← Тафсир

Тафсир · id 151164

تفسير العثيمين: الزخرف

ابن عثيمين

Полный текст (169 стр.). Показаны 141–169 · переход к 146.

стр. 141

لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغْصَّةً ... لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ المَوْتِ وَالهَرَمِ (١) صَحِيحٌ أن الإنسَانَ إِذَا تَذكَّر أينَ مَآلُهُ، إمَّا مَوْت مُبكِّر، وإمَّا هَرَم مخُرِف، الْآنَ يُوجَدُ الَّذِين بلَغُوا عُمْرًا طَويلًا، ووَصَلُوا إِلَى حَدِّ الهَرْمَةِ، هُمْ بأنفُسِهم مُتضَايِقُون وأهلُوهُم مُتضَايِقُون، تَجِدُ الإنسَانَ يَتَضَايَقُ مِنْ أبِيهِ وأُمِّهِ، وإِنْ كَانَ المُؤمِنُ يَصْبِرُ لكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَايَقَ، أَوْ مَوْت عَاجِلٌ ويَنتَهِي المَوضُوعُ. هَذَا حَالُ الدُّنيَا فِي الوَاقِعِ، ولذَلِكَ الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، بَادِرِ العُمرَ قَبْلَ فَواتِهِ، اعْمَلْ صَالِحًا، وطَلَبُ العِلْمِ مِنْ أفْضَلِ الأعمَالِ، لكِنْ بشَرْطِ أَنْ يَكُونَ العَالِمُ عَامِلًا، أمَّا عِلْمٌ بلَا عَمَلٍ فالجَهْلُ -واللهِ- خَيرٌ مِنْهُ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن هذ المُتعَةَ الدُّنيويَّةَ مَا هِيَ إلَّا مَتَاعُ الحيَاةِ الدُّنيا فهِيَ زائِلَةٌ. ويَتفَرَّع عَلَى هذِهِ الفائِدَةِ: أَنْ لَا يَتعَلَّق الإنسَانُ بهَا، وأَنْ لَا يَهتَمَّ بِهَا، وأَنْ يَعْلَمَ أنَّهُ عَائِشٌ بدُونِهَا ولَيسَ لَكَ مِنَ الدُّنيا إلَّا مَا أَكَلْتَ فأَفْنَيتَ، أَوْ لَبِسْتَ فأَبْلَيتَ، أَوْ تَصَدَّقت فأَمْضَيتَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّزهِيدُ فِي هذ الأُمُورِ، وأَنْ لَا تَهتَمَّ بِهَا، لَا تُعلِّقْ قَلْبَكَ بمَظَاهِرِ الدُّنيَا، فإِنَّك إِنْ فعَلْتَ هَلَكْتَ؛ ولهذَا كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا رَأَى مِنَ الدُّنيا مَا يُعجِبُه قَال: "لَبَيكَ إِنَّ الْعَيشَ عَيشُ الْآخِرَة" (٢)، لبَّيكَ يَعْنِي: إجَابَةً لَكَ؛

стр. 142

ليَصرِفَ قلْبَه عمَّا يُعجِبُه ممَّا رَآهُ فِي الدُّنيا، ثُمَّ وَطَّن النَّفْسَ وَقَال: "إِنَّ الْعَيشَ عَيشُ الْآخِرَة" واللهِ هَذَا هَوَ الحَقُّ. أمَّا عَيشُ الدُّنيا فإِنَّه مهْمَا طَابَ لَكَ مَحْفُوفٌ بنكدٍ قَبْلَهُ ونَكَدٍ بعْدَه؛ لأنَّكَ لَنْ تُحصِّلَه غَالِبًا إلَّا بتَعَبٍ، ثُمَّ إِذَا حصَّلتَه هَلْ سيَبْقَى لَكَ هَذَا أَوْ لَا يَبْقَى؟ هَلْ ستَبْقَى لَهُ أَوْ لَا تَبْقَى؟ ولَا بُدَّ مِنْ أحَدِ الأمرْينِ: إمَّا تَمُوتُ وتَتَرُكُه، وإمَّا أَنْ يَهلِكَ وأنْتَ حيٌّ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: البُشرَى للمُتَّقِينَ، وأنَّ لهُمُ الآخِرَةَ، فالآخِرَةُ خَيرٌ للمُتَّقينَ، ففِيهِ البِشَارَةُ وأنَّ الإنسَانَ المُتَّقِيَ إِذَا انتَقَلَ مِنَ الدُّنيا فلَا يَنْدَمُ؛ لأَنَّه انتَقَلَ إِلَى دَارٍ أحسَنَ وأفضَلَ ممَّا فَارَقَهُم. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الحَثُّ عَلَى التَّقوَى، وذَلِكَ لأنَّ ذِكْرَ الجزَاءِ والثَّوابِ يَستَثِيرُ النَّفسَ حتَّى يَصِلَ الإنسَانُ إِلَى الوَصْفِ الَّذِي يَحصُلُ بِهِ عَلَى الثَّوابِ.

стр. 143

الآيات (٣٦ - ٣٨) قَال اللهُ : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَال يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٨]. قَال اللهُ ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ لمَّا ذكَرَ أحوَال الدُّنيَا، وأنَّهُ لَولَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى الكُفْرِ لمتَّعَ الكُفَّار بِمَا سمِعْتُم، وهذِهِ الدُّنيا لَا بُدَّ أَنْ تَحمِلَ الإنسَانَ عَلَى الإعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ؛ قَال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا﴾. قَوُلهُ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ فسَّرها ﵀ بـ[يُعرِضُ]، ولكِنَّ التَّفسِيرَ المُطَابِقَ أَنَّ مَعْنَى: ﴿يَعْشُ﴾ أَي: يَتَعَامَى حتَّى يَرَى رُؤَيةَ الأعْشَى الَّذِي يُبصِرُ فِي النَّهارِ ولَا يُبْصِرُ فِي اللَّيلِ، فمَعْنَى: ﴿يَعْشُ﴾ أَي: يَتَعَامَى كَمَا فَسَّرَهَا بذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيرُهُ مِنَ المُفسِّرينَ، ولكِنَّ المُفسِّرَ فسَّرَها بـ[يُعرِضُ]؛ لأنَّهُ مِنْ لازِمِ التَّعامِي الإعرَاضُ. قَال ﵀: [﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أَيِ: القُرآنِ] فجعَلَ المُفسِّرُ ذِكْرَ الرَّحمنِ يَعْنِي: القُرآنَ، وأَضَافَهُ إِلَى الرَّحمَنِ؛ لأَنَّ إنزَالهُ رحمَةٌ للخَلْقِ، هكَذَا مَشَى المُفسِّرُ ﵀. والصَّوابُ: خِلَافُ ذَلِكَ، والمُرادُ بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَذَكُّر الرَّحمنِ، يَعْنِي: مَنْ

стр. 144

تَعَامَى عَنْ ذِكْرِ الرَّحمَنِ فِي قَلبِهِ واستِحْضَارِهِ لعظَمَةِ رَبِّه وجلَالِهِ، فإِنَّه يُقيِّضُ لَهُ الشَّيطانَ، فيَكُونُ هَذَا جَزاءً عَلَى إعرَاضِهِ وتَعَامِيهِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، وهَذَا كقَوْلِهِ تعَالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]. فالصَّوابُ أن المُرادَ بذِكْرِ الرَّحمَنِ لَيسَ القُرآنَ، بَلِ المُرادُ بذِكْرِ الرَّحمَنِ ذِكْرُ اللهِ نفسِهِ. يَعْنِي: يَغْفُلُ قَلبُهُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، ولَا يَذكُرُ اللهَ بقَلْبِهِ، فهَذَا هُوَ الَّذِي يُقيَّض لَهُ الشَّيطانُ فيَتَّبعُ هَوَاهُ، كَمَا قَال : ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. فإنْ قَال قَائِلٌ: قَولُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ هَلْ هَذَا يَكُونُ بالتَّقصِير فِي أُمُورِ الطَّاعاتِ أَو انتِهَاكِ المُحرَّماتِ؟ فالجَوابُ: لَا، الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى مَسأَلةٍ قَلبيَّةٍ ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ يَتَعَامَى. فإِذَا صَلَحَ القَلْبُ صَلَحَتِ الجَوارِحُ. وقَولُهُ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا﴾ قَال ﵀: [نُسبِّبُ لَهُ] وهَذَا قَرِيبٌ مِنَ المعْنَى المُطابِقِ، وإلَّا فإِنَّ مَعْنَى ﴿نُقَيِّضْ﴾ أَي: نُهيِّئ لَهُ شَيطَانًا يَحُلُّ محَلَّ ذِكْرِ اللهِ فيَستَوْلِي الشَّيطانُ عَلَى قَلْبِهِ، والشَّيطانُ يَأمُرُ بالفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ، كَمَا قَال : ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا﴾: ﴿فَهُوَ﴾ أيِ: الشَّيطانَ ﴿لَهُ﴾ أيِ: للعَاشِي عَنْ ذِكْرِ اللهِ ﴿قَرِينٌ﴾ قَال ﵀: [لَا يُفارِقُه]، نَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ. ووجْهُ ذَلِكَ: أن الإنسَانَ فعَّالٌ مُريدٌ مُتحرِّكٌ قلبًا وقالبًا، فلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَشتَغِلَ

стр. 145

بشَيءٍ، فإِمَّا أَنْ يَكُونَ بذِكْرِ اللهِ، وإمَّا أَنْ يَكُونَ بوَسَاوسِ الشَّيطانِ، ولَا بُدَّ، لَا تَجِدُ أحَدًا قلبُهُ ساكِنٌ لَا يَتَحرَّكُ ولَا يُرِيدُ، هَذَا مُستحِيلٌ. ولهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ فِي الأسْمَاءِ: "أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ" (١) هَمَّامٌ الإرادَةُ القلبِيَّةُ، والحَارِثُ العَمَلُ، كُلُّ إنسَانٍ هكَذَا لَا بُدَّ. فيُهيِّئُ اللهُ لَهُ هَذَا الشَّيطانَ الَّذِي يُقارِنُهُ ولَا يُفارِقُهُ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: بالنِّسبَةِ لقُرنَاءِ السُّوءِ، إذَا كَانَ هُنَاكَ إنسَانٌ مُنحَرِفٌ يَظُنُّ الإنسَانُ أنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَهُ رُبَّما يَدْعُوهُ، هَلْ يُصاحِبُه أَوْ يُصادِقُه؟ فالجَوابُ: ليسَ هَذَا صحيحًا، بَلْ يَجْلِسُ معَهُ للدَّعوةِ للحَقِّ ويُفارِقُه؛ لأنَّهُ لَا بُدَّ إذَا لازَمَهُ أَنْ يَتَأثَّر، ولَا نَدْرِي هَلْ يُؤثِّرُ المُستقِيمُ عَلَى المُنحَرِفِ، أَو المنْحَرِفُ عَلَى المُستقِيمِ. والمُشَاهَدُ الْآنَ فِي الغَالِبِ أن المُنحرِفَ هُوَ الَّذِي يُؤثِّرُ عَلَى المُستَقِيمِ، هَذَا لَا نَعْلَمُه، فأنْتَ لَا تُقارِنُه، تَأتِي تَزورُهُ أَوْ تَدْعُوه إِلَى بيتِكَ فَقَطْ. أمَّا أَنْ تُلازِمَهُ وتَجعَلَهُ صَاحِبًا لَكَ فأنْتَ عَلَى خَطَرٍ عظِيمٍ، والإنسَانُ تُسوِّل نفسُهُ أنَّهُ إِذَا صَاحبَهُ كَانَ سَبَبًا فِي إقَامَتِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ بالعَكْسِ مِثْلَ المرْأةِ يَخْطِبُها إنسَانٌ مُنحَرِفٌ، وتَرْغَبُ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ، وتَقُولُ فِي نفْسِهَا، أَوْ يَقُولُ وَليُّها: يَهْدِيهِ اللهُ. لعَلَّ اللهَ يَهدِيهِ إذَا تَزوَّجَ، ويَكُونُ الأمْرُ بالعَكْسِ، هذ المَرأةُ المُستقِيمَةُ تَكُونُ مُنحَرِفَةً بوَاسِطَةِ هَذَا الزَّوجِ. والوَاجِبُ عَلَى الإنسَانِ إِذَا كَانَ لَهُ أخٌ مُستقِيمٌ ثُمَّ انحَرَفَ -مِنْ ناحِيَةِ نُصحِهِ أو تَركِهِ بالكُليَّةِ- لأنَّ الانحِرَافَ ينَصبُّ عَلَى المعَاصِي وعَلَى الدُّنيَا؛ الواجِبُ أَنْ

стр. 146

يَدْعُوَه، فالنَّبيُّ ﷺ ألَمْ يَدْعُ عَشِيرتَهُ الأقرَبِينَ، فلمَاذَا لَا يَدْعُوهُ؟ ! وقَال ﵀: [﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أَيِ: الشَّياطِينَ ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أيِ: العَاشِينَ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أَي: طَريقِ الهُدَى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾]. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أيِ: العَاشُونَ الَّذِين صَدَّتْهُمُ الشَّياطِينُ ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ قَال ﵀: [فِي الجمْعِ رِعَايَةُ مَعْنَى (مَنْ)]. الشَّيطانُ -نَعُوذُ باللهِ مِنْهُ- إِذَا استَوْلَى عَلَى قَلْبِ الإنسَانِ زيَّن لَهُ سُوءَ عمَلِهِ، وظَنَّ أنَّهُ عَلَى حَقٍّ، ولكِنَّهُ عَلَى بَاطِلٍ، وهؤُلاءِ هُمْ أَخْسَرُ النَّاسِ أعْمالًا، كَمَا قَال تعَالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]، الجَوابُ بيَّنَهُ اللهُ، قَال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]؛ لأَنَّ الشَّيطانَ زِيَّن لهُمْ هَذَا، وقَال: أنْتُمْ عَلَى حَقٍّ، أنْتُمُ الأعْلَونَ. وسَوَّل لهُمْ، وأَمْلَى لهُمْ، حتَّى تَبِعوه. ولهَذَا قَال ﵀: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أيِ: الشَّياطينَ ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أيِ: العَاشِينَ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أَي: سَبِيلِ الحَقِّ وطَرِيقِ الهُدَى]. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ الوَاوُ تَعُودُ عَلَى العَاشِينَ ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أَيِ: العَاشِينَ ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أَي: عَلَى هُدًى، وهَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ الخُسْرَانِ -والعِيَاذُ باللهِ- أَنْ يَتَمَادَى الإنسَانُ بالبَاطِلِ، وهُوَ يَظُنُّ أنَّهُ عَلَى حَقٍّ. قَال المُفسِّر ﵀: [فِي الجَمْعِ رعَايةُ معْنَى (مَنْ)] الجَمْعُ هُوَ قَولُهُ: ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ ففِيهَا رِعَايَةُ مَعْنَى (مَنْ) فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ كَلِمَةُ (مَنْ) وَ (مَا)، ومَا أَشبَهَهُما مِنَ الأَلفَاظِ العَامَّةِ، يَجوزُ مُراعَاةُ مَعْنَاهَا ومُراعَاةُ لفْظِهَا،

стр. 147

فاللَّفْظُ مُفرَدٌ ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾؛ ولذَلِكَ عَادَ الضَّمِيرُ إلَيهِ بالمُفرَدِ ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ أيضًا مُراعَاةُ اللَّفظِ ﴿فَهُوَ لَهُ﴾ مُرَاعَاةُ اللَّفظِ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ مُرَاعَاةُ المَعْنَى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كذَلِكَ مُراعَاةُ المَعْنَى. إذَنْ: إِذَا أَتَتْكَ (مَنْ) مَوصُولَةً كَانَتْ أَوْ شَرطيَّةً فلَكَ أَنْ تُراعِيَ فِي ضَمِيرِهَا اللَّفظَ فتَجعَلَه مُفرَدًا، والمَعْنَى فتَجْعَلَهُ حَسبَ مَا أُرِيدَ بِهَا، وانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ تعَالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق: ١١]، كُلُّ هَذَا مُرَاعَاةُ اللَّفظِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مُرَاعَاةُ المَعْنَى ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقً﴾ مُراعَاةُ اللَّفظِ، فتَجِدُ هَذِهِ الآياتِ تَارَةً رُوعِيَ اللَّفظُ، وتَارَةً رُوعِي المَعْنَى. قَال المُفسِّر ﵀: [﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ العَاشِي بقَرِينِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ﴿قَال﴾ لَهُ: (يَا) للتَّنبِيهِ ﴿يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ﴾ أَي: مِثْلَ بُعْد مَا بَينَ المَشرِقِ والمَغْرِبِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أنْتَ لِي]. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يَعْنِي: الشَّيطانَ وقَرينَهُ، وذَلِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ تَبرَّأ كلُّ وَاحِدٍ مِنَ الآخَرِ ﴿قَال يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ﴾ (يَا) هَذِهِ للتَّنبِيه، ولَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ للنِّداءِ؛ لأَنَّ (يَا) الَّتِي للنِّداءِ لَا تَدْخُلُ إلَّا عَلَى اسْمٍ، لَا تَدْخُلُ عَلَى حَرْفٍ كَمَا هُنَا، ولَا عَلَى فِعْلٍ، فإِذَا وُجِدَتْ داخِلَةً عَلَى حَرْفٍ أَوْ فِعْلٍ فهِيَ للتَّنبِيهِ ﴿يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ﴾ ومثْلُ ذَلِكَ قَوُلهُ تعَالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦] فهِيَ للتَّنبِيهِ. وقِيلَ: إنَّ (يَا) داخِلَةٌ عَلَى مُنادًى مَحذُوفٍ، والتَّقدِيرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَا هَذَا لَيتَ بَينِي وبينَكَ بُعْدَ المَشرِقَينِ. يعْنِي: تُقدِّر المُنادَى اسْمًا: يَا هَذَا لَيتَ بَينِي وبينَكَ بُعْدَ المَشرِقَينِ.

стр. 148

فإِذَا قَال قَائِلٌ: أيُّهُما أَوْلَى نُقدِّر منَادًى مُنَاسِبًا للسِّياقِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَصِحَّ حُلولُ (يَا) فِي هَذَا المكَانِ، أَوْ نَقُولُ: الأَصْلُ عَدَمُ التَّقدِيرِ. ونَجْعَلُ اليَاءَ للتَّنبيهِ؟ فالجَوابُ: الثَّانِي أَوْلَى؛ لأنَّهُ إِذَا دَارَ الأمْرُ بَينَ أَنْ يَكُونَ فِي الكلَامِ شَيءٌ مَحذُوفٌ أَوْ لَا، فالأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَيءٌ محَذُوفٌ. وقَولُهُ: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ﴾ يَقُولُ المفسِّر ﵀: [مَا بَينَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ]، وعَلَيهِ فيَكُونُ فِي الكَلَامِ تَغْلِيبٌ، وهُوَ تَغْلِيبُ المَشْرِق عَلَى المَغْرِب، والتَّغلِيبُ هَذَا جارٍ فِي اللُّغةِ العرَبيَّةِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ : بَينَ كُلِّ أَذَانين صَلَاةٌ" (١) إِذَا جعَلْنا مُطلقَ الأذَانِ هُوَ الأذَانَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ دُخُولُ الوَقْتِ. أمَّا إِذَا جعَلْنا الأذَانَ بمَعْنَى الإعلَامِ فإِنَّ الأَذانَينِ لَيسَ فِيهَا تَغْلِيبٌ؛ لأَنَّ كُلًّا مِنَ الإقَامَةِ والأذَانِ يُسمَّى الأذَانَ، لكِنْ قَولهُم: القَمرَان. يَعنُونَ بذَلِكَ الشَّمسَ والقمَرَ، وقولهم: العُمَرَانِ. يَعنُونَ بذَلِكَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، هَذَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ، فيَكُونُ ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ﴾ أَي: بُعْدَ مَا بَينَ المَشرِقِ والمغْرِبِ، ولكِنْ ذُكِر بلَفْظِ المَشْرِقِ تَغْلِيبًا. ويُحتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَولِهِ: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ﴾ أي: مَشرِقِ الشَّمسِ شِتَاءً ومَشرِقِها صَيفًا؛ لأَنَّ بينَهُما مسَافَةً عظِيمَةً جِدًّا لَا يَعْلَمُ قَدْرَها إلا اللهُ ، وكِلَا المَعنيَينِ صحِيحٌ. يَعنِي: سَوَاءٌ جَعَلْنا اللَّفْظَ للتَّغليبِ أَوْ لَا، والمُرادُ أن هَذَا العَاشِيَ الَّذِي أَضَلَّه الشَّيطانُ إِذَا جَاءَ مَعَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ تَبرَّأ مِنْهُ، وقَال: ليتَكَ بَعِيدٌ عَنِّي وأنا بعِيدٌ عنْكَ.

стр. 149

فإِنْ قَال قَائِلٌ: (ربُّ المَشرِقينِ) أَحيَانًا تَأتِي فِي القُرآنِ مُفردَةً، وأحْيَانًا تَأتِي جَمْعًا، وأحيَانًا تَأتِي تَثْنِيةً؟ فالجَوابُ: المَشَارِقُ والمَشرِقُ والمشرِقَينِ، تَأتِي عَلَى هَذ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ ولَا مُنافَاةَ بينَهَا؛ فقَولُهُ تعَالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ [المزمل: ٩] هَذَا مُفرَدٌ. والمُرَادُ بالمَشْرِقِ هُنَا الجهَةُ، لأنَّ الجِهَاتِ أربَعٌ: شَرْقٌ، وغَرْبٌ، وجَنوبٌ، وشَمَالٌ. فالمَشْرِقُ يَعْنِي: جِهَةَ المَشْرِقِ، والمَغْرِبِ يَعْنِي: جِهَةَ المَغْرِبِ. أمَّا قولُه تعالى: ﴿الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] بالجَمْعِ، فالمُرَادُ مَشَارِقُ النُّجومِ والكوَاكِبِ والشَّمسِ والقَمَرِ، لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منْهَا لَهُ مَشرِقٌ، أَو المُرادُ بالمَشَارِقِ مَشَارِقُ الشَّمسِ، لأنَّ كُلَّ يَوْمٍ للشَّمسِ مَشرِقٌ، ولَوْلَا ذَلِكَ مَا رَأَيتَها تَنتقِلُ مِنَ الشَّمالِ إِلَى الجَنُوبِ، ومنَ الجنُوبِ إِلَى الشَّمالِ. أمَّا ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ﴾ [الرحمن: ١٧] المُثنَّى، فالمُرادُ بذَلِكَ مَشرِقَا الصَّيفِ والشِّتَاءِ. وقَوُلهُ: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ الجُملَةُ إنشَائيَّةٌ للذَّمِّ، قَال المفسِّر ﵀: [أنتَ] يَعْنِي: أنَّهُ قَدْ حُذِفَ فِيهَا المخْصُوصُ؛ لأنَّ (بِئْسَ) و (نِعْمَ) لَابُدَّ فيهما مِنْ فَاعِلٍ ومَخْصُوصٍ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ النَّحْو، ولَا علَينا مِنْهُ فِي هَذَا المكَانِ. من فوائد الآيات الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: التَّحذِيرُ مِنَ الغفلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ؛ لأنَّكَ إِذَا غفَلْتَ عَنْ ذِي اللهِ تعالى حلَّ مَحَلَّ ذِكْرِ اللهِ وَساوسُ الشَّيطَانِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن اللهَ يُعاقِبُ العبْدَ بِمَا يَقْتَضِيه الذَّنْبُ، وهَذَا كقَولِهِ

стр. 150

تعَالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، فهَذَا الرَّجُلُ لمَّا أَخْلَى قَلْبَه مِنْ ذِكْرِ اللهِ عُوقِبَ أَنْ يَحُلَّ محَلَّه الشَّيطَانُ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحذَرُ مِنْ قُرنَاءِ السُّوءِ؛ لأنَّ الشَّياطِينَ لَيسَ اسمًا خاصًّا لشَياطينِ الجِنِّ، بَلْ حتَّى الإنْسُ لهُمْ شَياطِينُ، قَال اللهُ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقَال تعَالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَه النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾. [الناس: ١ - ٦]. فَفِي هَذَا التَّحذيرِ مِنْ قُرَنَاء السُّوءِ، وقَدْ حذَّر النَّبي -صَلَّى الله عَلَيه مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ؛ حيثُ شبَّه قرِينَ السُّوءِ أَوْ جلِيسَ السُّوءِ بنافِخِ الكِيرِ، إمَّا أَنْ يُحرِقَ ثِيَابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً (١)، ثُمَّ إِنَّ الوَاقِعَ كذَلِكَ. فَمَا أكْثَرَ مَا يَمُرُّ علَينَا مِمَّنْ يَتَّصلُون بِنَا يَشْكُون مِنْ قَوْمٍ كَانُوا مُستَقِيمِينَ وأئمَّةَ مسَاجِدَ، أَوْ مُؤذِّني مَسَاجِدَ اتَّصَل بهِمْ أُناسٌ مِنْ أصحَابِ السُّوءِ، فانْحرَفُوا انحِرافًا كامِلًا، ومثْلُ هؤُلَاءِ -والعِيَاذُ باللهِ- إذَا انحَرَفُوا -نَسأل اللهَ الثَّباتَ- يَكُونُ انحِرافُهُم أشدَّ وأعظَمَ، كالمَاءِ الَّذِي حبَسْتَه ثُمَّ أَطلَقْتَ الحبْسَ سيَنْدَفِعُ بقُوَّةٍ. فالمُهِمُّ: أن الإنسَانَ إِذَا أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ قَيَّض اللهُ لَهُ الشَّيطانَ مِنَ الإنْسِ أَوْ مِنَ الجِنِّ، فهُوَ لَهُ قَرِينٌ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المُلازِمَ أشدُّ تَأثِيرًا مِنَ العَابرِ الَّذِي يُلازِمُك، ويَبقَى قَرينًا مَعَكَ أشدَّ تأثيرًا مِنَ العَابِرِ، بمَعْنَى: أنَّك لَوْ جلَسْتَ مَعَ إنسَانٍ صاحِبِ سُوءٍ لمُدَّةِ

стр. 151

سَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَينِ رُبَّما تَأثَّرْتَ بِهِ ورُبَّما لَا تَتأثَّرُ، لَكِنْ إِذَا كَانَ مُقَارِنًا فإنَّهُ سيُؤثِّر؛ ولهذَا قَال: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. أَقُولُ هَذَا لتَحذَرُوا مِنَ الاستِمْرارِ مَع قُرَنَاء السُّوء؛ ولتَعلَمُوا أنَّكُم مَتَى علِمْتُمْ أنَّه قَرينُ سُوءٍ فإنَّه يَجِبُ علَيكُمُ البُعدُ عَنْهُ، لَا تَقُلْ: أخْشَى أَنْ يَتَأثَّرَ، أَخْشَى أَنْ يَقُولَ: لمَاذَا كَانَ الرَّجُل صَاحِبًا لِي ثُمَّ فَارَقَني؟ لَا يُهِمُّك هَذَا، الَّذِي يُهِمُّكُ هُوَ نفْسُك فأَنْقِذْها. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: العَمَى عَمَى القَلْبِ -والعِياذُ باللهِ- لمَّا تَعَامَى بعَينِهِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحمنِ، وبقَلْبِه أيضًا؛ قُيِّض لَهُ هَذَا الشَّيطانُ الَّذِي يَصُدُّه عَنِ الهُدَى وهُوَ يَحسَبُ أنَّهُ مُهتَدٍ ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ومَا أكثَرَ هَذَا! أهْلُ البِدَعِ الَّذِين أَصَرُّوا عَلَى بِدَعِهم، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، ألمْ يَكُونُوا قَدِ استَحْسَنُوها؟ فلِمَاذَا استَحْسَنُوها وهِيَ بِدْعةٌ مُضلِّلةٌ؛ لأَنَّ الشَّيطَانَ صدَّهُم عَنِ الحقِّ، أهْلُ الأفكَارِ الرَّديئَةِ، كالعَلمانيِّينَ، والشُّيوعيِّين، والبَعثِيِّين، ومَنْ أَشبَهَهُم، لمَاذَا استَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ؟ لأنَّ الشَّيطانَ رَكِبَ قُلُوبَهُم -والعِياذُ باللهِ- فجعَلَهُم يَظُنُّون أن هَذَا السَّيِّئَ حسَنٌ، وهَذَا أشدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الفِتْنَةِ أَنْ يَرَى الإنسَانُ السَّيِّئَ حسَنًا فيَمْضِي فِيهِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن بعضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وجْهُه أن هؤُلاءِ ظَنُّوا أنَّهُم عَلَى حَقٍّ فاستَمَرُّوا فِي البَاطِلِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن هَذَا القَرينَ فِي الدُّنيا يَتَبرَّأ مِنْ صَاحبِهِ يومَ القِيامَةِ يَقُولُ: ﴿يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّه مَعَ تَمنِّيهِ هَذَا الَّذِي لَنْ يُدْرِكَ مِنْهُ شَيئًا، يُثنِي عَلَى قَرينِهِ هَذَا بالذَّمِّ والقَدْحِ فيَقُولُ: فبِئْسَ القَرينُ أنْتَ.

стр. 152

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن مِنَ القُرنَاء مَنْ هُو قَرِينُ خَيرٍ وقَرِينُ سُوءٍ، وهُوَ كذَلِكَ، وقَدْ بيَّن النَّبيُّ ﷺ هَذَا أبْينَ شَيءٍ؛ حَيثُ قَال: "مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ المسْكِ، إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ" يَعْنِي: يُعطِيَكَ هَدِيَّة، "وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبةً، وَالجَلِيسُ السُّوْءُ كنَافِخِ الْكِيرِ، إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ" بالشَّرَرِ الَّذِي يَتَطَايَرُ مِنَ النَّار إِذَا نُفِخَتْ "وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً" (١).

стр. 153

الآية (٣٩) * قَال اللهُ : ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]. قَال المفسِّر ﵀: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ أيِ: العَاشِينَ تمَنِّيكُم ونَدَمُكُم ﴿الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أَي: تَبيَّنَ لكُمْ ظُلمُكُم بالإِشْرَاكِ فِي الدُّنيا ﴿أَنَّكُمْ﴾ مَعَ قُرنَائِكُم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ عِلَّةٌ لتَقْدِيرِ اللَّامِ؛ لعَدَمِ النَّفْيِ و (إِذْ) بَدَلٌ مِنَ اليَوْمِ]. يَعْنِي: لَا يَنفَعُكُم الإشرَاكُ فِي العذَابِ. هَذَا هُوَ الصَّحيحُ، وعَلَى هَذَا فتكُون ﴿أَنَّكُمْ﴾ ليسَتْ للتَّعليلِ كما ذَهَبَ إلَيهِ المُفسِّر، بَلْ هِيَ فَاعِلُ (يَنْفَع)، والمَعْنَى لَا يَنفَعُكُم اشتِرَاكُكُم فِي العذَابِ. ووَجْه ذَلِكَ: أنَّه جَرَتِ العادَةُ أن الإنسَانَ إِذَا عُذِّب ورَأَى غيرَهُ يُعذَّب هَانَ عَلَيه الأمْرُ، وتَسَلَّى، فِي يَوْمِ القِيَامَةِ يَشْتَرِكُ أهْلُ النَّارِ فِي العذَابِ، لكِنْ لَا يَنفَعُهم هَذَا شيئًا. هَذَا هُوَ الصَّوابُ الَّذِي تَدُلُّ علَيهِ الآية، أمَّا المفسِّر فجَعَل قوله: ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ عِلَّة فِي تقْدِير اللَّام أَي: لأنَّكُم فِي العذَابِ مُشتَرِكُونَ، ولكِنْ هَذَا بعِيدٌ مِنَ اللَّفظِ.

стр. 154

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن المُشتَرِكِينَ فِي عذَابِ الآخِرَةِ لَا يَنفَعُهم الاشتِرَاكُ، بخِلَافِ الاشتِراكِ فِي العذَابِ فِي الدُّنيا فإِنَّه يُسلِّي الإنسَانَ، ويُهوِّنُ علَيهِ؛ ولهَذَا قَالتِ الخَنسَاءُ فِي رِثَاءِ أخِيهَا صخْرٍ: وَلَوْلَا كثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ... أُسلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي (١) الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هؤُلَاء المُعذِّبين هُمُ الَّذِين ظَلَمُوا، ومَا ظُلِمُوا لقَولِهِ: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّهُم -أيِ: المُعذَّبينَ- يَعرِفُونَ أنَّهُم مُشترِكُونَ فِي العذَابِ، ولكِنَّ ذَلِكَ لَا يُسلِّيهم ولا يُهوِّن عَنْهُمُ المُصيبَةَ.

стр. 155

الآية (٤٠) * قَال اللهُ : ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠]. ثُمَّ قَال اللهُ ﵎: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بيِّن، أَي: فهُمْ لَا يُؤمِنُونَ. الهمزَةُ للنَّفْي يَعْنِي: أنَّكَ لَا تُسمِعُ الصُّمَّ، ولَا تَهْدِي العُمْيَ؛ لأنَّ هَذَا مَركُونٌ إِلى اللهِ . ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أَي: بَيِّنٍ، والمرَادُ بالسَّماعِ هُنَا إسْمَاعُ الهُدَى، والمرَادُ بالهُدَى هدي الهُدى، وليسَ المَعْنَى أَنْ تُسمِع الصُّمَّ صَوتَك؛ لأنَّ هَذَا شَيءٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ كُلُّ النَّاسِ، لكِن إِذَا كَانَ الخِطَابُ للرَّسُولِ ﵊ صَارَ الإسمَاعُ هُنَا إسمَاعَ الحَقِّ، والمرَادُ بالهُدَى الهُدَى إِلَى الحَقِّ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: تَسْلِيَةُ النَّبيِّ ﷺ حيثُ كَانَ يَنْدَمُ عَلَى عَدَمِ اهتِدَاءِ النَّاسِ، فبيَّن اللهُ لَهُ أن الأَمْرَ لَيسَ إِلَيهِ، بَلْ إِلَى اللهِ، وحينئذٍ تَهونُ علَيهِ المُصيبَةُ وَيرْضَى ويُسلِّم ﵊.

стр. 156

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الكُفَّارَ بمَنْزِلَةِ أهْلِ الصَّممِ الَّذِين لا يَسمَعُونَ، وقَدْ وَصَفَهُمُ اللهُ تعَالى فِي آياتٍ أخْرَى بأنَّهُم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أَوْ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن العَمَى سبَبٌ لأَنْ يَتيهَ الإنسَانُ عَنِ الطَّريقِ؛ لقَوْلِهِ: ﴿أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبينٍ -أَي: مُنغَمِسًا فِي الضَّلالِ- فإِنَّهُ لَا يَهتَدِي فِي الغَالِبِ.

стр. 157

الآية (٤١) قَال اللهُ : ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١]. (إمَّا) يَقُولُ المُفسِّرُ ﵀: [فِيهِ إدْغَامُ نُونِ (إِنِ) الشَّرطيَّةِ فِي (مَا) الزَّائِدَة] فإِمَّا وأَصْلُهُ، (فإِنْ مَا)، لكِنِ اجْتَمَعَتِ النُّونُ السَّاكِنَةُ مَعَ المِيمِ فأُدغِمَتْ إحْدَاهُما فِي الأُخْرَى فصَارَتْ ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾. وقَولُهُ: [مَعَ (مَا) الزَّائدَة] اعْلَمْ أنَّهُ لَيسَ فِي القُرآنِ شَيءٌ زَائِدٌ، كُلُّ مَا فِي القُرْآنِ فإِنَّه فِي مَحَلِّهِ والسِّياقُ يَحتَاجُ إِلَيهِ، لكِنَّ مُرادَهُم بالزِّيادَةِ هِيَ الَّتِي يَتمُّ الكَلَامُ بِدُونِها، لَا الَّتِي يُمكِنُ الكلَامُ بدُونِهَا، هَذَا بالنِّسبَةِ للقُرآنِ. يَعْنِي: لَوْ حُذِفَتْ لاستَقَامَ الكَلَامُ، وإلَّا فإِنَّ لها معْنًى، وهُوَ التَّوكِيدُ ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يَقُولُ المُفسِّر ﵀: [﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ بأَنْ نُمِيتَكَ قَبْلَ تَعذِيبهِمْ ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ فِي الآخِرَةِ] كَمَا قَال، يَعْنِي: أنَّنا إِنْ ذَهَبْنَا بِكَ، فلَنْ نُغفِلَهُم مِنَ العذَابِ، بَلْ نُعذِّبُهم. وقَولُ المُفسِّر: [فِي الآخِرَةِ] فِيهِ نَظَرٌ، والصَّوابُ فِي الدُّنيا يَعْنِي: أنَّا إِنْ ذَهَبْنَا بِكَ قَبْلَ أَنْ نُعذِّبَهم فإنَّنا لَا بُدَّ أَنْ نُعذِّبَهم، وهَذَا تَهْدِيدٌ وَاضِحٌ لهؤُلَاءِ المُكذِّبينَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌.

стр. 158

الآية (٤٢) * قَال اللهُ : ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢]. قَال المفسِّر ﵀: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ فِي حَيَاتِكَ مِنَ العذَابِ ﴿فَإِنَّا عَلَيهِمْ﴾ أَي: عَلَى عذَابِهِمْ ﴿مُقْتَدِرُونَ﴾ قَادِرُونَ]. فالمسأَلةُ إمَّا أَنْ نُعذِّبَهم قَبْلَ أَنْ تَموتَ، وإمَّا أَنْ تَموتَ قَبْلَ أَنْ يُعذِّبهُم، فإِنْ مِتَّ قَبْل أَنْ نُعذِّبَهم، فإنَّهُم لَنْ يُفلِتُوا مِنَ العذَابِ سنَنتَقِمُ منْهُمْ، وإِنْ عذَّبنَاهُم قَبْلَ مَوتِكَ فإنَّا قَادِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، ولَنْ نُؤخِّرَ عنْهُمُ العذَابَ عَجْزًا. وقَوْلُ المُفسِّر: ﴿فَإِنَّا عَلَيهِمْ﴾ أَي: عَلَى عذَابهِمْ، الصَّوابُ العُمُومُ عَلَى عَذَابِهِمْ وعَلَى ذَوَاتهِمْ، وعَلَى جَمِيعِ أحْوَالهِمْ. وقَولُهُ: [﴿مُقْتَدِرُونَ﴾ قَادِرُونَ] أيضًا فِيهِ قُصُورٌ؛ لأَنَّ المُقتَدِرَ أَبلَغُ مِنَ القَادِر، فإِنَّ زيَادَةَ المَبْنَى تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ المَعْنَى، فهُوَ أبلَغُ مِنَ القَادِرِ، وعَلَى كُلِّ حَالٍ. فالْآيةُ مَعْنَاهَا الإجمَاليُّ: أننا إِنْ ذهَبْنا بِكَ للمَوْتِ، فإنَّنا لَنْ نُغفِلَهُم عَنِ العذَابِ، وإِنْ عَذَّبنَاهُم فِي حَيَاتِكَ؛ فستَرَى عذَابَهُم بنَفْسِكَ.

стр. 159

من فوائد الآيتين الكريمتين (٤١ - ٤٢): الْفَائِدَةُ الأُولَى: التَّهدِيدُ للمُكذِّبين للرَّسولِ ﷺ وأنَّ عذَابَهم وَاقِعٌ لَا مَحَالةَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَسلِيَةُ النَّبيِّ ﷺ فإِنَّ رَسُولَ اللهِ جَاءَ بالهُدَى والحَقِّ والآياتِ، فإِذَا كُذِّب فسَيكُونُ ذَلِكَ ثَقِيلًا عَلَى نفْسِهِ، فسَلَّاهُ اللهُ بهَذَا الوَعِيدِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وَصْفُ اللهِ ﵎ بالانتِقَامِ، كَمَا وَصَفَهُ فِي آيَاتٍ أُخْرَى. ولكِنْ هَلْ يُوصَفُ بِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ، فيُقالُ مَثَلًا: المُنتَقِمُ؟ فالجَوابُ: لَا، لأَنَّ كلمَةَ المُنتقِم ليسَتْ مَدْحًا فِي ذَاتِها حتَّى تُقابَل بِمَا يَكُونُ سَبَبًا للانتِقَامِ؛ ولهذَا تَمُرُّ بنَا أسمَاءُ اللهِ الحُسْنَى الَّتِي عَدَّهَا بعْضُ النَّاسِ مِنْهَا المُنتقِمَ، وهَذَا غلَطٌ، فإِنَّ ذَلِكَ ليسَ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ؛ لأَنَّ اللهَ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ مِنْ أسمَائِهِ، وإنَّما ذكَرَهُ مُقيَّدًا بحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ؛ وهُنَا ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ مُقيَّدٌ بحَالٍ مِنَ الأَحْوالِ، وهِيَ تكْذِيبُ هَؤُلاءِ، وهُوَ كقَوْ لِهِ تعَالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: عظَمَةُ اللهِ حيثُ وَصَفَ نفْسَهُ بالجمْعِ، ومنَ المعْلُومِ أنَّهُ لَيسَ المرَادُ بالجمْعِ التَّعدُّدَ؛ لأَنَّ اللهَ إلَهٌ واحِدٌ، لكِنَّ المُرادَ بالجَمْعِ هُنَا التَّعظِيمُ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الوَعْدَ يَأتِي فِي الشَّرِّ والعُقُوبَةِ، خِلَافًا لمِنْ قَال: الوَعْدُ فِي الخَيرِ والإيعَادُ فِي الشَّرِّ، وأَنشَدُوا عَلَى ذَلِكَ قَولَ الشَّاعرِ: وإِنِّيَ إِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لمُخْلِفُ العَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي (١)

стр. 160

فالصَّوابُ أن مَعنَاهَا أنَّها تُطلَقُ عَلَى هَذَا وَعَلَى هَذَا، فهُنَا قَال: ﴿الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ وعَلَى قِياسِ قَوْلِ البَيتِ يَكُونُ التَّعبِيرُ: الَّذِي أَوْعَدْنَاهم، ولكِنَّ الصَّحِيحَ أنَّها جَائِزَةٌ لهَذَا وهَذَا. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيَانُ غَلَبَةِ قُدْرَةِ اللهِ عَلَى كُلِّ قُدْرَةٍ؛ لقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّا عَلَيهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ وهُوَ كذَلِكَ، ولمَّا قَالتْ عَادٌ: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قَال اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، فَلَا قُوَّةَ تُمانِع قُوَّة اللهِ ، وَلَا قُدرَةَ تمُانِعُ قُدْرتَهُ، بَلْ هُوَ العزِيزُ الغَالِبُ عَلَى كُلِّ أحَدٍ.

стр. 161

الآية (٤٣) * قَال اللهُ : ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]. قَال المفسِّر ﵀: [﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ﴾ أيِ: القُرْآنِ ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريقٍ مُستقيم]. ﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾ بمَعْنَى: تمَسَّكْ، لكِنْ زِيدَتْ حُرُوفُها للمُبَالغَةِ. أَي: تَمسَّكْ تمَسُّكًا قَويًّا ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ﴾ والمُوحِي هُوَ اللهُ ، والمُوحَى القُرْآنُ، وإِنَّمَا قَال: ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ﴾ ليُثبِّتَ رِسَالتَهُ، وإِلَّا لَوْ قَال بالقُرْآنِ كَفَى، لكِنْ مِنْ أَجْلِ تَثْبِيتِ الرِّسالةِ قَال: ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ﴾ والوَحْيُ هُوَ إنْبَاءُ اللهِ لرُسلِهِ بِمَا يُشرِّعُه لعِبَادِهِ. ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أمْرٌ وتَثْبِيتٌ، فالأمْرُ: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ﴾ والتَّثبِيتُ: ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وإذَا كَانَ عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ فإِنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَحيدَ عنْهُ، بَلْ أَنْ يَستَمْسِك بِهِ تَمامًا، والصِّراطُ هُوَ الطَّريقُ الوَاسِعُ المُستَقِيمُ، فالطَّريقُ الضَّيِّقُ لا يُسمَّى صِرَاطًا، والطَّريقُ المُعوَجُّ يَمِينًا وشِمَالًا لا يُسمَّى صِرَاطًا، لَا يُسمَّى صِراطًا إلَّا مَا كَانَ طرِيقًا واسِعًا مُستَقيمًا، كما قَال اللهُ- : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: الطَّريقَ الوَاسِعَ المُستقِيمَ.

стр. 162

الآية (٤٤) * قَال اللهُ : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. قَال المفسر ﵀: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ لشَرَفٌ ﴿لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ بنزولِهِ بلُغَتِهم ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عَنِ القِيَامِ بحَقِّه]. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أيِ: القُرآنَ الَّذِي أُوحِيَ إِلَى الرَّسُول ﵊ ﴿لَذِكْرٌ لَك﴾ أَي: لشَرَفٌ عَلَى مَا فسَّره بِهِ المُفسِّرُ. أَي: أنَّكُم تَشرُفون به؛ لنُزُولِهِ بلُغَتكُم؛ ولكَونِهِ نَزَل عَلَى وَاحِدٍ مِنْكُمْ، فهُوَ شَرَفٌ. هَذَا مَا ذَهَبَ إلَيهِ المفسِّر ولَا مَانِعَ مِنْهُ، لكِنَّ الصَّوابَ: أن المُرادَ بالذِّكْر هُنَا التَّذكِيرُ يَعْنِي: وإنَّ هَذَا الَّذِي أُوحِيَ إلَيكَ لتَذكِيرٌ لَكَ ولقَومِكَ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: يَرِدُ عَلَى هَذَا أنَّهُ تَذْكِيرٌ لِكُلِّ النَّاسِ. فالجَوابُ: أن هَذَا كقَولِهِ تعَالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] مَعَ أنَّهُ بُعِث لجَمِيعِ النَّاسِ. وقَولُهُ: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ يَقُولُ ﵀: [عَنِ القِيَامِ بحَقِّه] ومنْ حَقِّه العمَلُ بِهِ، ومِنْ حَقِّهِ إبلَاغُهُ للنَّاسِ، ولهذَا يُعتَبر العَرَبُ هُمُ الإشعَاعَ لعَامَّة النَّاس فِي نقْلِ الشَّريعَةِ الإسلَاميَّةِ، ليسَ فِي الجَزيرَةِ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ إلَّا عَرَبٌ، هؤُلَاءِ العرَبُ

стр. 163

بَثُّوا الإسلَامَ فِي جَمِيعِ أقْطَارِ الدُّنيا، وهَذَا مِنْ حقِّهِ ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عمَّا فِيهِ مِنَ الأَمْرِ بالجِهَادِ، هَلْ جَاهَدْتُم أَمْ لَا؟ ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عَنْ تَنفِيذِ جمِيعِ شَرَائِعِهِ؛ ولهذَا كَلَامُ المفسِّر هُنَا جَيِّدٌ عَنِ القِيَامِ بحَقِّهِ.

стр. 164

الآية (٤٥) * قَال اللهُ : ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]. قَال المفسِّر ﵀: [﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ أَي: مِنْ غَير ﴿آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، (اسْأَلِ) الخِطَابُ للنَّبيِّ ﷺ ، لقَولِهِ: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وسَوفَ يَكُونُ الجَوَابُ: (لَا). والمَقصُودُ مِنْ هَذَا الأمْرِ هُوَ إقَامَةُ الحُجَّةِ عَلَى المُشرِكِينَ الَّذِين يَعبُدُونَ مَعَ اللهِ إلهًا آخَرَ، يَقُولُ للنَّبيِّ: اسْأَلْ جَمِيعَ الرُّسل السَّابِقِينَ، هَلْ جعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحمَنِ آلهةً يُعبَدُون حتَّى يَقُومَ هؤُلَاءِ المُشرِكُونَ فيَعبُدُونَ مَعَ اللهِ غَيرَهُ. فَفِيهِ إقَامَةُ الحُجَّة عَلَى المُشرِكينَ، أن جمِيعَ الرُّسُلِ السَّابِقِين ليسَ فيهِمْ مَنْ يُحِلُّ الإشرَاكَ باللهِ . فإِنْ قَال قَائِل: كيفَ يَسأل مَنْ أَرْسَلَ اللهُ مِنَ الرُّسلِ قبْلَه وهُوَ لَمْ يُدرِكْهُم؟ فالجَوابُ: أن هَذَا مِنْ أَسَاليبِ اللُّغةِ العربيَّةِ، والمَعْنَى: إنَّك إِنْ تَسْألْ عَلَى الفَرْضِ والتَّخيير فلَنْ تُجاب بـ (نَعَمْ)، بلْ سيَكونُ الجَوابُ: (لَا)، فهُوَ مِنْ بَابِ التَّحَدِّي لهؤُلاءِ المُشركِينَ الَّذِين يَدَّعُون أنَّهُم عَلَى حَقٍّ.

стр. 165

وقَولُه: ﴿أَجَعَلْنَا﴾ أَي: صَيَّرْنا ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ قِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِه بأَنَّ جُمِع لَهُ الرُّسلُ ليلَةَ الإسرَاءِ. يَعْنِي: وسأَلهم، لكِنَّ هَذَا القَولَ ضعِيفٌ؛ لأَنَّ جمِيعَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ فِي الإسْرَاءِ لَيسَ فِيهَا هَذَا. ثُمَّ إنَّ المَقصُود بالإِسْراءِ إظهَارُ شَرَفِ النَّبيِّ ﷺ ، بَلْ هَذَا مِنْ مَقصُودِ الإسرَاءِ، إظهَارُ شرَفِهِ عَلَى الرُّسلِ، فكَيفَ يُوجَّه إليهِمْ هَذَا السُّؤالُ؟ ! فهَذَا القَوْلُ ضعِيف جِدًّا وَلَا وَجْهَ لَهُ. وقِيلَ: المُرَادُ أُمَمٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابَينِ، وهَذَا أيضًا ليسَ بصَوابٍ يَعْنِي: هؤُلَاءِ يَقُولُون: المَعْنَى ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ يَعْنِي: اسأَلِ الأُمَمَ الَّذِين أُرسِل إلَيهِمْ، وهؤُلاءِ بَاقُونَ إِلَى بعْثَةِ النَّبيِّ ﷺ ، وهَذَا ضعِيفٌ مخُالِفٌ لظَاهِرِ القُرآنِ، فالقُرآنُ يَقُولُ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ والأُمَمُ التَّابعَةُ للرُّسلِ فِيهِم مُشرِكُونَ، فالنَّصارَى أَقْرَبُ الأُمَمِ فِيهِمْ مُشرِكُونَ، فَلَا يَتَوجَّهُ سُؤالهُم مَعَ كونِهِمْ مُشرِكِينَ، هَذَا أيضًا ضَعِيفٌ. قَال ﵀: [وَلَمْ يَسأَلْ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ القَوْلَينِ]؛ لأَنَّ المُرادَ مِنَ الأَمْرِ بالسُّؤالِ التَّقرِيرُ لمُشرِكِي قُريشٍ، أنَّه لَمْ يَأتِ رَسُولٌ مِنَ اللهِ ولَا كِتَاب بعِبَادَةِ غَير اللهِ، هَذَا صَحِيحٌ، يَعْنِي: أن السُّؤال إنَّما أُرِيد بِهِ إلزَامُ قُريشٍ بأَنَّهُ لَمْ يَأتِ أحدٌ مِنَ الرُّسلِ بإبَاحَةِ عِبَادَةِ غَيرِ اللهِ، هَذَا المقصُودُ، وهَذَا كقَوْلِهِ تعَالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، لكِن هُنا السُّؤالُ فِيهَا أعمُّ؛ لأنهُ قَال: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ولَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بالرُّسُلِ.

стр. 166

من فوائد الآيات الكريمة (٤٣ - ٤٥): الْفَائِدَةُ الأُولَى: حثُّ النَّبيِّ ﷺ عَلَى التَّمسُّكِ بِمَا أُوحِيَ إلَيهِ، وإذَا كَانَ النَّبيُّ ﷺ يحثُّ عَلَى ذَلِكَ فنَحْنُ مِنْ بَابِ أَوْلَى. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن محُمَّدًا ﷺ كَانَ رَسُولَ اللهِ حقًّا؛ لإثْبَاتِ الوَحْيِ إِلَيهِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَثْبِيتُ النَّبيِّ ﷺ عَلَى الاستِمْسَاكِ بِمَا أُوحِيَ إلَيهِ، وذَلِكَ بأَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الشَّريعَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا محُمَّدٌ ﵊ صِرَاطٌ مُستَقِيم، لَا اعْوجَاجَ فِيهِ، ولَا انحِرَافَ. الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن هَذَا القُرآنَ الكرِيمَ فِيهِ ذِكْر للعَرَبِ -أَي: شَرَفٌ لهم- وفِيهِ تَذْكِيرٌ لهمْ؛ لقَولِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَحْمِيلُ المَسؤُوليَّةِ العظِيمَةِ عَلَى العَرَبِ، وهِيَ أنَّهُم سَوْفَ يُسألُون عَنْ هَذَا الوَحْيِ هَلْ قَامُوا بحقِّه أَوْ لَمْ يَقُومُوا بحَقِّهِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إقَامَةُ البَيِّنَةِ الكُبْرى عَلَى أنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الرُّسلِ السَّابقِينَ: إِنَّ هُنَاكَ آلهَةً تُعبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ لقَولِهِ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: إثبَاتُ اسْمِ الرَّحمنِ لله ؛ لقَولِهِ: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ والرَّحمنُ هُوَ أحَدُ الاسْمَينِ اللَّذينِ لَا يُسمَّى بهِمَا غَيرُ اللهِ، وهُمَا اللهُ والرَّحمنُ، لَا يُوصَف بهِمَا سِوَى اللهِ، الرَّحيمُ يُوصَفُ بِهِ غَيرُ اللهِ، العَزِيزُ يُوصَفُ بِهِ غَيرُ اللهِ، السَّمِيعُ يُوصَفُ بِهِ غَيرُ اللهِ، وهَكَذَا، لكِنَّ هذَينِ الاسْمَينِ الكَرِيمَينِ -الله والرَّحمن- لَا يُوصَف بهِمَا أَحَدٌ، ولا يُسمَّى بهَما أحَدٌ إلَّا اللهُ تعَالى وحْدَه لَا شَرِيكَ لَهُ.

стр. 167

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: اتِّفاقُ الرُّسُل عَلَى التَّوحيدِ، وهَذَا كقَولِهِ تعَالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وهَذَا قَدِ اتَّفَقَ عَلَيهِ الرُّسلُ، وَقَال اللهُ تعَالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. والرُّسل مَا جاءَتْ إلَّا لإصلَاحِ الخَلْقِ، والخلْقُ لَا يُمكِنُ صلَاحُهم وَلَا إصْلاحُهُم إلَّا إِذَا قَامُوا بتَوحِيدِ اللهِ ، فإِنْ لَمْ يَقُومُوا بتَوحِيدِهِ تَشتَّتَتْ قُلوبُهم، وصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم يذْهَبُ مَذهَبًا غَيرَ الآخَرِ، لأَنَّ كُلَّ أُمَّة تُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لها مَعبُودٌ خَاصٌّ، فتَحصُل الفَوْضَى بَينَ العِبَادِ، فإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ؛ حَصَلَ الاتِّفاقُ بدُونِ فَوْضَى.

стр. 168

وبِذَلِك انتَهَتِ الدُّروس العِلْميَّة الصَّباحيَّة المُسجَّل صوتيًّا، والتِي كانَ يَعقِدها فَضيلِةُ شَيخِنا العلَّامة محمَّد بن صالحٍ العُثَيمِين ﵀ في جامِعه بمَدِينة عُنَيزةَ، وكانَ آخِرها يَومَ الأَرْبِعاء ١٠ رَبِيع الآخِر عام ١٤٢١ هـ. رحِم اللهُ شيخَنا رَحمةَ الأبرارِ، وأَسْكنه فَسِيح جناتِه، ومَنَّ عَلَيه بمَغْفِرتِه ورِضْوانِه، وجَزاهُ عمَّا قدَّمه للإِسلامِ والمُسلمِينَ خَيرَ الجَزاءِ. وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَكَ على نَبيِّنا محمَّد، وعلَى آلِه وأصحابِه، ومَن تَبِعَهُم بإِحسانٍ إلَى يَومِ الدِّينِ.

стр. 169

بخط فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى