← Тафсир

Тафсир · id 151163

تفسير العثيمين: الشورى

ابن عثيمين

Полный текст (359 стр.). Показаны 351–359 · переход к 356.

стр. 351

القرآنُ ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾؛ أيْ: شرائِعُه ومَعالِمُه]. أوحى اللهُ إلى نَبِيِّه نوحًا ﵊ مِن أمْرِه - سواءٌ قلنا: واحدُ الأمورِ أو واحدُ الأوامِرِ -، وأخبر أنَّ للهِ المِنَّةَ الكبرى عليه في ذلك؛ لأنَّه كان قبل هذا ما يدري؛ أي: ما يَعْلَمُ أو ما يَعْرِفُ ﴿مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ كَلِمَةُ ﴿مَا الْكِتَابُ﴾ يحتملُ أنَّ المرادَ بها ما الكتابةُ، ويحتملُ أن يُرادَ بذلك ما ذكره المفَسِّرُ وهو القرآنُ، أمَّا الأوَّلُ فلأنَّ اللهَ تعالى قال في نَبِيِّه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وأمَّا كونُ المرادِ به القرآنَ فهذا أمثلتُه كثيرةٌ. المهمُّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ لم يكن يَعْرِفُ حتَّى الكتابةَ، لا يَكْتُبُ ﵊، ولم يَكُنْ يَعْرِفُ أيضًا الوحْيَ قبل أن يُوحَى إليه. قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: شرائعُهُ ومَعالِمُه] يعني: وما كُنْتَ تدري عن شرائِعِ الإيمانِ، فلم يَكُنِ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ يدري عما شَرَعَه اللهُ له في هذه الشَّريعةِ كاملةً قَبْلَ ذلك. ثم قال المفسِّرُ ﵀: [والنَّفيُ مُعَلِّقٌ للفِعْلِ عن العملِ وما بعده سَدَّ مَسَدَّ المفعوليْن] الجملةُ هذه للإعرابِ، كلمةُ ﴿تَدْرِي﴾ تَنْصِبُ مفعوليْن، فهل بَعْدَها شيءٌ منصوبٌ؟ لا، بَعْدَها (ما) استفهاميَّةٌ مبتدأٌ و ﴿الْكِتَابُ﴾ خَبَرُه، ليس فيها شيءٌ منصوبٌ، إذا جاءتِ الجملةُ الإستفهاميَّةُ في محلِّ المفعوليْن، فإنَّها تُعَلِّقُ الفِعْلَ عن العملِ ظاهرًا، ولكنَّ الجُمْلَةَ تَكُونُ في محلِّ نَصْبٍ، إذن الإستفهامُ هنا عَلَّقَ الفِعْلَ عن العملِ وما بَعْدَه سدَّ مَسَدَّ المفعوليْن.

стр. 352

وقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: الرُّوحَ أو الكتابَ] يعني: جعلنا الكتابَ الَّذي أَوْحَيْنا إليك أو الرُّوحَ الَّذي أَوْحَيْنا إليك، والمعنى لا يَختلفُ. وقوله: ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ اللهمَّ اهْدِنا به! النُّورُ يَهْتَدي به النَّاسُ، ومنه قولُ الخنساءِ في أخيها: وإن صخرًا لتأتمُّ الهُداةُ به ... كأنه عَلَمٌ في رَأْسِه نارٌ (١) يعني: أنَّ النَّارَ تَجْعَلُ علامةً على الشَّيءِ إذا كان النَّاسُ في البَرِّ أَوْقَدُوا في اللَّيلِ نارًا على رأسِ جَبَلٍ أو على رأسِ أَكَمَةٍ؛ حتَّى يهتديَ بها من يُرِيدُهم. يقولُ: ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] نَهِدي بهذا النَّورِ من نشاءُ وهذا مبنيٌّ على حكمةِ اللهِ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] فالحريُّ أن يُهْدى بهذا النُّورِ من تَمَسَّكَ به وعَمِلَ بما فيه، تصديقًا للأخبارِ، وتنفيذًا للأحكامِ، من فَعَلَ هذا صار القرآنُ له نورًا يهتدي به، كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٧]. وأمَّا من أَعْرَضَ عنه - والعياذُ باللهِ - فإنَّه سيَكونُ حُجَّةً عليه ولا يَنْتَفِعُ به. وقوله: ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ قولُهُ: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المرادُ العبوديَّةُ العامَّةُ أو الخاصَّةُ؟ الجوابُ: ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ هذه تَقْسِمُ النَّاسَ إلى قِسْمَين: مهتدٍ وضالٍّ، فيكونُ ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ المرادُ به العبوديَّةُ العامَّةُ؛ لأنَّه جَعَلَ العبوديَّةَ هذه قِسْمَيْنِ

стр. 353

مهتدٍ وضالٍّ ﴿مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ﴾ يعني: يا مُحَمَّدُ. ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [تدعو بالوحْيِ إليك إلى صراطٍ مستقيمٍ] لو أنَّ المفَسِّرَ قال: ﴿لَتَهْدِي﴾ أي: تدلُّ لكان أَوْضَحَ وأَخْصَرَ ﴿لَتَهْدِي﴾ بمعنى تدلُّ فهي هدايةُ الدِّلالةِ. إنَّما قال: [تدعو بالوحْيِ إليك] ولكنَّ هذا لا يكفي؛ لأنَّه لو دعا فهل يهتدي النَّاسُ، لكن إذا قلنا: تدلُّ فقد وَضَّحَ الطَّريقَ ودلَّ عليه، ثمَّ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزُّمَرِ: ٤١]. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريقٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ يقولُ: دينُ الإسلامِ] وصَدَقَ الصِّراطُ المستقيمُ بَعْدَ بعثةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ، هو دينُ الإسلامِ. وقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ هذه بَدَلٌ من قولِهِ: الصِّراطِ المستقيمِ، وقولُهُ: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ أضافه اللهُ تعالى إلى نفْسِه؛ لأنَّه الَّذي وَضَعَه لعباده؛ ولأنَّه مُوَصِّلٌ إليه، فأُضيفَ إلى اللهِ باعتبارين: الأوَّلُ: أنَّه الَّذي وَضَعَه للعِبادِ وشَرَعَه لهم. والثَّاني: أنَّه مُوَصِّلٌ إليه. وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: قويمٍ غَيْرِ مُعْوَجٍّ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿لَهُ] الجارُّ والمجرورُ خبرٌ مُقَدَّمٌ و ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وتقديمُ الخبرِ يُفيدُ الحَصْرَ؛ أي: له وحده ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ. قال المفسِّرُ ﵀: [مُلْكًا وخَلْقًا وعَبِيدًا] لو قَدَّمَ المفسِّرُ [خَلْقًا] على [مُلْكًا] لكان أَحْسَنَ؛ لأنَّ الخَلْقَ سابقٌ على المُلْكِ، ولكنِ الخُلْفَ في هذا سهلٌ، وقولُهُ:

стр. 354

[عَبِيدًا] يعني: تدبيرًا يُدَبِّرُهُم ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشُّورَى: ٥٣] ﴿أَلَا﴾ هنا أداةُ استفتاحٍ والمقصودُ بها التَّنبيهُ والتَّأكيدُ. وقولُهُ: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ مفعولٌ ﴿تَصِيرُ﴾ مُقَدَّمٌ عليها لإفادةِ الحَصْرِ؛ أي: إلى اللهِ لا إلى غَيْرِه ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: شؤونُ الخَلْقِ. من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ أنَّ هذا القرآنَ الكريمَ روحٌ تحيا به القلوبُ، وعلى هذا فإذا وَجَدْتَ قَلْبَكَ مَيِّتًا أو وَجَدْتَه مريضًا أو وَجَدْتَه قاسيًا فعليك بالقرآنِ، اقرأْه عن محبَّةٍ وتَدَبُّرٍ فسيتغيَّرُ القلبُ، من مرضٍ إلى صِحَّةٍ، ومن موتٍ إلى حياةٍ، ومن قسوةٍ إلى لِينٍ. قال ابنُ عَبْدِ القويِّ ﵀: وحافِظْ على دَرْسِ القُرَانِ فإنه ... يُلَيِّنُ قلبًا قاسيًا مِثْلَ جَلْمَدِ (١) أيْ: مِثْلَ الحصى، ويدُلُّ عليه هذه الآيةُ. مسألةٌ: إذا كان الإنسانُ يَقْرَأُ كُتُبَ العلماءِ ثم يَرِدُ عليه نسيانُ بعضِ الأقوال، فهل يُفَرَّقُ بَيْنَ نسيانِ القرآنِ ونسيانِ غيرِهِ؟ فالجوابُ: النِّسْيانُ لا يخلو منه الإنسانُ حتى إنَّ النَّبيَّ ﷺ قَرَأَ ذاتَ يومٍ ونَسِيَ آيةً من كتابِ اللهِ (٢). فلا أحدَ يَسْلَمُ منه، لكنَّ القرآنَ تَجِبُ العنايةُ به أَكْثَرَ؛ لأمْرِ النَّبيِّ ﷺ بتَعَهُّدِه، والقرآنُ أكثرُ الأشياءِ نسيانًا، يعني أنْ تَحْفَظَ مثلًا مَتْنًا من متونِ الفِقْهِ

стр. 355

لا يحتاجُ إلى تَعَهُّدٍ كثيرٍ، أمَّا القرآنُ فلا بدَّ أن تَتَعَهَّدُه كثيرًا وإلَّا نَسِيتَهُ، قال النَّبيُّ ﷺ : "تَعَهَّدُوا بالقرآنِ، فوالَّذي نفسي بيَدِهِ لهو أشدُّ تَفَصِّيًا - أو تَفَلُّتًا - من الإبِلِ في عُقُلِهَا" (١). والحكمةُ من أنَّ القرآنَ يُنْسَى أكثرُ من غيرِهِ: أوَّلًا: الإبتلاءُ؛ لِيَعْلَمَ اللهُ تبارك تعالى من هو راغبٌ في حِفْظِ القرآنِ ومن هو غيرُ راغبٍ. ثانيًا: كثرةُ الأجْرِ والثَّوابِ بتردادِه، فإنَّ في كلِّ حرفٍ عَشْرَ حسناتٍ. ثالثًا: أن يَبْقَى ذِكْرُ اللهِ تعالى في القلْبِ؛ لأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، فإذا كنْتَ تقرأُ القرآنَ فكأنَّما تُنَاجي اللهَ ؛ لأنَّكَ تقرأُ كلامَه ؛ ولهذا جَعَلَ اللهُ تعالى من الحكمة أن يُنْسَى سريعًا؛ حتَّى تَحْرِصَ عليه. فإن قال قائلٌ: عندما جاء النَّبيَّ ﷺ مَلَكَانِ في المنامِ، فرأَى أنَّه مَرَّ على قومٍ يُعَذَّبُون في قبورِهِم، منهم رجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ فنام عنه باللَّيلِ ولم يَعْمَلْ به في النَّهارِ (٢)، فهل هذا يَدُلُّ على وجوبِ قيامِ اللَّيلِ لصاحِبِ القرآنِ؟ فالجوابُ: لا يَجِبُ، ولعلَّ هذا الرَّجُلَ له صفةٌ خاصَّةٌ، أو يُقالُ: نام عنه في اللَّيلِ، يعني عن الواجبِ فيه، كصلاةِ العِشاءِ مثلًا وصلاةِ الفجْرِ؛ لأنَّ المنافقين لا يُصَلُّون الفجْرَ ولا العِشاءَ.

стр. 356

مسألة: قيل: إن الإمامَ الشَّافعيَّ كان يَخْتِمُ القُرْآنَ في اليومِ مَرَّتَيْنِ في رمضانَ (١) فهل هذا يُعْتَبَرُ مُخَالَفَةً للسُّنَّةِ؟ فالجوابُ: لا؛ لأنَّ هذا من الأمورِ العارضةِ، هذا لا يُخَالِفُ السُّنَّةَ، الأمورُ العارضةُ لا تُعْتَبَرُ كالأمورِ الدائمةِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ القرآنَ من أمْرِ اللهِ وينبني عليها أنَّه ليس بمخلوقٍ، وجْهُ ذلك: قولُ اللهِ ﵎: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعرافِ: ٥٤]، فَفَصَلَ الخَلْقَ عن الأمْرِ وجَعَلَه قسيمًا له، فدلَّ ذلك على أنَّ الأمْرَ ليس من الخَلْقِ، وهذا هو المرادُ. فهذه الآيةُ مما يُسْتَدَلُّ به على طائفتَيِ المُعتزِلَةِ والأشعريَّةِ الَّذين يقولون: إنَّ القرآنَ مخلوقٌ. وجْهُ ذلك: أنَّ اللهَ جعل الأمْرَ قسيمًا للخَلْقِ وقسيمُ الشَّيْءِ منه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تعظيمُ الرَّبِّ نفْسَه؛ لقولِهِ: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ وقولِهِ: ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾ وهو أَهْلٌ للتَّعظيمِ أهْلٌ للإكرامِ، وأهْلٌ للثِّناءِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَبْلَ هذا الوحْيِ لا يدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ، وعليه يدلُّ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضُّحى: ٧] يعني: جاهلًا ﴿فَهَدَى﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ مِنَّةِ اللهِ على رسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ بإنْزالِ القرآنِ الَّذي صار به عالمًا بالكتابِ وعالمًا بالإيمانِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان أمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فيكونُ فيه إبطالٌ

стр. 357

لدعوى أنَّه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ كاذبٌ؛ لأنَّه لا يستطيعُ أن يأتِيَ بهذا القرآنِ من عِنْدِه. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ جَعَلَ الكتابَ نورًا يَهدي به من يشاءُ. وينبني على هذه الفائدةِ: أنَّك إذا أردْتَ أن يستنيرَ قلبُك ويحيا قلبُك فعليك بالقرآنِ، لكنْ قراءة تَدَبُّرٍ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ أنَّ الهدايةَ والضَّلالَ بمشيئةِ اللهِ؛ لقولِهِ: ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ يدلُّ على الصِّراطِ المستقيمِ؛ لقولِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فإن قال قائلٌ: ما الجمْعُ بَيْنَ هذه الآيةِ وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصصِ: ٥٦]؟ فالجوابُ: الهدايةُ في الآيةِ الثَّانيةِ هدايةُ التوفيقِ، فإن النَّبيَّ ﷺ لا يَمْلِكُ أن يَهْدِيَ أحدًا، وأمَّا الهدايةُ في الآيةِ الَّتي هنا فهي هدايةُ الدِّلالةِ، اقرأْ قوْلَ اللهِ تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فُصِّلَتْ: ١٧] هديناهم هدايةَ دلالةٍ يعني: بَيَّنَّا لهم الحقَّ ودَلَلْنَاهم عليه ولكنَّهم - والعياذُ باللهِ - استحبُّوا العمى على الهدى، فلم يهتدوا. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ هَدْيَ النَّبيِّ ﷺ هَدْيٌ مستقيمٌ لا اعوجاجَ فيه؛ لقولِهِ: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فليس فيه اعوجاجٌ في الخَبَرِ، والإعوجاجُ في الخبرِ الكَذِبُ. وليس فيه اعوجاجٌ في الشَّرائِعِ، بل كلُّها مَبْنِيَّةٌ على العدْلِ والفضْلِ والحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين.

стр. 358

الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الإشارةُ إلى أنَّ ما خالف هَدْيَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ فليس صراطًا مستقيمًا، تُؤْخَذُ من مَفْهُومِ قَوْلِه: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني: ما سوى ما أنت عليه فليس صراطًا مستقيمًا. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تعظيمُ شَأْنِ دينِ اللهِ الَّذي يدعو إليه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ؛ لقولِهِ: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشُّورَى: ٥٣]. فإن قال قائلٌ: كيف نَجْمَعُ بَيْنَ هذه الآيةِ وبَيْنَ قولِهِ تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحةِ: ٦ - ٧] وهنا يقولُ: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾؟ فالجوابُ: أنَّه يُضافُ إلى اللهِ باعتبارٍ، ويُضافُ إلى الَّذين أَنْعَمَ اللهُ عليهم باعتبارٍ آخَرَ، فإضافتُهُ إلى اللهِ باعتبارِ أنَّه وَضَعَه وأنَّه يُوَصِّلُ إليه، وباعتبارِ إضافتِهِ إلى الذين أنعَمَ علَيهم أنَّهم سالِكُوه المؤمِنون به. اللهمَّ اجْعَلْنَا منهم. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: عمومُ مُلْكِ اللهِ واختصاصِه بهذا المُلْكِ، العمومُ من قولِهِ: ﴿مَا﴾ فإنَّ (ما) اسمٌ موصولٌ يدلُّ على العمومِ واختصاصِه به من تقديمِ الخبرِ على المبتدأِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الإشارةُ إلى أنَّ اللهَ تعالى يَحْكُمُ ما يشاءُ وأنَّه لا اعتراضَ على حُكْمِه؛ لقولِهِ: ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فأتى بعمومِ المُلْكِ بعد ذِكْرِ الصِّراطِ المستقيمِ إشارةً إلى أنَّ ما حَكَمَ به ﵎ لا اعتراضَ عليه فيه؛ لأنَّ اللهَ له مُلْكُ السَّمواتِ والأرضِ يَخْلُقُ ما يشاءُ ويُشَرِّعُ ما يشاءُ؛ ولهذا تَجِدُ بعضَ أهلِ العِلْمِ ﵏ إذا لم يهتدوا إلى عِلَّةِ الحُكْمِ قالوا: هذا تَعَبُّدِيٌّ؛ يعني: علينا أن نَتَعَبَّدَ به وإن لم نَعْلَمِ الحِكْمةَ.

стр. 359

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: بيانُ أنَّ الأمورَ كُلَّهَا تصيرُ إلى اللهِ؛ أي: تَرْجِعُ إليه خَلْقًا ومُلْكًا وتدبيرًا وحُكمًا، كلُّ شيءٍ يرجعُ إلى اللهِ إذا اختلفْنا في حُكْمٍ في مسألةٍ من مسائِلِ العِلْمِ نَرْجِعُ إلى اللهِ، إذا كان يومُ القيامةِ يُبْعَثُ الخلائقُ ويرجعون إلى اللهِ. إذن ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ يعني: كُلُّ الأمورِ تَصيرُ إلى اللهِ تَرْجِعُ إليه، فهو منه المُبْتدأُ وإليه المُنْتهى ﵎. وبهذا تَمَّ تفسيرُ سورةِ الشُّورَى ويكونُ الموقفُ إن شاءَ اللهُ على سورةِ الزُّخْرُفِ. نسألُ اللهَ تعالى أن يَخْتِمَ لنا ولكم بالسعادةِ، وأن يَرْزُقَنَا فَهْمَ كتابِهِ على الوجْهِ الَّذي يرضاه عنا، وأن يَجْعَلَنا ممَّن يتلونه حقَّ تلاوتِه. * * *