التَّرتيبِ والتَّراخي، وليست كالواوِ؛ لأنَّ الواوَ تقتضي التَّسويةَ، فهي في منزلةٍ بين منزلتين، فهل نقولُ: إنَّها كـ (ثُمَّ)؛ لأنَّها دالَّةٌ على التَّرتيبِ، أو إنَّها كالواوِ؛ لأنَّ ترتيبَها يقتضي التَّعقيبَ؟
الأوَّلُ هو الصَّوابُ؛ يعني: لولا اللهُ ففلانٌ؛ لأنَّك جعلْتَ فلانًا بعد اللهِ وكونُهُ متراخيًا أو متعاقبًا هذا شيءٌ آخَرُ.
فإن قال قائلٌ: يُشْكِلُ علينا في هذه المسألةِ ما نُقِلَ عن ابْنِ عبَّاسٍ أنَّه كان يقولُ: قولُ القائلِ لولا الرُّبَّانُ لغَرِقَتِ السَّفينةُ كان يَعُدُّ هذا من الشِّرْكِ الأصغرِ (١) فما وَجْهُهُ؟
فالجوابُ: وجْهُهُ أمران:
أوَّلًا: الحديث رواه ابْنُ أبي حاتمٍ فيحتاجُ إلى تصحيحٍ.
ثانيًا: أنَّ ابْنَ عبَّاسٍ ﵄ لعلَّه في وقتٍ النَّاسُ قريبون من الشِّرْكِ، فأراد أن يُشَدِّدَ في هذا الأمرِ حتَّى ينتهيَ النَّاسُ عنه؛ لأنَّ قولَ الرَّسولِ ﵊: "لولا أنا" واضحٌ أنَّه أضاف الشَّيءَ إلى سَبَبِه دون أن يَقْرِنَه بمشيئةِ اللهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ مَن هداه اللهُ فقد تولَّاه؛ لأنَّه لمَّا نفى الوَلايةَ عن الظَّالمين فإنَّها تَثْبُتُ للمؤمنين، وبذلك جاء التَّصريحُ في قولِهِ تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه ينبغي للإنسانِ أن يُلِحَّ على اللهِ دائمًا أن يَهْدِيَهُ من الضَّلالِ؛ لأنَّه إذا كان المَرْجِعُ في الإضلالِ إلى اللهِ فإلى من نلتجئُ؟ إلى اللهِ ، فما دام
стр. 317
الإضلالُ والهدايةُ بيدِ اللهِ فلنرْجِعْ إليه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَحَسُّرُ وذُلُّ الظَّالمين إذا رأوُا العذابَ؛ لقولِهِ: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشُّورَى: ٤٤]، تَحَسُّرُهُم بقولهِم: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ لأنَّ هذا تَمَنٍّ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هؤلاء الظَّالمين يُعْرَضُون على النَّارِ على أَكْمَلِ ذُلٍّ، وأخزى حالٍ خاشعين؛ أي: ذليلين خائفين من الذُّلِّ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ المُسْتكْبِرِين على الحقِّ المعانِدِين يُجازَوْنَ بعقابٍ يناسبُ مَعْصِيَتَهُم، وجْهُ ذلك أنَّهم يُعْرَضُون على النَّارِ خاشعين ذليلين، ومعلومٌ أنَّ العقوبةَ بالذُّلِّ مناسِبَةٌ للمعصيةِ بالإستكبارِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الظَّالمِين يَلْحَقُهم الذُّلُّ ظاهرًا وباطنًا: الباطنُ في قولِهِ: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾. والظَّاهرُ في قولِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: تَحَدَّثَ الَّذين آمنوا بِنِعَمِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ فكأنَّهم يُثْنُونَ على اللهِ بكوْنِهم رَبِحُوا دنياهم وأخراهم.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ العاصيَ قد خَسِرَ نَفْسُه، وعلى حَسَبِ مَعْصِيَتِه تَكُونُ الخَسارةُ؛ لأنَّه لم يَسْتَفِدْ من وُجُودِه في الدُّنيا شيئًا، ويتفرَّعُ على هذا أنَّه ينبغي للإنسانِ أن يُحَاسِبَ نَفْسَه ويَنْظُرَ ماذا صَنَعَ فإن رأى أنَّه قد ملأَ زَمَنَه من الخيْرِ المقصودِ والوسيلةِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وإن رأى أنَّه أضاعه فَلْيُسْتَعْتَبْ؛ يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
стр. 318
ولْنَضْرِبْ لهذا مثلًا: رَجُلٌ قام يُصَلِّي ويَقْرَأُ القرآنَ لمدَّةِ ساعةٍ وآخَرُ يَلْعَبُ هذه المُدَّةَ، مَن الرابحُ؟ الأوَّلُ هو الرَّابحُ؛ لأنَّه ملأ هذا الفراغَ عبادةً، والثَّاني خاسرٌ ضائعٌ حتَّى إنَّ بعضَ أهلِ العِلْمِ قال: إنَّه يَحْرُمُ عليه ألَّا يشغلَ الزَّمنَ بالطَّاعةِ؛ لأنَّه كالَّذي عنده مالٌ فلم يُنْفِقْه في سبيلِ اللهِ، لكنَّ الصَّحيحَ أنَّه إذا لم يُعَمِّرْه بالمعصيةِ فلا له ولا عليه، إلَّا أَنَّه يُعْتَبَرُ خاسرًا بالنِّسبةِ لمن شغله بطاعةِ اللهِ، وأنت فَكِّرْ في هذا: عندما تقومُ تصلِّي قلْ لنَفْسِك: إنَّ عُمُرَكَ هو هذا الزَّمنُ الَّذي أَمْضَيْتَهُ في طاعةِ اللهِ، عَوِّدْ نَفْسَك على هذا؛ من أَجْلِ أن تَحْرِصَ على أن تُعَمِّرَ زَمَنَكَ بِطَاعَةِ اللهِ.
مسألةٌ: قِراءة القرآن حَسَبِ نشاطِ الشَّخص، لكن قال العُلَمَاءُ: ينبغي أن يَجْعَلَ حزبًا معينًا يتلوه كلَّ يومٍ تنظيمًا لقراءتِه؛ لأنَّ الإنسانَ إذا جَعَلَها مفتوحةً هكذا مرَّت به الأَيَّامُ وهو لم يُحَصِّلْ شيئًا، وهذا وإن كان يعني: ليس معهودًا فيمن سَلَف، إلَّا إن كان دلَّ عليه حديثٌ أظنُّهُ عبدَ اللهِ بْنَ عَمْرو قال: "أستطيعُ أن أقرأَه في شَهْرٍ في أسبوعٍ في ثلاثة أيامٍ" فقال ﷺ : "لا تَقْرَأْه في أقلَّ من ثلاثةِ أيامٍ" (١).
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ عذابَ الكافرين دائمٌ؛ لقولِهِ: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: تأكيدُ هذه العقوبةِ؛ لئلَّا يقولَ قائلٌ: إنَّ العذابَ قد يَنْقَطِعُ.
* * *
стр. 319
الآية: (٤٦)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشُّورَى: ٤٦].
* * *
قولُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: غَيْرِهِ يَدْفَعُ عقابَه عنهم]، وما كان لهم؛ أي: للظَّالمين ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ (مِنْ) زائدةٌ إعرابًا، وهي للتَّوكيدِ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يَنْصُرونهم؛ يعني: ليس لهم من يَتَوَلَّاهم وَينْصُرُهم من دونِ اللهِ أي: من عذابِهِ، و ﴿دُونِ﴾ هنا بمعنى غَيْرُ كما فَسَّرَها المفسِّرُ ﵀؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يَدْفَعَ عذابَ اللهِ عمَّن أراد اللهُ أن يُعَذِّبَه أبدًا ولا يَنْصُرَه منه، في الدُّنْيا لو أراد ظالمٌ أن يَظْلِمَ أحدًا أَمْكَنَ أن نَدْفَعَه، لكن عقوبةَ اللهِ لا يُمْكِنُ أحدًا أن يَدْفَعَهَا.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ جملةٌ شرْطِيَّةٌ، وهي كما سبق جوابُها مقرونٌ بالفاءِ؛ لأنَّه اتَّصل بـ (ما) ﴿فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: طريقٍ إلى الحقِّ في الدُّنيا وإلى الجنَّةِ في الآخرةِ] بل يكونُ أعمى - والعياذُ باللهِ -، ليس له سبيلٌ إلى الحقِّ؛ ولذلك تجدُ الَّذين قضى اللهُ بإضلالهِم يُقَدَّمُ لهم الحقُّ كالشَّمسِ في رابعةِ النهارِ ولكن لا يفهمونه، قد حِيلَ بينهم وبينه.
واستمعْ إلى قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطفِّفِين: ١٣]، قال اللهُ : ﴿كَلَّا﴾ يعني: ليست أساطيرَ الأولينَ ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
стр. 320
[المطفِّفين: ١٤] الذُّنوبُ جَعَلَتْه يرى الحقَّ باطلًا ويرى الباطلَ حقًّا، تُتْلى عليه آياتُ اللهِ كالقرآنِ أو التَّوراةِ حين لم تُنْسَخْ، ولكنَّه يقولُ: هذه أساطيرُ الأوَّلينَ قد حِيلَ بينه وبين فَهْمِها؛ ولذلك كلَّما رأيْتَ قَلْبَك مطمئنًّا بالقرآنِ محبًّا له متدبرًا له، فاعلمْ أنَّه نَقِيٌّ من الذُّنوبِ، وكلَّما وجدْتَ الأمرَ بالعكْسِ فَطَهِّرِ القَلْبَ.
من فوائدِ الآية الكريمةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الظَّالمين لا أحدَ يَنْصُرُهم من دونِ اللهِ؛ لأنَّهم استحقُّوا العذابَ، ولا مانعَ لما أعطى اللهُ ولا مُعْطِيَ لما مَنَعَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإضلالَ بيدِ اللهِ، وأن من أَضَلَّهُ اللهُ لا يُمْكِنُ أن يَرْجِعَ للحقِّ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه يجبُ على المرءِ أن يَلْجَأَ إلى اللهِ دائمًا ويسألَ اللهَ الهدايةَ، وها هو النبيُّ ﷺ يسألُ رَبَّه أن يَهْدِيَه، أوَّلَ ما يدعو في صلاةِ اللَّيلِ يدعو بالإستفتاحِ المشهورِ: "اللهمَّ رَبَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادةِ، أنت تَحْكُمُ بين عبادِك فيما كانوا فيه يختلفون، اهْدِني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذْنِكَ، إنَّك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ" (١)؛ يقولُ: "اهْدِني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذْنِك" فكيف بنا؟ ! .
فالمُهِمُّ: أنَّه يُؤْخَذُ من الآيةِ: أن يرجعَ الإنسانُ في طلبِ الهدايةِ إلى اللهِ تعالى وَحْدَهُ وأن يُعِيذَهُ من الضَّلالِ.
* * *
стр. 321
(الآية: ٤٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشُّورَى: ٤٧].
* * *
قوُلهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ استجاب بمعنى أجاب؛ ولهذا قال المفسِّرُ ﵀: [أجيبوه بالتَّوحيدِ والعبادةِ] بالتَّوحيدِ ضدَّ الشِّرْكِ، والعبادةِ ضدَّ الإستكبارِ، وهذا واجبٌ على كلِّ مُسْلِمٍ أن يجيبَ اللهَ ﵎ بالإيمانِ به وتوحيدِهِ وطاعتِه.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ هو يومُ القيامةِ ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: أنَّه إذا أتى به لا يُرَدُّ] ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا أَحَدَ يَرُدُّه ويَمْنَعُه، وقيل: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: أنَّ اللهَ لا يَرُدُّهُ إذا أتى به، وكلا المَعْنَيَيْنِ صحيحٌ.
فاللهُ ﵎ إذا أتى به فقد قضى به فلا يُمْكِنُ أن يَرُدَّه، وكذلك لا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يَرُدَّهُ من دون اللهِ، لا أَحَدَ يَمْنَعُه من اللهِ ؛ ولذلك لو أن أحدًا حاول أن يَرُدَّ يومَ القيامةِ لم يَتَمَكَّنْ ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾ تلجؤون إليه يوْمَئذٍ ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ إنكارٌ لذنوبِكم] ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾ هذه جملةٌ مبتدأٌ وخبرٌ، قُدِّمَ فيها الخبرُ على المبتدأِ، وأُدْخِلَتْ (من) الزَّائدةُ على المبتدأِ من بابِ التَّوكيدِ؛ يعني: ما لكم
стр. 322
أيُّ ملجأٍ من دونِ اللهِ والملجأُ بمعنى: المعاذُ أو الملاذُ، الَّذي يلوذُ به الإنسانُ عما نَزَلَ به.
وقولُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يومَ إذ يأتي ذلك اليومُ ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ قال: إنكارٍ لذنوبِكم فكأنَّه فَسَّرَ النَّكيرَ بمصدرٍ وهو الإنكارُ، فإن صحَّ ما فسَّرَه به ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ فإنه يُشْكِلُ على هذا قولُ اللهِ ﵎: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعامِ: ٢٣]، وهذا إنكارٌ، فعلى تفسيرِ المفسِّرِ: ما لكم من إنكارٍ لذنوبِكم. يحتاجُ أن نَجْمَعَ بينه وبين هذه الآيةِ.
والجوابُ أن نقولَ: الجمعُ بينهما أنَّهم يُنْكِرون أوَّلًا ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعامِ: ٢٣]، ظنًّا منهم أنَّهم إذا فعلوا ذلك نَجَوْا كما نجا أهلُ التَّوحيدِ، ثمَّ تَشْهَدُ عليهم ألسنتُهُم وأيديهم وأرْجُلُهم بما كانوا يَكْسِبُون وحينئذٍ يعترفون ويُقِرُّون، فيكونُ الإنكارُ أوَّلًا، ثمَّ الإقرارُ ثانيًا، وتكونُ الآيةُ هذه ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي: باعتبارِ المآلِ؛ أي: لا يُمْكِنُكُم أن تُنْكِروا.
وقيل: إنَّ نكيرًا بمعنى مُنْكِرٍ، كسميعٍ بمعنى مُسْمِعٍ، والمعنى: لا أَحَدَ يُنْكِرُ ما نَزَلَ بكم ويدفَعُه عنكم، وهذا المعنى أصحُّ وأنسبُ لسياقِ الآيةِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾ وما لكم من منكرٍ؛ يعني: لا ملجأَ تلجؤون إليه، ولا أحدَ يدافعُ عنكم ويُنْكِرُ ما نزل بكم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وجوبُ الإستجابةِ إلى اللهِ تعالى فورًا؛ لقولِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ﴾ هذا اليومُ الَّذي هدَّدَ اللهُ به هل له وقتٌ مُحَدَّدٌ في عُمرِ الإنسانِ بحيث يستطيعُ أن يُؤَخِّرَ التَّوبةَ والإستعتابَ؟
стр. 323
الجوابُ: لا؛ لأنَّ الإنسانَ لا يدري متى يفاجِئُه الموتُ، وإذا فاجأه الموتُ انقطع كلُّ عَمَلٍ، كما ثبت عن النَّبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - إذا مات الإنسانُ انقطع عملُهُ (١)، فلا فَرْقَ بين قيامِ الساعةِ الكبرى وبين موتِ الإنسانِ من حيث انقطاعِ العملِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: رأفةُ اللهِ ﵎ بعبادِهِ حيث يُنْذِرُهُم بعذابِهِ قبل الوقوعِ، ولا شكَّ أنَّ هذا من رَحْمِته ورأْفَتِه بهم، وإلَّا لَتَرَكَهُم يَفْعَلون ما يشاؤون حتَّى أَنْزَلَ بهم العذابَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه لا مَلْجَأَ يومَ القيامةِ من اللهِ في الدُّنْيا يُمْكِنُ أن يلوذَ الإنسانُ بذي سُلْطَةٍ يستجيرُ به، لكن في الآخرةِ لا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه لا أَحَدَ يُنْكِرُ ما نَزَلَ بأهلِ العذابِ من العذابِ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾.
* * *
стр. 324
الآية (٤٨)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشُّورَى: ٤٨].
* * *
ثم قال مسلِّيًّا النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ يعني عن الإستجابةِ، ولم يستجيبوا، فلا لَوْمَ عليك، ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [تَحْفَظُ أعمالَهُم بأن توافِقَ المطلوبَ منهم].
فالشرط (إن أَعْرَضوا) وجوابُ الشَّرْطِ: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ والمعنى: إن أعرضوا فلا لَوْمَ عَلَيْكَ؛ لأَنَّك لم تُرْسَلْ عليهم حفيظًا على أعمالهِم ولا مسيطِرًا عليهم، إنما أُرْسِلْتَ للإبلاغِ، وقد حَصَلَ ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿إِنْ﴾ ما] أراد أن يُفَسِّرَ (إِنْ) بمعنى (ما)، و (إِنْ) تأتي نافيةً كما هنا، وتأتي زائدةً، وتأتي شرطيَّةً، وتأتي مخفَّفَةً من الثَّقيلةِ. فهنا جاءت نافيةً، والغالبُ أنَّها تكونُ نافيةً إذا أتى بعدها إثباتٌ مثل ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطرٍ: ٢٣] ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [الأعرافِ: ١٨٨] وما أَشْبَهَ ذلك، هذه تكونُ نافيةً بمعنى (مَا).
وتأتي شرطيَّةً مثل: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
стр. 325
وتأتي زائدةً كما في قولِ الشَّاعِرِ:
بني غُدانَةَ ما إن أنتم ذهبٌ ... ولا صَرِيفٌ ولكن أنتم الخزفُ (١)
(بني غُدانةَ ما إن أنتم ذهب): هذه (إن) زائدةٌ؛ لأنَّها لو حُذِفَتْ لاستقام الكلامُ، لو قيل: بني غُدانةَ ما أنتم ذهب، استقام الكلامُ فهي زائدةٌ.
وتأتي مخفَّفةً من الثقيلةِ بمعنى: أنْ تكونَ هي بمعنى (إنَّ) ولكن خُفِّفَتْ، وفي هذه الحالِ يكونُ اسمُها ضميرَ الشأنِ محذوفًا، والجملةُ الَّتي بعدها تكونُ خبرًا.
هذه أربعة معانٍ لـ (إِنْ).
﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) ﴿عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ يعني: ما عليك إلَّا البلاغُ وقد بَلَّغَ البلاغَ المُبِينَ وتَعِبَ في ذلك تعبًا عظيمًا، وأُوذِيَ في ذلك أذًى عظيمًا ومع ذلك فهو صابرٌ مُحْتَسِبٌ؛ لأنَّه - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - يَعْلَمُ أنَّ ما أصابه في ذاتِ اللهِ فهو خيرٌ ورِفْعَةٌ، جاهدَ في اللهِ حقَّ جِهادِه وبلْغَ الرِّسالةَ غايةَ البلاغِ، وأُوذِيَ على ذلك ولكنَّه صَبَرَ، وكان يقولُ:
هل أنتِ إلا إصبعٌ دَمِيتِ ... وفي سبيلِ اللهِ ما لَقِيتِ (٢)
قال المفسِّرُ ﵀: [وهذا قبل الأمْرِ بالجهادِ] إذن فالآيةُ على كلامِ المفسِّرِ منسوخةٌ.
стр. 326
والمفسِّرُ ونحْوُهُ دائمًا إذا أتى بمِثْلِ هذه الآيةِ يقولُ: "هذه منسوخةٌ" وهذا غلطٌ؛ لأنَّ النَّسْخَ ليس بالأمرِ الهَيِّنِ، ادِّعاءُ النَّسْخِ. يعني أنَّ المنسوخَ باطلٌ حكمًا زائلٌ، وهذا صعْبٌ أن تَرْفَعَ حُكْمَ آيةٍ أو حديثٍ لمجرَّدِ وَهْمٍ تَوَهَّمْتَهُ؛ لذلك لا يجوزُ للإنسانِ أن يَسْلُكَ هذا المسْلَكَ المُشِينَ، أنَّه إذا عَجَزَ عن الجمْعِ بين الآياتِ ذهب يقولُ: إنَّها منسوخةٌ.
فالنَّسخُ يحتاجُ إلى العِلْمِ بتأخُّرِ النَّاسِخِ، ويحتاجُ أيضًا إلى تَعَذُّرِ إمكانِ الجمْعِ، فإن أَمْكَنَ الجَمْعُ فلا نَسْخَ.
فإن قال قائلٌ: هل قولُهُ: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشُّورَى: ٤٨]، منسوخٌ؟
فالجوابُ: أبدًا؛ إلى آخِرِ رَمَقٍ من حياةِ النَّبيِّ ﷺ وهو عليه البلاغِ، فلم يَنْسَخْ، والبلاغُ لا ينافي أن يَكُونَ معه جهادٌ، ولكن من حِكْمَةِ اللهِ أنَّ اللهَ لم يَفْرِضِ الجِهادَ إلَّا حين قَوِيَتِ الأمَّةُ الإسلاميَّةُ، فلم يَفْرِضِ الجهادَ في مكَّةَ، وإنَّما فَرَضَه في المدينةِ حين صار للأمَّةِ الإسلاميَّةِ دولةٌ مستقلَّةٌ تستطيعُ أن تُجاهِدَ، فهذا من الحِكمةِ، ويعبَّرُ عنه أنَّه من بابِ التدرُّجِ في التَّشريعِ، ومن بابِ الحكمةِ في التَّشريعِ.
إذن نقولُ: إنَّ قوْل المفسِّرِ - عفا اللهُ عنه وغَفَرَ له -: [إنَّ هذا قبل الأمْرِ بالجهادِ] خطأٌ عظيمٌ نقولُ: البلاغُ واجبٌ عليه حتَّى بعد الأمْرِ بالجهادِ، ولا يتنافيان، لا ينافي أن يَكُونَ عليه البلاغُ وأن يَكُونَ مأمورًا بالجهادِ ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ نعمةً؛ كالغنى والصِّحَّةِ ﴿فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ الضَّميرُ للإنسانِ باعتبارِ الجنْسِ ﴿سَيِّئَةٌ﴾ بلاءٌ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: قَدَّمُوه، وعبَّرَ بالأيدِي؛ لأنَّ أكْثَرَ الأفعالِ تُزَاوَلُ بها ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ للنِّعْمَةِ].
стр. 327
قولُهُ: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا﴾ معلومٌ أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ، فلماذا قال: إنَّا؟
نقولُ: للتَّعظيمِ لإظهارِ العظمةِ والسُّلْطَةِ وقُوَّةِ المُلْكِ ﴿إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾؛ يعني: أوَصْلَنَاها إليه، حتَّى كأنَّها طعامٌ ذاقَه لا يشكُّ فيه، وقولُهُ: ﴿مِنَّا﴾؛ لأنَّ كلَّ نعمةٍ بنا فإنَّها من اللهِ، كما قال : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النَّحلِ: ٥٣].
وقوله: ﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾ يقولُ المفسِّرُ ﵀: [نعمةٌ كالغنى والصِّحَّةِ] والمثالُ هنا لا يعني الحصْرَ، لكنَّه مثال، الغنى نِعْمَةٌ، الصِّحَّةُ نعمةٌ، الأولادُ نعمةٌ، الأمْنُ نعمةٌ، نِعَمُ اللهِ لا تُحْصى، كما قال اللهُ : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحلِ: ١٨]، إذن ما ذكره المفسِّرُ على سبيلِ التَّمثيلِ، والتَّمثيلُ لا يُعطي الحَصْرَ.
وقولُهُ: ﴿فَرِحَ بِهَا﴾ المرادُ بذلك: فَرَحُ البَطَرِ والأَشَرِ لا الفَرحُ بالنعمةِ مع اعتقادِه أنَّها من عندِ اللهِ، فإنَّ هذا مأمورٌ به أن يَفْرَحَ الإنسانُ بنِعَمِ اللهِ، وفي الحديثِ: "إنَّ اللهَ إذا أَنْعَمَ على عبْدِه نعمةً يُحِبُّ أن يرى أَثَرَ نِعْمَتِه عليه" (١).
ومن آثارِ النِّعمةِ الفَرَحُ؛ فالإنسانُ إذا رزقه اللهُ مالًا فَرِحَ، إذا عافاه اللهُ بعد المرضِ فَرِحَ، إذا تَزَوَّجَ فَرِحَ، إذا وُلِدَ له فَرِحَ، ولكنَّ الفَرَحَ نوعان:
* فَرَحُ أَشَرٍ وبَطَرٍ، فهذا مذمومٌ.
* وفَرَحٌ بنِعمةِ اللهِ تعالى مع التزامِ شريعتِه، فهذا ممدوحٌ ولا بأسَ به.
стр. 328
ولا ينبغي أن يَكُونَ الإنسانُ كالحمارِ لا يَفْرَحُ بنِعمةٍ ولا يتألَّمُ بنِقمةٍ، بل يجبُ أن يَكُونَ الإنسانُ إنسانًا منفعلًا مع الحوادِثِ، يَفرحُ في موضِعِ الفرَحِ، ويغتمُّ في موضِعِ الإغتمامِ.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يقولُ المفسِّرُ ﵀: [الضَّميرُ للإنسانِ باعتبارِ الجنسِ] أزال بذلك إشكالًا وهو أن الآيَةَ ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [الشُّورَى: ٤٨]، والإنسانُ واحدٌ، كيف يقولُ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ فيُعيدُ الضَّميرَ عليه جمعًا؟ أجاب عنها المفسِّرُ ﵀ بأنَّ المرادَ بالإنسانِ الجنسُ، فيشْمَلُ كلَّ إنسانٍ. ويصحُّ أن يقولَ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ ضدَّ رَحْمَةٍ؛ ولهذا فَسَّرَها المفسِّرُ بالبلاءِ.
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما قدَّموا من المعاصي، وعبَّرَ بالأيدي؛ لأنَّ أكْثَرَ الأفعالِ تُزَاوَلُ بها، لو أَنَّك فَكَّرْتَ أَيُّما أَكْثَرُ عملًا الأيدي أم الأرجُلُ؟ الجوابُ: الأيدي، فمشْيُكَ من بيْتِك للمسجِدِ كم خطوةً كم حركةً؟
فيُقالُ: إنَّ حركةَ الرِّجْلِ في جنسٍ واحدٍ، وهو المشْيُ، لكنَّ حركةَ اليدِ ما أَكْثَرَ أنواعَهَا فضلًا عن أفرادِها، فالأعمالُ حقيقةً إنَّما تُزاوَلُ باليدِ؛ لأنَّها أَكْثَرُ من أيِّ عضوٍ في البَدَنِ مزاوَلةً للأعمالِ، حتَّى لو قال قائلٌ: اللِّسانُ أكثرُ من اليدِ، مَن يُحصي كلماتِ اللِّسانِ؟ نُجيبُ عن هذا بما أَجَبْنا عن المشْيِ بأنَّها من جنسٍ واحدٍ، لكنَّ اليدَ تَبْطِشُ، تَضْرِبُ، تكتبُ، تمحو، يعني لا تُحصى أنواعَها؛ فلذلك عُبِّرَ بالأيدي عن النَّفْسِ.
ومن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ المرادُ: مما عَمِلْنا، لكنَّ اللغةَ العربيَّةَ واسعةٌ تُعَبِّرُ بالأيدي عن النَّفْسِ، ومن ثَمَّ نَعْلَمُ أنَّه لا سَواءٌ بين خَلْقِ آدمَ بِيَدِ اللهِ وبين عَمَلِ أيدي اللهِ في الإِبِلِ ونحْوِها.
стр. 329
قولُهُ: ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ أعاد الإفْرادَ بَعْدَ أن جاء الجمْعُ ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ هذا ابتداءٌ بالمُفْرَدِ، ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ خَتَمَها بالمفْرَدِ، من أجْلِ أن يَشْمَلَ الإنسانَ مجتمِعًا أو منفرِدًا، فهذه حالُهُ.
ولكنْ مَن المرادُ بالإنسانِ هنا؟ الظَّاهرُ - واللهُ أَعْلَمُ - أنَّ المرادَ بذلك الكافرُ؛ لأنَّه هو الَّذي يَنْطَبِقُ عليه فَرَحُ البَطَرِ والأَشَرِ، والكُفْرِ إذا أُصيبَ بسوءٍ.
وقولُهُ: ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ هذه ليست صِفَةَ مُبالَغَةٍ، هذه صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ يعني يكونُ من صفتِه الكُفْرُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَسْلِيَةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ حينما أَعْرَضوا عن إجابتِه؛ لقولِهِ: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّها تَسْلِيَةٌ للدُّعاةِ من بَعْدِ الرَّسولِ ﷺ ، أنَّ الداعيَ عليه البلاغُ وليس عليه أن يَهْدِيَ النَّاسَ ولا يُمْكِنه ذلك، وإذا كان النَّبيُّ ﵊ أَخْبَرَنا بأنه رأى النَّبيَّ وليس معه أحدٌ، فكيف نَغْضَبُ إذا دَعَوْنا إلى اللهِ ولم يَسْتَجِبْ لنا أحدٌ؟ ! إذا كان الأنبياءُ وَهُمُ الأنبياءُ لا يُستجابُ لهم، كيف بنا نحن؟ ! ولهذا نرى بعْضَ الدُّعاةِ إذا لم يَجِدْ مجيبًا استحسر وترك الدَّعوةَ، هذا غلطٌ لا يجوزُ أبدًا أن تيأسَ من رحمةِ اللهِ، ادعُ، ثم ادعُ، ثم ادعُ، حتَّى لو أُذِيتَ بَدَلَ أن يُستجابَ لك فلا تَيْأَسْ.
إذن: في هذه الآيةِ تسليةٌ للدُّعاةِ إلى اللهِ ، كما أنَّ فيها تسليةً للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ فأنت إنَّما عليك البلاغُ، وما أَجَلَّ أن تقومَ بما عليك من البلاغِ، أمَّا أنَّ النَّاسَ يهتدون فلا، هذه واحدةٌ.
стр. 330
ثُمَّ إن بعضُ النَّاسِ يريدُ أن يهتديَ النَّاسُ بين عَشِيَّةٍ وضحاها، وهذا غلطٌ، هذا لا يُمْكِنُ خلافَ سنَّةِ اللهِ . إنَّ النَّبيَّ ﷺ بَقِيَ في مكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً يدعو إلى اللهِ إلى التَّوحيدِ فقط، وفي الآخِرِ إلى الصَّلاةِ ومع ذلك لم يَسْتَجِبْ أَكْثَرُهم، لم يَسْتَجِبْ مَلَؤُهم حتَّى أَلْجَؤُوه إلى أن يُهَاجِرَ ويَدَعَ بَلَدَه، فكيف بك أنت؟ تعيشُ في قومٍ أَفْسَدَهم الإستعمارُ العسكريُّ والفكريُّ والخُلقيُّ تريدُ أن يهتدوا بين عَشِيَّةٍ وضحاها؟ ! من أنت حتَّى تريدُ خلافَ سُنَّةِ اللهِ ؟ ! فاصبِرْ وبالتَّدريجِ، ولا حَرَجَ عليك فيما أرى أن تُعَامِلَ النَّاسَ بالتَّدريجِ، ما دام المقصودُ الإصلاحَ فاصْبِرْ على بعضِ المعاصي ودَرِّجِ النَّاسَ عليها.
يعني مثلًا: لو أن الإنسانَ حَذَّرَ النَّاسَ من شُرْبِ الدُّخَانِ الَّذي ابْتُلِيَ به كثيرٌ من النَّاسِ، فقال له الشَّاربُ: أنا لا أستطيعُ، قال: لا مانعَ، كلَّ يومٍ اشربْ عَشَرَةً لمدةِ أسبوعٍ، ثم ثمانيةً لمدةِ أسبوعٍ حتَّى يتقاصَرَ إلى آخِرِ النِّهايةِ. فهذا جائزٌ، لأنَّنِي الآن لم أُقِرَّهُ على شُربِ الدُّخَانِ أَقْرَرْتُه على بعضِ المفسدةِ من أجْلِ أن أَتَوَصَّلَ إلى زوالِ المَفْسدةِ نِهَائيًّا.
وهذا من العلاجِ ومن الدَّعوةِ بالحكمةِ وهذا كما أنَّه في الأمراضِ المعنويَّةِ الدِّينيَّةِ فهو أيضًا في الأمراضِ البدنيَّةِ، الطبيبُ يعالجُ المريضَ شيئًا فشيئًا ويصْبِرُ على ما به من المَرَضِ شيئًا فشيئًا، ولا يُعطيه الدَّواءَ كاملًا للَحْظَةٍ واحدةٍ كما فعل أحدُهم لما أَعْطَوْه علاجًا، وقالوا له: خُذْ هذا كلَّ ستِّ ساعاتٍ واحدةً استبطأَ الأمْر وقال: هذا آخُذُه كلَّ ستِّ ساعاتٍ واحدةً؟ ! بل أَبْلَعُ الجميعَ! فَبَلَعَ الجميعَ فقُضِيَ عليه، استعجل الأمْرَ وهَلَكَ. فاصْبِرْ وعالِجِ الشَّيءَ بالَّتي هي أَحْسَنُ، المهمُّ: أن تكونَ عازمًا على إزالةِ هذا.
стр. 331
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ ليس حفيظًا على الأمَّةِ لا في حياتِهِ ولا بَعْدَ مماتِه، وعلى هذا فلا يُستغاثُ به بعد موتِه ولا يُطْلَبُ منه الهدايةُ، وإنَّما الهدايةُ من عند اللهِ .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وجوبُ الإبلاع ولم يُبَيِّنِ اللهُ تعالى الوسيلةَ للإبلاغِ، فنقولُ: كلُّ وسيلةٍ للإبلاغِ فهي واجبةٌ، والوسائلُ لها أحكامٌ ومقاصدُ، فيما سبق الإبلاغُ محصورٌ يُبَلِّغُ الإنسانُ أهْلَ بَلَدِه ومن يَفِدُ إليها من النَّاسِ، الآن يُمْكِنُه أن يُبَلِّغَ العالَمَ كلَّه، وحينئذٍ نسألُ: لو أنَّ شخصًا أراد أن يَجْعَلَ له صفحةً في الإنترنتِّ فإنه يجوزُ، بالرغمِ من أنَّ الإنترنتَّ فيها أغانٍ وفيها مصائبُ، لكنَّه لا دَخْلَ له في ذلك، فإذا صار قبله أغنيَّةٌ وبعده أغنيَّةٌ، لا يَضُرُّهُ عملُ عاملٍ، ولو قلنا: قبله أغنيَّةٌ ويُفْتَتَحُ بالأغاني ويُخْتتمُ بالأغاني، أليس له داعٍ أن يُبَلِّغَ؟
الجوابُ: لا، بَل يُبَلِّغُ حتَّى لو قبله أغنيةٌ وبعده أغنيةٌ؛ لأنَّ الأغنيَّةَ قَبْله وبعده ليست من فِعْلِه، هذا من فِعْلِ من يَتَصَرَّفُ في هذهْ المحطَّةِ، لكن لا يجوزُ أن نَتْرُكَ الدَّعوةَ إلى الحقِّ لأنَّ في هذه الإذاعةِ مثلًا أو المحطةِ؛ لأنَّ فيها سيئةً، هذا غيرُ صحيحٍ، ونظريَّةٌ قاصرةٌ، زَاحِمْ أهْلَ الباطِلِ حتَّى يَتَبَيَّنَ الحقُّ ولا يَضَرُّكُ إذا أَدْخَلوا فيها أشياءَ مُنْكَرةً.
بعضُ النَّاسِ مثلًا يقولُ لنا أو لغَيْرِنا: لا تَدْخُلُوا الإنترنتَّ لا تتدخلوا فيها، كيف تدخلون فيها وفيها الأغاني وفيها البلايا وفيها .. ! ! ونقول: لا يصحُّ هذا، أيُّما أوْلى أن نَدْخُلَ في هذا المضمارَ لعلَّ اللهَ يَهْدي بنا واحدًا من النَّاسِ، أو أن نَدَعَ المجالَ لأهْلِ الشَّرِّ؟
الجوابُ: الأوَّلُ بلا شكٍّ أَحْسَنُ.
стр. 332
ومِثْلُ ذلك ما يقالُ في الإنتخاباتِ إذا كان البلدُ مَبْنِيًّا على الإنتخاباتِ يقولُ بعضُ النَّاسِ: لا تَنْتَخِبْ! فأقول: يا جماعة لا أُرْشِحُ واحدًا من أهْلِ الخيرِ؟ ! قال: لا لأنَّ الإنتخاباتِ فيها بلاءٌ، فيها رشاوٍ فيها أهواءٌ! ونقول: إذا كان فيها رشاوٍ وأهواءٌ أنا لن أدخل في الرَّشاوي والأهواءِ لكن أَدْخُلُ في ترشيحِ رجلٍ أعرفُ أنَّ فيه خيرًا. قالوا: إذا رَشَّحْتَ واحدًا يأتي مئةُ فاسقٍ، إذا كان مئةُ فاسقٍ ليس معهم مستقيمٌ أو مئةُ فاسقٍ ومعهم مستقيمٌ؟ فالجوابُ: الثَّاني أَحْسَنُ.
وإذا قالوا: إنَّ هذا لا يُجْدي ولا يَنْفَعُ واحدٌ في المئةِ لا فائدةَ فيه، نقولُ: لا بدَّ أن يَكُونَ فيها فائدةٌ، إذا أَخْلَصَ النِّيَّةَ للهِ لا بدَّ أن يؤثِّرَ؛ لأنَّ الكلمةَ للهِ ليستْ تُؤَثِّرُ؛ لأنَّ فلانًا تَكَلَّمَ بها لكن تُؤَثِّرُ؛ لأنَّها كلمةُ اللهِ.
واسْتمعْ إلى قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ [التَّوبةُ: ٤٠]، وبَعْدَها ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التَّوبة: ٤٠]، بالرَّفعِ؛ لأنَّه لو قال: وكلمةَ اللهِ، دَخَلَت في المفعولِ به يعني: وجَعَلَ كلمةَ اللهِ، وكلمةُ اللهِ هي العليا بجعْلِه وبغيْرِ جعْلِه، ولهذا تَبَيَّنَ الآن أن قولَهُ: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ موقعٌ عظيمٌ جدًّا؛ يعني: أن كلمةَ اللهِ هي العليا مَهْمَا جاءت هي العليا.
ولا يَخْفى ما يتكرَّرُ في قصةِ موسى ﵇ مع السَّحَرةِ وفرعونَ لمَّا اجتمعوا وكان موسى واثقًا بنصْرِ اللهِ ؛ ولهذا لما قالوا: اجعلْ لنا مَوْعدًا جَعَلَ لهم موعدًا في وَضَحِ النَّهارِ، وفي يومِ الزِّينَةِ يوْمِ العيدِ ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] شيءٌ عجيبٌ، جاء السَّحَرةُ وجمع فرعونُ كَيْدَه ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٤]، فقال موسى كَلِمَةً واحدةً قال: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] ما
стр. 333
الَّذي حصل من هذه الكلمةِ؟ ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢] في الحالِ الفاءُ تدلُّ على التَّرتيبِ والتَّعقيبِ والسّببيَّةِ ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ وإذا تَنَازَعَ النّاسُ فَلْتَتَحَدَّثْ عن الفشلِ! حَدِّثْ ما شئْتَ ولا حَرَجَ! ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ففشِلوا، وفي النَّهايةِ أنَّ هؤلاء السَّحرةَ الَّذين جاؤوا يَكِيدون لموسى صاروا مع موسى وهُدِّدُوا بالقتْلِ والصَّلْبِ ولكن أَبَوْا، قالوا لفرعونَ: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ مِثْلَ ما نقولُ نحن: افعلْ ما تريدُ ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، الإيمانُ إذا دَخَلَ القلبَ فلا تسألْ عن الحزْمِ والعزْمِ والقوَّةِ ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ والَّذي لا يموتُ اليومَ يموتُ غدًا.
فالمهمُّ أنِّي أقولُ: إنَّ بعض النَّاسِ إذا رأى الموقفَ غَلَبَ فيه الشَّرُّ اسْتَحْسَرَ وتخلَّى، وهذا غلطٌ، خُضْ غِمارَ القومِ والنَّصرِ للحقِّ، أنا لم أَدْخُلْ مع هؤلاء لأوافِقَهم على باطِلِهِم، سأدافعُ عن الحقِّ الَّذي أعتقِدُه مهْما أَمْكَنَ، ثم إنَّه من الحكمةِ أن يُفَتَّتَ القومُ المجتمِعون. يعني يُؤْخَذُوا واحدًا واحدًا ويُتَكَلَّمَ مع كلِّ واحدٍ ويقالَ: يا فلانُ ما فائدتُك من هذا؟ هذا إثمٌ عليك، هذا سُوءٌ في الدُّنيا والآخرةِ، كما فعلت قريشٌ في نقْضِ الصَّحيفةِ الَّذين تعاهدوا فيها على مقاطعةِ بني هاشمٍ، والقصَّةُ مشهورةٌ، صار أحدُ المعارِضِين لهذه الصَّحيفةِ يأتي كُبراءَهم - كبراءَ الَّذين وَقَّعُوا - ويقولُ لهم واحدًا واحدًا: كذا وكذا وكذا حتَّى تَفَتَّتُوا، وهذه من السِّياسةِ؛ لأنَّك إذا فَتَّتَّ المجتمِعِين زالت قُوَّتُهم وزال سلطانُهم وحَصَلْتَ على الخيرِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ النَّاسَ ينقسمون إلى قِسْمَيْن:
قسْمٍ: إذا أصابته رحمةٌ من اللهِ فَرِحَ بها فرحَ أَشَرٍ وَبَطَرٍ.
стр. 334
وقسْمٍ آخَرَ: إذا أصابته رحمةُ اللهِ تعالى فإنَّه يستعملُها في طاعةِ اللهِ. وهذا يُستفادُ من غيرِ هذه الآيةِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التَّحذيرُ من الفَرَحِ بنعمةِ اللهِ إذا كان فَرَحَ أَشَرٍ وبَطَرٍ، وأمَّا إذا كان فرحَ استبشارٍ وسرورٍ وقيامٍ بطاعةِ اللهِ فإنَّه يُمْدَحُ، قال اللهُ تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ ما يُصيبُ الإنسانَ من سيئةٍ فإنَّما هو بسببِ عَمَلِه؛ لقولِهِ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: التَّعبيرُ بالبعضِ عن الكلِّ إذا كان لهذا البعضِ تأثيرٌ كبيرٌ؛ لقولِهِ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ الإنسانَ من حيثُ هو إنسانٌ إذا أصابتْهُ السَّيِّئةُ كَفَرَ، بمعنى أَيِسَ من رَحْمَةِ اللهِ تعالى أن يَصرِفَ عنه هذه السَّيِّئَةَ، وأمَّا المؤمنُ فإنَّه لا يَيْأَسُ، بل يَصْبِرُ وينتظرُ الفَرَجَ إيمانًا بقولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: "واعلمْ أنَّ النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنَّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا" (١).
* * *
стр. 335
الآيتان: (٤٩، ٥٠)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشُّورَى: ٤٩ - ٥٠].
* * *
قولُهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الجملةُ خبريَّةٌ خَبَرُها مُقَدَّمٌ يُرادُ به الحصْرُ؛ لأنَّ القاعدةَ البلاغيَّةَ أنَّ تقديمَ ما حقُّهُ التَّأخيرُ يدلُّ على الحصْرِ والإختصاصِ، إذن ﴿لِلَّهِ﴾ لا لغيِرِهِ ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: خَلْقًا وتدبيرًا، فاللهُ تعالى مالكُ السَّمواتِ والأرضِ خَلْقًا وتدبيرًا؛ ولهذا قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ وقولُهُ: ﴿يَخلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ (ما) هذه موصولةٌ، ويُعَبَّرُ عنها غالبًا لما لا يَعْقِلُ، وكان التَّعبيرُ بـ (ما) ليعُمَّ الأعيانَ والأوصافَ؛ لأنَّه إذا قُصِدَتِ الأوصافُ عُبِّرَ بـ (ما) ولو كان لعاقلٍ.
انظرْ إلى قولِ اللهِ تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّساءِ: ٣]، ولم يَقُلْ: مَن طاب، مع أنَّ النِّساءَ من العقلاءِ، لكن لما كانت المرأةُ إنما تُنْكَحُ من أجْلِ صفاتِها لا لعَيْنِها قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
وهنا ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ نَقُولُ: عَبَّرَ بـ (ما)؛ لأنَّ المقصودَ بذلك الأعيانُ والأوصافُ، أمَّا الأعيانُ فلو سُئِلْنَا أيُّهما أكثرُ العاقلُ أو غيرُ العاقِلِ؟
فالجوابُ: على الأرضِ غيرُ العاقلِ، لكن في السَّماءِ لا، فالسَّماءُ أَوْسَعُ من
стр. 336
الأرضِ، وما فيها موضعُ أرْبعِ أصابعَ إلَّا وفيه مَلَكٌ، فيكونُ العاقلُ باعتبارِ الجميعِ أكْثَرَ، لكن باعتبارِ ما في الأرضِ غيرِ العاقِلِ، كذلك أيضًا إذا اعتبرْنا الأوصافَ فالأوصافُ تَشْمَلُ العُقلاءَ وغيْرَهُم؛ فلهذا عَبَّرَ بـ (ما).
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: يوجِدُه بَعْدَ العدَمِ، ولكنَّ الخَلْقَ ليس مُجَرَّدَ إيجادٍ، بل هو خَلْقٌ عن تقديرٍ ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هذا من جُمْلَةِ خَلْقِهِ أيضًا.
وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ الهِبَةُ هي التَّبرُّعُ بالشَّيْءِ مجانًا، وَوَصَفَ اللهُ تعالى الأولادَ بالهِبَةِ؛ لأنَّه لا طاقَةَ للإنسانِ في إيجادِهِم بل هو مجُرَّدُ فَضْلٍ من اللهِ ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من الأولادِ إناثًا] قولُهُ: [من الأولادِ] كيف تتلاءَمُ مع قولِهِ: [إناثًا]؟
الجوابُ: لأنَّ الأولادَ في اللغةِ العربيَّةِ تَشْمَلُ الذَّكَرَ والأنثى، كما في قولِهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّساءِ: ١١].
وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشُّورَى: ٤٩]، ولم يَقُلْ: ذكورًا، بل أتى بـ (أل) المعرفةِ الدَّالَّةِ على شرفِ مَدْلُولهِا، فإنَّ الذُّكُورَ عند النَّاسِ أَشْرَفُ من الإناثِ، ولكن مع هذا جَبَرَ نَقْصَهُنَّ بتقديمِ ذِكْرِهِنَّ على الذكورِ، أو يقالُ: إنَّ اللهَ قَدَّمَ الإناثَ؛ لأنَّ إرادةَ الإنسانِ أن يَكُونَ أولادُهُ ذكورًا، فقدَّمَ الإناثَ إشارةً إلى أنَّ الأمْرَ إلى اللهِ وَحْدَهُ لا إلى ما يريدُ الإنسانُ ويهواه.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ أي: يَجْعَلُهم] والصَّوابُ: يُصَنِّفُهم؛ لأنَّ التَّزويجَ بمعنى التَّصنيفِ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ
стр. 337
شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨]؛ أي: أصنافٌ، فمعنى ﴿يُزَوِّجُهُمْ﴾: أي: يُصَنِّفُهُم فَيَجْعَلُهُم صِنْفَيْنِ ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ فلا يَلِدُ ولا يُولَدُ له] فلا يَلِدُ باعتبارِ الأنثى، ولا يُولَدُ له باعتبارِ الذَّكَرِ.
فهذه أربعةُ أصنافٍ:
الأوَّلُ: أن يَهَبَ لمن يشاءُ إناثًا.
الثَّاني: أن يَهَبَ ذكورًا.
الثَّالثُ: أن يَهَبَ ذكورًا وإناثًا.
الرَّابعُ: أن يَجْعَلَ الإنسانَ عقيمًا لا ذكورَ ولا إناثَ.
ذلك لأنَّ الأمْرَ أَمْرُ اللهِ ، ولا أَحَدَ يستطيعُ أن يَخْلُقَ شيئًا من هذا بل اللهُ وَحْدَهُ هو الخالقُ.
فإن قال قائلٌ: وَرَدَ الحديثُ الَّذي فيه فضيلةُ تربيةِ البناتِ (١) والصَّبْرِ على ذلك؛ فهل هذا الفضْلُ يَثْبُتُ للأُمِّ أيضًا أو أَنَّه خاصٌّ للأبِ؟
فالجوابُ: الظَّاهرُ أنَّه يَثْبُتُ للجميعِ، ورد في الحديثِ للنَّسَائِيِّ "أنَّ المرأةَ إذا مات لها ثلاثةٌ من الولدِ كان لها سِتْرًا من النارِ" (٢)، وأمَّا مسألةُ التَّربيةِ فلأنَّ الأبَ هو المسؤولُ عن تربيةِ الأولادِ، فيكونُ خاصًّا بالآباءِ.
стр. 338
وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ فهو: ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يَخْلُقُ ﴿قَدِيرٌ﴾ على ما يَخْلُقُ، فهو يَعْلَمُ ما يَخْلُقُ وقديرٌ على أن يَخْلُقُ ما أراد.
من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: عمومُ مُلْكِ اللهِ لما في السَّمواتِ والأرضِ؛ لقولِهِ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: اختصاصُ اللهِ ﵎ بذلك، وَجْهُ ذلك أنَّ اللهَ قَدَّمَ الخبرَ والخَبَرُ حَقُّهُ التَّأخيرُ وتقديمُ ما حقُّهُ التَّأخيرُ يفيدُ الحَصْرَ.
فإن قال قائلٌ: قال اللهُ تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٣]، فللإنسانِ مِلْكٌ فكيف الجمْعُ بين قولِنا: إن مُلْكَ السَّمواتِ والأرضِ خاصٌّ باللهِ وإثباتِ المِلْكِيَّةِ لغيرِ اللهِ؟
فالجوابُ: أولًا: مُلْكُ اللهِ ﵎ تامٌّ شاملٌ، ففيه شمولُ التَّصرُّفِ، وفيه شمولُ المكانِ بمعنى: أنَّ مُلْكَ اللهِ تعالى تامٌّ من كلِّ وجْهٍ، عامٌّ من كلِّ وجْهٍ، أمَّا مُلْكُ الإنسانِ فقاصرٌ من جهةِ العمومِ المكانيِّ ومن جهةِ عمومِ التَّصرُّفِ، فكلُّنا نَمْلِكُ لكنَّ مُلْكَنَا محدودٌ، أنا أملِكُ حقيبةً ولا أمْلِكُ حقيبةً أخرى لغيري فهو محدودٌ.
ثانيًا: مُلْكٌ ناقصٌ، لا يُمْكِنُني أن أَتَصَرَّفَ في مُلْكي كما أشاءُ صحيحٌ، لا يُمْكِنُ أن أُضَيِّعَه؛ لأنَّنِي مَنْهِيٌّ عن إضاعةِ المالِ، لا يُمْكِنُ أن أُعَذِّبَهُ إذا كان حيوانًا لأنِّي مَنْهيٌّ عن ذلك، لا يُمْكِنُ أن آكُلَ من مِلْكي ما شئتُ وأدَعَ ما شئتُ، فالحيوانُ مُحَرَّمٌ لا يجوزُ أن آكُلَهُ ولو كان مِلْكِي المهمُّ أنَّ مُلْكَ الإنسانِ محدودٌ. ثانيًا: ناقصٌ محدودٌ لا يشملُ كلَّ شيءٍ، ناقصٌ لا يَمْلِكُ كلَّ تَصَرُّفٍ.
стр. 339
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللهَ ﵎ يَخْلُقُ ما يشاءُ من الأعيانِ والأوصافِ، على أيِّ كيفيَّةٍ وعلى أيِّ صفةٍ؛ ولهذا انظرْ إلى مخلوقاتِ اللهِ هل هي واحدةٌ؟ لا، ليست واحدةً تختلفُ اختلافًا عظيمًا كبيرًا في الشَّكْلِ، في الأيدي، في الأرْجُلِ، في الغذاءِ، في كلِّ شيءٍ، فاللهُ تعالى يَخْلُقُ ما يشاءُ، لكن اعْلَمْ أنَّ اللهَ تعالى هدى كلَّ مخلوقٍ لما خُلِقَ له، قال اللهُ تعالى: عن موسى حين سَأَلَهُ فرعونُ: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أيْ: خَلْقَهَ اللَّائقَ به ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]؛ أي: هَدَى كلَّ مخلوقٍ لما خُلِقَ له؛ ولذلك تَجِدُ هذا المخلوقَ لا يَأْكُلُ من هذا النَّوعِ من العُشْبِ والمخلوقَ الآخَرَ يأكُلُ منه، تجدُ هذا المخلوقَ لا يَسْكُنُ هذا النَّوعَ من الأرْضِ ويَسْكُنُ أرضًا أخرى، ومخلوقًا آخَرَ بِضِدِّهِ.
الرَّمْلُ مثلًا لا يَسْكُنُه النَّملُ؛ لأَنَّه لا يَمْلِكُ الجحورَ لكن يَسْكُنُه الحشراتُ أو الزَّواحفُ الَّتي تَنْدَسُّ في الرَّملِ؛ لأنَّ هناك زواحفَ صغيرةً تَنْدَسُّ في الرمْلِ اندساسًا، وتشاهدُها كأنما يغوصُ السَّابحُ في الماءِ وليس لها جحورٌ، هناك أشياءُ لا تَسْكُنُ هذا النَّوعَ من الأرضِ بل تَسْكُنُ أرضًا صُلْبَةً حتَّى تَبْنِيَ لها الجحورَ، أشياءُ غريبةٌ في مخلوقاتِ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الأولادَ هبةٌ من اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ويَهَبُ، ويَهَبُ، والهِبةُ: هي العَطِيَّةُ بلا عِوَضٍ. فما هو العِوَضُ الَّذي علينا بالنِّسبةِ لهذه النِّعَمِ؟ الجوابُ هو الشُّكْرُ.
وهنا سؤالٌ هل يجوزُ أن تُسَمِّيَ ابْنَك أو بِنْتَك "هِبةَ اللهِ"؟
الجوابُ: يجوزُ، ولهذا قال الفقهاءُ ﵏ في السِّقْطِ - يعني الحَمْلَ -: إذا سَقَطَ بعد أن تُنْفَخَ فيه الرُّوحُ فَسمِّه ولو مات في الحالِ سَمِّه، فإذا جَهِلْتَ أنَّه ذكرٌ أم أنثى فسمِّه اسمًا يَصْلُحُ لهما بأن تقولَ: هذا "هبةُ اللهِ"، وسَمِّهِ "هِبةَ اللهِ".
стр. 340
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّه لا اختيارَ للمرءِ بالنِّسبةِ للأولادِ؛ لقولِهِ: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فَجَعَلَ الأمرَ راجعًا إلى مشيئتِه ﵎.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّه لا ينبغي للإنسانِ أن يَيْأَسَ إذا أتاه إناثٌ متتابعاتٌ، فإنَّ بعضَ النَّاسِ إذا أتاه إناثٌ متتابعاتٌ أَيِسَ، وقال: لن يُولَدَ لي ذَكَرٌ، وهذا غلطٌ فاللهُ ﵎ يَخْلُقُ ما يشاءُ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تمامُ قُدْرَةِ اللهِ ﵎ حيث خَلَقَ من هذه النُّطْفَةِ وهي واحدةٌ خَلَقَ منها ذكورًا خُلَّصًا وإناثًا خُلَّصًا، والثَّالثُ: أصنافًا ذكورًا وإناثًا مع أنَّ الماءَ واحدٌ ولكنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرُ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ العُقْمَ يُعْتَبَرُ نقصًا بالنِّسبةِ لمن يُولَدُ له؛ لقولِهِ: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ بعد أن ذَكَرَ أنَّ الأولادَ هبةٌ، فيكونُ العقيمُ ليس موهوبًا له، إذن هذا نَقْصٌ.
ويتفرَّعُ على هذه القاعدةِ: أنَّه لو تَبَيَّنَ زوجُ المرأةِ عقيمًا فلها فَسْخُ النِّكاحِ، يعني: لو أنَّ أحدًا تَزَوَّجَ امرأةً وهو لا يَعْلَمُ عن نفْسِه ثم تَبَيَّنَ أنَّه عقيمٌ فلها أن تَفْسَخَ إمَّا بنَفْسِها، تُشْهِدُ اثنين تقولُ: إنِّي فَسَخْتُ نكاحي من فلانٍ أو بالقاضي تَذْهَبُ وزوجُها إلى القاضي فيَفْسَخُ النِّكاحَ وهذا حقٌّ لها، فإن قال الزَّوجُ: إنَّه ليس فيه عيبٌ، وإنَّه يَقْدِرُ على الوطءْ، وإنَّه مستقيمٌ خُلقًا ودينًا، فلماذا تفسخونها منه؟ الجوابُ: لأنَّ العُقْمَ عيبٌ، والمرأةَ لها حقٌّ في الأولادِ، ولذلك يَحْرُمُ على الزَّوْجِ أن يَعْزِلَ عن زَوْجَتِه إلَّا بإذنِها؛ لأنَّه إذا عَزَلَ عنها حَرَمَهَا من الأولادِ إلَّا أن تَأْذَنَ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ هذيْن الإسميْن الكريميْن للهِ وهما: العليمُ والقديرُ.
стр. 341
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثباتُ ما دلَّ عليه هذان الإسمان من صفةٍ، العليمُ دلَّ على العِلْمِ. والقديرُ على القدرةِ، وكلُّ اسمٍ من أسماءِ اللهِ متضمِّنٌ لصفةٍ أو أَكْثَرَ وليست كلُّ صفةٍ يُشْتَقُّ منها اسمٌ، انتبهْ كُلُّ اسمٍ من أسماءِ اللهِ فهو متضمِّنٌ لصفةٍ أو أكْثَرَ ولا يُشْتَقُّ من كلِّ صفةٍ اسمٌ للهِ. وبه نَعْرِفُ أنَّ الصفاتِ أكثرُ من الأسماءِ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ المشيئةِ للهِ ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ لا أَحَدَ يُجْبِرُه على أن يَخْلُقُ أنثى أو ذكرًا، بل له المشيئةُ التَّامَّةُ في خَلْقِه، واعلمْ أَنَّه كلما ذَكَرْتَ المشيئةَ للهِ فإنَّها مقرونةٌ بالحكمةِ، وانتبهْ لهذه النُّقطةِ يعني: أنَّ مشيئةَ اللهِ ليست مشيئةً مجرَّدَةً، بل هي مقرونةٌ بالحكمةِ.
والدَّليلُ على هذا قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسانِ: ٣٠]، ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بعد أن قال ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فَعُلِمَ من هذا أنَّ مشيئةَ اللهِ تابعةٌ لعِلْمِه وحِكْمَتِه، وأَنَّه لا يشاءُ شيئًا مشيئةً مجرَّدَةً بل لا بدَّ أن تَكُونَ مقرونةً بالحِكمةِ، وهذا في كلِّ نصٍّ يأتيكَ فيه ذِكْرُ المشيئةِ للهِ فاعلمْ أنَّها مقرونةٌ بالحكمةِ.
ثمَّ قال لمَّا ذَكَرَ خَلْقَه وأنَّه هو الخالِقُ له المشيئةُ المُطْلَقَةُ ذَكَرَ شيئًا آخَرَ وهو الشَّرعُ، لو تأمَّلْتَ الآياتِ القرآنيَّةَ لَوَجَدْتَ أنَّ اللهَ تعالى يَذْكُرُ الشَّرعَ قبل القَدَرِ، اقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمنِ: ١ - ٢]، بَعْدَها ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: ٣]، فبدأ بالشَّرْعِ عَلَّمَ القرآنَ خَلَقَ الإنسانَ. وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلقِ: ١ - ٢]، فبدأ بالقراءةِ، وهكذا تَجِدُ هذه القاعدةَ مُضْطَرِدَةٌ إلَّا أن يَكُونَ هناك سببٌ لتقديمِ الخَلْقِ على الشَّرعِ.
* * *
стр. 342
الآية (٥١)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشُّورَى: ٥١].
* * *
قولُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ (ما كان) هذه الصِّيغةُ في القرآنِ الكريمِ تدلُّ على أنَّ الشَّيءَ مُمْتَنِعٌ غايةَ الإمتناعِ إمَّا قَدَرًا وإما شَرْعًا، قال اللهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريمَ: ٣٥]، يعني: مُمْتَنِعٌ غايةَ الإمتناعِ، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التَّوبةِ: ١١٣] مُمْتَنِعٌ غايةَ الإمتناعِ شَرْعًا؛ لأنَّه يجوزُ أن يستغفروا، لكنَّه حرامٌ عليهم.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ هذا ممتنعٌ قَدَرًا يعني: حَسَبَ خَبَرِ اللهِ وإلَّا فاللهُ قادرٌ على أن يُكَلمَ على غَيْرِ هذا الوجْهِ، حَسَبَ خبرِ اللهِ يكونُ مُمْتِنعًا ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشُّورَى: ٥١] ﴿لِبَشَرٍ﴾ البشرُ هم الآدمِيُّونَ سُمُّوا بشرًا؛ لأنَّ بَشَرَتَهُم باديةٌ إلَّا أن يستتروا غيْرَ الآدميِّ من الحيواناتِ مستورٌ، إمَّا بالريشِ وإمَّا بالصوفِ وإمَّا بالوَبَرِ وإمَّا بالشَّعْرِ.
إمَّا بالرِّيشِ مثْلَ: الطيرِ، وإمَّا بالشَّعْرِ مثْلَ: المَعْزِ، وإمَّا بالصُّوفِ كالضَّأْنِ، وإمَّا بالوَبَرِ كالإِبِلِ. الآدميُّ لم تُسْتَرْ بَشَرَتُه؛ والحكمةُ من ذلك أنَّه إذا شَعَرَ الإنسانُ بافتقارِه إلى الكسوةِ الحِسَّيَّةِ انتقل من هذا إلى افتقارِه إلى الكسوةِ المعنويَّةِ، انظر الحكمةَ
стр. 343
من اللهِ حتَّى يَعْرِفَ الإنسانُ أَنَّه محتاجٌ إلى سَتْرِ العورةِ المعنويَّةِ كما احتاجَ إلى سَتْرِ العورةِ الحسِّيَّةِ، وإلى هذا يشيرُ قولُ اللهِ ﵎: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعرافِ: ٢٦]، اللِّباسَ العاديَّ ﴿وَرِيشًا﴾ [الأعرافِ: ٢٦]، اللِّباسَ الجميلَ الَّذي يَتَزَيَّنُ به المرءُ، ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعرافِ: ٢٦]، لباسُ التَّقْوى هذا اللِّباسُ معنويٌّ، وقيل: إنَّ الآدميَّ سُمِّيَ بَشَرًا؛ لظهورِ أَثَرِ ما في قَلْبِه على بَشَرَتِه، إذا غَضِبَ الإنسانُ يَظْهَرُ أثرُ الغضبِ على بَشَرَتِه يَحْمَرُّ وَجْهُه وعيناه، وتَنْتَفِخُ أوداجُه ويقفُ شَعْرُه، وإذا بُشِّرَ بما يَسُرُّه يَتَهَلَّلُ وَجْهُه وتَجِدُ فيه البُشْرى، والظَّاهرُ - واللهُ أعلمُ - أنَّ المعنى الأوَّلَ أقوى، أنَّه سُمِّيَ بشرًا لظهورِ بَشَرَتِه إلَّا بساتِرٍ.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ إلَّا أن يُوحِيَ إليه وحيًا في المنامِ أو بإلهامٍ] هذا واحدٌ ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾؛ يعني: يُكَلِّمُه مباشَرَةً غَيْرَ الوحْيِ الَّذي في القلبِ من وراءِ حجابٍ كما حَصَلَ لموسى ﵊ وحَصَلَ لمُحَمَّدٍ ﵊ ليلةَ المعراجِ، فإنَّ اللهَ كَلَّمَه من وراءِ حجابٍ، فما هو الحجابُ الَّذي يَحْتَجِبُ اللهُ به؟
قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: "حجابُهُ النُّورُ لو كَشَفَه لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بَصَرُه مِن خَلْقِه" (١)، هذا النُّورُ نورٌ عظيمٌ جدًّا لا يَتَصَوَّرُه أحدٌ، هذا هو الَّذي احْتَجَبَ اللهُ به عن الخَلْقِ - تعالى اللهُ - فإذا كان هذا النُّورُ من قُوَّتِه يُحْجَبُ فما بالُكَ بنورِ اللهِ هو أَعْظمُ وأَعْظمُ، قال اللهُ تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النُّورِ: ٣٥] ولا يَتَصَوَّرُ أحدٌ ذلك أبدًا، وإنَّما يُكَلِّمُ اللهُ تعالى
стр. 344
عبادَه من وراءِ حجابٍ؛ لأنَّه لو كَشَفَ الحجابَ لَهَلَكَ الإنسانُ ولم يستطعْ أن يَثْبُتَ أمام رؤيةِ اللهِ .
ولمَّا قال موسى ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعرافِ: ١٤٣] قال هذا شوقًا إلى اللهِ لا شكًّا قال ذلك شوقًا إلى اللهِ قال اللهُ له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: لا يُمْكِنُ أن تراني ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ الجبلِ الأصَمِّ الصُّلْبِ ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ هو تَجَلَّى لَمْ يَظْهَرْ كُلُّه، تَجَلَّى للجبلِ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعرافِ: ١٤٣] انْدَكَّ الجبلُ مرةً واحدةً وساوى الأرضَ، أما موسى ﵊ فلمَّا رأى هذا صَعِقَ - غُشِيَ عَلَيْهِ - من هَوْلِ ما رأى، فهل الآدميُّ الضعيفُ يَثْبُتُ لرؤيةِ اللهِ والجبلُ لم يَثْبُتْ؟ لا واللهِ، ولهذا انْدَهَشَ موسى وصَعِقَ وعَلِمَ أنَّه لا يُمْكِنُ أن يرى اللهَ .
تنبيه: ذَكَرْنا أنَّه ﴿تَجَلَّى﴾ أي: بعْضُه على أنِّي في قلقٍ من هذا، من كَوْنِ المرادِ بَعْضَه؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّه كُلُّه، لكن قد يقالُ: إنَّه يَمْنَعُ من هذا أنَّ اللهَ تعالى يعني: لا يحيطُ به شيءٌ من مخلوقاتِهِ، فلا يُمْكِنُ أن يتجلَّى كلُّه والأرضُ ما هي ليستْ بالنِّسبةِ إليه شيءٌ.
فإن قال قائلٌ: هل معنى هذا أنَّ اللهَ سوف يَرْزُقُنا يومَ القيامةِ قُوَّةً في أبصارِنا حتَّى نَنْظُرَ إليه؟
فالجوابُ: أي نعم، قوةُ النَّاسِ يومَ القيامةِ لا تُنْسَبُ إليها قوةُ الدُّنْيا أبدًا، أليس يَمْكُثون خمسين ألْفَ سنةٍ لا يأكلون ولا يَشْرَبُون، هذا لا يُمْكِنُ أن يُطاقَ في الدُّنْيا، أليس الواحدُ يَنْظُرُ إلى مُلْكِه في الجنَّةِ مسيرةَ ألفيْ سَنَةٍ يرى أقصاه كما يرى أدناه؟ هذا لا يُمْكِنُ في البشرِ في الدُّنْيا.
стр. 345
مسألة: هل كَلَّمَ اللهُ أحدًا غَيْرَ موسى؟
الجوابُ: أيْ نَعَم، كَلَّمَ النَّبيَّ ﷺ ، وكَلَّمَ آدمَ ﵊، لكنَّ موسى ﵊ سُمِّيَ الكَلِيمَ؛ لأنَّه أوَّلُ ما أوحى اللهُ إليه كَلَّمَه وغَيْرُهُ أوحى اللهُ إليه بواسطةٍ الخَلْق أوَّلًا ثمَّ بالشَّرعِ؛ وذلك لأنَّ الشَّرع يختصُّ بالأنبياءِ الشَّرْعُ المذكورُ هنا الوحيُ الخاصُّ بالأنبياءِ، هذا السَّببُ أنَّه خاصٌّ بالأنبياءِ.
وهل كلُّ من كَلَّمَه اللهُ ﵎ يكونُ نبيًّا؟
الجوابُ: نعم إذا كَلَّمَه اللهُ بشرعٍ كان نبيًّا، وإن كَلَّمَه بغيْرِ ذلك فقد يكونُ شيطانًا، أليس اللهُ تعالى خاطَبَ الشَّيطانَ قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].
فإن قال قائلٌ: ما الحكمةُ في ذِكْرِ الخَلْقِ بعد الشَّرْعِ في الآياتِ؟
فالجوابُ: أقولُ: مما يدلُّ على أنَّ الإهتمامَ بالشَّرْعِ أَبْلَغُ والناسَ ما خُلِقُوا إلَّا للشَّرْعِ ما خُلِقَ النَّاسُ إلَّا للشَّرْعِ قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارياتِ: ٥٦].
قولُهُ: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ الوحْيُ هو ما يَحْصُلُ للرسولِ من الإلهامِ أو الرؤيةِ المناميَّةِ؛ لأنَّ أَصْلَ الوحيِ الإعلامُ بسرعةٍ وخفاءٍ، هذا أصْلُه في اللُّغةِ، فيكونُ ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾؛ أي: عن طريقِ الإلهام - وبيانُ الإلهامِ إما أن اللهَ يُوقِعُ في قَلْبِه، مِثْلَ قولِ الرَّسولِ ﵊: "إنَّه أُوحِيَ أنَّه قد أُلْقِيَ في رَوْعِي أنَّه لن تَمُوتَ نَفْسٌ حتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها وأَجَلَها" (١) -؛ أو طريقِ المنامِ، أو من وراءِ حجابٍ يعني: يُكَلِّمُهُ اللهُ تعالى
стр. 346
مُكَالمةً صريحةً ولكن من وراءِ حجابٍ، والحجابُ المذكورُ هو النُّورُ كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: "حجابُهُ النُّورُ لو كَشَفَه لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بَصَرُه من خَلْقِه" (١)؛ وذلك لأنَّ البَشَرَ لا يستطيعُ رؤيةَ اللهِ في الدُّنيا.
وبعضُ المفَسِّرين قالوا: مُنَوِّرُ السَّمواتِ والأرضِ؛ لكنَّه خلافُ ظاهِرِ الآيةِ فيقالُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النُّورِ: ٣٥]، وليس هو النُّورَ المخلوقَ بل هو نورٌ وكلامُهُ نورٌ وحجابُهُ نورٌ.
قال موسى لربِّه : ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال ذلك شوقًا ومحبَّةً، فقال اللهُ تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: لن تستطيعَ ذلك ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ فنظر موسى إلى الجبلِ، فلما تَجَلَّى اللهُ له جَعَلَه دكًّا انْدَكَّ حتَّى ساوى الأرْضَ، فلمَّا رأى موسى هذا خَرَّ صَعِقًا؛ أي: غُشِيَ عليه من هَوْلِ ما وَجَدَ وعَدَمِ تَحَمُّلِه ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعرافِ: ١٤٣]، فإذن إذا أرادَ اللهُ أن يُكَلِّمَ أحدًا من الرسُلِ فلا بدَّ أن يَكُونَ هناك حِجابٌ.
القِسْمُ الثَّالثُ: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشُّورَى: ٥١] وهو جبريلُ يُرْسِلُه إلى المُرْسَلِ إليه فيوحِي إلى هذا الرَّسولِ بإذنِ اللهِ تعالى ما يشاءُ، وإنَّما خَصَّصْناه بجبريلَ؛ لأنَّ جبريلَ موكَّلٌ بالوحْيِ وقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ يَسْتَفْتِحُ في صلاةِ اللَّيلِ بهذا الإستفتاحِ: "اللهمَّ رَبَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغيْبِ والشَّهادةِ، أنت تَحْكُمُ بين عبادِكَ فيما كانوا فيه يختلفون، اهْدِني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإِذْنِكَ، إنَّك تَهْدِي من تشاءُ
стр. 347
إلى صراطٍ مستقيمٍ" (١)، هؤلاء الثَّلاثةُ كُلُّ واحدٍ منهم مُوَكَّلٌ بما فيه الحياةُ، جبريلُ بما فيه حياةُ القلوبِ، إسرافيلُ بما فيه حياةُ النَّاسِ للبعْثِ، ميكائيلُ بما فيه حياةُ الأرضِ الَّذي به يحيا البهائمُ والإنسانُ.
وقوله: ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: إِذْنِه القَدَرِيِّ ﴿مَا يَشَاءُ﴾ أي: مِمَّا أوحاه اللهُ إلى هذا الرَّسولِ الَّذي بَعَثُه إلى الرَّسولِ البشريِّ.
وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [عن صفاتِ المُحْدَثِين] هذا التفسيرُ تَفْسِيرٌ غلطٌ؛ لأنَّه يُوهِمُ أنَّ كلَّ صفةٍ للمخلوقِ لا تَثْبُتُ للخالِقِ، فالسَّمْعُ لا يَثْبُتُ للخالِقِ! والبصَرُ وكلُّ صفةٍ للمخلوقِ لا تَثْبُتُ للخالِقِ! ! ولذلك لو قال المفسِّرُ ﵀: إنَّه عليٌّ عن صفاتٍ عن مماثَلَةِ المخلوقين وصفاتِ النَّقصِ لو قال هذا لكان أَهْوَنَ، مع أنَّنا نقولُ: إنَّه عليٌّ بذاتِهِ وصفاتِهِ فذاتُهُ فوق كلِّ شيءٍ وصفاتُهُ هي المَثَلُ الأعلى، هذا هو الصَّوابُ.
لكن المفَسِّرَ - عفا اللهُ عنه - يُفَسِّرُ القرآنَ على طريقِ الأشاعرةِ؛ لأنَّه منهم؛ فلذلك يُحَرِّفُ الكَلِمَ عن مواضِعِهِ ليُوَافِقَ مَذْهَبَهُ الباطِلَ وهذه آفةٌ قلَّ مَن يَسْلَمُ منها من أهْلِ العِلْمِ. تجدُ الرَّجُلَ يعتقدُ شيئًا ما في العقيدةِ أو في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ التَّكليفيَّةِ ثم يحاولُ في النُّصوصِ الَّتي تخالفُ ما ذهب إليه أن يَلْوِيَ أعناقَهَا إلى ما ذَهَبَ إليه فيجعلَ النُّصوصَ تابعةً، والواجبُ أن تكونَ متبوعةً، لكنَّ هذه آفةٌ ابتُلِيَ بها كثيرٌ من النَّاسِ.
وإنما نحن نقولُ: ﴿عَلِيٌّ﴾ يعني: بذاتِهِ وصفاتِهِ عن كلِّ نقْصٍ، أمَّا عن صفاتِ المُحْدَثِين؛ فهذا من الغرائبُ.
стр. 348
وقول المفسِّر ﵀: [: ﴿حَكِيمٌ﴾ في صُنْعِه] هذا أيضًا ناقصٌ، بل هو حكيمٌ في صُنْعِه حكيمٌ في شَرْعِه، والحكمةُ في الشَّرْعِ أَبْلَغُ من الحكمةِ في الصُّنْعِ؛ لأنَّ الصُّنْعَ أمرٌ كَوْنِيٌّ لا طاقةَ للإنسانِ في تغييرِه ولا في الحيادةِ عنه أمَّا الأمْرُ الشَّرعيُّ، فهو الَّذي محلُّ التَّلاعُبِ من البشرِ، فنقولُ للبشرِ: لا تتلاعبوا بأحكامِ اللهِ فإنَّها صادرةٌ عن حِكْمَةٍ. إذن يُعْتَبَرُ تفسيرُ المفسِّرِ الَّذي قَصَرَه على الحِكَمةِ القَدَرِيَّةِ في صُنْعِ اللهِ تفسيرًا ناقصًا، فنقولُ: حكيمٌ في صُنْعِه وشرْعِه.
من فوائِدِ الآية الكريمةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ عظمةِ اللهِ وأنَّه لا يستطيعُ البشرُ أن يُكَلِّمُوه بلا واسطةٍ إمَّا رسولٍ أو حجابٍ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشُّورَى: ٥١].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ تكليمِ اللهِ وقد سبق الكلامُ عليه فلا حاجَةَ إلى إعادتِهِ وبيَّنَّا أنَّ كلامَ اللهِ كلامٌ بحرفٍ وصوتٍ مسموعٍ وأنَّ ذلك من كمالِهِ، وليس كما يَزْعُمُ الزاعمون أنَّه من النَّقْصِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ إيحاءَ اللهِ تعالى على ثلاثةِ أوْجُهٍ:
الأوَّل: وحيُ إلهامٍ.
والثَّاني: تكليمٌ من وراء حجابٍ.
والثَّالثُ: إرسالُ رسولٍ يوحِي إلى المُرْسَلِ إليه ما شاء اللهُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ مشيئةِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾.
стр. 349
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ عُلُوِّه بقِسْمَين: العلوِّ الذاتِيِّ، والعلوِّ الوصفيِّ.
فأمَّا علوُّ الذاتِ فهو أنَّه فوق كلِّ شيءٍ، وأمَّا علوُّ الوصْفِ فهو أنَّ جميعَ صفاتِه عُليا ليس فيها نقصٌ بوجْهٍ من الوجوه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثباتُ الحِكْمةِ في شَرْعِه وخَلْقِه، وإثباتُ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ والشَّرعِيِّ؛ لأنَّه تقدَّم أنَّ كَلِمَةَ حكيمٌ تعني الحُكْمَ والحِكْمَةَ.
* * *
стр. 350
الآيتان (٥٢، ٥٣)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشُّورَى: ٥٢ - ٥٣].
* * *
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مِثْلَ إيحائِنا إلى غيْرِك من الرُّسلِ أَوْحَيْنَا إليك]. (كذلك) تأتي في القرآنِ كثيرًا، وحَسَبَ كلامِ المفَسِّرِ أنَّ الكافَ اسمٌ بمعنى مِثْلٍ، فتكونُ مصدرًا لفعلٍ محذوفٍ، والتَّقديرُ: مِثْلَ ذلك. ثم تُفَسِّرُ الفِعْلَ بما يناسِبُ المقامَ؛ أي: مِثْل إيحائِنا لمن سبق من الرُّسُلِ.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا مُحَمَّدُ]. أفادنا بقولِهِ: [يا مُحَمَّدُ] أنَّ الخِطابَ هنا خاصٌّ بالرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ ولا يتعدَّاه إلى غيْرِه. ﴿رُوحًا﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [هو القرآنُ به تحيا القلوبُ] صَدَقَ المرادُ بالرُّوحِ هنا القرآنُ؛ لأنَّه تحيا به القلوبُ.
وقولُهُ: ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [الَّذي نوحيه إليك] يعني: مما نأْمُرُ به، ويحتملُ أن يَكُونَ الأمرُ هنا واحدَ الأمورِ لا واحدَ الأوامِرِ؛ أي: من شَأْنِنا.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿مَاكُنْتَ تَدْرِي﴾ تَعْرِفُ قبل الوحْيِ إليك ﴿مَا الْكِتَابُ﴾
стр. 351
القرآنُ ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾؛ أيْ: شرائِعُه ومَعالِمُه].
أوحى اللهُ إلى نَبِيِّه نوحًا ﵊ مِن أمْرِه - سواءٌ قلنا: واحدُ الأمورِ أو واحدُ الأوامِرِ -، وأخبر أنَّ للهِ المِنَّةَ الكبرى عليه في ذلك؛ لأنَّه كان قبل هذا ما يدري؛ أي: ما يَعْلَمُ أو ما يَعْرِفُ ﴿مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ كَلِمَةُ ﴿مَا الْكِتَابُ﴾ يحتملُ أنَّ المرادَ بها ما الكتابةُ، ويحتملُ أن يُرادَ بذلك ما ذكره المفَسِّرُ وهو القرآنُ، أمَّا الأوَّلُ فلأنَّ اللهَ تعالى قال في نَبِيِّه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وأمَّا كونُ المرادِ به القرآنَ فهذا أمثلتُه كثيرةٌ.
المهمُّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ لم يكن يَعْرِفُ حتَّى الكتابةَ، لا يَكْتُبُ ﵊، ولم يَكُنْ يَعْرِفُ أيضًا الوحْيَ قبل أن يُوحَى إليه.
قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: شرائعُهُ ومَعالِمُه] يعني: وما كُنْتَ تدري عن شرائِعِ الإيمانِ، فلم يَكُنِ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ يدري عما شَرَعَه اللهُ له في هذه الشَّريعةِ كاملةً قَبْلَ ذلك.
ثم قال المفسِّرُ ﵀: [والنَّفيُ مُعَلِّقٌ للفِعْلِ عن العملِ وما بعده سَدَّ مَسَدَّ المفعوليْن] الجملةُ هذه للإعرابِ، كلمةُ ﴿تَدْرِي﴾ تَنْصِبُ مفعوليْن، فهل بَعْدَها شيءٌ منصوبٌ؟ لا، بَعْدَها (ما) استفهاميَّةٌ مبتدأٌ و ﴿الْكِتَابُ﴾ خَبَرُه، ليس فيها شيءٌ منصوبٌ، إذا جاءتِ الجملةُ الإستفهاميَّةُ في محلِّ المفعوليْن، فإنَّها تُعَلِّقُ الفِعْلَ عن العملِ ظاهرًا، ولكنَّ الجُمْلَةَ تَكُونُ في محلِّ نَصْبٍ، إذن الإستفهامُ هنا عَلَّقَ الفِعْلَ عن العملِ وما بَعْدَه سدَّ مَسَدَّ المفعوليْن.
стр. 352
وقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: الرُّوحَ أو الكتابَ] يعني: جعلنا الكتابَ الَّذي أَوْحَيْنا إليك أو الرُّوحَ الَّذي أَوْحَيْنا إليك، والمعنى لا يَختلفُ.
وقوله: ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ اللهمَّ اهْدِنا به! النُّورُ يَهْتَدي به النَّاسُ، ومنه قولُ الخنساءِ في أخيها:
وإن صخرًا لتأتمُّ الهُداةُ به ... كأنه عَلَمٌ في رَأْسِه نارٌ (١)
يعني: أنَّ النَّارَ تَجْعَلُ علامةً على الشَّيءِ إذا كان النَّاسُ في البَرِّ أَوْقَدُوا في اللَّيلِ نارًا على رأسِ جَبَلٍ أو على رأسِ أَكَمَةٍ؛ حتَّى يهتديَ بها من يُرِيدُهم. يقولُ: ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] نَهِدي بهذا النَّورِ من نشاءُ وهذا مبنيٌّ على حكمةِ اللهِ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] فالحريُّ أن يُهْدى بهذا النُّورِ من تَمَسَّكَ به وعَمِلَ بما فيه، تصديقًا للأخبارِ، وتنفيذًا للأحكامِ، من فَعَلَ هذا صار القرآنُ له نورًا يهتدي به، كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٧]. وأمَّا من أَعْرَضَ عنه - والعياذُ باللهِ - فإنَّه سيَكونُ حُجَّةً عليه ولا يَنْتَفِعُ به.
وقوله: ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ قولُهُ: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المرادُ العبوديَّةُ العامَّةُ أو الخاصَّةُ؟
الجوابُ: ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ هذه تَقْسِمُ النَّاسَ إلى قِسْمَين: مهتدٍ وضالٍّ، فيكونُ ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ المرادُ به العبوديَّةُ العامَّةُ؛ لأنَّه جَعَلَ العبوديَّةَ هذه قِسْمَيْنِ
стр. 353
مهتدٍ وضالٍّ ﴿مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ﴾ يعني: يا مُحَمَّدُ. ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [تدعو بالوحْيِ إليك إلى صراطٍ مستقيمٍ] لو أنَّ المفَسِّرَ قال: ﴿لَتَهْدِي﴾ أي: تدلُّ لكان أَوْضَحَ وأَخْصَرَ ﴿لَتَهْدِي﴾ بمعنى تدلُّ فهي هدايةُ الدِّلالةِ. إنَّما قال: [تدعو بالوحْيِ إليك] ولكنَّ هذا لا يكفي؛ لأنَّه لو دعا فهل يهتدي النَّاسُ، لكن إذا قلنا: تدلُّ فقد وَضَّحَ الطَّريقَ ودلَّ عليه، ثمَّ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزُّمَرِ: ٤١].
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريقٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ يقولُ: دينُ الإسلامِ] وصَدَقَ الصِّراطُ المستقيمُ بَعْدَ بعثةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ، هو دينُ الإسلامِ.
وقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ هذه بَدَلٌ من قولِهِ: الصِّراطِ المستقيمِ، وقولُهُ: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ أضافه اللهُ تعالى إلى نفْسِه؛ لأنَّه الَّذي وَضَعَه لعباده؛ ولأنَّه مُوَصِّلٌ إليه، فأُضيفَ إلى اللهِ باعتبارين:
الأوَّلُ: أنَّه الَّذي وَضَعَه للعِبادِ وشَرَعَه لهم.
والثَّاني: أنَّه مُوَصِّلٌ إليه.
وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: قويمٍ غَيْرِ مُعْوَجٍّ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿لَهُ] الجارُّ والمجرورُ خبرٌ مُقَدَّمٌ و ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وتقديمُ الخبرِ يُفيدُ الحَصْرَ؛ أي: له وحده ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ.
قال المفسِّرُ ﵀: [مُلْكًا وخَلْقًا وعَبِيدًا] لو قَدَّمَ المفسِّرُ [خَلْقًا] على [مُلْكًا] لكان أَحْسَنَ؛ لأنَّ الخَلْقَ سابقٌ على المُلْكِ، ولكنِ الخُلْفَ في هذا سهلٌ، وقولُهُ:
стр. 354
[عَبِيدًا] يعني: تدبيرًا يُدَبِّرُهُم ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشُّورَى: ٥٣] ﴿أَلَا﴾ هنا أداةُ استفتاحٍ والمقصودُ بها التَّنبيهُ والتَّأكيدُ.
وقولُهُ: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ مفعولٌ ﴿تَصِيرُ﴾ مُقَدَّمٌ عليها لإفادةِ الحَصْرِ؛ أي: إلى اللهِ لا إلى غَيْرِه ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: شؤونُ الخَلْقِ.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ أنَّ هذا القرآنَ الكريمَ روحٌ تحيا به القلوبُ، وعلى هذا فإذا وَجَدْتَ قَلْبَكَ مَيِّتًا أو وَجَدْتَه مريضًا أو وَجَدْتَه قاسيًا فعليك بالقرآنِ، اقرأْه عن محبَّةٍ وتَدَبُّرٍ فسيتغيَّرُ القلبُ، من مرضٍ إلى صِحَّةٍ، ومن موتٍ إلى حياةٍ، ومن قسوةٍ إلى لِينٍ. قال ابنُ عَبْدِ القويِّ ﵀:
وحافِظْ على دَرْسِ القُرَانِ فإنه ... يُلَيِّنُ قلبًا قاسيًا مِثْلَ جَلْمَدِ (١)
أيْ: مِثْلَ الحصى، ويدُلُّ عليه هذه الآيةُ.
مسألةٌ: إذا كان الإنسانُ يَقْرَأُ كُتُبَ العلماءِ ثم يَرِدُ عليه نسيانُ بعضِ الأقوال، فهل يُفَرَّقُ بَيْنَ نسيانِ القرآنِ ونسيانِ غيرِهِ؟
فالجوابُ: النِّسْيانُ لا يخلو منه الإنسانُ حتى إنَّ النَّبيَّ ﷺ قَرَأَ ذاتَ يومٍ ونَسِيَ آيةً من كتابِ اللهِ (٢). فلا أحدَ يَسْلَمُ منه، لكنَّ القرآنَ تَجِبُ العنايةُ به أَكْثَرَ؛ لأمْرِ النَّبيِّ ﷺ بتَعَهُّدِه، والقرآنُ أكثرُ الأشياءِ نسيانًا، يعني أنْ تَحْفَظَ مثلًا مَتْنًا من متونِ الفِقْهِ
стр. 355
لا يحتاجُ إلى تَعَهُّدٍ كثيرٍ، أمَّا القرآنُ فلا بدَّ أن تَتَعَهَّدُه كثيرًا وإلَّا نَسِيتَهُ، قال النَّبيُّ ﷺ : "تَعَهَّدُوا بالقرآنِ، فوالَّذي نفسي بيَدِهِ لهو أشدُّ تَفَصِّيًا - أو تَفَلُّتًا - من الإبِلِ في عُقُلِهَا" (١).
والحكمةُ من أنَّ القرآنَ يُنْسَى أكثرُ من غيرِهِ:
أوَّلًا: الإبتلاءُ؛ لِيَعْلَمَ اللهُ تبارك تعالى من هو راغبٌ في حِفْظِ القرآنِ ومن هو غيرُ راغبٍ.
ثانيًا: كثرةُ الأجْرِ والثَّوابِ بتردادِه، فإنَّ في كلِّ حرفٍ عَشْرَ حسناتٍ.
ثالثًا: أن يَبْقَى ذِكْرُ اللهِ تعالى في القلْبِ؛ لأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، فإذا كنْتَ تقرأُ القرآنَ فكأنَّما تُنَاجي اللهَ ؛ لأنَّكَ تقرأُ كلامَه ؛ ولهذا جَعَلَ اللهُ تعالى من الحكمة أن يُنْسَى سريعًا؛ حتَّى تَحْرِصَ عليه.
فإن قال قائلٌ: عندما جاء النَّبيَّ ﷺ مَلَكَانِ في المنامِ، فرأَى أنَّه مَرَّ على قومٍ يُعَذَّبُون في قبورِهِم، منهم رجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ فنام عنه باللَّيلِ ولم يَعْمَلْ به في النَّهارِ (٢)، فهل هذا يَدُلُّ على وجوبِ قيامِ اللَّيلِ لصاحِبِ القرآنِ؟
فالجوابُ: لا يَجِبُ، ولعلَّ هذا الرَّجُلَ له صفةٌ خاصَّةٌ، أو يُقالُ: نام عنه في اللَّيلِ، يعني عن الواجبِ فيه، كصلاةِ العِشاءِ مثلًا وصلاةِ الفجْرِ؛ لأنَّ المنافقين لا يُصَلُّون الفجْرَ ولا العِشاءَ.