِ والحمدُ للهِ -: أنَّ النَّاسَ صاروا يُعلِّقون آمالَهم، ويجْرُّون آلامَهم إلَيْها، فلَو تُصيبُ الإنْسانَ الشَّوكةُ، أو المَرْأةُ إذا جاءَها الطَّلقُ، وصارَت تُطلِق طلْقًا عاديًّا - واللهِ هذِه
стр. 59
مَسألَةٌ خَطيرَةٌ - قالُوا: لا بُدَّ مِن قيْصَريَّة، والقَيصَريَّةُ تعنِي شقَّ البَطنِ، ثمَّ إذا وَلَدتْ عَشرةَ أولادٍ يَكون في بَطنِها عشْرَةُ شُقوقٍ؛ فلا يَتَحمَّل هذا البطنُ أيَّ حمل، بلْ لو حمَلت لانفجر.
وكلُّ هذا مِن نوعِ مِن الشِّركِ، فلا تَلجَأُ إلى المُستَشفى إلَّا لِلضَّرُورة القُصوى، اجْعَلْ رجاءَك دائِمًا مُعلَّقًا بِاللهِ، وقُلْ: إنَّ الَّذي خلَقنِي وأوجَدَني أوَّلَ مرَّة قادِرٌ على أنْ يُزيلَ ما بِي مِن مرَضٍ، وهُو أقدَرُ مِن كُلِّ أحَدٍ يُزيلُها بدُون أيِّ عمَليَّة، وبدُون حُبوب، وبدُون مِياه، وبدُون إبَرٍ.
المهِمُّ: أنَّ اتِّخاذَ الأَنْدادِ لَيْس خاصًّا بشَيءٍ مُعيَّنٍ، بل يَكونُ في أشْياءَ كَثيرَةٍ، فإيَّاك أنْ يَكونَ لكَ نِدٌّ، حتَّى إنَّ الرَّسُولَ ﷺ قال: "تعِسَ عبْدُ الدِّينارِ، تعِسَ عبْدُ الدِّرهَمِ، تعِسَ عبْدُ الخَميصَةِ، تعِسَ عبْدُ القَطِيفة" (١)؛ وهلِ الإنْسانُ يضَعُ الدِّينارَ فَوقَه وَيَسْجُدُ له وَيركَعُ؟ !
الجوابُ: لا، وكذَلِك الدِّرهَمُ والخَمِيصةُ والخَمِيلةُ، لكِن لمَّا كان قلْبُه معلَّقًا بهَذا الشَّيءِ؛ إنْ أُعطِي رضيَ، وإنْ لمْ يُعطَ سخِطَ، صارَ عَبدًا لها، نَسْألُ اللهَ أنْ يُعيذَنا وإيَّاكم مِن ذلِك.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بيانُ امتِناعِ النِّدِّ للهِ ؛ لِقولِه: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]، وجْهُ الِامتِناعِ أَنَّه ربُّ العالَمِين وأيُّ نِدٍّ لا بدَّ أن يكُونَ ربَّ العالمَين؛ فلا أحدَ يُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّه ربُّ العالمَينَ؛ فهُو ربٌّ وما سِواه مرْبُوبٌ؛ إذَن: ما سِواه لا يصِحُّ أنْ يكُونَ نِدًّا له. стр. 60
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: عُمومُ ربُوبيَّةِ اللهِ لكلِّ العالَمِ، لِقولِه: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: وُجوبُ الخُضوعِ له شَرعًا كما أَنَّنا نخْضعُ لَه قدَرًا، لأنَّ هَذا مُقتَضى الرَّبوبيَّةِ أنْ تخضَعَ لهِذا الرَّبِّ شَرعًا كما أَنَّك خاضِعٌ لَه قدَرًا، فكلٌّ خاضِعٌ للهِ قدَرًا، قال تَعالَى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، وهَذا السُّجودُ قَدَريٌّ؛ فيجِبُ أنْ تَخضَع لَه شرعًا، وأنْ تَتذلَّلَ لَه، فَتَكونَ أمامَه ذلِيلًا كما كُنت أمامه ذلِيلًا في قَدَرِه.
* * *
стр. 61
الآية (١٠)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾ [فصلت: ١٠].
* * *
قولُه ﵀: [﴿وَجَعَلَ﴾ مُستَأنفٌ] يعنِي: وليْس معطُوفًا على خَلَقَ، والعَجَبُ أنَّه يقُولُ: [ولا يجُوزُ عطْفُه على صِلَةِ "الَّذي" لِلفاصلِ الأجنَبِيِّ]، هَذا ما ذهَب إلَيْه المُفسِّرُ: أنَّ قوْلَه: ﴿وَجَعَلَ﴾ مُستأَنَفٌ، ولا شكَّ أَنَّنا إذا جعَلْناه مُستَأنفًا لَم يَكُن الكَلامُ مُنتَظِمًا.
والصَّوابُ: أَنَّه على خِلافِ ما قال المُفسِّرُ: أنَّ "جَعَل" مَعطُوفةٌ على ﴿خَلَقَ﴾، يعنِي: بالَّذي خلَق الأرْضَ في يومَيْن وجعَل فِيها رواسيَ. والفاصِلُ الأجنَبيُّ هُنا لا يضُرُّ، إمَّا أَنَّه لا يضُرُّ مُطلَقًا، كما قِيل به، وإِمَّا أَنَّه لا يضُرُّ، لأَنَّه في مَضمُونِ الكَلامِ والكَلامُ واحِدٌ.
فالصَّوابُ: أنَّ قولَه: ﴿وَجَعَلَ﴾ مَعطُوف على ﴿خَلَقَ﴾، أي: بالَّذي خلَق الأرْضَ في يومَيْن، وجعَلَ فيها رواسِي.
وقولُه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ قال المُفسِّرُ ﵀: [جِبالًا ثوابِت] أوَّلًا: "جعَل" هُنا هلْ هِي مِن أفعالِ التَّصييرِ، أو مِن أفعالِ الإيْجادِ؟
يَحتَملُ المعنَى: وأوجَد فِيها رواسيَ، ويَحتَملُ أنْ تكُونَ مِن أفعالِ التَّصيِيرِ، أي:
стр. 62
صَيَّر فِيها رواسيَ. والمَعنَى لا يختَلِفُ، لكنَّ الإعْرابَ يَختلِفُ، إذا قُلنا "مِن أفعالِ التَّصييرِ" صارَتْ تنصِبَ مفعُولَين، وإذا قُلنا "مِن أفعالِ الإيجادِ" صارَتْ تنْصِبَ مَفعُولًا واحِدًا.
وقولُ المُفسِّرِ: [جِبالًا ثوابِتَ] أفادَنا ﵀ أنَّ ﴿رَوَاسِيَ﴾ صِفةٌ لمَوصُوفٍ محَذُوفٍ، والتَّقدِيرُ: جِبالًا رواسيَ، و ﴿رَوَاسِيَ﴾ بمَعنَى ثوابِتَ، وهلْ يجُوزُ أنْ يُحذَفَ المنعُوتُ؟ الجَوابُ: نعَم، وهُو كثِيرٌ، كثِيرٌ جِدًّا.
ومامِنَ المنْعوتِ والنَّعْتِ عُقِل ... يَجوزُ حَذْفُه وِفي النَّعْتِ يَقِلّ (١)
أي: في المَنعُوتِ يَكثُرُ؛ قال تَعالَى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]؛ أي: دُرُوعًا سابِغاتٍ، وقولُه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ المُهِمُّ أنَّها كثِيرةٌ كما تَقدَّم، فإنَّ المَقصُودَ الصِّفةُ، والصِّفةُ تَكونُ بالنَّعْتِ وهُو موجُودٌ.
وقولُه: ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ أي: هذِه الرَّواسي مِن فوْق؛ يعنِي: صيَّرَ فِيها رواسيَ، فالمَفعُولُ الأوَّلُ هُو ﴿رَوَاسِيَ﴾، والثَّاني الجارُّ والمَجرُورُ.
وقولُه: ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ انتبِه لهذِه الكَلِمةِ، فلَها فائِدةٌ عظِيمةٌ! إذِ الرَّواسِي قد تكُونُ مِن أسفَلَ، وقدْ تَكونُ مِن فوْق؛ فقَد تكُونُ مِن أسفَلَ، يعنِي يكُونُ مَثلًا يَحفِرُ في الأرْضِ قواعِدَ تُرسِي، وتَكونُ راسِيةً، لكِن هُنا قال: ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾؛ وذلِك لفَوائِدَ:
الفائِدةُ الأُولى: ظُهورُ هذِه الرَّواسي وبيانُها للنَّاسِ؛ حتَّى يعرِفوا بذلِك حِكْمةَ اللهِ ورُبَّما لا تَكونُ رواسِيَ إلَّا إذا كانَتْ مِن فوْق؛ بِناءً على أنَّ الأرْضَ تدُور حتَّى تحفَظَ توازُنَها. стр. 63
الفائِدةُ الثَّانيةُ: هذِه الرَّواسِي إذا كانَت مِن فوْق حصَل فِيها مِن المَنافِعِ في درْءِ العَواصِفِ وفِي الملاجئِ شَيْءٌ كثِيرٌ، كما هُو معْرُوفٌ في المَغاراتِ، وكما يُعرَفُ مِن سُفوحِ الجِبالِ وخُدودِ الجِبالِ ورُؤوس الجِبالِ، مِن نَوابِتَ لا تُوجَدُ لولا هذِه المُرتَفَعاتُ.
الفائِدةُ الثَّالِثةُ: أنَّها تُوجِبُ أنْ تنْدَفعَ مِياهُ الأمْطارِ بشِدَّةٍ حتَّى تصِلَ إلَى أراضٍ صالحِةٍ للنَّباتِ؛ لأنَّكم تعْرفون أنَّ بعضَ الأرضٍ سبَخاتٌ ليْس فيها خَيْرٌ وبعضُها رِياضٌ تُنبِتُ، فإِذا نَزَل الماءُ على هذِه الجِبالِ على قِمَمِها وعلَى خُدودَها نزَلَ إلَى الأرْضِ بشِدَّةٍ عظيمَةٍ حتَّى يصِلَ إلَى ما أرادَ اللهُ إيْصالَه.
الفائِدةُ الرَّابِعةُ: أنَّ في قِمَمِ الجِبالِ مِن المَعادنِ الجيِّدةِ أكثَرُ مِمَّا في الأرْضِ السُّفلَى؛ ولهِذا قال تَعالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، أنْزَلْناه مِن قِمَمِ الجِبالِ؛ ولهِذا يَقولُ العُلَماءُ ﵏: "إنَّ الحدِيدَ الَّذي يَكونُ مِن قِممِ الجِبالِ أعلَى وأقوَى مِن الَّذي يَكونُ مِن الأسْفَلِ".
هَذا ما نَعْلَمُه، وما لا نعْلَمُه أكْثَرُ.
المُهِمُّ: أنَّ كلِمةَ ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ لَها فائِدةٌ عظِيمَةٌ ذكَرْنا مِنها أربَعَ فوائِدَ.
وقولُه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾، قال المُفسِّرُ: [بِكثْرةِ المِياهِ والزُّرُوعِ والضُّروعِ] "بارَك فِيها" أي في الأرْضِ، وما أعظَمِ برَكاتِ الأرْضِ مِنَ الزُّروعِ والأشْجارِ والأنْهارِ والمَعادِنِ، وغيرِها مِن برَكاتِ الأرْضِ!
وقوْلُ المُفسِّرِ: [الضُّرُوع] يعنِي ضُروعَ البَهائِمِ؛ لأنَّ البَهائِمَ كلَّما شبِعتْ مِن الرَّبِيعِ ازدادَ دَرُّها، ومَن يتَأمَّلْ يجِدْ أنَّ في الأرْضِ برَكاتٍ عظِيمَةٍ؛ فقَد حمَلتِ الأحْياءَ
стр. 64
والأمْواتَ والوُحوشَ والسِّباعَ والبَهائِمَ والحشَراتِ والآدمِيِّين، وكانَت واسِعةً أيْضًا مَع كَثرَةِ ما فِيها؛ فلَو أنَّ هؤُلاء الأحْياءَ الَّذِين على ظهْرِ الأرْضِ يَحيَون إلَى الآنَ، لرَأيْتَ أمْرًا بَشِعًا وصَعبًا، لكِنْ جعَلَ اللهُ الأرْضَ كِفاتًا أحياءً وأمْواتًا، وهَذِه مِن برَكاتِها.
وقوْلُه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ "قدَّر" قال المُفسِّرُ ﵀: [قَسَّم ﴿فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ للنَّاس والبَهائِم ... ] إلخ، قدَّر فِيها الأقْواتَ؛ يَقولُ: إنَّ "قدَّر" مِن التَّقدِيرِ وهُو التَّقسِيمُ، قدَّر الأقواتَ ولَم يجْعَل القُوتَ في جانِبٍ واحِدٍ مِنَ الأرْضِ، إذْ لو كان في جانِبٍ واحِدٍ مِن الأرْضٍ لشقَّ هَذا على النَّاسِ كَثِيرًا؛ لَو قُدِّر مَثلًا أنَّ الأقْواتَ لا تَكونُ إلَّا في غرْبِ الكُرَةِ الَأرْضِيَّةِ، فكَيْف يعِيشُ أهْلُ الشَّرقِ، أو بالعَكْسِ: كيْف يعِيشُ أهلُ الغرْبِ؟ لكنَّه مُقدَّر.
ثمَّ قدَّره مِن ناحِيةٍ أُخرَى: جعَل في هذِه الأراضِي ما لا يصْلُحُ في الأراضِي الأُخرَى والعَكْسَ.
والحِكْمَةُ: مِن أجْلِ أنْ يتَبادَلَ النَّاسُ الأقْواتَ، فيَأتي النَّاسُ الَّذِينَ ليْس عِندَهم هَذا النَّوْعُ مِن القُوتِ يَذهَبُون إلَى الأراضِي الَّتي فِيها هَذا القُوتُ فيَجلِبونه إلَى الأرْضِ الخالِيةِ مِنْه، وكذَلِك العَكْسُ، ففِي بعْضِ الجِهاتِ مِن الأرْضِ يَكْثُر فِيها النَّخِيلُ والعِنَبُ، لكِن تقِلُّ فِيها الحمْضِيَّاتُ وأشباهُها، وفِيه أيْضًا أشْياءُ كثِيرَةٌ - وأنا لسْتُ مِن أهْلِ الزِّراعَةِ - تصْلُحُ في مكانٍ دُون مكانٍ مِن أجْلِ أنْ يقَعَ التَّبادُلُ بيْن النَّاسِ والضَّرْبُ في الأرْضِ ابْتِغاءَ الرِّزْقِ، وهَذا مِن الحِكمَةِ في قوْلِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾.
وقولُه: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ قال المُفسِّرُ ﵀: [﴿فِي﴾ تمام ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ هو أيِ الجَعْلُ، وما ذُكِرَ معَه في يوْمِ الثُّلاثاءِ والْأرْبِعاءِ] إذا كانَ خلْقُ الأرْضِ أوَّلُه الأحَدُ والاثْنَينُ،
стр. 65
ثُمَّ قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ فيَكونُ الباقِي؛ الثُّلاثاء والأرْبِعاء، فتكونُ الأرْضُ خُلِقتْ وقُدِّر فِيها الأقْواتُ في أرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
قال الله تَعالى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [مَنْصُوبَةٌ على المَصدَرِ؛ أي: اسْتوَتِ الأربَعَةُ اسْتِواءً لا تَزِيدُ ولا تنْقُصُ]، فأفادَنا بقَوْلِه: "استَوَتِ استِواءً"؛ أنَّ سواءً مَنصُوبةٌ على المَصدَرِ؛ وفِيه تجَوُّزٌ لأَنَّنا إذا قُلنا "سَواءً" مَصْدرُ "اسْتَوى"، فإنَّه لا يَستَقِيمُ مَع القاعِدةِ؛ لأنَّ القاعِدةَ: أنَّ المَصدَرَ ما وافَقَ الفِعْلَ في حروفِه، وهنا "استوى" لا توافقها "سواء"، بَلِ الَّذي يُوافِقُها "اسْتِواء".
إذَنْ "فسَواء" تَكونُ اسْمَ مَصْدرٍ، مِثْل: (كَلَّم)، والمَصدَرُ (تَكلِيم)، واسْمُ المَصدَر (كَلام)؛ فَهُنا (اسْتَوَى)، والمَصدَر (اسْتِواءٌ)، واسْم المَصدَر (سَواءٌ).
المُهمُّ أنَّ قوْلَه: "سواء" يَعنِي: أنَّ هَذا الخَلْقَ استَوْعَب الأرْبَعةَ كلَّها، فلَم يَكُن في يوْمَين أو ثلاثَةٍ، بلْ في الأَيَّامِ الأرْبَعةِ كلِّها، فعلى هَذا يَكونُ قوْلُه: [مَنصُوبٌ على المَصدرِ] الصَّوابُ: أنْ يُقالَ على أَنَّه مَفعُولٌ مُطلَق؛ أي: استَوَتِ الأرْبَعُةُ استِواءً لا تَزيدُ ولا تنْقُصُ.
وقَولُه: [﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ عَن خَلْقِ الأرْضِ بِما فِيها]. قوْلُه: [﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ هذِه لا تظُنَّ أنَّها مُتعلّقةً بسَواءٍ، بَلْ هِي جوابٌ لخبرٍ مَحذُوفٍ؛ أيْ: هَذا جوابٌ للسَّائِلِين، أوْ نحْوٍ مِن هذِه الكَلِمةِ.
المُهمُّ أنَّ قوْلَه: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ يُفيدُ أنَّ ما ذُكِر جواب لمِن سَأَل عَن خلْقِ الأرْضِ وتَقْدِيرِ أقواتِها: بأنَّها في أرْبَعَةِ أيَّامٍ سواءً.
مَسْألَة: ما الحِكْمَةُ فِي: أنَّ الله ذَكَرَ السَّماءَ والأرْضَ وقَدَّمَ السَّماءَ على الأرْضِ؟
стр. 66
الجَوابُ: الحِكْمةُ في أنَّ اللهَ تَعالَى يَذْكُرُ الأعْلَى قَبلَ الأسْفَلِ، أمَّا التَّحدُّثُ عنِ خلْقِ السَّماءِ فقَدْ بيَّن اللهُ تَعالَى أنَّ الأسْفَلَ يُخْلَقُ قبْل الأعلَى كالبِناءِ، فعِندَما تُريدُ أنْ تبْنِيَ شَيئًا فلَن تبْنِيَ السَّقْفَ قبْل أنْ تبْنِيَ العمُودَ، فعِنْدَ الذِّكْرِ والتَّحَدُّثِ يَبِينُ الأشْرَفُ والأعْلَى؛ يُقدَّمُ، وعِنْد التَّكوِين والبِناءِ يُبْدأُ بالأسْفَلِ؛ لأَنَّه هُو الأصْلُ.
مِنْ فوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: مِنّة اللهِ على عِبادِه؛ حيْثُ جعَلَ في الأرْض رواسِي، أيْ: ثوابِتَ، والحِكمَةُ ذَكَرها اللهُ تعالَى في قوْلِه: ﴿أَنْ تَميِدَ بِكُمْ﴾ [لُقمان: ١٠]؛ لوْلا هذِه الرَّواسِي لمادَتْ بِنا الأرْضُ، فيستفاد من ذلك: أنَّ الأرْضَ تدُورُ؛ لِقوْلِه: ﴿أَنْ تَميِدَ بِكُمْ﴾؛ لأنَّ نفْي المَيَدانِ دليل على وُجُودِ أصْلِ الحَرَكةِ؛ إذْ لَم يَقُلْ: أنْ تَتحرَّكَ بِكَم، ونَفْيُ الأخَصِّ يَقْتَضِي وُجُودَ الأعمِّ، كما قُلْنا في قوْلِ الله ﵎: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، إنَّه دلِيل على أنَّ اللهَ يُرَى لِكن لا يُدْرَكُ؛ إذْ لَو كان لا يُرى لوَجَبَ أنْ يَقولَ: لا تَراه الأبْصارُ، فلَمّا نفَى الأخَصَّ صار دَلِيلًا على وُجُودِ الأَعمِّ. هَكَذا قرَّرها بَعضُهم، وقال: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا على أنَّ الأرْضَ تَدُورُ؛ لِأنَّ اللهَ ألْقَى هَذه الرَّواسِيَ؛ لِتكون دَوْرتُها مُتَّزِنةً، لا تَرْتَجُّ فتَضْطَرِبُ بالنَّاسِ.
ولكِنَّ هَذا - وإنْ كان قَوِيًّا مِن حَيْث النَّظر - لَكِنَّه ليْس مُتعَيِّنًا؛ إذْ يجُوزُ أنْ يَكونَ مَعنَى "أنْ تَمِيدَ بِكُم"؛ تَضطَربَ ولَو كانَت واقِفَةً، فالسَّفِينَةُ مَثلًا على الماءِ تضْطَرِبُ ولَو كانَتْ واقِفةً، فيَكونُ معنى "أنْ تَميدَ بِكُم": أنْ تضْطَربَ بِكُم، وسواءٌ كانَتْ تدُورُ أو لا تَدُورُ؛ ولهِذا ليْس في الآيَةِ دَلالَة قَطعِيَّة على أنَّ الأرْضَ تدُورُ.
فإنْ قال قائِلٌ: إذا قُلْت: إنَّه يَحتَمِلُ أنْ تَكونَ دالَّةً على أنَّ الأرْضَ تُدُورُ؛ فما جوابُك عنْ آياتٍ كثِيرَةٍ تدُلُّ على أنَّ الشَّمْسَ تجْري وتَطْلُعُ وتَغرُبُ وتَزاوَرُ وتَوارَى
стр. 67
وتذْهَبُ؛ فكُلُّ هذِه الأفْعالِ أُسْنِدت إلَى الشَّمْسِ، والأصْلُ أنَّ الفِعْلَ إذا أُسنِدَ إلَى شيْءٍ أنْ يَكونَ قائِمًا بِه، فيَكونُ ظاهِرُ القُرْآنِ أنَّ الشَّمسَ هِي الَّتي تَدُورُ على الأرْضِ: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ [الكهف: ١٧]، إذَنْ مَعناها هِي الَّتي كانَت مخُتَفيةُ ثمَّ طَلَعت علَينا، وهؤُلاءِ الَّذِين يقُولُون: الأرْضُ تدُورُ فيَكون معْنَى ﴿إِذَا طَلَعَتْ﴾ أيْ إذا طلَعنا علَيْها؛ لأَنَّنَا نحْن الَّذِين نأتِي إلَيها، أمَّا الشَّمسُ فهِي ثابِتةٌ قارَّةٌ؟
قُلنا: يَجُوز أنْ تَكونَ الأرْضُ تَدُورُ والشَّمْسُ أيْضًا تدُورُ، وإذا كان الدَّوَرانُ بِالعَكْسِ فظاهِرٌ أَنَّه يَتَعاقَبُ اللَّيلُ والنَّهارُ، يعْنِي: إذا كانَتِ الأرْضُ تَدُورُ نحْوَ الشَّرْقِ والشَّمْسُ تَدُورُ نحْو الغَرْبِ، فهَذا مُمكِنٌ بكُلِّ سُهُولةٍ، فإِن كانَتا تَدُوران إلَى اتِّجاهٍ واحِدٍ فإنَّ إحْداهُما إذا كانَت أسْرَعَ مِنَ الأُخْرَى تَحقَّقَ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ومَن قال: إنَّه لا يُمكِنُ أنْ نَقولَ: إنَّ الشَّمسَ تجْرِي إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ الأرْضَ ثابِتة لا تَدُورُ.
فأمَّا إثْباتُ دوَرانِ الأرْضِ مَع دَوَرانِ الشَّمْسِ فإِنَّ هَذا لا يُمْكِنُ، فإنَّه قوْلٌ غيْر صَحِيحٍ، أمَّا الإمْكانُ فمُمكِنٌ، ولَو قُلْنا بِدَوَرانِهما جَمِيعًا، لكِنَّ الشَّيْء الَّذي نَعْتَقِدُه الآنَ: أنَّ اللّيْلَ والنَّهارَ يحْصُلُ بتَعاقُبِ الشَّمْسِ على الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، لا بِتَعاقُبِ الكُرَةِ على الشَّمْسِ؛ لأنَّ هَذا هُو ظاهِرُ القُرْآنِ والقُرْآنُ صَدَر عَن الخالِق وهُو أعلَمُ بما خلَقَ، ولا يُمكِنُ أنْ نَحِيدَ عَن هَذا قِيدَ أنمُلةٍ ما دام لَم يَظْهرْ لنا أمْر حِسِّيٌّ لا يُمْكِنُ التَّكذِيبُ بِه.
وعِنْد بعْضِهم - أيْ: بَعْضِ الَّذِين يَقولُون بِدوَران الأرْض - يَقولُون: عِندنا أمْر قَطْعِيّ بِدلِيلِ الصَّوارِيخِ العابِرةِ لِلقَّارَّاتِ؛ فإنَّها تُقَدَّرُ بتَقْدِيرٍ مُعيَّنٍ بِحَيثُ يَتَماشَى مَع دَورانِ الأرْضِ، فَيُصِيبُ الهَدَفَ وإلَّا لما أمْكَنَ.
وعلى كلِّ حالٍ: فهَذِه المَسْألَة - في يوْمٍ مِن الأَيَّامِ - كانَت مَثارًا للْجَدَلِ بيْن
стр. 68
النَّاسِ بيْن طلَبةِ العِلمِ وبيْن عامَّةِ النَّاسِ، وبيْن الَّذِين لم يَتَمكَّنوا منَ العِلمِ كَثيرًا؛ فنَحْن نَقُولُ:
أوَّلًا: البَحْثُ العَمِيقُ في هَذا والجَدَلُ في هَذا، أمْر لا يَنْبَغي وَلا فائِدةَ مِنه.
ثانيًا: عِندما نُريدُ أنْ نُحقِّقَ المَسْألةَ تَحقِيقًا عِلْميًّا نَظرِيًّا نَنظُر إلَى الآياتِ، فإِذا كان ظاهِرُ قَولِه تَعالَى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يَقتَضي أنَّها تدُور قُلْنا بذلِك ولا حَرَجَ، ولا مانِعَ أنْ نَقُولَ: هِي تَدُورُ، وكذَلِك الشَّمْسُ، فنكُونُ أخذْنا بظاهِرِ القُرْآنِ في الشَّمْسِ وبِظاهِرِ ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في الأرْضِ، وإذا كان قَولُه: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لا يَتَعيَّنُ أنْ يَكونَ بِحَرَكَتِها، وإنَّما قَد تَضْطَربُ وهِي ساكِنَة قارَّةٌ؛ فَلا يَبْقى في الآيَةِ دَلِيلٌ على أنَّ الأرْضَ تَدُورُ.
فَإنْ قال قائِلٌ: ألَا يُمكِن أنْ نُقِرَّهم على قَولهِم بأنَّ الشَّمْسَ ثابِتَةٌ؟
فالجَوابُ: نحْن نَقُولُ: لا نُقرُّهم على أنَّ اختِلافَ اللَّيلِ والنَّهارِ يكُونُ باخْتِلافِ دَورَةِ الأرْضِ، بلْ نَقُولُ بِاخْتِلافِ طُلُوعِ الشَّمْسِ على الأرْضِ، ولا يَمْنعُ أنْ تَكونَ الأرْضُ تَدُورُ، لكِن لَو فُرِضَ أَنَّه جاءَنا دَلِيل حِسِّيٌّ مَلمُوسٌ على أنَّ اختِلافَ اللَّيلِ والنَّهارِ بِسَبَبِ دَورَةِ الأرْضِ لَقُلنا بِه، ويَكونُ إضافةُ الأفْعالِ هذِه إلَى الشَّمْسِ على حسْبِ رُؤَيةِ الإنْسانِ لَها.
والآنَ إذا قَرَأْنا قوْلَه تَعالَى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧]، هَذه فِيها أرْبَعةُ أفْعالٍ أُضِيفَت كلُّها إلَى الشَّمسِ. والأصْلُ أنَّ الأفْعالَ مُضافةٌ إلَى الشَّيْءِ أنَّها قائِمةٌ بِه، فالشَّمسُ هِي الَّتي تَطْلُع، وهُم يَقولون: لا، الشَّمْسُ لا تَطْلُع علَيْنا، بلْ نَحْن الَّذِين نَطلُعُ علَيْها بِسبَبِ دَوَرانِ الأرْضِ، فالقُرْآنُ لا يُخالِفُ الحِسَّ أبَدًا، وتُفَسَّرُ الأفْعالُ المُضافَةُ إلَى
стр. 69
الشَّمْسِ بِحَسْبِ رُؤَيةِ الرَّائِي.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ اللهَ تَعالَى جعَلَ الرَّواسِيَ فوْقَ الأرْضِ لِما في ذلِكَ مِنَ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وأشَرْنا إلَيه في أثْناءِ التَّفسِيرِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللهَ تَعالى بارَك في الأرْضِ، ووَجْهُ البَركَةِ ظاهِرٌ، فقَد حَمَلتِ الأحْياءَ والأمْواتَ، وحمَلَتْ مِنَ الدَّوابِّ ما لا يَعْلَم أجْناسَه - فَضْلًا عَن أنْواعه، فَضْلًا عَن أفرادِه - إلَّا اللهُ، .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ تَعالَى قدَّر في الأرْضِ أقْواتَها، أي جعَلها مُقَدَّرةً بِقَدَرٍ مَعلُومٍ، ومن ذلك التَّقديرِ: أنْ جعَلَ في جِهاتٍ مِن الأرْضِ مِنَ الأقْواتِ ما ليْس في جِهاتٍ أُخْرى، حتَّى يتَبادلَ النَّاسُ هَذه الأقْواتَ وتتَحرَّكَ التَّجارةُ ... ، إلَى غيْرِ ذلِكَ مِن الفَوائِدِ، ولعلَّه يُشِيرُ إلَى هَذا قَولُ الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ يَعنِي: المَطَر ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ خلْقَ الأرْضِ تمَّ في أرْبَعةِ أَيَّامٍ؛ لِقوْلِه تَعالَى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله ﵎ يُجيبُ السَّائِلين أسْئِلتَهم، سَواءٌ سَألُوا بِلِسانِ الحالِ أو بِلِسانِ المَقالِ؛ فالْإنْسانُ مُتَشوِّفٌ إلَى عِلْمِ المَسْألةِ دُون أنْ يَنْطقَ بِلِسانه، فَيُقَالُ: إنَّه سائِلٌ بلِسانِ الحالِ، والإِنْسانُ الَّذي يَتكلَّمُ باللِّسانِ سائِل بلِسانِ المَقالِ، والسُّؤالُ عَن خلْق السَّمواتِ والأرْضِ، فهَذا يَكونُ بلِسانِ الحالِ، ويَكونُ بلِسانِ المَقالِ.
* * *
стр. 70
الآية (١١)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
* * *
﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بعْد خلْقِ الأرْضِ وتقْدِيرِ أقواتِها، اسْتَوى إلَى السَّماءِ.
قال المُفسِّرُ ﵀: [قصَد ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾]، وهَذا أحَدُ القَوْلَيْن في هَذه الجُملَةِ: أنَّها بِمعنَى قصَد، لكِن قصْدًا كامِلًا؛ وذلِك لأنَّ "استَوى" تدُلُّ على الكَمالِ، كما قال تَعالَى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤].
والقَوْلُ الثَّاني: أنَّ "استَوَى إلَى السَّماء" بمَعنَى "استَوى على السَّماء"؛ أيْ عَلا علَيها، ولكِنَّ المَعنَى الَّذي سلَكَه المُفسِّرُ أرْجَحُ، أَنَّه قصَد إلَى السَّماءِ بإرادةٍ تامَّةٍ مُستَويَةٍ؛ لأنَّ "إلَى" تُفِيدُ الغايَةَ، و"على" تُفِيدُ الِاسْتِعلاءَ.
ومَعلُومٌ أنَّ السَّمواتِ لَم تَكُنْ خُلِقتْ في تِلك السَّاعَةِ، ثمَّ إنَّنا لو قُلْنا: إنَّ اسْتَوى بِمَعنَى عَلا: "ثُمَّ اسْتَوى على السَّماء"، كان قَبْل ذلِك حِينَ خلَق الأرْضَ ليْس عاليًا على السَّماءِ، مَع أنَّ عُلُوَّ اللهِ تَعالَى وَصْفٌ لازمٌ لِذاتِه.
وقَولُه: [﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ بُخار مُرتَفِعٌ]؛ جُمْلَةُ ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ حالِيَّةٌ، والسَّماءُ هُنا بمَعنَى العُلُوِّ؛ لأنَّها لَم تَكُنْ خُلِقتْ بعْدُ، لَكنَّها كالدُّخانِ، أي: البُخارُ المُرتَفعُ؛ قِيل: إنَّ هَذا البُخارَ المُرتَفِعَ تَصاعَدَ مِن الماءِ الَّذي كان قَبلَ أنْ تُخلَقَ
стр. 71
الأرْضُ؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] فَكَان قَبْل خلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ ماءٌ فوْقه عرْشُ الرَّحمَنِ ثمَّ خُلِقتِ الأرْضُ، وقدِ انْدَفعَ مِن هَذا الماءِ بُخارٌ مُتصاعِدٌ كَثِيفٌ صار مِثلَ الدُّخانِ.
وقولُه: [﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا﴾ إلَى مُرادي مِنكُما ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ في مَوضِعِ الحالِ أيْ: طائِعتَيْن أو مُكرَهتيْن ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمَن فِينا ﴿طَائِعِينَ﴾، إلَى آخِرِه. قوْله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا﴾ هَذا الأمْرُ هَل هُو أمْرُ تَكوِينٍ أو أمْرُ تَكلِيفٍ؟
الجَوابُ: إنْ قُلْنا: إنَّه تكلِيفٌ، لَم يَكُن هُناكَ فرْق بيْن أنْ يكُونَا طائِعتَيْنِ أو مُكرهتَيْن؛ وظاهِرٌ أَنَّه أمْرُ تكلِيفٍ؛ ولِهَذا قال: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
وإنْ قُلنا: إنَّه أمْرُ تَكوِينٍ فإنَّه لا يسْتَقيمُ أنْ يكُونَ طوْعًا أو كرْهًا؛ لأنَّ أمْرَ التَكوينِ كائِن لا مَحالةَ.
فالظاهرُ - واللهُ أعلم - أَنَّه أمْرُ تكلِيفٍ، وللهِ تَعالَى أنْ يُكلِّفَ ما شاء مِن خلْقِه.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمَن فِينا ﴿طَائِعِينَ﴾]، احْتاجَ المُفسِّرُ إلَى أنْ يُقدِّرَ "بمَن فِينا" لِوَجْهيْن:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿طَائِعِينَ﴾ جمْعٌ، ﴿قَالَتَا﴾ مُثنَّى، ولا مُطابَقةَ بيْن المُثنَّى والجَمْعِ، ولَو أرادَ المُطابَقةَ لقال: "قالَتا أتيْنا طائِعتيْن".
الوَجْهُ الثَّاني: أَنَّه جمَعَه بالمُذكَّرِ العاقِلِ، فكان لا بُدَّ أنْ يُقدَّرَ بـ "مَن فِينا" لِيَدخُلَ فِيهِ العُقَلاءُ، وَيكونُ هَذا مِن بابِ التَّغلِيبِ.
وقولُه ﵀: [فِيه تَغلِيبُ المُذكَّرِ العاقِلِ] ذَكَرْنا فِيما سبَقَ أنَّه غلَّبَ المُذكَّرَ
стр. 72
لشَرَفِه، أو لكَثْرَتِه إذا قُلْنا: إنَّ العاقِلَ أكْثر.
وقَولُه ﵀: [أوْ أنزَلَتا لخِطابهِما مَنْزِلَتَه] يَعنِي: أن المَسْألةَ فِيها إمَّا تَغلِيبُ، وإِمَّا أنَّ الأرْضَ والسَّماءَ أُنْزِلَتا مَنزِلةَ العاقِلِ لخِطابِهما؛ أي: لِكَونِهما خُوطِبا، ولا يُخاطَبُ غالِبًا إلا العاقِلُ.
مِنَ فوائِدِ الآيَةِ الكرِيمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ السَّماءَ كانَتْ قبْلَ أنْ تُخلَقَ دُخانًا، ثمَّ حَوَّل اللهُ هَذا الدُّخانَ إلَى سَمواتٍ، لِقَوْلِه تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثْباتُ علُوِّ اللهِ على أحَدِ القَوْلَين في تَفسِيرِ "اسْتَوى"، وهُما قصَدَ أو ارتَفَعَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ كلَّ شَيْءٍ قابِلٌ لمُخاطَبةِ اللهِ أيْ: قابِلٌ أنَّ اللهَ يُخاطِبُه، لأنَّ اللهَ خاطَبَ السَّماءَ والأرْضَ - وهِي جَماد - فقالَ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، لكِنَّنا لَو خاطَبْنا الجَمادَ لَعُدَّ ذلِك سَفَها ونَوعًا مِن الجُنونِ؛ أمَّا الرَّبُّ فإنَّه يُخاطِبُ ما شاءَ مِن عِبادِه مِن عاقِل وغَيره وجَمادٍ وغَيرِه، لأنَّ كلَّ مَن خاطَبه اللهُ فإنَّه يَفْهمُ خِطابَ اللهِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ كلَّ شَيْءٍ خاضِعٌ للهِ سَواءٌ كَرِهَ أمْ رَضِيَ، لِقَولِه تَعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: كَمالُ خُضُوعِ الأرْضِ والسَّمواتِ للهِ حَيثُ قالَتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يصِحُّ أنْ يُعبِّرَ عَن غيْرِ العاقِلِ بما يُعبَّرُ به عَن العاقِلِ،
стр. 73
إذا نُزِّلَ غيْرُ العاقِلِ مَنزِلةَ العاقِلِ لِقَولِه: ﴿طَائِعِينَ﴾، فإنَّ هَذا الجَمْعَ جمْعُ المُذكَّرِ السَّالِمِ لا يَصْدُرُ إلَّا مِنَ العاقِلِ وغيْرِه، يُقالُ: "طائِعاتٍ"، وما أشْبَهَ هَذا، لَكِنْ إذا نُزِّلَ غيْرُ العاقِلِ مَنزِلتَه بالخِطابِ صحَّ أنْ يُعامَلَ مُعامَلةَ العاقِلِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثْباتُ الطَّواعِيةِ والكراهيَةِ لغيْرِ العاقِلِ؛ لقَولِه تَعالَى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فهَلْ هَذا يَعنِي أنَّ لغَيْرِ العاقِلِ إرادَةٌ؟ الجوابُ: نعَمْ؛ لأنَّ الطَّائِعَ لَه إرادَةٌ، ومَنْ يُتَصوَّرُ إكْراهُه فلَه إرادَةٌ أيْضًا، وإرادَةُ كلِّ شيْءٍ بحَسَبِه، وقَد ورَدَ أنَّ الحَصىَ تَسبِّحُ بيْنَ يدَيِ الرَّسُولِ ﵊ ولا تسْبِيحَ إلَّا بَعْدَ إرادَةِ، وثبُتَ عَنِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أَنَّه قالَ في أُحُدٍ: "يُحِبُّنا ونُحِبُّه" (١)، والمَحبَّةُ أخَصُّ مِنَ الإرِادَةِ؛ وعلَى هذا: فهَذه الجَماداتُ الَّتي نحْن لا نفْقَه تسْبِيحَها لها إرادَة، وتسَبِّحُ اللهَ .
* * * стр. 74
الآية (١٢)
* * *
قالَ اللهُ : ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢].
* * *
قولُه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ يقول المُفسِّرُ ﵀: [الضَّميرُ يَرجِعُ إلَى السَّماءِ؛ لأنَّها في معنَى الجمعِ الآيلَةِ إلَيْه؛ أي صيَّرَها ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾]؛ قولُه: [﴿فَقَضَاهُنَّ﴾، الضَّمير يَرجِع إلَى السَّماءِ، حِينَئذٍ يرِدُ إشْكالٌ، فإِنَّ السَّماءَ مُفرَدٌ و"قَضاهُنَّ"، الضَّميرُ جمْعٌ، فكيْف كان الأمْرُ كذَلِك؟
يَقولُ ﵀: [يَرجِعُ إلَى السَّماءِ؛ لأنَّها في معنَى الجمْعِ الآيلِةِ إلَيه]؛ لأنَّ هَذه السَّماءَ المُفرَدَ يَؤُولُ إلَى جمْعٍ، ومِقدارُه: سبْعُ سَمواتٍ، فكأنَّه عبَّرَ عَنِ السَّماءِ بِاعْتِبارِ مَآلِها أنَّها سَتكونُ سبع سَمواتِ.
وقوْلُه: ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ أيْ صيَّرهُنَّ، وعلَى هَذا فيَكونُ الضَّمِيرُ في "قَضاهُنَّ" المَفْعُولُ الأوَّلُ، و ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ المَفْعُولُ الثَّاني، ويَحتَمِلُ أنْ تَكونَ "قَضاهُنَّ" بمَعنَى: فَرَغَ مِنْهُنَّ، وعلَى هَذا فيَكونُ الضَّمِيرُ الأوَّلُ مَفعُولًا بِه و ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتِ﴾ حالًا؛ أيْ: حالَ كَونِها سبع سَمواتٍ.
وعلَى كلٍّ: فَإنَّ السَّمواتِ كانتْ سَبْعًا.
وقَولُه: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال المُفسِّرُ: [الخميسُ والجُمُعةُ فُرغَ مِنها في آخِرِ ساعةٍ
стр. 75
مِنه، وفِيها خُلِقَ آدَمُ؛ ولذلِك لمْ يَقُلْ هُنا: "سَواءٌ"، ووافَقَ ما هُنا آياتُ خَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ في سِتَّةِ أَيَّامٍ]؛ أيْ: قَضاهُنَّ سَبْع سَمواتٍ في يَومَيْنِ، و"فِي" للظَّرفِيَّةِ، والظَّرْفُ يَكونُ أوْسَعَ مِنَ المَظْرُوفِ، فيَحتَملُ أَنَّه قضاهُنَّ في يَومَيْن مِن أوَّلِ اليَومَيْنِ إلَى آخِرِهُما، ويَحتَمِلُ أَنَّه قَضاهُنَّ في يَومَيْن؛ أي: في هَذا الظَّرْفِ، وإنْ كانَ القَضاءُ لَم يَستوعبْ هَذا الظَّرْفَ، وهَذا هُو الَّذي مَشى علَيه المُفسِّرُ، وسيَتبيَن ما فِيه إنْ شاءَ اللهُ.
وقَولُه ﵀: [فُرِغَ مِنها في آخِر ساعَةٍ مِنه، وفِيها - أيْ في آخِرِ ساعَةٍ خُلِق آدَمُ - ولذلِك لمْ يَقُلْ سَواءً"، بَينَما قال في خَلْقِ الأرْضِ: ﴿فِىَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾، وهُنا لمْ يَقُلْ: "في يَومَيْن سَواءً"؛ لِأنَّ بَعْضَ اليَومَيْنِ خُلِقَ فِيه آدَمُ، هَذا ما ذَهَب إلَيْه المُفسِّرُ، وفِيه نَظَر ظاهِر؛ لِأنَّ هَذا يَقتَضِي أنَّ آدَمَ خُلِقَ حِينَ خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ، يَعنِي في الأيَّام السَّتَّة الَّتي خُلِقتْ فِيها السَّمواتُ والأرْضُ، وهَذا لا شكَّ أَنَّه خَطَأٌ، بلْ إنَّه خُلِقَ بَعد ذلِك، لا أقُول: بمَلايِينَ، بَلْ بِمِئاتِ السِّنِين؛ لأنَّ آدَمَ ﵇ كَما هُو مَعلُومٌ - جَعلَه اللهُ تَعالَى خَلِيفَةً لأُناسٍ قَبْلَه أَو لِلجِنِّ الَّذِين سَكَنُوا الأرْضَ قَبْلَه، ولِهَذا لَمَّا قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، قالَتِ المَلائِكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] إلَى آخِرِه.
فدَعْوَى المُفسِّرِ ﵀ أنَّ آدَمَ خُلِقَ في آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمُعةِ الَّتي تمَّ فِيها خَلْقُ السَّمواتِ والأرْضِ غيْرُ صَحِيحٍ.
نَعم؛ خُلِقَ آدَمُ يوْمَ الجُمُعةِ لا شكَّ في هَذا، كَما ثبُتَ عَنِ النَّبيِّ (١) ﵊ لكِنَّها ليْسَتِ الجُمُعة الَّتي تمَّ بها خلْقُ السَّمواتِ والأرْضِ؛ إذَنْ: خلَقَهنَّ في يومَيْن؛ يقُولُ المُفسِّرُ: [وَوافَقَ هُنا آياتُ خلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ في ستَّةِ أَيَّامٍ] لأنَّ أرْبَعةَ следующие страницы →