Полный текст (169 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بذَلِكَ؛ لأَنَّ البعْضَ يَقُولُ: الحُجَّةُ قَائمَةٌ بوجُودِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ؟
فالجَوابُ: هؤُلاءِ مُقصِّرُون، يَعْنِي: أنَّهُم يُعرَض عليهِمُ الحَقُّ ولكِنَّهُم لَا يَقْبَلُونَهُ، لكِنْ لَوْ فَرَضْنا أن أُنَاسًا بَعِيدِينَ عَنِ المُدُنِ وعَنِ العِلْمِ، وهُمْ مُسلِمُونَ، يُصَلُّونَ، وَيعمَلُونَ كُلَّ أعْمَالِ الإسلَامِ وهُمْ قُبورِيُّون، هؤُلاءِ لَمْ تُقَمْ عليهِمُ الحُجَّةُ، لكِنَّ غَالِبَ القُبوريِّينَ الْآنَ -إنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّهم- قَدْ قِيلَ لهمْ: إنَّ هَذَا شِرْكٌ، ولكِنْ قصَّرُوا وقَالُوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢].
وإِنْ قَال قَائِلٌ: هَلْ فَهْمُ القُرآنِ يَكُونُ عَلَى حَسبِ ذَكَاءِ الشَّخصِ أَوْ عَلَى حسبِ تَقْوَاهُ للهِ جَلَّ وَعَلَا؟
فالجَوابُ: عَلَى هَذَا وهَذَا؛ ولذَلِكَ قَال عَليٌّ ﵁: "إلا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللهُ تَعَالى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ" (١)، والتَّقْوَى لهَا تأْثِيرٌ فِي فَهْمٍ القُرآنِ الكَرِيمِ؛ قَال اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وَقَال فِي القُرْآنِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
فإِنْ قَال قَائِلٌ: مَاذَا تَقُولُون فِي قَولِ اللهِ : ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وَلَمْ يَقُلْ: ومَنْ فَهِمَهُ؟ !
فالجَوابُ: أَنْ نَقُولَ ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ مُقيَّد بالنُّصوصِ الأُخْرَى الدَّالَّةِ عَلَى أنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الفَهْمِ. أَوْ يُقالُ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ مِنَ العَرَبِ الَّذِين يَفهَمُونَهُ، ولَا بُدَّ مِنْ هَذَا، واللهُ أرْحَمُ وأحكَمُ مِنْ أَنْ يُلزِمَ العِبَادَ بِمَا لَا يَفهَمُونَهُ. стр. 37
فإِنْ قِيل: سِيَاقُ الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] إنَّما كَانَ فِي رسَالةِ النَّبيِّ ﷺ فهَلْ يَصِحُّ الاستِشْهَادُ بِهِ عَلَى العُمُومِ؟
فالجَوابُ: نعَمْ يَصِحُّ؛ لأَنَّ العِبرَةَ بعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّببِ.
فائدة: بعضُ النَّاسِ يَستَنْبِطُ مِنَ الآيَاتِ مَا لَا تَحتَمِلُهُ الآيَاتُ، أرَأيتُمْ أوَّلَ مَا خرَجَ وُصولُ البشَرِ إِلَى القَمَرِ -ولعَلَّهُ حصَلَ قَبْلَ أَنْ يُميِّزَ أكثَرُكُمْ، أكثرُكُمْ شَبَابٌ والحمْدُ لله- لمَّا حدَثَتْ هذِهِ الحَادِثَةُ وقَالُوا: إنَّ البَشَرَ وَصلُوا إِلَى القَمَرِ وأخذُوا منْهُ عيِّنةٌ وجَاؤُوا بهَا إِلَى الأَرْضِ وادَّعَوْا أنَّها مِنَ القَمَرِ، أحجَارٌ سودَاءُ رأَينَاها، قَال النَّاسُ: هَذَا مَوجُود في القُرآنِ، فاللهُ يَقُولُ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] أي: بعِلْمٍ، وهؤُلاءِ وَصَلُوا إِلَى أقطَارِ السَّمواتِ بالعِلْمِ، فقَالُوا: هذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا.
لكِنَّ هَذَا التَّفسِيرَ محُرَّم، وقَولٌ عَلَى اللهِ، وكذِبٌ عَلَى اللهِ، فإنَّ الْآيَةَ في سِيَاقِ التَّحدِّي ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾، ولا يُمكِنُ أَنْ يَتَحَدَّى اللهُ أحَدًا بِمَا يَستَطِيعُ، التَّحدِّي مَعنَاهُ أن المُخاطبَ لَا يَستَطِيعُ، هذِهِ وَاحِدَةٌ.
ثَانيًا: الْآيَةُ ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾ فبَدَأَ بالسَّمواتِ، فلَا يُمكِنُ لهؤُلاءِ أَنْ يَنفُذُوا مِنْ أقطَارِ السَّمواتِ، وإِذَا كَانَ أفضَلُ رَسُولٍ فِي البَشَرِ، وأفضَلُ رَسُولٍ فِي المَلَائكَةِ لَمْ يَدْخُلِ السَّماءَ الدُّنيَا إلَّا باستِفْتَاحٍ وإذْنٍ فكَيفَ بهَؤُلاءِ؟ !
فهؤُلاءِ إِنْ نفَذُوا مِنْ أقطَارِ الأَرْضِ لَمْ يَنفُذُوا مِنْ أقطَارِ السَّمواتِ.
стр. 38
ثَالثًا: قَال اللهُ بعْدَ قولِهِ: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾ قَال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] وَلَمْ يُرسَلْ عَلَى هَؤُلاءِ شُواظٌ مِنْ نَارٍ ونُحَاسٌ؛ فتَفسيرُ القُرَآنِ بمَا لَا يَحتَمِلُه هَذَا محُرَّم؛ لأَنَّ المُفسِّر يَشْهَدُ أن اللهَ أَرَادَ كَذَا.
ومثْلُ قَولِ بعضِهِمْ: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] قَال: هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أن الأرْضَ تَدُور.
والمَسأَلةُ هذ حَصَلَ فِيهَا مَعرَكَةٌ كَبِيرةٌ: هَلِ الأَرْضُ تَدُورُ أَوْ لَا تَدُورُ؟ وكُتِبت فِي ذَلِكَ مَنشُوراتٌ فِي الصُّحفِ ورسَائِلُ صَغِيرةٌ؛ إنْكَارًا وتَأيِيدًا، فجَاءَ هَذَا الرَّجُل المُتعلِّم فقَال: هَذهِ في القُرآنِ: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ قِيلَ: هَذَا يومَ القِيَامَةِ. قَال: يَومَ القِيامَةَ لَا يُمكِنُ أَنْ يُرَى الشَّيءُ إلَّا عَلَى حقِيقَتِهِ، لَا يَرَاهُ عَلَى غَيرِ حقيقَتِهِ. فقِيلَ لَهُ جَوَابًا عَلَى هَذَا: أَلَمْ تَقْرَأْ قَولَ اللهِ : ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ١ - ٢] فهَذَا رؤْيةُ الشَّيءِ عَلَى غَيرِ حقيقَتِهِ، وهُوَ مُمكِن؛ فالْآيَةُ ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ لأنَّها تَكُونُ هَبَاءً.
فهَذَا أيضًا مِنَ الغَلَطِ، وتَحْمِيلِ القُرآنِ مَا لَا يَحْتَمِلُ.
стр. 39
الآية (٤)
قَال اللهُ : ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤].
قولُه: ﴿وَإِنَّهُ﴾ الضَّمِير يَعُودُ عَلَى ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، وهُوَ القُرآنُ ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ هُوَ اللَّوحُ المحفُوظُ، وسُمِّي أُمًّا؛ لأنَّهُ مَرجِعٌ لجَمِيعِ مَا يُكتَبُ مِنْ بعْدِهِ، والكِتَابَةُ أنواعٌ، والكِتَابَةُ العُظمَى العَامَّة الشَّامِلَةُ مَا كُتِبَ فِي اللَّوحِ المحْفُوظِ.
وقولُه: ﴿لَدَينَا﴾ أَي: عِنْدَنا، والظَّرفُ هُنَا حَالٌ مِنْ ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: أن الَّذِي لَدَى اللهِ -فِي هَذه الآيَةِ- هُوَ ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾؛ أَيِ: اللَّوحُ المحفُوظُ عنْدَ اللهِ وهُوَ محْفُوظٌ مِنَ التَّغِييرِ والتَّبدِيلِ، لأنَّهُ أُمُّ الكِتَابِ.
وأمَّا الكُتُبُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الملَائِكَةُ فَفِيهَا تَغْييرٌ وتَبدِيلٌ، كَمَا قَال اللهُ : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
وقولُه: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أَي: ذُو عُلُوٍّ ﴿حَكِيمٌ﴾ أَي: ذُو حُكْمٍ وحِكمَةٍ، وَصْفانِ عظِيمانِ للقُرآنِ الكَرِيمِ وَصَفَ اللهُ بِهِمَا نفْسَهُ.
(عليٌّ) بمَعْنَى: عَالٍ، لكِنَّه أبلَغُ؛ لأَنَّ (عَليًّا) عَلَى وزْنِ (فعِيل) صِفَةٌ مُشبَّهةٌ، والصِّفةُ المُشبَّهة تَدُلُّ عَلَى الثُّبوتِ والاستِمْرَارِ.
و﴿حَكِيمٌ﴾ أَي: ذُو حُكْمٍ وحِكمَة؛ فالقُرآنُ حَاكمٌ، والقُرآنُ مُشتَمِلٌ عَلَى حِكْمةٍ. ومعْنَى قَولِنا: (حَاكِمٌ) أنَّه مَرجِعٌ فِي الحُكمِ لا يُحكَم بغَيرِه، ومعْنَى (حَاكِمٌ)
стр. 40
أنَّه مُهيمِنٌ عَلَى جَمِيعِ الكُتُبِ حَاكِمٌ عَلَيهَا.
وقولُهُ : ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ يَحتَمِل أن مُرادَ ﴿وَإِنَّهُ﴾ أَي: ذِكْرُه كما قَال اللهُ : ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، ومَعلُوم أن القُرآنَ ليسَ فِي زُبرِ الأَوَّلينَ، ولكِنْ فِي زُبُرِ الأَوَّلينَ ذِكرُه، ولكِنْ إِذَا تَأمَّلنا قُلْنا: الأصْلُ أن الضَّمِيرَ يَرجِعُ إِلَى المُضمَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيهِ، أَي: إِلَى نَفْسِ المُضمَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيهِ، وحينَئِذٍ يَكُونُ ﴿وَإِنَّهُ﴾ -أَيِ: القُرآن- كُلُّه فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ.
فإِنْ قَال قَائلٌ: هَذَا القَولُ يَرِدْ عَلَيهِ أن فِي القُرَآنِ الكرِيمِ كلِماتٍ تَحدَّث اللهُ بِهَا عَنْ شَيءٍ مَضَى، مِثْلَ قَولِ اللهِ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، هَذَا الخبرُ بعْدَ المُجادلَة، وقولُهُ : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] إشَارةٌ إِلَى غزْوة أُحُدٍ ﴿غَدَوْتَ﴾ خرَجْتَ فِي الغدَاةِ، هَذَا الخَبرُ بعْدَ أَنْ غَدَا؛ لأنَّ غَدَا فِعْلٌ مَاضٍ، فهُنَا يُشكِلُ يُقَالُ: كيفَ كَانَ فِي اللَّوحِ المحفُوظِ يَتحَدَّث اللهُ عَنْ شَيءٍ حصَلَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَة؟
فيُقَال: لَا إشكَال؛ والجَوابُ: أن اللهَ كتَبَ هَذَا فِي اللَّوحِ المحفُوظِ؛ لعِلْمِه أنَّه سيقَعُ، ثُمَّ أَنزَلَهُ بعْدَ وُقُوعِهِ، كَمَا أَنَّ الحوادِثَ الكَونيَّةَ مَكتُوبَة فِي اللَّوحِ المحفُوظِ لعِلْمِهِ تعَالى أنَّها ستَقَعُ، ثُمَّ تَكُونُ حِينَ يُرِيدُ اللهُ أَنْ تَكُونَ.
وكنْتُ قَبْلَ ذَلِكَ أُرجِّحُ، بَلْ أَقُولُ: يَتعيَّن أن الَّذِي فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ لَيسَ هُوَ القُرآنَ؛ لكِنَّ الَّذِي فِي اللَّوحِ ذِكْرُ القُرآنِ؛ أَي أنَّه سيَنْزِلُ قُرآنًا عَلَى هَذهِ الأُمَّةِ، واستَدَلُّوا عَلَى هَذَا بقَولِهِ : ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، والَّذِي فِي زُبُرِ الأَوَّلينَ هُوَ ذِكْرُ القُرآنِ بلَا شَكٍّ، مُستَنِدًا إِلَى مِثْلِ الآيَاتِ الَّتِي ذَكرْتُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] وقولُهُ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ
стр. 41
الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١].
حتَّى عثَرْتُ عَلَى كَلَامٍ لشَيخِ الإسلَامِ ابْنِ تيميَّةَ ﵀، وبيَّن مَا ذكَرْتُ أخيرًا؛ أنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُكتَب فِي اللَّوحِ المحْفُوظِ بلَفْظِ المَاضِي؛ لأَنَّ اللهَ عَلِمَ أَنَّهُ سيَكُون (١)، وأنَّهُ سيُنْزِلُ هَذِهِ الْآيَةَ بعْدَ أَنْ يَكُونَ.
وبِنَاءً عَلَيهِ: تَبيَّن لِي أَنَّ الَّذِي فِي اللَّوحِ المحفُوظِ القُرآنُ؛ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الآيَاتِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] والحمْدُ لله الَّذِي فتَحَ عَليَّ، وجَزَى اللهُ شَيخَ الإسلَامِ ابْنَ تيمِيَّةَ خَيرًا، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أن الإنسَانَ مَهْمَا كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَعتَرِيَه النَّقْصُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: عنَايَةُ اللهِ ﵎ بهَذَا القُرآنِ، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِهِ؛ حيثُ جعَلَه عنْدَهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن القُرآنَ عَالٍ بَلْ عَليٌّ، وهَذَا يدُلُّ عَلَى أن مَنْ تَمسَّكَ بهَذَا القُرآنِ فلَهُ العُلوُّ كقَولِهِ : ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] فنَقُولُ: القُرآنُ عَليٌّ، ومَنْ تَمسَّكَ بِهِ فلَهُ العُلوُّ، وشَاهِدُ هَذَا الوَاقِعُ؛ لمَّا كَانَتِ الأُمَّةُ الإسلَاميَّةُ مُتمسِّكة بالإسلَامِ كَانَ في العُلوُّ والظُّهورُ، وملَكَتْ بِهِ مشَارِقَ الأرْضِ ومغَارِبَها، ولمَّا تقَاعَسَتْ وتَخَاذَلَتْ وتَنَازَعَتْ وتبَاغضَتْ صَارَ الأَمْرُ بالعَكْسِ، صَارَ لَهَا الذُّلُّ، فالْآنَ أُمَّةُ العرَبِ يَدْعُون اليَهودَ إِلَى السِّلْمِ، ويُكرِّرُون ذَلِكَ، وَيمُدُّونَ أيدَيهُمْ إِلَى دُولِ النَّصارَى لتُساعِدَهم عَلَى السِّلمِ؛ لأنَّنَا لَمْ نَتَمَسَّكْ بالقُرآنِ، стр. 42
فكُنَّا أذِلَّةً نَتَوسَّلُ لأعدَائِنَا أَنْ يقَعَ السِّلمُ بينَنَا وبَينَ أعدَائِنَا.
فلَوْ قَال لنَا قَائِلٌ: نحْنُ أُمَّةُ القُرآنِ ومَعَ ذَلِكَ فالنَّاسُ فِي ذُلٍّ! .
قُلْنَا: لأنَّنا لم نَتمَسَّكْ بالقُرآنِ، ولَوْ تمَسَّكْنا بالقُرآنِ لضَمنَّا لأنفُسِنَا العُلوَّ والغلبَةَ والظُّهورَ، لكِنَّ الأمْرَ بالعكِسِ، فالْآنَ غَالِبُ المُسلمِينَ يَلهَثُونَ وَرَاءَ الدُّنيَا، مُعرِضِينَ عَنِ الدِّينِ، يَسَألُونَ: مَا الَّذِي يُنمِّي الاقتصَادَ؟ ما الَّذِي يَصِلُ بهِ إِلَى التَّرَفِ؟ ومَا أَشْبَه ذَلِكَ، لكِنْ مَا الَّذِي يُقوِّي الدِّينَ؟ هَذَا قَلِيلٌ أَوْ نَادِرٌ، هَذَا قَلِيل أَوْ مَعدُوم.
إذَنِ: الكلِمَةُ ﴿لَعَلِيٌّ﴾ عَلَى ظَاهرِهَا وعَلَى معْنَاهَا، لكِنْ بشَرْطِ أَنْ نَتمَسَّكَ بهَذَا القُرآنِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن مَنْ جَادَلَ بالقُرآنِ فهُوَ غَالِبٌ؛ لأَنَّ الَّذِي لَهُ العُلوُّ هُوَ القُرآنُ، أيُّ إنسَانٍ يُناظِرُك ووسيلَةُ إقنَاعِهِ ودَحْرِه القُرآنُ فإنَّكَ ستَغْلِبُه بلا شَكٍّ، لكِنْ لمَّا عَدَلَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمَّة إِلَى كلَامِ أهْلِ الكلَامِ -الذِي لَا فائِدةَ فِيهِ- لم يُهَدْوا إِلَى صِرَاطِ المُستَقِيمِ، ولَم يَغْلِبُوا الأعْدَاءَ، بَلْ تَسلَّطَ علَيهِمُ الأعدَاءُ.
حتَّى الفَلاسِفَةُ المُلحِدُون صَارُوا يَحتَجُّون بعَمَلِ الأشَاعرَةِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيهِ مِنَ البَاطِلِ، ويَقُولُون: أنتُمْ أيُّها الأشَاعِرَةُ، أنتُمْ أيُّها المعتزَلَةُ، حرَّفْتُمُ النُّصوصَ إِلَى مَا تَرَوْنَهُ عقْلًا، ونحْنُ أيضًا انْصرَفْنا عَنِ النُّصوصِ إِلَى مَا نرَاهُ عَقْلًا، فاحتَجُّوا ببِدَعِ هَؤُلاءِ عَلَى إلحادِهِمْ، وقَالُوا: نحْنُ وأنْتُمْ سَوَاءٌ، أنْتُمْ حَرَّفتُم ونحْنُ حرَّفْنا؛ ولكِنْ لَوْ تمَسَّكْنا بالقُرآنِ لَا يَستَطِيعُ هَؤُلاءِ الفلَاسفَةُ أنْ يجابِهُونا.
واقْرَأْ كُتُبَ أهْلِ الكَلَامِ تَجِدْ صفحَةً صفحتَينِ لَا تَأتِي منْهُما إلَّا بفَائِدةٍ واحِدَةٍ، ولهَذَا صَحَّ أَنْ نَقُولَ: إنَّهُم أهْلُ الكلَامِ وكلَامُهُم كَلَامٌ، بمَعْنَى أن كلَامَهُم لَا فائِدَةَ
стр. 43
فِيهِ، وانْظُرْ إِلَى قَولِهِ ﷺ لما شَكَا إِلَيهِ الصَّحابَةُ مَا يَجِدُونَ فِي نُفُوسِهم مِنْ وَسَاوسِ الشَّيطانِ قَال: "ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ" (١)، وأَمَرَ مَنْ يَجِدُ هَذِهِ الوسَاوسَ أَنْ يَستَعِيذَ باللهِ وَينْتَهِيَ: "فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ" (٢) كَلِمَتَانِ. فيَكتُبُ الفَلَاسِفَةُ والمُتكلِّمُونَ عَلَى هَذَا الكَثِيرَ ممَّا يَدَّعُون أنَّهُ عَقليَّاتُ، وهوَ وَهْميَّاتٌ.
نَسأل اللهَ أَنْ يرزُقَنا وإيَّاكُمُ التَّمسُّكَ بهَذَا الكتَابِ العزِيزِ، وأَنْ يُعِزَّنا بِهِ. стр. 44
الآية (٥)
* قَال اللهُ : ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥].
الهَمزَةُ هُنَا للاستِفْهَامِ، المُرادُ بِهِ النَّفيُ؛ بدَلِيلِ أن المُفسِّر قَدَّر بعْدَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: لَنْ. يَعنِي: لَنْ نَضْرِبَ عنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا. المَعْنَى: أنَّنا لَا يُمكِنُ أَنْ نَترُكَكُم بدُونِ إنْذَار؛ لكَونِكُم قَومًا مجُرمِينَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الإنْذَارِ كَمَا تَقُولُ: ضَرَبْتُ عَنْ هَذَا صفْحًا؛ يَعنِي: أَعرَضْتُ عنْهُ، ولَنْ تَرْفَعْ بِهِ رَأسًا، والمُرادُ بهَذَا -كَمَا قُلْتُ- النَّفْيُ؛ تَوبِيخًا لهَوُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عمَّا جَاءَ بِهِ النَّبيُّ ﷺ .
والضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: (نَضْرِبُ) يَعُودُ إِلَى اللهِ ، وأتَى بالضَّمِيرِ الدَّالِّ عَلَى الجَمْعِ تَعظِيمًا لله تعَالى، ولَيسَ للتَّعدُّدِ؛ لأَنَّ اللهَ الوَاحِدَ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وقَولُهُ: ﴿عَنْكُمُ﴾ يَعُودُ إِلَى كُفَّارِ قُريشٍ الَّذِين كَذَّبُوا محُمَّدًا ﷺ .
وقَولُهُ: ﴿صَفْحًا﴾ مَصدَرٌ مَعنَويٌّ لكلِمَةِ (نَضرِبُ)؛ لأَنَّ معنَاهُ (إعْرَاضًا).
فمَعْنَى الآيةِ إجْمَالًا: أَنُعرِضُ عَنْ تَذْكيرِكُم وإنذَارِكُم. وهَذَا هُو الَّذِي يَفعَلُهُ العَرَبُ فِي كَلَامِهِمْ؛ يَقُولُ: أَعْرَضْتُ عنْكَ صفْحًا يَعْنِي: لَمْ أُبالِ بِكَ ولَمْ أَلتَفِتْ إلَيكَ.
وقَولُهُ: ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: ﴿أَنْ﴾ ومَا دخَلَتْ علَيهِ في تَأويلِ
стр. 45
مَصْدَرٍ مَفعُولٍ لأَجْلِهِ، أي: لأَجْلِ أَنْ كُنْتُم قَوْمًا مُسرِفِينَ، فهِيَ تعلِيليَّةٌ. والإسْرَافُ مجُاوَزَةُ الحَدِّ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن اللهَ لَمْ يَتْرُكْ عِبَادَهُ هَمَلًا، بَلْ بيَّنَ لهمُ الحَقَّ، ودَعَاهُم إلَيهِ، وخَوَّفَهم مِنْ مُخَالفَتِهِ فلَمْ يَبْقَ لأَحَدٍ عُذْرٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإنسَانَ مَعذُورٌ بالجهْلِ إِذَا لَمْ تَبلغْهُ الرِّسالةُ، وهَذَا لَهُ أدِلَّةٌ:
مِنْهَا: قَوْلُ اللهِ تعَالى: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيكَ كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَينَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيمَانَ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥].
ومنْهَا: قَولُهُ تعَالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
ومنْهَا: قَولُهُ تعَالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، والأدِلَّةُ عَلَى هَذَا كثيرَةٌ.
وقَال النَّبيُّ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمّةِ يَهُوْدِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا جِئْتُ بِهِ إلا كانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" (١)، فقَال: стр. 46
"لَا يَسْمَعْ بِي أَحَدٌ".
فإِنْ قَال قَائِلٌ: وَهَلْ يُشتَرَطْ مَعَ بُلُوغِ الرِّسالةِ أَنْ يَفْهَمَها المُخَاطَبُ؟
فالجَوابُ: نَعَمْ، يُشتَرَطُ هَذَا؛ لقَوْلِ اللهِ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، أيُّ فَائدَةٍ فِي رَسُولٍ يَأتِي إِلَى قَوْمٍ لَا يَعرِفُونَ لُغتَهُ وَهُو لَا يَعرِفُ لُغتَهُم؟ ! لَا فائِدَةَ تَحصُلُ، واللهُ أرْحَمُ وأحْكَمُ مِنْ أَنْ يُعذِّبَ قَوْمًا بدُونِ أَنْ يَفْهَمُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسلُ.
يَبقَى النَّظَرُ إِذَا كَانَ الإنسَانُ مُسلِمًا ولكنَّهُ يَقُومُ بأَعْمالٍ شِرْكيَّةٍ لَا يُظَنُّ أنَّها شِرْكٌ، فهَلْ يُحكَمُ بشِرْكِهِ؟
فالجَوابُ: لَا، حتَّى تَقُومَ علَيهِ الحُجَّةُ، فإِذَا قَامِتْ علَيهِ الحُجَّةُ، فحِينَئذٍ نَحْكُمُ بشِرْكِهِ.
فإِنْ قِيلَ: وكذَلِكَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ البِدَعَ؟
فالجَوابُ: نَعَمْ، لكِنَّ المُبتَدِعَ أشَدُّ؛ لأَنَّ المُبتَدِعَ -والعِيَاذُ باللهِ- يَضِلُّ بِهِ أنَاسٌ كثِيرُونَ، والشِّركُ لَا يَضرُّ إلا صَاحبَهُ، اللَّهُمَّ إلا أَنْ يَكُونَ هَذَا المُشرِكُ لَهُ طَاعَةٌ عِنْدَ قَومِهِ، ويكُونَ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ يَتَّبِعُونَه، فهُوَ مِنْ جِنْسِ المُبتدِعِ، أمَّا إِذَا كَانَ عامِّيًّا فإِنَّه لَا يُؤثِّرُ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ؛ ولهَذَا قَال بَعْضُ العُلماءِ ﵏: المُبتَدِعُ لَا تَوْبَةَ لَهُ؛ لأنَّهُ وإِنْ تَابَ بنَفْسِهِ لَا يَسْلَمُ مِنْ ضَلَالةِ الَّذِين اتَّبَعُوهُ.
فإِنْ قَال قَائِلٌ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مِنَ المُشرِكِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ مُسلِمٌ لكِنَّهُ صُوفيٌّ فأَعْطَاهُ الإسْلَامَ عَلَى وَجْهِ الصُّوفيَّة والأذْكَارِ المُبتَدَعَةِ، فصَارَ يَعْمَلُ بهَذَا ويَعتَقِدُ أن هَذَا هُوَ الإسْلَامُ، هَلْ يُعاقَبُ عَلَيهِ؟
стр. 47
فالجَوابُ: لَا يُمكِنُ أَنْ يُعذَّبَ أحَدٌ عَلَى بَاطِلٍ إلَّا إِذَا كَانَ يَعلَمُ أنَّهُ بَاطِلٌ، فاللهُ أَرحَمُ وأَحكَمُ مِنْ أَنْ يُعذِّبَ شَخْصًا وهُوَ لَا يَدْرِي، ولكِنْ هناك أُناسٌ مُعَانِدُون يُذكَر لهُمُ الحَقُّ وَيقُولُ: لَا، أنَّا أتَبعُ شَيخِي. حتَّى لَوْ كَانَ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ الحَقَّ عَالمًا مَعرُوفًا يقُولُ: لَا، أتَّبعُ مَشَايخِي. فهَذَا لَا يُعذَرُ، لكِنْ لَوْ أَنَّ عَامِّيًّا أُعلِّمُه أن هَذَا العمَلَ لَا يجوزُ وهَذَا شِرْكٌ، ومشَايخُهُ كُلُّهُم يَقُولُونَ: هَذَا حسَنٌ. فهُوَ مَعذُورٌ، لأنَّهُ لَا يَثقُ، فلَمْ يَأتِ لَهُ الحَقُّ عَلَى وَجْهٍ يَثقُ بِهِ، فالْآنَ نَحْنُ العُلماءَ لَوْ جَاءَنَا إنسَانٌ عَلَى عَكْسِ مَا جَاءَ بِهِ عُلمَاؤُنَا ونحْنُ لَا نَعرِفُهُ مَا اتَّبعنَاهُ، لكِنْ قَدْ يُقَال: كَونُهُ أُعلِمَ بأنه عَلَى باطِلٍ وأنَّ الحَقُّ خلَافُهُ يُلزِمُه بأَنْ يَبْحَثَ ويَسْأَل، فَقَدْ يُؤَاخَذُ مِنْ هُنَا، أَي: مِنَ التَّقصِيرِ فِي طلَبِ الحَقِّ.
وإِذَا قَال قَائِلٌ: رَجُلٌ فِي الغَابَاتِ بَعِيدٌ عَنِ المُدُنِ، بَعِيدٌ عَنِ الحَضَارَاتِ، لكِنَّهُ ينْتَمِي إِلَى دِينِ كُفْرٍ، فهَلْ هَذَا مَعْذُورٌ؟
فالجَوابُ: أمَّا فِي أحْكَامِ الدُّنيَا فلَيسَ بمَعذُورٍ. يَعْنِي: أَنَّنا نُعامِلُه مُعاملَةَ الكَافِر؛ لأَنَّهُ لَا يَنتَمِي إِلَى دِينِ الإسْلَامِ، بخِلَافِ الأوَّلِ، نُعامِلُه فِي الدُّنيا مُعامَلَةَ الكَافِرِ، أمَّا فِي الآخِرَةِ فأَمْرُهُ إِلَى اللهِ لَا نَدْرِي مَاذَا يَكُونُ، وقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: "أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ يُرْسِلُ اللهُ إِلَيهِمْ رُسُلًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَمْتَحِنُهُمْ مَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصى دَخَلَ النَّارَ" (١).
فإِنْ قَال قَائِلٌ: عَلَى هَذَا القَوْلِ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الآخِرَةُ دَارَ تكلِيفٍ؟
فالجَوابُ: نعَمْ، نَلتزِمُ بهَذَا، وقَدْ دَلَّ القُرانُ عَلَى أن الآخِرَةَ دَارُ تكلِيفٍ؛ فقَال стр. 48
عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣] فهُنَا كُلِّفُوا بالسُّجودِ مَعَ أن الآخِرَةَ ليسَتْ دَارَ تكْلِيفٍ فِي الأَصْلِ، لكِنْ قَدْ يُكلَّفُ النَّاسُ فِيهَا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن أحكَامَ اللهِ مُعلَّلةٌ بعِللٍ مُناسبَةٍ للحُكْمِ، وهَذَا مِنْ مُقتضَى حِكْمتِهِ؛ أَلَّا تَجِدَ حُكْمًا إلَّا ولَهُ حِكْمَةٌ، ولكِنْ هَلْ يَلْزَمُ مِنْ كَونِهِ لَهُ حِكْمَةٌ أَنْ تَكُونَ معلُومةً لَنَا؟
الجَوابُ: لَا؛ لأَنَّ أفْهَامَنَا وعُقُولَنَا أدْنَى مِنْ أَنْ تُحِيطَ عِلْمًا باللهِ، بحِكمَةِ الله ، ولكنَّنا نَعلَمُ أنَّهُ لَا يُحكَمُ بشَيءٍ قَدَرًا أَوْ شَرْعًا إلا ولَهُ حِكْمَةٌ، إِذَا حَكَمَ اللهُ فِي الكِتَابِ أَو السُّنَّة بحُكْمٍ فَلَا تَبْغِ بهِ بَدِيلًا؛ لقَولِهِ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ولمَّا سُئِلَتْ أُمُّ المُؤمنِينَ عائِشَةُ ﵂ عَنِ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّومَ دُونَ الصَّلاةِ؟ قَالتْ: "كَانَ يُصيبُنا ذَلِكَ فنُؤمَرُ بقَضَاءِ الصَّومِ ولَا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلاةِ" (١).
* * * стр. 49
الآية (٦)
قَال اللهُ : ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾ [الزخرف: ٦].
* * *
(كَمْ) هذ خبريَّة تَدُلُّ عَلَى الكثرَةِ، عامِلُها مَا بعدَهَا ﴿أَرْسَلْنَا﴾، والإرْسَالُ هُوَ الإيحَاءُ إِلَى بَشَر بشَريعَةٍ ويؤمَرُ بتَبْلِيغِهَا.
وقولُهُ: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ بيَانٌ لِـ (كَمْ) والمُرادُ هُنَا الرَّسُولُ؛ لأنَّهُ قَال: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيّ﴾ والنَّبيُّ يُطْلَقُ عَلَى الرَّسُولِ كثِيرًا في القُرآنِ الكرِيمِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١] وأمثَالُ ذَلِكَ، والمُرادُ: الرَّسُولُ.
﴿فِي الْأَوَّلِينَ﴾ أَيِ: السَّابقِينَ عَلَى هَذه الأُمَّةِ.
* * *
стр. 50
الآية (٧)
* قَال اللهُ : ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف: ٧].
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا﴾ كَانَ ﴿يَأْتِيهِمْ﴾] قدَّر المُفَسِّر (كَانَ)، لأَنَّ الأمْرَ قَدْ مَضى، ولَوْ كَانَ عَلَى نَسَقِ الكَلَامِ ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ لكَانَ هَذَا فِي المُستقَبَلِ؛ لذَلِكَ قدَّر المُفسّر (كان) وهَذَا يَدُلُّ عَلَى عُمْقِ عِلْمِ المُفسِّرِ.
ولكِنْ خيرٌ مِنْ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ: لَا حَاجَةَ إِلَى التَّقدِيرِ؛ لأنَّهُ إِذَا دَارَ الأَمْرُ بَينَ أَنْ يكُونَ فِي الكلَامِ مُقدَّرٌ أَوْ لَا يكُونُ مُقدَّرٌ، فالأصْلُ عدَمُ التَّقدِيرِ، فنَقُول: الآيَةُ بَاقيَةٌ عَلَى ظَاهرِهَا، لكِنَّها عَلَى حِكَايَةِ الحالِ؛ يَعْنِي: كَأَنَّ المَاضِيَ حَاضِرٌ الْآنَ، وهَذَا أبلَغُ فِي تخْويفِ قُريشٍ مِنَ المُخالفَةِ.
فالمُفَسِّر قدَّر (كان)؛ لأَنَّ القُرآنَ يَتحَدَّثُ عَنْ شَيءٍ مَضَى، فلَا بُدَّ أَنْ يُقدِّر فعْلًا مَاضِيًا، ونحْنُ نقُولُ: لَا حَاجَةَ إِلَى التَّقدِيرِ، وجاءَتِ الْآيَة في سِيَاقِ الفِعْلِ المُضارَعِ الدَّالِّ عَلَى الاستِقْبَالِ حكَايَةً للحَالِ، كأَنَّ الأَمْرَ وَاقِعٌ الْآنَ، فيَكُونُ هَذَا أبْلَغَ فِي إنْذَارِ قُريشٍ وتَحذِيرِهِمْ.
وقولُهُ: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ﴾: ﴿مِنْ﴾ هذ زَائدَةٌ إعْرَابًا، لكنَّهَا مُفيدَةٌ للمَعْنَى، زائِدَةٌ إعْرابًا بمَعْنَى: أنَّها لَوْ نُزِعتْ مِنَ السِّياقِ لتَمَّ بدُونِها، لَوْ كَانَ لَفْظُ الآية الكرِيمَةِ (ومَا يَأتيهِمْ نَبِيٌّ) يَستَقِيمُ الكلَامُ، ولكِنْ جاءَتْ (مِنْ) زِيادَةً فِي الفَائِدَةِ، وهِيَ كَمَا
стр. 51
يقُولُ عُلماءُ البلَاغَةِ وعُلماءُ النَّحْو: إنَّ زِيادَةَ الكلِمَةِ -يعْنِي: الحرْفَ فِي الجُملَةِ- تدُلُّ عَلَى التَّوكيدِ، يعْنِي: كُلُّ كلمَةٍ زَائدَةٍ فِي القُرآنِ مِنْ حَيثُ الإعْرَابُ فهِيَ مُفيدَةٌ للمَعْنَى.
وقولُهُ: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لَا يَقبَلُون ولَا يَسكُتُون، بَلْ يَستَهزئُونَ، والاستِهزَاءُ: السُّخريةُ؛ بمَعْنَى: أنَّهُم يَسخَرُون بهِمْ ويَحتَقِرُونهُم؛ ليُحذِّرُوا النَّاسَ منْهُم، فانْظُرْ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ كَيفَ يُرْسِلُ الرُّسُلَ وهُوَ يَعلَمُ أن هؤُلاءِ المَدعُوِّين سيقابِلُونهُمْ بالاستِهْزَاءِ، ولكِنْ إقَامَةً للحُجَّةِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن اللهَ تعالى أَرْسَلَ عَدَدًا كثِيرًا مِنَ الأنْبِياءِ فِي السَّابقِينَ، وقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الأحَادِيثِ أنَّهُم مِئَةٌ وأربَعَةٌ وعِشرُونَ ألفًا، فاللهُ أَعلَمُ؛ لأَنَّ هَذَا يَحتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ، وقَدْ قَال اللهُ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيكَ﴾ [غافر: ٧٨]، ومعْلُومٌ أن مَنْ لَمْ يُقْصَصْ علَينا فلَنْ نَستَطِيعَ أَنْ نَعرِفَ عدَدَهُ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن اللهَ تعَالى أَقَامَ الحُجَّةَ عَلَى جَمِيعِ الخَلْقِ، ويُؤيِّدُ هَذَا قَولُهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَسلِيةُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فإِنَّ النَّبيَّ ﷺ إِذَا عَلِمَ أن الرُّسلَ مِنْ قَبْلِهِ يُستَهْزَأُ بهِمْ فإِنَّهُ يَتَسلَّى ولَا شكَّ.
واعْرِفْ أنْتَ هَذَا مِنْ نفسِكَ؛ فإِذَا أُصِبْتَ بمُصيبَةٍ وأُصِيبَ غَيرُك بمِثْلِهَا أَوْ أشَدَّ، ألَسْتَ تَتَسلَّى بهَذَا وتهونُ عَلَيكَ المُصيبَةُ؟ بلَى، وفِي هَذَا يَقُولُ اللهُ :
стр. 52
﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، يَعْنِي: أَنَّ اشتِرَاكَهُم فِي العَذَابِ لَا يُخفِّفُ العذَابَ عَنْهُمْ، ولَا يَحصُلُ لكُمْ بِهِ تَسلٍّ، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ -أَعَاذَنا اللهُ وإيَّاكُمْ مِنْهَا- لَا يَرَى أَنَّ أحَدًا منْهُمْ أخفُّ عذَابًا؛ ولذَلِكَ يَشتَدُّ حُزْنُهم -والعِياذُ باللهِ- إذَا رَأَى أنَّهُ هُوَ أشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا وهُوَ أَهْوَ نُهُمْ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الاستِهزَاءَ بالرُّسلِ تَكذِيب لهمْ وزِيادَةٌ، لقَوْلِهِ : ﴿إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ واعلَمْ أن الاستِهْزَاءَ بالرُّسلِ كُفْر، والاستِهْزَاءَ بالكُتُبِ كُفْر، والاستِهزِاءَ باللهِ كُفْر، قَال اللهُ ﵎: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
واختَلَفَ العُلمَاء ﵏ فيمَنِ استَهْزَأَ باللهِ أَوْ آياتِهِ أَوْ رَسُولِهِ، أَوْ سَبَّ اللهَ أَوْ كتَابَهُ أَوْ رَسُولَهُ، هَلْ تُقبلُ تَوبتُهُ أَوْ لَا تُقْبَلُ؟ عَلَى قَوْلَينِ، والصَّحِيحُ التَّفصِيلُ فِي هَذَا، وهُوَ أنَّهُ إِنْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى استِقَامَتِهِ وَصِحَّةِ تَوبتِهِ فإنَّها تُقْبَلُ، وإِلَّا فَلَا، وذَلِكَ لأَنَّ لهذَا المُستَهْزِئِ أَو السَّاخرِ أَو السَّابِّ ثَلَاثَ حَالاتٍ:
الحَالُ الأُولَى: أَنْ يَستَمِرَّ فِي ذَلِكَ، فهَذَا لَا تَوبَةَ لَهُ، ويقتَلُ رِدَّةً.
الحَالُ الثَّانيَةُ: أَنْ نَعْلَمَ أنَّهُ تَابَ تَوبَةً نَصوحَةً، لأنّه استَقَامَ وصَلَحَتْ حَالُهُ، فهَذَا تُقبَلُ تَوبتُهُ بِلَا إشْكَالٍ.
الحَالُ الثَّالثَةُ: أَنْ نَتَردَّدَ هَلْ هُوَ صَادِق فِي تَوْبَتِهِ أَوْ غَيرُ صَادِقٍ. فهَذَا يُقْتَلُ، ويَكُونُ أمْرُهُ إِلَى اللهِ نَقتُلُه لظَاهِرِ حَالِهِ؛ لأننا لَمْ نَتَيقَّنْ أَنَّ هَذه الحَال قَدْ تَغيَّرَتْ إِلَى مَا يَمْنَعُ قتْلَهُ، فنَقتُلُه، أمَّا فِي الآخِرَةِ فأَمْرُهُ إِلَى اللهِ.
стр. 53
فإِنْ قَال قَائِلٌ: ألَيسَ الاستِهزَاءُ باللهِ وسَبُّ اللهِ ذَنْبًا عظِيمًا لَا يُحتَمَلُ أَنْ تُقبَلَ تَوبَةُ فَاعلِهِ؟
فالجَوابُ: أَنْ نَقرَأَ قَوْلَ الله فِي نَفْسِ الآية المذكُورة: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: ٦٦] يَعْنِي: إِذَا عَفَوْنا عَنْ طَائفَةٍ بتَوبتَهِمْ عذَّبْنا الطَّائفَةَ الأُخْرَى الَّتِي لَمْ تَتُبْ، واقْرَأْ قَوْلَ اللهِ : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
مَسْألةٌ: هَلْ تُقبَلُ تَوبَةُ المُرتَدُّ؟
الجَوابُ: الصَّحيحُ أنَّها تُقبَل إذَا قَامَ الدَّليلُ عَلَى أنّه صَادِقٌ، أمَّا إِذَا كَانَ يَلعَبُ بِنَا فتقُولُ: إنَّه تَائِبٌ وهُوَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيهِ فَلَا، ويُقتَلُ مَا لَمْ نَعْلَمْ أنَّهُ تَائِبٌ.
مَسْألةٌ: مَا حُكْمُ المُستهْزِئِ بأَهْلِ الدِّينِ؟
فالجَوابُ: الَّذِي يَستَهْزِئُ بأَهْلِ الدِّينِ إِذَا استَهْزَأَ بهِمْ لدِينِهِمْ فهُوَ مُستهزِئٌ بالدِّين، وإنِ استهزَأَ بهِمْ لشَكلِهِم فَلَا، ولذَلِكَ الْآنَ لَوْ وَجَدْنا أَحَدًا رَفَع ثَوبَهُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ مِنَ العُلماءِ المُعتبرينَ المُطاعِينَ لَا تَجِدُ أحَدًا يَستَهزِئُ بهِمْ، لكِنْ لَوْ جَاءَ إنسَانٌ عَاميٌّ استهْزَؤُوا بِهِ، وهُنَا نَقُولُ: إنَّ الاستِهْزَاءَ هُنَا لَيسَ استِهْزَاءً للدِّينِ، وإنَّما هُوَ استِهْزَاءٌ بهَذَا الرَّجُلِ، فيَجِبُ التَّفرِيقُ بَينَ هَذَا وهَذَا.
* * *
стр. 54
الآية (٨)
* قَال اللهُ : ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ [الزخرف: ٨].
(أَهْلَكْنا) يَعْنِي بالمَوْتِ، ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ أَي: مِنْ كُفَّارِ قُريشٍ، ﴿بَطْشًا﴾ أَي: أقُوَّةً، ﴿وَمَضَى﴾ أَي: [سَبَقَ فِي آيَات] ﴿مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ يَعْنِي: قُوَّةً، كقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ صَالِحٍ، ومَنْ أَشْبَهَهُم، أهَلَكَهُمُ اللهُ وهُمْ أشدُّ مِنْ هَؤُلاءِ الَّذِين كذَّبُوا محُمَّدًا - صلى الله عليه وَعلى آلِهِ وسلم - أشدُّ بَطْشًا، وأكْثَرُ أمْوَالًا وأوْلَادًا، ومَعَ ذَلِكَ مَا أَغْنَتْ عنْهُم شَيئًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيَانُ شدَّةِ صَبْرِ الرُّسلِ علَيهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيثُ إنَّهُم يُستَهْزَأُ بِهِمْ، وهُمْ صَابِرُون حتَّى يَأتِيَ أمْرُ اللهِ، وإلَّا فمَنِ الَّذِي يُطِيقُ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ وهُمْ يَستَهرئُون بِهِ، لَوْلَا أنْ يُثبِّتَ اللهُ الإنسَانَ بالقَوْلِ الثَّابتِ، كَمَا قَال تعَالى لنَبيِّهِ - صلى الله عليه وَعلى آلِهِ وسلم -: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيهِمْ شَيئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تحذِيرُ قُريشٍ مِنْ رَدِّ دَعوَةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وَعلى آلِهِ وسلم -؛ لأَنَّ اللهَ تعَالى تَوعَّدَهم بذِكْرِ إهْلَاكِ مَنْ سَبَقَ، وكُلُّ إنسَانٍ لَهُ قَلْبٌ إِذَا ذُكِرَ لَهُ حَالُ الأُمَمِ
стр. 55
السَّابقَةِ، وأنَّهُم أُهلِكُوا فلَاُ بدَّ لَهُ أَنْ يَتَّعِظَ ولَابُدَّ أَنْ يَخَافَ ويَخْشَى.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جَوازُ التَّحويلِ عَلَى شَيءٍ سَابقٍ؛ لقَولِه : ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أَي: حَالهم وصِفَاتهم، والتَّحويلُ فِيهِ فائِدَةٌ، وهِيَ: أَنْ يَتذَكَّرَ الإنسَانُ مَا مَضى وأَنْ يَعُودَ إِلَيهِ.
وقَدْ عَابَ قَوْم عَلَى الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ بكَثْرَةِ حِوالاتِهِ فِي (فَتْح البَارِي) والحقِيقَةُ أَنْ لَا عَيبَ، ولَا يَرِدُ عَلَى هَذَا أنّه قَد يُحِيلُ أحْيَانًا ولَا نَجِدُ مَا أَحَال بِهِ، فأحْيَانًا يَقُولُ: يَأتِي فِي بَابِ كَذَا وَلَا نَجِدُهُ؛ لأنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَعذُورًا بالنِّسيَانِ، أَوْ أَلحَقَهُ بنُسخَةٍ لَم تَصِلْ إلَينَا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
المُهِمُّ: فائِدَةُ الإِحَالاتِ تذْكِيرُ الإنسَانِ مَا سَبَقَ، واهتِمَامُهُ بالكِتَاب، ورَوَاجُ الكتَابِ كُلِّهِ؛ لأنه إِذَا كَانَ هُنَاكَ إحَالات فلَازِمُ هَذَا أَنْ يكُونَ عنْدَكَ كُلُّ الكِتَابِ، لأنَّهُ سَيُحالُ عَلَيهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَك.
* * *
стр. 56
الآية (٩)
قال الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩].
* * *
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ الخِطَابُ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وَعلى آلِهِ وسلم -الجُمْلَةُ هَذه فِيهَا شَرْط وفِيهَا قَسَم، فِيهَا شَرْط ﴿وَلَئِنْ﴾، وفِيهَا قَسَم دَلَّتْ عَلَيهِ اللَّامُ؛ لأنَّ اللَّامَ مُوطِئة للقَسَمِ، والقسَمُ يَحتَاجُ إِلَى جَوابٍ، والشَّرطُ يَحتَاجُ إِلَى جوَابٍ، فالقَسَمُ يَحتَاجُ إِلَى جَوَابٍ وهُوَ ذِكْرُ المُقسَمِ عَلَيهِ، والشَّرطُ يَحتَاجُ إِلَى جَوَابٍ وهُوَ جَوَابُ الشَّرطِ، فإِذَا اجْتَمَعَا مَاذَا نُقدِّمُ؟
الجوابُ: يقُولُ ابْنُ مَالِكٍ ﵀ فِي الألفِيَّة:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (١)
الْآيةُ الكرِيمَةُ الَّتِي معَنَا المُؤخَّرُ هُوَ الشَّرطُ، إِذَنِ: احْذِفْ جَوَابَ الشَّرطِ واكْتَفِ بجَوابِ القسَمِ عَنْهُ؛ ولذَلِكَ نَجِدُ أن الْآيةَ قُرِنَ بالجَوابِ اللَّامُ، وهِيَ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ولَوْ كَانَ هَذَا جوَابًا للشَّرطِ لَمْ نَحتَجْ إِلَى اللَّامِ.
وقولُه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ حُذِفَ مِنْهُ نُونُ الرَّفعِ стр. 57
لتَوالِي النُّوناتِ ووَاو الضَّمِيرِ؛ لالْتِقَاءِ السَّاكِنَينِ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أَصْلُها قَبْلَ الحَذْفِ (لَتقُولُونَنَّ) عِنْدَنا ثلَاثُ نُوناتٍ، احْذِفِ النُّونَ الأُولَى؛ لأَنَّ حَذْفَها مُعتَادٌ، أَي: حذْفُ نُونِ الرِّفعِ مِنَ المُضارَعِ كَثِير، ولأَنَّ نُونَ التَّوكِيدِ جَاءَتْ لغَرَضٍ لَوْ حَذَفْنَاهَا لفَاتَ الغَرَضُ، وهُوَ التَّوكِيدُ، إِذَنْ: فنَحذِفُ نُونَ الرَّفْعِ، وهِيَ النُّونُ الأُولَى؛ لتَوالِي النُّوناتِ، ثُمَّ يَأتِي دَورُ الضَّمِيرِ (لتقُولُونَنَّ) الوَاوُ حَذَفنَاهَا لالتِقَاءِ السَّاكِنَينِ، السَّاكِنَانِ هُمَا: الوَاوُ السَّاكِنَةُ، والنُّونُ المُشدَّدةُ الحَرْفُ الأوَّلُ مِنْهَا سَاكِن، فتُحذَفُ الوَاوُ.
هَذَا التَّعلِيلُ هُوَ مِنَ النَّحويِّينِ لَا شَكَّ، وإلَّا فالرَّجُل العَرَبيُّ حينَما يَتكَلَّمُ بهَذه الكلِمَاتِ لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِهِ أنّه حذَفَ نُونَ الرَّفْعِ وحذَفَ وَاوَ الضَّميرِ ومَا أشْبَهَ ذَلِكَ. لكنَّ عُلماءَ النَّحو ﵏ يَلتَمِسُونَ التَّوجيهَاتِ لكَلَامِ العَرَبِ، فوَجَدُوا هَذَا التَّوجيهَ، ولَوْ قُلْتَ لهمْ: مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ؟ ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ انظُرِ الجوابُ -وهُو جَوَاب صَحِيح مِئَة بالمِئَةِ-: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ أَيِ: السَّمواتِ والأرْضَ ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
وقَولُه: ﴿الْعَزِيزُ﴾ ذُو العِزَّةِ، والعِزَّةُ أبرَزُ معَانِيهَا الغلَبَةُ، يُقَال: عَزَّ فُلَان فغَلَبَ. ولها مَعْنًى آخَرُ وهُوَ: القَدْرُ، يَعْنِي: الشَّرَفُ والرِّفْعَةُ. ولها مَعْنًى ثَالِث وهُوَ: الشِّدَّةُ والصَّلابَةُ؛ ومِنْهَا قَولهمْ: أرْض عَزَاز؛ أَي: شَدِيدةٌ صُلبَة.
وإِذَا أَرَدْنا أَنْ نُطبِّقَ هَذه المَعَانِيَ عَلَى الوَصْفِ الَّذِي اتَّصَفَ اللهُ بِهِ مِنَ العِزَّةِ، فنَقُول؛ عزِيز مِنَ العِزِّ وهُوَ الغلَبَةُ، وعزِيز مِنْ عِزَّةِ القَدْرِ، ومعلُوم أن اللهَ أعظَمُ قَدْرًا مِنْ كُلِّ شَيءٍ، وعزِيز مِنْ عِزَّة الشِّدَّةِ والصَّلابةِ والامتِنَاعِ؛ وذَلِكَ أن اللهَ تعَالى مُمتنِع أَنْ يَتَّصِفَ بأَيِّ سوءٍ وأَيِّ عَيبٍ.
وقَولُه: ﴿الْعَلِيمُ﴾ أَي: ذُو العِلْمِ التَّامِّ.
стр. 58
وتَأمَّل كَيفَ جَاؤُوا بهَذ العِبَارَةِ ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ إشَارَةً إِلَى أنَّهُم مُوقِنُون بأنَّهُم أذِلَّاءُ أمَامَ اللهِ ، وأنَّ جَمِيعَ مَا فِي السَّمواتِ والأَرْضِ فإِنَّهُ صَادِرٌ عَنْ عِلْمٍ، قالُوا: ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وهَذَا الإقْرَارُ يُلزِمُهُم أَنْ يُقِرُّوا بأنّه لَا إِلَهَ إلا اللهُ، لكِنَّهُم لَمْ يَفْعَلُوا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فِيها دَلِيلٌ عَلَى أن المُشرِكِينَ يُقِرُّون بتَوحيدِ الرُّبوبيَّةِ لقَوْلهِمْ في الجَوَابِ: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ والأمْرُ كذَلِكَ، وإقرَارُهم بتَوحِيد الرُّبوبيَّة يُلزِمُهُم أَنْ يُقِرُّوا بتَوحِيدِ الأُلوهيَّةِ، فيمال: إِذَا أَقْرَرْتُمْ أنَّهُ لَا خَالِقَ إلا اللهُ فأَقِرُّوا أنَّهُ لَا مَعبُودَ حقًّا إلا اللهُ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن للسَّمواتِ عَدَدًا؛ لقَولِهِ: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وقَدْ جَاءَ فِي القُرآنِ الكَريمِ وفِي السُّنَّة النَّبويَّةِ أن عدَدَ السَّمواتِ سَبْعٌ، قَال اللهُ ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [الطلاق: ١٢].
أمَّا الأرْضُ فلَمْ يَأتِ فِي القُرآنِ تصْرِيح بأَنَّها سَبْع، لكِنَّ ظَاهِرَ القُرآنِ كذَلِكَ، مِثْلَ قَولِهِ : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فإِنَّ المُوازَنَةَ هُنَا لَا يُمكِنُ أَنْ تكُونَ بالحجْمِ ولَا بالقُوَّةِ؛ لأَنَّ السَّمواتِ أوْسَع وأعْظَمُ مِنَ الأَرْضِ وأقْوَى، فلَمْ يَبْقَ إلا العَدَدُ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّة صريحَةً في ذَلِكَ، فقَال النَّبيُّ ﵊: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ" (١)، والسَّمواتُ طِبَاقٌ، واحِدةٌ فَوْقَ الأُخرَى، وإذَا كَانَ واحِدةٌ فَوْقَ الأُخرَى стр. 59
لَزِمَ أَنْ تَكُونَ السَّماءُ الثَّانيَةُ أوْسَع مِنَ الأُولَى؛ لأَنَّها دَائِرَةٌ، والثَّالِثَةُ: أَوْسَع مِنَ الثَّانيَةِ، وهَلُمَّ جرًّا.
ولهذَا قَال : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ [الذاريات: ٤٧] كُلَّما ارتَفَعت فِي السَّمواتِ اتَّسعَتِ السَّمواتُ، وهِيَ طِبَاقٌ بلَا شَكٍّ كَمَا فِي القُرآنِ الكَرِيمِ وكَمَا جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ النُّعمَانِ ﵁، أمَّا الأرْضُ فهِيَ طِبَاقٌ أيضًا بدَلِيلِ أن مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ الَّتِي نحْنُ عَلَيهَا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ، ولَوْلَا أن الأَرْضَ الثَّانيةَ تَحْتُ، والثَّالِثَةَ تَحتَهَا، وهكَذَا لَمْ يُطوَّقِ الإنسَانُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ؛ لأنهُ ما غَصَبَ إلَّا ظَاهِرَ الأرْضِ، فتكُونُ الأَرَضُونَ طِبَاقًا.
أمَّا كَيفَ هَذه الطباقُ، فإِلَى الْآنَ لَمْ نَصِلْ إِلَى عِلْمٍ بِهَا، وعُلمَاءُ الجُيولُوجيا الَّذِين يَحْفرُون أعمَاقِ الأرْضِ لَا يَطَّلِعُون عَلَى هَذَا، فهُوَ مجْهُولٌ لَنَا، لكِنَّ الحدِيثَ: "طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" يَدُلُّ عَلَى أنَّها طِبَاقٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثْبَاتُ هَذَينِ الاسمَينِ للهِ ، وَهُمَا ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ واعلَمْ أخِي أن كُلَّ اسْمٍ مِنْ أسمَاءِ اللهِ فهُوَ مُتضمِّنٌ لصِفَةٍ، فالعَزِيزُ مُتضمِّنٌ لصِفَةِ العِزَّةِ، والعَلِيمُ مُتضمِّنٌ لصِفَةِ العِلْمِ، ولَيسَ كُلُّ صِفَةٍ يُشتَقُّ مِنْهَا اسْمٌ؛ ولهَذَا نَقُولُ: إنَّ بَابَ الصِّفَاتِ أوسَع مِنْ بَابِ الأَسْمَاءِ؛ لأنهُ يُوجَدُ صِفَاتٌ لَيسَ لله مِنْهَا أسمَاءٌ، لكِنْ لَا يُوجَدُ اسْمٌ إلَّا ومنْهُ صِفَةٌ، واللهُ أَعلَمُ.
* * *
стр. 60
الآية (١٠)
قال الله : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [لزخرف: ١٠].
قَال المُفسِّر ﵀: [طُرُقًا ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾].
قَولُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ هَذَا لَيسَ مِنْ كَلَامِ الَّذِين سَألوا النَّبيَّ ﷺ . وقَد انْتَهَى كَلامُهُم عنْدَ قَولِهِ: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، أمَّا ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ فهَذَا مِنْ كَلَامِ اللهِ ، ومَعْنَى ﴿جَعَلَ﴾ صَيَّر، ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ أَي: كالمَهْدِ، مُوطَّأَةً قَرَارًا يَطمَئِنُّ بِهَا الإنْسَانُ.
وقَوْلُه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أَي: صيَّر لكُمْ فِيهَا سُبُلًا، أَي: طُرُقًا، هَذه الطُّرُقُ تَكُونُ بَينَ الشِّعابِ والجِبَالِ والوهَادِ، حتَّى إنَّه لتَأتِي الرِّياحُ الشَّديدَةُ وتَبْقَى هَذه الطُّرُقُ مَعْلُومةً، يُستدَلُّ عَلَى هَذه الطُّرُق بالجِبَالِ والشِّعَاب والنُّجُومِ، كما قَال اللهُ : ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
وقَوْلُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: (لعَلَّ) هُنَا للتَّعلِيلِ، ومنَ المَعلُومِ أن (لعَلَّ) تَأتِي للتَّعليلِ -كما هُنَا- وتَأتِي للتَّرجِّي، وتَأتِي للتَّوقُّع، والَّذِي يُعيِّنُ المَعْنَى هُوَ سِيَاقُ الكلَامِ وقَرائِنُ الأَحْوَالِ.
وقَوْلُه : ﴿تَهْتَدُونَ﴾ أَي: تَعلَمُونَ الطُّرُقَ، فالهِدَايَةُ هُنَا هِدَايَةُ الطُّرُق
стр. 61
إِلَى مَقَاصِدِكُم فِي أسفَارِكُمْ. والْآنَ -والحمْدُ لله- وُجِدَت طُرُق مُمهَّدةٌ بيِّنة مِنَ المُدُنِ والقُرَى وغَيرِها، كُلُّ ذَلِكَ بنِعْمَةِ اللهِ .
فإِنْ قَال قَائِل: قَوُلهُ : ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ المقْصُودُ بالهِدَايَةِ هِدَايَةُ الطُّرُقِ، فهَلْ يُمكِنُ أَنْ يُحمَلَ عَلَى هِدَايَةِ الاعتِبَارِ بالآية؟
فالجَوابُ: لَا، فالسِّياقُ يَمْنَعُ هَذَا.
* * *
стр. 62
الآية (١١)
* * *
قَال اللهُ : ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف ١١].
* * *
وقَوْلُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ قِرَاءَتَانِ "مِهَادًا" وقَدْ جَاءَتْ فِي آيَةٍ أُخْرَى بهَذَا اللَّفْظِ، ﴿مَهْدًا﴾ وهِيَ بمَعْنَى (مِهَاد).
قَولُهُ تعَالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أَي: أَنزَلَهُ شَيئًا فَشَيئًا، فتَجِدُ المَطَرَ ينزِلُ مِنَ السَّماءِ نُقَطًا، ولَوْ جَاءَ كأَفْواهِ القِرَبِ لأَفْسَدَ الأرْضَ وهدَمَ البِنَاءَ، ولكِنْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أَنْ جعَلَهُ ينْزِلُ شَيئًا فشَيئا، ومَعَ ذَلِكَ تَسِيلُ مِنْهُ الأودِيَةُ وَهُوَ مِنْ نُقطَةٍ نُقطَةٍ، لكِنْ مَعَ كَثرَتِهِ تَسِيل بِهِ الشِّعابُ.
وقَوْلُه: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ السَّماءُ هُنَا المُرادُ بهَا العُلُوُّ، واعْلَمْ أن السَّماءَ يُطلَقُ عَلَى مَعنيَينِ:
المعْنَى الأوَّل: العُلوُّ.
والمعْنَى الثَّانِي: السَّقْفُ المحفُوظُ الَّذِي هُوَ السَّمواتُ السَّبعُ.
فقَولُهُ : ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] المُرادُ بالسَّماءِ هُنَا السَّقفُ المحفُوظُ، وكذَلِكَ قَولُهُ : ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]؛ وأمَّا قَولُهُ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ٩٩] المُرادُ بِهِ العُلوُّ؛
стр. 63
لأَنَّ المَطَرَ لَيسَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ نَفْسِهَا، ولكِنَّهُ ينْزِلُ مِنَ العُلوِّ؛ بدَلِيلِ قَولِهِ : ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ والسَّحابُ لَيسَ فِي السَّماءِ لَاصِقًا، ولكِنَّهُ بَينَ السَّماءِ والأَرْضِ، وهُوَ إِلَى الأَرْضِ أقْرَبُ.
إِذَنْ: فمِنَ المعْلُومِ أن المَطَرَ لَا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ الدُّنيا، إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ المُسخَّر بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، والحِكمَةُ أن اللهَ تعَالى أَنْزَلَهُ -أَيِ: المَطَرَ- مِنْ فَوقُ أَنْ يَرويَ الأرْضَ عُلويَّها وسُفليَّها، والحِكمَةُ أن اللهَ جعَلَهُ نُقُطًا حتَّى لَا تَفْسَدَ الأرْضُ ويَتهَدَّمَ البُنيانُ، لَوْ كَانَ ينْزِلُ كأفْوَاهِ القِرَبِ لفسَدَتِ الأرْضُ، لكِنْ مِنْ حِكْمَةِ اللهِ أنَّهُ أَنْزَلَهُ نُقطًا.
وقَوله: ﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أَي: بقَدْرِ حَاجَتِكُمْ إِلَيهِ، وَلَمْ يُنزِّلْه طُوفَانًا.
قَوُلهُ: ﴿بِقَدَرٍ﴾ فسَّرَه ﵀: [أَي: بقَدْرِ مَا تَحتَاجُونَ إِلَيهِ، ولَهُ مَعْنًى آخَرُ [بِقَدَرٍ] يَعْنِي: مُقدَّرٌ مُحَدَّد، حتَّى النُّقطةُ قَدْ عَلِمَها اللهُ ، وعَلِمَ كَيفَ تَنْزِلُ، وعَلِمَ مَتَى تَنْزِل، وعَلِمَ أينَ تَنزِلُ، كُلُّ شَيءٍ بقَدَرٍ؛ قَال اللهُ تعَالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
فيَكُون المَعْنَى عَلَى هَذَا: أن هَذَا المطَرَ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى كثرَتِهِ وكثْرَةِ عدَدِ نِقَاطِهِ، ينْزِلُ بقَدَرٍ مُحدَّد، والمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّر معْنًى صَحِيح، والْآية تَحتَمِلُ هَذَا وهَذَا، والقَاعِدَةُ عنْدَنَا فِي التَّفسِيرِ أن الكلِمَةَ فِي القُرآنِ أَوْ فِي السُّنَّة إذَا كَانَتْ تَحتَمِلُ معنيَينِ عَلَى السَّواءِ ولَا مُنافَاةَ بينَهُما، فإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُحمَلَ علَيهِما؛ تَوسعَةً للمَعْنَى.
﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا﴾: (أَنشَرْنا) أَي: أَحْيَينا، كما جَاءَ ذَلِكَ فِي آياتٍ أُخْرَى؛ فِي قَولِهِ : ﴿فَأَحْيَينَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] فإِذَنْ (أَنشَرْنا) بمَعْنَى: أَحْيينَا،
стр. 64
وهَذَا شَيءٌ مُشاهَد، تجِدُ الأرضَ قَاحِلَةً مجُدبَةً ليسَ فيهَا خَضْراء، فإِذَا نزَلَ المطَرُ أَصبحَتْ تَهتزُّ مِنَ النَّباتِ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهيجٍ.
وقوُله: [﴿كَذَلِكَ﴾ أَي: مِثْلَ هَذَا الإِحيَاءِ] ﴿تُخْرَجُونَ﴾، يَعْنِي: كَمَا أَحْيَينا الأَرْضَ بالمطَرِ فكذَلِكَ نُحييكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ قَال اللهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ هَامِدَةً، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أَي: عَلَتْ بنبَاتِها، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير﴾ [فصلت: ٣٩].
من فوائد الآيات الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيَانُ نعمَةِ اللهِ ؛ حيثُ جعَلَ لَنَا الأَرْضَ مِهَادًا، ولَوْ كَانَتْ صُلبَةً مَا استقَرَرْنا عَلَيهَا، ولَا حَرَثْنَاها، ولَا انتَفَعْنا بِهَا كثِيرًا، ولَوْ كَانَتْ رِخْوةً كذَلِكَ لَمْ نَنتَفِعْ بِهَا، ولغَاصَتْ أقْدَامُنا فِيهَا، ولكِنْ مِنْ نِعمَةِ اللهِ أَنْ جعَلَها كالمِهَادِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: نِعمَةُ اللهِ عَلَينا بِمَا جَعَلَ لَنَا مِنَ الطُّرُقِ عَلَى تَبَاعُدِ أقْطَارِهَا، ونَستدِلُّ عَلَى الطُّرقِ بالشِّعابِ والجِبَالِ، وكذَلِكَ بالنُّجُومِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثْبَاتُ حِكْمَةِ اللهِ فِيمَا يَخْلُقُ فِي قَولِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ وحِكْمَةُ اللهِ فِيمَا يَخْلُق وفِيمَا يُشرِّعُ ثَابِتَة، لكِنَّ مِنَ الحِكَم مَا نَعْلَمُ، ومنَ الحِكَمِ مَا لَا نَعْلَمُ؛ لقُصورِ أفهَامِنَا، ومنَ الحِكَمِ مَا يَعْلَمُه كثِير مِنَ النَّاسِ، وتَخْفَى عَلَى كَثِيرينَ آخرِينَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الإشَارَةُ إِلَى أنّه إذَا كَانَ المَقصُودُ الحِسِّيُّ يَحتَاجُ إِلَى طرقٍ، فكَذَلِكَ المَقْصُودُ المَعنويُّ، وهُوَ الوُصُولُ إِلَى دَارِ كَرَامَةِ اللهِ عَزَّ جلَّ، فإِنَّهُ يَحتَاجُ إِلَى طُرُقٍ لَا بُدَّ أَنْ نَسلُكَ هَذه الطُّرُقَ حتَّى نَصِلَ إِلَى المَقْصُودِ، فإِنْ لَمْ نَسلُكْها فلَنْ نَصِلَ إِلَى المَقصُودِ.
стр. 65
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: قُدرَةُ اللهِ عَزَّ جلَّ فِي إِنْزَالِ المطَرِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: رحمَةُ اللهِ عَزَّ جلَّ بإنْزَالِ المطَرِ مِنْ فَوقُ؛ لأنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أسْفَلُ لغَرِقَتِ الأرْضُ السُّفلَى دُونَ أنْ يَصِلَ الماءُ إِلَى قِمَمِ الجِبَالِ، ولكِنَّ اللهَ تعَالى جعَلَهُ يَنزِلُ مِنْ فَوقُ حتَّى يَرويَ العَاليَ والنَّاسَ، وإذَا ارْتَوى العَالِي نَزَلَ إِلَى النَّاسِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن هَذَا المَاءَ النَّازِلَ مِنَ السَّماءِ يَنْزُل بقَدَرٍ؛ عَلَى المَعنيَينِ اللَّذينِ ذكَرنَاهُمَا.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن اللهَ تعَالى يُحييِ الأرْضَ بعْدَ مَوتها بهَذَا المَاءِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إطَلاقُ لفْظِ (الموْتِ) عَلَى مَا لَا رُوحَ فِيهِ -أَي: مَا لَا رُوحَ فِيهِ تُحِسُّ-؛ لقَولِهِ عَزَّ جلَّ: ﴿بَلْدَةً مَيتًا﴾ وإنَّ مِنَ المعلُومِ أن الأرْضَ ليسَتْ كحَيَاةِ الحيَوَانِ -حيَاةِ إحسَاسٍ- بَلْ هِيَ حيَاةُ نُمُوٍّ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: قِياسُ المعقُولِ عَلَى المحسُوسِ، وإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: قِيَاسُ الغَائِبِ عَلَى الحاضِرِ، لقَولِهِ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، فقد قَاسَ الغَائِبَ -وهُوَ إحيَاءُ المَوتَى- عَلَى الحَاضِرِ الَّذِي تُشاهِدُونَه، وهَذَا مِنْ طُرُقِ التَّعلِيلِ والتَّفهِيمِ.
الفَائِدَةُ الحَادِيَة عَشْرَةَ: إثبَاتُ القِيَاسِ، وأنَّهُ دَلِيل، وهُوَ دَليل عقْليٌّ ثَابِت بالدَّليلِ السَّمعيِّ؛ وذَلِكَ أن العَقْلَ يَنتقِلُ مِنَ المَقيسِ عَلَيهِ إِلَى المَقِيسِ، فهُوَ دَلِيلٌ عَقْليٌّ باعتِبَارِ كيفِيَّةِ الاستِدْلَالِ بِهِ، ودَلِيلٌ سمْعيٌّ لثُبوتِهِ شرْعًا.
* * *
стр. 66
الآية (١٢)
* قَال اللهُ : ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾ [الزخرف: ١٢].
قَولُهُ تعَالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ هذ عطْفٌ عَلَى مَا سَبَقَ، وهُوَ مِنْ بَابِ عطْفِ الصِّفاتِ، ولَيسَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الذَّواتِ، والأصْلُ فِي العطْفِ أَنْ يَكُونَ بَينَ مُتغَايِرَينِ فِي ذَاتهِما -هَذَا أصْلٌ-؛ فإِذَا قَامَ الدَّليلُ عَلَى أن الذَّاتَ واحِدَةٌ صَارَ مِنْ بَابِ عطْفِ الصِّفاتِ، اقْرَأْ قَولَ اللهِ : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ١ - ٤]، هَذَا العطْفُ مِنْ بَابِ عطْفِ الصِّفاتِ؛ لأنَّ المَوصُوفَ واحِدٌ، لكِنَّ الأصْلَ في العطْفِ أنَّه مِنْ بَابِ تَغَايُر الذَّواتِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أن المعطُوفَ علَيهِ شيءٌ واحِدٌ، فيَكُون مِنْ بَابِ عطْفِ الصِّفات بعْضِها عَلَى بَعْضٍ لمَوصُوفٍ وَاحِدٍ.
فالآياتُ الَّتِي معَنَا مِنْ بَابِ عطْفِ الصِّفاتِ؛ لأَنَّ المَوصُوفَ وَاحِدٌ.
وقولُه: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾: ﴿وَجَعَلَ﴾ بمَعْنَى الأصنَافِ، كَمَا قَال : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أَي: أصنَافَهُم. وقَال : ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص: ٥٨]، فقَولُه: ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أيِ: الأصْنَافَ، كُلَّ الأصْنَافِ الخَالِقُ لَهَا هُوَ اللهُ ، وإِنَّكَ لتَعْجَبُ حينَمَا تَأتِي إِلَى رَوْضَة
стр. 67
تَجِدُ هذ الأشجَارَ بعضُها زَهرُهَا أحمر، وبعضُها أزرَقُ، وبعضُها أَصفَرُ، مُلوَّنَةً، الَّذِي خلَقَهَا ولوَّنها هُوَ اللهُ .
ويُحتَمَلُ فِي الآيَة مَعْنًى آخَرُ: ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ يَعْنِي: الشَّيئَينِ المُزدَوَجَينِ اللَّذينِ يَتولَّدُ بينَهُما ثَالِث، كالذَّكَرِ والأُنْثَى، والسَّالبِ والمُوجَبِ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، الْآيَة تَحتَمِلُ المَعْنَيينِ جَمِيعًا، وهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ فتُحْمَلُ عَلَيهِما جَمِيعًا.
وقولُه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ﴾ بمَعْنَى: صيَّر.
وقَولُهُ: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ مَفعُولُ (جَعَل) أَي: جَعَلَ لكُمْ مِنَ الفُلْكِ، وهِيَ السُّفُنُ البَحريَّةُ، وكَانَ النَّاسُ لَا يَعرِفُونَ سِوَاهَا فِيمَا سَبَقَ، وأمَّا الْآنَ فجَاءَتِ السُّفنُ الجَوِّيَّةُ، وهِيَ الطَّائرَاتُ، أمَّا الأنْعَامُ فمِثْلُ الإِبلِ والبِغَالِ وغيرِهَا ممَّا يُركَبُ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾: الَّذِي تَركَبُونَهُ. وهَذ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ .
* * *
стр. 68
الآيتان (١٣، ١٤)
* * *
* قَال اللهُ : ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤].
* * *
قَولُهُ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ اللَّام لَامُ العَاقِبةِ، وليسَتْ لَامَ التَّعلِيل؛ لأنه مِنَ المُمكِن أَنْ يَكُونَ عنْدَ الإنسَانِ أنعَامٌ كثِيرَةٌ ولَا يَركَبُها، لكِنَّ الَّلامَ للعَاقبَةِ، تَأتِي اللَّامُ للعَاقِبَةِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ وغَيره كَثِيرًا، وَمنْهُ قَولُهُ : ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] اللَّامُ فِي قَولِهِ: ﴿لِيَكُونَ﴾ ليسَتْ للتَّعلِيلِ؛ لأنَّ آلَ فِرعَونَ لَمْ يَلْتَقِطُوه لهذَا الغَرَضِ، لكِنِ التَقَطُوه فصَارَتْ هَذه النَّتيجَةُ. وتُسمَّى اللَّامُ فِي مِثْلِ هَذَا تُسمَّى (لَامَ العَاقِبَةِ).
وقَولُهُ : ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أَي: تَعلُوا عَلَيها، وتَستقِرُّوا عَلَيهَا، ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ يَقُولُ المُفسِّر ﵀: [ذكَّر الضَّميرَ وجمَعَ الظَّهر، نظَرًا للَفْظِ (مَا) ومعْنَاهَا] ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ جمَعَ الظَّهر، ولَمْ يَقُلْ: (عَلَى ظهره) وأَفْرَدَ الضَّمِيرَ ولَمْ يَقُلْ: (عَلَى ظُهُورِهَا) نظَرًا للَفْظِ (مَا) ومعْنَاهَا، لأَنَّ (مَا) تَصْلُحُ للمُفرَدِ والجَمْعِ، فتَارَةً يُراعَى اللَّفْظُ وتَارَةً يُراعَى المَعْنَى، إِذَا رُوعِيَ اللَّفظُ أُفرِد الضَّمِيرُ، وإِذَا رُوعِيَ المَعْنَى صَارَ بحسَبِ المَعْنَى المقصُودِ.
стр. 69
وكذَلِكَ (مَنْ) تَارَة يُراعَى اللَّفظُ وتَارَةً يُرَاعَى معنَاهُ، اقْرَأْ قَوْلَ اللهِ تعَالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الطلاق: ١١]، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ﴾ رَاعَى اللَّفظَ فأَردَهُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ رَاعَى المَعْنَى.
فقَوُله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أَي: ظُهُورِ مَا تَركَبُون مِنَ الفُلكِ والأنعَامِ، فجَمَعَ باعتبَارِ المَعْنَى، وأَفرَدَهَا باعتِبَارِ اللَّفْظِ.
وقَوُلهُ : ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ﴾ يَتَذكَّرُ نعمَةَ اللهِ علَيهِ؛ حيثُ يَسَّر لَهُ هَذَا المَركُوبَ، ولَولَا تَيسِيرُ اللهِ مَا تَمكَّنَ مِنْ هَذَا، فلَوْ جَعَلَ اللهُ الإِبِلَ صعبَةً لَا يُمكِنُ أَنْ تُركَبَ مَا انْتَفَعَ النَّاسُ بِهَا، ولَوْ فُقِدَتِ السُّفُنُ مَا اسْتَطَاعَ النَّاسُ أَنْ يَعبُرُوا مِنْ يَابِسٍ إِلَى يَابِسٍ، فلْيَذْكُرِ الإنسَانُ نعْمَةَ اللهِ إِذَا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهِ. ﴿وَتَقُولُوا﴾ أَي: بألسِنَتِكُمْ مُعتَرِفِينَ بقُلُوبِكُمْ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أَي: ذلَّلَهُ لَنَا ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قَال ﵀: [مُطِيقِينَ].
قَولُهُ تعَالى: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] قَال ﵀: [لمُنصَرِفُونَ].
من فوائد الآيات الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: نِعْمَةُ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؛ حَيثُ جَعَلَ لهمْ مِنَ الفُلْكِ والأنعَامِ مَا يَركَبُونَهُ.
وذَكَرْنا أنَّ الفُلْكَ يَشْمَلُ الفُلْكَ الجَويَّ والبَحريَّ. ويمكِنُ أَنْ نَقُولَ: والبرِيَّ أيضًا، كالسَّيَّاراتِ، فهَذِهِ أفلَاك؛ فإِذَنِ الأفلَاكُ جَوِّيَّة وبَحْريَّةٌ وبَرِّيَّةٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَذْلِيلُ اللهِ الأنعَامَ لَنَا؛ حيثُ سخَّرَها لنَركَبَهَا ونُحمِّلَها،
стр. 70
وهِيَ ذَلِيلَةٌ بَينَ أَيدِينَا، لقَولِهِ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنّه يَنبَغِي للإنسَانِ إذَا رَكِبَ الأنعَامَ -وكذَلِكَ الفُلْكَ- أَنْ يَجْعَلَ مَركَبَهُ مُريحًا؛ لقَولِهِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ إِذْ إنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُريحًا لَمْ تَتِمَّ النِّعمَةُ، فيَنبَغِي أَنْ يَجعَلَهُ مُرِيحًا بقَدْرِ الإمكَانِ، وعَلَى حسَبِ الحَالِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّهُ يَنبَغِي للإنسَانِ أَنْ يَتذَكَّرَ نِعمَةَ اللهِ عَلَيهِ لمِا سخَّرَ لَهُ مِنَ الفُلْكِ والأنعَامِ؛ لقَولِهِ: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾: (النِّعمَةُ) هُنَا مُفرَد مُضَافٌ، فهَلِ المُرادُ أَنْ نَذكُرَ جَمِيعَ النِّعمِ أَوْ نَذْكُرَ النِّعمَةَ المُناسِبَةَ للحَالِ؟
الجَوابُ: الظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي؛ لأنَّ الإنسَانَ قَدْ لَا يَستَحْضِرُ حينَما يَتذَكَّرُ كُلَّ النِّعمِ مِنَ الأَمْوالِ والأَولَادِ والأَمْنِ والطُّمأنينَةِ، ولكِنْ يَذكُرُ النِّعمَةَ الحَاضِرَةَ.
الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: استِحْبَابُ هَذَا الذِّكرِ عنْدَ الرُّكوبِ وهُوَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.
فإِنْ قَال قَائِلٌ: لمَاذَا اخْتِير كلمَةُ (سبْحَان) دُونَ (اللهُ أكبَرُ) مَثَلًا؟
فالجَوابُ: أَنَّ تَسبِيحَ اللهَ يَعنِي تَنزِيهَه عَنْ كُلِّ نقْصٍ وعَيبٍ، بخِلَافِ الإنسَانِ فإِنَّهُ مُحتَاج إِلَى الرُّكوبِ فهُوَ نَاقِصٌ، فنَاسَبَ أَنْ يَقُولَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ حتَّى إنَّه بحاجَةٍ إِلَى هَذه المَركُوباتِ، وأنَّ اللهَ عَزَّ جلَّ مُنزَّهٌ عَنِ الحَاجَةِ.
يَعني لَوْ قال قَائلٌ: لمَاذَا لَمْ يَقُلْ: مَا أَعْظَمَ نِعمَةَ اللهِ علَيَّ! أَو اللهُ أكبَرُ! ؟
فالجَوابُ: أنّه لمَّا رَأَى نفْسَهُ مُحتَاجًا إِلَى الرُّكوبِ نَزَّهَ اللهَ عَنِ الحَاجَةَ فقَال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنْ نَذكُرَ نِعمَةَ اللهِ علَينا بتَسخِيرِ هَذه الأنعَامِ؛ لقَولِهِ :
стр. 71
﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أَي: مُطيقِينَ، لَوْلَا أن اللهَ تعالى سخَّر البَعِيرَ لَنَا مَا أَطَقْنَاهَا، فالبَعِيرُ أقْوَى منَّا، وأكبَرُ منَّا جِسْمًا، لَوْ أَنَّ اللهَ جعَلَهَا صَعْبَةً فَلَا يُمكِنُ لأَحَدٍ أَنْ يَستَقِرَّ علَيهَا، أَوْ أَنْ يَحمِلَ علَيهَا، أَوْ أَنْ يدخِلَها إِلَى أيِّ مَكَانٍ شَاءَ، أَوْ أَنْ يُخرِجَها مَتَى شَاءَ، ولكِنَّ اللهَ سخَّر هَذَا لَنَا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: اعتِرَافُ العبْدِ بقُصُورِهِ وضعْفِهِ؛ لقَولِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أَي: مُطيقِين.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن الإنسَانَ إذَا رَكِبَ هذِهِ المَركُوباتِ يَتَذكَّرُ الرُّكوبَ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الدُّنيا؛ لقَولِهِ: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وتَفْسِيرُ المفسِّر ﵀ لها بالانْصِرَافِ أَي: (لمُنصَرِفُونَ إِلَى اللهِ) فِيه قُصُورٍ، والصَّوابُ: مَا ذكَرْنا أنَّكَ إِذَا رَكِبْتَ تَتذَكَّرُ رُكوبَكَ عَلَى النَّعشِ حِينَ تَنقَلِبُ إِلَى اللهِ ، فيَكُونُ فِي هَذَا تذَكُّرٌ للحَالِ المُستَقْبَلَةِ لبَنِي آدَمَ، وهِيَ حَالُ الانقِلَابِ إِلَى اللهِ ، وهَذَا الذِّكرُ عَامٌّ، كُلَّما رَكِبْتَ السَّيَّارةَ أَو البَعِيرَ أَو الطَّائِرَةَ تَذْكُرُ هَذَا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.
فإنْ قَال قَائِلٌ: المصْعَدُ الكهرَبَائيُّ يُشرَعُ فِيهِ هَذَا الدُّعاءُ: (سُبْحَانَ الَّذِي سخَّر لَنَا هَذَا)؟
فالجَوابُ: هَذَا محَلُّ نظَرٍ؛ لأَنَّ هَذَا المصعَدَ الكهرَبَائيَّ فِي مَنزِلَةِ الدَّرَجِ، ولَيسَ بمنْزِلَةِ الرَّاكبِ الَّذِي يَسِيرُ، بَلْ هَذَا يَصعَدُ إِلَى فَوْقُ، فَفِي كَونِهِ مِنْ بَابِ المَركُوباتِ نَظَرٌ.
مَسْألةٌ: دُعَاءُ نُزُولِ المكَانِ: (أَعُوذُ بكلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ) هَلْ خَاصٌّ بالسَّفرِ أَوْ عَامٌّ؟
стр. 72
فالجَوابُ: عَامٌّ، حتَّى إِذَا نَزَلْتَ بَيتًا تَقُول: (أَعُوذُ بكلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ)، وعنْدَ النَّومِ تَقُولُ: (أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ)، وفِي أَوْرَادِ اللَّيلِ والنَّهارِ تَقُولُ: (أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ)، أمَّا المَسجِدُ فلَهُ ذِكْر خَاصٌّ، فالإنسَانُ لَيسَ نَازِلًا في المَسْجِدِ، إنَّما هُوَ مُقِيمٌ لطَاعَةِ مُعيَّنةٍ وَيمضِي.
* * *
стр. 73
الآية (١٥)
* قَال اللهُ : ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥].
قَوُلهُ: ﴿وَجَعَلُوا﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى مُشرِكي قُريشٍ. أَي: صَيَّروا ﴿لَهُ﴾ أَي: لله ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أَي: مِنْ مَخلُوقَاتِهِ، وجَمِيعُ المَخلُوقَاتِ عِبَادٌ لله ، والمُرادُ بالعِبَادِ هُنَا: الملائِكَةُ ﴿جُزْءًا﴾ أَي: بَعْضًا مِنْهُ، حَيثُ قَالُوا: الملائِكَةُ بنَاتُ اللهِ، واليَهُودُ قَالُوا: عُزَيرٌ ابْنُ اللهِ، والنَّصارَى: قَالُوا المَسيحُ ابْنُ اللهِ.
وقَولُهُ: ﴿جُزْءًا﴾، لأنَّ الولَدَ جُزْءٌ مِنْ أَبيهِ، كما قَال النَّبيُّ ﷺ فِي ابْنَتِهِ فاطَمَةَ ﵂: "إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُهَا مَا رَابَنَي" (١)، وَذلِكَ حِينَما تَحدَّثَ النَّاسُ أن عليَّ بْنَ أَبِي طالِبٍ يُرِيدُ أَنْ يَتزَوَّجَ علَيها بنْتَ أَبِي جَهْل فأَنْكَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ذَلِكَ وقَال: "لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُوْنَ بِنْتُ نَبِيِّ اللهِ مَعَ بِنْتِ عَدُوِّ اللهِ".
إذَنِ: الجُزْءُ البعْضُ، والقَائِلُ ثلَاثَةُ أصنَافٍ مِنَ النَّاسِ: المُشرِكُونَ، واليَهُودُ، والنَّصارَى.
فهَؤُلاءِ المُشرِكُونَ -والعِيَاذُ باللهِ- جعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا، وتَأمَّلْ قَولَهُ: стр. 74
﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ يَتبيَّنْ لَكَ أن كونَهُم مِنْ عِبَادِ اللهِ يَمْنَعُ غَايَةَ المَنع أَنْ يَكُونُوا جُزْءًا مِنَ اللهِ عَزَّ جلَّ؛ لأَنَّ المعبُودَ غيرُ العَابِدِ، فَلَا يُمكِنُ أَنْ يكُونَ العَابِدُ جُزءًا مِنَ المَعبُودِ.
وقولُهُ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ المرَادُ الجِنْسُ. يَعْنِي أن جِنْسَ الإنسَانِ ﴿لَكَفُورٌ﴾ بَيِّنُ الكُفْرِ، فَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَال: مِنَ الإنسَانِ مَنْ هُوَ مُؤمِنٌ كَامِلُ الإيمَانِ؛ لأنَّنَا نَقُولُ: إنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الجِنْسُ، كقَولِهِ: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، والمُؤمِنُ لَيسَ ظَلُومًا جَهُولًا، لكِنَّ جِنْسَ الإنسَانِ ظَلُومٌ جَهُولٌ.
وقَولُهُ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أَي: بيِّنُ الكُفْرِ، وذَلِكَ لأنَّ (بانَ) بمَعْنَى (ظَهَرَ) تَكُونُ بالهَمْزَةِ وتَكُونُ بغَيرِ الهمْزَةِ، بمَعْنَى أنّه يجوزُ لغَةً أَنْ تَقُولَ: بَانَ الفَجْرُ، وأبَانَ الفَجْرُ. وعَلَيه فيَكُونُ مَعْنَى ﴿مُبِينٌ﴾ أَي: وَاضِحُ الكُفْرِ، ولا شَكَّ أن الَّذِي يَقُولُ: الملائِكَةُ بنَاتُ اللهِ، أَوْ عِيسَى ابْنُ اللهِ، أَوْ عُزَيرٌ ابْنُ اللهِ. لَا شكَّ أنّه قَدْ كَفَرَ كُفرًا بَيِّنًا.
وتُستَعْمَلُ (أبانَ) بالهمْزَةِ متَعدِّيةً، يُقَالُ: أبانَ الشَّيءَ بمَعْنَى: أظْهَرَهُ، ومِنْهُ قَولُهُ تعَالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ الَّذِي سَبَقَ فِي أوَّلِ السُّورَةِ، أيِ: المُظهِرُ للحقَائِقِ المُبيِّنُ لها.
فإِذَا قَال قَائِل: هَلْ كُلَّما جَاءَ مِثْلُ هَذَا التَّعبِيرِ نَحمِلُهُ عَلَى الجِنْسِ؟
فالجَوابُ: لَا نَحمِلُهُ عَلَى الجِنْسِ إلَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا، وإِلَّا فالْأَصْلُ العُمُومُ، فقَوْلُهُ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]، المُرادُ كُلُّ الإنسَانِ، لكِنْ إِذَا تَعَذَّرَ أَنْ نَحمِلَها عَلَى العُمُومِ جعَلْناهَا للجِنْسِ، وأَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا يَتبَيَّنُ بِهِ المَقَامُ: الرَّجُلُ خَيرٌ مِنَ المرأَةِ. المُرادُ الجِنْسُ، ولَيسَ المَعْنَى: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجالِ
стр. 75
خَيْرٌ مِنْ كُلِّ امرَأةٍ مِنَ النِّساءِ؛ لأَنَّ مِنَ النِّساءِ مَنْ هُوَ خَير مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الرِّجالِ، لكِنَّ المُرادَ الجِنْسُ. يَعْنِي: هَذَا الجِنْسُ خَير مِنْ هَذَا الجِنْسِ.
وإِنْ قَال قَائِلٌ: بَدَأَ اللهُ فِي هَذه السّورَةِ بقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾، ثُمَّ قَال : ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ جَعَلَ، جَعَلَ، جَعَلَ؛ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَها ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ فهَلْ هُنَاكَ تَنَاسُبٌ بَينَ هَذه؟
فالجَوابُ: يُقَالُ: إنَّ هَذَا تَنَاسُبٌ لفظِيٌّ؛ لأنَّه أحيَانًا يَكُونُ الكَلَامُ -إِذَا كَانَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ- أَبلَغَ، فيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ التَّناسُبِ اللَّفظيِّ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن الولَدَ جُزْءٌ مِنْ وَالده، لقَولِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾؛ ولذَلِكَ كَانَ الولَدُ فِي التَّعصِيب فِي بَابِ الميرَاثِ مُقدَّمًا عَلَى الوَالِدِ، بمَعْنَى: أنَّه لَوْ مَاتَ ميّتٌ عَنْ أَبيهِ وابْنِهِ، فلأَبيهِ السّدُسُ فَرْضًا، والبَاقِي للابْنِ تَعْصِيبًا، فسَهْم الابْنِ الْآنَ خمسَةٌ مِنْ سِتَّةٍ، وسهْمُ الأَبِ وَاحِدٌ مِنْ سِتَّة؛ لأنَّ الابْنَ جُزْءٌ مِنْ أَبِيهِ فقُدِّم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يجوزُ للأَبِ أَنْ يَتمَلَّك مِنْ مَالِ ولَده؛ لأَنَّ ولدَهُ جُزْؤُه، وإِذَا كَانَ جُزْءًا مِنْهُ، صَارَ كسَائِرِ جَسَده، ولهذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ" (١) فلِلْأَبِ أَنْ يَتملَّك مِنْ مَالِ وَلَده مَا شَاءَ، بشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الولَدُ مُحتَاجًا следующие страницы →