← Тафсир

Тафсир · id 151164

تفسير العثيمين: الزخرف

ابن عثيمين

Полный текст (169 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ بالله مِن شُرور أَنْفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في الله حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ: فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بن صالع العُثَيمِين -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَين يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالينِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

стр. 2

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (١). تغمَّدهما الله بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ. وسَعْيًا -بإِذْنِ اللهِ تَعالى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ محُمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيمِين الخَيريَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى في هَذا الشَّأْنِ. نَسْأل اللهَ تعالى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيرَ الجزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعليَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مجُيبٌ. وَصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيمِين الخَيريَّةِ ٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ

стр. 3

سورة الزخرف الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمَينَ وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نَبيِّنا محُمَّدٍ وَعَلَى آلِه وأصحَابِهِ، ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ فإِنَّ تَفْسِيرَ القُرآنِ العَظِيمِ مِنْ أَهَمِّ وَاجِبَاتِ المُسلمِينَ أَنْ يَعرِفُوا معْنَى كلَامِ اللهِ ؛ لأنَّ الكَلَامَ إِذَا لَمْ يُفهَمْ معْنَاهُ لَا يُنتفَع بِهِ، والَّذِي يَقْرَأُ ولَا يَفْهَمُ بمنْزِلَةِ الأُمِّيِّ الَّذِي لَا يَقْرَأُ، كَمَا قَال اللهُ : ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] أَي: إلا قِرَاءَةً، فسَمَّاهُم اللهُ أُمِّيِّينَ. والقُرآنُ يُفَسَّر بالقُرآنِ، فإِنْ لَمْ يَكُنْ فبِالسُّنَّةِ، فإِنْ لَمْ يَكُنْ فبأَقْوَالِ الصَّحابَةِ، ولا سِيَّما المَشهُورُون مِنْهُم بعِلْمِ التَّفسِير، فإِنْ لَمْ يَكُنْ فبِمَا قَالهُ كِبَارُ التَّابعِينَ مِنْ أَهْلِ التَّفسِير، هَذِهِ هِيَ القَاعدَةُ الَّتِي مَشَى عَلَيهَا أَهْلُ السُّنَّة والجَمَاعَةُ. وأمَّا التَّفسِيرُ بالرَّأْيِ فمِنْهُمُ المُخطِئُ ومنْهُمُ المُصِيبُ، ولكِنْ لَا يَجُوزُ للإنسَانِ أَنْ يُفسِّرَ القُرآنَ برَأْيِهِ، بمَعْنَى: أَنْ يُحوِّلَ القُرآنَ إِلَى رَأْيهِ، فإِنَّ مَنْ قَال فِي القُرآنِ برَأْيهِ فلْيَتَبوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ، مِثَال ذَلِكَ: الَّذِين يُفسِّرُونَ قَوْلَ اللهِ : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] بأنَّهُما النِّعمَةُ، فهَؤُلاءِ قَالُوا فِي القُرآنِ برَأْيِهِمْ، لأَنَّ هَذَا المَعْنَى غيرُ المُرادِ قَطْعًا، وكذَلِكَ الَّذِين يَقُولُون: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، يَعْنِي: استَوْلَى عَلَى العَرشِ، فإنَّ هَذَا مُنكَرٌ مِنَ القَولِ، وتَفْسِيرُ الْآيَة بِهِ مِنَ القَولِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ، ومِنَ الافتِرَاءِ عَلَى اللهِ .

стр. 4

هؤُلَاءِ نَقُولُ: إنَّهُم قَالُوا فِي القُرَآنِ برَأْيِهِمْ، أَي: حَوَّلوا القُرَآنَ إِلَى رَأْيِهِمْ، وأمَّا مَنْ فسَّر القُرآنَ بمُقتَضى الحقَائِقِ الشَّرعيَّةِ واللُّغَويَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ حقيقَةً شرعيَّةً فإِنَّه لَمْ يَقُلْ فِي القُرآنِ برَأْيهِ. وقَدْ سبَقَتْ هَذِهِ القَاعدَةُ أوَّلَ مَا بدَأْنا فِي عِلْمِ التَّفسِير، فلْتكُنْ مَرْجِعًا لكُمْ، يُفسَّرُ القُرانُ أوَّلًا بالقُرآنِ، ثُمَّ بالسُّنَّة، ثُمَّ أَقْوالِ الصحَابَةِ، ثُمَّ كِبَارِ التَّابعِينَ الَّذِين اعْتَنَوْا بالتَّفسِير، كمُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ ﵀ الَّذِي أخَذَ التَّفسِير عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄. وأُقدِّم في بِدَاية تَفْسِير سُورة الزُّخْرُف بمُقدِّماتٍ: ١ - القُرآنُ الكَريمُ، مَا عقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّة فِيهِ؟ الجَوابُ: عَقيدِةُ أهْلِ السُّنَّة في القُرآنِ الكَريمِ أنَّه كَلامُ اللهِ حقيقَةً، تكَلَّم به حَرْفيًّا، وأرَادَ معنَاهُ حسبَ اللُّغةِ العربيَّةِ، كَمَا قَال اللهُ : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وهَذَا القُرآنُ يَنزِلُ شَيئًا فشَيئًا، كَمَا قَال تعَالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] أَي: شَيئًا فشَيئًا حسبَما يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيهِ في وَقْتِ نُزُولهِ. ٢ - أن القُرآنَ الكَرِيمَ نَزَلَ عَلَى وَجْهَينِ: الوَجْهِ الأوَّل: مَا لَهُ سَبَبٌ. والثَّانِي: مَا لَا سَبَبَ لَهُ. فالأوَّلُ: مَا لَهُ سَبَبٌ؛ أَي: بسَبَبِ حَادِثَةٍ وَقَعَتْ فنزل فِيهَا. ومِنَ الضَّوابطِ فِي هَذَا: أن كُلَّ آيَةٍ فيها ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ فإنَّهَا لسَبَبٍ، يَسأَلُونكَ عَنْ كَذَا، هَذَا سبَبٌ، فكُلَّما رَأَيتَ في القُرآنِ الكَرِيمِ آيَةً مُصدَّرةً بكَلِمَةِ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾

стр. 5

فإِنَّها نزَلَتْ لسَبَبٍ، وقَدْ لَا يُذْكَرُ فِيهَا ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ حسبَما ذُكِرَ فِي كُتُبِ التَّفسِيرِ. وإذَا نزَلَتِ الْآيَةُ لسَبَبٍ: فهَلْ تَخْتَصُّ بذَلِكَ السَّببِ أَوْ تَكُونُ عَامَّةً لَهُ ولمِا يُشارِكُه في العِلَّة؟ الجَوابُ: تكُونُ عَامَّةً لَهُ ولمِا يُشاركُه في العِلَّة؛ ولهَذَا قَال العُلمَاءُ ﵏: العِبرَةُ بعُمُومِ اللَّفظِ لَا بخُصوصِ السَّببِ. فمَثلًا: أوَّلُ سُورةِ المُجادلَة نزَلَتْ في قِصَّةِ رَجُل مُعيَّن -أَوسِ بْنِ الصَّامِتِ-، فهَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذَا الحُكمَ خاصٌّ به. أو نَقُولُ: إنَّه عامٌّ لَهُ ولمِنْ يُشارِكُه في المَعْنَى؟ الجَوابُ الثَّانِي؛ فكُلُّ مَنْ ظَاهَر مِنِ امرَأتِهِ فلَهُ حُكْمُ ظِهَارِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، وهذ قاعِدَةٌ تُفيدُك في استِعْمَال الاستِدْلَالِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، وأنَّ الأَصْلَ هُوَ العُمُومُ. ٣ - القُرآنُ الكَرِيمُ لَهُ خَصَائِصُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا: أنَّهُ لَا يَمَسُّه الإنسَانُ إلا عَلَى طَهَارَةٍ؛ يَعْنِي: أن المُحدِثَ لا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَمَسَّ المُصحَفَ حتَّى يَتوَضَّأ؛ لقَولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لعَمرِو بْنِ حَزْمٍ: "ألَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلا طَاهِرٌ" (١) أي: طَاهِرٌ مِنَ الحدَثِ؛ لأَنَّ الطَّهارَةَ مِنَ الحَدَثِ تُسمَّى طهَارَة، كَمَا قَال في آيَةِ الوُضوءِ والغُسْلِ والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. واستَثْنَى بعْضُ العُلماءِ ﵏ الصِّغارَ غَيرَ المُكلَّفِينَ، فقَال: لهمْ أَنْ يَمسُّوا

стр. 6

المُصْحَفَ بدُونِ وُضوءٍ، لأَنَّهُم غَيرُ مُكلَّفِينَ. وفي هَذَا الاستِثْنَاء نظَرٌ، لأَنَّنا لَوْ قُلْنا بهَذَا لقُلْنا: يَجُوزُ لهؤُلاءِ الصِّغارِ أَنْ يُصَلُّوا بغَيرِ طهَارَةٍ. ولَا قَائِلَ بِهِ فِيمَا أَعْلَمُ، فعَلَى هَذَا فلَا بُدَّ مِنَ الطَّهارَةِ حتَّى للصِّغارِ، لكِنْ مَا دَعَتِ الحَاجَةُ إِلَى مَسِّه بدُونِ طهَارَةٍ كألواحِ الصِّغار الَّذِين يَتَعلَّمُون بِها في المدارِسِ، فهؤُلاءِ لَا يَحتَاجُون إِلَى وُضُوءٍ؛ لأنَّنَا لَوْ كَلَّفنَاهم بذَلِكَ لشقَّ علَيهِمْ. ثُم إنَّ هَذَا القُرآنُ الكَرِيمُ لَا يَحِلُّ للجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ مِنْهُ آيَةً فأكْثَرَ حتَّى يَغْتسِلَ، فإذَا كَانَ عَلَى الإنسَانِ جنَابَةٌ فإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ شَيئًا مِنَ القُرآنِ -آيَةً فأكْثَرَ- إلا إِذَا اغتَسَل، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُقرِئ أصحَابَهُ القُرآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا، أوْ قَال: "مَا لَمْ نَكُنْ جُنُبًا" (١). فإِنْ قَال قَائِل: هَلْ يجوزُ للجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً لَا لقَصْدِ القُرْآنِ ولكِنْ لأَنَّها آيَةُ دُعاءٍ مَثَلًا، مِثْلَ: "رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا، وَهَبْ لنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً"؟ فالجَوابُ: نَعَمْ، يَجُوزُ لَهُ هَذَا، لأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تِلاوَةَ القُرْآنِ. فإِنْ سَألَ سَائِل: مَا تقُولُونَ في قِرَاءَةِ الحَائِضِ القُرآنَ؟ فالجَوابُ: اخْتَلَفَ العُلمَاءُ ﵏ في هَذ المَسأَلةِ عَلَى قَوْلَينِ: القَولُ الأوَّلُ: أن الحَائِضَ لَا يجوزُ لَهَا أَنْ تَقْرَأَ القُرآنَ، لأَنَّها كالجُنُبِ. والقَوُل الثَّانِي: في أَنْ تَقْرَأَ القُرآنَ، لأنَّه ليسَ في السُّنَّة دَلِيلٌ صحِيحٌ صرِيحٌ

стр. 7

يَمْنَعُ الحَائضَ مِنْ قِراءَةِ القُرآنِ، ولَوْ كَانَتْ الحَائِضُ لَا تَقْرَأُ القُرآنَ لبُيِّن ذَلِكَ؛ لكَثْرَةِ وُقُوعِ الحَيضِ واحتِيَاجِ النِّساءِ إِلَى بَيَانِ الحُكْمِ، فلَمّا لَمْ يَرِدْ في ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فالأَصْلُ الجوَازُ؛ لأَنَّ القُرآنَ مِنَ الذِّكْرِ، والحائِضُ لَا تُمْنَعُ مِنْهُ. وعِنْدِي: أن الحائِضَ تَقْرَأُ القُرآنَ لحَاجَةٍ أو مَصلَحَةٍ: فالحَاجَةُ كأَنْ تَقْرَأُ ورْدَها مِنَ القُرآنِ؛ مِثْلَ: آيَةِ الكُرسيِّ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، أَوْ تَقْرَأُ القُرآنَ لِئَلَّا تَنسَاهُ، فهذه حاجَةٌ أيضًا. ولمصلحَةٍ مِثْلَ: أَنْ تُقْرِئَ ابنَتَها أَوْ طِفلَها القُرآنَ؛ أَي: تُعلِّمَه القُرْآنَ؛ لأنَّهُ إذَا لَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي المَنْعِ، وكَانَتِ المَسْأَلةُ فِيهَا احْتِمَالٌ؛ فالاحتِيَاطُ أَوْلَى. إذَن: فالحُكْمُ الْآنَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ: أن لَهَا أَنْ تَقرَأَ القُرآنَ لحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ؛ لعَدَمِ الدَّلِيلِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ عَلَى مَنْعِهَا. فإِنْ قَال قَائِلٌ: الحائِضُ تَقْرَأُ القُرآنَ لمصلَحَةٍ أَوْ حَاجةٍ، هَلْ نَمسُّ القُرآنَ؟ فالجَوابُ: لَا، القُرآنُ لَا يَمَسُّه إلَّا طَاهِرٌ، ولكِنَّه لَيسَ فِيهِ مَنع مِنْ قِرَاءَةِ القُرآنِ، مُمكِنٌ أنْ تمُسِكَ المُصحفَ بقُفَّازَينِ أَوْ مَنْ وَرَاءِ ثَوْبٍ. ٤ - القُرآنُ الكَرِيمُ يَختَصُّ بأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهُ حَسَنهٌ، والحسَنهُ بعَشْرِ أمْثَالهَا: ولَيسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا في السُّنَّة، حتَّى الأحادِيثُ القُدسيَّة لَا يَثْبُت لَهَا ذَلِكَ، وإنَّما هَذَا خَاصٌّ بالقُرآنِ الكَرِيمِ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: هُناكَ أَوْرَاق فِيهَا عدَدُ حُرُوفِ المُصحَفِ كَذَا وكَذَا فإِذَا قرَأْتَ المُصحَفَ كَامِلًا اضْرِبْها فِي عشَرَةٍ، فيَكُونُ لَكَ عَدَدُ الحسَنَاتِ كَذَا. فَمَا رَأيُكُم؟

стр. 8

فالجَوابُ: هَذَا كَذِبٌ، مرَّ ابْنُ مسعُودٍ ﵁ بقَوْمٍ يُسبِّحُون ويَعُدُّون بالحَصَى، فقَال لهمْ: إنَّكُم لَنْ تُحصُوا أعمَالكُمْ، أعمَالُكُم الصَّالحَةُ مُحصَاةٌ لكُمْ: مَكتُوبَةٌ، لكِنْ أَحْصُوا أعمَالكُمْ السَّيِّئةَ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَتُوبُوا إِلَى اللهِ مِنْهَا (١). وهَذَا حَقٌّ، فكُلُّ هَذه الأشيَاءِ مُحدَثَةٌ، واللهِ لَنْ يُضِيعَ أجْرَ أحَدٍ يَعْلَمُ عدَدَ حُرُوفِ القُرآنِ، وَيعْلَمُ مَا يَترتَّبُ عَلَيهِ مِنَ الثَّوابِ، ولَنْ يَضِيعَ. ٥ - القُرآنُ الكَرِيمُ يَختَصُّ بالإِعْجَازِ: أَي: بأَنَّ الخَلْقَ لَا يَستَطِيعُون أَنْ يَأْتُوا بمِثْلِهِ؛ قَال اللهُ : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] أَي: مُعِينًا. وليسَ ذَلِكَ مَوجُودًا فِي أَيِّ كَلَامٍ مِنْ كَلَامِ البَشَرِ، وإنَّما هُوَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، فلَا يَستَطِيعُ أحَدٌ أَنْ يَأتِيَ بمِثْلِهِ، بَلْ وَلَا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنْهُ، بَلْ ولَا بِسُورَةٍ مِنْهُ، بَلْ وَلَا بِآيَةٍ منه: فالقُرآنُ كَامِلًا كَمَا فِي قَولِهِ تعَالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وعَشْرُ سُوَرٍ كما فِي قَولِهِ تَعَالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]. وسُورَةٌ كما فِي قَولِهِ : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨].

стр. 9

وآيةٌ كما فِي قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤] أَي: أَيِّ حَدِيثٍ. وقَد عجَزَ العَرَبُ عَنْ ذَلِكَ، أَي: عَنْ أَنْ يَأتُوا بشَيءٍ مِثْل القُرآنِ، مَعَ أنَّهُم قَدْ تَوفَّرتْ لهُمْ أسَاليبُ البلَاغةِ والفَصاحَةِ، وصَارَ الدَّاعي لمُعارَضةِ القُرآنِ عندَهُم قَويًّا، فَلمَّا كَانَ الدَّاعي قَويًّا ولم يُوجَدْ مَانِع عُلِمَ أنَّهُم لَا يَستَطِيعُون أَنْ يَأَتُوا بمِثْلِهِ. ولذَلِكَ تَجِدُ القُرآنَ الكرِيمَ لَا يَمَلُّ الإِنْسانُ مِنْ قِراءَتِه، ولَا مِنْ تَكرارِهِ، وغيرُهُ يُمَلُّ مِنْ تَكرارِهِ، وَيمجُّهُ السَّمْعُ، ويَثْقُلُ عَلَى اللِّسانِ، لكِنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ لا يَخْلَقُ مَعَ التَّردَادِ أبدًا، تَجِدُه طَرِيًّا كُلَّما قرَأْتَهُ. ثُمَّ إِذَا كَانَ اللهُ قَدْ فتَحَ علَيكَ، وكَانَ عنْدَك نِيَّةٌ وقصْدٌ صَحِيحٌ في معرِفَةِ المَعْنَى، فكُلّ قِراءَةٍ تَقرَؤُها يَتَّضِحُ لَكَ بهَا معْنًى غَيرُ الأوَّل، وجرِّبْ تَجِدْ، فهَذَا الشَّيءُ معلُومٌ، لكِنَّ هَذَا لِمَنْ عَلِمَ اللهُ منْهُ صِدْقَ الطَّلَبِ في مَعرِفَةِ المَعْنَى، أمَّا مَنْ أَعْرَض عَنْ ذَلِكَ فإِنَّه لَا يَستَفِيدُ، لكِنْ مَن عَلِمَ اللهُ منْهُ صِدْقَ الطَّلَبِ فإِنَّ اللهَ يَفْتَحُ علَيهِ كُلَّما قرَأَ القُرآنَ مِنَ المَعانِي مَا لَمْ يَكُنْ سَابِقًا. ٦ - القُرْآنُ الكَرِيمُ أنزَلَهُ اللهُ وجعَلَهُ مُبَارَكًا: مُبَارَكًا في تَأثيرِهِ؛ مُبَارَكًا في ثَوابِهِ، مُبارَكًا في آثَارِهِ: مُبَارَكًا في تَأثيرِهِ، يَعنِي: أنَّهُ يُؤثِّرُ عَلَى القَلْبِ، ويُليِّنُ القَلْبَ، ويُكسِبُه خَشْيةَ اللهِ ؛ لأَنَّ اللهَ قَال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] سُبْحانَ اللهِ! فهذا وهُوَ جبَلُ حَصىً يَكُون خَاشِعًا ذَلِيلًا وَيتَصَدَّع مِنْ خَشيَةِ اللهِ ، فمَا بالُكُم بالقَلْبِ؟ ! لَوْ كَانَ القَلْبُ حَيًّا

стр. 10

يَكُونُ مِنْ بَابِ أَوْلَى؛ ولهَذَا قَال ابْنُ عبْدِ القَويِّ ﵀: وحَافِظْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّهُ ... يُلَيِّنُ قَلْبًا قَاسِيًا مِثْلَ جَلْمَدِ (١) ومَا أكثَرَ الَّذِين يَشْكُونَ قَسوَةَ قُلُوبهِمُ اليَومَ؛ لأَسْبَابِ لَيسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا، ولكِنْ إِذَا أَحَسُّوا بقَسْوَةِ القَلْبِ فعَلَيهِمْ بالقُرآنِ، نَسأل اللَّهَ أَنْ يُليِّن قُلوبَنا. ومنْ جهَةِ التَّأثيرِ أيضًا: فالقُرآنُ الكَرِيمُ رُقيَةٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وكُلُّ مرَضٍ، فالقُرآنُ الكَرِيمُ دوَاءٌ لَهُ مِنْ كُلِّ مَرَضٍ: المرَضُ القَلبيُّ؛ وهُوَ الشُّبْهةُ الَّتِي تَرِدُ عَلَى القُلُوبِ، أَوْ إرَادَةُ السُّوء، شِفَاؤُها القُرْآنُ. المرَضُ الجِسْميُّ العُضْويُّ شِفَاؤُه القُرْآنُ، وقَد نزَلَ قَومٌ مِنَ الصَّحابَةِ ﵃ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَعْرَابِ، نزَلُوا ضُيُوفًا، ولكِنَّ هؤُلاءِ العَربَ لم يُضيِّفُوا الصَّحابَةَ، أَبَوْا أَنْ يُضيِّفُوهم، فتَنَحَّى الصَّحابةُ إِلَى جَانِبٍ، ونَزَلُوا، فسَلَّطَ اللهُ عَلَى سَيِّدِ العَرَبِ عَقْربًا فلدَغَتْهُ والمَتْهُ، فقَال بعضُهُم لبعضٍ: ألَا تَنظُرون إِلَى هَؤُلاء القَومِ لعَلَّ فيهِمْ مَنْ يَقْرأُ؟ ! فأَتَوْا إِلَى الصَّحابَةِ فقَالُوا: إنَّ سيِّدَهُم لُدِغَ، فهَلْ فيكُمْ مِنْ قَارِئٍ؟ قَالُوا: نعَمْ، فِينَا قَارِئٌ، ولكنَّنا لَنْ نَقْرَأَ عَلَيهِ -عَلَى هَذَا المَرِيضِ- إلا بقَطِيعٍ مِنَ الغنَمِ -لأَنَّ هَؤُلاءِ العَربَ لَمْ يُكرِمُوهُم، فأَرَادُوا أَنْ يَأخُذُوا حقَّهُم منْهُمْ- قَالُوا: ولكُمْ ذَلِكَ. فقَامَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحابةِ عَلَى هَذَا اللَّدِيغِ، وجعَلَ يَقْرَأُ عَلَيهِ الفَاتِحَةَ حتَّى قَامَ كأنَّهُ نُشِطَ مِنْ عِقَال (٢) والسَّمُّ قَدْ سَرَى فِي جِسْمِهِ، لكِنْ زَال هَذَا وَطَابَ؛

стр. 11

فهَذَا تَأثِيرٌ عَجِيبٌ. ومَا أكْثَرَ مَا نَقرَأُ الفاتحَةَ وغَيرَ الفَاتحَةِ والمرِيضُ كَمَا هُو في مرَضِهِ، فلمَاذَا والْآيَةُ واحِدَةٌ؟ الجواب: لأنَّه كَمَا يُقالُ: السَّيفُ بضَارِبِهِ، فالسَّيفُ حَدِيدٌ قَاطِعٌ، لكِنْ إِذَا كَانَ مَعَ الجبَانِ لا يَنْفَعُه، رُبَّما إِذَا رَأَى العَدوَّ مُقبِلًا عَلَيهِ ألقَى بالسَّيفِ وهَرَبَ، لكِنْ إِذَا كَانَ بيَدِ الشُّجاعِ فإنَّه يَنفَعُ ويُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ ويَقْتُل عَدُوَّه. ولهَذَا يُذكَرُ عَنْ رَجُلٍ كَانَ الإمَامُ أحمَدُ بْنُ حنْبَلٍ ﵀ يَقْرَأُ عَلَيه، وكَانَ بِهِ صَرَع مِنَ الجِنِّ، فيَخرُجُ الجِنُّ، ولمَّا مَاتَ الإمَامُ أحمَدُ عَادَ الجِنِّيُّ، فقَامَ رَجُلٌ يَقْرَأُ عَلَى هَذَا المَصرُوعِ بِمَا كَانَ الإمَامُ أحمَدُ يَقرَأُ بِهِ، ولكِنَّ الصَّارعَ أَبَى أَنْ يَخرُجَ، وأَجَابَ بأَنَّ الْآيَةَ هِيَ الْآيَةُ والقَارِئُ غيرُ القَارِئِ. فلَا تَظُنَّ إِذَا لم تَجِدْ تَأثيرَ القُرآنِ مُباشرَةً أن القُرانَ غَيرُ مُؤثِّرٍ، ولكِنَّ القَارِئَ غَيرُ مُؤثِّرٍ. ومُبارَكٌ في آثَارِهِ، فقَدْ فتَحَ المُسلمُونَ مشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبَها بالقُرآنِ، أَي: بالعَمَلِ بالقُرآنِ؛ ولهَذَا قَال اللهُ سُيحَانَهُ وَتَعَالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ جَاهِدْهُم بالقُرآنِ ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، فتَحُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ ومغَارِبَها بالقُرآنِ حِينَ كَانَ القُرآنُ باليَدِ اليُمنَى والسَّيفُ باليَدِ اليُسرَى. والْآنَ كَثِيرٌ مِنَ المَمَالِكِ الإسلَاميَّةِ بيَدِهَا القَانُونُ الوَضعيُّ بدَلًا عَنِ القُرآنِ الكَرِيمِ؛ ولذَلِكَ كَانَ التَّأخُّرُ؛ فالتَّأخُّرُ والذُّلُّ فِي الأُمَّةِ الإسلَامِيَّةِ بسَببِ عمَلِ مَنْ ينتَسِبُون إِلَيهَا، فالذَّنْبُ -إِذَنْ- في تَأخُّرِ المُسلِمِينَ اليَوْمَ لَيسَ ذَنْبَ الإسلَامِ، ولكِنْ ذَنْبُ المُسلمِين.

стр. 12

فمِنْ آثَارِ القُرآنِ الكَرِيمِ إذَن: أن مَنْ تَمسَّكَ بِهِ فهُوَ مَنْصُورٌ، والشَّاهِدُ ما سبَقَ لسلَفِنا الصَّالحِ. وهُوَ أيضًا مُبارَكٌ في ثوابِهِ: فالحَرْفُ الوَاحِدُ فِيه حسَنَةٌ، والحسَنَةُ بعَشْرِ أمثَالِهَا، ومَا أكْثَرَ حُروفَ القُرآنِ! وبهَذه المُناسبَةِ عَرَضَ عَليَّ فِي الرِّياضِ فِي الأُسْبُوعِ المَاضِي إنسَانٌ ورقَةً مَكتُوبٌ فِيهَا: الإعجَازُ العدَديُّ في القُرآنِ، جدْولٌ ذُكِرَ فِيهِ أن جَمِيعَ حُرُوفِ القُرآنِ كُلُّها تَقبَلُ القِسْمَةَ عَلَى تِسعَةَ عَشَرَ إذَا جُمِعتْ، ولكِن هَذَا افتِرَاءٌ عَلَى اللهِ ، ومُنَاقِضٌ للوَاقِعِ، ولَا يَجُوزُ تَداوُل هذ البطَاقَةِ؛ لأنَّهُ لا يُمكِنُ لإنسَانٍ أَنْ يَشْهَدَ أن اللهَ تعَالى تَكلَّمَ بالقُرآنِ بحَيثُ تكُونُ حُرُوفُه مُنقسِمَةً عَلَى تِسعَةَ عَشَرَ، مَنْ يَقُول هَذَا؟ ! لكنَّهُ افتِرَاءٌ عَلَى اللهِ . ثُمَّ إنَّ حُروفَ القُرآن الكرِيم لَا يُمكِنُ أَنْ يُقَال: إنَّها تَنقَسِمُ عَلَى تِسعَةَ عَشَرَ مَعَ اخْتلَافِ القِرَاءَاتِ؛ فمَثَلًا ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، والقِراءَةُ الثَّانيَةُ "فتَثبَّتُوا" إذَنِ اختَلَّتْ؛ أَتَتِ الثَّاءُ بدَلًا عَنِ البَاءِ "فتَثَبَّتُوا" وبدَلًا عَنِ النُّون، فاخْتَلَّتِ القِسْمَةُ. كذَلِكَ في القُرآنِ الكَريمِ: "مَلِكِ يَومَ الدِّينِ" ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] اختَلَّتْ؛ زَادَ حَرْفٌ. لكِنْ هَؤُلاءِ المَشغُوفُون بِمَا يَدَّعُون أنَّهُ ذكَاءٌ، وأنَّهُم اطَّلَعُوا عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيهِ أحَدٌ يَأتُون بمِثْلِ هَذه الخُرافَاتِ؛ ليَصُدُّوا النَّاسَ عَنِ المَعْنَى الحَقِيقِيِّ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَجْلِهِ القُرآنُ، فهَلِ القُرآنُ جَاءَ ليُحصِيَ النَّاسُ العَددَ ويُقسِّمُونه عَلَى تِسعَةَ عشَرَ؟ لَا، واللهِ! ولَا يُمكِنُ أَنْ يَنزِلَ القُرآنُ الكَرِيمُ مِنْ أَجْلِ هَذه المُعجزَةِ كَمَا يَقُولُون، مَعَ أنَّهَا ليسَتْ مُعجِزَةً، فهَي فَاشِلَةٌ باطِلَةٌ.

стр. 13

وقَد أَحبَبْتُ أَنْ أُنبِّهَ عَلَى هَذَا لأنَّهُ رُبَّما تَشِيعُ؛ لأنَّ الَّذِي سأَلَنِي عنْهَا يُريدُ أن يَطْبعَ منهَا الملَايينَ ويوزِّعها عَلَى النَّاسِ، وَيقُولُ: انْظُروا إلى القُرآنِ الكَريمِ. فنَقُولُ: هَذَا غلَطٌ، فالقُرآنُ مَا نَزَلَ لهَذَا المَعْنَى، ولَا يُمكِنُ أَنْ يُرادَ بِهِ هَذَا المَعْنَى، فانْتَبِهُوا لمِثْلِ هَذه الأُمُورِ الَّتِي تُنشَرُ، فقَدْ تَكُونُ مِنْ مُلحِدٍ كَافِرٍ أَوْ فَاسقٍ فَاجِرٍ يُرِيدُ بِهَا صَدَّ النَّاسِ عَنِ المَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَزَلَ القُرآنُ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: هَلْ يجوزُ تَفسِيرُ القُرآنِ بِمَا يُعرَفُ بالإعْجَازِ العِلميِّ مِنَ القُرآنِ والسُّنَّةِ؟ فالجَوابُ: الإعجَازُ العِلمِيُّ نوعَانِ: نَوْعٌ دَلَّ عَلَيهِ القُرآنُ وأَشَارَ إِلَيهِ، هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، وهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ القُرآنِ، ونَوْعٌ لَا يَدُلُّ عَلَيهِ القُرَآنُ، وإِنَّما يُؤخَذُ مِنْهُ بتكلُّف، ورُبَّما لَا يَدُلُّ علَيهِ أَصْلًا، فهَذَا لَا يجوزُ تفسِيرُ القُرآنُ بِهِ، مِثَالُ الثَّانِي قَال اللهُ : ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] فسَّرهُ بعضُهُم بالعِلْمِ، وطبَّق هَذَا عَلَى الوُصُولِ إِلَى القَمَرِ فهَذَا لَا يَحِلُّ؛ لأَنَّ الْآيَة لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، الْآيَةُ فِيهَا بيَانُ الحالِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ ولهَذَا قَال ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومَعْلُومٌ أن هؤُلاءِ لَمْ يَنفُذُوا مِنْ أقْطَارِ السَّمواتِ، فالإعْجَازُ العِلميُّ الَّذِي ليسَ فِيهِ تَكلُّف لَا بَأْسَ بِهِ؛ لأَنَّ القُرآنَ وَاسِعٌ. وممَّا يُنكَرُ أيضًا ممَّا يُقَالُ: الإعجَازُ العِلميُّ؛ مَا يُسمُّونَه بالإعجَازِ العدَديِّ المَبنيِّ عَلَى العدَدِ: تِسعَةَ عَشَرَ، هَذَا أيضًا بَاطِلٌ، ولَا يجوزُ أَنْ يقَال: إنَّ القُرآنَ مُعجِزٌ مِنْ هَذه النَّاحيَةِ. أوَّلًا: لأَنَّ القِراءَةَ مُخْتَلِفَةٌ، وهُمْ يَقُوُلونَ مَثَلَّا: التَّاءُ تَكرَّرْت كَذَا وكَذَا مَرَّةً إِذًا

стр. 14

قسَمْتَها عَلَى تِسعَةَ عَشَرَ انْقَسَمَت، اللَّامُ تَكرَّرت كَذَا وَكَذَا مَرَّةً إذَا قسَمْتَها عَلَى تِسْعَةَ عشَرَ انْقَسَمَتْ بِلَا كَسْرٍ، هَكَذَا يَزْعُمُونَ وهَذَا لا شَكَّ أنَّهُ بَاطِلٌ. حتَّى قَال لِي بعضُهُم: إنَّ اللهَ تعَالى قَال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقَال فِي سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] قَال: إنَّ اللهَ ذَكَرَ (بَكَّةَ) مِنْ أَجْلِ أَنْ تُتِمَّ البَاءُ العدَدَ الَّذِي يَنْقَسِمُ عَلَى تِسعَةَ عَشَرَ، وهَذَا لا شَكَّ أنَّهُ كَذِبٌ. والدَّليلُ: مَثَلًا فِي القُرآنِ كَلِمَاتٌ فِيهَا قِرَاءَاتٌ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] فِيهَا قِرَاءَةُ "فتَثبَّتُوا" إذَنِ: اختَلَّ العَدَدُ، صَارَ بَدَلَ النُّونِ (ثَاءٌ)، وبَدَلَ اليَاءِ بَاءٌ. كذَلِكَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وفِي قِرَاءَة: "مَلِكِ يَوْمَ الدِّينِ" بحَذْفِ الأَلِفِ، فنقَصَتِ الألِفُ، فالقَصْدُ أن هَذَا لَا شَكَّ أنَّهُ كَذِبٌ، ولَا يجوزُ أنْ يُفسَّر القُرآنُ بالإعجَازِ العدَدِيِّ؛ لأنه أوَّلًا: لَيسَ فِيهِ إعْجَازٌ كَمَا قَالُوا. وثَانيًا: القُرانُ مَا نَزَلَ عَلَى أنَّه تمرِينٌ حِسَابِيٌّ، بَلْ نزَلَ عَلَى أنَّهُ مَوعِظَةٌ وشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدورِ. ويُقَالُ: إنَّ الَّذِي أَطْلَقَ هَذه البِدْعَةَ رَجُل كَانَ يُنكِرُ القِسْمَ الثَّانِيَ مِنَ الشَّهادَةِ، ويقُولُ: إنَّ الشَّهادَةَ فقَطْ تَقْتَصِرُ عَلَى: لَا إِلَهَ إلا اللهُ. وهُوَ رَجُلُ يُسمَّى رَشَادًا، ونشَرَهَا فِيمَا سَبَقَ قَبْلَ سنَوَاتٍ، ولكِنَّهُ قُتِل، قتَلَهُ بعْضُ النَّاسِ؛ لأنَّهُ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللهِ مَا لَيسَ مِنْهُ. ولكِن هَذه الأيَّامَ الأخيرَةَ وجَدْتُ إنسَانًا معَهُ ورَقَةٌ مِنْ هَذَا النَّوعِ يُرِيدُ أَنْ

стр. 15

يَطبَعَها عَلَى حِسَابِهِ الخَاصِّ ويوزِّعَها بَينَ النَّاسِ، فقُلْتُ لَهُ: هَذَا لَا يجُوزُ، ومَزَّقْتُ الورَقَةَ الَّتِي أَعطَانِي، وقُلْتُ: يَجِبُ أَنْ تعْلَمَ أن القُرآنَ إنَّما نَزَلَ لإصْلَاحِ الخَلْقِ، لَا لامتِحَانِ عُقُولهِمْ بالعَدَدِ ومَا أشْبَهَ ذَلِكَ، ثُمَّ كَمَا تَقدَّم: تُوجَدُ آيَاتٌ مُخْتلِفَةٌ تَمْنَعُ هَذَا التَّركيبَ الَّذِي ذَكَر. قَال اللهُ : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] أَي: يَتفَكَّرُوا فِيهَا، ويُردِّدُوها بأفكَارِهِمْ؛ حتَّى يَتبيَّنَ لهم المَعْنَى، فالقُرآنُ الكَرِيمُ لَمْ يَنزِلْ لتِلاوتِهِ لفْظًا فقَطْ، بَلْ ولتَدبُّرِ معْنَاهُ، ولا يُمكِنُ العَمَلُ بِهِ إلا بمَعرِفَةِ مَعْنَاهُ، ولَا يُمكِنُ معرِفَةُ معنَاهُ إلا بتَدبُّرهِ. إذَنِ: فالتَّفكِيرُ فِي معْنَاهُ أمْرٌ وَاجِبٌ، فيَجِبُ أَنْ تَتعَلَّمَ مَعْنَى القُرآنِ كَمَا تَتعَلَّمُ مَعْنَى الآجُرُّوميَّة، وهِيَ كِتَابٌ صَغِيرٌ فِي النَّحْو، لَا يُمكِنُ أَنْ يَستَفِيدَ مِنْهُ الإنسَان حتَّى يَعرِفَ معْنَاهُ، كذَلِكَ أيضًا القُرآنُ الكَرِيمُ، لَا يُمكِنُ أَنْ يَستَفِيدَ الإنسَانُ مِنْهُ حتَّى يَعرِفَ مَعْنَاهُ، ولَوْ أن هُناكَ كِتَابًا في الطِّبِّ مِنْ أَفْصَحِ الكُتُبِ وأنْتَ لَا تَعرِفُ المَعْنَى فَلَا يُمكِنُ أنْ تَستَفِيدَ مِنْهُ. إذَنْ: لَا يُمكِنُ أَنْ تَستَفِيدَ مِنَ القُرآنِ حتَّى تَعرِفَ مَعنَاهُ. ولقَدْ قَال النَّبيُّ ﷺ : "خَيرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" (١) وهَذَا يَشْمَلُ التَّعلُّمَ اللَّفظيَّ والتَّعلُّمَ المَعنَويَّ؛ ولهَذَا قَال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]. وإِذَا شِئْتَ أَنْ تَعرِفَ هَذَا فاقْرَأْ آيَةً مِنَ القُرآنِ مَعَ التَّدبُّرِ، واقْرَأْها مَعَ الغَفْلَةِ، تَجِدْ الفَرْقَ العَظِيمَ بَينَ هَذَا وهَذَا.

стр. 16

لذَلِكَ أَحُثُّكُم -أيُّها الإِخْوةُ- عَلَى تَعلُّمِ مَعْنَى القُرآنِ الكَرِيمِ، فاقْرَؤُوا كُتُبَ التَّفسِيرِ المَوثُوقَةِ، واحْذَرُوا الكُتُبَ الَّتِي لا يُعرَفُ مَنْ أَلفَها أَو الَّتِي عُرِفَ مَنْ أَلفَهَا بأنَّهُ مُنحرِفٌ، أَوْ مَا أشْبَهَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ مِنَ المُفسِّرينَ مَنْ حرَّف القُرْآنَ ونَقَلَهُ إِلَى مَا يَعتَقِدُهُ هُوَ، لَا إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَيهِ القُرآنُ، فاحْذَرُوها، وإِذَا لَمْ تَتَمَكَّنُوا مِنْ هَذَا فاسْألوا أهْلَ العِلْمِ حتَّى تَستَفِيدُوا مِنَ القُرآنِ الكَريمِ. ثانيًا: قَال : ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ أَي: يَتَّعِظَ أصحَابُ العُقولِ. وانْظُر الفَرقَ بينَ قَولِهِ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ حَيثُ عمَّم فِيهَا، وقَولِهِ: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ حَيثُ خَصَّ؛ لأنَّهُ لَا يَتَذكَّرُ بالقُرآنِ ولا يَتَّعِظُ بِهِ إلَّا أصْحَابُ العُقُولِ، كَمَا قَال اللهُ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. فإِذَا قَال قَائِلٌ: إِلَى مَنْ نَرجِعُ في تَفسِيرِ القُرْآنِ؟ فالجَوابُ: نَرجِعُ إِلَى القُرآنِ، نُفسِّرُ القُرآنَ بالقُرآنِ، فإِنْ لَمْ نجِدْ فبالسُّنَّةِ، فإِنْ لَمْ نَجِدْ فبأَقْوَالِ الصَّحابةِ، ولا سِيَّمَا المُفسِّرُونَ مِنْهُمْ، فإِنْ لَمْ نَجِدْ رَجَعْنا إِلَى أقْوَالِ التَّابعِينَ -المُفسِّرين منْهُم- كمُجاهِدِ بن جَبْرٍ وغَيرِهِ ﵏. مثَالُ تَفسيرِ القُرآنِ بالقُرآنِ: قولُهُ تعَالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ١ - ٤]، والأمثلَةُ كَثيرَةٌ. مثَالُهُ مِنَ السُّنَّة: قَولُهُ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ﴿الْحُسْنَى﴾ يَعْنِي: الجَنَّة. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هِيَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللهِ ، فَسَّر ذَلِكَ

стр. 17

النَّبيُّ ﷺ (١)، وهُوَ أَعْلَمُ الخَلْقِ بكِتَابِ اللهِ تَعالى. ومنْ ذَلِكَ قَولُ اللهِ تعَالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَال النَّبيُّ ﷺ : "أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ" مَرَّتينِ أَوْ ثَلاثًا (٢). ففَسَّر القُوَّة بالرَّميِ، لأَنَّ الرَّميَ أشَدُّ مَا يكُونُ فَتْكًا بالنِّسبَةِ للأَسْلِحَةِ، وإِلَى يَومِنَا هَذَا الرَّميُ هُوَ القُوَّةُ، وقَد كَانَ النَّاسُ في الأَوَّلِ يَرمُونَ بالسِّهامِ بالقَوْسِ، والْآنَ يَرمُونَ بالصَّوارِيخِ والقَنَابِلِ. فلَا تَظُنَّ أن قولَهُ ﷺ : "أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّميُ" خَاصٌّ بِمَا كَانَ فِي عهْدِهِ، بَلْ هِيَ عَامَّةٌ بِمَا يُحْدَثُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. عَلَى كُلِّ حَالٍ: نَرجِعُ في تَفْسِيرِ القُرآنِ إِلَى تَفْسِيرِ القُرآنِ بالقُرآنِ، ثُمَّ بالسُّنَّةِ، ثُمَّ بأقْوَالِ الصَّحابَةِ ﵃، ولا نَعدِلُ عَنْ أقْوَالِ الصَّحابَةِ إِلَى تَفْسِيرِ المُتأخِّرينَ أبَدًا، خُصُوصًا فِي العِبَادَاتِ، أمَّا فِي الأُمُورِ الَّتِي تَحْدُثُ وَيكُونُ فِي القُرآنِ إشَارَةٌ لهَا فهَذهِ قَدْ لَا يَرِدُ عَنِ السَّلفِ فيهَا تَفْسِيرٌ، ولكِنْ تُفسَّر حسبَ الوَقْتِ، لأَنَّ هُناكَ أشيَاءَ مِنَ الأُمُورِ الكَونيَّةِ الفضَائيَّةِ والأرضِيَّةِ لَمْ يَتكلَّمْ فِيهَا السَّلفُ ﵏، ولكِنْ تَكلَّم فِيهَا المُتأخِّرُونَ، فنَقُولُ: يُرجَعُ إِلَى قَولِ المُتأخِّرينَ فِي هَذَا، لأَنَّ السَّلفَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُون ذَلِكَ. أمَّا مَسَائِلُ العِبَادَةِ والمُعَاملَاتِ ومَا أَشْبَهَهَا، فإِنَّهُ يُرجَعُ في ذَلِكَ إِلَى تَفسِيرِ الصَّحابةِ ﵃ عَلَى كُلِّ حَالٍ، ثُمَّ بعْدَ ذَلِكَ المَرتبَةُ الرَّابِعَةُ: كِبَارُ المُفسِّرينَ مِنَ التَّابعِينَ ﵏، ومَرتبتُهُمْ أدْنَى بكَثِيرٍ مِنْ مَرتبَةِ الصَّحابَةِ ﵃.

стр. 18

أَسأل اللهَ تعَالى أن يَجعَلَنا وإيَّاكُم ممَّنْ يَتلُونَ كتَابَ اللهِ حقَّ تِلاوَتهِ، وأَنْ يَرزُقَنا تَعلُّمَه لفْظًا ومَعْنًى، والعمَلَ بِهِ، إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: إِذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ عَلَى كتَابِ اللهِ يَستَمِعُون القُرآنَ ويُنصِتُون لَهُ فهَلْ لهمْ أجْرُ القَارِئِ؟ الجَوابُ: نعَمْ، لهُمْ أجْرُ القَارِئِ، قَال اللهُ : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]؛ ولذَلِكَ يُشرَع لهُمْ إذَا سجَدَ القَارِئُ سُجودَ التِّلاوَةِ أَنْ يَسْجُدُوا مَعَهُ، فحُكمُهُمْ حُكمُهُ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: هَلْ للمُستَمِعِينَ إِلَى التَّسجِيلِ أجْرُ القِرَاءَةِ؟ الجَوابُ: لَا، لَيسَ لهمْ أجْرُ القِرَاءَةِ؛ لأَنَّ هَذَا حِكَايةُ صَوْتِ قَارئٍ قَدْ يَكُونُ مَيِّتًا وليسَ قرَاءَةً، وهَذَا لا يَحِلُّ أَنْ يُؤدَّى الأذَانُ مِنْ مُسجِّلٍ كَما يَفْعَلُ بعْضُ النَّاسِ فِي بَعْض الأمكِنَةِ، عندَهُمْ مُسجِّلٌ إِذَا جَاءَ وَقْتُ الأذَانِ فتَحُوا المُسجِّل بالمُؤذِّن، هَذَا غلَطٌ عظِيمٌ، ولَا يَنْفَعُ. * * *

стр. 19

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * قال الله : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. البسمَلَةُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ، يَعْنِي: أن اللهَ أَنْزَلَها كَمَا أَنْزَلَ بَاقِيَ القُرآن، فهِيَ كلَامُ اللهِ تُفتتَحُ بِهَا كُلُّ سُورَةٍ مِنَ الفَاتِحَةِ إِلَى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ إلا ﴿بَرَاءَةٌ﴾ فإِنَّها لم تَنْزِلْ لافتِتَاحِهَا. وليسَتِ البَسملَةُ مِنَ السُّورةِ الَّتِي قَبلَهَا، ولَا مِنَ السُّورةِ الَّتِي بعْدَهَا، وعَلَى هَذَا فلا تُحسَبُ مِنْ آيَاتِهَا، فالفَاتحَةُ مثَلًا افتُتِحَتْ بالبَسمَلَةِ، والبَسمَلَةُ ليسَتْ منْهَا، بَلْ هِيَ آيَةٌ مُستقِلَّةٌ، وأوَّلُ الفَاتحَةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، والدَّلِيلُ عَلَى هَذَا مَا جَاءَ فِي الحدِيثِ الصَّحيحِ مِنَ اللهِ، قَال فِي الحدِيثِ القُدسيِّ: "قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيني وَبَينَ عَبْدِي نِصْفَينِ: فَإِذَا قَال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قَال اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي. وَإِذَا قَال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَال: أثنَى عَليّ عَبْدِي. وَإِذَا قَال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَال: مَجَّدَنِي عَبْدِي. وَإِذَا قَال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَال اللهُ: هَذَا بَيني وَبَينَ عَبْدِي نِصْفَينِ وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ. وَإِذَا قَال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَال اللهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ" (١) فبَدَأ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.

стр. 20

وَيدُلُّ عَلَى هَذَا أيضًا: أن النَّبيَّ ﷺ كَانَ لَا يَجْهَرُ بِهَا -أَي: بالبَسْمَلَةِ- فِي القِراءَةِ الجهْريَّةِ، ولَوْ كانَتْ مِنَ الفاتِحَةِ لجَهَرَ بهَا كسَائِرِ آيَاتِهَا. ويَدُلُّ عَلَى هَذَا أن اللهَ تعَالى قسَمَهَا بينَهُ وبَينَ عبْدِهِ نِصْفَينِ، فثَلاثُ آيَاتٍ للهِ، وثلَاثَ آيَاتٍ للعَبْدِ، ووَاحِدَةٌ بينَهُما، فالثَّلاثُ الآيَاتِ للهِ هِيَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] والثَّلاثُ الَّتِي للعَبْدِ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٦ - ٧]، والمُشتَرَكَةُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فتَجِدُ هَذِهِ المُشترَكَةَ هِيَ النِّصفُ، وهِيَ بَينَ العَبْدِ وبَينَ اللهِ نِصفَينِ، هِيَ النِّصْفُ مِنْ بَينِ سَبْعِ آيَاتٍ. فإِذَا قَال قَائِلٌ: نحْنُ نجِدُ في المُصحفِ أن البَسْملَةَ قَدْ رُقِّمَتْ عَلَى أنَّها مِنْ آيَاتِها، وأنَّ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَدْ جُعلِتْ آيَةً واحدَةً. فالجَوابُ: أن هَذَا عَلَى رَأْيِ بَعْضِ العُلمَاءِ، وكَأَنَّ الَّذِين طَبَعُوا المُصحَفَ أوَّلَ مَا طَبَعُوهُ، طَبَعُوه عَلَى هَذَا الرَّأيِ، واستمَرَّ النَّاسُ عَلَيهِ، عَلَى أَنِّي وَجَدْتُ مُصحَفًا مَطبُوعًا فِيهِ أوَّلُ آيَةٍ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، والْآيَةُ السَّابِعَةُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، والبسمَلَةُ لَمْ تُرقَّمْ، وهَذَا هُوَ المُطابِقُ للصَّوابِ. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أيضًا أن الآيَاتِ لَا تَكُونُ مُتناسِبَةً فِي الطُّولِ والقِصَرِ إلا إِذَا قسَمْنا الْآيَةَ الأخيرَةَ قِسمَينِ؛ لأنَّكَ إِذَا قُلْتَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صَارَتِ الْآيَةُ هَذِهِ طَويلَةً بالنِّسبَةِ

стр. 21

لبَقيَّةِ الآيَاتِ، فلَا تَناسُبَ، فعَلَى كُلِّ حَالٍ: القَوْلُ الرَّاجِحُ المُتعيِّنُ أن أوَّلَ الفَاتِحَةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ وأنَّ البَسمَلَةَ ليسَتْ منْهَا كسَائِرِ السُّوَرِ. فقِيلَ: البسملَةُ جملَةُ مَعمُولٍ مَجرُورٍ بالبَاءِ؛ لأَنَّ كُلَّ اسْمٍ مَجرُورٍ بالبَاءَ فإِنَّهُ مَعمُولٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. فلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَامِلٍ محذُوفٍ، ولهَذَا قَال النَّاظِمُ: لَا بُدَّ لِلْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بِفِعْلٍ أوْ مَعْنَاهُ نَحْوَ مُرْتَقِي البَسْملَةُ مَعمُولةٌ لعَامِلٍ مَحذُوفٍ، والقاعِدَة: كُلُّ اسْمٍ مَجرُورٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَامِلٍ، فأَينَ عَامِلُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ نَقُولُ: العَامِلُ مَحذُوفٌ يُقدَّرُ فعْلًا مُتأخِّرًا مُناسِبًا للمَقَامِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾؛ فإذَا أَرَدْنا أَنْ نَقْرَأَ فأَقُولُ: بسْمِ اللهِ. فقَدِّرِ العَامِلَ: (أَقْرَأُ)، فالتَّقدِيرُ (بِاسْمِ اللهِ أَقْرَأُ). ولَوْ سأَلْتَ: لمَاذَا نُقَدِّره فعْلًا ولم نُقدِّرْه اسْمًا، فنَقُولُ: (باسمِ اللهِ قِرَاءَتِي)؟ فالجَوابُ: الأَصْلُ في العمَلِ الأفعَالُ؛ ولذَلِكَ لا تَجِدُ اسْمًا عامِلًا إلا بشُرُوطٍ. وَدَليلُ ذَلِكَ أنَّهُ مَا مِنِ اسْمٍ يَكُونُ عَامِلًا إلا بشُرُوطٍ، لمَاذَا قَدَّرناهُ مُتأخِّرًا ولَمْ نَقُلْ: (أَقرَأُ باسْمِ اللهِ)؟ الجواب: لفَائِدَتَينِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: التَّبرُّك ببدَاءَةِ الكَلَامِ باسم الله تعالى. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الحصْرُ، يعْنِي: باسْمِ اللهِ لَا باسْمِ غَيرِهِ؛ لأنَّهُ إذَا تَقَدَّم المَعمُولُ عَلَى العَامِلِ كَانَ ذَلِكَ دليلًا عَلَى الحصرِ، يَعْنِي: الاختِصَاصَ، فكَأَنَّ القَارِئَ يَقُولُ: باسْمِ اللهِ أَقرَأُ لَا باسْمِ غَيرِهِ.

стр. 22

وقدَّرنَاهُ فِعْلًا مُناسِبًا؛ لأنَّهُ أدَلُّ عَلَى المَقصُودِ؛ فمَثَلًا هُنَا نُرِيدُ أَنْ نَقْرَأَ، نَقُولُ: التَّقدِيرُ: باسْمِ اللهِ أَقْرَأُ. ولَوْ قَال قَائِل: لمَاذَا لَا نَقُولُ: باسْمِ اللهِ أَبتَدِئُ؟ قُلْنَا: لأَنَّ كلمَةَ (أَبتَدِئُ) صالِحَةٌ لكُلِّ فِعْلٍ يُبتَدَأُ بِهِ، وإِذَا قُلْتَ: (أَقْرَأُ) صَارَ خَاصًّا، وهُوَ أَدَلُّ عَلَى المَقْصُودِ، هَذَا تَقْرِيرُ إعرَابِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كُلَّما أَتَتْكَ. أما عِندَمَا يُقَدَّمُ الغَدَاءُ فتَقُول: باسْمِ اللهِ، فكَيفَ نُقدِّرُه؟ الجَوابُ: أَتَغَدَّى، أَوْ آكُلُ الغَدَاءَ؛ لأَنَّهُ أخَصُّ. وإذا أَردْتَ أَنْ تَشرَبَ تَقُولُ: باسْمِ اللهِ أَشْرَبُ. وإذا أَرَدْتَ أنْ تَدْخُلَ المسجِدَ تَقُولُ: بسْمِ الله أدْخُل. وهَلُمَّ جرًّا. أمَّا قَولُنا: باسْمِ اللهِ. فالمُرادُ: بكُلِّ اسْمِ لله، وإنَّما حمَلْنَاهَا عَلَى العُمُومِ؛ لأَنَّ المُفرَدَ إِذَا أُضِيفَ صَارَ في العُمُومِ. أَي: أَبتَدِئُ بِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ. وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أَي: ذُو الرَّحمَةِ الواسِعةِ. وقوله: ﴿الرَّحِيمِ﴾ أَي: ذُو الرَّحمَةِ الخَاصَّةِ بالمُؤمِنِينَ؛ كَمَا قَال : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].

стр. 23

الآية (١) * قَال اللهُ : ﴿حم﴾ [الزخرف: ١]. قَال المُفسِّرُ ﵀ (١): [اللهُ أَعلَمُ بمُرادِهِ بِهِ]. ﴿حم﴾ هَذَانِ حَرْفَانِ هِجَائِيَّانِ؛ أحدُهُما حَاءٌ، والثَّانِي مِيمٌ، لَا إعْرَابَ لهُمَا، وهَلْ لهُمَا مَعْنًى؟ يَقُولُ المُفسِّرُ: [اللهُ أَعلَمُ بمُرادِهِ بِهِ]؛ إذَنْ: لَا نَدْرِي هَلْ في مَعْنًى أَوْ لَا، ولَا نَدْرِي مَا المُرادُ بالمعْنَى، فمَوقِفُنَا مِنْ هَذَا التَّفويضُ، فاللهُ أعلَمُ؛ وهكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ حرْفٍ هِجَائيٍّ ابتُدِئَتْ بِهِ السُّورةُ، مثْلَ: ﴿حم﴾ [الزخرف: ١]، ﴿الر﴾ [يوسف: ١]، ﴿ن﴾ [القلم: ١]، ﴿ق﴾ [ق: ١]، ﴿ص﴾ [ص: ١]، وَمَا أَشْبَهَها. فالمُفسِّرُ ﵀ يَقُولُ: مَا لَنَا ولتَفْسيرِهَا، [اللهُ أَعلَمُ بمُرادِهِ بِهِ]، قَدْ يَكُونُ أَرَادَ مَعْنًى، وقَدْ يَكُونُ لَمْ يُرِدْ مَعْنًى، وقَدْ يَكُونُ أَرَادَ مَعْنًى تَدُلُّ عَلَيهِ السُّورَةُ، وقَدْ يَكُونُ معْنًى آخَرَ، ولكِنَّ القَوْلَ هَذَا ضَعِيفٌ. والصَّوابُ أَنْ نَقُولَ: لَا معْنَى لَهُ، لَيسَ المُرادُ أنَّهُ حَشْوٌ لَا فَائِد منْهُ، لكِنَّ المَقصُودَ: لَا معْنَى لَهُ ذَاتيًّا؛ بدَلِيلِ قَوْلِ اللهِ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقَولِهِ : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، وقَولِهِ :

стр. 24

﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] ثَلَاثُ آيَاتٍ. واللِّسانُ العَربيُّ لمْ تُوضَعْ فِيهِ حُرُوفٌ هِجَائيَّةٌ لهَا مَعْنًى، وإنَّما وُضِعَتْ فِيهِ حُرُوفٌ هجَائيَّة لتَركِيبِ الكَلَامِ مِنْهَا، وهِيَ فِي اللُّغةِ العَربيَّةِ ثَمانيَة وعِشرُونَ حَرْفًا، عنْدَما تَقْرَأُ: ألفٌ، بَاءٌ، تَاءٌ، ثَاءٌ، جِيمٌ، حَاءٌ، خَاءٌ، فلَيسَ لَهَا مَعْنًى، إنَّما هِيَ حرُوفٌ تُكوَّن منهَا الكلمَاتُ، فإِذَا كَانَتْ كذَلِكَ -والقُرآنُ الكَرِيمُ نَزَل بلِسَانٍ عَرَبيٍّ -؛ فإنَّنَا نَجْزِمُ بأنَّهُ ليسَ لهَذِهِ الحرُوفِ مَعْنًى، وإذَا كَانَ قَدْ أَرَادَ بهَا شَيئًا نَقُولُ: لَا يُمكِنُ أَنْ يُريدَ بهَا شَيئًا وهُوَ نَازِلٌ باللِّسانِ العرَبيِّ، واللِّسانُ العرَبيُّ لَا يَجْعَلُ لهذِهِ الحُرُوفِ الِهجَائيَّةِ مَعْنًى، فنحْنُ نَجْزِمُ لقَولِهِ: ﴿عَرَبِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] (١). فقَولُهُ: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] فـ ﴿طه﴾ ليسَ اسْمًا مِنْ أسمَاءِ الرَّسُول، بَلْ هِيَ مِثْل ﴿الر﴾، ﴿حم﴾، حَرْفَانِ هِجائِيَّانِ ليسَ لهُمَا مَعْنًى، وإِذَا قَال الإنسَانُ: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ﴾ خِطَابٌ؟ نَقُوُل: إذَنِ اجْعَلْ ﴿ن﴾ مِنْ أسمَاءِ الرَّسُول؛ لأَنَّ اللهَ قَال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ١ - ٢] وَلَا قَائِلَ بِهِ. فإِذَا قَال قَائِلٌ: مَا الفائِدَةُ مِنْ هَذه الحرُوفِ الهِجَائيَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا معْنًى فِي حَدِّ ذَاتِهَا؟ أَقُولُ: الفَائدَةُ أَشَارَ إليهَا شَيخُ الإسلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ (٢) وغيرُهُ مِنَ العُلمَاءِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ ولحِقُوهُ ﵏ وهِيَ التَّنبيهُ عَلَى أَنَّ هَذَا القُرآنَ الكَرِيمَ الَّذِي عَجَزَ النَّاسُ أَنْ

стр. 25

يَأْتُوا بمِثْلِه لَمْ يَأتِ بحُرُوفٍ جَدِيدَةٍ فيَحتَجَّ النَّاسُ ويَقُوُلونَ: هَذِهِ حرُوفٌ لَا نَعرِفُها فهِي جدِيدَةٌ. فالقُرآنُ الكَرِيمُ جَاءَ بالحُرُوفِ المَعرُوفَةِ عنْدَ المُخاطَبِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أَعجَزَهُم. قَال شَيخُ الإسلَامِ ﵀ وغيرُهُ: ولذَلِكَ لَا تَجِدُ سورَةً مُفتَتحَةً بهَذِهِ الحُرُوفِ الهِجَائيَّةِ إلَّا وجَدْتَ بعْدَها ذِكْرَ القُرآنِ.

стр. 26

الآية (٢) * قَال اللهُ : ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢]. ﴿وَالْكِتَابِ﴾ الوَاوُ حرْفُ قَسَمٍ، وفسَّرَهُ ﵀ بأنَّه [القُرآنُ]؛ لأَنَّ اللهَ تعَالى سمَّى القُرْآنَ كِتَابًا فقَال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ وسُمِّيَ كِتَابًا: ١ - لأَنَّه كُتِب فِي اللَّوحِ المحفُوظِ. ٢ - ولأنَّه كُتِب في المصَاحِفِ الَّتِي بأَيدِي السَّفرَةِ الكِرَامِ البررَةِ. ٣ - ولأنَّهُ كُتِب فِي المصَاحِفِ الَّتِي بأَيدِينَا. وقَولُهُ: ﴿الْمُبِينِ﴾ يَقُولُ المُفسِّرُ ﵀: [المُظهِر طرِيقَ الهُدَى ومَا يُحتَاجُ إلَيهِ مِنَ الشَّريعةِ﴾. ﴿الْمُبِينِ﴾ مِنْ أَبَانَ الشَّيءَ إذَا أَظهَرَهُ؛ فمَعْنَى كَونِهِ مُبينًا أنَّهُ مُظهِرٌ للحَقِّ مُوضِّح لَهُ، بَلْ لِكُلِّ مَا يَحتَاجُ النَّاسُ إلَيهِ. فقولنا: ﴿الْمُبِينِ﴾ مِنْ أَبَانَ الشَّيءَ إذَا أَظهَرَهُ، يَعْنِي: أن القُرانَ أَظهَرَ كُلَّ شيءٍ يَحتَاجُ النَّاسُ إلَيهِ في دِينِهِمْ ودُنيَاهُم؛ وقِيلَ: المرَادُ بـ ﴿الْمُبِينِ﴾ البَيِّن. والأعَمُّ أَنَّهُ مُظهِرٌ للحَقِّ؛ لأَنَّهُ لا يُظهِرُ الحَقَّ إلَّا إذَا كَانَ هُوَ ظَاهِرًا، وعَلَى هَذَا ففَسِّرِ ﴿الْمُبِينِ﴾ بأنَّهُ المُظهِرُ، وإِنْ فسَّرْتَه بهِمَا فَلَا بأْسَ، فقُلْت: إنَّه بَيِّن مُبين؛ لأَنَّ الكلِمَةَ

стр. 27

إِذَا احتَمَلَتْ مَعنيَينِ -وهذِهِ قاعِدَة- لَا يُنَافِي أحدُهُما الآخِرَ، ولَيسَ أرْجَحَ مِنْهُ؛ فإِنَّها تُحمَلُ عَلَيهِمَا. إِذَنْ: إذَا احتَمَل اللَّفظُ معنيَينِ مُتساويَينِ لَا يُنافِي أحدُهُما الآخَرَ حُمِل علَيهِما جميعًا.

стр. 28

الآية (٣) * قَال اللهُ : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]. ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ يَقُولُ المُفسِّرُ ﵀: [أَوْجَدْنا الكِتَابَ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بلُغةِ العَرَبِ، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يَا أهْلَ مَكَّةَ ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تَفهَمُونَ معَانيَهِ]. قولُهُ : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ ضَمِيرُ الفَاعِلِ يَعُودُ عَلَى اللهِ ، وضَمِيرُ المَفعُولِ يَعُودُ عَلَى القُرآنِ، ومَعْنَى ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ عَلَى كَلَامِ المُفسِّر: أَوْجَدْنَاهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، والصَّوابُ أن المَعْنَى: صَيَّرْنَاه قُرْءانًا عَرَبِيًّا، أَي: صَيَّرنَاهُ بلُغَةِ العَرَبِ. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أَي: تَفْهَمُونَ. و﴿جَعَلْنَاهُ﴾ بمَعْنَى: صيَّرْنَاه، أحيَانًا جَعَلَ تَكُونُ بمَعْنَى صَيَّرَ، وأَحْيَانًا تَكُونُ بمَعْنَى خَلَقَ، حسَبَ السِّياقِ، إذَا نصَبَتْ مفْعُولَينِ فهِي بمَعْنَى صَيَّر، وإِذَا نَصَبَتْ مَفعُولًا واحِدًا فهِي بمَعْنَى ﴿خَلَقَ﴾ مِثْلَ قَولِهِ : ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] أَي: بمَعْنَى خَلَق؛ لأنَّها لَمْ تَنْصِبْ إلا مَفْعُولًا واحِدًا، أمَّا إِذَا نَصَبَتْ مَفْعُولَينِ فهِيَ بمَعْنَى صَيَّر. والخِطَابُ فِي قَولِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ عَلَى كَلَامِ المُفسِّر يَعُودُ إِلَى أهْلِ مَكَّةَ، والصَّوابُ أنَّهُ يَعُودُ إِلَى العَرَبِ كُلِّهم، لأَنَّ العَرَبُ هُمْ أهْلُ مَكَّةَ وغَيرُهُم، فيَكُونُ المَعْنَى: صَيَّرنَاهُ بلُغَةِ العَرَبِ؛ لتَفهَمُوهُ أيُّها العرَبُ.

стр. 29

انْتَهَى الكَلَامُ عَنِ الآيَاتِ مِنْ حَيثُ اللَّفْظُ. أمَّا مِنْ حَيثُ المَعْنَى: فاللهُ تعَالى أَقْسَمَ بالقُرْآنِ أنَّهُ جعَلَهُ باللُّغةِ العربيَّةِ مِنْ أَجْلِ فَهْمِهِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: جوَازُ القَسَمِ مَعَ تَأكُّدِ صِحَّةِ المُقسِمِ بدُونِ القَسَم، يَعْنِي: جَوَازُ أَنْ يُقسِمَ الإنسَانُ عَلَى الشَّيءِ مَعَ أن قولَهُ مَقبُولٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وجْهُ الدَّلالةِ: أن اللهَ أَقسَمَ وقَولُهُ مَقبُولٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وصِدْقٌ بِلَا يَمِينٍ، حينَئذٍ يَتَولَّدُ مِنْ هَذَا: كَيفَ يُقسِمُ اللهُ عَلَى الشَّيءِ وهُوَ الصَّادِقُ بدُونِ قَسَمٍ؟ فنَقُوُل: لفَائِدَتَينِ: الأُولَى: بيَانُ أَهميَّةِ هَذَا الشَّيءِ، وأنَّهُ جَدِيرٌ بأَنْ يُقسَمَ عَلَيهِ. والثَّانيَةُ: أن القَسَمَ مِنْ فصَاحَةِ الكَلَامِ فِي اللُّغةِ العَربيَّةِ، فإِذَا كَانَ مِنْ فَصَاحَةِ الكَلَامِ فالقُرآنُ نَزَل باللُّغةِ العربيَّةِ، فيَكُونُ هَذَا مُطابَقَةً بأُسلُوبِ اللُّغةِ العَربيَّةِ. وَيرِدُ على هَذَا القَسَمُ بالقُرآنِ: كَيفَ أَقْسَمَ اللهُ بالقُرآنِ مَعَ أنَّهُ لَا يجوزُ القَسَمُ بغَيرِ اللهِ؟ والجَوابُ عَلَى هَذَا: أن القُرآنَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ، لأَنَّهُ كَلَامُ اللهِ، والقَسَمُ يجوزُ باللهِ وبالصِّفةِ مِنْ صِفَاتِهِ، فزَال الإِشْكَالُ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيَانُ عظمَةِ القُرآنِ، لأَنَّ اللهَ لَا يُقْسِمُ إلَّا بشَيءٍ عظِيمٍ، بَلْ إِنَّ القَسَمَ نَفْسَهُ -كَمَا قَال مَنْ فسَّرهُ- تأكِيدُ الشَّيءِ بذِكْرِ مُعظَّمٍ بِصِفَةٍ مخصُوصَةٍ بأَحَدِ حُرُوفِ القَسَمِ. وحرُوفُ القَسَمِ ثَلَاثَةٌ: الوَاوُ، البَاءُ، التَّاءُ.

стр. 30

مثَالُ الوَاو: قَوُلهُ: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ والوُاوُ هِيَ أكْثَرُ مَا يُستَعْمَلُ فِي القَسَمِ. ومِثَالُ البَاءِ: قَولُ القَائِلِ: أُقسِمَ باللهِ أَنَّ هَذَا حَقٌّ. ومثَالُ التَّاءِ: ﴿قَال تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن القُرآنَ الكَرِيمَ مُبِينٌ لكُلِّ مَا يَحتَاجُ إِلَى البَيَانِ؛ لقَولِهِ تعالى: ﴿الْمُبِينِ﴾. ولكِنَّ هَذَا البيَانَ لَيسَ حَاصِلًا لِكُلِّ أحَدٍ، فمِنَ النَّاس مَنْ يَفْهَمُ مِنَ القُرآنِ أشيَاءَ كثِيرَةً، ومِنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ، ومنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَفْهَمُ شَيئًا؛ فالأقْسَامُ ثَلَاثَةٌ؛ فمِنَ النَّاسِ مَنْ يفْتَحُ اللهُ عَلَيهِ فيَفْهَمُ مِنَ الآيَة الوَاحِدَةِ عَشَرَاتِ المسَائِلِ، ومنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ، ومِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَفْهَمُ شَيئًا. ولهَذَا لمَا سُئِلَ عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: هَلْ عَهِدَ إلَيكُمُ النَّبيُّ ﷺ بشَيءٍ؟ قَال: "لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا عَهِدَ إِلَينَا بِشَيءٍ، إلا فَهْمًا يُؤْتيهِ اللهُ تَعَالى مَنْ شَاءَ فِي الْقُرْآنِ، وَإِلَّا مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ" (١)، وإنَّما سُئِلَ عَليٌّ عَنْ ذَلِكَ لأنَّهُ أُشِيعَ فِي زَمَنِهِ أن النَّبيَّ ﷺ عَهِدَ إِلَيهِ بالخِلَافَةِ وقَال: أنْتَ الخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي. فبَيَّنَ ﵁ أن ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، والشَّاهِدُ مِنْ هَذَا الأثَرِ قَولُهُ: "إلا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ". ولذَلِكَ ترَى بعضَ العُلماءِ إذَا تَكلَّمَ عَنِ الْآيَة مُستنبِطًا فَوائِدَها يَأتِي بالعَجَبِ العُجَابِ، ومنْ أَبْلَغِ مَا قَرَأْتُ مَا يَحصُلُ لشَيخِ الإسلَامِ ابْنِ تيمِيَّةَ وتلمِيذِهِ ابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ؛ فإِنَّ اللهَ يَفْتَحُ عَلَيهِما مِنْ فَهْمِ القُرآنِ مَا لَا يَكُونُ لغَيرِهِما، ومِنَ النَّاسِ مَنْ فَهمُهُ دُونَ ذَلِكَ، لكِنْ درجَاتٌ، ومنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَفْهَمُ شَيئًا.

стр. 31

والدَّلِيلُ الأَخِيرُ قَوُلهُ تعَالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، يَعْنِي: إلا قِراءَةً، جمْعُ أمنيَّةٍ، ومِنْهُ قَولُ الشَّاعِرِ فِي أَمِيرِ المُؤمنِين عُثمَانَ ﵁: تَمنَّى كتَابَ اللهِ أَوَّلَ لَيلِهِ ... وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ المَوَارِدِ (١) معْنَى (تَمنَّى كتَابَ اللهِ) أَي: قرَأَ كِتَابَ اللهِ؛ لأَنَّ أمِيرَ المُؤمنِينَ عُثمَانَ ﵁ قُتِل شهِيدًا فِي دَارِهِ وهُوَ يَتَهجَّدُ ويَقْرأُ القُرآنَ، فالَّذِي لا يَفْهَمُ لا يَقْدَحُ في كَونِ القُرآنِ تِبْيانًا لكُلِّ شَيءٍ؛ لأنَّ القُرآنَ في حَدِّ ذَاتِهِ تِبيَانٌ لكُلِّ شَيءٍ، كَمَا أن الجبَانَ الَّذِي بيَد سَيفٌ بتَّارٌ لَا يُقدِم فيَقتُل به، وليسَ هَذَا عَيبًا في السَّيفِ. فإِذَا قَال قَائِلٌ: إنَّ اللهَ ذَكَرَ أَشيَاءَ لَا مَجَال للعِلْمِ فِيهَا فأَينَ بَيَانُهَا؟ قُلْنا: بيَانُها فِي قَوْلِ اللهِ : ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشورى: ١١] فِيمَا يَتَعَلَّقُ بالصِّفَاتِ؛ لأَنَّ بيَانَهَا عَلَى وَجْهِ التَّفصِيل لَا تَحتَمِلُهُ العُقُوُل، فكَانَ مِنَ الحِكمَة ألا تُفصَّل، وإلَّا فهُوَ تِبَيانٌ لكُلِّ شَيءٍ. ذُكِر أن أحَدَ العُلماءِ كَانَ في مَطْعَمٍ، وكَانَ فيه رَجُلٌ مِنَ النَّصارَى، فاستَغَلَّ النَّصرانيُّ الفُرصَةَ ليُلقِيَ عَلَى هَذَا العَالِمِ سُؤَالًا يَتحَدَّاهُ بِهِ، فأَتَى إِلَيهِ وقَال لَهُ: أيُّهَا الشَّيخُ. قَال: نَعَمْ، مَاذَا تُرِيدُ؟ قَال: القُرآنُ كِتَابُكم يَقُولُ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ونحن نَصنَعُ هذَا الطَّعَام فأَينَ هَذَا فِي القُرآنِ؟ وكَانَ العَالمُ المُسلِمُ ذكيًّا، قَال: هَذه مَوجُودَةٌ فِي القُرآنِ، أي مَوجُودٌ كَيفَ نَصْنَعُها، قَال: أَينَ هُوَ؟ فنَادَى الطَّبَّاخَ، وقَال: كَيفَ صَنعْتَ هَذَا؟ فجَعَلَ الطَّبَّاخُ يَشرَحُ لَهُ، فقَال:

стр. 32

هَكَذَا جَاءَ فِي القُرآنِ. قَال: كَيفَ؟ قَال: إنَّ اللهَ قَال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. فأَحَالنَا فِيمَا لَا نَعْرِفُ عَلَى مَنْ يَعرِفُ، وهَذَا بيَانٌ، فلَمَ نَتحَيَّرُ الْآنَ فِي مَعرِفَةِ كَيفَ تُصنَعُ هذَا الطَّعَام؟ ! لَوْ قَال لنَا قَائِلٌ: القُرآنُ تِبْيَانٌ لكُلِّ شَيءٍ، فكَيفَ نَصنَعُ هَذَا التِّليفُونَ؟ هَلْ فِي القُرْآنِ وصْفٌ لصِنَاعَتِهِ؟ أينَ ذِكْرُهُ فِي القُرْآنِ؟ نقُوُل: الحمْدُ لله، اللهُ أَحَالنَا إِلَى سُؤَالِ مَنْ يَعرِفُ إِذَا كُنَّا لَا نَعْرِفُ، وهَذَا بيَانٌ، فلَم يُوقِفْنا مُتحيِّرينَ. إذَنْ: في هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أن القُرآنَ مُبِينٌ لكُلِّ شيءٍ، ولكِنَّ القُرآنَ يَحتَاجُ إِلَى تَدبُّرٍ، وبدُونِ التَّدبُّر لَا يُمكِنُ أنْ تَهتَدِيَ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّكَ كُلَّما أَمعَنْتَ وتَعمَّقْتَ في تَدبُّرِ القُرآنِ فَتَحَ اللهُ لَكَ مِنْ أبْوابِ المعرِفَةِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلُ، وصِرْتَ تَستنْبِطُ مِنَ الْآيَة الواحِدَةِ مِنَ الأحكَامِ مَا لَا يَستنْبِطُهُ غَيرُكَ، فاحْرِصُوا عَلَى هَذَا التَّدبُّرِ. الْآنَ -ولله المثَلُ الأَعْلَى- فِي كَمْ يَومًا خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأَرضَ؟ ! لَوْ شَاءَ لخلَقَها فِي لحْظَةٍ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ لكِنَّه خلَقَها في سِتَّة أيَّامٍ، ليَعلَمُ العِبَادُ أن الإِتْقَانَ خَيرٌ مِنَ العَجَلَةِ، ولأَنَّ هَذَا الخَلْقَ لَهُ سُنَنٌ وقَواعِدُ وأسبَابٌ كَونيَّةٌ يَنتُج شَيئًا فشيئًا، فأَرَادَ اللهُ أَنْ يُبيَّن للعِبَادِ أن المُهِمَّ هُوَ الإِتْقَانُ والإحكَامُ دُونَ السُّرعَةِ، ولَوْ أَرَادَ اللهُ لكَانَ فِي لحْظَةٍ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هَذَا القُرآنَ الَّذِي أَعجَزَ العَرَبَ مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي يُركِّبُون مِنْهَا كَلَامَهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ أَعجَزَهُم.

стр. 33

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مَكتُوبٌ، وهُوَ مَكتُوبٌ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ، ومَكتُوبٌ فِي الصُّحفِ الَّتِي بأَيدِي الملَائكَةِ، ومَكتُوبٌ فِي الصُّحفِ الَّتِي بينَ أيدِينَا. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن القُرآنَ الكَرِيمَ حَادِثٌ؛ يَعْنِي: أنَّهُ بإرَادَةِ اللهِ ؛ لقَولِهِ تعَالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ واللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجعَلَهُ بلُغَةٍ أُخْرَى لكِنْ صيَّرهُ باللُّغةِ العربيَّةِ. ومَعْلُومٌ أن العَرَبَ حَادِثُون، فيَكُونُ مَا نَزَلَ باللُّغةِ حَادِثًا، وهَذَا هُوَ الحَقُّ؛ أن كلَامَ اللهِ حَادِثٌ، بمَعْنَى: أنَّهُ يَتكَلَّمُ مَتَى شَاءَ، ومَتَى شَاءَ لَا يَتكَلَّمُ، كَمَا قَال النَّبيُّ ﷺ : "وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيرَ نِسْيَانٍ" (١). قُلْنَا: إنَّ كلَامَ اللهِ حَادِثٌ. والمَعْنَى: أنَّهُ يُحدِثُ مِنْ كَلَامِهِ مَا شَاءَ. ومنْ أُصُولِ أهْلِ السُّنَّةِ والجمَاعَةِ: أن اللهَ يَتكَلَّمُ بكَلَامٍ حقِيقيٍّ مَتَى شَاءَ، بِمَا شَاءَ، كَيفَ شَاءَ، أَلَمْ تَعلَمُوا أن الأشعرِيَّةَ الَّذِين يَنتَسِبُونَ إِلَى أَبِي الحَسَنِ الأشعَرِيِّ يَقُولُونَ: إنَّ اللهَ لَا يَتكَلَّم مَتَى شَاءَ أبَدًا. قَالُوا: لأَنَّ الكلَامَ مَعْنًى قَائِمٌ بنَفْسِهِ، أزَليٌّ، لكِنَّهُ يُحْدِث أَصْواتًا يَخلُقُها مَتَى شَاءَ فتُسمَع. فيَرَون أن الكلَامَ لَا يَتَعَلَّقُ بمَشيئَتِهِ. فأيُّهما أكمَلُ مَنْ يتكَلَّم بمَشِيئتِهِ، وبِمَا شَاءَ، وكَيفَ شَاءَ، أَمْ مَنْ لَا يَستَطِيعُ هَذَا؟ الجَوابُ: الأوَّلُ، لكِنْ أربتْ بدعَتُهُم إلَّا أَنْ يَقُوُلوا بالثَّانيَةِ، وقَدْ ألَّفَ شيخُ الإسلَامِ ابْنُ تيمِيَّةَ ﵀ كتَابًا سمَّاهُ (التِّسعينيَّة) بيَّن بُطلَانَ هَذَا القَوْلِ مِنْ تِسعِينَ وجْهًا ﵀ وجزَاهُ عَنِ الأُمَّةِ خَيرًا.

стр. 34

فإِنْ قَال قَائِلٌ: وهَلْ يجوزُ وَصْفُ القُرَآنِ بالحُدُوثِ؟ فالجَوابُ: نَعَمْ، مُحْدَثٌ وحَادِثٌ؛ قَال اللهُ تعَالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥]، لكِنْ لَا تَظُنَّ أن معْنَى مُحْدَث أَي: أنَّهُ مَخْلُوق، لَا، مُحْدَثٌ يَعْنِي: أن اللهَ تَكَلَّم بِهِ حِينَ نُزُولِهِ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: مَا القَوْلُ الرَّاجِحُ فِي نُزُولِ القُرآنِ، أنَّهُ نُزُولٌ وَاحِدٌ أَوْ نُزُولانِ: نَزَلَ إِلَى السَّماءِ الدُّنيا، ثُمَّ نَزَلَ إِلَينَا؟ فالجَوابُ: الظَّاهِرُ أنَّهُ نُزُولٌ وَاحِدٌ، نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، تَكَلَّم بِهِ ، ثُمَّ سَمِعَهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ. فإِنْ قَال قَائِلُ: عَلَى القَوْلِ بأَنَّ للقُرآنِ نُزُولًا وَاحِدًا كَيفَ نُفسِّرُ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١]؟ فالجَوابُ: نُفسِّر هَذَا بأَنَّ اللهَ تعالى بدَأَ إنزَالهُ فِي لَيلَةِ القَدْرِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن كَوْنَ القُرآنِ باللُّغةِ العربيَّةِ مَنقَبَةٌ كُبْرَى للعَرَب: أَنْ يَكُونَ القُرآنُ العَظِيمُ نزَلَ بلُغَتهِمْ؛ لقَولِهِ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. فإِذَا قَال قَائِلٌ: هَذِهِ عَصبيَّةٌ وحميَّةٌ للعَرَبِ ويَفتخِرُ بهَا العَرَبُ المُلحِدُونَ فمَا الجَوابُ؛ لأنَّ هَذَا مُشكِلٌ، فالعَرَبُ المُلحِدُون الَّذِين يَبنُونَ الوَلَاءَ والبرَاءَ عَلَى القَوميَّةِ العَربيَّةِ يَفْخَرُونَ بهَذَا! . فنَقُوُل: مَنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا فَخْرَ، ولَوْ كَانَ مِنْ صَمِيمِ العَرَبِ؛ والدَّليلُ: أبُو لهَبٍ عَمِّ النَّبيِّ ﷺ أَنزَلَ اللهُ فِي حَقِّهِ سُورَةً كَامِلَةً تُتلَى فِي الصَّلَاةِ، وفِي المسَاجِدِ، وفِي كُلِّ مَكَانٍ مما يُتلَى فِيهِ القُرآنُ إِلَى يَومِ القِيامَةِ فِي ذَمِّه، وهُوَ مِنْ صَمِيمِ العَرَبِ عَمِّ النَّبيِّ

стр. 35

- ﷺ ، فالعُروبَةُ لَا تُغنِي شَيئًا مَعَ الكُفْرِ، فإِذَا اجتمَعَ الدِّينُ والدُّنيا فَمَا أحْسَنَ الدِّينَ والدُّنيَا إِذَا اجتَمَعَا: صَارَ مُسلِمًا وعَرَبيًّا. فإِنْ قَال قَائِلٌ: هَلْ فِي القُرآنِ مِنَ الكلِمَاتِ مَا لَيسَ بعَرَبيٍّ؟ فالجَوابُ: لَا، أبَدًا، كُلُّ مَا فِي القُرآنِ عرَبيٌّ، لكِنَّ بعضَهُ مِنْ صَمِيمِ اللُّغةِ العَربيَّةِ، وبعضَهُ مُعرَّب، أَي: أصْلُهُ غَيرُ عرَبيٍّ لكنَّهُ عُرِّب، وإِذَا عُرِّبَ صَارَ عَرَبيًّا، فإنَّهُ لمَّا تَكَلَّم بِهِ العَرَبُ صَارَ عرَبِيًّا للاستِعْمَالِ وإِنْ كَانَ أَصْلُهُ غَيرَ عرَبِيٍّ، أرَأَيتَ أنْتَ إِذَا أخذْتَ الجِنْسِيَّةَ فِي بَلَدٍ تَكوُن مُنهُمْ، وأنْتَ فِي الأَصْلِ مِنْ غَيرِهِمْ، فلَيسَ فِي القُرآنِ مَا لَيسَ بعَرَبيٍّ. وأمَّا قَوُله تَعالى: ﴿سُنْدُسٍ﴾، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فإنَّ هَذه عُرِّبت فصَارَتْ مِنْ كَلَامِ العَرَبِ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الحُجَّة لَا تَكُونُ إلَّا بالفَهْمِ، أَي: أن الحُجَّةَ لَا تَقُوم عَلَى العِبَادِ إلا إِذَا فهِمُوها، لقَولِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ والعَقْلُ هُنَا بمَعْنَى الفَهْمِ، فَلَوْ تُلِيَ القُرآنُ عَلَى رَجُلٍ أَعْجميٍّ لَا يَعرِفُ معنَاهُ ولَمْ يُقَلْ لَهُ: هَذَا كَلَامُ اللهِ. فإنَّهُ لَا حُجَّةَ قَائمَةٌ، ويدُلُّ لهَذَا قولُهُ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، فهذ مسأَلةٌ عظِيمَةٌ؛ الحُجَّةُ لَا تَقُومُ عَلَى العِبَادِ إلَّا بفَهمِهَا ومعرِفَةِ مَعْناهَا، وإلَّا فأَيُّ حُجَّةٍ فِي رَجُلٍ يَتكَلَّمُ بكَلَامٍ لَا نَفهَمُه؟ ! لَا حُجَّةَ؛ ولذَلِكَ لَوْ قَامَ أعجمِيٌّ أمَامَنا ونحْنُ عرَبٌ لَا نَعرِفُ لُغتَهُ وتَكَلَّم بأفصَحِ مَا يكُونُ فِي لُغتِهِ لَا نَفهَمُ شَيئًا أبَدًا؛ فلَا بُدَّ مِنْ فَهْمِ الحُجَّةِ. فإِنْ قَال قَائِلٌ: قَوُلكُم: إنَّ الحُجَّةَ لَا تَقُوم إلَّا بفَهْمِهِ، هَلْ يَنبَنِي عَلَى هَذَا أن القُبورِّيينَ الَّذِين لَمْ يَفهَمُوا بَابَ العِبَادَةِ حَقَّ الفَهْمِ -وَيقْرَؤُون القُرآنَ- أنَّهُم مَعذُورُون

стр. 36

بذَلِكَ؛ لأَنَّ البعْضَ يَقُولُ: الحُجَّةُ قَائمَةٌ بوجُودِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ؟ فالجَوابُ: هؤُلاءِ مُقصِّرُون، يَعْنِي: أنَّهُم يُعرَض عليهِمُ الحَقُّ ولكِنَّهُم لَا يَقْبَلُونَهُ، لكِنْ لَوْ فَرَضْنا أن أُنَاسًا بَعِيدِينَ عَنِ المُدُنِ وعَنِ العِلْمِ، وهُمْ مُسلِمُونَ، يُصَلُّونَ، وَيعمَلُونَ كُلَّ أعْمَالِ الإسلَامِ وهُمْ قُبورِيُّون، هؤُلاءِ لَمْ تُقَمْ عليهِمُ الحُجَّةُ، لكِنَّ غَالِبَ القُبوريِّينَ الْآنَ -إنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّهم- قَدْ قِيلَ لهمْ: إنَّ هَذَا شِرْكٌ، ولكِنْ قصَّرُوا وقَالُوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وإِنْ قَال قَائِلٌ: هَلْ فَهْمُ القُرآنِ يَكُونُ عَلَى حَسبِ ذَكَاءِ الشَّخصِ أَوْ عَلَى حسبِ تَقْوَاهُ للهِ جَلَّ وَعَلَا؟ فالجَوابُ: عَلَى هَذَا وهَذَا؛ ولذَلِكَ قَال عَليٌّ ﵁: "إلا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللهُ تَعَالى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ" (١)، والتَّقْوَى لهَا تأْثِيرٌ فِي فَهْمٍ القُرآنِ الكَرِيمِ؛ قَال اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وَقَال فِي القُرْآنِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. فإِنْ قَال قَائِلٌ: مَاذَا تَقُولُون فِي قَولِ اللهِ : ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وَلَمْ يَقُلْ: ومَنْ فَهِمَهُ؟ ! فالجَوابُ: أَنْ نَقُولَ ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ مُقيَّد بالنُّصوصِ الأُخْرَى الدَّالَّةِ عَلَى أنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الفَهْمِ. أَوْ يُقالُ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ مِنَ العَرَبِ الَّذِين يَفهَمُونَهُ، ولَا بُدَّ مِنْ هَذَا، واللهُ أرْحَمُ وأحكَمُ مِنْ أَنْ يُلزِمَ العِبَادَ بِمَا لَا يَفهَمُونَهُ.

стр. 37

فإِنْ قِيل: سِيَاقُ الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] إنَّما كَانَ فِي رسَالةِ النَّبيِّ ﷺ فهَلْ يَصِحُّ الاستِشْهَادُ بِهِ عَلَى العُمُومِ؟ فالجَوابُ: نعَمْ يَصِحُّ؛ لأَنَّ العِبرَةَ بعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّببِ. فائدة: بعضُ النَّاسِ يَستَنْبِطُ مِنَ الآيَاتِ مَا لَا تَحتَمِلُهُ الآيَاتُ، أرَأيتُمْ أوَّلَ مَا خرَجَ وُصولُ البشَرِ إِلَى القَمَرِ -ولعَلَّهُ حصَلَ قَبْلَ أَنْ يُميِّزَ أكثَرُكُمْ، أكثرُكُمْ شَبَابٌ والحمْدُ لله- لمَّا حدَثَتْ هذِهِ الحَادِثَةُ وقَالُوا: إنَّ البَشَرَ وَصلُوا إِلَى القَمَرِ وأخذُوا منْهُ عيِّنةٌ وجَاؤُوا بهَا إِلَى الأَرْضِ وادَّعَوْا أنَّها مِنَ القَمَرِ، أحجَارٌ سودَاءُ رأَينَاها، قَال النَّاسُ: هَذَا مَوجُود في القُرآنِ، فاللهُ يَقُولُ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] أي: بعِلْمٍ، وهؤُلاءِ وَصَلُوا إِلَى أقطَارِ السَّمواتِ بالعِلْمِ، فقَالُوا: هذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا. لكِنَّ هَذَا التَّفسِيرَ محُرَّم، وقَولٌ عَلَى اللهِ، وكذِبٌ عَلَى اللهِ، فإنَّ الْآيَةَ في سِيَاقِ التَّحدِّي ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾، ولا يُمكِنُ أَنْ يَتَحَدَّى اللهُ أحَدًا بِمَا يَستَطِيعُ، التَّحدِّي مَعنَاهُ أن المُخاطبَ لَا يَستَطِيعُ، هذِهِ وَاحِدَةٌ. ثَانيًا: الْآيَةُ ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾ فبَدَأَ بالسَّمواتِ، فلَا يُمكِنُ لهؤُلاءِ أَنْ يَنفُذُوا مِنْ أقطَارِ السَّمواتِ، وإِذَا كَانَ أفضَلُ رَسُولٍ فِي البَشَرِ، وأفضَلُ رَسُولٍ فِي المَلَائكَةِ لَمْ يَدْخُلِ السَّماءَ الدُّنيَا إلَّا باستِفْتَاحٍ وإذْنٍ فكَيفَ بهَؤُلاءِ؟ ! فهؤُلاءِ إِنْ نفَذُوا مِنْ أقطَارِ الأَرْضِ لَمْ يَنفُذُوا مِنْ أقطَارِ السَّمواتِ.

стр. 38

ثَالثًا: قَال اللهُ بعْدَ قولِهِ: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾ قَال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] وَلَمْ يُرسَلْ عَلَى هَؤُلاءِ شُواظٌ مِنْ نَارٍ ونُحَاسٌ؛ فتَفسيرُ القُرَآنِ بمَا لَا يَحتَمِلُه هَذَا محُرَّم؛ لأَنَّ المُفسِّر يَشْهَدُ أن اللهَ أَرَادَ كَذَا. ومثْلُ قَولِ بعضِهِمْ: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] قَال: هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أن الأرْضَ تَدُور. والمَسأَلةُ هذ حَصَلَ فِيهَا مَعرَكَةٌ كَبِيرةٌ: هَلِ الأَرْضُ تَدُورُ أَوْ لَا تَدُورُ؟ وكُتِبت فِي ذَلِكَ مَنشُوراتٌ فِي الصُّحفِ ورسَائِلُ صَغِيرةٌ؛ إنْكَارًا وتَأيِيدًا، فجَاءَ هَذَا الرَّجُل المُتعلِّم فقَال: هَذهِ في القُرآنِ: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ قِيلَ: هَذَا يومَ القِيَامَةِ. قَال: يَومَ القِيامَةَ لَا يُمكِنُ أَنْ يُرَى الشَّيءُ إلَّا عَلَى حقِيقَتِهِ، لَا يَرَاهُ عَلَى غَيرِ حقيقَتِهِ. فقِيلَ لَهُ جَوَابًا عَلَى هَذَا: أَلَمْ تَقْرَأْ قَولَ اللهِ : ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ١ - ٢] فهَذَا رؤْيةُ الشَّيءِ عَلَى غَيرِ حقيقَتِهِ، وهُوَ مُمكِن؛ فالْآيَةُ ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ لأنَّها تَكُونُ هَبَاءً. فهَذَا أيضًا مِنَ الغَلَطِ، وتَحْمِيلِ القُرآنِ مَا لَا يَحْتَمِلُ.

стр. 39

الآية (٤) قَال اللهُ : ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]. قولُه: ﴿وَإِنَّهُ﴾ الضَّمِير يَعُودُ عَلَى ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، وهُوَ القُرآنُ ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ هُوَ اللَّوحُ المحفُوظُ، وسُمِّي أُمًّا؛ لأنَّهُ مَرجِعٌ لجَمِيعِ مَا يُكتَبُ مِنْ بعْدِهِ، والكِتَابَةُ أنواعٌ، والكِتَابَةُ العُظمَى العَامَّة الشَّامِلَةُ مَا كُتِبَ فِي اللَّوحِ المحْفُوظِ. وقولُه: ﴿لَدَينَا﴾ أَي: عِنْدَنا، والظَّرفُ هُنَا حَالٌ مِنْ ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: أن الَّذِي لَدَى اللهِ -فِي هَذه الآيَةِ- هُوَ ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾؛ أَيِ: اللَّوحُ المحفُوظُ عنْدَ اللهِ وهُوَ محْفُوظٌ مِنَ التَّغِييرِ والتَّبدِيلِ، لأنَّهُ أُمُّ الكِتَابِ. وأمَّا الكُتُبُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الملَائِكَةُ فَفِيهَا تَغْييرٌ وتَبدِيلٌ، كَمَا قَال اللهُ : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. وقولُه: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أَي: ذُو عُلُوٍّ ﴿حَكِيمٌ﴾ أَي: ذُو حُكْمٍ وحِكمَةٍ، وَصْفانِ عظِيمانِ للقُرآنِ الكَرِيمِ وَصَفَ اللهُ بِهِمَا نفْسَهُ. (عليٌّ) بمَعْنَى: عَالٍ، لكِنَّه أبلَغُ؛ لأَنَّ (عَليًّا) عَلَى وزْنِ (فعِيل) صِفَةٌ مُشبَّهةٌ، والصِّفةُ المُشبَّهة تَدُلُّ عَلَى الثُّبوتِ والاستِمْرَارِ. و﴿حَكِيمٌ﴾ أَي: ذُو حُكْمٍ وحِكمَة؛ فالقُرآنُ حَاكمٌ، والقُرآنُ مُشتَمِلٌ عَلَى حِكْمةٍ. ومعْنَى قَولِنا: (حَاكِمٌ) أنَّه مَرجِعٌ فِي الحُكمِ لا يُحكَم بغَيرِه، ومعْنَى (حَاكِمٌ)

стр. 40

أنَّه مُهيمِنٌ عَلَى جَمِيعِ الكُتُبِ حَاكِمٌ عَلَيهَا. وقولُهُ : ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ يَحتَمِل أن مُرادَ ﴿وَإِنَّهُ﴾ أَي: ذِكْرُه كما قَال اللهُ : ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، ومَعلُوم أن القُرآنَ ليسَ فِي زُبرِ الأَوَّلينَ، ولكِنْ فِي زُبُرِ الأَوَّلينَ ذِكرُه، ولكِنْ إِذَا تَأمَّلنا قُلْنا: الأصْلُ أن الضَّمِيرَ يَرجِعُ إِلَى المُضمَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيهِ، أَي: إِلَى نَفْسِ المُضمَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيهِ، وحينَئِذٍ يَكُونُ ﴿وَإِنَّهُ﴾ -أَيِ: القُرآن- كُلُّه فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ. فإِنْ قَال قَائلٌ: هَذَا القَولُ يَرِدْ عَلَيهِ أن فِي القُرَآنِ الكرِيمِ كلِماتٍ تَحدَّث اللهُ بِهَا عَنْ شَيءٍ مَضَى، مِثْلَ قَولِ اللهِ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، هَذَا الخبرُ بعْدَ المُجادلَة، وقولُهُ : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] إشَارةٌ إِلَى غزْوة أُحُدٍ ﴿غَدَوْتَ﴾ خرَجْتَ فِي الغدَاةِ، هَذَا الخَبرُ بعْدَ أَنْ غَدَا؛ لأنَّ غَدَا فِعْلٌ مَاضٍ، فهُنَا يُشكِلُ يُقَالُ: كيفَ كَانَ فِي اللَّوحِ المحفُوظِ يَتحَدَّث اللهُ عَنْ شَيءٍ حصَلَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَة؟ فيُقَال: لَا إشكَال؛ والجَوابُ: أن اللهَ كتَبَ هَذَا فِي اللَّوحِ المحفُوظِ؛ لعِلْمِه أنَّه سيقَعُ، ثُمَّ أَنزَلَهُ بعْدَ وُقُوعِهِ، كَمَا أَنَّ الحوادِثَ الكَونيَّةَ مَكتُوبَة فِي اللَّوحِ المحفُوظِ لعِلْمِهِ تعَالى أنَّها ستَقَعُ، ثُمَّ تَكُونُ حِينَ يُرِيدُ اللهُ أَنْ تَكُونَ. وكنْتُ قَبْلَ ذَلِكَ أُرجِّحُ، بَلْ أَقُولُ: يَتعيَّن أن الَّذِي فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ لَيسَ هُوَ القُرآنَ؛ لكِنَّ الَّذِي فِي اللَّوحِ ذِكْرُ القُرآنِ؛ أَي أنَّه سيَنْزِلُ قُرآنًا عَلَى هَذهِ الأُمَّةِ، واستَدَلُّوا عَلَى هَذَا بقَولِهِ : ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، والَّذِي فِي زُبُرِ الأَوَّلينَ هُوَ ذِكْرُ القُرآنِ بلَا شَكٍّ، مُستَنِدًا إِلَى مِثْلِ الآيَاتِ الَّتِي ذَكرْتُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] وقولُهُ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ
следующие страницы →