← Тафсир

Тафсир · id 151164

تفسير العثيمين: الزخرف

ابن عثيمين

Полный текст (169 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الآية (٢٥) قَال اللهُ : ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥]. ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أَي: أَنزَلْنا بهِمُ النِّقمَةَ، وهِيَ العُقُوبةُ، ﴿فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ انظُرْ يَا محُمَّدُ، أَو انظُرْ أيُّها المخَاطَبُ كيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكذِّبينَ، إِذَا نظَرْنَا وَجَدْنا العَاقِبَةَ الهَلاكَ والدَّمارَ، فلْنَعتَبِرْ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيَانُ قُدرَةِ اللهِ سُتحَانَهُ وَتَعَالى، وأنَّهُ ﵎ يُمِلي للظَّالِمِ حتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفلِتْه، فإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنتَقِمَ منِهُمْ بأَوَّلِ مَرَّةٍ، لكِنْ يُمِلي للظَّالِمِ، فإِذَا أخَذَهُ أخَذَهُ أخْذَ عَزِيزٍ مُقتَدِرٍ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الأمْرُ بالاعتِبَارِ والنَّظرِ فِي الأُمُورِ؛ لقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ والنَّظرُ هُنَا نَظَرُ قَلْبٍ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن عاقِبَةَ المُكذِّبينَ الهَلَاكُ والدَّمارُ؛ لأَنَّ اللهَ أهْلَكَ كُلَّ المُكذِّبينَ، أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ، وقَوْمَ هُودٍ، وقَوْمَ صَالِحٍ، وقَوْمَ لُوْطٍ، وفِرعَونَ، كُلُّ المُكذِّبينَ أهلكَهُمُ اللهُ ، لكنَّ هَذ الأُمَّةَ -ولله الحمْدُ- جعَلَ اللهُ هلَاكَ عَدُوِّهَا عَلَى يَدِهَا، وذَلِكَ بالحُرُوبِ؛ لأَنَّ هلَاكَ عَدُوِّك علَى يَدِكَ أَشْفَى للقَلْبِ مِنْ هَلاكِهِ

стр. 107

بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ . ولهَذَا كَانَ هلَاكُ المُكذِّبين للرَّسُولِ محُمَّدٍ ﷺ علَى أَيدِيهِمْ كَمَا قَال : ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجُوبُ النَّظرِ والاعتِبَارِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن عَاقِبَةَ المُكذِّبينَ للرُّسلِ هِيَ الهَلَاكُ والدَّمارُ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ تَكذِيبِ رَسُولهِا أَنْ يُصيبَهُم مَا أَصَابَ غَيرَهُمْ.

стр. 108

الآيتان (٢٦، ٢٧) قَال اللهُ : ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]. ﴿وَإِذْ﴾ مَفعُولٌ لفِعْلٍ محذُوفٍ، التَّقدِيرُ: واذْكُرْ إِذْ قَال إبْرَاهِيمُ، وإنَّمَا ذَكَرَ إبْرَاهِيمَ لأَنَّ إبْراهِيمَ تَنتمِي إِلَيهِ جَمِيعُ الأُمَمِ، اليَهودُ قَالُوا: إنَّهُ يَهودِيٌّ. والنَّصارَى قَالُوا: إنَّه نَصرَانيٌّ. والعَرَبُ قَالُوا: إنَّهُم مُتِّبِعُون مِلَّتَه. فأَرَادَ اللهُ أَنْ يُبيِّن أن إبْرَاهيمَ ﵇ كَانَ بَرِيئًا مِنَ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ﴾ التَّقدِيرُ: واذْكُرْ إِذْ قَال إبْرَاهِيمُ، إبرَاهِيمُ الخَلِيلُ ﵇ هُوَ إمَامُ الحُنَفَاءِ الَّذِي قَال اللهُ تعَالى فِيهِ لنَبِيِّهِ محُمَّدٍ: ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. وكَانَ إبراهِيمُ ﵇ كغَيرِهِ مِنَ الأنبِيَاءِ بُعِثَ إِلَى قَومِهِ خَاصَّةً، كَمَا قَال النَّبيُّ ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي مِنْهَا: وَكَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١). وقولُه: ﴿لِأَبِيهِ﴾ وهُوَ آزَرُ ﴿وَقَوْمِهِ﴾ الَّذِين أُرسِلَ إلَيهِمْ.

стр. 109

وقَدْ ذَكَرَ اللهُ محُاجَّةَ إبرَاهِيمَ لأَبِيهِ فِي سُورَةِ مَرْيمَ عَلَى وَجْهٍ مَبسُوطٍ، وفِي غَيرِهَا عَلْى وَجْهٍ مُختَصَرٍ أحيانًا، ومُتوسِّطٍ أحيانًا، فجَرَتْ محُاورَةٌ بينَهُ وبَينَ أَبِيهِ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ فقَال : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ إِنْ دَعوتَهُ لَمْ يَسمَعْكَ، وإِنْ وَافَقْتَهُ لَمْ يَرَكَ، وإِنِ استَعَنْتَ بِهِ لَمْ يَنفَعْكَ، ولَا يُغنِي عنْكَ شَيئًا ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤١ - ٤٣]. والخِطَابُ الْآنَ مَبنيٌّ عَلَى التَّرقِيق، والتَّلطِيفِ، والتَّنزُّل أمَامَ الأَبِ؛ قال: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَا أَبتَي إنَّك جَاهِلٌ وأنَا عَالِم، بَلْ قَال: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ وهَذَا مِنْ أَدَبِهِ ﵇، فقَد جَاءَهُ مِنَ العِلْمِ الوَحْيُ وأبُوهُ لَيسَ كذَلِكَ، جَاءَهُ مِنَ العِلْمِ التَّوحيدُ وأَبُوه لَيسَ كذَلِكَ. فقَال: ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ الولَدُ يَقُوُل لأَبيهِ: (اتَّبِعْنِي)، لأَنَّ الابْنَ معَهُ حَقٌّ، والأَبُ لَيسَ كذَلِكَ ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٣ - ٤٤] ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ﴾ يَعْنِي: عِبَادَةَ الطَّاعَةِ، وكُلُّ مَنْ أَطَاعَ شَيئًا فقَدْ عبَدَهُ عَلَى حَسَبِ الحالِ ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أَي: عَاصِيًا ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥]، أَي: يُصيبَكَ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]، فجعَلَ وَلايتَهُ للشَّيطَانِ مِنَ العذَابِ، لأَنَّ إعْراضَ الإنسَانِ عَنِ الحَقِّ مُصيبَةٌ ببعْضِ الذُّنُوبِ، كَمَا قَال : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. نحْنُ نظُنُّ أن العُقوبَاتِ هِيَ البَلاءُ يَنْزِل بالإنسَانِ مِنْ مرَضٍ وفَقْرٍ، ومَا أَشْبَهَ

стр. 110

ذَلِكَ، وهَذَا -حَقًّا- عُقُوبةٌ، ولكِنْ هُناكَ عُقوبةٌ أشَدُّ وهِيَ الإعْرَاضُ عَنِ الحَقِّ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ هَذَا أعظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ البَلَاءِ الحِسِّيِّ الجَسَدِيِّ؛ ولهَذَا قَال: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٥] كَانَ جَوَابُ الأَبِ جَوابًا قَاسِيًا: ﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦]، أَنكَرَ علَيهِ الرَّغبَةَ. ولهَذَا قَال أهْلُ البلَاغَةِ: الَّذِي يَلي همْزَةَ الاستِفْهَامِ هُوَ المُنكَر، يَعْنِي: لَمْ يقُلْ: يَا إبراهِيمُ أَرَاغِبٌ. بَلْ بَدَأَ بالإنكَارِ عَلَى الطَّريقَةِ، قَال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ وهَذَا استِفهَامُ إنكَارٍ وتَوبيخٍ. ثم قال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ يَعْنِي: عَنْ دعوَتِك إيَّايَ عَنِ التَّوحيدِ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ وعيدٌ يَقُولُه الأَبُ لابْنِهِ، وابْنُه يَتَرقَّقُ لَهُ، ويَتحنَّن إلَيهِ بقَولِهِ: ﴿يَاأَبَتِ﴾ ﴿يَاأَبَتِ﴾ ﴿يَاأَبَتِ﴾ وهَذَا جَوابُ الأَبِ. وهَذَا القَولُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قَالهُ أيضًا غيرُهُ مِنَ المُكذِّبينَ للرُّسُلِ؛ فِرعَونُ قَال لمُوسَى ﵇: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. ثُم قال: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، يَعْنِي: اتْرُكْنِي ﴿مَلِيًّا﴾ أَي: زَمَنًا طَويلًا، يَعْنِي: يَقُولُ: دَعْنِي عَلَى مَا أنَا علَيهِ ولَا تُكلِّمْني، قَال: ﴿قَال سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ [مريم: ٤٧] هذِهِ النِّهايَةُ مِنْ إبراهِيمَ، فَمَا أَحلَمَهُ عَلَيهِ ألصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ! ولهَذَا قَال اللهُ : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، قَال: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، فاستَغْفَرَ لَهُ حتَّى نَهَاهُ اللهُ . الشَّاهِدُ مِنْ هَذَا: أَنَّ أبَا إبراهِيمَ كَانَ مُشرِكًا اسْمُه آزرُ، كَمَا قَال : ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤]، العجَبُ أن بعْضَ النَّاسِ

стр. 111

-نَسْأَلُ اللهَ العافيَةَ- حَرَّف كلَامَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا أَرَادَ اللهُ، بِنَاءً عَلَى هَوَاهُ، فقَال: أَبُو إبراهِيمَ لَيسَ مُشرِكًا، بَلْ هُوَ عَلَى التَّوحِيدِ، ولَا يُمكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبُو النَّبيِّ مُشرِكًا وآزرُ هُوَ عمُّه ولَيسَ أَبَاهُ، فانْظُرْ كَيفَ الهَوَى! ومَنْ قَال فِي القُرآنِ برَأْيهِ فلْيَتبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ، فكَيفَ نَقُولُ: لَيسَ أباهُ، وهُوَ عمُّهُ، واللهُ يَقُولُ: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ كيفَ نَقُولُ: إنَّهُ عَمُّه. وهُوَ يقُولَ: يَا أَبَتِي؟ ! أمَّا يَستَحِي قَائِلُ هَذَا القَوْلِ! أمَّا يَتَّقِي اللهَ بتَحرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِه، بِنَاءً عَلَى عقِيدَةٍ فاسِدَةٍ أن أبَا الرَّسُولِ لَا يُمكِن أَنْ يَكُون كَافرًا! ونَقُوُل: سبْحَانَ اللهِ! تَأمَّلُوا كَوْنَ أَبِي الرَّسُولِ كَافِرًا وابْنُه نَبيٌّ- أعظَمُ دَلِيلٍ عَلَى قُدرَةِ اللهِ ، وأنَّه يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ الميَت، وأنَّ النَّسبَ لَا يَنْفَعُ أصحَابَهُ. واللهِ لَو قُلْنَا هَذَا لِعَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ المُسلمِينَ: إنَّ آزرَ عَمُّ إبراهِيمَ ولَيسَ أبَاهُ. لانْتُقِدْنا، بَلَ نَقُوُل: أبُو إبراهِيمَ كَافِرٌ، وأبُو محُمَّدٍ كَافرٌ، ومَاذَا يَضُرُّ النَّبيَّ ﷺ إِذَا كَانَ أبُوهُ كافرًا؟ لا يَضُرُّه شَيئًا، بَلْ هَذَا أكبَرُ دَليلٍ عَلَى كَمال قُدرَةِ الله ، وأنَّه يُخرِجُ الأنبيَاءَ مِنْ أصْلَاب هؤُلَاءِ الكُفَّارِ، لكِنْ -الحُمِدُ للهِ- لَمْ يَخْرُجْ نبيٌّ أبَدًا مِنْ سِفَاحٍ. أمَّا مَسأَلةُ الكُفْر والإيمَانِ فهَذَا لَا يُعَدُّ انتِهَاكًا لأعْرَاضِ الأنبِيَاءِ. الشَّاهِدُ مِنْ هَذَا أن إبراهِيمَ ﵇ قَال لأَبِيهِ صَرَاحَةً وقَال لقَوْمِهِ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ والجُملَةُ هذهُ مُؤكَّدةٌ كَمَا هُوَ مَعْلُوم بـ (إِنَّ)، قال المُفسِّر ﵀: [﴿بَرَاءٌ﴾ بَرِيءٌ] وهَذَا نَقْصٌ مِنَ المُفسِّر، لأنَّ (برَاءٌ) صِفَةٌ مُشبَّهة، وبَرِيءٌ اسْمُ فَاعِلٍ، والصِّفَةُ المُشبَّهة أَعظَمُ؛ لأنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الدَّوامِ والثَّباتِ والاستِمْرَار، فـ (بَرَاءٌ) أعظَمُ مِنْ (بَرِيءٍ)، و (برَاءٌ) يَعْنِي: صِفَةُ البَرَاءَةِ، الصِّفةُ الدَّائِمَةُ الثَّابِتَةُ المُستمِرَّةُ، البَرَاءُ ممَّا أَنْتُمْ عَلَيهِ.

стр. 112

وقَولُه: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ أَي: مِنَ الَّذِي تَعبُدُونَهُ. وقولُه: ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والمُرَادُ بالَّذِي يَعبُدُونَه: الأصنَامُ الَّتِي يَنحِتُونَها هُمْ بأيدِيهِمْ، ثُمَّ يَعبُدُونَها؛ ولهَذَا قَال لهُمْ إبراهِيمُ ﵇ فِي جُملَةِ مُنَاظَرَاتِهِ: ﴿قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦]، فكَيفَ تَعبُدُونَها وهِيَ مخلُوقَةٌ؟ ! كَيفَ تَعبُدُونَها وأنْتُمُ الَّذِين تَنحِتُونَها؟ ! وقَولُهُ: ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾: ﴿إلا﴾ أدَاةُ استِثْنَاءٍ، لكِنْ هَلْ الاستثْنَاءُ هُنَا مُنقطِعٌ أَوْ هُوَ مُتَّصِلٌ؟ الجَوابُ: إِنْ كَانُوا يَعبُدُونَ اللهَ وغيرَهُ فالاستِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وإنْ كَانُوا لَا يَعبُدونَ اللهَ فالاستِثْنَاءُ مُنقطِعٌ، والاستِثْنَاءُ المُنقَطِعُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَا بعْدَ (إلَّا) مِنْ غَيرِ جِنْسِ الَّذِي قبلَهَا، ومثّل لَهُ النَّحويُّون بقَولِهمْ: (جَاءَ القَومُ إلَّا حمَارًا). والحمَارُ مِنْ غَيرِ جِنْسِ القَومِ، فيَكُونُ الاستِثْنَاءُ مُنقطِعًا، أمَّا إِذَا قِيلَ: (جَاءَ القَومُ إلَّا زيدًا). فالاستِثْنَاءُ هُنَا مُتَّصِلٌ؛ لأَنَّ زيدًا مِنْ جِنْسِ المُستثنَى مِنْهُ. ونُطبِّقُ مَا هُنا عَلَى القَاعِدَةِ، فقَولُه: ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إِنْ كَانُوا يَعبُدُونَ اللهَ وغَيرَهُ فالاستِثْنَاءُ هُنَا مُتَّصِلٌ، وإِنْ كَانُوا لَا يَعبُدُونَ اللهَ فالاستِثْنَاءُ مُنقطِعٌ. وقَولُهُ: ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ لَمْ يَقُلْ: إلَّا اللهُ. مِنْ أَجْلِ أَنْ يُقِيمَ الدَّليلَ عَلَى أنَّهُ لَا يَستحِقُّ العِبَادَةَ إلَّا هُوَ، فالَّذِي فطَرَكَ أوَّلَ مَرَّةٍ وأَوْجَدَك مِنَ العَدَمِ هُوَ الَّذِي يَستَحِقُّ أَنْ يُعبَدَ؛ لأنَّهُ الَّذِي خَلَقَكَ، يَعْنِي: لَوْ قَال قَائِلٌ: لمَاذَا لَمْ يَقُلْ: إلَّا اللهُ؟ فالجَوابُ: ليُقِيمَ الحُجَّة عَلَى أنَّه لَا يَنبَغِي أَنْ يُعبَدَ إلَّا اللهُ ، وهَذَا كقَولِهِ تعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، ومَعلُوم أن الرَّبَّ خَالِقٌ،

стр. 113

لكِنَّهُ أَتَى بقَولِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهُوَ معْلُومٌ، ليُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَى أنَّه المُستحِقُّ للعِبَادَةِ وَحْدَهُ. قَال المفسِّر ﵀: ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خلَقَنِي ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ سَيُرشِدُني لدِينِهِ] والهِدَايَةُ نَوعَانِ كَمَا سيَأتِي إِنْ شَاءَ اللهُ فِي بَيَانِ الفَوائِدِ.

стр. 114

الآية (٢٨) قَال اللهُ : ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨]. قَال تعَالى: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ قَال المفسِّر ﵀: [أَي: كلِمَةَ التَّوحِيدِ المَفهُومةَ مِنْ قَولِهِ: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]. وقَولُهُ: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ الضَّميرُ يَعُودُ عَلَى الكلِمَةِ الَّتِي قَالهَا. قَال المفسِّر ﵀: هِيَ قَولُهُ: [﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾]، وهَذَا غَلَطٌ مِنَ المفسِّر، فالكلِمَةُ الَّتِي قَالهَا هِيَ أَقْرَبُ كلِمَةٍ وَهِيَ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهِيَ كَلِمَةُ التَّوحِيدِ، أمَّا قَولُهُ: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فَلَا عَلَاقَةَ لَهُ فِي الْآيَة. إِذَنْ: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ الضَّميرُ عَائِدٌ عَلَى الكلِمَةِ الَّتِي قَالهَا، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. ومعْنَى قَولِهِ: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: صيَّرها هِيَ الطَّريقَةَ الَّتِي يَسِيرُ عَلَيهَا مَنْ بَعدَهُ، ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ عَقِبَ إبراهِيمَ، قَال ﵀: [أَي: ذُرِّيَّتِهِ، فَلَا يَزَالُ فِيهِمْ مَنْ يُوخَدُ اللهَ] هَكَذَا قَال المفسِّر أن المَعْنَى: أن هَذِهِ الكلِمَةَ ستَبْقَى فِي ذُرِّيَّتِهِ، ولَا يُمكِنُ أَنْ تُشرِكَ الذُّرِّيَّةُ كُلُّها، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَبْقَى، والصَّوابُ خِلَافُ هَذَا.

стр. 115

فالصَّوابُ: أن المَعْنَى جَعْلُ هَذ الكلمَةِ هِيَ الكلمَةَ الوَحيد الَّتِي يَسِيرُ عَلَيهَا مَنْ بَعدَهُ، سَواءٌ الْتَزَمُوها أَمْ لَمْ يَلْتزِمُوهَا. وقَولُهُ ﵀: [﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أَي: أهْلَ مكَّةَ] ولَوْ قِيلَ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: عَقبِهِ؛ لأَنَّ الآياتِ لَيسَ فِيهَا ذِكْرُ أهْلِ مَكَّةَ، فِيهَا العَقِبُ. ومَعلُومٌ أن أهلَ مكَّةَ مِنْ عَقبِهِ، وأنَّ بَنِي إسرَائِيلَ مِنْ عَقبِهِ، فإِذَا قُلْنا: إنَّ الضَّميرَ فِي ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يَعُودُ إِلَى ﴿عَقِبِهِ﴾ صَارَ أعَمَّ ممَّا قَال المفسِّر؛ لأَنَّه خصَّها بجُزْءٍ مِنَ العَقِبِ، وهَذَا قُصُورٌ بِلَا شَكٍّ؛ ولهَذَا اتَّخِذْ هذ القَاعِدة (لَا تُفسِّر القُرآنَ بأخَصَّ ممَّا يَدُلُّ عَلَيهِ)، بمَعْنَى: إِذَا كَانَ القُرانُ يَدُلُّ عَلَى شَيءٍ عَامٍّ فَلَا تُخصِّصْه، إلَّا إِذَا كَانَ هُناكَ دَلِيلٌ، وإلَّا فأَبْقِه عَلَى عُمُومِهِ. إذَنْ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى العَقِبِ مِنْ قُرَيشٍ وبَنِي إسرَائِيلَ. لكِنْ مَا مَعْنَى ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾؟ عَلَى كَلَامِ المُفسِّر ﵀ يَعْنِي: أنَّها ستَبْقَى هَذ الكلمَةُ فِي العَقِبِ، فلَا يُمكِنُ أَنْ يُفقَدَ مِنْهُم التَّوحيدُ. والصَّوابُ: أن جَعْلَها جَعْلًا شَرْعيًّا، بمَعْنى أنَّهُ عَهِدَ إِلَى عَقبِهِ أَنْ يُوحِّدوا اللهَ فمِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ ومِنْهُم مَنْ عَصَى. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: مزيَّة عظِيمَةٌ لإِبرَاهِيمَ ﵇: وهِيَ إعْلَانُهُ البرَاءَةَ ممَّا يَعبُدُ قَومُهُ ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾.

стр. 116

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّوحِيدُ الخَالِصُ فِي إبرَاهِيمَ؛ لقَوْلِهِ : ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهَذَا مَعْنَى قَولي: (لَا إِلَهَ إلا اللهُ). فـ ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ بإِزَاءِ (لَا إِلَهَ)، و ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ بإزَاءِ (إلَّا اللهُ)، إِذَنْ هَذ الكَلِمَةُ ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ بمَعْنَى: لَا إِلَه إلا اللهُ. تَمَامًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّهُ يَنْبَغِي للإنسَانِ أَنْ يَقْرنَ الحُكْمَ بالدَّلِيلِ؛ لأَنَّهُ أَبلَغُ، ذَلِكَ حِينَ قَال إبرَاهِيمُ: ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: قُوَّةُ الرَّجَاءِ -أَي: رَجَاءِ إبرَاهِيمَ باللهِ ؛ لقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ والسِّينُ هَذ تَدُلُّ عَلَى التَّحقِيقِ. والهِدَايَةُ نَوْعَانِ: النَّوعُ الأوَّلُ: هِدَايَةُ الدَّلالةِ بمَعْنى الدَّلالة عَلَى الحَقِّ، وهَذه تَكُونُ مِنَ اللهِ، ومنْ عِبَادِ اللهِ. النَّوعُ الثَّانِي: هدَايَةُ التَّوفِيقِ للحَقِّ، وهَذ لَا تَكُونُ إلا مِنَ اللهِ لَا أَحَدَ يَملِكُها، نَسْألُ اللهَ أَنْ يَهدِيَنا وإيَّاكُمْ. ثُمَّ الآيَاتُ الوَارِدَةُ فِي هَذَا: مِنْهَا مَا يَتعيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هِدَايَةِ التَّوفيقِ، ومِنْهَا مَا يَتعيَّنُ حمْلُهُ عَلَى هِدَايَةِ الدَّلالةِ، ومِنْهَا مَا يَشْمَلُ الأمرَينِ، فالآيَاتُ الوَارِدَةُ فِي الهِدَايَةِ، فقَوْلُ المُصلِّي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] يَشْمَلُ الأمرَينِ: هِدَايَةَ الدَّلالةِ وهِيَ العِلْمُ، وهدَايَةَ التَّوفِيقِ وهِيَ العَمَلُ، فهَلْ أنتَ أيُّها المُصلِّي تَشْعُرُ بهَذَا إِذَا قُلْتَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أو تَشْعُرُ بأنَّكَ تَتْلُو القُرآنَ فَقَطْ؟ الثَّانِي غَالبًا، فأكثْرُ النَّاسِ يَقُولُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يَقْرَؤُها عَلَى أنَّها

стр. 117

آيَةٌ تُقْرَأُ، لَا يَشْعُر بأَنَّ المَعْنَى اهْدِني: عَلِّمْني ووفِّقْنِي للعَمَلِ، لَا يَشْعُرُ بهَذَا، لكِنِ استَشْعِرْ هَذَا الشَّيءَ حتَّى تَعْرِفَ عَلَى أيِّ شَيءٍ تُؤمِنُ. مِثَالُ هِدَايةِ الدَّلالةِ وَحْدها: قَولُ اللهِ ﵎ لنَبيِّه محُمَّد: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] هَذِهِ هدَايَةُ دَلَالةٍ يَعْنِي: تَدُلُّ النَّاسَ إِلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ. ومثَالُ هدَايَةِ التَّوفِيقِ قَولُ اللهِ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، يَقُولُ للرَّسُولِ ﷺ يَعْنِي: لَنْ تُوفِّقَ أحَدًا لهِدَايَةٍ ولَوْ كُنْتَ تُحِبُّه؛ ولهَذَا حَاوَلَ النَّبيُّ ﵊ حِينَ حَضَرَ عمَّه أبَا طَالِبٍ وهُوَ فِي سِيَاقِ المَوْتِ، حَاوَلَ أَنْ يُوحِّدَ اللهَ ولَكِنْ عَجَزَ، قَال فِي سِياقِ المَوْتِ: "يَا عَمِّ قُلْ: لَا إِلَهَ إلا اللهُ. كلَمِةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ" وكَانَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيشٍ جَلِيسَا سُوْءٍ، فقَالا لأَبِي طَالِبٍ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. يَعْني: جَدَّه الَّذِي تَفتَخِرُ بِهِ قرَيشٌ، فكَانَ آخِرُ مَا قَال: هُوَ عَلَى مِلَّة عبْدِ المُطَّلبِ (١). وأَبى أَنْ يقُولَ: لَا إِلَهَ إلا اللهُ. فالهِدَايَةُ الَّتِي عجَزَ عنْهَا النَّبيُّ ﷺ هِيَ هِدَايَةُ التَّوفِيقِ، أمَّا هِدَايَةُ الدَّلالةِ فقَد قَال: "قُلْ: لَا إِلَهَ إلا اللهُ". وقَوْلُ اللهِ : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] مِنْ هِدَايَةِ الدَّلالةِ.

стр. 118

وقَولُهُ تعَالى: ﴿وَاجْتَبَينَاهُمْ وَهَدَينَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] يَشْمَلُ الأَمْرَينِ جَمِيعًا. فإِنْ قَال قَائِلٌ: هَلْ للإنسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فيَقُولُ: "يَا رَبِّ اهْدِنِي هِدَايَةَ التَّوفِيقِ". يُعيَّنُ هِدَايَةً مُعيَّنةً؟ فالجَوابُ: لَا، يَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِني. ويَنْوي الهِدَايتَينِ، أَوْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلِّمْنِي ووفِّقنِي للعَمَلِ الصَّالِحِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَمَامُ نُصْحِ إبرَاهِيمَ ﵇ لعَقبِهِ؛ حيثُ جعَلَ كلِمَةَ التَّوحِيدِ بَاقِيَةً فِيهِ، وهَذَا بمَنْزِلَةِ الوَصيَّة للعَقِبِ أَنْ يَقُومُوا بهَذهِ الوصيَّةِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الرُّجوعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيهِ الأسْلَافُ مِنَ الحَقِّ؛ لقَوْلِهِ : ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

стр. 119

الآية (٢٩) قَال اللهُ : ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩]. ثُمَّ قَال : ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿بَلْ﴾ هذ للإضْرَابِ، إضْرَابُ انتِقَالٍ؛ لبَيَانِ مِنَّةِ اللهِ عَلَى قُرَيشٍ. قَال المفسر ﵀: [﴿مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ المُشرِكين]، أَي: أَبقَيتُهم [﴿وَآبَاءَهُمْ﴾ ولَمْ أُعاجِلْهُمْ بالعُقُوبَةِ] بَلْ أَبقَاهُمْ بدُونِ عُقُوبةٍ مَعَ شِرْكِهم وكُفْرِهِمْ، واتِّخاذِ أصنَامٍ كاللَّاتِ والعُزَّى وهُبَل ومَنَاةَ. ﴿حَتَّى﴾ للغَايَةِ يَعْنِي: إِلَى أنْ ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يَقُولُ ﵀: [القُرآنُ] والصَّوابُ مَا هُوَ أعَمُّ: القُرآنُ، والإسْلَامُ، والسُّنَّةُ. فهُوَ أعَمُّ ممَّا قَالهُ المُفسِّر. ونحْنُ نقُولُ بالقَاعِدَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيهَا قَبْلَ قَلِيلٍ، وهِيَ إبقَاءُ القُرآنِ عَلَى عُمُومِهِ فلا نُخَصِّصُه، فنَقُولُ: ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أيِ: الَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ القُرآنِ والسُّنَّةِ وغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّريعَةِ. قَال ﵀: [﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ مُظهِرُ عِلْمِ الأحكَامِ الشَّرعيَّةِ، وهُوَ محُمَّدٌ ﷺ ]. ﴿وَرَسُولٌ﴾ نَكَّرهُ للعِلْمِ بِهِ، ونَكَّرَهُ للتَّعظِيم، وقَولُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ أَي: مُظهِرٌ للأحكَامِ الشَّرعيَّة والأَمْرِ كَمَا قَال اللهُ .

стр. 120

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيَانُ أن اللهَ بيَدِهِ كُلُّ شَيءٍ؛ إنْ شَاءَ متَّعَ النَّاسَ وأَبقَاهُمْ، وإِنْ شَاءَ أهلَكَهُم، لقَولِهِ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ فالتَّمتِيعُ عَائِدٌ إلَيهِ وَحْدَهُ. وأفعَالُ اللهِ لَيسَ لَهَا حَصْرٌ، فالَّذِي مَتَّعهُمُ اللهُ ، وكُلُّ مَا فِي الكَوْنِ فهُوَ مِنْ فِعْلِ اللهِ فَلَا حَصْرَ لَهُ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن اللهَ لَهُ الحِكْمَةُ فِي إبقَاءِ الكَافِرِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وإلَّا لأَهْلَكَهُ، لكِنْ لَهُ الحِكْمَةُ، ومنَ الحِكْمَةِ أَنْ يَأتِيَ حقٌّ فيُؤمِنُ بِهِ، فيَسعَدُ فِي الدُّنيا والآخِرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ فِي بقَاءِ الكُفَّارِ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ امتِحَانٌ للمُؤمِنينَ مَعَ هؤُلَاءِ الكُفَّارِ، بجِهَادِ الكُفَّارِ، وظُهُورِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى المُسلمِينَ بالإسْلَامِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن مَا جَاءَ بِهِ النَّبيُّ ﷺ فهُوَ حَقٌّ، إِنْ كَانَ أخْبَارًا فهِيَ صِدْقٌ، وإِنْ كَانَتْ أحْكَامًا فهِيَ عَدْلٌ، ولَيسَ فِيمَا جَاءَ بِهِ النَّبيُّ ﷺ بَاطِلٌ، كُلُّه حَقٌّ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن محُمَّدًا ﷺ رَسُولُ اللهِ حقًّا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن النَّبيَّ ﷺ بيَّن كُلَّ مَا تَحتَاجُهُ أُمَّتُه إِلَيهِ مِنْ خَيرٍ فتَفْعَلُه، ومِنْ شَرٍّ فتَترُكُه، قَال أبُو ذَرٍّ ﵁: لقَدْ تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا مِنْ طَائِرٍ يُقلِّب جَنَاحَيهِ فِي السَّماءِ إلا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا (١). وإذَا شِئْتَ مِصدَاقَ هَذَا القَوْلِ فانْظُرِ: الشَّريعَةُ الإسْلامِيَّةُ جاءَتْ بتَقْرِيرِ التَّوحِيدِ، وهَذَا أعظَمُ مَا يَكُونُ، جَاءَتْ ببَيَانِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والصِّيامِ، جَاءَتْ بآدَابِ الأكْلِ والشُّربِ، جاءَتْ بآدَابِ التَّخلِّي منْهُما -مِنَ الأكْلِ والشُّربِ-

стр. 121

جاءَتْ بآدَابِ اللِّباسِ، حتَّى لُبْسُ الثَّوبِ جاءَتِ الشَّريعَةُ بِهِ، تُدخِلُ الكُمَّ الأيمَنَ قَبْلَ الأيسَرِ، وتَخْلَعُ الأيسَرَ قَبْلَ الأيمَنِ، جاءَتْ بآدَابِ مُعامَلَةِ النَّاسِ بعضِهُم مَعَ بَعْضٍ. كلُّ شَيءٍ دَقِيقٍ أوْ جلِيلٍ فالشَّريعَةُ جاءَتْ ببيَانِهِ -وللهِ الحَمْدُ- لكِنْ يَضِلُّ مَنْ يَضِلُّ، ويَهتَدِي مَنْ يَهتَدِي.

стр. 122

الآية (٣٠) قَال اللهُ : ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠]. نَسْألُ اللهَ العَافيَةَ ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾ وَيعْنُون بِهِ القُرآنَ؛ لأَنَّ القُرآنَ أبْينُ الكَلَام وأفصَحُ الكَلَامِ، وقَدْ قَال النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا" (١)؛ ولهَذَا كَانَتْ قُريش تَأتِي خُفيَةً فِي اللَّيلِ لتَستَمِعَ قِرَاءَةَ النَّبيِّ ﷺ ، أخَذَ بألبَابِهَا وجَرَّها جرًّا عَنِيفًا إِلَى استِمَاعِهِ فقَالُوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾ سَحَرَنا محُمَّدٌ، محمَّدٌ ساحِرٌ، كَاهِنٌ، مَجنُونٌ ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾. نَسأَلُ اللهَ العَافيَةَ! فأكَّدُوا أنَّهُم كَافِرُون بِهِ؛ لأَنَّه -عَلَى زَعمِهِمْ- سِحْرٌ، وإِذَا كَانَ القُرآنُ سِحْرًا فالَّذِي جَاءَ بِهِ يَكُونُ سَاحِرًا، ولهَذَا لقَّبُوا النَّبيَّ ﷺ بألقَابِ السُّوءِ؛ حتَّى يَنْفِرَ النَّاسُ مِنْ دَعوَتِهِ، ولكِنْ -والحمْدُ لله- كُلَّما أَحْدَثُوا شَرًّا أَحْدَثَ اللهُ خَيرًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: شِدَّةُ عِنَادِ المُكذِّبينَ للرَّسُولِ ﷺ ؛ حيثُ زَعَمُوا أن مَا جَاءَ بِهِ سِحْرٌ مَعَ أَنَّهُ حقٌّ.

стр. 123

الْفَائِدَةُ الثانِيَةُ: شِدَّةُ عِنَادِهِم؛ حيثُ أَعلَنُوا إعْلَانًا صَرِيحًا أنَّهُم كَافِرُون بِهِ ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾.

стр. 124

الآية (٣١) قَال اللهُ : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. قَالُوا أيضًا لمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا﴾ قَال المُفسِّر ﵀: [هَلَّا] ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾: ﴿لَوْلَا﴾ بمَعْنَى: هَلَّا، ولَهَا أمثِلَة: مِثْلُ قَولِهِ: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] أَي: هَلَّا جَاؤُوا علَيهِ بأَرْبَعَةِ شُهدَاءَ. وقَوله: ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ﴾ هذِهِ عِلَّة أُخرَى لرَدِّهم القُرآنَ، يَقُولُون: لَوْ كَانَ هَذَا القُرآنُ نَزَلَ عَلَى رَجُلٍ عظِيمٍ مِنَ القَريتَينِ، وهُمَا مَكَّةُ والطَّائِفُ. يَعْنِي: لكُنَّا قَبِلْنَاهُ، لكِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى رَجُلٍ عظِيمٍ مِنَ القَريتَينِ فَلَا نَقْبَلُهُ، -سُبْحَانَ اللهِ- مَا أعظَمَ عِنَادَهم! إنَّ محمَّدًا ﷺ هُوَ أعظَمُ رَجُلٍ فِي قُريشٍ، إِنْ نظَرْتَ إِلَى سِلسِلَةِ آبَائِهِ وجَدْتَ الأَمْرَ كذَلِكَ، وإِذَا نظَرْتَ إِلَى خُلُقِهِ ومُعَامَلَتِهِ وَجَدْتَ الأَمْرَ كذَلِكَ، حتَّى كَانُوا يُلقِّبُونَه بالأَمِينِ، ولمَّا جَاءَ الحقُّ صَارَ كذَّابًا، صَارَ سَاحِرًا، صَارَ مَجنُونًا، صَارَ كاهِنًا. إذَنْ: تَعلَّلوا الآنَ بعِلَّة ثَانيَةٍ -غَير أن القُرآنَ سِحْرٌ-، وهِيَ أنَّهُم قَالُوا: لَوْ أن القُرآنَ نَزَلَ عَلَى رَجُلٍ عظِيمٍ مِنْ أهْلِ الطَّائِفِ، أَوْ أهْلِ مَكَّةَ لقَبِلْنَاهُ، ولكِنْ نَزَلَ عَلَى محُمَّدٍ، ولَيسَ عظيمًا فِي قَومِهِ، فَلَا نَقْبلُهُ.

стр. 125

يقُولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ﴾ أَي: مِنْ أيَّة مِنْهُما] إمَّا مَكَّةَ، وإمَّا الطَّائفِ. ﴿عَظِيمٍ﴾ أَي: مُعظَّم فِي قَوْمِهِ، ثُمَّ سمَّاهُمُ: [الوَليدُ بْنُ المغيرَةِ بمَكَّةَ، أَوْ عُروَةُ بْنُ مسعُودٍ الثَّقَفيُّ بالطَّائفِ] وهَذَا التَّعيينُ يَحتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، فإِذَا صَحَّ -مِنْ حَيثُ التَّاريخُ- أن أهْلَ مَكَّةَ يَعْنُون هَذَينِ الرَّجُلينِ فَلَا غَرَابَةَ، وإلَّا فتَبْقَى الْآيَةُ عَلَى إبهَامِهَا، وأنَّهُم تَعَلَّلُوا بهَذِهِ العِلَلِ البَاطلَةِ، بأَنَّ القُرانَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى رَجُلٍ عظِيمٍ مِنَ القَريتَينِ.

стр. 126

الآية (٣٢) * قَال اللهُ : ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. قَولُه : ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الاستِفْهَامُ هُنَا للإنْكَارِ. يَعْنِي: هَلْ هُمُ الَّذِين يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ اللهِ، فيَجْعَلُونَ لهَذَا حظًّا ولهَذَا حظًّا، أَوْ يَقُولُونَ: هَذَا لَا يَستَحِقُّ وهَذَا يَستَحِقُّ. ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ قَال المُفسِّرُ ﵀: [بالنُّبوَّةِ] وهَذَا أيضًا مِمَّا يُؤخَذُ عَلَى المُفسِّرُ، لأنَّهُ خصَّهُ بالنُّبوَّةِ، ونحْنُ نَقُولُ: بالنُّبوَّةِ وغيرِهَا. هُمْ لَا يَقْسِمُونَ رحمَةَ اللهِ لَا بالنُّبوّةِ ولَا بالقُوَّة، ولَا بالأكْلِ ولَا بالشُّربِ، ولَا غَيرِ ذَلِكَ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: الآية هذه ﴿رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ مَذكُورَةٌ فِي سيَاق قولِه تَعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ﴾ وهُنا خَصَّ النُّبوَّة بأَنْ تَكُونَ بأَحَدِ الرَّجُلينِ؟ فالجَوابُ: نَقُولُ: نَعَمِ السِّياقُ فِي النُّبوَّة، لكِنْ إذَا كَانَ عَامًّا دخَلَتْ فِيهِ النُّبوّةُ؛ ولهَذَا قَال الأُصوليُّون: العِبْرَةُ بعُمُومِ اللَّفظِ لَا بخُصُوصِ السَّببِ، والسِّياقُ لَا يَكُونُ دَلِيلًا؛ لأنَّهُ لَوْ قُلْنا: إنَّهُ عَامٌّ لَمْ يَخْرُجْ مَا دَلَّ عَلَيهِ السِّياقُ، أمَّا إِذَا كَانَ يَخرُجْ مَا دَلَّ عَلَيهِ السِّياقُ فمَعْلُومٌ أنَّهُ لَا يَصِحُّ.

стр. 127

وعَلَى هَذَا نَقُوُل: المُرادُ برَحْمَةِ اللهِ مَا هُوَ أعَمُّ مِنَ النُّبوَّةِ. يَعْنِي: النُّبوَّةَ، وسَعَةَ الرِّزقِ، والأمْنَ، وكثْرَةَ الأولَادِ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فهُمْ لَا يَقْسِمُونَ هَذَا. قَال اللهُ : ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وهَذَا دَلِيلٌ حِسِّيٌّ لَا يُمكِنُ إنكَارُه. يَعْنِي: إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ هُمُ الَّذِين يَقْسِمُون رَحْمَةَ اللهِ فلْيَنظُرُوا ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أَي: قدَّرْنَاهَا هَذَا غَنيٌّ، وهَذَا فقِيرٌ، وهَذَا مُتوسِّطٌ، هَذَا قَادِرٌ، وهَذَا عَاجِزٌ، وقُريشٌ لَا تُنْكِرُ هَذَا؛ لأَنَّهُ شَيءٌ معلُومٌ مَلمُوسٌ محَسُوسٌ ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فجَعَلْنا بعضَهُم غنِيًّا، وبعْضَهُم فقِيرًا، وهَذَا مِثَالٌ، وإلَّا فنَقُولُ: وجعَلْنا بعضَهُم ضَعِيفًا وبعضَهُم قَويًّا، وبعضَهُم قَادِرًا وبعضَهُم عَاجِزًا. قَال المفسِّر ﵀: [فجَعَلْنا بعضَهُم غَنيًّا، وبعضَهُم فقِيرًا ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ﴾ بالغِنَى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾]. قولُه ﵀: [بالغِنَى] ولكِنْ هَذَا أيضًا مِنَ القُصُورِ، والصَّوابُ: أنَّهُ رَفَعَ بعضَهُم فَوْقَ بعْضٍ درجَاتٍ فِي الغِنَى، والعِلْمِ، والعَقْلِ، والخُلُقِ، وغَيرِ ذَلِكَ. رَفَعَ اللهُ بعْضَ النَّاسِ عَلَى بعْضٍ درجَاتٍ. أَي: درَجَاتٍ واسِعَةً. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ قَال المفسِّر ﵀: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ﴾ الغَنيُّ ﴿بَعْضًا﴾ الفَقِيرَ ﴿سُخْرِيًّا﴾ مُسخَّرًا فِي العَمَلِ لهُمْ بالأُجرَةِ، واليَاءُ للنَّسَبِ، وقُرِئَ بكَسْرِ السِّينِ]. رَفَعَ اللهُ تعالى بعضهُم فَوْقَ بعْضٍ درجَاتٍ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ يَقُولُ المفسِّر ﵀: [﴿بَعْضُهُمْ﴾ الأغْنِيَاءُ ﴿بَعْضًا﴾ الفُقَرَاءَ] هَذَا قَاصِرٌ؛ لأَنَّ المُرادَ

стр. 128

﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ حتَّى فِي غَيرِ الغِنَى، حتَّى فِي الذَّكاءِ، حتَّى فِي الصِّناعَةِ، فتَجِدُ رَجُلًا مَثَلًا عنْدَهُ خِبرَةٌ فِي الصِّناعَةِ يَأتِي بالعُمَّالِ هُوَ فَوقَهُم، كذَلِكَ فِي الذَّكاءِ يَجْلِسُ مَعَ قَومٍ ويَتحَدَّثُ إليهِمْ بذَكائِهِ المُفرِطِ، وهُمْ دُونَ ذَلِكَ، فيَرفَعُهُمُ اللهُ. المُهمُّ: أنَّهُ لَا يجوزُ أَنْ نُخصِّصَ عُمُومَ القُرآنِ إلا بدَلِيلٍ. وقَولُهُ ﵀: [اليَاءُ للنَّسَبِ] أَي: لنَسَبِ التَّسخِير. وقَولُهُ: [قُرِئَ بكَسْرِ السِّينِ] المُفسِّر لَهُ اصطِلَاحٌ لَا بُدَّ أَنْ نَفهَمَهُ، إِذَا قَال: (وفِي قِرَاءَةٍ) فهِيَ سَبْعيَّةٌ، وإِذَا قَال: (قُرِئَ) فهِيَ شَاذَّة؛ هَذَا اصطِلَاحُهُ، فهُنَا يَقُولُ: [قُرِئَ بكَسْرِ السِّينِ]، فتكُونُ القِرَاءَةُ شَاذَّةً خَارِجَةً عَنِ القِرَاءَاتِ السَّبْعِ، وهَذَا هُوَ الصَّوابُ أنَّها قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ؛ لأنَّ السِّينَ بالكَسْرِ الاستِهْزَاءِ، كَمَا قَال : ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣]، فقَال : ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أَي: هُزُءًا. وأمَّا بالضَّمِّ (سُخْريًّا) فهُوَ مِنَ التَّسخِيرِ، يَعْنِي: التَّذلِيلِ؛ إذَنِ: المُناسِبُ هُنَا الضَّمُّ؛ لأَنَّهُ مِنَ التَّسخِير لَوْلَا اختِلَافُ النَّاسِ هَذَا الاختِلَافَ لتَعطَّلَتِ المَصَالِحُ، فلَوْ كَانُوا كُلُّهم أغنيَاءَ فَلَا أحَدَ يَقُومُ بالعَمَلِ؛ لأنَّهُ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يَعْمَلَ قَال لَهُ: إِذَا كَانَ عِنْدَكَ ألْفُ رِيالٍ أنَا عِنْدِي أَلفانِ. وكذَلِكَ أيضًا بَقِيَّةُ الأوْصَافِ لَولَا هَذَا الاختِلَافُ مَا قَامَتِ الدُّنيَا أبَدًا، وهَذَا مِنْ حِكْمَةِ اللهِ . ثُمَّ هُنَاكَ حِكْمَةٌ أُخْرَى وهِيَ أَنْ يُعرَفَ بهَذَا قُدْرَةُ اللهِ ﵎ حيثُ جَعَلَ هَذَا البَشَرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وبقُوَّةٍ وَاحِدَةٍ، ومَعَ ذَلِكَ يَتَفَاضَلُون تَفاضُلًا كَبِيرًا فِيمَا أَعطَاهُمُ اللهُ مِنَ الغِنَى وغَيرِهِ.

стр. 129

فإِنْ قَال قَائِلٌ: القَاعِدَةُ العِبرَةُ بعُمُومِ اللَّفظِ لَا بخُصُوصِ السَّبَبِ، الْآية: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لمَاذَا لَا يَحتَمِلُ المَعنيَينِ السُّخريةَ، وأيضًا التَّسخِيرَ؟ فالجَوابُ: أن هَذا لَا يَستَقِيمُ؛ لأَنَّ اختِلَافَ الطَّبَقَاتِ لَيسَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَستَهزِئَ بعضُهُمْ ببعْضٍ، لكِنْ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُسخِّر بعضُهُمْ بعْضًا فِي العَمَلِ، ولَا يُمكِنُ أن اللهَ بحِكْمَتِهِ يَجْعَلُ طبَقَاتٍ مخُتَلِفَةً مِنْ أَجْلِ أَنْ يَستَهزِئَ بعضُهُم ببعْضٍ. قَال ﵀: [﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أيِ: الجَنّة ﴿خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ فِي الدُّنيَا]. قَوُلهُ: [﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أيِ: الجنَّة] فِيهِ أيضًا شَيءٌ مِنَ القُصُورِ، الرَّحمَةُ تُطلَقُ عَلَى الجَنَّةِ بِلَا شَكٍّ كَمَا قَال اللهُ تعَالى لَهَا يُخَاطِبُها: "أَنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مِنْ أَشاءُ" (١)، وقَال تعَالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧] يَعْنِي: الجنَّة، لكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَال: رَحمَةُ اللهِ أعَمُّ مِنْ هَذَا، حتَّى رحمَةُ اللهِ تَعَالى للعَبْدِ بهِدَايتِهِ للإسلَامِ والإيمَانِ خَير ممَّا يَجْمَعُونَ، فالأَوْلَى التَّعمِيمُ دُونَ التَّخصِيصِ. فإِنْ قَال قَائِل: قَولُ المفسِّر ﵀: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أَي: أنَّه الجَنَّةُ، هَلْ هَذَا مِنْ تَأويلِهِ؟ فالجَوابُ: لَا، بل مِنَ التَّقصِيرِ فِي التَّفسِيرِ، لَيسَ تَأويلًا؛ لأَنَّ الجَنَّةَ رَحمَةٌ،

стр. 130

وذكَرْنَا أَنَّ اللهَ قَال للجَنَّةِ: "أنتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ" (١)، لكن كونه قَصَرهَا عِلَى وَاحِدٍ مِنَ الرَّحمَةِ فهَذَا قُصُورٌ. من فوائد الآيات الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: مُجَادَلَةُ المُشرِكِينَ بالبَاطِلِ؛ لقَوْلهِمْ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ وَجْهُ ذَلِكَ أن قُرَيشًا تَعرِفُ أن محُمَّدًا ﷺ أحقُّ النَّاسِ بالرِّسَالةِ لَوْ صَدَّقُوا بِهَا؛ لأنَّهُ مِنْ خِيرَةِ العَرَبِ نَسَبًا، ولأنَّهُ الأَمِينُ الصَّادِقُ، وهُمْ يُسمُّونَهُ الأمِينَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأتِيَ بالرِّسَالةِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن القَريَةَ تُطلَقُ عَلَى المُدُنِ الكَبِيرَةِ، بَلْ عَلَى أُمِّ المُدُنِ؛ لقَولِهِ: ﴿مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾؛ ولقَولِهِ تعَالى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، قَريتُهُ الَّتِي أَخْرَجَتْهُ هِيَ مَكَّةُ، فِي عُرْفِنَا الْآنَ تُطلَقُ القَريَةُ عَلَى المدِينَةِ الصَّغيرَةِ، ولَوْ أنَّكَ قُلْتَ لأَهْلِ المدِينَةِ الكَبيرَةِ: أنْتُم أهْلُ القَريَةِ. لاشْتَاطُوا غَضَبًا، ولكِنْ يُقَالُ: القُرآنُ بينَنَا، القَريَةُ تُطلَقُ حتَّى عَلَى المدِينَةِ الكَبيرَةِ؛ لأَنَّها مَأخُوذَةٌ مِنَ القَرْيِ، وهُوَ الاجتِمَاعُ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إنكَارُ اللهِ علَيهِمْ، وبيَانُ أنَّهُم لَيسُوا الَّذِين يَقسِمُون رحمَةَ اللهِ؛ لقَولِهِ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إقَامَةُ الدَّليلِ الَّذِي لَا انفِكَاكَ عَنْهُ بأَنَّهُم لَا يَستَطِيعُونَ قَسْمَ رَحمَةِ اللهِ، يُؤخَذُ مِنْ قَولِهِ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ فهَذَا لَا يُمكِنُهم إنكَارُهُ،

стр. 131

هُمْ يَعْرِفُونَ أن فِيهِمُ الغَنِيَّ والفَقِيرَ، والقَويَّ والضَّعيفَ، والذَّكيَّ والبَلِيدَ، والعَاقِلَ والسَّفيهَ، هُمْ يَعْرِفُون هَذَا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الحِكْمَةُ فِي أن الله جعَلَ النَّاسَ عَلَى درَجَاتٍ؛ لقَولِهِ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبَاتُ التَّعليلِ والحِكْمَةُ لأفعَالِ اللهِ أَي: أنَّهُ يَفْعَلُ لحِكْمَةٍ - لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لحِكْمَةٍ - لقَولِهِ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لأَنَّ اللَّامَ هُنَا للتَّعلِيلِ. وتَعْلِيلُ أحكَامِ اللهِ الكونيَّةِ مَوجُودٌ بكَثْرَةٍ فِي القُرآنِ، والأحكَامُ الشَّرعيَّةُ كالإيجَابِ والتَّحرِيمِ والإباحَةِ مُعلّلةٌ، فكُلُّ حُكْمٍ مِنْ أحكَامِ اللهِ الكونيَّةِ أَو الشَّرعيَّةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حِكْمَةٍ. ولكِنْ هُنَا سُؤَالٌ: هَلْ هَذِه الحِكَمُ معْلُومَةٌ للخَلْقِ أَوْ لَيسَتْ معلُومَةً؟ فالجَوابُ: مِنْهَا مَا هُوَ مَعْلُومٌ، ومنْهَا مَا لَيسَ بمَعلُومٍ؛ لأَنَّ عُقُولَنا قَاصِرَةٌ مهْمَا بلَغْنَا مِنَ العَقْلِ فهُوَ قَاصِرٌ، إِذَنْ خُذْ هَذ الفَائِدَةَ: جَمِيعُ أحْكَامِ اللهِ الكَونيَّةِ والشَّرعيَّةِ مُعَلَّلةٌ بحِكْمَةٍ، لكِنْ مِنَ الحِكَمِ مَا نَعْلَمُهُ ومِنْهَا مَا لَا نَعْلَمُه، هكَذَا يَجِبُ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: أيُّهمَا أبْلَغُ فِي التَّعبُّدِ أَنْ يَعبُدَ اللهَ وهُوَ لَا يَعْرِفُ الحِكْمَةَ، أَوْ أَنْ يَعْبُدَ اللهَ وَهُوَ يَعرِفُ الحِكْمَةَ؟ فالجَوابُ: أمَّا مِنْ جِهَةِ التَّذلُّلِ المُطلَقِ فتَعبُّدُ الإنسَانِ بشَيءٍ لَا يَعرِفُ حِكْمَتَهُ أبلَغُ مِنْ تَعبُّدِهِ بشَيءٍ يَعرِفُ حِكْمَتَهُ؛ لأنَّهُ إِذَا تَعبَّدَ بشَيءٍ يَعرِفُ حِكْمَتَهُ فإِنَّهُ قَدْ يَتعبَّد للهِ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الحِكمَةِ، لكِنْ إِذَا لَمْ يَعرِفِ الحِكْمَةَ صَارَ أبلَغَ للتَّذلُّلِ، كَأَنَّهُ

стр. 132

يَقُولُ: سأَعبُدُ الله سواءٌ عَرَفْتُ الحِكْمةَ مِنْ هَذَا أَوْ لَا. مثالُ ذَالِكَ: رَمْيُ الجمَرَاتِ في الحَجِّ، يَأتِي الإنسَانُ بحَصًى مُعيَّنةٍ، ويَرمِيها في مَكَانٍ مُعيَّن، بينمَا لَوْ أَتَى بأضْعَافِ تِلْكَ الحَصَى بعْدَ عشَرَةِ أيَّامٍ ورَمَى فِي هَذَا المكَانِ؛ لعُدَّ هَذَا عبَثًا، فَمَا الحِكْمَةُ؟ الجَوابُ: أولًا: الحِكْمَةُ أن ذَلِكَ لإقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ؛ ولهَذا كُلَّما رَمَى الإنسَانُ قَال: اللهُ أكبَرُ. ثَانيًا: أَنْ يَظْهَرَ بذَلِكَ أثَرُ التَّعبُّد المُطلَقُ، حيثُ يَفعَلُ الإنسَانُ هَذَا الفِعْلَ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ الغَايَةَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّحدِيدِ، وأمثَالُ هَذَا كثِيرٌ، ولهَذَا أَطْلَقَ الفُقَهَاءُ ﵏ عَلَى الأحْكَامِ الَّتِي لَا تُعلَمُ حِكْمَتُهَا اسْمَ تَعبُّديَّة، أَوْ هَذَا تَعبُّد، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ليسَ الغَرَضُ مِنْهُ إلَّا إقَامَةَ العِبَادَةِ للهِ . الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: جوَازُ استِخْدَامِ العُمّال، تُؤْخَذُ مِنْ قَولِهِ تعالى: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: الحِكْمَةُ العظِيمَةُ فِي هَذَا -أَي: فِي التَّفاوُتِ- لأَنَّهُ لَوْلَا هَذَا التَّفاوُتُ مَا عُرِف قَدْرُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى الغَنِيِّ بالغِنَى، وعَلَى العَاقِلِ بالعَقْلِ، وعَلَى القَويِّ بالقُوَّة، وهكَذَا، لَولَا الجُنُونُ مَا عُرِفَ قَدْرُ قِيمَةِ العَقْلِ، ولَوْلَا المَرَضُ مَا عُرِف قَدْرُ قِيمَةِ الصِّحَّةِ، إذَنْ هَذَا مِنَ الحِكْمَةِ. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن رَحمَةَ اللهِ ومنْهَا الجَنَّة ﴿خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أَي: مِنْ كُلِّ مَا يَجمَعُونَ؛ لأَنَّهُ الغَايَةُ الَّتِي يَسعَى إلَيهَا كُلُّ مُؤمِنٍ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَسْعَى إلَيهَا كُلُّ عَاقِلٍ.

стр. 133

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الإشَارَةُ إِلَى خُطُورَةِ الجَمْعِ -أَي: جمْعِ الأموَالِ- وأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُنسِي الآخِرَةَ، وهُوَ كذَلِكَ، فجمَعُ الأموَالِ يُنسِي الآخِرَةَ إلا مَنْ رَحِمَ رَبِّي؛ ولهَذَا قَال النَّبيُّ ﷺ : "وَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوْهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" (١). وهَذَا هُوَ الوَاقِعُ، فالدُّنيَا والدِّينُ فِي الغَالِبِ لَا يَجْتَمِعَانِ، إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ، وكَمْ مِنْ إنسَانٍ كَانَ فَقِيرًا مُستَقِيمًا عَلَى دِينِ اللهِ فأَغْنَاهُ اللهُ فصَارَ غِنَاهُ سَبَبًا لطُغيَانِهِ واستِغْنَائِهِ عَنْ رَبِّه، قَال اللهُ : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧].

стр. 134

الآية (٣٣) قَال اللهُ : ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]. ﴿وَلَوْلَا﴾ هذ حَرْفٌ فِيهَا شَرْطٌ: (لَوْلَا كَذَا لكَانَ كَذَا)، فَهِي حَرْفُ امتِنَاعٍ لِوُجُودٍ ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾ لكِنِ امتَنَعَ الجَعْلُ لئلَّا يَكُونَ النَاسُ أُمَّة واحِدَةً. قَال المفسِّر ﵀: [﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا﴾ عَلَى الكُفْرِ] بدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾. ﴿لَجَعَلْنَا﴾ أَي: صَيَّرنا ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ وهُوَ اللهُ ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ قَال المفسِّر ﵀: [بدَلٌ مِنْ ﴿لِمَنْ﴾] بدَلُ اشتِمَالٍ ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾، والبَدَلُ هُوَ المقْصُودُ بالحُكْم، فيَكُونُ المعْنَى: لجعَلْنا لبُيوتِ مَنْ يَكْفُرُ بالرَّحمَنِ. وقَولُه تعالى: ﴿سُقُفًا﴾ قَال المفسِّر ﵀: [بفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القَافِ، وبِضَمِّهما جمعًا] بفَتْحِ السِّينِ وسُكونِ القَافِ. أَي: سقْفًا، مُفرَدٌ، وبضمِّها جمْعًا ﴿سُقُفًا﴾، المُفسِّر ﵀ قَال بهَذَا وهَذَا، فهَلْ يَعْنِي: ذَلِكَ أنَّهُم قِرَاءَتَانِ؟ فالجَوابُ: نعَمْ هُمَا قِراءَتَانِ سَبْعيَّتَان؛ لأنَّهُ لَمْ يُفضِّلْ أحدَهُما عَلَى الآخَرِ فهُمَا

стр. 135

صَحِيحَانِ، وهَذَا أيضًا مِنْ أُسلُوبِهِ ﵀، أنَّهُ إِذَا قَال بِكَذَا وكَذَا فهُمَا قِرَاءَتَانِ سَبْعيَّتَانِ. إِذَنْ: يَجُوزُ أَنْ تُقرَأَ: "لبُيُوتهم سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ" أَوْ ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾. وقَوُله تعالى: ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهِيَ مَعرُوفَةٌ. وقَوُله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ قَال المفسِّر ﵀: [كالدَّرَجِ مِنْ فِضَّةٍ] أيضًا ﴿عَلَيهَا يَظْهَرُونَ﴾ قَال المفسِّر ﵀: [يَعْلُونَ إِلَى السَّطْحِ]. * * *

стр. 136

الآية (٣٤) قَال اللهُ : ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤]. وقَولُه تعالى: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أَي: وجعَلْنا لبُيوتهمْ أيضًا ﴿أَبْوَابًا﴾ يَعْنِي: مِنْ فِضَّةٍ، ﴿وَ﴾ جَعَلْنا لهُمْ (سُرُرًا) يَعْنِي: مِنْ فِضَّة جمع سَرِيرٍ ﴿عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أَي: يَعتَمِدُونَ ﴿وَزُخْرُفًا﴾ ذَهَبًا. استَمِعْ لهَذَا التَّصويرِ يَعْنِي: لَوْلَا أَنْ يَكفُرَ النَّاسُ جميعًا لجعَلْنا للكَافِرِ هَذهِ البُيُوتَ، ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، سُقُفًا مِنْ فِضَّة يَعْنِي: بدَل مَا يَكُونُ السَّقْفُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ مِنْ صَبَّاتِ أَسمَنْتٍ يَكُونُ مِنْ فِضَّة، والمُرادُ فِضَّةٌ لامِعَةٌ تَجْذِبُ النَّظَرَ، وتَسُرُّ العَينَ ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ﴾ قِيلَ: إنَّها الدَّرَجُ؟ وقَال بعْضُ المُتأخِّرينَ: إنَّها المصَاعِدُ الكهربَائيَّةُ الَّتِي تُسمَّى (أَسَانْسِير، ولفْت، ومَصْعَد)، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الدَّرَجَ العادِيَّةَ لَا تَلفِتُ النَّظرَ كَثِيرًا؛ ولهَذَا قَال: ﴿عَلَيهَا يَظْهَرُونَ﴾ أَي: يَعْلُون حتَّى يَصِلُوا إِلَى السَّقْفِ، وأيًّا كَانَ هَذَا أَوْ هَذَا، فإِنَّها درَجٌ غَريبَة ليسَتْ كالدَّرجِ المُعتَادِ. والثَّالِثُ ﴿أَبْوَابًا﴾ المُفسِّر ﵀ يَقُولُ: [مِنْ فِضَّة] بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الآيَة ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ولكِنَّ هَذَا لَيسَ بمُتعيِّنٍ، بَلْ نَقُولُ: أبْوابًا فخْمَةً لَيسَتْ كالمُعتَادِ، سوَاءٌ مِنْ فِضَّة، أَوْ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ مِنْ خَشَبٍ، المُهمُّ أنَّها أبْوابٌ غَيرُ مُعْتَادَةٍ.

стр. 137

﴿وَسُرُرًا﴾ جمْعُ سَرِيرٍ، وهُوَ مَا يُجلَسُ عَلَيهِ. ﴿عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أيضًا مَعَ السُّرُر مُتَكأ يُتَكأُ عَلَيهِ. أَي: يُعتَمَدُ، سَوَاءٌ مِنْ خَلْفِ الظَّهرِ، أَوْ مِنَ اليَمِينِ، أَوْ مِنَ الشِّمالِ، وهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كثرَةِ الإرْفَاهِ.

стр. 138

الآية (٣٥) قَال اللهُ : ﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. قَال تعَالى: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ هَذَا الذَّهَبُ، فهِيَ ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ﴾ أبْواب فَخمَةٌ ﴿وَسُرُرًا﴾ مُريحَة ﴿وَزُخْرُفًا﴾ يَعْنِي: ذهَبًا، خمسَةُ أشيَاءَ. قَال ﵀: [المَعْنَى: لَوْلَا خَوْفُ الكُفْرِ عَلَى المُؤمِنِ مِنْ إعطَاءِ الكَافِرِ مَا ذُكِر لأَعْطَينَاهُ ذَلِكَ؛ لقِلَّةِ خَطَرِ الدُّنيا عنْدَنا، وعَدَمِ حَظِّهِ فِي الآخِرَةِ فِي النَّعيمِ]. ووجْهُ ذَلِكَ أن النّفوسَ مَيَّالةٌ إِلَى اللَّهْو واللَّعِبِ والتَّرَفِ، فإِذَا رَأَى الإنسَانُ هَذَا التَّرَفَ للكَافِرِ؛ فإِنَّ ذَلِكَ يُغرِيهِ ويَضُرُّهُ، كَمَا يُفعَلُ الْآنَ -بالنِّسبَةِ للمُنصِّرِينَ ضُلَّال النَّصارَى-، يَمشُونَ إلَى الأقَالِيمِ الفَقِير ويزيِّنُون لهُمُ الدُّنيَا، وهؤُلَاءِ الفقَرَاءُ يَتَّبِعُونَهم؛ لأَنَّ النُّفُوسَ مجَبُولَةٌ عَلَى محبَّةِ المَالِ، والفَخْرِ والخُيَلَاءِ. قَال اللهُ : ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يَقُولُ المُفسِّرُ ﵀: [(إِنْ) مُخَفَّفةٌ مِنَ الثَّقيلَةِ] الثَّقيلَةُ: المُشدَّدةُ، والمُخفَّفةُ: مَا حُذِفَ تَشدِيدُها. [﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا﴾ فَـ (مَا) زَائِدَةٌ، والتَّشدِيدُ بمَعْنَى (إلا)]، أَي: فِيهِمَا قِرَاءَتَانِ: لمَا ولمَّا، [فَـ (إِنْ) نَافيَةٌ] خَلَطَ المُفسِّر ﵀، الْآنَ (إِنْ) إعرَابُها عَلَى أنَّها مخُفَّفة مِنَ الثَّقيلَةِ، فهِيَ مُؤكِّدَةٌ، ثُمَّ قَال فِي الأَخِيرِ: فَـ (إِنْ) نَافِيَةٌ.

стр. 139

وفَرْقٌ بَينَ الإثْبَاتِ والنَّفيِ، لكنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى (لمَا) إِنْ قُرِئَتْ بالتَّخْفِيفِ فَـ (إِنْ) مخُفَّفةٌ مِنَ الثَّقيلَةِ، وإِنْ قُرِئَتْ بالتَّشدِيدِ فَـ (إِنْ) نَافِيَةٌ؛ فصَارَ اختِلَافُ الإِعرَابِ فِي (إِنْ) مَبنيًّا عَلَى اختِلَافِ القِرَاءَةِ فِي (لمَا) فعَلَى قِرَاءَةِ التَّشدِيد تَكُونُ (إِنْ) نَافِيَةً، وَ (لمَا) بمَعْنَى (إلَّا). وشَاهِدُ هَذَا قَوُلهُ تعَالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أَي: مَا كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيهَا حَافِظٌ، وأمَّا إِذَا قُرِئَتْ (لمَا) بالتَّخفِيفِ فَـ (إِنْ) مخُفَّفةٌ مِنَ الثَّقيلَةِ، وتَكُونُ (مَا) زَائِدةً، ويَكُونُ التَّقدِيرُ: وإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لمتَاعُ الحيَاةِ الدُّنيَا. لأَنَّ (مَا) زَائِدَةٌ. إِذَنْ ﴿لَمَّا﴾ فِيهَا قِرَاءَتَانِ الأُولَى التَّشدِيدُ، وبِنَاءً عَلَى هَذ القِرَاءَةِ تَكُونُ (إِنْ) نَافِيَةً و ﴿لَمَّا﴾ بمَعْنَى (إلا)، والشَّاهِدُ لهَذَا قَولُهُ تعَالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، أَي: مَا كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيهَا حَافِظٌ. القِرَاءَةُ الثَّانيَةُ "لمَا" بالتَّخفِيفِ، وعَلَى هَذِهِ القِرَاءَةِ تَكُونُ (إِنْ) مخُفَّفةً مِنَ الثَّقيلَةِ بمَعْنَى (إنَّ) وتَكُونُ (لمَا) زَائِدَةً وَيكُونُ تَقدِيرُ الكَلَامِ: إِنْ كُلُّ ذَلِكَ لمتَاعُ الحيَاةِ الدُّنيَا. المُفسِّر ﵀ دَمَجَ القِرَاءَتَينِ، ولكِنَّ هَذَا هُوَ التَّفصِيلُ. قَال ﵀: [﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يُتمَتَّعُ بِهِ فِيهَا -الدُّنيَا- ثُمَّ يَزُولُ ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ الجَنَّة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾]. ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ لَوْ قِيلَ: كُلُّ الآخِرَة الجَنَّة وعَرَصَاتُ القِيامَةِ وسَلامَتُهم مِنْ شِدَّةِ هَولِ القِيامَةِ، لَو قِيل ذَلِكَ لكَانَ أعَمَّ، فصَارَتِ الدُّنيا للكُفَّارِ مهما أُعطُوا فإِنَّهُ نَعيمُهُم، الآخِرَةُ للمُتَّقِينَ، جعَلَنِي اللهُ وإيَّاكُمْ مِنْهُم. واعْلَمْ أن هَذِهِ الدُّنيا سِجْنُ المُؤمِنِ وجَنَّةُ الكَافِرِ، مَهما بلَغَتْ مِنَ النَّعِيمِ فإِنَّها

стр. 140

سجْنُ المُؤمِنِ، ومَهْما بلَغَتْ مِنَ الجَحِيمِ فإِنَّها جَنَّةُ الكَافِرِ. هذِهِ القِصَّةُ ذكَرَها العُلمَاءُ فِي تَرجَمَة ابْنِ حَجَرٍ ﵀، وَكَانَ ابْنُ حَجَرٍ قَاضِيَ القُضاةِ فِي مِصرَ، فمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَيتِهِ إِلَى مَقَرِّ عَمَلِهِ عَلَى العرَبَةِ، تجرُّها الخُيولُ، أَوْ البِغَالِ فِي مَرْكَبٍ، مَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ برَجُلٍ يَهودِيٍّ زياتٍ -يَعْنِي: يَبِيعُ الزَّيتَ- فاستَوْقَفَ اليَهودِيُّ قَاضِيَ القُضاةِ، وقَال لَهُ: إِنَّ نَبِيكُم يَقُولُ: "الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ" (١) كَيفَ يَتَّفِقُ هَذَا مَعَ حَالِي وَحَالِكَ، أنْتَ الْآنَ فِي نَعِيمٍ تَجُرُّك الخُيولُ، ولَكَ جَاهٌ وشَرَفٌ ومَنزِلَةٌ، وهُوَ اليَهوديُّ بهَذَا الذُّلِّ، ثِيَابٌ وَسِخَةٌ وتَعَبٌ، فكَيفَ هَذَا؟ ! قَال: نَعَمْ، مَا أَنَا فِيهِ الْآنَ بالنِّسبَةِ لنَعِيمِ الجنَّة سِجْن، لأَنَّ نعِيمَ الجَنَّةِ أعْلَى وأعظَمُ مِنْ هَذَا، أمَّا بالنِّسبَةِ لَكَ فأنْتَ فِي جَنَّةٍ بالنِّسبَةِ لعَذَاب النَّارِ، لأَنَّكَ إِنْ مِتَّ عَلَى اليَهودِيَّةِ فأَنْتَ فِي النَّارِ، ويعتبر مَا فِيهِ اليَهودِيُّ الآنَ: جَنَّةً، لأنَّ هذا اليَهودِيَّ فِيمَا يَبْدُو لِي -وَاللهُ أعلَمُ- أنَّهُ يَنشُدَ الحَقِيقَةَ، يُرِيدُ الحَقِيقَةَ، فلمَّا بيَّن لَهُ ابْنُ حَجَرٍ هَذَا قَال: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وأَنَّ محُمَّدًا رَسُولُ اللهِ (٢). سُبْحَانَ اللهِ! فالإنسَانُ العَاقِلُ الَّذِي يُرِيدُ الحَقيقَةَ لَاُ بدَّ أَنْ يَهتَدِيَ. المُهمُّ: يقُولُ اللهُ لمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشيَاءَ: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ﴾ قَال: مَا هَذَا إلَّا متَاعُ الحيَاةِ الدُّنيَا. انْظُرْ: مَتَاع كَالمتَاعِ يَحمِلُهُ المُسافِرُ ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لأنَّ الدُّنيَا مَهْمَا طَالتْ بالإنْسَانِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الزَّوالِ، إمَّا أَنْ تَزُولَ الدُّنيَا عَنْهُ، وإمَّا أَنْ يَزُولَ هُوَ عَنِ الدُّنيَا، ولهَذَا قَال الشَّاعِرُ:

стр. 141

لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغْصَّةً ... لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ المَوْتِ وَالهَرَمِ (١) صَحِيحٌ أن الإنسَانَ إِذَا تَذكَّر أينَ مَآلُهُ، إمَّا مَوْت مُبكِّر، وإمَّا هَرَم مخُرِف، الْآنَ يُوجَدُ الَّذِين بلَغُوا عُمْرًا طَويلًا، ووَصَلُوا إِلَى حَدِّ الهَرْمَةِ، هُمْ بأنفُسِهم مُتضَايِقُون وأهلُوهُم مُتضَايِقُون، تَجِدُ الإنسَانَ يَتَضَايَقُ مِنْ أبِيهِ وأُمِّهِ، وإِنْ كَانَ المُؤمِنُ يَصْبِرُ لكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَايَقَ، أَوْ مَوْت عَاجِلٌ ويَنتَهِي المَوضُوعُ. هَذَا حَالُ الدُّنيَا فِي الوَاقِعِ، ولذَلِكَ الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، بَادِرِ العُمرَ قَبْلَ فَواتِهِ، اعْمَلْ صَالِحًا، وطَلَبُ العِلْمِ مِنْ أفْضَلِ الأعمَالِ، لكِنْ بشَرْطِ أَنْ يَكُونَ العَالِمُ عَامِلًا، أمَّا عِلْمٌ بلَا عَمَلٍ فالجَهْلُ -واللهِ- خَيرٌ مِنْهُ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن هذ المُتعَةَ الدُّنيويَّةَ مَا هِيَ إلَّا مَتَاعُ الحيَاةِ الدُّنيا فهِيَ زائِلَةٌ. ويَتفَرَّع عَلَى هذِهِ الفائِدَةِ: أَنْ لَا يَتعَلَّق الإنسَانُ بهَا، وأَنْ لَا يَهتَمَّ بِهَا، وأَنْ يَعْلَمَ أنَّهُ عَائِشٌ بدُونِهَا ولَيسَ لَكَ مِنَ الدُّنيا إلَّا مَا أَكَلْتَ فأَفْنَيتَ، أَوْ لَبِسْتَ فأَبْلَيتَ، أَوْ تَصَدَّقت فأَمْضَيتَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّزهِيدُ فِي هذ الأُمُورِ، وأَنْ لَا تَهتَمَّ بِهَا، لَا تُعلِّقْ قَلْبَكَ بمَظَاهِرِ الدُّنيَا، فإِنَّك إِنْ فعَلْتَ هَلَكْتَ؛ ولهذَا كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا رَأَى مِنَ الدُّنيا مَا يُعجِبُه قَال: "لَبَيكَ إِنَّ الْعَيشَ عَيشُ الْآخِرَة" (٢)، لبَّيكَ يَعْنِي: إجَابَةً لَكَ؛

стр. 142

ليَصرِفَ قلْبَه عمَّا يُعجِبُه ممَّا رَآهُ فِي الدُّنيا، ثُمَّ وَطَّن النَّفْسَ وَقَال: "إِنَّ الْعَيشَ عَيشُ الْآخِرَة" واللهِ هَذَا هَوَ الحَقُّ. أمَّا عَيشُ الدُّنيا فإِنَّه مهْمَا طَابَ لَكَ مَحْفُوفٌ بنكدٍ قَبْلَهُ ونَكَدٍ بعْدَه؛ لأنَّكَ لَنْ تُحصِّلَه غَالِبًا إلَّا بتَعَبٍ، ثُمَّ إِذَا حصَّلتَه هَلْ سيَبْقَى لَكَ هَذَا أَوْ لَا يَبْقَى؟ هَلْ ستَبْقَى لَهُ أَوْ لَا تَبْقَى؟ ولَا بُدَّ مِنْ أحَدِ الأمرْينِ: إمَّا تَمُوتُ وتَتَرُكُه، وإمَّا أَنْ يَهلِكَ وأنْتَ حيٌّ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: البُشرَى للمُتَّقِينَ، وأنَّ لهُمُ الآخِرَةَ، فالآخِرَةُ خَيرٌ للمُتَّقينَ، ففِيهِ البِشَارَةُ وأنَّ الإنسَانَ المُتَّقِيَ إِذَا انتَقَلَ مِنَ الدُّنيا فلَا يَنْدَمُ؛ لأَنَّه انتَقَلَ إِلَى دَارٍ أحسَنَ وأفضَلَ ممَّا فَارَقَهُم. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الحَثُّ عَلَى التَّقوَى، وذَلِكَ لأنَّ ذِكْرَ الجزَاءِ والثَّوابِ يَستَثِيرُ النَّفسَ حتَّى يَصِلَ الإنسَانُ إِلَى الوَصْفِ الَّذِي يَحصُلُ بِهِ عَلَى الثَّوابِ.

стр. 143

الآيات (٣٦ - ٣٨) قَال اللهُ : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَال يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٨]. قَال اللهُ ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ لمَّا ذكَرَ أحوَال الدُّنيَا، وأنَّهُ لَولَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى الكُفْرِ لمتَّعَ الكُفَّار بِمَا سمِعْتُم، وهذِهِ الدُّنيا لَا بُدَّ أَنْ تَحمِلَ الإنسَانَ عَلَى الإعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ؛ قَال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا﴾. قَوُلهُ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ فسَّرها ﵀ بـ[يُعرِضُ]، ولكِنَّ التَّفسِيرَ المُطَابِقَ أَنَّ مَعْنَى: ﴿يَعْشُ﴾ أَي: يَتَعَامَى حتَّى يَرَى رُؤَيةَ الأعْشَى الَّذِي يُبصِرُ فِي النَّهارِ ولَا يُبْصِرُ فِي اللَّيلِ، فمَعْنَى: ﴿يَعْشُ﴾ أَي: يَتَعَامَى كَمَا فَسَّرَهَا بذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيرُهُ مِنَ المُفسِّرينَ، ولكِنَّ المُفسِّرَ فسَّرَها بـ[يُعرِضُ]؛ لأنَّهُ مِنْ لازِمِ التَّعامِي الإعرَاضُ. قَال ﵀: [﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أَيِ: القُرآنِ] فجعَلَ المُفسِّرُ ذِكْرَ الرَّحمنِ يَعْنِي: القُرآنَ، وأَضَافَهُ إِلَى الرَّحمَنِ؛ لأَنَّ إنزَالهُ رحمَةٌ للخَلْقِ، هكَذَا مَشَى المُفسِّرُ ﵀. والصَّوابُ: خِلَافُ ذَلِكَ، والمُرادُ بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَذَكُّر الرَّحمنِ، يَعْنِي: مَنْ

стр. 144

تَعَامَى عَنْ ذِكْرِ الرَّحمَنِ فِي قَلبِهِ واستِحْضَارِهِ لعظَمَةِ رَبِّه وجلَالِهِ، فإِنَّه يُقيِّضُ لَهُ الشَّيطانَ، فيَكُونُ هَذَا جَزاءً عَلَى إعرَاضِهِ وتَعَامِيهِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، وهَذَا كقَوْلِهِ تعَالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]. فالصَّوابُ أن المُرادَ بذِكْرِ الرَّحمَنِ لَيسَ القُرآنَ، بَلِ المُرادُ بذِكْرِ الرَّحمَنِ ذِكْرُ اللهِ نفسِهِ. يَعْنِي: يَغْفُلُ قَلبُهُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، ولَا يَذكُرُ اللهَ بقَلْبِهِ، فهَذَا هُوَ الَّذِي يُقيَّض لَهُ الشَّيطانُ فيَتَّبعُ هَوَاهُ، كَمَا قَال : ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. فإنْ قَال قَائِلٌ: قَولُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ هَلْ هَذَا يَكُونُ بالتَّقصِير فِي أُمُورِ الطَّاعاتِ أَو انتِهَاكِ المُحرَّماتِ؟ فالجَوابُ: لَا، الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى مَسأَلةٍ قَلبيَّةٍ ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ يَتَعَامَى. فإِذَا صَلَحَ القَلْبُ صَلَحَتِ الجَوارِحُ. وقَولُهُ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا﴾ قَال ﵀: [نُسبِّبُ لَهُ] وهَذَا قَرِيبٌ مِنَ المعْنَى المُطابِقِ، وإلَّا فإِنَّ مَعْنَى ﴿نُقَيِّضْ﴾ أَي: نُهيِّئ لَهُ شَيطَانًا يَحُلُّ محَلَّ ذِكْرِ اللهِ فيَستَوْلِي الشَّيطانُ عَلَى قَلْبِهِ، والشَّيطانُ يَأمُرُ بالفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ، كَمَا قَال : ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا﴾: ﴿فَهُوَ﴾ أيِ: الشَّيطانَ ﴿لَهُ﴾ أيِ: للعَاشِي عَنْ ذِكْرِ اللهِ ﴿قَرِينٌ﴾ قَال ﵀: [لَا يُفارِقُه]، نَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ. ووجْهُ ذَلِكَ: أن الإنسَانَ فعَّالٌ مُريدٌ مُتحرِّكٌ قلبًا وقالبًا، فلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَشتَغِلَ

стр. 145

بشَيءٍ، فإِمَّا أَنْ يَكُونَ بذِكْرِ اللهِ، وإمَّا أَنْ يَكُونَ بوَسَاوسِ الشَّيطانِ، ولَا بُدَّ، لَا تَجِدُ أحَدًا قلبُهُ ساكِنٌ لَا يَتَحرَّكُ ولَا يُرِيدُ، هَذَا مُستحِيلٌ. ولهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ فِي الأسْمَاءِ: "أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ" (١) هَمَّامٌ الإرادَةُ القلبِيَّةُ، والحَارِثُ العَمَلُ، كُلُّ إنسَانٍ هكَذَا لَا بُدَّ. فيُهيِّئُ اللهُ لَهُ هَذَا الشَّيطانَ الَّذِي يُقارِنُهُ ولَا يُفارِقُهُ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: بالنِّسبَةِ لقُرنَاءِ السُّوءِ، إذَا كَانَ هُنَاكَ إنسَانٌ مُنحَرِفٌ يَظُنُّ الإنسَانُ أنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَهُ رُبَّما يَدْعُوهُ، هَلْ يُصاحِبُه أَوْ يُصادِقُه؟ فالجَوابُ: ليسَ هَذَا صحيحًا، بَلْ يَجْلِسُ معَهُ للدَّعوةِ للحَقِّ ويُفارِقُه؛ لأنَّهُ لَا بُدَّ إذَا لازَمَهُ أَنْ يَتَأثَّر، ولَا نَدْرِي هَلْ يُؤثِّرُ المُستقِيمُ عَلَى المُنحَرِفِ، أَو المنْحَرِفُ عَلَى المُستقِيمِ. والمُشَاهَدُ الْآنَ فِي الغَالِبِ أن المُنحرِفَ هُوَ الَّذِي يُؤثِّرُ عَلَى المُستَقِيمِ، هَذَا لَا نَعْلَمُه، فأنْتَ لَا تُقارِنُه، تَأتِي تَزورُهُ أَوْ تَدْعُوه إِلَى بيتِكَ فَقَطْ. أمَّا أَنْ تُلازِمَهُ وتَجعَلَهُ صَاحِبًا لَكَ فأنْتَ عَلَى خَطَرٍ عظِيمٍ، والإنسَانُ تُسوِّل نفسُهُ أنَّهُ إِذَا صَاحبَهُ كَانَ سَبَبًا فِي إقَامَتِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ بالعَكْسِ مِثْلَ المرْأةِ يَخْطِبُها إنسَانٌ مُنحَرِفٌ، وتَرْغَبُ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ، وتَقُولُ فِي نفْسِهَا، أَوْ يَقُولُ وَليُّها: يَهْدِيهِ اللهُ. لعَلَّ اللهَ يَهدِيهِ إذَا تَزوَّجَ، ويَكُونُ الأمْرُ بالعَكْسِ، هذ المَرأةُ المُستقِيمَةُ تَكُونُ مُنحَرِفَةً بوَاسِطَةِ هَذَا الزَّوجِ. والوَاجِبُ عَلَى الإنسَانِ إِذَا كَانَ لَهُ أخٌ مُستقِيمٌ ثُمَّ انحَرَفَ -مِنْ ناحِيَةِ نُصحِهِ أو تَركِهِ بالكُليَّةِ- لأنَّ الانحِرَافَ ينَصبُّ عَلَى المعَاصِي وعَلَى الدُّنيَا؛ الواجِبُ أَنْ
следующие страницы →