يُحَوِّلُ نَفْسَهُ إلى صورةِ آدمِيٍّ، أو أن اللهَ يَقْلِبُهُ إلى صورةِ آدمِيٍّ؟ ليس لنا مصلحةٌ، لكن نَعْلَمُ أنه لم يَقَعْ ذلك إلا بإرادةِ اللهِ، سواءٌ كان بفعلٍ اختياريٍّ من جبريلَ، أو بفعلٍ خِلْقِيٍّ من اللهِ .
نحن ليس لنا حقٌّ أن نسألَ عن ذلك، كلُّ أمورِ الغيبِ لا تَسْأَلْ عنها، أَجْرِهَا على ما جاءتْ؛ لأنَّه سَبَقَك من هو أَحْرَصُ منك على العِلْمِ وأقوى منك إيمانًا، وباشر من يستطيعُ الجوابَ والرَّدَّ، وهم الصحابةُ، ومع ذلك ما سألوا، إذا لم يَسَعْكَ ما وَسِعَ الصحابةَ فلا وسَّعَ اللهُ عليك.
ولهذا يجبُ أن نقولَ لبعضِ الشبابِ الآن الذين يبحثون في أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ ويتعمقون يجبُ أن ننهاهم، ونقولَ: اتَّقُوا اللهَ، آمِنُوا بالقرآنِ والسُّنَّةِ على ما جاءَ بالكتابِ والسُّنَّةِ ولا تبحثوا، سَبَقَكم من هو خيرٌ منكم وأَحْرَصُ على العلمِ ولم يسألوا.
ثم هُمْ إذا سألوا يسألون الرسولَ الذي قد يَنْزِلُ عليه الوحيُ ويُخْبِرُهُ اللهُ بما سألوا عنه، أمَّا أن تسألَ إنسانًا يخطئُ ويصيبُ وأنت وهو سواءٌ في عِلْمِ الغيبِ، فهذا من الغلطِ والسفهِ، ومن مخالفةِ جَادَّةِ السلفِ، وما أحسنَ ما قاله مالكٌ ﵀ للذي سأله عن كيفيةِ الإستواءِ قال: "السؤالُ عنه بدعةٌ، وما أراك إلا مبتدعًا" (١).
فنصيحتي لكم إذا أردتُمُ السلامةَ أن تَدَعُوا السؤالَ عن الأمورِ الغيبيَّةِ، اتركوها، وإلا هذا يَرِدُ عن الإنسانِ. يعني أنه هل المَلَكُ يستطيعُ أن ينقلبَ إلى صورةِ آدمِيٍّ، أو أن هذا بأمرِ اللهِ ؟ بمعنى أنه لا يستطيعُ لكن اللهَ يَقْلِبُهُ.
стр. 37
ونقولُ: الطريقَ السليمَ في الجوابِ عليه أن نقولَ: السؤالُ عن هذا بدعةٌ، بدعةٌ في دينِ اللهِ، ما سأل عنه من هو خيرٌ منا، دعوه.
فإذا قال قائلٌ: الملائكةُ هل هم أجسامٌ؟
الجوابُ: نعمْ لا شكَّ، قال اللهُ تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، وأما من قال: إن الملائكةَ كنايةٌ عن قوى الخيرِ، والشياطينَ كنايةٌ عن قوى الشرِّ، فهذا يعني إنكارَ الملائكةِ والشياطين، بل نقولُ: الملائكةُ أجسامٌ ذوو أجنحةٍ، الشياطينُ أجسامٌ تأكلُ وتشربُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤]، أعاذني اللهُ وإياكم من الشيطانِ.
المهمُّ: أننا نؤمنُ بأن الملائكةَ أجسامٌ، وأن الشياطينَ أجسامٌ، لكنْ لا نَعْرِفُ كَيْفِيَّتَهم إلا ما عَلَّمَنا اللهُ، فما عَلَّمَنا اللهُ نَعْرِفُه وما لا فلا نَعْرِفُهُ؛ لأنَّهم عالمُ الغيبِ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: مُلابِسين للحمدِ] أفادنا المُفسِّر بقولِهِ: [أي ملابسين للحمدِ] أن الباءَ هنا للملابَسةِ والمصاحَبَةِ، ومعنى (يُسَبِّحُ): أي: يُنَزِّهُ، ومعنى بِحَمْدِ: أي: تسبيحًا مَصْبُوغًا بالحمد؛ لِأَنَّ التسبيحَ تَنْزِيهٌ وتخليةٌ، والحمدُ بالعكسِ إثباتٌ؛ فقولك: "سبحانَ اللهِ وبحمْدِه" يجتمعُ فيه تنزيهُ اللهِ عن كُلِّ نقصٍ، وإثباتُ كلِّ كمالٍ له؛ أخذْنا إثباتَ الكمالِ من الحمدِ، والتنزيهَ من التسبيحِ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.
و(رَبٌّ) هنا بمعنى: خَالِقٌ، مَالِكٌ، مُدَبِّرٌ.
وقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾ المفعولُ محذوفٌ للعِلْمِ به، فمَن هو المُسْتَغَفَرُ؟ اللهُ، ويستغفرون اللهَ، والإستغفارُ طلبُ المغفرةِ؛ لأنَّ استفعل تأتي دائمًا وغالبًا بمعنى
стр. 38
الطلبِ، تقولُ: استسقى بمعنى: طَلَبَ السُّقيا، استغفرَ بمعنى: طَلَبَ المغفرةَ، استرحمَ بمعنى: طلبَ الرحمةَ، وما أشبهَ ذلك، وقد تأتي بغيرِ ذلك كما في قولِك: استكبرَ ليس فيها طلبُ استكبارٍ، لكنه بلغَ في الكبر غايتَهُ.
وقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يطلبون المغفرةَ من اللهِ، والمغفرةُ قالوا: إنها مشتقةٌ من المِغفرِ، المغفرُ: شيءٌ يجعَلُه المقاتلُ على رأسِهِ يغطي الرأسَ ويقيه السهامَ، ففيه سترٌ ووقايةٌ، فإذا قلتَ: أستغفرُ اللهَ، أو ربِّ اغفرْ لي، فأنت تَطْلُبُ شيئْين:
الشيءُ الأولُ: السترُ، سترُ عيوبِك عن الناسِ، لو عَلِمَ الناسُ ما عندك من الذنوبِ ما رَدُّوا عليكَ السلامَ، كما قال القحطانيُّ ﵀:
واللهِ لو علموا خَبِيءَ سَرِيرتي ... لأبى السلامَ عليَّ مَنْ يلقاني (١)
فأنت تسألُ اللهَ أن يسترَ عليك.
الثاني: تسألُ اللهَ وقايةً من الذنبِ، وقايةَ العذابِ، كُلُّ مُذْنِبٍ مستحقٌّ للعقابِ.
لو قال الإنسانُ: المغفرةُ عدمُ المؤاخذةِ على الذنبِ، نقولُ: هذا بعضُ معناها، فمعناها: سَتْرُ الذنبِ وعدمُ المؤاخذةِ عليه.
وقولُهُ: ﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (من) هُنَا اسمٌ موصولٌ يفيدُ العمومَ، وهو ليس عامًّا، إنما هذا عامٌّ يُرادُ به الخاصُّ؛ بدليلِ قولِهِ تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]. إذنْ ﴿لِمَنْ﴾ هنا عامٌّ يُرادُ به الخصوصُ.
стр. 39
لو قال قائلٌ: إنه عامٌّ خُصِّصَ. قلنا: لا؛ لأنَّه لم يُرِدِ العمومُ من الأصلِ، إنما أُريدَ الخصوصُ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
فإن قال قائلٌ: ما الفَرْقُ بين العامِّ الذي أُريدَ به الخصوصُ وبيْنَ العامِّ المخصوصِ؟
فالجواب: أي العامُّ المخصوصُ هو الذي أُريدَ عمومُهُ أولًا، ثم أُخْرِجَ بعضُ أفرادِه، مثلَ أن تقولَ: قام القومُ إلا زيدٌ والعامَّ المخصوصُ الذي أُرِيدَ به الخصوصُ لم يُرَدْ عمومُهُ أصلًا، ودلالتُهُ عقليَّةٌ دلالةُ العامِّ المخصوصِ عقليَّةٌ فمثلًا ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ هل هم كُلُّ الناسِ؟ هل يَفهمُ أحدٌ من هذه الكلمةِ أن جميعَ الناسِ قالوا أصلًا؟ الجواب: لا يَفْهَمُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾.
ولهذا قال المُفسِّر ﵀: [من المؤمنين].
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (ألا) أداةُ استفتاحٍ تبتدِئُ بها الجملةُ، وتفيدُ شيئيْن: الأولُ: التنبيهَ، والثاني: التوكيدُ.
فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ (إنَّ) حرفُ توكيدٍ، هو ضميرُ فصلٍ، وضميرُ الفصلِ يفيدُ التوكيدَ، وحينئذٍ يحقُّ لنا أن نقول: إن هذه الجملة أُكِّدَتْ بثلاثةِ مؤكِّداتٍ: (ألا)، و (إن)، و (هو) الذي هو ضميرُ الفصلِ: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ ولذلك طَلَبَتِ الملائكةُ منه المغفرةَ؛ لأَنَّه أهلٌ لذلك، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدَّثر: ٥٦]، ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فبمغفرتِهِ تزولُ المكروهاتُ وبرحمتِهِ تحصلُ المحبوباتُ، غفر اللهُ لنا ولكم.
стр. 40
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ عظمةِ اللهِ وأن هذه السَّمواتِ على شدَّتِها وقُوَّتِها تكادُ تتفطرُ من عظمةِ اللهِ، وهذا كقولِهِ لمَّا سأل موسى أن يرى ربَّه قال: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. بلْ إنَّ كلامَ اللهِ وهو كلامُهُ لو نَزَلَ على جبلٍ ﴿لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ففي هذه الآيةِ: بيانُ عظمةِ اللهِ .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيانُ علوِّ اللهِ الذاتيِّ في قولِهِ: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الملائكةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ويجبُ علينا أن نؤمنَ بالملائكةِ على أنهم عالمٌ غيبيٌّ وأن لهم أجسادًا، وأن لهم أجنحةً، كما قال اللهُ ﵎.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: كمالُ عبادةِ الملائكةِ للهِ ؛ لقولِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فيجمعون له بَيْنَ التنزيهِ والتمجيدِ، التنزيهِ في قولِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، والتمجيدِ في قولِهِ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الملائكةَ أَفْضَلُ من بني آدمَ؛ لأنَّ بني آدمَ ليست حالُهُم هذه - أي: التسبيحُ بحمدِ اللهِ - بل منهم مؤمنٌ ومنهم كافرٌ، فيكون الملائكةُ أفضلَ من بني آدَمَ، وهذا هو أحدُ الأقوالِ في هذه المسألةِ، ومن العلماءِ من يقولُ: بل صالحُ البشرِ أفضلُ؛ يعني: أن المؤمنين من البشرِ أفضلُ من المؤمنين من الملائكةِ؛ ولهذا كانت الملائكةُ مسخَّرةً لهم.
стр. 41
وهذا القولُ هو الذي نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ (١): أن صالحَ البشرِ أَفْضَلُ من الملائكةِ؛ لأنَّ الملائكةَ خُلِقُوا للعبادةِ، فليس عندهم صوارفُ تَصْرِفُهُم عن عبادةِ اللهِ، والبشرُ خُلِقُوا للعبادةِ لا شكَّ، لكن هناك صوارفَ تَصْرِفُهُم، وهي الشُّبُهاتُ والشَّهَواتُ.
ومن المعلومِ أن تحقيقَ الإيمانِ مع الصوارفِ أشدُّ معاناةً ومجاهدةً من تحقيقِ الإيمانِ مع عدمِ الصوارفِ؛ ولهذا كان الرجلُ المتمسكُ بدينِ اللهِ في آخرِ الزمانِ أَفْضَلَ من خمسين من الصحابةِ؛ كما قال النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "للعامِلِ فيهنّ أجرُ خمسين منكم" (٢)، وإنما كان كذلك لمشقَّةِ العبادةِ على هذا الذي بَيْنَ أمةٍ فاسدةٍ، واختار شيخُ الإسلامِ (٣) ﵀ التفصيلَ في ذلك، فقال: الملائكةُ أفضلُ باعتبارِ البدايةِ، والبشرُ أفضلُ باعتبارِ كمالِ النهايةِ؛ لأنَّ البشرَ في النهايةِ يدخلون الجنَّةَ، والملائكةُ يدخلون عليهم من كلِّ بابٍ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، كأنما خُلِقُوا لتهنئتِهم وتطمينِهِم، فيكونُ في هذا تفصيلٌ.
فالملائكةُ أفضلُ باعتبارِ البدايةِ؛ لأنَّهم خُلِقُوا من نورٍ وبنو آدمَ من طينٍ؛ ولأنهم في عبادةِ اللهِ لكنهم باعتبارِ النهايةِ الْبَشَرُ أفضَلُ.
وبعد هذا، فإن الخوضَ في ذلك ليس من الأمور المهمَّةِ؛ لأننا قد نقولُ: ما عَلِمْنَا من فضائِلِهِم وفضائلِ البشرِ نؤمنُ به، وأمَّا التفضيلُ عندَ اللهِ فهم درجاتٌ
стр. 42
عندَ اللهِ ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]، لا ندري، باعتبارِ ما يَظْهَرُ لنا نعطي كلَّ إنسانٍ ما تَمَيَّزَ به، وباعتبارِ ما عند اللهِ اللهُ عليمٌ به، ولسنا مؤاخَذين فيما إذا تَوَقَّفْنَا في هذا الأمرِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فضيلةُ الجمعِ بين التسبيحِ والتحميدِ؛ لقولِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ قولُهُ: "كلِمتانِ حَبيبتان إلى الرحمنِ، خفيفتان على اللسانِ، ثقيلتان في الميزانِ: سبحانَ اللهِ وبحمْدِه، سبحانَ اللهِ العظيمِ" (١). فما أَجْدَرَنَا أن تكونَ هاتان الكلمتان على ألسنتِنا دائمًا؛ لأنَّهما خفيفتانِ على اللسانِ لا تَعَبَ فيهما، حبيبتانِ إلى الرحمنِ ثقيلتانِ في الميزانِ، فماذا علينا لو كان الإنسانُ يُديمُ هذا القولَ: سبحانَ اللهِ وبحمْدِهِ سبحانَ اللهِ العظيمِ، وهو يشتغلُ، وهو يعملُ، وهو يمشي، وهو مضطجعٌ، وهو قاعدٌ! لحصَّلْنَا خيرًا كثيرًا، ولَوَصَلْنا بإذنِ اللهِ إلى محبَّةِ اللهِ لنا؛ لأننا ما دُمْنا نأتي ونلازمُ ما نحبُّه فهو أكرمُ منا .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الملائكةَ مربوبون ليس لهم حقٌّ من الربوبية؛ لقولِهِ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، وعلى هذا فمن دعا جبريلَ، أو ميكائيلَ، أو إسرافيلَ، أو مالِكًا، أو غير ذلك؛ فإنه كافرٌ مشركٌ باللهِ؛ ولهذا أهلُ النارِ لم يقولوا: ﴿يَامَالِكُ﴾ أَخْرِجْنَا من النارِ، ولكنهم قالوا كما قال اللهُ عنهم: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩].
وانظرْ إلى الحياءِ والخجلِ - والعياذُ باللهِ - لم يقولوا: ادْعُوا ربَّنَا بل قالوا: ﴿ادْعُوا
стр. 43
رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ لأنهم أَحْقَرُ في أَنْفُسِهم من أن يدْعوا اللهَ فيقولون: يا رَبَّنَا خَفِّفْ عنا يومًا من العذابِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فَضْلُ الملائكةِ على البشرِ، بمعنى: أن لهم مِنَّةً ونعمةً؛ لقولِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، ولا شك أن من استغفر لك فله عليك منَّةٌ وفَضْلٌ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: نعمةُ اللهِ علينا بأن سَخَّرَ لنا الملائكةَ يستغفرون لنا؛ لأنَّ الملائكةَ لولا أن اللهَ سَخَّرَهم لنا ما استغفَروا لنا، لكنَّ اللهَ سَخَّرَهم، ففيه فضلٌ ونعمةٌ من اللهِ على المؤمنين؛ حيث إن الملائكةَ يستغفرون لهم.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: التوكيدُ على أن الله غفورٌ رحيمٌ، بثلاثةِ مؤكِّداتٍ في الآيةِ ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ ثلاثةِ أسماءٍ من أسماءِ اللهِ، وهي: ﴿اللَّهَ﴾ ﴿الْغَفُورُ﴾ ﴿الرَّحِيمُ﴾، وهل أسماءُ اللهِ مُشْتَقَّةٌ؟
الجوابُ: نعم مشتقةٌ بلا شكَّ، ﴿اللَّهَ﴾ من الألوهيَّةِ، ﴿الْغَفُورُ﴾ من المغفرةِ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ من الرحمةِ.
فهو لم يُسمَّ بهذه الأسماءِ إلا وهو متصفٌ بما دلت عليه من صفاتٍ؛ ولهذا نقولُ: كلُّ اسمٍ من أسماءِ اللهِ فهو متضمِّنٌ لصفةٍ أو صفتيْن أو أكثرَ، حسَبَ ما تدلُّ عليه هذه الأسماءُ من المطابقةِ والتضمنِ والإلتزامِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أننا إذا عَلِمْنَا أن اللهَ غفورٌ رحيمٌ فجديرٌ بنا أن نَسْأَلَهُ المغفرةَ والرحمةَ؛ لأَنَّه أهلٌ لذلك، فيكون في هذا تربيةٌ للإنسانِ وسلوكِهِ في وصولِهِ إلى اللهِ أن يَعْلَمَ بأنه غفورٌ فَيَسْتَغْفِرُ، وأنه رحيمٌ فَيَسْتَرْحِمُ.
стр. 44
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن فيها حثًّا للإنسانِ على ترْكِ الذنوبِ وعلى فعْلِ الطاعاتِ، وجْهُ ذلك: أن المغفرةَ تحتاجُ إلى عملٍ صالحٍ، إلى توبةٍ يغفرُ اللهُ بها الذنبَ، والرحمةُ تحتاجُ إلى طاعاتٍ يتوصَّلُ بها الإنسانُ إلى رحمةِ اللهِ .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: بيانُ الحكمةِ في حُكْمِ اللهِ الكونيِّ القَدَرِيِّ؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ كالتعليلِ لقولِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ كأنَّ قائلًا يقولُ: لماذا يستغفرون لمن في الأرضِ؟ قال: لأنَّ اللهَ هو الغفورُ الرحيمُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أن الأسماءَ الحسنى تكونُ كاملةً بانفرادِها واجتماعِها؛ لأَنَّه لمَّا جَمَعَ بيْنَ الغفورِ والرحيمِ تَوَلَّدَ منهما صفةٌ ثالثةٌ غيرُ المغفرةِ والرحمةِ، وهي اجتماعُ هذيْن الوصفيْن - أو هذيْن الإسميْن - الدَّالَّيْنِ على الوصفِ في حقِّ اللهِ ، فبالمغفرةِ تُمْحَى الذنوبُ، وبالرحمةِ يَحْصُلُ المطلوبُ.
* * *
стр. 45
الآية (٦)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦].
* * *
أولًا: في الإعراب ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ مبتدأٌ و ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مفعولٌ ثان لِـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ لأنَّ التقديرَ اتخذوا الأَصنامَ أولياءَ، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأٌ ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿حَفِيظٌ﴾ خبرُهُ، والجملةُ من المبتدأِ والخبرِ في محلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ الأوَّلِ وهو ﴿وَالَّذِينَ﴾.
فإن قال قائلٌ: المعروفُ عندَ النحْويِّين أنَّ الجملةَ الواقعةَ خبرًا لا بُدَّ أن تتضمَّنَ ضميرًا يعودُ على المبتدأِ حتى يُعْرَفَ اتصالهُا به، قلنا: هنا حلَّ الظاهرُ محلَّ الضميرِ، وهو قولُهُ: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ هو ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: اللهُ، ويجوزُ أن يكونَ الرابطُ هو قولَهُ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: الضميرُ.
يقولُ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ اتخذوا الأصنامَ، ولهذا قال المُفسِّر ﵀: [أيِ: الأصنامَ]، وهذا التقديرُ لبيانِ المفعولِ الثاني، كأنه يقولُ: المفعولُ الثاني محذوفٌ، تقدير: الأصنامُ.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾ جَمْعُ وَلِيٍّ؛ أي: أنهم يَتَوَلَّوْن هذه الأصنامَ يعبُدُونها، يَذْبَحُون لها، يَنْذِرُون لها، وهم عن اللهِ غافلون.
ولا تَجِدُ في القرآنِ أن الأولياءَ هم الأصنامُ، لكن المفسِّرين يُفَسِّرُونهم بالأصنامِ
стр. 46
على سبيلِ التمثيلِ، وإلا فقد قال الرسولُ ﵊: "تَعِسَ عبْدُ الدينارِ، تَعِسَ عبْدُ الدرهمِ، تَعِسَ عبْدُ الخَمِيصةِ، تعس عبد القَطِيفَة" (١)، فجعلَ الذي يرْبِطُ قولَهُ ومَحَبَّتَه ومعاداتَه وكرَاهَتَه على هذا، جَعَلهُ عبدًا لهم.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿اللَّهُ حَفِيظٌ﴾ مُحْصٍ عليهم لِيُجَازِيَهُم] تفسيرُ الـ ﴿حَفِيظٌ﴾ بالمُحْصِي تفسيرٌ باللازمِ، ولكنَّ المرادَ بالحفيظِ؛ أيِ: حافظٌ لأعمالهِم رقيبٌ عليهم، لا يَفُوتُهُ شيءٌ من أعمالهِم ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾، وإذا كان حفيظًا عليهم حَافِظًا لهمْ مراقبًا لهم؛ فلا بَدَّ أن يُحْصِيَ عليهم أعمالَهُم ويجازيَهُم عليها.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [تُحَصِّلُ المطلوبَ منهم، وما عليك إلَّا البلَاغُ] ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ﴾ الخطابُ للرسولِ ﵊ ﴿بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: بحفيظٍ، فالآيةُ واضحةٌ، كأنَّ اللهَ يقولُ: أنا الحفيظُ عليهم، أمَّا أنت فلستَ بحفيظٍ، ما الذي على الرسولِ؟ ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ ليس عليه إلا أن يُبَلِّغَ، أمَّا أن يَهْدِيَ أحدًا، أو يُحْصِيَ أعمالَ أحدٍ، فهذا ليس إليه، إنما هو إلى اللهِ حتى إن اللهَ قال له في آلِ عمرانَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨].
من فوائدِ الآيَةِ الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ سفهِ أولئك المُتَّخِذِين أولياءَ من دونِ اللهِ، وجْهُ السَّفَهِ: قولُهُ: ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني كأنهم غَفَلُوا عن اللهِ نهائيًّا واتخذوا هذه الأصنامَ أولياءَ.
стр. 47
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وعيدُ مَنِ اتخذ من دونِ اللهِ أولياءَ؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ هذا التهديدُ، كما يقولُ القائلُ للإنسانِ: اذهب وأنا معك، أنا وراءك، أنا أُحصي عليك.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيانُ عمومِ عِلْمِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ لأنَّ قولَهُ: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ يَشْمَلُ جميعَ ما يقومون به من عملٍ، وهذا يَدُلُّ على سَعَةِ عِلْمِ اللهِ واطِّلَاعِهِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن النبيَّ ﷺ بشرٌ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا يُحصي أعمالَ العبادِ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الرسولَ ﷺ وهو سَيِّدُ الدُّعاةِ وإمامُ الدُّعاةِ - لا يَلْزَمُهُ إلا أن يُبَلِّغَ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ وهذه الآيةُ لها شواهدُ لفظيَّةٌ ومعنويَّةٌ، قال اللهُ ﵎: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، يعني لا تستطيعُ، وإذا كان سَيِّدُ الدعاةِ وإمامِهِم لا يَمْلِكُ أن يَهْدِيَهُم فما بالُك بمن سواه؟
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَسْلِيَةُ الدعاةِ إلى اللهِ إذا لم يَطِعْهُمُ الناسُ، أكثرُ الناسِ - يعني الدعاةَ - إذا لم يُطِعْهِمُ الناسَ تتفطَّرُ قلوبُهُم وتنحلُّ أجسامُهُم، نقولُ: يا أخي رويدك! مَن الذي مَنَعَهُم ألا يطيعوك، من الذي مَنَعَهَم أن يطيعوك؟ نقولُ: اللهُ نحن نقولُ: من الذي مَنَعَهم ألا يطيعوك؟ ثم قلت أن يطيعوك وكلتا العبارتين صحيحةٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فكلا التعبيرين صحيحٌ.
ونقولُ لهذا الداعي الحريصِ على هدايةِ الناسِ: لا تَحْزَنْ عليهم ﴿وَلَا تَكُنْ فِي
стр. 48
ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، أنتَ عليكَ ما عليكَ! وهو البلاغُ، والهدايةُ بيدِ اللهِ ولو شاء اللهُ لاهْتَدَوْا، فإذا كان هذا واقعًا بمشيئةِ اللهِ فإن الإنسانَ يَطْمَئِنُّ، لكن إذا تَقَطَّعَ قلبُهُ حسرةً اشتغلَ بعيوبِ الناسِ عن عيوبِهِ؛ ولهذا تجدُ الداعيةَ الذي هذا وصفُهُ دائمًا مشغولًا بأحوالِ الناسِ وينسى نفسَهُ، لو فَتَشْتَ ما فَتَّشْتَ لرأيْتَهُ في العبادةِ مُقَصِّرًا، وإذا جاء على العبادةِ وحَضَرَ فقلبُهُ في وادٍ آخَر، وهذا غَلَطٌ، أنت مأمورٌ قبْلَ كلِّ شيءٍ بإصلاحِ نَفْسِكَ.
ومأمورٌ أيضًا بالرضا بقضاءِ ربِّكَ، قضى اللهُ أن يَهْدِيَ هؤلاء الأمرُ أمرُهُ، والعِبادُ عبادُهُ، صحيحٌ أن الإنسانَ يَحْزَنُ، لكن لا ينبغي أن يَصِلَ إلى درجةٍ يَغْفُلُ بها عن نفْسِه كما هو شأنُ بعضِ الدعاةِ، والإنسانُ إذا كان هكذا فَثِقْ أنه سيكونُ متزنًا في الدعوةِ إلى اللهِ، وإلا يكنْ فَسَيكونُ متهورًا، ويأتي بما لا تُحْمَدُ عقباه؛ لذلك كُنْ داعيًا إلى اللهِ كما كان عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ.
فإن قال قائلٌ: بعضُ من يَعْمَلُ بالدَّعوةِ يُقَسِّمُ المجتمَعاتِ إلى أقسامٍ: المجتمعُ المدنيُّ، المجتمعُ الحبشيُّ، ونَزَلَ على كلِّ مُجْتَمَعٍ آياتٌ نَزَلَتْ في الصَّحابةِ في ذاك الوقتِ، فهل يصحُّ هذا؟
فالجوابُ: هو لا شكَّ هذا، وليس بسببِ أنَّ القومَ حَبَشِيُّونَ أو مَكِّيُّونَ أو مَدَنِيُّونَ، هذه قاعدةٌ عامَّةٌ: تُنَزَّلُ الآياتُ الَّتي نزلتْ في مَكَّةَ على من كان مثلَ أَهْلِ مَكَّةَ كما نَزَلَتْ فيهم، فالعبرَةُ بعمومِ اللَّفْظِ لا بخصوصِ السَّبَبِ.
مسألةٌ: يقولون: إن بَعْضَ السُّنَنِ تجبُ على طالبِ العِلْمِ؟
فالجوابُ: نعم، بعضُ السُّنَنِ تَجِبُ على طالِبِ العِلْمِ إذا كان عَمَلُه إيَّاها إحياءً للسُّنَّةِ، فهنا يجبُ عليه فِعْلُها؛ لأنَّ هذا من بابِ البلاغِ.
стр. 49
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن النبيَّ ﷺ بَشَرٌ ليس له من الأمرِ شيءٌ؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، فالرسولُ ﵊ بَشَرٌ لا يستطيعُ أن يَهْدِيَ أحدًا ولا أن يُحْصِيَ أعمالَ أحدٍ، لو استطاع أن يَهْدِيَ أحدًا لَهَدى عمَّه أبا طالبٍ؛ الذي كان له من الفضلِ على الدعوةِ الإسلاميَّةِ ما هو معلومٌ، لكنه لم ينفعْه إلا في شيءٍ واحدٍ، هو حقيقةٌ لَمْ يَجْزِ شيئًا أنه شَفَعَ له عندَ اللهِ، فخفَّفَ عنه العذابَ، فكان في ضحضاحٍ من نارٍ عليه نعلانِ يغلي منهما دماغُهُ (١)، ومع هذا يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا؛ لأنَّه لو رأى أنه أخفُّ الناس عذابًا لهان عليه الأمرُ وتسلَّى بغيرِهِ، لكنه يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا، نسألُ اللهُ العافيَةَ.
وقد أشارَ اللهُ إلى أن الإشتراكَ في العذاب يُخَفِّفُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، في الدنيا ينفعُ ذلك أن الإنسانَ إذا شاركه غيرُهُ، لكن في الآخرة لا يَنْفَعُ.
* * *
стр. 50
الآية (٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ﴾ الكافُ هنا اسمٌ بمعنى (مثل)، وهي منصوبةٌ على المفعوليَّةِ المُطْلقةِ؛ ولهذا قَدَّرَها المُفسِّر ﵀ بقولِهِ: [مِثْلَ ذلك الإيحاءِ].
الأولُ قال: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ٣]، ولمْ يُبَيِّن المُوحى، وهنا قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا﴾ فبيَّنَ الموحى، فكان الآن هنا تفصيلٌ بعد إجمالٍ؛ الإجمالُ ﴿يُوحَى إِلَيْكَ﴾؛ لأنَّه لم يُبَيِّن الموحى، وهنا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا﴾ فهو تفصيلٌ بَعْدَ إجمالٍ، ولا يخفى علينا أن التفصيلَ بَعْدَ الإجمالِ من أساليبِ اللغةِ البلاغيةِ العظيمةِ؛ لأنَّ الشيءَ إذا أُجْمِلَ بَقِيَتِ النفْسُ متضلعةً متطلعةً متشوفةً متشوقةً إلى تفصيلِهِ، فإذا جاء مفصلًا وَرَدَ كالماءِ على أرضٍ يابسةٍ، فالماءُ على الأرضِ اليابسة تشربُهُ على الفورِ، فكذلك إذا وَرَدَ التفسيرُ بَعْدَ الإجمالِ فإنه يَرِدُ على قلبٍ متطلعٍ تمامًا إلى التفصيلِ.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [أي مثلَ هذا الإيحاءِ] ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ والخطابُ للرسولِ ﵊ عن طريقِ جبريلَ، قال اللهُ تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] على قلْبِك ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ﴾ ﴿قُرْآنًا﴾ بمعنى مقروءٍ،
стр. 51
أو بمعنى قارئٍ، أمَّا هنا فهو مَصْدرٌ، قرآنٌ مَصْدَرُ قَرَأَ، كغُفْرانٍ مَصْدَرُ غَفَرَ، وشُكْرَانٌ مَصْدَرُ شَكَرَ، إذن ﴿قُرْآنًا﴾ مصدرٌ، لكن هل هو بمعنى اسمِ الفاعلِ، أو بمعنى اسمِ المفعولِ، أو هو بمعناهما جميعًا؟
لنا قاعدةٌ سبقت أن الآيةَ، أو الحديثَ أيضًا إذا احْتَمَلَ معنييْن على السواءِ، ولا منافاةَ بينهما وَجَبَ أن يُحْمَلَ عليهما جميعًا، إذن قرآنٌ بمعنى قارئٍ، وقرآنٌ بمعنى مقروءٍ.
فكيف يكونُ قرآنٌ بمعنى قارئٍ؟
الجواب: (قارئ) بمعنى جامعٌ، ومنه سُمِّيَت القريةُ؛ لأنَّها تجمعُ الناسَ فيكونُ ﴿قُرْآنًا﴾ بمعنى قارئٍ، ولا شكَّ أن القرآنَ جامعٌ، جامعٌ لعلومِ الأوَّلِينَ والآخرين، ولكلِّ علمٍ نافعٍ، وعملٍ صالحٍ.
وهذه القاعدةُ مفيدةٌ جدًّا: إذا احتملَ النصُّ مَعْنَيَيْنِ على السواءِ ولا منافاةَ بينهما وجبَ أن يُحْمَلَ عليهما جميعًا؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يَعْلَمُ ماذا يَحْتَمِلُه كلامُهُ، وكذلك الرسولُ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -؛ وهذه قاعدةٌ نافعةٌ لطالبِ العلمِ.
أما إذا تنافيا فيُطْلَبُ المرجِّحُ من دليلٍ آخَرَ.
وأما إذا كان أحدُهُما أرجحَ أُخِذَ به وتُرِكَ الآخَرُ.
فهنا ثلاثةُ أقسامٍ: أن يكونَ أحدُهُما أرجحَ فيؤْخَذُ به ويُتْرَكُ الآخرُ، أي: لا مُرَجِّحَ واللفظُ لا يَحْتَمِلُ إلا أحدَهُما، أو يَطْلُب الترجيحَ من دليلٍ آخَرَ؛ أو أن يكونَ اللفظُ يحتَمِلُهُما جميعًا فَيُحْمَلَ عليهما؛ لأنَّ ذلك أوسعُ وأشملُ.
стр. 52
وقولَهُ: ﴿عَرَبِيًّا﴾؛ أيْ: بلسانِ العربِ، والعروبةُ هنا هل هي عروبةُ النَّسبِ أو عروبةُ اللسانِ؟
الجوابُ: الظاهرُ أنها عروبةُ اللسانِ، لكنَّ حقيقةَ الأمرِ أن عروبةَ اللسانِ أصلُها عروبةُ النسبِ، إذ إن اللغةَ العربيةَ وإن تَكَلَّمَ بها من ليس بعربيٍّ هي أصلُها من عروبةِ النسبِ؛ ولذلك أولئك القومُ الذين من فارسَ والرومِ نقولُ: هم عربٌ لسانًا وليسوا عربًا نسبًا، فهل يَلْحَقُهُم مدحُ العربِ؟
الجوابُ: لا يَلْحَقُهُم؛ لأنَّ المدحَ في العربِ إنما هو عربُ النَّسبِ، أما الوصفُ الذي هو عربُ اللسانِ فلا يستحقُّ هذا المدحَ؛ ولهذا أشرفُ الناسِ نسبًا عربُ النّسبِ، هنا يُشارُ إلى هذا.
وبَيَّنَّا فيما سَبَقَ أن اللهَ تعالى أَجْمَلَ ثم فَصَّلَ فقال في أولِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ٣] وهنا قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ٧]، وأضاف الإيحاءَ إليه لأن الأمرَ مُهِمٌّ جدًّا، والموحى به هو أشرفُ الكلامِ ﴿قُرْآنًا﴾ قلنا: إن ﴿قُرْآنًا﴾ مَصْدرٌ كالغفرانِ والشكرانِ، وهل هو بمعنى اسمِ الفاعلِ أو بمعنى اسمِ المفعولِ؟ أيْ: هل المعنى أنه قارئٌ أو المعنى أنه مقروءٌ؟
ذَكَرْنا أنه يجوزُ فيه الوجهان، أما كونُهُ قارئًا؛ فلأنه جامعٌ لجميعِ الكمالاتِ في الكلامِ ومنه القريةُ؛ لأنَّها تَجْمَعُ الناسَ.
وأما كونُهُ بمعنى مفعولٍ؛ فلأنه يُقْرَأ ويُتْلَى، وكلاهما وصفٌ صالحٌ للقرآنِ، ولا يُنافي بعضُهُما بعضًا، وعلى هذا فَيُحْمَلُ على المعنييْن جميعًا، كما هي القاعدةُ بالتفسيرِ، وفي الحديثِ النبويِّ إذا كان يَحَتْمِلُ معنييْن لا مُرَجِّحَ لأحدِهِما على الآخَرِ وليس بينهما منافاةٌ، فالواجبُ أن يُحْمَلَ عليهما جميعًا.
стр. 53
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؛ أي: بِلُغَةِ العربِ، والمرادُ بِلُغَةِ العربِ نُطقًا أو نَسَبًا؟ الأصلُ نَسَبًا؛ لأنَّ لغةَ العربِ انتشرتْ بعد الفتوحاتِ الإسلاميَّةِ وإلا كانت في الجزيرةِ فقط، ثم قال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الشورى: ٧]، اللامُ للتعليلِ، والمعلَّلُ هو قولُهُ: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ وعلى هذا فاللامُ متعلقةٌ بقولِهِ: ﴿أَوْحَيْنَا﴾. ﴿لِتُنْذِرَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [لِتَخَوُّفِ، ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]، أي: أهلَ مكَّةَ وسائرَ الناسِ].
قولُنا: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ هي مكَّةُ، وسُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّها جامعةٌ للقرى إذ إنَّ جميعَ القُرى تأوي إليها، ولا شكَّ أن المسلمين كُلَّهُم يتجهون إلى أُمِّ القُرى؛ لأنَّ الكعبةَ فيها، وهي أيضًا تَجْمَعُ القرى من جهةِ أنه يَجِبُ على كلِّ المسلمين أن يَحُجُّوا هذا البيتَ من استطاع إليه سبيلًا؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ - أو "حَجُّ البَيْتِ" قراءتانِ سَبْعِيَّتَانِ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
إذن سُمِّيَتْ أُمُّ القُرى؛ لأنَّها تَجْمَعُ جميعَ القرى، والقرى هنا المُدُنُ؛ لأنَّ القريةَ البلدُ الصغيرُ عُرفًا، أمَّا لغةً فإنَّ القريةَ تُطْلَقُ حتى على المدينةِ الكبيرةِ، كما قال اللهُ ﵎: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣].
وقولُهُ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ يقولُ المُفسِّر ﵀ أنَّ المرادَ بمن حَوْلَهَا: [سائرُ الناسِ]، وهذا التفسيرُ وإن كان معناه صحيحًا؛ لأنَّ رسالةَ النبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى اَلِهِ وسلَّمَ - بَلَغَتْ جميعَ الناسِ، ومن لم تَبْلُغْهُ فَسَتَبْلُغُه، ولكنَّ ظاهرَ اللفظِ خلافُ ذلك؛ لأنَّ ما حَوْلَ الشيءِ فهو القريبُ منه، وحينئذٍ يبقى في الأمرِ إشكالٌ، فإنَّ النبيَّ ﷺ مبعوثٌ إلى جميعِ الناسِ. ولكنْ يقالُ: لا إشكالَ فهو كقولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، وهو مبعوثٌ لكلِّ الخَلقِ؛ ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣].
стр. 54
وعلى هذا فنقولُ: المرادُ بالإنذارِ الإنذارُ المباشِرُ، والإنذارُ المباشِرُ من النبيِّ ﵊ ما كانَ إلا لِأُمِّ القرى ومَنْ حَوْلَهَا؛ ولهذا ما فُتِحَتِ الشامُ ولا العراقُ ولا مصرُ في عهدِ النبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - وإنما كان الجزيرةَ فقط، وعليه فيكونُ المرادُ بقولِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ الإنذارَ الذي تمَّ في حياتِهِ ﵊ فإنه لم يَشْمَلْ إلا أُمَّ القرى ومَنْ حَوْلَهَا.
وقولُهُ: ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، هل المرادُ بهذا إنذارُ المدينةِ نفسِها أو المرادُ الأهلُ؟
الجوابُ: الأهلُ لا شكَّ، ولا يُشْكِلُ هذا على أحدٍ، وهذا هو الذي جَعَلَ شيخَ الإسلامِ (١) ﵀ يقولُ: "إنه لا مجازَ في القرآنِ ولا في غيرِهِ من اللغةِ العربيَّةِ؛ لأنَّه إذا كان اللفظُ دالًّا على معناه الخاصِّ فإنه لا يُعْتَبرُ مجازًا".
ونحن نقولُ هنا: ليس المرادُ أن الرسولَ يُنْذِرُ بيوتَ مكةَ وأسواقَها، وإنما المرادُ أن يُنْذِرَ أهلَها، بقيَ أن يقالَ: أين مفعولُ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ الثاني؛ لأنَّ أَنْذَرَ تَنْصِبُ مفعوليْن، كما قال اللهُ تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، الكافُ مفعولٌ أولُ و ﴿نَارًا﴾ مفعولٌ ثانٍ؟
نقولُ: المفعولُ الثاني محذوفٌ، ويُقَدَّرُ بما يُنَاسِبُ، ممكنٌ أن نُقَدِّرَهُ بقولِهِ: يومَ الجمعِ. أي: لِتُنْذِرَ أُمَّ القرى ومَنْ حَوْلَهَا يومَ الجمْعِ. بدليلِ قولِهِ: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ فتجدُ الآنَ الآيةَ الكريمةَ الجملةَ الأولى حُذِفَ منها مفعولٌ، والثانيةُ حُذِفَ منها مفعولٌ، لكن الجملةَ الأولى حُذِفَ مفعولُها الثاني، والجملةُ الثانيةُ حُذِفَ مفعولُها الأولُ، وهذا من بلاغةِ القرآنِ.
стр. 55
إذن المفعولُ الثاني في قولِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ محذوفٌ تقديرُهُ يومَ الجمْعِ، ولنا أن نُقَدِّرَهُ تقديرًا آخَرَ، لكن ما دام بيْنَ أيدينا ما يَدُلُّ عليه فهو أَوْلَى.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧]، قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَتُنْذِرَ﴾ الناسَ] الناسَ هذا المفعولُ الأولُ المحذوفُ، و ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ المفعولُ الثاني، أي: تُنْذِرُهُمُ اليومَ الذي يُجْمَعُ فيه الناسُ، وذلك يومَ القيامةِ تُجْمَعُ فيه الخلائقُ، وهذا من أسماءِ يومِ القيامةِ يومُ الجمعُ، كما أنه يُسَمَّى يومَ القيامةِ؛ لأنَّه يشتملُ على المعنى هذا وهذا.
وقولُهُ: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [تُجْمَعُ فيه الخلائقُ] لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣].
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [﴿لَا رَيْبَ﴾ شَكٌّ ﴿فِيهِ﴾] إلخ .. قولُهُ: ﴿لَا رَيْبَ﴾ الرَّيْبُ هو الشَّكُّ، لكن قال شيخُ الإسلامِ (١) ﵀: "إن تفسيرَ الرَّيْبِ بالشكِّ تفسيرٌ مقاربٌ وليس مطابِقًا"؛ لأنَّ الرَّيْبَ يوحي بقلقٍ في النفْسِ، والمعنى: ليس فيه ريبٌ وقلقٌ.
قولُهُ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (لا) نافيةٌ، فهل المرادُ بالنفيِ النهيُ، فيكون المعنى لا ترتابوا فيه، أو المرادُ بالنفي معناه الحقيقيُّ؟
نقولُ: المرادُ به معناه الحقيقيُّ؛ لأنَّه إذا كان معناه النفيَ صار صفةُ هذا اليومِ انتفاءَ الرَّيْبِ، وعلى هذا فمَنِ ارتاب فيه فقدِ ارتابَ في أمرٍ واقعٍ، لكن لو جعلْنَا النفيَ بمعنى النهيِ لَكُنَّا أَخْرَجْنَا الكلامَ عن ظاهِرِه، هذا من جهةٍ.
стр. 56
ومن جهةٍ أخرى: أن النهيَ قد يمتثلُهُ الناسُ وقد لا يمتثلُونه، لكنَّ النفيَّ هنا أَوْضَحُ؛ أولًا: لمطابقتِهِ لظاهرِ اللفظِ. يعني ظاهرُ اللفظِ النفيُ.
وثانيًا: أنه يعطي أن هذا اليومَ موصوفٌ بانتفاءِ الريبِ فيه، فيكونُ مَنِ ارتابَ مخالفًا للواقعِ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿فَرِيقٌ﴾ منهم ﴿فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ النارُ] ﴿فَرِيقٌ﴾ مبتدأٌ و ﴿فَرِيقٌ﴾ الثاني مبتدأٌ، ومن كان عارفًا بالنحو فسيقول: في هذا إشكالٌ وهو الإبتداءُ بالنكرةِ، فالإبتداءُ بالنكرةِ غيْرُ جائزٍ؛ لأنَّ المبتدأَ محكومٌ عليه، فإذا قلتَ: زيدٌ قائِمٌ، فقد حكمْتَ على زيدٍ بالقيامِ، والمحكومُ عليه لا بُدَّ أن يكون معروفًا، فإذا كان نكرةً فأيُّ فائدةٍ في الحُكمِ عليه انتبهوا، فكلامُ النحْويين في أنه لا يَجوزُ الإبتداءُ بالنكرةِ هذا تعليلُهُ؛ لأنَّ المبتدأَ محكومٌ عليه، والمحكومُ عليه لا بدَّ أن يكونَ معرفةً معلومًا، فهنا ابتُدِئَ بالنكرةِ، يقولُ النحْويون: إن المسوِّغَ للإبتداءِ بالنكرةِ في هذه الآيةِ هو التقسيمُ، والتقسيمُ يفيدُ: فريقُ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ﴾ أي: نَوْعٌ من الناسِ في الجنةِ، ونوعٌ من الناسِ في السعيرِ، فالتقسيمُ يبيحُ الإبتداءَ بالنكرةِ، ومنه قولُ الشاعِرِ:
فيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لنا ... ويَوْمٌ نُساءُ ويَومٌ نُسرُّ (١)
هذا مبتدأٌ نكرةٌ، لكنه فيه التقسيمُ، فيكونُ المسوِّغُ للإبتداءِ بالنكرةِ هنا هو التقسيمُ.
فقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ وفريقُ السعيرِ أكثر، كما جاء في
стр. 57
الحديثِ الصحيحِ "إنَّ اللهَ تعالى يومَ القيامةِ ينادي يقولُ: يا آدمُ فيقولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ فيقولُ: أَخْرِجْ من ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النارِ - أو بعثًا إلى النارِ. أي: مبعوثًا إلى النارِ - قال: يا رَبِّ وما بَعْثُ النَّارِ؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون" واحدٌ في الجنةِ والباقي من الألفِ في النارِ.
إذَنْ: أهلُ النارِ أكثرُ من أهلِ الجنةِ بكثيرٍ - أجارنا اللهُ وإياكم من النارِ - ففزعَ الصحابةُ لهذا وقالوا: يا رسولَ اللهِ أينا ذلك الواحدُ؟ قال لهم: "أَبْشِرُوا إنكم في أُمَّتَيْنِ ما كانتا في شيءٍ إلا كَثَّرَتَاه، يأجوجَ ومأجوجَ" وهم من بني آدمَ يأجوجُ ومأجوجُ من بني آدمَ كما دلَّ على ذلك القرآنُ "فمنكم واحدٌ وألفٌ منهم" ففرِحَ الصحابةَ ﵃ بذلك (١).
المهمُّ أن اللهَ تعالى قال: ﴿فَرِيقٌ﴾ ﴿وَفَرِيقٌ﴾ مع اختلافِ الفريقيْن اختلافًا عظيمًا، فدلَّ ذلك على أن الفريقَ في اللغةِ يُطْلَقُ على القليلِ والكثيرِ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ والجنةُ هي الدارُ التي أَعَدَّهَا اللهُ تعالى للمؤمنين والمُتَّقِين، وهي دارٌ فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَرٍ، وأصنافُ النعيمِ في هذه الجنةِ - جعلني اللهُ وإياكم منهم - موجودةٌ في القرآنِ والسُّنَّةِ، أمَّا السعيرُ - والعياذُ باللهِ - فهي النارُ تُسَعَّرُ بها الأجسادُ، وفيها من أنواعِ العذابِ والنَّكالِ ما يتمنى أهلُها أن يموتوا ولا يَحْصُلَ لهم، قال اللهُ تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧ - ٧٨].
стр. 58
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن القرآنَ كلامُ اللهِ؛ لقولِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا﴾ وَجْهُ كونِهِ كلامَ اللهِ: أن هذا القرآنَ كلامٌ، وإذا كان كلامًا وقد أضافه اللهُ لنفْسِهِ عَلِمْنَا أنه كلامُ اللهِ ، وهل هو مخلوقٌ؟ لا؛ لِوَجْهَيْنِ:
الوجهُ الأولُ: أنه وصفُهُ وجميعُ أوصافِ اللهِ غيرُ مخلوقةٍ؛ لأنَّ الصفةَ تابعةٌ للذاتِ، فالخالقُ هو اللهُ وصفاتُهُ غير مخلوقةٍ.
الوجهُ الثانِي: لو قُلْنَا: إنه مخلوقٌ لَبَطَلَ الأمرُ والنهيُ؛ لأننا إذا قلنا: إنه مخلوقٌ، صار شيئًا مخلوقًا على شيءٍ معيَّنٍ، كما تُخْلَقُ الشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والأنهارُ على شكلٍ مُعَيَّنٍ.
فيكونُ مثلًا: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ليستْ أمرًا؛ لأنَّه خُلِقَ على هذا الرَّسْمِ، الآنَ مثلًا لو رُسِمَتْ في القرآنِ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ولكن أنت تقولُ: إن هذه ليست كلامًا، ولكنها مخلوقةٌ لن تفيدَ الأمرَ، وكذلك يُقالُ في الأخبارِ، الأخبارُ تأتيك آيةً طويلةً كُلُّهَا في خبرِ ما، إذا قلَت: إن القرآنَ مخلوقٌ؛ صارت مُجَرَّدَ نقشٍ فقط ليس كلامًا؛ ولذلك قال ابنُ القَيِّمِ (١) ﵀: إنَّ القولَ بأن القرآنَ مخلوقٌ مُبْطِلٌ للشريعةِ؛ لأنَّه لا يكونُ فيه أمرٌ ولا نهيٌ، إنما فيه أشكالٌ خُلِقَتْ على هذا.
فقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أنتم الآن إذا شاهدْتُم ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ تَجِدُون أنها شيءٌ يختلفُ بعضُهُ عن بعضٍ ﴿أَقِيمُوا﴾ لها شكلٌ و ﴿الصَّلَاةَ﴾ لها شكلٌ، فإذا قُلْنَا: إن هذه أشياءُ خَلَقَهَا اللهُ على هذا الشكلِ لم يكنْ أمرًا ولا نَهْيًا.
стр. 59
إذن الآيةُ تفيدُ أن القرآنَ كلامُ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أضافه إلى نفْسِه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَخْرُ العربِ؛ لأنَّ القرآنَ عربيٌّ، وهو للأممِ كُلِّهِم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حكمةُ اللهِ ﵎ في إنزالِ القرآنِ باللغةِ التي يفهمُها من أُنْزِل إليه، وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التأكيدُ على معرفةِ اللغةِ العربيَّةِ، وجْهُ ذلك: أنه إذا كان القرآنُ عربيًّا، وكنا مُخَاطَبِين به ومُلْزَمِين بالعملِ به، فإنه لا يُمْكِنُ الوصولُ إلى ذلك إلا بتعلُّمِ اللغةِ العربيَّةِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الإشارةُ إلى أن الناسَ جميعًا ينبغي أن يكونوا يتحدثون باللغةِ العربيَّةِ؛ لأنَّ الناسَ كُلَّهُمْ جميعًا يَجِبُ أن يكونَ دينُهُمُ الإسلامَ، فإذا كان يجبُ أن يكون دينُهُمُ الإسلامَ؛ فانه يَلْزَمُ من ذلك أنه يجبُ أن يتعلموا لغةَ الإسلامِ.
ولذلك نرى أن الإسلامَ لما كان في أوجِ عِزَّتِهِ وقُوَّتِهِ دخلَ الناسُ في دينِ اللهِ وتعلَّمُوا اللغةَ العربيَّةَ، ومن الفُرْسِ والرومِ من كانوا أئمةً في الدينِ وأئمةً في العربيةِ، فـ (القاموسُ المحيطُ) - مَرْجِعُ الناسِ في اللغةِ الآن وقبل الآن - مؤلفُهُ الفيروزأبادي لا من قريشٍ، ولا من بني هاشمٍ، بل هُو فارسيٌّ، ومع ذلك هو مرجعُ اللغةِ العربيَّةِ، كذلك البخاريُّ إمامُ المُحَدِّثِينَ يعني إمامَ نَقَلَةِ سُنَّةِ الرسولِ ﵊ غيرُ عربيٍّ؛ لأنَّه في الفتوحاتِ الإسلاميةِ كانت الغلبةُ للمسلمين الذين يتكلمون باللغةِ العربيةِ فَتَعَلَّمَ الناسُ العربيَّةَ ضرورةَ أنه لا يُمْكِنُ الوصولُ إلى فهمِ الدِّينِ إلا باللغةِ العربيةِ.
أَمَّا حالُ الناسِ اليومَ فعلى العكسِ، الآن العربيُّ يحاولُ أن يَتَعَلَّمَ اللغةَ غيرَ
стр. 60
اللغةِ العربيَّةِ؛ لأنَّ الإسلامَ مع الأسفِ الشديدِ بمعاصي أهلِهِ خُذلوا وذَلُّوا، وكانوا من أذلِّ الأممِ إن لم أَقُلْ: أذلُّ الأممِ، أنا أقولُ: أذلُّ الأممِ ولا أبالي؛ لأنَّ عند المسلمين من الثرواتِ العظيمةِ، والمعادنِ العظيمةِ، والأماكنِ الفسيحةِ والواسعةِ ما إذا قِسْنَاه بحالهم وَجَدْنا أنهم أذلُّ الأممِ، من يكونُ عنده هذه الثرواتُ، ثم يَتَخَلَّفُ هذا التخلُّفَ، حَفْنَةٌ من اليهودِ تَلْعَبُ بعقولهِمِ ليلًا ونهارًا - ولو قلتَ: أممٌ من النصارى يلعبون بهم -، ولو كان لهم عزَّةٌ لكانوا هم الذين يتحكمون في الناسِ، ويقاتلونهم حتى يكونَ الدينُ كُلُّه للهِ، لكن لمَّا ذُلُّوا ذَلَّتْ لُغَتُهُمْ، الآنَ تجدُ المتاجرَ في البلادِ بلادِ العربِ في مُدُنِنَا في قُرَانا تجدُها مملوءةً باللافتاتِ باللغةِ غيرِ العربيَّةِ، أحيانًا تجدُ المتاجرَ كأنك في سوقِ لندن، إلا أن يشاءَ اللهُ، كلُّ هذا من الذلِّ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثباتُ حِكمةِ اللهِ، تُؤْخَذُ من قولِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾؛ لأنَّ اللامَ هنا للتعليلِ، وكلما وجدْتَ لامَ التعليلِ في القرآنِ فإن فيها إثباتَ حكمةِ اللهِ ، وحينئذٍ نَعْلَمُ أن جميعَ ما يَفْعَلُه اللهُ أو ما يَشْرَعُه فهو لحِكْمَةٍ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الإقتصارُ على أحدِ موضوعَيِ الرسالةِ إذا اقتضتِ الحكمةُ ذلك، وجْهُهُ: أنه قال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ولم يَذْكُرِ البشارةَ، مع أنَّ اللهَ تعالى في مواضعَ كثيرةٍ يَذْكُرُ الإنذارَ والبشارةَ ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]؛ لأنَّ السياقَ مع قريشٍ، وقريشٌ عتاةٌ معتدون، فناسَبَ ذِكْرُ الإنذارِ دون ذكرِ البشارةِ؛ لأنك إذا رأيتَ شخصًا معتديًا فأنت تحاولُ استقامتَه بالإنذارِ أولًا، وهذا من بلاغةِ القرآنِ أن يجعلَ كلَّ شيءٍ في موضِعِه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن النبيَّ ﷺ ملزمٌ بإنذارِ أمِّ القرى إلزامًا أوليًّا؛ لقولِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وما سواها إنذارًا ثانويًّا.
стр. 61
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: الإشارةُ إلى أن النبيَّ ﷺ لن يصلَ إلى من أُرْسِلَ إليهم مباشرةً، وإنما يُنْذِرُ مَنْ حَوْلَهَا؛ لقولِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن القرآنَ باللغةِ العربيةِ لا يُمْكِنُ أن يَنتَذِرَ به إلا أُمُّ القرى ومَنْ حَوْلَها الذين هم عربٌ، وأما فارسُ والرومُ والأقباطُ وما أَشْبَهَهم، فهؤلاءِ لا ينتفعون بالقرآنِ إلا بَعْدَ أن يعرفوا اللغةَ العربيةَ ويعرفوا معانيَ القرآنِ، ولعلَّ هذا - واللهُ أعلمُ - أيضًا من الحكم أن اللهَ قال: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: تخويفُ الناسِ من يومِ القيامةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن يومَ القيامةِ واقعٌ لا محالةَ؛ لقولِهِ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن الناسَ في ذلك اليومِ ينقسمون إلى قِسميْن: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ أهلُ الجنةِ يتجهون إلى الصراطِ؛ ليصلوا إلى الأعلى إلى الجنةِ، وأما أهلُ النارِ فلا يصعدون الصراطَ؛ لأنَّه لا يُرجى منهم أن يَنْجُوا؛ بل إنهم يُساقونَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا؛ أي: على أشدِّ ما يكُونُ من العطشِ، وتُمَثَّلُ لهم النارُ كأنها سرابٌ يظنونها ماءً فيُسْرعون إليها، فإذا جاؤوها وَجَدُوا الأمرَ بالعكسِ، فيتوقفون، ولكنهم ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]، ويقالُ لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤]، ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦].
* * *
стр. 62
الآية (٨)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨].
* * *
قال الله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ قال المُفسِّر ﵀: [أي: على دينٍ واحدٍ هو الإسلامُ]. لو شاءَ اللهُ أن يَجْعَلَ الناسَ أمةً واحدةً لجَعَلهم أمةً واحدةً على الضلالِ، أو على الهدى، يعني لو شاء هذا أو هذا؛ لأنَّ الأمرَ كُلَّهُ بيدِه وقولُهُ: ﴿لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني: فرقةٌ واحدةٌ على دينٍ واحدٍ.
وقولُهُ ﵀: [وهو الإسلامُ]، قد يُنَازَعُ فيه؛ لأنَّ الآيةَ مطلقةٌ وليس فيها ما يَدُلُّ على أنه الإسلامُ أو غيْرُ الإسلامِ؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨]، ذَكَرَ الأمْرَيْن، فنقولُ: إن الآيةَ تَحْتَمِلُ المعنييْن جميعًا ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني: على الإسلامِ، أو على الكفرِ، ولكنه لحِكْمَتِه جعلهم متفرقين ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢].
قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ قولُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسمٌ موصولٌ عامَّةً، ولكن يجبُ أن نَعْلَمَ أن هذا العمومُ مقيَّدٌ بمَنْ عَلِمَ اللهُ فيه خيرًا، فهو الذي يُدْخِلُه في رحمتِهِ؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ أضافه اللهُ إلى مشيئتِهِ فلا بدَّ أن
стр. 63
يكونَ لحكمةٍ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكويرِ: ٢٨ - ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].
إذن؛ يُدْخِلُ من يشاءُ في رحمتِهِ ممن عَلِمَ فيه خيرًا؛ ليكونَ إدخالُهُ في الرحمةِ على وَفْقِ الحكمةِ، وقولُهُ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ فهل المرادُ هنا بالرحمةِ التي هي وَصْفُهُ، أو المرادِ بالرحمةِ التي هي خَلْقُه؟ الثاني؛ لأنَّ الرحمةَ التي هي وَصْفُهُ لا يَدْخُلُهَا الناسُ، وإنما يدخلون في الرَّحْمَة التي هي خَلْقُهُ وهي الجنَّةُ، ويدُلُّ لهذا قولُهُ ﵎ في الحديثِ القدسيِّ للجنَّةِ: "أنتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بكِ مَن أشاءُ" (١) فقال لها: "أنتِ رحمتي".
وقوله: ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [الكافرون] ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ مبتدأٌ وليس معطوفةً على ﴿مَنْ﴾ لفسادِ المعنى واللفظِ، وَفَسَّرَ المُفسِّر هنا (الظالمون) بالكافرين؛ لأنَّ اللهَ ﵎ وَصَفَ الكافرين بالظُّلْمِ فقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال اللهُ ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، فَسَّرَهَا النبيُّ ﷺ بالشِّرْكِ، وقال: "ألمْ تسمعوا قولَ الرجلِ الصالح إن الشركَ لظُلْمٌ عظيمٌ" (٢).
﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافيةٌ، و ﴿لَهُمْ﴾ خبرٌ مُقَدَّمٌ، و ﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأٌ مُؤَخَّرٌ دَخَلَ عليه حرفُ الجرِّ الزائدُ للتوكيدِ.
стр. 64
قال المُفسِّر ﵀: [﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُ عنهم العذابَ] أي: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يَتَوَلَّاهم ويَتَحَمَّلُ عنهم، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُ عنهم، فليس لهم من يُسَلِّيهم في حالِ المصيبةِ، ولا من يَدْفَعُ عنهم إذا وَقَعَتْ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ مشيئةِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى: ٨].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الرَّدُّ على القَدَرِيَّةِ، والقدرَّيةُ هم الذين يقولون: إن اللهَ لا عَلَاقَةَ له في فعلِ العبدِ، يقولون: العبدُ مستقلٌّ ليس للهِ فيه إرادةٌ، وغُلاتُهُم يُنْكِرُونَ عِلمَ اللهِ بأحوالِ العبدِ إلا ما وقع منها، يقولون: إن اللهَ لا يَعْلَمُ ماذا يَصْنَعُ العبدَ، لكن إذا صَنَعَهُ العبدُ عَلِمَ به، وهؤلاء لا شكَّ في كُفْرِهِم؛ لأنَّهم أنكروا عِلْمَ اللهِ، مُقْتَصِدُوهم يُنْكِرُونَ المشيئةَ والخَلْقَ، هذا الذي استقرَّ عليه رأيُهُم، يقولون: إن اللهَ لا مشيئةَ له في فعلِ العبْدِ، وليس خالقًا لفعلِ العبدِ، العبدُ حرٌّ، يقولُ وَيسْكُتُ، يَفْعَلُ ويتركُ، ينامُ ويستيقظُ استقلالًا ليس للهِ فيه مشيئةٌ؛ ولهذا سُمُّوا مجوسَ الأمةِ المحمَّدِيَّةِ؛ لأنَّهم بهذه العقيدةِ يجعلون للحادثِ خَالِقَيْنِ، حوادثُ العبادِ خَلَقَهَا العِبادُ، وحوادثُ اللهِ خَلَقَها اللهُ، ولهذا يُسَمَّوْنَ مجوسَ الأمةِ الإسلاميَّةِ.
ففي الآياتِ الكريمةِ ردٌّ عليهم، وَجْهُ الرَّدِّ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ كما قال تعالى في سورةِ هودٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
وهذا فيه الرَّدُّ على القَدَرِيَّةِ، وفيه حُجَّةٌ للجَبْرِيَّةِ؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إذن هُمُ انقسموا بمشيئةِ اللهِ، وما شاء اللهُ كان، وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ، فهذا دليلٌ على أنَّ الإنسانَ لا اختيارَ له، بل فِعْلُهُ بمشيئةِ اللهِ.
стр. 65
فيقالُ: هذا مما احتجَّ به مَن في قلوبِهِم زَيْغٌ؛ لأنَّ الذين في قلوبِهِم زيغٌ يتبعون المتشابِهَ ويَدَعُونَ المُحْكَمَ، يَتَّبِعُون المتشابِهَ في مثلِ هذه الآيةِ، ويقولون: هذا دليلٌ على أن فِعْلَ العبدِ بمشيئةِ اللهِ ولا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يُغَيِّرَ مشيئةَ اللهِ.
نقولُ: سبحانَ اللهِ! أنتم نظرْتُمْ إلى الأدلَّةِ بعينِ أعورَ، والعينُ الباقيةُ عليها غبشٌ أو غمشٌ (١) ليستْ جيدةً، فنظروا بعينِ أعورَ وَرُبُعٍ أو أَكْثَرَ، هناك آياتٌ صريحةٌ في إضافةِ العملِ إلى الإنسانِ نفسِهِ، وأنه بمشيئةِ الإنسانِ، أليس اللهُ يقولُ: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]؟ أليس اللهُ ﵎ يقولُ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]؟ والآياتُ في هذا كثيرةٌ.
أليس الإنسانُ يُحِسُّ بنفْسِهِ أنه يفعلُ الفعلَ ولا مُكْرِهَ له، أنت تأتي إلى المسجدِ بدونِ أن يُكْرِهَكَ أحدٌ، تَدْخُلُ المسجدَ بدونِ أن يُكْرِهَك أحدٌ، تَخْرُجُ من المسجدِ بدونِ أن يُكْرِهَك أحدٌ، وهذا شيءٌ ملموسٌ، إذن ما معنى كونِنا فِعْلُنَا بمشيئةِ اللهِ؟ نقولُ: معنى فِعْلُنَا بمشيئةِ اللهِ: أننا مَهْمَا فعلنا من شيءٍ فاللهُ قد شاءه، ومشيئتُهُ له سابقةٌ لمشيئتِنا، لكننا لا نعلمُ بمشيئةِ اللهِ إلا بَعْدَ وقوعِ الشيءِ، فنعرفُ أن اللهَ قد شاءه.
فنحن الآن نشاءُ، أنا الآن أشاءُ أن أَتَكَلَّمَ معكم، وأشاءُ أن أُحَرِّكَ يدي، فهل شاء اللهُ أن أَتَكَلَّمَ وأن أُحَرِّكَ يدي؟ نعم. عَرَفْنا ذلك بوقوعِه، لأني أعلمُ علمَ اليقينِ أنه لا يُمْكِنُ أن يكونَ في مُلكِ اللهِ ما لا يشاؤه، وأنا في مُلْكِ اللهِ، والسَّمواتُ والأرضُ كُلُّهَا في مُلكِ اللهِ، فإذنْ لا يُمْكِنُ أن يكونَ في مُلكِهِ ما لا يشاءُ، لكن أنا لا أعلمُ بمشيئةِ اللهِ إلا بَعْدَ وقوعِ الشيءِ؛ ولهذا قال بعضُ العلماءِ: إنَّ القَدَرَ سِرٌّ مَكْتُومٌ لا يَعْلَمُ به العبادُ؛ لأنَّ العِبادَ لا يَعْلَمون به إلا بعد وقوعِهِ.
стр. 66
فالخلاصة: أن الناسَ انقسموا بالنسبةِ لأفعالِ العبدِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
قِسْمٍ يقولون: إن العبدَ لا اختيارَ له ولا إرادةَ ولا مشيئةَ، وأنه يفعلُ الفعلَ الإختياريَّ كالفعلِ الإجباريِّ، وهؤلاء هم الجبرَّيةُ وهم الجهميَّةُ، الجهميَّةُ جبريَّةٌ بالنسبةِ لأفعالِ العبدِ، فحركةُ الإنسانِ الإختياريَّةُ، كقيامِهِ وقعودِهِ وأكلِهِ وشربِهِ ونومِهِ واستيقاظِهِ مُجْبَرٌ عليه، فهو في هذه الحركاتِ كالمريضِ الذي يرتعشُ من الحرارةِ بغيرِ اختيارِهِ، وهؤلاء ضالُّون؛ لأَنَّه على قاعدتهم يكونُ اللهُ إذا عُذِّبَ الإنسانُ المخالفُ يكونُ ظالمًا له؛ لأنَّه ليس اختيارَهُ، هم يَرَوْنَ أن الظُّلْمَ في حقِّ اللهِ مُحَالٌ مستحيلٌ؛ لأنَّ الظُّلْمَ تصرُّفُ الفاعلِ في غيرِ مِلْكِهِ، واللهُ له مُلْكُ السَّمواتِ والأرضِ؛ ولهذا كان الظُّلْمُ عندهم مستحيلًا هذه طائفةٌ.
طائفةٌ أخرى يقولون: الإنسانُ مستقلٌّ بعمَلِهِ يَفْعَلُ ما يشاءُ، ولا علاقةَ للهِ تعالى في عملِهِ، وهؤلاء هم القَدَرِيَّةُ الذين سمَّاهم النبيُّ ﷺ "مجوسَ هذه الأمَّةِ" (١)؛ لأنَّ هؤلاء يقولون: الحوادثُ الكونيَّةُ لها خالقان، حوادثُ العِبَادِ هم يَخْلُقُونها، وحوادثُ الكونِ يَخْلُقُها اللهُ ، فجعلوا للحوادثِ خالِقَيْنِ كما أن المجوسَ جعلوا للحوادثِ خالِقَيْنِ؛ ولهذا سَمَّاهم النبيُّ ﷺ "مجوسَ هذه الأمَّةِ".
وعلى رأيِهِم يَكُونُ في مُلْكِ اللهِ ما لا يشاؤُهُ اللهُ، لكن قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [التوبة: ١١٦]، فإذا كانتْ أفعالُ العبادِ بغيرِ مشيئةِ اللهِ وإرادتِهِ صار في مُلْكِه ما لا يشاءُ وهؤلاء ضالُّونَ غالِطُونَ؛ لأنَّه كيف يكونُ اللهُ هو الخالقَ للعبْدِ ونقولُ: العبدُ مستقلٌّ عن اللهِ ولا للهِ فيه دخلٌ ولا شيءٌ.
стр. 67
أمَّا أهْلُ السُّنَّةِ والجماعةِ فيقولون: إنَّ الإنسانَ يفعلُ باختيارِهِ وإرادتِهِ والقرآنُ دلَّ على ذلك: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥]، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
يقولون: الإنسانُ له إرادةٌ واختيارٌ، ويُفَرِّقُ بَيْنَ الفعلِ الإختياريِّ والفعلِ الإجباريِّ ولا شكَّ، الإنسانُ يقومُ وَيقْعُدُ، ويأكلُ ويشربُ، وينامُ ويستيقظُ، كلُّ ذلك لا يَشْعُرُ أنَّ أحدًا يُجْبِرُهُ عليه، ولكنْ مع ذلك هذا الفعلُ وهذه الإرادةُ مخلوقةٌ للهِ لأنَّ الإنسانَ نفْسَه مخلوقٌ للهِ، فإراداتُهُ التي تكونُ في نفْسِهِ، وأفعالُهُ التي تَكُونُ في جوارحِهِ تكونُ مخلوقةً؛ لأنَّ أوصافَ المخلوقِ وأفعالَ المخلوقِ هي مخلوقةٌ، كما أن أوصافَ الخالقِ غيرُ مخلوقةٍ؛ ولهذا نقولُ: القرآنُ غيرُ مخلوقٍ؛ لأنَّه كلامُ اللهِ.
إذن أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ - والحمدُ للهِ - هداهم اللهُ للحقِّ، فكانوا وسطًا بين متطرفين.
إذن الآيةُ الكريمةُ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى: ٨]، تَرُدُّ على القدريةِ الذين يقولون: إن الإنسانَ مستقلٌّ بعمَلِهِ، على رأيِهِم لا يستطيعُ اللهُ أن يَهْدِيَ الناسَ جميعًا، أو يُضِلَّهُمْ جميعًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن من حكمةِ اللهِ أن يَنْقَسِمَ الناسُ إلى مؤمنٍ وكافرٍ، من قولِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨]، لأنه لا يُمْكِنُ أن يَظْهَرَ أثرُ الرحمةِ إلا إذا انقسمَ الناسُ إلى مرحومٍ وغير مرحوم، فكان من حكمةِ اللهِ أن اختلفَ الناسُ، ونحن نَعْلَمُ لولا اختلافُ الناسِ لم يَتَمَيَّزْ مؤمنٌ من كافرٍ، لولا
стр. 68
اختلافُ الناسِ ما قام الجهادُ ولا قام الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ، ولم يكن فائدةٌ في خَلْقِ الجنةِ والنارِ، إلى غيرِ ذلك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ الرحمةِ للهِ ؛ لقولِهِ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ واعلمْ أن الرحمةَ نوعان: مخلوقةٌ، وغيرُ مخلوقةٍ. أما غيرُ المخلوقةِ: فهي رحمةُ اللهِ التي هي وصفُهُ؛ لأنَّ جميعَ صفاتِ اللهِ غيرُ مخلوقةٍ. وأما المخلوقةُ: فهي الرحمةُ التي هي من آثارِ رحمةِ اللهِ التي هي وصْفُهُ. فالمخلوقةُ الشيءُ البائنُ عن اللهِ الذي كان من آثارِ رحمتِهِ التي هي وصفُهُ؛ قال اللهُ : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، هذه مخلوقةٌ، و (في) للظرفيَّةِ، ولا يُمْكِنُ أن تكون رحمةُ اللهِ التي هي وصفُهُ ظرفًا لهؤلاء الذين آمنوا؛ إذن ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: المخلوقةُ، والرحمةُ المخلوقةُ هي الجنَّةُ؛ لقولِهِ تعالى للجنَّةِ: "أنتِ رحمتي أَرْحَمُ بكِ من أشاءُ" (١)، وقولُهُ: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، المرادُ بالرحمةِ هنا الصفةُ. إذن؛ من صفاتِ اللهِ تعالى الرحمةُ.
والعَجَبُ من قومٍ يَدَّعُونَ أنهم مُنَزِّهُونَ للهِ يقولون: إن اللهَ لا يُوصَفُ بالرحمةِ - نسألُ اللهَ ألَّا يُزيغَ قلوبَنَا - يقولون: إن اللهَ ما يُوصَفُ بالرحمةِ؛ لأنَّ الرحمةَ انفعالٌ وانكسارٌ كما ترَحَّمَ الصبيُّ تَرَحُّمَ اليتيمِ، واللهُ مُنَزَّهٌ عن ذلك، ماذا نفعلُ في الآياتِ التي لا تُحْصَى المُثْبِتَةِ لرحمةِ اللهِ؟ قالوا: فَسَّرَ الرحمةَ بالإنعامِ، فيفسرونها بالرحمةِ المخلوقةِ، أو فَسَّرَ الرحمةَ بإرادةِ الإنعامِ فيفسرونها بالإرادةِ، وهؤلاء الأشاعرةُ؛ لأنَّهم يُقِرُّونَ بالإرادةِ على أنها صفةٌ للهِ، وسبحانَ اللهِ حُجَّتُهُم في هذا يقولُ: الإرادةُ
стр. 69
دلَّ عليها العقلُ، والرحمةُ لَمْ يَدُلَّ عليها العقلُ، بل دلَّ العقلُ على خلافِها. فنقولُ لهم: ما هو العقلُ الذي دلَّ على الإرادةِ؟ قالوا: العقلُ الذي دلَّ على الإرادةِ التخصيصُ، تخصيصُ المخلوقاتِ، الجَمَلُ له صورةٌ معيَّنَةٌ، الشاةُ لها صورةٌ معيَّنَةٌ، بنو آدمَ لهم صورةٌ معيَّنةٌ، فَكَوْنُهُ يجعلُ البعيرَ على هذه الصفةِ، والشاةَ على هذه الصفةِ وبني آدمَ على هذه الصفةِ تَدُلُّ على الإرادةِ.
وهناك أدلةٌ عقليَّةٌ على الرحمةِ أكثرُ دلالةً من دلالةِ التخصيصِ على الإرادةِ، كلُّ ما في الكونِ من النِّعَمِ يَدُلُّ على الرحمةِ، ولهذا العامِّيِّ إذا أمطرتِ السماءُ قال: مُطِرْنَا بفضلِ اللهِ ورحْمَتِه. فدلالةُ هذه الأشياءِ على الرحمةِ أقوى من دلالةِ التخصيصِ على الإرادةِ.
فنحن نُؤْمِنُ بأن للهِ رَحْمَةً، فإذا قال: إن الرحمةَ انكسارٌ وانفعالٌ، قلنا: هذا بالنسبةِ لرحمةِ المخلوقِ أما رحمةُ الخالقِ فهي تليقُ به لا انكسارَ فيها، ولا نَقْصَ فيها، ولا عَيْبَ فيها.
أرأيتُمُ الغضبَ، الغضبُ انفعالٌ يَحْدُثُ للإنسانِ حتى يَفْقِدَ أعصابَهُ ويتصرَّفَ تَصَرُّفَ المجانين، حتى ربما كَسَرَ مَالَهُ، وَضَرَبَ أولادَهُ، وطَلَّقَ زوجَتَه، وربما يؤدِّي إِلى أن يرميَ بنفسِهِ في الماءِ؛ لأنَّه جمرةٌ يلقيها الشيطانُ في قلبِ الإنسانِ حتى يَفُورَ دَمُه.
هل نقولُ: إن غضبَ اللهِ كغضبِ الإنسانِ؟ أبدًا حاشا إن غضبَ اللهِ صفةٌ تليقُ به، تدُلُّ على كمالِ سلطانِهِ وقدرتهِ على الإنتقامِ، لكنها لا يُمْكِنُ أن يَنْتُجَ عنها سوءُ تَصَرُّفٍ أبدًا، بخلافِ غضبِ المخلوقِ.
المهمُّ أن نقولَ: هناك قومٌ أنكروا رحمةَ اللهِ، وفسروا الرحمةَ بواحدٍ من أمْرَيْنِ:
стр. 70
إمَّا الإنعامُ، أو إرادةُ الإنعام. وهذا لا شكَّ من ضَلَالهِم وبِدْعِهم وإرجاعِهِم أمورَ الغيبِ إلى ما تقتضيه عقولُهُم القاصرةُ، والحقيقةُ أن هذه العقولَ ليست عقولًا، بل هي أوهامٌ، وإلا فنحن نَعْلَمُ عِلْمَ اليقينِ أن ما جاءت به الشريعةُ لا يمكن أن يخالفَ صريحَ المعقولِ أبدًا، صحيحٌ المنقولُ لا يخالفُ صريحَ المعقولِ أبدًا، ولشيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كتابٌ مجلَّداتٌ في بيانِ موافقةِ صريحِ المعقولِ لصحيحِ المنقولِ ويسمى: (دَرْءُ تَعَارُضِ العقلِ والنقلِ).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن اللهَ تعالى يَمُنُّ على من يشاءُ من عبادِهِ فيُدخلُهُم في رحمتِهِ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنه ليس في الجنةِ ما يُكَدِّرُ، وجهُ ذلك قولُهُ: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ والرحمةُ تستلزمُ حصولَ المطلوبِ والنجاةَ من المرهوبِ؛ ولهذا ينادى أهلُ الجنةِ: أن لهم أن يَصِحُّوا فلا يَسْقَموا، وأن يَشِبُّوا فلا يَهْرَموا، وأن يَحْيَوْا فلا يَمُوتوا، وأيضًا أن نقولَ: وأن يُسَرُّوا فلا يَحْزُنُوا.
جميعُ النعيمِ كاملةً لأهلِ الجنةِ، وليس فيها تنغيصٌ ولا خوفٌ من مرضٍ، ولا خوفٌ من موتٍ، بل إنهم لا ينامون، حتى النومُ لا ينامون من القلقِ والألمِ؟ لا واللهِ، لا ينامون من الفرحِ والسرورِ، حتى تكونَ أوقاتُهُم كلها مستغرقةً في الفرحِ والسرورِ، وعدمُ نومِهِم دليلٌ على كمالِ حياتِهِم؛ لأنَّ النومَ إنما نحتاجُ إليه لنقضِ التعبِ السابقِ واستجدادٍ لقوةٍ لاحقةٍ؛ ولهذا كلما تَعِبَ الإنسانُ احتاج إلى النومِ وإذا نام قام نشيطًا.
إذن نحن محتاجون إلى النوم في الحياة الدنيا؛ لنقصِ حياتِنا، لكن في الآخرةِ لا نقصَ، دائمًا هُمْ في سرورٍ - اللهمَّ اجعلْنا منهم -، دائمًا هم في سرورٍ؛ ولذلك قال:
стр. 71
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ الرحمةُ لا شيءَ فيها يُحْزِنُ ولا يُكَدِّرُ، وإنما كُلُّها خيرٌ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الكفارَ ظَلَمَةٌ، بل هم أَظْلَمُ الظَّلَمةِ، فأعظمُ الذنبِ الكفرُ: أنْ تَجْعَلَ للهِ ندًّا وهو خَلَقَك، فأظلمُ الظالِمين هم الكفارُ، وإذا كنا نؤمنُ بهذا - ويجبُ علينا أن نؤمنَ بهذا - فهل نرجو من الكفارِ خيرًا وهم أظلمُ الظَّلَمةِ؟ لا واللهِ لا نرجو خيرًا للإسلامِ أبدًا؛ لأنَّهم أظلمُ الظَّلَمةِ.
ولهذا يجبُ أن تَغْرِسَ في قلبِك بُغضَ الكافرين والكُفْرِ، يجبُ أن تجعلَه غريزةً مستقرَّةً كامنةً تُبْغِضُ كلَّ كافرٍ وكلَّ كُفرٍ، وإذا كان في الإنسانِ خصالُ كُفْرٍ وخصالُ إيمانٍ، القسطُ والعدلُ أن أُحِبَّهُ على ما معه من الإيمانِ وأُبْغِضَهُ على ما معه من الكُفْرِ، والإنسانُ قد يكونُ فيه خصلةُ إيمانٍ وخصلةُ كُفْرٍ، قال النبيُّ ﵊: "اثنتان في الناسِ هما بهم كُفْرٌ: الطعنُ في النَّسَبِ، والنِّياحةُ على الميِّتِ" (١)، وهذان لا يُخْرِجَانِ الإنسانَ من الإيمانِ.
إذن؛ الكفَّارُ أَظْلَمُ الظالمين، ومن كان أَظْلَمَ الظالمِين فإنه لا يُمْكِنُ أن يُرْجى منه خيرٌ ولا عدلٌ، واعلم أنه إن عَدَلَ فلاستغلالِ الفرصةِ ليأْخُذ بدلَ العدلِ مرةً الظلمَ مَرَّاتٍ.
الآن اليهودُ نَعْلمُ أنهم أشدُّ الناسِ حرصًا على المالِ، ومع ذلك نَجِدُهُم يَبْذُلُون، لكنهم يَبْذُلُون قرشًا ليأخذوا دينارًا، فلا تُفَكِّرْ أبدًا أنهم يَبْذُلُون شيئًا إلا لينالوا أكثرَ منه، وهذا شيءٌ معلومٌ ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الظالمين لا يَجِدُون ناصرًا ولا يَجِدُون وليًّا، لا ناصرَ يَدْفَعُ
стр. 72
العذابَ أو يَرْفَعُه، ولا وَلِيَّ يواسيهم فيُهَوِّنَ عليهم المصائبَ، ليس لهم هذا؛ وهذا يدُلُّ على أنهم في حسرةٍ شديدةٍ؛ لأنَّهم لا يَرْجُون نفعًا، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: سوءُ عاقبةِ الظُّلْمِ لقولِهِ: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨]، حتى أولياؤهم في الدنيا لا ينفعونهم في الآخرةِ، ليس لهم وَلِيٌّ يتولاهم، ولا نصيرَ يَدْفَعُ عنهم الأذى.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن القائمَ بالعدلِ له ناصرٌ وولِيٌّ، يُؤْخَذُ ذلك من مفهومِ المخالفةِ، إذا كان الظالمُ لا وَلِيَّ له ولا نصيرَ، فمن قام بالعدلِ فله وليٌّ ونصيرٌ.
مسألةٌ: في غيْرِ هذه البلادِ مثلًا يوجَدُ علماءُ مُتضلِّعون في بعضِ العلومِ، ممن يَكُونُ مثلًا أَشْعَرِيًّا أو معتزليًّا، ففي أثناءِ الدرسِ مثلًا قد يُقَرِّرُ مذهَبَه المذهبَ الأشعريَّ أو المعتزليَّ، هل لطالبِ العلمِ إذا كان يَعْلَمُ الحقَّ في هذه المسألة أن يناقشَ شيخَه فيها؛ خاصةً أنه يكونُ كبيرًا في السِّنِّ؟
فالجوابُ: مما لا شكَّ أنَّ الذين يدعون إلى البدعةِ هؤلاء تَجَنَّبْهُمْ والرزقُ على اللهِ، حتى لو كانوا علماءَ في النحوِ والبلاغةِ لا خيرَ فيهم - هؤلاء الذين يَدْعُونَ -، أما الذين لا يَدْعُونَ إلى بِدْعَتِهِم ويتسترون فلا بأسَ أن تجلسَ إليهم فيما ينفعُ، لكن إذا رأيْتَهم خرجوا عن الجادَّةِ، فيجبُ عليك أن تُنَبِّهَهم، لكنْ لا تُنَبِّهْهُم أمامَ الطلابِ؛ لأنَّ الإنسانَ قد تَأْخُذُه العزَّةُ بالإثمِ خصوصًا إذا رأى نفْسَهُ أنه مُبرزٌ في عِلْمٍ من العلومِ يجيءُ طالبُ علمٍ وَيَرُدُّ عليه أمامَ الناسِ، فهذا ثِقْ بأنه سينتفخُ ويكونُ أطولَ من الجبلِ ولا يرجعُ، لكن من الممكنِ أن تَكْتُبَ له كتابًا تُبَيِّنُ له الحقَّ إذا لم تستطعْ أن تناقَشُه مباشرَةً.
стр. 73
إذن؛ إن كان داعيةً لا تَقْرَبْهُ أبدًا وحَذِّرْ منه؛ لأنَّ هذا يُخْشَى منه، ثم إذا رأى الناسُ أنك أنتَ وفلانٌ وفلانٌ تجتمعُ إليه تَوَهَّمَ أنه على حقٍّ.
نسألُ اللهَ تعالى أن يَتَوَلَّانا وإيَّاكم برحمَتِهِ، وأن يُوَفِّقَنا وإيَّاكم لما يُحِبُّ ويرضى.
* * *
стр. 74
الآية (٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩].
* * *
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (أَمْ) هذه منقطعةٌ و (أم) المنقطعةُ تكونُ بمعنى (بل) وهمزةِ الإستفهامِ، هناك (أمْ) متصلةٌ، وهي التي تقعُ بيْنَ شيئيْن متقابِليْن، وتكونُ بمعنى (أو)، مثالُ ذلك: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، هذه (أَمْ) يُسَمُّونها متصلةً؛ لأنَّها بيْن شيئيْن متقابليْن؛ ولأنَّها بمعنى (أو) سواءٌ عليهم أَسْتَغْفَرْتَ لهم أم لم تستغفرْ لهم، في غير القرآنِ لو وُضِعَ بَدَلَ (أم) (أو) لاستقامَ الكلامُ.
فإذن نقولُ: إن (أمْ) تكونُ منقطعةً وتكون متصلةً، والفَرْقُ بينهما:
أولًا: أن (أَمِ) المتصلةَ بمعنى (أوْ)، و (أم) المنقطعةُ بمعنى (بل) وهمزةِ الإستفهامِ.
ثانيًا: (أَمِ) المتصلةُ تَكُونُ بيْنَ شيئيْن متقابِلَيْن، و (أَمِ) المنقطعةُ بخلافِ ذلك.
هنا يقولُ : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ليس فيه شيئان متقابلان، إذن؛ فهي منقطعةٌ بمعنى: بل والهمزةِ، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ الضميرُ يَعُودُ على المُشْركين ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ الضميرُ يَعُودُ على الرَّبِّ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يقولُ الشارحُ ﵀: [أيِ:
стр. 75
الأصنامَ] إشارةٌ منه إلى أن المفعولَ الأولَ لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ محذوفٌ والتقديرُ: أَمِ اتخذوا من دونه الأصنامَ أولياءَ؛ لأنَّ ﴿اتَّخَذُوا﴾ تَنْصِبُ مَفْعُولَيْن، فقولُهُ تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
ففي هذه الآيةُ ليس أمام أعيننا إلا مفعولٌ واحدٌ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ نقولُ: المفعولُ الأولُ محذوفٌ، والتقديرُ: أَمِ اتخذوا الأصنامَ أولياءَ.
وقوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أنصارًا يستغيثون بهم ويستنصرون بهم ويوالونهم ويتقربون إليهم كأنهم رَبٌّ.
قال المفسِّر ﵀: [﴿أَمِ﴾ منقطعةٌ بمعنى (بل) التي للإنتقالِ والهمزةُ للإنكارِ؛ أي: ليس المتخذونَ أولياء] يعني: هؤلاء اتخذوا أولياءَ الأصنامَ، والأصنامُ بعضُها شجَرٌ، وبعضها حَجَرٌ، وبعضها مخلوقاتٌ كونيَّةٌ، كالشمسِ والقمرِ، وبعضُها مخلوقاتٌ بشريَّةٌ، كلُّ هذه لا تنفعُ صاحبَها؛ ولذلك تجدُ المشركين إذا وقعوا في الضرورةِ من يَدْعُونَ اللهَ ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، فهي لا تنفعُ، وهم أيضًا مقرونٌ بهذا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
وقوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [أي: الناصرُ للمؤمنين، والفاءُ لمجردِ العطفِ] (الفاءُ) في قولِهِ: ﴿فَاللَّهُ﴾ يعني: أنها ليست جوابًا لشرطٍ، ولكنها لمجردِ العطفِ، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ انتبهْ في إعرابِ الجملةِ هذه (الله) مبتدأٌ، و ﴿وهُوَ﴾ ضميرُ فَصْلٍ، و ﴿الْوَلِيُّ﴾ خبرُ المبتدأِ.
واعلمْ أنَّ ضميرَ الفصلِ حرفٌ وليس اسمًا، هذه واحدةٌ، وله ثلاثُ فوائدَ: