بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قبْل أنْ نبدأَ بالتفسيرِ أحبُّ أن أحثَّ طلَّابَ العلمِ على تعلُّمِ تفسيرِ القرآنِ؛ لأنَّ القرآنَ أشرفُ كتابٍ وأعظمُ كتابٍ، فإنَّه كلامُ اللهِ تَكَلَّمَ به حقيقةً، وسَمَّعَه جبريلَ فألقاه إلى النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - ثم إن هذا شأنُ الصحابةِ ﵃ فقد كانوا لا يتجاوزون عَشْرَ آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلمِ والعملِ، قالوا: فتَعَلَّمْنا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا (١).
ومن المعلومِ أنَّ الإنسانَ إذا قرأ القرآنَ بدونِ معرفةٍ لمعناه فإنه لا يستفيدُ منه شيئًا، كما لو قرأ كتابَ فقهٍ، أو كتابَ طبٍّ، أو كتابَ أدبٍ، وهو لا يعرفُ المعنى فإنه لا يستفيدُ من هذا شيئًا.
أهمّ شيءٍ في القرآنِ أن تَتَدَبَّرَ آياتِهِ وتَتَّعِظَ بها؛ كما قال اللهُ تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
ويوجَدُ بعضُ الناسِ تمِيلُ نفسُهُ إلى فنٍّ من فنونِ العِلْمِ ويُهمِلُ القرآنَ، ولو ناقشْتَه في أقلِّ معنًى للآياتِ وَجَدْتَه ليس عنده منها خبر، ولا وَقَفَ منها على عيْنٍ ولا أثر، وهذا نقصٌ كبيرٌ في العِلْمِ، فأصْلُ المعلوماتِ وأهمُّها وأشرفُها وأَجَلُّها هو تَعَلُّمُ القرآنِ الكريمِ؛ ولذلك تنبغي العنايةُ به، واعْلَمْ أنَّ القرآنَ الكريمَ لم يَنْزِلْ
стр. 4
على أنه كتابُ نحوٍ، أو كتابُ صَرْفٍ، أو كتابُ فَلَكٍ، أو ما أَشْبَهَ ذلك إنما نَزَل ليستقيمَ العبدُ في معاملتِه مع اللهِ ومعاملتِه مع الخَلْقِ؛ ولذلك تَجِدُ القرآنَ الكريمَ لا يعتني كثيرًا بالآياتِ الكونيَّةِ الفلكيَّةِ، وإنما يشيرُ إليها إشارةً، لكنَّه في الأحكامِ الشرعيَّةِ يأتي فيها بالتفصيلِ والبيانِ.
ولقد حاول بعضُ المتأخِّرين أن يُنزِّل المعلوماتِ الكونيَّةَ الفلكيَّةَ والأرضيَّةَ، وحاول أن يَجْعَلَ القرآنَ دالًّا عليها بالتفصيلِ، فصار يَسُوقُ الآياتِ ويتكلَّفُ في معناها؛ ليُخْضِعَها إلى موافَقةِ ما قيلَ عن علمِ الفَلكِ والأرضِ، وهذا غلطٌ؛ لأنَّ القرآنَ إنَّما نَزَلَ لهدايةِ الخَلْقِ في العباداتِ والمعاملاتِ، وما أتى فيه من كلامٍ عن الأمورِ الكونيَّةِ فهذا أتى على وجْهٍ إجماليٍّ التفصيلُ فيه قليلٌ إن كان هناك تفصيلٌ، فليعتنِ طالبُ العلمِ بتفسيرِ كلامِ اللهِ .
مسألة: أَحْسَنُ ما عَلِمْتُ (تفسير ابْنِ كَثِيرٍ) ﵀، فهو موثوقٌ من جِهَةِ العقيدةِ وإن كان فيه بعضُ القصورِ، فإنَّه يَذْكُرُ أشياءَ إسرائيليَّةً، ويتكلَّمُ على كثيرٍ منها. و (تفسيرُ الشَّيخِ عبْدِ الرحمنِ السَّعْدِيِّ) ﵀ جيِّدٌ خصوصًا في استنباطِ الفوائِدِ من الآياتِ، و (تفسيرُ الشَّيخِ الشَّنْقِيطِيِّ) ﵀ جيِّدٌ، لكن لا يَصْلُحُ إلا لطالِبِ عِلْمٍ مُتَمَكِّنٍ. هذا الَّذي أَعْلَمُ الآنَ.
* * *
стр. 5
سورةُ الشُّورى
* * *
قال المفسِّرُ ﵀ (١): [سورةُ الشُّورى] ويُقالُ: سورةُ شورى وهي تقالُ بهذا وهذا، أمَّا الشُّورى فـ (أل) فيها للبيانِ، وأمَّا شورى فهي مأخوذةٌ من قولِهِ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وليس فيها (أل).
فهذه السُّورةُ تُسَمَّى سورةَ شورى وسورةَ الشُّورى.
قال المُفسِّر ﵀: [مَكِّيَّةٌ] ما نَزَلَ بعْدَ الهجرةِ ولو في مكَّةَ، فهو مَدَنيٌّ ما نَزَلَ بعْدَ الهجرةِ ولو بمكَّةَ فهو مَدَنيٌّ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، هذه نَزَلتْ في عرفةَ والنَّبيُّ ﷺ -واقفٌ بعرفةَ (٢)، وما نَزَلَ قبْلَ الهجرةِ، ولو في الأسفارِ، أو في أيِّ مكانٍ فإنه مَكِّيٌّ، إذنِ الحدُّ الفاصلُ بيْنَ السُّوَرِ المكِّيَّةِ والمَدنيَّةِ هو الهجرةُ.
قال المُفسِّر ﵀: [إلا ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآياتِ الأربعَ] استثنى المُفسِّر ﵀ من هذه السُّورةِ هذه الآياتِ الأربعَ، يَعني: أنها مدنيَّةٌ وبقيَّةُ السُّورةِ مكِّيَّةٌ، ولكن لاحِظ أنَّ أيَّ إنسانٍ يَستثني آياتٍ من سورةٍ مدنيَّةٍ؛ لِتكُونَ هذه الآياتُ مكِّيَّةً أو بالعكسِ فإنَّنا نطالبُه بالدليلِ، وإلا فالأصلُ أنَّ السُّورةَ المكِّيَّةَ مكِّيَّةٌ بجميعِ آياتِها، وأنَّ السُّورةَ المدنيَّةَ مدنيَّةٌ بجميعِ آياتِها.
стр. 6
قد يقولُ قائلٌ مثلًا: الدليلُ أنَّ أسلوبَ الآياتِ المدنيَّةِ يختلفُ عن أسلوبِ الآياتِ المكِّيَّةِ. نقولُ: هذا لا يكفي.
وقد يقولُ قائلٌ مثلًا: الدليلُ على الإستثناءِ أنَّ هذه الآياتِ تبحثُ في فروعِ الدِّينِ وهذه علامةٌ على أنَّها مدنيةٌ؛ لأنَّ غالبَ السُّوَرِ المكِّيَّةِ تبحثُ في أصولِ الدِّينِ.
نقولُ: هذا ليس بدليلٍ، وعلى هذا فالأصلُ أنَّ هذه السُّورةَ مكِّيَّةٌ بجميعِ آياتِها حتى يَقُومَ دليلٌ واضحٌ على أنَّ هذه الآياتِ التي استثناها المُفسِّر مدنيَّةٌ، ثم اعلمْ أنَّ جميعَ السُّوَرِ المبدوءةِ بالحروفِ الهجائيَّةِ مكِّيَّةٌ إلَّا سورتيْنِ هما: البقرةُ وآلُ عمرانَ والباقي كُلُّه مَكِّيٌّ.
ثم قال المُفسِّر ﵀: [ثلاثٌ وخمسون آيةً] الآيةُ هي عِبارةٌ عن جُملةٍ من القرآنِ الكريمِ انفصلتْ عمَّا قبْلها انفصالًا توقيفيًّا، يَعني أنَّ الآياتِ فُصِلَتْ هذه عن هذه بالتوقيفِ، وليس تابعًا للمعنى؛ ولهذا تجدون قولَ اللهِ ﵎: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] هاتانِ آيتانِ، مع أنَّ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ مرتبطةٌ تمامًا بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾.
المهمُّ: أنَّ فصلَ آيةٍ عن آيةٍ إنما هو بالتوقيفِ، كذلك أيضًا وَضْعُ الآياتِ بعضِها إلى بعضٍ هو أيضًا توقيفيٌّ، ليس للرأيِ فيه مجالٌ، وليس لأحدٍ فيه أيُّ عملٍ، بل هو توقيفيٌّ، إذا نزلتِ الآيةُ قال النَّبِيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم -: "ضعوا هذه الآيةَ في مكانِ كذا من سورةِ كذا" (١). فصار الآن فَصْلُ الآياتِ عن بعضِها البعضِ ترتيبُها توقيفيٌّ.
стр. 7
أمَّا السُّوَرُ فبعضُها ترتيبُه توقيفيٌّ وبعضُها ترتيبُه غيرُ توقيفيٍّ، فمثلًا البقرةُ وآلُ عمرانَ ترتيبُها توقيفيٌّ، آلُ عمرانَ بَعْدَ البقرةِ، ولا يُشْكِلُ عليك حديثُ حذيفةَ أنَّه صلَّى مع النبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ فقرأ بالبقرةِ، ثم قرأ بالنساءِ، ثم قرأ بآلِ عمرانَ (١)؛ لأنَّ الترتيبَ النِّهائيَّ أنَّ آلَ عمرانَ بعدَ البقرةِ، ويكونُ حديثُ حذيفةَ ﵁ قبْلَ الترتيبِ النِّهائيِّ؛ ولهذا تجدون في الحديثِ أنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم - يَقْرِنُ دائمًا بيْنَ البقرةِ وآلِ عمرانَ؛ كقولِهِ: "اقْرَؤُوا الزَّهْراويْنِ" (٢) يَعني البقرةَ وآلَ عمرانَ.
فصار عندنا الآن ترتيبُ السُّوَرِ بَعْضُه توقيفيٌّ وبَعْضُه غيرُ توقيفيٍّ، ترتيبُ الآياتِ توقيفيٌّ، تفصيلُ الآياتِ توقيفيٌّ.
وإنما سُمِّيت القطعةُ أو الجملةُ من القرآنِ آيةً؛ لأنَّها مُعجِزةٌ، يعني: الآيةُ الواحدةُ لا يستطيعُ أحدٌ أن يأتِيَ بمثْلِها، لا في موضِعِها، ولا في صيغتِها ولا في مدلولِها.
* * *
стр. 8
الآيات (١ - ٣)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ١ - ٣].
* * *
﴿حم (١) عسق﴾ هذه خمسةُ أحرفٍ (حاء) (ميم) (عين) (سين) (قاف) خمسة أحرف، لكنها أحرفٌ هجائيةٌ يعني هي مثلُ: (ألف) (باء) (تاء) (ثاء) (جيم) (حاء) (خاء) هذه (حاء) (ميم) (عين) (سين) (قاف) ليس لنا أن نتكلمَ لماذا اختار اللهُ هذه الحروفَ بعينِها دونَ غيرِها؟ هذا ليس إلينا، ولا يمكننا أن نحيطَ بذلك علمًا.
لكن لنا أن نسأل: هل لهذه الحروفِ معنًى؟
الجواب: المُفسِّر ﵀ يقولُ: [اللهُ أعلمُ بمرادِه به]، وهذا يقتضي أنه أثبتَ لهذه الحروفِ معانيَ لكنها غيرُ معلومةٍ، وهذه الحروفُ الهجائيةُ التي ابتُدئت بها بعضُ السُّوَرِ اختَلف فيها العلماءُ ﵏ سلفًا وخَلفًا ما معناها، وهل هي رموزٌ أو أسماءٌ للسورِ التي ابتُدئت بها؟ ولكنَّا إذا طبَّقْنا ذلك على ما تقتضيه الأدلةُ وَجَدْنا أنها حروفٌ هجائيةٌ ليس لها معنًى.
الدَّليلُ: أنه لا يُوجَدُ في القرآنِ شيءٌ ليس له معنًى معلومٌ لجميعِ الناسِ؛ لأنَّه لو قدر أن في القرآن شيئًا مجهولًا لجميعِ الناسِ لم يكنْ هذا القرآنُ بيانًا للناسِ؛
стр. 9
لأنَّ مقتضَى البيانِ ألا يكُونَ فيه شيءٌ إلا كان معلومًا للناسِ جميعًا أو لبعضِ الناسِ، أمَّا أن يوجد فيه ما ليس معلومًا لجميع الناسِ فهذا لا يمكنُ، وقد قال اللهُ تعالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩]، وهذا يشملُ البيانَ اللفظيَّ والبيانَ المعنويَّ.
إذَن: أولًا: اعلم أنه لا يوجَدُ شيءٌ في القرآنِ لا يَفْهَمُ الناسُ معناه أبدًا، لا بُدَّ أن يفهموا معناه، فإذا وُجِدَ شيءٌ لا يُعْرَفُ معناه يعني ذلك أنه ليس له معنًى، هذه واحدةٌ.
ثانيًا: إذا طَبَّقْنا هذه الحروفَ على قولِ اللهِ ﵎: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزُّخرف: ٣]، قلْنا: هذه الحروفُ في لغةِ العربِ ليس لها معنًى، إذن فمقتضَى كوْنِ القرآنِ باللسانِ العربيِّ المبينِ ألا يكونَ لهذه الحروفُ معنًى، لأنَّ هذه الحروفَ ليس لها معنًى في اللغةِ العربيةِ، وهذا هو الذي نَقَلَه ابْنُ كثيرٍ ﵀ عن إمامِ المفسِّرِين في عهْدِه مجاهدِ بنِ جبرٍ ﵀ الذي أَخَذ تفسيرَ القرآنِ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ.
فقال: إن هذه الحروفَ الهجائيَّةَ ليس لها معنًى (١) نَجْزِمُ بذلك، لا تَخَرُّصًا ولكن استدلالًا بالقرآنِ، واستدلالًا بحالِ القرآنِ، استدلالًا بالقرآنِ، لأنَّه نَزَلَ باللغةِ العربيةِ وهذه الحروفُ الهجائيَّةُ ليس لها معنًى في اللغةِ العربيَّةِ، واستدلالًا بحالِ القرآنِ أنَّ القرآنَ ليس فيه شيءٌ لا يَعْرِفُ الناسُ معناه كُلَّهُ، لا بُدَّ أن يَكُونَ فيه شيءٌ معلومٌ.
стр. 10
وعلى هذا فإننا نَجْزِمُ بأنَّ هذه الحروفَ ذاتَها ليس لها معنًى، لكن إذن يَرِدُ علينا إشكالٌ، إذا قلنا: ليس لها معنًى صار إنزالُها وكلامُ الرَّبِّ بها عبثًا، واللهُ ﵎ لا يَفْعَلُ شيئًا عبثًا، فنقولُ: ليس بعبثٍ، هي ذاتُها ليس لها معنًى، لكن لها مغزًى يقترنُ بالتحدي، وهو أن يُقالَ: إنكم أيها العربُ تركِّبون كلامَكم من هذه الحروفِ والقرآنُ لم يأتِ بحرفٍ لم تتكلموا به، بل كُلُّهُ من الحروفِ التي تتكلمون بها، وهذا مثالٌ: (ح) (م) (ع) (س) (ق)، ومع هذا عَجَزْتُمْ أن تأتوا بمثْلِهِ، فيكون بهذا مغزًى عظيمٌ، وهو أنَّ القرآنَ الذي أَعْجَزَكُم أيها العربُ مع أنكم أئمَّةُ الفصاحةِ، هل أتى بحروف جديدة، تقولون: واللهِ لا نعرف هذه الحروف، أو هو من الحروفِ التي أنتم تنطقون بها؟ فالجوابُ: الثاني ومع ذلك أَعْجَزَكُم.
ويدُلُّ لهذا المغزى الذي أقرَّهُ شيخُ الإسلامِ (١) ﵀ ومن سَبَقَه ومن لَحِقَه، يدُلُّ على هذا: أنك لا تكادُ تجدُ سورةً مبدوءةً بهذه الحروفِ إلا وبعدها ذِكْرُ القرآنِ الكريمِ، أو ذِكْرُ ما لا يُمْكِنُ إلا بوحيٍ، ننظرُ الآنَ: ﴿الم﴾ [البقرة: ١]، في أوَّلِ البقرةِ بَعْدَهَا: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وفي آلِ عمر ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمرانَ: ١ - ٣]، و ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ وهلمَّ جرًّا، ليس هناك إلا سورتان أو ثلاثٌ، لكنَّ حقيقةَ الأمرِ أنَّ الذي يلي هذه الحروفَ لا يتأتَّى العلمُ به إلا عن طريقِ الوحيِ.
فقولُهُ: ﴿حم (١) عسق﴾ نقولُ في تفسيرِها: هذه حروفٌ هجائيَّةُ ليس لها معنًى، لكن لها مغزًى.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الإيحاءِ ﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾ وأوحى
стр. 11
إلى الذين من قبلِك، اللهُ فاعلُ الإيحاءِ] ﴿كَذَلِكَ﴾ تأتي في القرآنِ كثيرًا، وإعرابُها في جميعِ المواطنِ إلا يسيرًا أن تقول: الكافُ بمعنى (مثل) منصوبةٌ على أنها مفعولٌ مطلقٌ عاملُها ما يأتي بَعْدَهَا. حوّل الكافَ إلى مثلٍ تقولُ: مِثْلَ ذلك، والعاملُ فيها ﴿يُوحِي﴾ أي: يوحي إليك مثلَ ذلك الإيحاءِ اللهُ العزيزُ الحكيمُ.
وقولُهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ (ذلك) المشارُ إليه الوحيُ النازلُ على الرَّسُولِ ﷺ يوحي إليك: الوحيُ في اللغةِ الإعلامُ بسرعةٍ وخفاءٍ، ويُطْلَقُ على الرمزِ ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، ويُطْلَقُ على الإلهامِ؛ كما في قولِهِ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧].
أمَّا في الإصطلاخ: فالوحيُ إعلامُ اللهِ تعالى بالشرعِ لأنبيائِهِ ورسُلِه.
وقولُهُ: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِك﴾ الواوُ حرفُ عطْفٍ ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ معطوفةٌ على ﴿إِلَيْكَ﴾ وإذا كانتْ معطوفةً على ﴿إِلَيْكَ﴾ كان تقديرُ الفعلِ: ويوحي إلى الذين من قَبْلِك. لكنْ لاحظوا أنَّ المُفسِّر ﵀ صَرَفَهَا فقال: [وأوحى إلى الذين من قَبْلِك]، فَقَدَّرَ فعلًا ماضيًا، مع أنها معطوفةٌ على معمولِ فعلٍ مضارعٍ؛ لأنَّ إيحاءَ اللهِ إلى رسولِهِ محمَّدٍ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم - مستمرٌّ، وإيحاؤه إلى من سَبَقَه ماضٍ منتهٍ؛ فلهذا قَدَّرَ المُفسِّر فعلًا ماضيًا.
ولكننا نقولُ: الأصلُ عدمُ التقديرِ؛ لأنَّ القرآنَ كاملٌ لا يحتاجُ إلى تقديرٍ إلا ما دعتِ الضَّرُورةُ إليه، ولا ضرورةَ هنا، ونقولُ: كذلك يوحي إليك ويوحي إلى الذين من قَبْلِك، ويكونُ ذِكْرُ الإيحاءِ لمن سَبَقَنَا من بابِ ذِكْرِ صورةِ الحالِ، فإنه حين وحْيِهِ إلى من سبق، و ﴿يُوحِي﴾ فعلٌ مضارعٌ، فيكونُ هذا على حكايةِ الحالِ.
стр. 12
وقولِهِ: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ المرادُ بهم الأنبياءُ والرسلُ، قال المُفسِّر ﵀: [﴿اللَّهُ﴾ فاعلُ الإيحاءِ] لو قال: فَاعِلُ ﴿يُوحِي﴾ كان أَحْسَنَ من حيث البيانُ الإعرابيُّ، فعلى هذا نقولُ: ﴿يُوحِي﴾ فعلٌ مضارعٌ، و ﴿اللَّهُ﴾ فاعلٌ: يوحي اللهُ.
فـ ﴿اللَّهُ﴾ هو عَلَمٌ على ربِّنَا قيل: وأصلُهُ (الإلهُ) فحُذفت الهمزةُ؛ لكثرةِ الإستعمالِ كما حُذفت الهمزةُ من خيرٍ وشرٍّ في قولهم: فلانٌ خيرٌ من فلانٍ، أو فلانٌ شرٌّ من فلانٍ، والتقديرُ: أَخْيَرُ وَأَشَرُّ.
﴿اللَّهُ﴾ معنى هذه الكلمةِ العظيمةِ قيلَ: إنه اسمٌ جامدٌ ليس له معنًى فهو غيرُ مشتقٍّ، لكن هذا القولَ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والإسمُ المجرَّدُ عن معنًى لا يَدْخُلُ في الحسنى، بل ولا في الحَسَنِ، فكلُّ اسمٍ من أسماءِ اللهِ، فإنه متضمنٌ لصفةٍ من صفاتِ اللهِ أو أكثرَ، وليس في أسماءِ اللهِ اسمٌ جامدٌ لا يحملُ معنًى أبدًا، وعلى هذا فنقول: اللهُ مشتقٌّ من الألوهيَّةِ، والألوهيَّةُ هي: التذلُّلُ للمألوهِ مع المحبَّةِ والتعظيمِ؛ إذنْ فاللهُ بمعنى المتألَّهِ إليه حبًّا وتعظيمًا.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ قال: في مُلْكِه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ الحكيمُ في صُنْعِه].
أولًا: قال ﵀: [﴿الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكِه] لكنْ لم يفسرْ معنى العزَّةِ، العزيزُ في الأصلِ: الغالبُ، العزيزُ يعني: الغالبَ القاهرَ لمن سِوَاه ، واستمعْ إلى قولِ اللهِ تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، يريدون بالأعزِّ أَنْفُسَهُمْ، ويريدون بالأذلِّ الرسولَ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم - وأصحابِهِ.
стр. 13
قال اللهُ ردًّا عليهم: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]؛ أي: للهِ الغلبةُ ولرسولِهِ وللمؤمنين، وتَأَمَّلْ قولَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ ولم يَقُلْ: واللهُ الأعزُّ، مع أنهم هم يقولون: الأعزُّ والأذلُّ، لم يَقُلْ: واللهُ أعزُّ قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾؛ لأنَّه لو قال: واللهُ هو الأعزُّ لأثبت للمنافقين عزةً مفضولةً، لكنَّ الحقيقةَ أنه لا عِزَّةَ للمنافقِ، بل هو مغلوبٌ دائمًا، بل حالُهُ تَدُلُّ على أنه مغلوبٌ؛ لأَنَّه مختفٍ جبانٌ يُظْهِرُ أنه مُسْلِمٌ وليس بمُسْلِمٍ.
ولهذا نقولُ: إن الكافرين الْخُلَّصَ الصرحاءَ أشجعُ من المنافقين؛ لأنَّهم يُصَرِّحُون ويُعْلِنون، أمَّا المنافقُ فذليلٌ يُظْهِرُ الإسلامَ خوفًا من المسلمين ويُبْطِنُ الكفرَ؛ لأنَّه كافرٌ، والعياذُ باللهِ.
مسألة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النِّساء: ١٤٥] لا تدلُّ على أنَّ غيْرَهم لا يكونُ فيها، كما لو قلتَ مثلًا: فلانٌ في بيتِ فلانٍ، لا ينافي أن يَكُونَ أحدٌ في هذا البيتِ.
الخلاصةُ: ﴿الْعَزِيزُ﴾ المُفسِّر ﵀ لم يُبَيِّنْ معناها، فنقولُ: العزَّةُ يعني: الْغَلَبَةَ.
﴿الْحَكِيمُ﴾ يقولُ المُفسِّر ﵀: [في صُنْعِه]، وهذا ناقصٌ جدًّا؛ لأنَّ حِكْمَةَ اللهِ تعالى في صُنْعِه وفي شَرْعِه، فهو حكيمٌ في صُنْعِه؛ أي: في خَلْقِه، وهو حكيمٌ في شَرْعِه.
واقرأْ قولَ اللهِ تعالى في سورةِ المُمْتَحَنَةِ: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] كُلُّ هذه أحكامٌ شرعيَّةُ، ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
стр. 14
فهو جَلَّ وَعَلَا حكيمٌ في شَرْعِه وحكيمٌ في صُنْعِه؛ يعني: في خَلْقِه، كُلُّ ما خَلَقَه اللهُ تعالى فالحكمةُ تقتضي وجودَه، وكلُّ ما أَعْدَمَهُ اللهُ تعالى فالحكمةُ تقتضي عَدَمَهُ، هذا أمرٌ مُسَلَّمٌ به، كلُّ ما شَرَعَه اللهُ إيجابًا، أو تحريمًا، أو تحليلًا، فالحكمةُ تقتضي شَرْعَه، كذلك الواجبُ تقتضي الحكمةُ إيجابَهُ، والمُحَرَّمُ تقتضي الحكمةُ تحريمَه، والمباحُ تقتضي الحكمةُ إباحَتَهُ، لكنْ لا يَلْزَمُ من وُجُودِ الحكمةِ في ذلك أن تكونَ معلومةً لنا، هناك حكمةٌ لكنْ قد نَعْلَمُها وقد لا نَعْلَمُها. وإذا حُجِبَ عنا عِلْمُهَا لا يعني العَدَمَ؛ لأننا قاصرون، إننا قاصرون بكلِّ شيءٍ، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، في كلِّ شيءٍ ضعيفٌ؛ في قوتِهِ، في إدراكِهِ، في عِلْمِهِ، في كلِّ شيءٍ.
ولهذا لما قالوا: ما هي الرُّوحُ يا محمَّدُ؟ قال اللهُ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، خَتَمَ الآيةَ بقولِهِ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ كأنه يقول: لم يَبَقْ عليكم من العلم إلا الروحُ حتى تسألوا عنها، بل الذي فاتَكُم من العِلْمِ أكثرُ من الذي أدركتُمُوه؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ولذلك واجبُ المسْلمِ تجاه خَلْقِ اللهِ وتجاه شَرْعِ اللهِ أن يستسلمَ تمامًا، وأن يقول: هذا هو الحكمةُ.
أَضْرِبُ مثلًا في الشرائعِ: لماذا يأتي الناسُ بحصى حجراتٍ صغيرةٍ يضربون بها مكانًا معينًا؟ قد يقولُ قائلٌ: ما الحكمةُ من هذا؟
فنقول: مجرَّدُ كوْنِ اللهِ شَرَعَ ذلك دليلٌ على الحكمةِ، ونكتفي بهذا. مع أن من أعظمِ الحِكَمِ فيه كمالُ التعبُّدِ أن يأتيَ الإنسانُ بحجرٍ يَضْرِبُ بها مكانًا لمجرد امتثالِ أمْرِ اللهِ، ففيه كمالُ التعبُّدِ؛ لأنَّ انقيادَ النفسِ لما تَعْلَمُ فائدتَهُ أسهلُ من انقيادِها لما لا تَعْلَمُ فائدتَهُ، وانقيادُها لما لا تَعْلَمُ فائدتَه أَبْلَغُ في التذلُّلِ والتعبُّدِ للهِ مع أن
стр. 15
هذا العملَ مقرونٌ بِذِكْرِ كلِّ حَصاةٍ ترميها تقولُ: اللهُ أكبرُ. مقرونٌ أيضًا باتباعِ، كلِّ حصاةٍ ترميها وأنت تَشْعُرُ أنك متبِّعٌ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
ونقولُ: إنَّ قَصْرَ المُفسِّر (الحكيمَ) على حِكمةِ الصنعةِ قاصرٌ بلا شكَّ، فهو حكيمٌ في صُنْعِه، وحكيمٌ في شَرْعِه ﵎.
ولا بُدَّ أن نَعْرِفَ ما هي الحكمةُ؛ يقولُ العلماءُ: إن الحكمةَ هي وَضْعُ الأشياءِ في مواضِعِها؛ بمعنى: أنَّ اللهَ إذا خَلَقَ شيئًا، أو شَرَعَ شيئًا، فإنه في مكانِهِ اللائقِ به؛ ولهذا قال بعضُ السَّلَفِ: إنَّ اللهَ تعالى لم يأمُرْ بشيءٍ فيقولُ العقلُ: ليته لم يَأْمُرْ به، ولم يَنْهَ عن شيءٍ فيقولُ العقلُ: ليْتَه لم يَنْهَ عنه، فكلُّ ما ثَبَتَ بالشرعِ فإنه لا ينافي العقلَ، بل إن العقلَ يؤيِّدُ ويَشْهَدُ بصِحَّتِه.
فالحكيمُ إذن هو واضعُ الأشياءِ مواضِعَها، سواءٌ الشرعيَّةُ أو الكونيَّةُ، فما أمرَ اللهُ بشيءٍ فقال العقلُ: ليْتَه لم يَأْمُرْ به، وما نهى عن شيءٍ فقال العقلُ: ليته لم يَنْهَ عنه.
أمَّا في الأمورِ الكونيَّةِ؛ فإن اللهَ ربَّما يُقَدِّرُ أشياءَ تظنُّها فسادًا فإذا بها تكونُ صلاحًا وخيرًا، قال اللهُ ﵎: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، فاللهُ قد يُقَدِّرُ أشياءَ إذا نَظَر إليها الإنسانُ أوَّلَ وَهْلَةٍ قال: هذه لا فائدةَ فيها. أو قال: هذه مُضِرَّةٌ، لكنْ إذا تأمل وجد أن الحكمةَ تقتضي ذلك.
وأنت أيها العبدُ إذا آمنْتَ أن اللهَ حكيمٌ في شرْعِه وحكيمٌ في خَلْقِه، فإنه لا يبقى لك شَكٌّ في أن ما شَرَعَه خيرٌ، ومما قَدَّرَه خيرٌ.
وللحكيمِ معنًى آخرُ غيرُ الحكمةِ، وهو الحاكمُ؛ لأنَّ هذه المادةَ (حاء) (كاف)
стр. 16
(ميم) تدلُّ على المَعْنيَيْن: على الحكمةِ وعلى الحُكْمِ، فهو الحاكمُ، يَحْكُمُ في الناسِ ويَحْكُمُ بين الناسِ، يَحْكُمُ في الناسِ بما يُلْزِمُهُم به من الأحكامِ الشرعيَّةِ، ويَحْكُمُ بَيْنَ الناسِ فيما يختصمون فيه، فهو الحاكمُ وحُكْمُهُ مبنيٌّ على العدلِ التَّامِّ لا ظُلْمَ ولا جَوْرَ، لا بالنسبةِ لما يَحْكُمُ فيه بين النَّاسِ، ولا بالنسبةِ لما يُحْكَمُ به في الناسِ، كُلُّه عدلٌ، كلُّهُ خيرٌ. إذن الحكيمُ له معنًى آخرُ: الْحُكْمُ.
والحُكْمُ ينقسمُ إلى: حُكْمٍ قَدَرِيٍّ، وحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، ولهذا إذا أُصيبَ الإنسانُ بمصيبةٍ قال: هذا حُكْمُ اللهِ. هذه اللغةُ تعبيرٌ عامِّيٌّ، هذا حُكْمُ اللهِ، يعني القَدَرِيَّ، لكنْ إذا قيل له: يجبُ عليك كذا وكذا قال: لماذا يَجِبُ؟ قال: هذا حُكْمُ اللهِ الشرعيُّ، وكلاهما في القرآنِ.
فمن الأولِ - أعني الحُكْمَ الْقَدَرِيَّ - قولُ اللهِ ﵎ عن أخي يوسفَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]؛ أي: يُقَدِّرُ لي، لم يَقُلْ: يَحْكُمُ فيَّ، قال: ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، فالحُكْمُ هنا قَدَرِيٌّ.
ومثالُ الثاني - الحُكْمِ الشرعِيِّ - قولُ اللهِ ﵎ حينما ذَكَرَ أحكامَ الكافرات اللاتي يأتين من الكفارِ إلى المؤمنين قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، أي: حُكْمَ اللهِ الشرعيَّ.
والفَرْقُ بين الحُكْمِ القَدَريِّ والشرعيِّ أن الحُكْمَ القدريَّ يكونُ فيما يرضاه اللهُ وفيما لا يرضاه اللهُ، الحكمُ الكونيُّ يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه الله، يسرقُ الرجلُ، يزني، يشربُ الخمرَ، هذا حُكْمُ اللهِ القدريُّ، وهذا لا يرضاه اللهُ، يصلي الإنسانُ، يتصدقُ، يصومُ، يَحُجُّ، هذا حكمُ اللهِ الْكَوْنِيُّ، يرضاه الله، إذن الحكمُ الكونيُّ أو القدريُّ إن شئتَ يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه.
стр. 17
أما الحكمُ الشرعيُّ فلا يكونُ إلا فيما يرضاه اللهُ، فلا يُحَرِّمُ اللهُ شيئًا إلا وهو يرضى ألا يَكُونَ، ولا يُوجِبُ شيئًا إلا وهو يرضى أن يكونَ.
كذلك أيضًا فَرْقٌ آخرُ: الحكمُ الكونيُّ - أو القدريُّ والمعنى واحدٌ - لا بد من وقوعِهِ، إذا حَكَمَ اللهُ بشيءٍ كونًا أو حَكَمَ به لا بُدَّ أن يَقَعَ، أمَّا الحُكمُ الشرعيُّ فقد يقعُ وقد لا يقعُ، وليس كلُّ النَّاسِ ملتزمين بأحكامِ اللهِ الشرعيَّةِ. فهذان فَرْقَانِ بَيْنَ الحكمِ الكونيِّ والحكمِ الشرعيِّ، وكلاهما يتضمنُه قولُهُ تعالى: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
من فوائدِ الآياتِ الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ قدرةِ اللهِ ﵎ حيث إن كلامَه المُنَزَّلَ على نبيِّه من الحروفِ التي يتكلمُ بها النَّاسُ، ويركِّبُون منها كلامَهم ومع ذلك أَعْجَزَهُم، وجْهُ الدلالةِ ﴿حم (١) عسق﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ نُبُوَّةِ النبيِّ ﷺ بقولِهِ: ﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ النبوةِ في الأممِ السَّابقةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ هذين الإسميْنِ للهِ وهما: العزيزُ والحكيمُ، واعلمْ أن أسماءَ اللهِ لا بُدَّ أن تتضمَّنَ شيئيْن:
الأول: ثبوتُ ذلك اسمًا للهِ ﵎ فمثلًا العزيزُ الآنَ نحنُ نَشْهَدُ أنَّ من أسماءِ اللهِ العزيزِ، كذلك نَشْهَدُ أن من أسماءِ اللهِ الحكيمُ.
والثاني: الصفةُ التي دلَّ عليها هذا الإسمُ فمثلًا العزيزُ دلَّ على العِزَّةِ، والحكيمُ على الحكمةِ، لا بُدَّ لكلِّ اسمٍ من هذين.
قد يتضمَّنُ الإسمُ شيئًا ثالثًا: وهو الفعلُ المترتِّبُ على ذلك، وإن شئْتَ فَقُلْ:
стр. 18
الأثرُ المترتِّبُ على ذلك، فمثلًا: السميعُ يتضمنُ إثباتَ اسمِ السميعِ للهِ، وإثباتَ السمعِ له، والصفةُ معنًى زائدٌ على الذاتِ، والثَّالث: أنه يسمعُ كُلَّ شيءٍ.
وفي (الحكيمُ) نقولُ كذلك، إثباتُ الحكيمِ اسمًا للهِ، والثاني: إثباتُ الحكمةِ على أَحَدِ المعنييْن، وإثباتُ الحُكمِ على المعنى الآخرِ، والثالثُ: أن اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَ العبادِ، ويَحْكُمُ في العبادِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: كمالُ عزَّتِه وكمالُ حِكمتِه؛ لأنَّ اللهَ قَرَنَ بَيْنَ العزيزِ والحكيمِ؛ إشارةً إلى أن عِزَّتَهُ وغَلَبَتُه مبنيّةٌ على الحكمةِ.
فعزةُ المخلوقِ قد تُوجِبُ أن يتصرَّفَ تصرفًا سفيهًا، كما في قولِهِ ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، فهنا صار له عِزَّةٌ لكنها لم تنفعْه؛ لأنَّها ليستْ مقرونة بالحكمةِ.
كذلك أيضًا حِكمةُ اللهِ مقرونةٌ بعزَّتِه؛ لأنَّ الحكيمَ قد يكونُ خوَّارًا ليس عنده غَلَبةٌ فيَفُوتُه شيءٌ كثيرٌ، ويَفُوتُهُ الحزمُ من أجْلِ أنه يقولُ: إن ذلك هو الحكمةُ، لكنَّ حكمةَ اللهِ مقرونةٌ بعزَّتِه؛ ولهذا نحن نستفيدُ الآنَ من قَرْنِ الأسماءِ بعضِها ببعضٍ، نستفيدُ بذلك معنًى زائدًا على ما نستفيدُهُ من مُجَرَّدِ الإسمِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الشرائعَ التي أُوحيتْ إلى الرُّسُلِ عزةٌ وحكمةٌ، قال اللهُ ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، فمن تَمَسَّكَ بهذه الشرائعِ نال الأمْرَيْنِ جميعًا، وهما مجتمعانِ وهما: العزةُ والحكمةُ والحُكمُ أيضًا.
* * *
стр. 19
الآية (٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤].
* * *
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿لَهُ﴾ الضميرُ يَعُودُ على اللهِ، ومعلومٌ أن ﴿لَهُ﴾ خبرٌ مقدَّمٌ، والمبتدأُ ﴿وَمَا﴾ لقولِهِ: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأنَّ ﴿وَمَا﴾ هنا اسمٌ موصولٌ والتقديرُ: له الذي في السَّمواتِ.
والقاعدةُ عند البُلَغَاءِ: أن تقديمَ ما حقُّهُ التأخيرُ يقتضي الحصرَ والإختصاصَ، فقولُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: لا لغيرِه كلُّ ما في السمواتِ والأرضِ فهو للهِ ربِّ العالمَين.
قال المُفسِّر ﵀: [مُلْكًا وخَلْقا وعَبِيدًا] لو بدأ بالخلقِ قبل المُلكِ لكان أحسنَ؛ لأنَّ الخَلقَ سابقٌ، والمسألةُ ليست ذاتَ أهمِّيَّةٍ كبيرةٍ، المهمُّ أنَّ له ما في السموات مُلكًا؛ يعني: أنه مالكُ أعيانِها، وخَلقًا؛ يعني: أنه خالقُها، وعَبيدًا بالمعنى القَدَريِّ يعني: أنَّ ما في السَّمَواتِ والأرضِ متذلِّلٌ للهِ تعالى، كما قال اللهُ : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
وقولُهُ: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جَمَعَها ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أَفْرَدَها؛ لأنَّ السَّمواتِ أعظمُ من الأرضِ؛ ولهذا تجيءُ كثيرًا بلفظِ الجمعِ وتجيءُ بلفظِ الإفرادِ؛ كما في قولِهِ تعالى:
стр. 20
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، فإذا جاءتْ بالإفرادِ فالمرادُ الجنسُ، وإذا جاءتْ بالجمْعِ فالمرادُ العددُ، والسَّمواتُ عددُها سبعٌ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦].
والأَرَضُونَ لم تأتِ في القرآنِ إلا مفردةً باعتبارِ الجنسِ، ولكنَّ القرآنَ أشار إلى أنها سبعٌ في قولِهِ تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، والمثليَّةُ لو نَزَّلْتَهَا على الكيفيةِ لا تصحُّ؛ لأنَّ السَّماءَ أعظمُ وأوسعُ. إذن لم يبق إلا أن نُنْزِلَها على الكمِّيَّةِ، فيكونُ المعنى ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ يعني في العددِ سبعُ أَرَضِينَ، وقد جاءتِ السُّنَّةُ بلفظِ السَّبْعِ فقال النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "مَنِ اقتطعَ شِبْرًا مِنَ الأرضِ ظُلْمًا طَوَّقَه اللهُ به يومَ القيامةِ من سبْعِ أَرَضِينَ" (١)، وهذا نصٌّ صريحٌ.
وكذلك أيضًا يُرْوَى عنه ﵊ أنه كان يقولُ إذا أقبل على البلدِ: "اللهُمَّ ربَّ السَّمواتِ السَّبعِ وما أَظْلَلْنَ وَرَبَّ الأرَضينَ السَّبْعِ وما أَقْلَلْنَ" (٢). فهي سبعُ أرَضينَ، ولكن كيف هي سبعُ أرَضينَ؟ هل المعنى أنها سبعةُ أقاليمَ أو سبعُ قارَّاتٍ أو ماذا؟
نقولُ: هي سَبْعُ أرَضين طباقًا، كما أن السَّمواتِ سبعٌ طباقٌ، كذلك الأرَضون سبعٌ طباقٌ، ويدلُّ لهذا أن النبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - قال: "طُوِّقَهُ يومَ
стр. 21
القيامةِ من سَبْعِ أَرَضِين"؛ لأنَّها لو كانتِ الأقاليمَ أو القارَّاتِ لكان الذي يَمْلِكُ قطعةً من الأرض هنا لا يَمْلِكُها في المكانِ الآخرِ، لكن الذي يَمْلِكُ قطعةً هنا له ما يَمْلِكُه على سطحِ الأرضِ، وله ما تحته إلى الأرضِ السابعةِ.
ولهذا قال العلماءُ: الهواءُ تابعٌ للقرارِ، والأسفلُ تابعٌ للأعلى.
مثلًا: أنا لي بيتٌ مساحتُهُ عَشَرَةُ أمتارٍ في عَشَرَةِ أمتارٍ، لي في الجوِّ - في السماءِ - عشرةُ أمتارٍ في عشرةِ أمتارٍ، فلا أَحَدَ يَقْدِرُ يَطْلُعُ شيئًا على ما يقابلُ أرضي ولو كان بعيدًا جدًّا، وليس للطائرةِ أن تمرَّ على أرضي، لو شِئْنا لمنعناها، هذه أرضي تَلُفُّ يمينًا أو يسارًا؛ لأنَّ الهواءَ تابعٌ للقرارِ.
لكن مسألةَ الطائرةِ قد يقولُ قائلٌ: إنَّ العُرْفَ جرى بأنها لا تُمْنَعُ؛ ولهذا تمرُّ من عندِ البلدِ من فوقِ البيوتِ وربما تُزْعِجُ الناسَ بأصواتِها ولا أحدَ يَمْنَعُهَا، ولو أنَّ أحدًا قال: أمنعُها من أن تمرَّ من فوق بيتي لَعُدَّ سَفَهًا، فالعُرْفُ له أحكامٌ.
وقلنا: من مَلَكَ الأعلى مَلَكَ الأسفلَ، فمثلًا قعرُ الأرضِ لي؛ ولهذا لو أراد الإنسانُ أن يفتح نفقًا تحت أرضي فلي أن أمنعَه؛ لأنَّ الهواءَ الأسفل تابعٌ للأرضِ.
فإن قال قائلٌ: إذا قلنا: الهواءُ تابعٌ للقرارِ والأسفلُ تابعٌ للأعلى يُوجدُ مساجدُ الآن أعلاها مسجدٌ وأسفلها دكاكينُ؟
فالجوابُ: هذا إشكالٌ جيِّدٌ، وهذا في أَصْل وضعِ الإنسانِ لها أنه وَضَعَ هذه دكاكينَ وهذا مسجدًا، كما أنه يُوجَدُ الآن بعضُ العمارات يكون أسفَلَها مملوكٌ لزيدٍ، والذي فَوْقَه لعمرٍو، والذي فَوْقَه لخالدٍ، هذه موجودةٌ، لكن إذا كانتِ الأرضُ التي تحته لا يَمْلِكُها أحدٌ فهي له؛ لأنَّ العماراتِ هذه على حَسَبِ ما صَرفَهَا مالكُها، إذا جعل هذه الجهة مسجدًا صارت مسجدًا، وإذا جعل هذه مساكن صارتْ مساكن.
стр. 22
أما لو كان هذا مسجدًا مثلَ المسجدِ الذي نحن فيه الآنَ، لو أرادَ أحدٌ أن يُعَمِّرَ فيه شيئًا قلنا: لا يَجُوزُ.
المهمُّ: السَّمواتُ سبعٌ، والأرَضون سبعٌ.
فائدة: الظاهرُ - واللهُ أَعْلَمُ - أنَّ الأرضَ التي يَنْتَفِعُ بها الخَلْقُ فيكونُ لهم فيها مصلحةٌ - والمرادُ الأنس - هي أرضٌ واحدةٌ، هذا الظاهرُ، واللهُ أعلمُ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقِه ﴿الْعَظِيمُ﴾ الكبير]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ قَرَنَ اللهُ بينهما في هذه وفي آيةِ الكرسيِّ.
﴿الْعَلِيُّ﴾ وزنُها الصرفيُّ: فَعِيلٌ، صفةٌ مُشبَّهةٌ، والصفةُ المُشَبَّهَةُ تقتضي وصفَ الموصوفِ بها دائمًا، إذن ﴿الْعَلِيُّ﴾ وصفٌ لازمٌ للهِ أزلًا وأبدًا، لا يُمْكِنُ أن يكونَ خلافَ العلوِّ أبدًا، فالعلوُّ إذن صفةٌ ذاتيَّةٌ.
فهل العُلُوُّ هو علوُّ الصفةِ الذي اتفقتْ عليه الأمَّةُ الإسلاميَّةُ، أو هو عُلُوُ الذاتِ الذي أَنْكَرَهُ مَنْ أَنْكَرَهُ؟
فالجوابُ: كلاهما، عُلُوُّ الذَّاتِ وعُلُوُّ الصِّفَةِ، أمَّا علوُّ الصفةِ فإن المسلمين كلَّهُم أجمعوا على ذلك حتى الجهميَّةُ والمعتزلةُ والأشعريَّةُ والماتريديَّةُ وغيرُهُم كُلُّهُم أجمعوا على ثبوتِ صفةِ العُلُوِّ للهِ ؛ ولهذا أقولُ لكم: المُعَطِّلَةُ الذين يُنكرون الصِّفاتِ قالوا: لأننا نُنَزِّهُ اللهَ؛ لأنَّ ثبوتَ هذه الصفاتِ يستلزمُ على زعمِهم النقصُ فَيَنْفُونَهَا تنزيهًا للهِ ، إذن العُلُوُّ الذي هو عُلُوُّ الصِّفَةِ ثابتٌ للهِ بإجماعِ الأمَّةِ، ولا يُنكرُه أحدٌ.
أما عُلُوُّ الذَّاتِ هذا هو الذي اختلف فيه الناسُ، فانقسموا إلى ثلاثةِ أقسامٍ رئيسيَّةٍ:
стр. 23
القسْمُ الأوَّلُ: مَنْ أَنْكَرَهُ، لكنَّهُ جعل اللهَ تعالى في كلِّ مكانٍ، يقولُ: اللهُ ليس فِي مكانٍ خاصٍّ في العلوِّ بل هو في كلِّ مكانٍ، وهذا رَأْيُ الجهميَّةِ الحُلوليَّةِ يُصَرِّحُون بهذا، يقولون: لا يُمْكِنُ أن يكونَ اللهُ تعالى عاليًا على كلِّ شيءٍ، بل هو في كلِّ شيءٍ، إن كنتَ في المسجدِ فهو في المسجِدِ، في المرحاضِ فهو في المرحاضِ - قَاتَلَهُمُ اللهُ وحَاشَاهُ من قولهِم -، ولهم شُبْهَةٌ.
القِسْم الثاني: عَكْسُ هذا تمامًا قال: لا يَجُوزُ أن نقولَ: إنَّ اللهَ في مكانٍ لا عالٍ ولا نازلٍ، بل هو ليس فوق العالَمِ ولا تَحْتَه، ولا يمينَ ولا شِمالَ، ولا متصلٌ ولا منفصلٌ، ولا مباينٌ ولا محايثٌ، وهلمَّ جرًّا من الأمورِ السلبيَّةِ، هذا عكسُ الأوَّلَيْنِ تمامًا، وإني أسألُكُم باللهِ أين يكونُ الإلهُ إذا كان يُنْفَى عن كُلِّ هذا؟ ! يكونُ عَدَمًا؛ ولهذا قال محمودُ بنُ سبكتكين ﵀ أحدُ القُوَّادِ المشهورين وهو يُناظرُ محمَّدَ بنَ فورك أحدَ المتكلِّمِين، لمَّا قال محمدُ بنُ فورك: "لا دَاخِلَ العالَمِ ولا خارجَهُ ... إلخ". قال له: "بَيِّنْ لي ما الفَرْقُ بَيْنَ العدمِ وبين رَبِّكَ الذي تَصِفُهُ بهذه الصفاتِ؟ " (١)، والجوابُ: لا فَرْقَ.
القِسْم الثالثُ: يقولون: إنَّ اللهَ تعالى عالِمٌ بذاتِهِ فوق كلِّ شيءٍ ولا يحيطُ به شيءٌ من مخلوقاتِهِ وعُلُوُّهُ لازمٌ لذاتِهِ، وهو بائنٌ من خَلْقِهِ بمعنى أنه ليس حالًّا فيهم، ولا هم حَالّون فيه.
وهذا مَذْهَبُ أهلِ الحقِّ الذي دلَّ عليه القرآنُ والسُّنَّةُ والعقلُ والفطرةُ والإجماعُ، خمسةُ أدلةٍ كُلُّهَا تدُلُّ على العُلُوِ الذاتيِّ، وهي أيضًا متنوعةٌ، يعني دلالةُ القرآنِ ليست آيةً واحدةً، ولا على وجهٍ واحدٍ متنوعةٌ، وكذلك في السُّنَّةِ، فالقرآنُ مملوءٌ من إثباتِ
стр. 24
العلوِّ الذاتيِّ للهِ، مثلَ قولِهِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾.
وأدلةٌ لا تُحْصَى، من السُّنَّةِ؛ أدلةٌ قوليَّةٌ، وفعليَّةٌ، وإقرارَّيةٌ. يعني: كلُّ أنواعِ السُّنَّةِ دلَّتْ على علوِّ اللهِ الذاتِيِّ.
أما السُّنَّةُ القوليَّةُ فها هو النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - يقولُ في سجودِهِ: "سبحانَ ربِّيَ الأعلى" (١) فيثبتُ عُلُوَّهُ.
وأمَّا الإقراريَّةُ: فإنه ﷺ سألَ الجاريَةَ: "أين اللهُ؟ " قالت: في السماءِ (٢)، فَأَقَرَّهَا.
وأمَّا الفعليَّةُ: فكان ﷺ يَخْطُبُ الناسَ يومَ عَرَفَةَ ويقولُ: "أَلا هل بَلَّغْتُ؟ " فيقولون: نعم، فيرفعُ إصبَعُه إلى السماءِ ويقولُ: "اللهُمَّ اشْهَدْ" (٣) يعني: على هؤلاء الناسِ، يشيرُ إلى السماءِ. وهذه دلالةٌ فعليَّةٌ بالإشارةٍ.
وأمَّا الإجماعُ: فالسَّلَفُ الذي على رأسِهِم الصحابةُ مُجْمِعُون على أن اللهَ تعالى فوقَ كلِّ شيءٍ، مُجْمِعون على هذا إجماعًا قطعيًّا؛ لأنَّهم كُلَّهُم يقولون في سجودِهِم: سبحانَ رَبِّيَ الأعلى، ولم يُنْقَلْ عن واحدٍ منهم أنه قال: إنَّ اللهَ ليس في السماءِ أبدًا.
وعدمُ نقلِ المخالفةِ لِمَا في الكتابِ والسُّنَّةِ يَدُلُّ على الإجماعِ، وهذا طريقٌ واضحٌ بأنه إذا لم يَرِدْ عن السلفِ ما يخالفُ دلالةَ القرآنِ، فهم مُجْمِعُون على ما دلَّ عليه القرآنُ.
стр. 25
أما دلالةُ العقلِ: فَسَلْ نَفْسَك: أيُّما أَوْلى رَبٌّ يُوصَفُ بما يَدُلُّ على العدَمِ، أو ربٌّ لا يُنَزَّهُ عن الأماكِنِ القذرةِ، أو ربٌّ عالٍ فوقَ كلِّ شيءٍ؟ الجوابُ: الثالثُ، لا شكَّ.
ثم إن العُلُوَّ من حيث هو عُلُوٌّ صفةُ كمالٍ، وإذا كان صفةَ كمالٍ فقد أثبتَ اللهُ لنفسِهِ كلَّ صفةِ كمالٍ، كما قال اللهُ تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، هذه الدلالةُ عقليَّةٌ.
أما الدلالةُ الفطريَّةُ: فالفطرةُ دَلَّتْ على عُلُوِّ اللهِ، الإنسانُ بفطرتِه قَبْلَ أن يَتَعَلَّمَ أين يتصورُ اللهَ ؟ في العُلُوِّ؛ ولهذا تَجِدُ الإنسانَ العامِّيَّ الذي لم يقرأْ هذا البحثَ إذا أراد أن يَدْعُوَ اللهَ يتوجَّهُ إلى السماءِ؛ ولهذا قال أبو جعفر الهمَذانيُّ ﵀ لإمامِ الحَرَمْيِن الجُوَيْنِيِّ، وهو يُقَرِّرُ الجوينيَّ - عفا اللهُ عنه، ولعلَّهُ تاب فتاب اللهُ عليه - يُقَرِّرُ إنكارَ العُلُوِّ - يعني: إنكارَ الإستواءِ على العرشِ مع العلوِّ - ويقولُ: إن اللهَ تعالى كان ولم يكن شيءٌ قَبْلَه وهو الآن على ما كان عليه، يريدُ أن نُنْكِرَ الإستواءَ على العرشِ والعُلُوَّ أيضًا.
قال له أبو جعفرٍ الهمَذانيُّ ﵀: يا أستاذُ، دعنا من ذِكْرِ العرشِ والإستواءِ على العرشِ، أَخْبِرْنَا عن هذه الفطرةِ، ما قال عارفٌ قطُّ: يا اللهُ، إلا وَجَدَ من قلبِهِ ضرورةً بطلبِ العُلُوِّ، سبحانَ اللهِ! ما قال عارفٌ، والعارفُ يُطْلَقُ على الصوفيِّ عندهم، لكنَّ المرادَ هنا ما هو أعمُّ، ما قال عارفٌ قط: يا اللهُ إلا وَجَدَ من قلبِه ضرورةً بطلبِ العلوِّ، جعل يلطِمُ على رأسِهِ ويقولُ: حَيَّرَنِي حَيَّرَنِي (١).
لأنه عاجزٌ عن الإجابةِ.
هذه دلالةٌ فطريةٌ لا يمكنُ لأحدٍ أن يُنْكِرَها، فالحمدُ للهِ الذي هدانا لهذا.
стр. 26
إذن علوُّ اللهِ ينقسمُ إلى قِسْمَيْن:
علوٍّ ذاتيٍّ، وعلوٍّ وصفيٍّ، الثاني لم تختلفِ الأمةُ الإسلاميَّةُ فيه، أما الأولُ العلوُّ الذاتيُّ فانقسموا فيه إلى ثلاثِ فِرَقٍ والفرقةُ الناجيةُ - جعلني اللهُ وإياكم منهم - هم الذين أثبتوا عُلُوَّهُ بذاتِهِ جَلَّ وَعَلَا فوق كلِّ شيءٍ، لا شيءَ يحاذي اللهَ كلُّ الخَلْقِ في قبضتِهِ، كلُّ الخَلْقِ ليس عنده بشيءٍ إذا كانت السَّمواتُ السبعُ والأرَضون السبعُ بالنسبةِ للكرسيِّ كحَلْقةٍ أُلْقِيَتْ في فَلاةٍ من الأرضِ، السَّمواتُ السبعُ على عظمِها وسعتِها، والأرَضون السبعُ بالنسبةِ للكرسيِّ كحلْقَةٍ أُلْقِيَتْ في فلاةٍ من الأرضِ، الحلْقَةُ حلْقَةُ المِغْفَرِ ضيقةٌ أُلقيتْ في فلاةٍ من الأرضِ، لا تشغلْ هذه الحلقةُ من هذه الفلاةِ شيئًا.
قال النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "وإنَّ فضلَ العرشِ على الكرسيِّ كفضلِ الفلاةِ على هذه الحلْقَةِ" (١) إذنْ ماذا يكونُ الكرسيُّ بالنسبة للعرشِ؟ لا شيءَ، والربُّ فوق ذلك فهو فوق كلِّ شيءٍ، لا شيءَ يحاذيه، كلُّ المخلوقاتِ تحته وهو فوق كلِّ شيءٍ.
إذنْ أثبتْنا هذا العلوَّ وأَطَلْنَا فيه؛ لأنَّه مُهِمٌّ؛ ولأنه يُوجَدُ الآن من يُنْكِرُهُ - نسألُ اللهَ العافيَةَ - ولا شكَّ أن هؤلاء قد أزاغ اللهُ قلوبَهُم، وإلا فلو رَجَعُوا إلى فِطْرَتِهم - الفطرةِ فقط - لَعَلِمُوا أنَّ اللهَ تعالى فوق كلِّ شيءٍ، وأن ذلك من كَمَالِهِ.
وقولُ المُفسِّر ﵀: [﴿الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقِهِ] لا نستطيعُ أن نقولَ: إن المُفسِّر أنكر العلوَّ الذاتِيَّ، ولا نستطيعُ أن نقولَ: إنه أَثْبَتَهُ قطعًا؛ لأنَّ [﴿الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقِهِ]
стр. 27
يحتملُ العليَّ عليهم بالسلطانِ والسيطرةِ، فيكون علوًّا وصفيًّا، ويحتملُ أنه علا عليهم بذاتِهِ.
فلا يَجُوزُ لنا أن نرميَ المُفسِّر بأنه أَنْكَرَ الْعُلُوَّ، ولا أن نَشْهَدَ بأنه أَثْبَتَهُ؛ لأنَّ المُفسِّر ﵀ من الأشاعرةِ، فلا ندري، لكننا يَجِبُ علينا إذا سَمِعْنَا كلامًا من إخوانِنا المسلمين يُمْكِنُ أن يَكُونَ له محملٌ صحيحٌ أن نَحْمِلَهُ على المحملِ الصحيحِ ما لم تُوجَدُ قرينةٌ تَمْنَعُ ذلك، وإلا فالأصلُ إذا سَمِعْتَ من أخيك كلمةً فاحْمِلْها على المعنى الصَّحيحِ، حتى لو أنك سَمِعْتَ كلمةً وقلتَ: هذا الرجلُ يَسْخَرُ بي مثلًا أو يستهزئُ لا تَحْمِلْهَا على هذا، احْمِلْها على المعنى الحقِّ.
وأمَّا ﴿الْعَظِيمُ﴾ فيقولُ المُفسِّر ﵀: [الكبيرُ] وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ الكبيرَ غيرُ العظيمِ، العظيمُ يعني: ذُو العَظَمَةِ، وعَظَمَةُ الشيءِ أو عَظَمةُ العظيمِ يعني: قُوَّةَ السلطانِ، قُوَّةَ العِلْمِ، قوةَ أيِّ شيءٍ يحتمل من المعاني فهو داخلٌ في كلمةِ العظيمِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: عمومُ مُلْكِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ (ما) اسمٌ موصولٌ يفيدُ العمومَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن ذلك مختصٌّ باللهِ لا يشارِكُهُ فيه أحدٌ، وذلك بتقديمِ الخبرِ، والقاعدةُ البلاغيةُ: أن تقديمَ ما حقُّهُ التأخيرُ يفيدُ الحصرَ والإختصاصَ.
فإن قال قائلٌ: يَرِدُ على قولِكم هذا أن اللهَ تعالى أَثْبَتَ للإنسانِ المُلْكَ، فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]، وما أَشْبَهَ ذلك.
стр. 28
فالجوابُ: أن مُلْكَ الإنسانِ في الشيءِ ليس مُلْكًا مطلقًا، ولا مُلْكًا عامًّا، فهو ليس مُلْكًا مطلقًا، إذ إن الإنسانَ لا يَمْلِكُ أن يَتَصَرَّفَ في مالِهِ كما شاء، لو أراد أن يَحْرِقَ مالَه، فليس له ذلك، ولو أراد أن يستعمِلَه في الحرامِ لم يكن له ذلك. وليس أيضًا عامًّا، فمُلْكُ كلِّ إنسانٍ منا خاصٌّ به، أنت لا تَمْلِكُ مالي، وأنا لا أَمْلِكُ مالك.
أما مُلْكُ اللهِ فمطلقٌ عامٌّ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بين مُلكِ الربِّ ومُلكِ المخلوقِ، وحينئذٍ لا معارضةَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ عددِ السَّمواتِ؛ حيث جاءت بالجمْعِ، وقد بَيَّنَ اللهُ تعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ أنها سبعُ سَمواتٍ، أما الأرضُ فجاءت في القرآنِ مُفْرَدةً، لكنَّ اللهَ أشار إلى أنها جَمْعٌ في قولِهِ: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ عُلُوِّ اللهِ في قولِهِ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن العُلُوَّ صفةٌ لازمةٌ، ليست من صفاتِ الأفعالِ التي إنْ شاء فَعَلَها، وإنْ شاء لم يَفْعَلْها؛ وَجْهُ الدلالةِ أن العليَّ صفةٌ مُشَبَّهَةٌ والصفةُ المُشَبَّهَةُ تفيدُ الثبوتَ وعدمَ التحوُّلِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: عمومُ علوِّ اللهِ الشاملِ لعلوِّ الذاتِ وعلوِّ الصفةِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ عَظَمةِ اللهِ في قولِهِ: ﴿الْعَظِيمُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ هذين الإسمين للهِ العَلِيُّ والعظيمُ.
واعلمْ أنَّ كلَّ اسمٍ من أسماءِ اللهِ، فإنه دالٌّ على صفةٍ، كلُّ اسمٍ دالٌّ على صفةٍ وليس كلُّ صفةٍ يُشْتَقُّ منها اسمٌ، وحينئذٍ يتبينُ أن الصِّفَاتِ أوسعُ من الأسماءِ؛ لأنَّ كلَّ اسمٍ متضَمِّنٌ لصفةٍ، وليس كُلُّ صفةٍ يُشْتَقُّ منها اسمٌ.
стр. 29
فمثلًا من صفاتِ اللهِ ﵎ المكرُ بمن يستحقُّ المكرَ، وهل يجوزُ أن نشتقَّ من هذه الصفةِ اسمًا من أسمائِهِ؟
الجواب: لا يجوزُ؛ لأنَّ بابَ الصفاتِ أوسعُ، من أوصافِ اللهِ أو من صفاتِ اللهِ، الصُّنْعُ ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، هل يُمْكِنُ أن نشتقَّ من ذلك اسمًا للهِ هو الصانعُ؟
الجواب: لا، وعلى هذا فَقِسْ.
ثم اعلمْ أن دلالةَ الصِّفَةِ على مدلولهِا تنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
دلالةِ تَضَمُّنٍ، ودلالةِ مُطَابَقَةٍ، ودلالةِ التزامٍ.
فدلالةُ الإسمِ على جميعِ معناه تسمى دلالةً مُطَابَقَةٍ، وعلى جُزْئِهِ دلالةَ تَضَمُّنٍ، وعلى شيءٍ خارجٍ لازمٍ دلالةَ التزامٍ.
ونحن نُمَثِّلُ لكم الآن بالمحسوسِ والمعقولِ إذا قلتَ: هذه دارٌ، أو هذا بيتٌ دلالتُها على جميعِ ما هُو داخِل السُّورِ دلالةُ مطابَقةٍ يعني: يَشْمَلُ الحُجَرَ - وهي الغُرفُ الأسفل - ويشملُ الغُرفَ التي في الدَّوْرِ الثاني والثالثِ، وهلمَّ جرًّا، فهذه دلالةُ مطابَقَةٍ.
ودلالةُ هذا اللفظِ على الصالةِ، وعلى المطبخِ، وما أشبهَ ذلك على واحدٍ منها دلالةُ تضمُّنٍ؛ لأنَّه يدلُّ على جزءِ المعنى.
ودلالتُهُ على بانٍ بَنَاهُ دلالةُ التزامٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يُوجَدَ بيتٌ إلا ببانٍ. هذا مثالٌ في المحسوسِ.
стр. 30
أنا الآن معي هذا القلمَ دلالتُهُ على غِطائِه وعلى أصلِهِ مُطَابَقَةٌ، ودلالتُهُ على واحدٍ منها تَضَمُّنٌ، ودلالتُهُ على أن هناك مَنْ صَنَعَه دلالةُ التزامٍ.
ونأتي على أسماءِ اللهِ نقولُ: من أسماءِ اللهِ تعالى الخالقُ البارئُ المُصَوِّرُ.
فالخالقُ دلالتُهُ على الذاتِ الإلهيَّةِ وعلى الصفةِ التي هي الخَلْقُ جميعًا دلالةُ مُطَابَقَةٍ، ودلالتُهُ على الذاتِ وَحْدَهَا أو على الخَلْقِ وَحْدَه دلالةُ تَضَمُّنٍ، ودلالتُهُ على العِلْمِ والقُدْرَةِ أنه ما من خالقٍ إلا وهو عَالِمٌ، وما من خالقٍ إلا وهو قادرٌ، هذه دلالةُ التزامٍ.
أما النوعان الأولان: دلالةُ المُطَابَقَةِ والتضمُّنِ، فهذا لا يُشْكِلُ على أَحَدٍ، كُلُّ طالبِ عِلْمٍ يُمْكِنُ أن يَعْرِفَ.
وأمَّا دلالةُ التزامٍ فهي التي تخفى على كثيرٍ من الناسِ؛ ولذلك يختلفُ فيها العلماءُ اختلافًا كثيرًا، وهنا نسألُ هل دلالةُ الإلتزامِ لازمةٌ في كلِّ قولٍ أو فيما قال اللهُ ورسولُهُ؟
الجوابُ: الثاني؛ لأنَّ دلالةَ الإلتزامِ قد يُنْكِرُهَا من تَكَلَّمَ بالكلامِ، فمثلًا نقولُ: الجهميَّةُ يقولون: إنَّ اللهَ في كلِّ مكانٍ. من لازِمِ قوْلهِم أن يكونَ في الحشوشِ والأماكِنِ القذرةِ، هم لا يلتزمون بهذا، ولو التزموا بهذا لكفروا، ولا أَحَدَ يَشُكُّ في كُفْرِهِم، لكن لا يلتزمون بهذا؛ ولذلك عَبَّرَ العلماءُ عن هذه المسألةِ: هل لازمُ القولِ قولٌ أو لا؟
نقول: أمَّا قولُ اللهِ ورسولِهِ فلازِمُهُما حقٌّ ومن قَوْلِ اللهِ ورسولِهِ، وأمَّا غيرُهُما فلا؛ لأنَّه يحتملُ إذا ألزمناه به ألا يلتزمَ، ويحتملُ إذا ألزمناه به أن يَدَعَ قَوْلَهُ؛ لئلا يلزمَ منه هذا اللازمُ الباطلُ ويحتملُ أنه حين تَكَلَّمَ لم يطرأْ على بالِهِ هذا اللازمُ.
стр. 31
ونحن نقولُ: أسماءُ اللهِ تعالى تدلُّ على الذاتِ الْعَلِيَّةِ على ذاتِ اللهِ، وعلى الوصفِ الذي تَضَمَّنَهُ هذا الإسْمُ، فـ (العليُّ) يدلُّ على الرَّبِّ وعلى صفةِ العُلُوِّ، و (العظيمُ) كذلك يَدُلُّ على الرَّبِّ وعلى صفةِ العظمةِ.
والإسمُ وصفٌ - هذا لا بُدَّ في كلِّ اسمٍ -، والأثرُ. يعني: الذي يترتبُ على هذا، لا نقولُ: مقتضى الإسمِ. وليس كلُّ اسمٍ، عندنا (الحي) لا أَثَرَ فيه، فـ (الحيُّ) وصفٌ لازمٌ لذاتِهِ لا يتعدى، لكنْ إذا قلتَ: البصيرُ السميعُ هذا يتعدى إلى المسموعِ في السميعِ، وإلى المُبْصَرِ في البصيرِ.
فالضابطُ: أن الذي لا بُدَّ فيه من الإيمانِ بالأثرِ هو الإسمُ المتعدِّي.
فائدة: إذا قُلْنَا: عُلُوُّ الصفةِ شَمِلَ عُلُوَّ القَدْرِ وعلوَّ القَهْرِ، وجميعَ أنواعِ العُلُوِّ. يعني: أن هذا أَعَمُّ، وبعضُ العلماءِ يقولُ: ثلاثةُ أقسامٍ: علوُّ الذاتِ، وعلوُّ القَدْرِ، وعلوُّ القهرِ. لكن إذا قلنا: علوُّ الذاتِ وعلوُّ الصفةِ صار أشملَ وأعمَّ.
فإن قال قائلٌ: إذا كان الرجلُ مبتدعًا وأتى بكلامٍ يَحْتَمِلُ أنه على مذهبِ السلفِ أو على مذهبِ الخَلَفِ، فهل نَحْمِلُهُ على أنه على مذهبِ السَّلَفِ؟
فالجوابُ: ذَكَرْنا قبْل قليلٍ أنه يُحْمَلُ على المعنى الصحيحِ ما لم يُوجدْ قرينةٌ، فإن وُجِدَ قرينةٌ لا نَحْمِلُهُ على المعنى الصحيحِ، بل نَحْمِلُهُ على ما نَعْلَمُ من حالِ الرجلِ؛ ولهذا يقولُ البلقينيُّ: استخرجتُ اعتزالياتِ (الكشافِ) بالمناقيشِ (١).
و(الكشافُ) تفسيرٌ للزمخشريِّ، تفسيرٌ جيدٌ في الواقعِ من حيث اللغةُ ومن حيث المعنى جيِّدٌ، ويتكلمُ أحيانًا عن الأمورِ الفقهيَّاتِ، وكلُّ مَن بَعْدَهُ رأيناه يستقي
стр. 32
منه فيما يتعلقُ بالبلاغةِ والإعرابِ، مثلَ أبي السعودِ وغيرِهِ، لكنه معتزليٌّ بَحْتٌ، ويَذُمُّ أهلَ السُّنَّةِ ويُسَمِّيهم الحشويَّةُ، تجدُ في كلامِهِ أشياءَ تَظُنُّ أنَّها جيِّدَةٌ، وتقول: هذا كلامٌ من أحسنِ ما يَكُونُ، كما في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قال الزمخشري: أيُّ فوزٍ أعظمَ من أن يُزَحْزَحَ عن النارِ وَيُدْخَلَ الجنَّةَ؟ (١).
فهذا إذا سَمِعْتَهُ تقولُ: كلامٌ طيِّبٌ لا فوزَ أعظمُ من هذا، لكنه يشيرُ إلى نَفْيِ رؤيةِ اللهِ؛ لأنَّه من المعلومِ أنَّ اللهَ جعل رؤيتَه زيادةً على نعيمِ الآخرةِ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ هو يقولُ: أيُّ فوزٍ أَعْظَمَ من أن يُزَحْزَحَ عن النارِ وَيُدْخَلَ الجنةَ؟
الجوابُ: كلُّ واحدٍ سيقولُ: لا شيءَ، لا فوزَ أعظمُ من هذا. لكن هو يشيرُ إلى إنكارِ رؤيةِ اللهِ ؛ ولولا أننا عَرَفْنَا من مذهبِ الرجلِ أنه معتزليٌّ يُنْكِرُ رؤيةَ اللهِ لكنا نقولُ: لا يَجُوزُ أن نَتَّهِمَه؛ لأنَّ من دَخَل الجنةَ فسوف يرى اللهَ .
* * *
стр. 33
الآية (٥)
* * *
* قَالَ اللهُ ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥].
* * *
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ ﴿تَكَادُ﴾ يقولُ المفسِّرُ ﵀: [بالتاءِ والياءِ] ﴿تَكَادُ﴾ و (يكادُ) أمَّا ﴿تَكَادُ﴾ فَمُطَابَقَتُهَا لمرفوعِها ظاهرٌ؛ لأنَّ السَّمواتِ جمعٌ، وكما قال الزمخشريُّ:
.................. ... كُلُّ جَمْعٍ مُؤَنَّثٌ (١)
إذنْ ﴿تَكَادُ﴾ مطابقَتُها لمرفوعِها ظاهرٌ، (يكادُ) مُذَكَّرٌ للمذَكِّر والسَّمواتُ مؤنثٌ، فما هو الجوابُ؟
الجوابُ: الجمعُ المؤنَّثُ إذا كان مجازيًّا جازَ تذكيرُهُ وتأنيثُهُ؛ أي: تذكيرُ فعلِهِ وتأنيثُهُ، تقولُ: طلعَ الشمسُ وطلعتِ الشمسُ، يَجوزُ هذا وهذا؛ لأَنَّه مجازٌ، أمَّا إذا كان حقيقيًّا - وهو الذي له فَرْجٌ من بني آدمَ أو غيرِهِم - فإنه يَجِبُ تأنيثُ عاملِهِ فتقول: قامتِ امرأةٌ ولا ريبَ، ﴿السَّمَاوَاتُ﴾ من المؤنثِ المجازيِّ؛ ولهذا جاء فيها قراءتان ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ ومعنى ﴿تَكَادُ﴾: تَقْرُبُ، فهي من أفعالِ المقاربةِ.
стр. 34
قال المُفسِّر ﵀: [﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ يعني: السبعَ (يَنْفَطِرْنَ) بالنونِ، وفي قراءةٍ بالتاءِ والتشديدِ] وهي قراءةٌ سَبْعِيَّةٌ؛ لأنَّ قاعدةَ المفسِّرِ ﵀ أنه إذا قال: في قراءةٍ، أو قال: بالتاءِ والياءِ، أو قال: بالمدِّ والقَصْر. أن القراءةَ سَبْعِيَّةٌ، إذن لك أن تقرأ (يَنْفَطِرْنَ) و ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾.
وَالإنْفِطَارُ بمعنى الإنشقاقِ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١].
وقولُهُ: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ لم يقلْ: من أسفلَ؛ لأنَّ اللهَ فوقَ والسَّمواتُ تكاد يَتَفَطَّرْنَ من فوقِهِن من عَظَمَتِهِ.
قال المفسِّر ﵀: [أيْ: تنشقُّ كلُّ واحدةٍ فوق التي تليها من عظمةِ اللهِ ] ولولا أن اللهَ أَمْسَكَهَا لَتَفَطَّرَتْ، كما أنه جَلَّ وَعَلَا لمَّا تجلَّى للجبلِ جعله دكًّا، فالسَّمواتُ على عِظَمِها وقُوَّتِهَا وشِدَّتِها تكادُ تَنْفَطِرْنَ من عظمةِ اللهِ جلَّ وعلا سبحانَه وبحمْدِهِ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ انظرِ العظمةَ، عظمةٌ تكادُ السَّمواتُ تتفطرُ منها، عظمةٌ أخرى بجنودِهِ جَلَّ وَعَلَا، الملائكةُ يُسَبِّحُون بحمْدِ ربِّهم.
والملائكةُ عالمٌ غيبيٌّ لا يُشاهَدُون، خَلَقَهُم اللهُ تعالى من نورٍ، وسَخَّرَهم لعبادتِهِ؛ يُسَبِّحُون الليلَ والنهارَ لا يَفْتُرُونَ، قال النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "أَطَّتِ السماءُ وحُقَّ لَهَا أن تَئِطَّ، ما من موضعِ أربعِ أصابعَ منها إلا وفيه مَلَكٌ قَائِمٌ للهِ، أو راكعٌ، أو ساجدٌ" (١).
стр. 35
"أَطَّتْ" يعني: صار لها صريرٌ كصريرِ الرَّحْلِ المحملِ، الرَّحْلُ على البعير إذا ثَقُلَ الحِمْلُ صار له صريرٌ مع حركةِ السيرِ، فالسماءُ لها هذا من كثرةِ من عليها من الملائكةِ؛ ولهذا قال ﵊: "حُقَّ لَهَا أن تَئِطَّ".
إذن الملائكةُ تفسيرُهُم: عالمٌ غيبيٌّ، خَلَقَهُم اللهُ تعالى من نورٍ، كما ثَبَتَ عن النبيِّ (١) ﵊، وهو سَخَّرَهُم لعبادتِهِ، يُسَبِّحُون الليلَ والنهارَ لا يَفْتُرُونَ إذا أَمَرَهُم اللهُ بشيءٍ، لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُم، ويَفْعَلُون ما يُؤْمَرون، ضِدَّهُم الشياطينُ، فالشياطينُ: عالمٌ غيبيٌّ، خُلِقُوا من نارٍ، عُصَاةٌ للهِ، مستكبرون عن عبادتِهِ، وأبوهم الشيطانُ الأكبرُ إبليسُ.
فإذا قال قائلٌ: أنتم قلتم: إنهم عالمٌ غيبيٌّ، أليس جبريلُ قد شاهَدَهُ النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - على خِلْقَتِهِ وله ستُّ مئةِ جناحٍ قد سدَّ الأفقَ (٢)؟
فالجوابُ: بلى، لكنَّ هذا لا ينافي أن يكون عالمًا غيبيًّا في الأصلِ، يعني: قد يُظْهِرُهُم اللهُ فيراهم الناسُ وقد يتشكَّلون أيضًا، يكونُ المَلَكُ بصورةِ الآدميِّ، كما جاء جبريلُ مرةً بصورةِ رجلٍ غريبٍ، لكنه لا يُرَى عليه أثرُ السفرِ، وجاء مرةً بصورةِ دِحْيَةَ الكلبيِّ، فهم قد يتشَكَّلون بصُوَرِ الآدميِّ.
فإن قال قائِل: هذا التشكُّلُ هل هو بإرادتِهِم، أو من اللهِ ؟
فالجواب: السؤالُ عن هذا بدعةٌ، يعني: هل لنا مصلحةٌ أن نَعْرِفَ أن جبريلَ
стр. 36
يُحَوِّلُ نَفْسَهُ إلى صورةِ آدمِيٍّ، أو أن اللهَ يَقْلِبُهُ إلى صورةِ آدمِيٍّ؟ ليس لنا مصلحةٌ، لكن نَعْلَمُ أنه لم يَقَعْ ذلك إلا بإرادةِ اللهِ، سواءٌ كان بفعلٍ اختياريٍّ من جبريلَ، أو بفعلٍ خِلْقِيٍّ من اللهِ .
نحن ليس لنا حقٌّ أن نسألَ عن ذلك، كلُّ أمورِ الغيبِ لا تَسْأَلْ عنها، أَجْرِهَا على ما جاءتْ؛ لأنَّه سَبَقَك من هو أَحْرَصُ منك على العِلْمِ وأقوى منك إيمانًا، وباشر من يستطيعُ الجوابَ والرَّدَّ، وهم الصحابةُ، ومع ذلك ما سألوا، إذا لم يَسَعْكَ ما وَسِعَ الصحابةَ فلا وسَّعَ اللهُ عليك.
ولهذا يجبُ أن نقولَ لبعضِ الشبابِ الآن الذين يبحثون في أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ ويتعمقون يجبُ أن ننهاهم، ونقولَ: اتَّقُوا اللهَ، آمِنُوا بالقرآنِ والسُّنَّةِ على ما جاءَ بالكتابِ والسُّنَّةِ ولا تبحثوا، سَبَقَكم من هو خيرٌ منكم وأَحْرَصُ على العلمِ ولم يسألوا.
ثم هُمْ إذا سألوا يسألون الرسولَ الذي قد يَنْزِلُ عليه الوحيُ ويُخْبِرُهُ اللهُ بما سألوا عنه، أمَّا أن تسألَ إنسانًا يخطئُ ويصيبُ وأنت وهو سواءٌ في عِلْمِ الغيبِ، فهذا من الغلطِ والسفهِ، ومن مخالفةِ جَادَّةِ السلفِ، وما أحسنَ ما قاله مالكٌ ﵀ للذي سأله عن كيفيةِ الإستواءِ قال: "السؤالُ عنه بدعةٌ، وما أراك إلا مبتدعًا" (١).
فنصيحتي لكم إذا أردتُمُ السلامةَ أن تَدَعُوا السؤالَ عن الأمورِ الغيبيَّةِ، اتركوها، وإلا هذا يَرِدُ عن الإنسانِ. يعني أنه هل المَلَكُ يستطيعُ أن ينقلبَ إلى صورةِ آدمِيٍّ، أو أن هذا بأمرِ اللهِ ؟ بمعنى أنه لا يستطيعُ لكن اللهَ يَقْلِبُهُ.
стр. 37
ونقولُ: الطريقَ السليمَ في الجوابِ عليه أن نقولَ: السؤالُ عن هذا بدعةٌ، بدعةٌ في دينِ اللهِ، ما سأل عنه من هو خيرٌ منا، دعوه.
فإذا قال قائلٌ: الملائكةُ هل هم أجسامٌ؟
الجوابُ: نعمْ لا شكَّ، قال اللهُ تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، وأما من قال: إن الملائكةَ كنايةٌ عن قوى الخيرِ، والشياطينَ كنايةٌ عن قوى الشرِّ، فهذا يعني إنكارَ الملائكةِ والشياطين، بل نقولُ: الملائكةُ أجسامٌ ذوو أجنحةٍ، الشياطينُ أجسامٌ تأكلُ وتشربُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤]، أعاذني اللهُ وإياكم من الشيطانِ.
المهمُّ: أننا نؤمنُ بأن الملائكةَ أجسامٌ، وأن الشياطينَ أجسامٌ، لكنْ لا نَعْرِفُ كَيْفِيَّتَهم إلا ما عَلَّمَنا اللهُ، فما عَلَّمَنا اللهُ نَعْرِفُه وما لا فلا نَعْرِفُهُ؛ لأنَّهم عالمُ الغيبِ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: مُلابِسين للحمدِ] أفادنا المُفسِّر بقولِهِ: [أي ملابسين للحمدِ] أن الباءَ هنا للملابَسةِ والمصاحَبَةِ، ومعنى (يُسَبِّحُ): أي: يُنَزِّهُ، ومعنى بِحَمْدِ: أي: تسبيحًا مَصْبُوغًا بالحمد؛ لِأَنَّ التسبيحَ تَنْزِيهٌ وتخليةٌ، والحمدُ بالعكسِ إثباتٌ؛ فقولك: "سبحانَ اللهِ وبحمْدِه" يجتمعُ فيه تنزيهُ اللهِ عن كُلِّ نقصٍ، وإثباتُ كلِّ كمالٍ له؛ أخذْنا إثباتَ الكمالِ من الحمدِ، والتنزيهَ من التسبيحِ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.
و(رَبٌّ) هنا بمعنى: خَالِقٌ، مَالِكٌ، مُدَبِّرٌ.
وقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾ المفعولُ محذوفٌ للعِلْمِ به، فمَن هو المُسْتَغَفَرُ؟ اللهُ، ويستغفرون اللهَ، والإستغفارُ طلبُ المغفرةِ؛ لأنَّ استفعل تأتي دائمًا وغالبًا بمعنى
стр. 38
الطلبِ، تقولُ: استسقى بمعنى: طَلَبَ السُّقيا، استغفرَ بمعنى: طَلَبَ المغفرةَ، استرحمَ بمعنى: طلبَ الرحمةَ، وما أشبهَ ذلك، وقد تأتي بغيرِ ذلك كما في قولِك: استكبرَ ليس فيها طلبُ استكبارٍ، لكنه بلغَ في الكبر غايتَهُ.
وقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يطلبون المغفرةَ من اللهِ، والمغفرةُ قالوا: إنها مشتقةٌ من المِغفرِ، المغفرُ: شيءٌ يجعَلُه المقاتلُ على رأسِهِ يغطي الرأسَ ويقيه السهامَ، ففيه سترٌ ووقايةٌ، فإذا قلتَ: أستغفرُ اللهَ، أو ربِّ اغفرْ لي، فأنت تَطْلُبُ شيئْين:
الشيءُ الأولُ: السترُ، سترُ عيوبِك عن الناسِ، لو عَلِمَ الناسُ ما عندك من الذنوبِ ما رَدُّوا عليكَ السلامَ، كما قال القحطانيُّ ﵀:
واللهِ لو علموا خَبِيءَ سَرِيرتي ... لأبى السلامَ عليَّ مَنْ يلقاني (١)
فأنت تسألُ اللهَ أن يسترَ عليك.
الثاني: تسألُ اللهَ وقايةً من الذنبِ، وقايةَ العذابِ، كُلُّ مُذْنِبٍ مستحقٌّ للعقابِ.
لو قال الإنسانُ: المغفرةُ عدمُ المؤاخذةِ على الذنبِ، نقولُ: هذا بعضُ معناها، فمعناها: سَتْرُ الذنبِ وعدمُ المؤاخذةِ عليه.
وقولُهُ: ﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (من) هُنَا اسمٌ موصولٌ يفيدُ العمومَ، وهو ليس عامًّا، إنما هذا عامٌّ يُرادُ به الخاصُّ؛ بدليلِ قولِهِ تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]. إذنْ ﴿لِمَنْ﴾ هنا عامٌّ يُرادُ به الخصوصُ.
стр. 39
لو قال قائلٌ: إنه عامٌّ خُصِّصَ. قلنا: لا؛ لأنَّه لم يُرِدِ العمومُ من الأصلِ، إنما أُريدَ الخصوصُ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
فإن قال قائلٌ: ما الفَرْقُ بين العامِّ الذي أُريدَ به الخصوصُ وبيْنَ العامِّ المخصوصِ؟
فالجواب: أي العامُّ المخصوصُ هو الذي أُريدَ عمومُهُ أولًا، ثم أُخْرِجَ بعضُ أفرادِه، مثلَ أن تقولَ: قام القومُ إلا زيدٌ والعامَّ المخصوصُ الذي أُرِيدَ به الخصوصُ لم يُرَدْ عمومُهُ أصلًا، ودلالتُهُ عقليَّةٌ دلالةُ العامِّ المخصوصِ عقليَّةٌ فمثلًا ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ هل هم كُلُّ الناسِ؟ هل يَفهمُ أحدٌ من هذه الكلمةِ أن جميعَ الناسِ قالوا أصلًا؟ الجواب: لا يَفْهَمُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾.
ولهذا قال المُفسِّر ﵀: [من المؤمنين].
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (ألا) أداةُ استفتاحٍ تبتدِئُ بها الجملةُ، وتفيدُ شيئيْن: الأولُ: التنبيهَ، والثاني: التوكيدُ.
فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ (إنَّ) حرفُ توكيدٍ، هو ضميرُ فصلٍ، وضميرُ الفصلِ يفيدُ التوكيدَ، وحينئذٍ يحقُّ لنا أن نقول: إن هذه الجملة أُكِّدَتْ بثلاثةِ مؤكِّداتٍ: (ألا)، و (إن)، و (هو) الذي هو ضميرُ الفصلِ: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ ولذلك طَلَبَتِ الملائكةُ منه المغفرةَ؛ لأَنَّه أهلٌ لذلك، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدَّثر: ٥٦]، ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فبمغفرتِهِ تزولُ المكروهاتُ وبرحمتِهِ تحصلُ المحبوباتُ، غفر اللهُ لنا ولكم.
стр. 40
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ عظمةِ اللهِ وأن هذه السَّمواتِ على شدَّتِها وقُوَّتِها تكادُ تتفطرُ من عظمةِ اللهِ، وهذا كقولِهِ لمَّا سأل موسى أن يرى ربَّه قال: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. بلْ إنَّ كلامَ اللهِ وهو كلامُهُ لو نَزَلَ على جبلٍ ﴿لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ففي هذه الآيةِ: بيانُ عظمةِ اللهِ .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيانُ علوِّ اللهِ الذاتيِّ في قولِهِ: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الملائكةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ويجبُ علينا أن نؤمنَ بالملائكةِ على أنهم عالمٌ غيبيٌّ وأن لهم أجسادًا، وأن لهم أجنحةً، كما قال اللهُ ﵎.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: كمالُ عبادةِ الملائكةِ للهِ ؛ لقولِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فيجمعون له بَيْنَ التنزيهِ والتمجيدِ، التنزيهِ في قولِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، والتمجيدِ في قولِهِ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الملائكةَ أَفْضَلُ من بني آدمَ؛ لأنَّ بني آدمَ ليست حالُهُم هذه - أي: التسبيحُ بحمدِ اللهِ - بل منهم مؤمنٌ ومنهم كافرٌ، فيكون الملائكةُ أفضلَ من بني آدَمَ، وهذا هو أحدُ الأقوالِ في هذه المسألةِ، ومن العلماءِ من يقولُ: بل صالحُ البشرِ أفضلُ؛ يعني: أن المؤمنين من البشرِ أفضلُ من المؤمنين من الملائكةِ؛ ولهذا كانت الملائكةُ مسخَّرةً لهم.