← Тафсир

Тафсир · id 151166

تفسير العثيمين: الحجرات - الحديد

ابن عثيمين

Полный текст (422 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

طلوع الشمس هي الفجر، والصلاة التي قبل غروبها هي العصر، وفيه دليل على أن المحافظة على هاتين الصلاتين من أسباب دخول الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم، وأفضلهاالعصر، لأن الله تعالى خصها بالذكر حين أمر بالمحافظة على الصلوات فقال: ﴿حفظوا على الصلوت والصلاة الوسطى﴾ وهي العصر، كما فسرها بذلك أعلم الخلق بكتاب الله وهو الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم (١) ، ﴿ومن الليل فسبحه﴾ أيضاً سبح الله من الليل و (من) هنا للتبعيض، يعني سبحه أيضاً جزء من الليل، ويدخل في ذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء، ويدخل في ذلك أيضاً التهجد ﴿وأدبر السجود﴾ أي وسبح الله أدبار السجود، أي أدبار الصلوات، وهل المراد بالتسبيح أدبار الصلوات النوافل التي تصلى بعد الصلوات كراتبة الظهر بعدها، وراتبة المغرب بعدها، وراتبة العشاء بعدها، أو المراد التسبيح الخاص؟ وهو سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر. فيه قولان للمفسرين، ولو قيل بهذا وهذا لكان له وجه ﴿واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب﴾ أي انتظر لهذا النداء الذي يكون عند النفخ في الصور وحشر الناس ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج﴾ من القبور ﴿إنا نحن نحى ونميت وإلينا المصير﴾ (إنا) يقول الله عن نفسه ﴿إنا﴾ تعظيماً له ﴿نحى ونميت﴾ أي: نحيي بعد الموت، ونميت بعد الحياة، فهو قادر على الإحياء بعد الموت، وعلى الموت بعد

стр. 107

الإحياء ﴿وإلينا المصير﴾ أي المرجع ﴿يوم تشقق الأَرض عنهم سراعاً﴾ أي مصيرهم إلينا في ذلك الوقت تشقق الأرض، أي: تتفتح عنهم أي عن هؤلاء في قبورهم، تشقق كما تشقق الأرض عند طلوع النبات، ﴿سراعاً﴾ أي يأتون إلى المحشر ﴿ذلك حشر علينا يسير﴾ أي سهل علينا، لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون﴾ ويقول تعالى: ﴿فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة﴾ ويقول تعالى: ﴿إن كانت إلا صيحةً واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ وهذا يدل على يسر ذلك على الله ﴿نحن أعلم بما يقولون﴾ وهذا وعيد لهؤلاء الذين يقولون في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يقولون، أخبر الله هنا أنه لا يخفى عليه حالهم، وأنه يعلم ما يقولون، ثم قال: ﴿ومآ أنت عليهم بجبار﴾ أي ليست عليه بذي جبروت فتجبرهم على أن يسلموا ويؤمنوا بك، ولهذا قال في آية أخرى: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ ﴿فذكر بالقرءان من يخاف وعيد﴾ أي عظ بالقرآن الكريم من يخاف الوعيد، أي من يخاف وعيدي بالعذاب، لأن هؤلاء هم الذين ينتفعون بالتذكر بالقرآن، فالقرآن يذكر به جميع الناس، ولكن لا ينتفع به إلا من يخاف الله ، نسأل الله أن يجعلنا من المنتفعين بكتابه، المتعظين بآياته.

стр. 108

تفسير سورة الذاريات ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ تقدم الكلام على البسملة، ﴿والذاريات ذرواً فالحاملات وقراً فالجاريات يسراً فالمقسمات أمراً﴾ أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات لأنها دالة على عظمته ﵎، ولما فيها من المصالح والمنافع، أما قوله: ﴿والذاريات ذرواً﴾ فالذاريات هي الرياح تذر التراب وغير التراب، قال الله ﵎: ﴿فأصبح هشيمًا تذروه الرياح﴾ أي: تفرقه في أمكنة متعددة، وأقسم الله بالذاريات لما فيها من المصالح الكثيرة، ففي تصريفها حكمة بالغة، فمنها الرياح الدافئة، ومنها الرياح الباردة، على حسب ما تقتضيه حكمة الله ولأن الرياح تثير سحاباً فيسقي به الله الأرض؛ ولأنها تسير السفن، ففيما سبق كانت السفن تجري على الرياح، قال الله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان﴾ . ﴿فالحاملات وقراً﴾ المراد بها السحاب، تحمل المياه موقرة، أي: مثقلة محملة، قال الله ﵎: ﴿هو الذي يريكم البرق خوفًا وطمعًا وينشىء السحاب الثقال﴾ فهي ثقيلة محملة بمياه عظيمة بحار، ولذلك تمطر فتجري الأرض أنهاراً بإذن الله فالذاريات: الرياح، والحاملات: السحب، والارتباط بينهما ظاهر؛ لأن الرياح هي التي تثير السحاب وهي التي تلقح السحاب بالماء، قال الله تعالى:

стр. 109

﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه﴾ ﴿فالجاريات﴾ هن السفن ﴿يسراً﴾ أي: بسهولة، قال الله ﵎: ﴿إنا لما طغا الماء حملنكم في الجارية﴾ أي: في السفينة، هذه السفينة ميسرة بإذن الله بما يسره الله تعالى من الرياح الطيبة، وكلما كانت الريح مناسبة كان سيرها أيسر، والآن جاءت السفن النارية التي لا تحتاج إلى الرياح فصارت أيسر وأيسر، تجدها قرى كاملة تمخر عباب الماء وتسير بسهولة، والارتباط بين هذه الثلاثة أن الرياح تحمل الأمطار، وأن السحب تحمل الأمطار، فتنزل إلى الأرض، فيكون الرزق للمواشي والآدميين، والجاريات أي السفن، هي أيضاً تحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، فلا يمكن أن تصل الأرزاق من جهة إلى جهة أخرى بينها وبينها بحر إلا عن طريق السفن. ﴿فالمقسمات أمراً﴾ وهم الملائكة، وجمعهم لأنه يجوز جمع المؤنث باعتبار الجماعات، أي: فالجماعات المقسمات ﴿أمراً﴾ التي تقسم الأمر، أي: شئون الخلق، ويحتمل أن يكون ﴿أمراً﴾ أي: بأمر الله، والمعنى صحيح على كلا التقديرين، فإن الملائكة عليهم الصلاة والسلام يقسمون ما يريد الله من أرزاق الخلق وغيرها بأمر الله هذه أربع جمل: الذاريات، الحاملات، الجاريات، المقسمات، كل هذه مقسم بها، والمقسم عليه: ﴿إنما توعدون لصادق﴾ يعني ما وعدكم الله تعالى فهو وعد صادق، والصادق هو المطابق للواقع، وذلك لأن الخبر نوعان: نوع يخالف الواقع، وهذا يسمى كذباً،

стр. 110

ونوع يطابق الواقع، وهذا يسمى صدقاً، سواء كان المخبر عنه ماضٍ أو مستقبلاً، فأقسم الله بهذه المخلوقات على إنما نوعد صادق. فلابد أن يقع إذا وقع ما نوعد، وهوالبعث يوم القيامة يتلوه الجزاء، ولهذا قال: ﴿وإن الدين لواقع﴾ الدين يعني الجزاء، والدين يطلق أحياناً بمعنى الجزاء، وأحياناً بمعنى العمل، ففي قوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولى دين﴾ المراد به العمل، وفي قوله ﵎: ﴿مالك يوم الدين﴾ المراد به الجزاء، وهنا ﴿وإن الدين لواقع﴾ أي الجزاء لابد أن يقع، لأن الله على كل شيء قدير. وقد قال الله تعالى: ﴿يوم تشقق الأَرض عنهم سراعاً ذلك حشر علينا يسير﴾ ﴿والسماء ذات الحبك﴾ السماء معروفة، ذات: بمعنى صاحبة ﴿الحبك﴾ يعني الطرق، أي: أنها من حسنها كأنها ذات طرق محبوكة متقنة، كما يكون ذلك في جبال الرمل، يضربها الهواء فتكون مضلعة، إذن السماء كذلك ﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ ﴿إنكم﴾ الخطاب للكافرين ﴿لفي قول مختلف﴾ يعني يختلف بعضه عن بعض، فبعض الكفار قالوا للرسول ﵊: إنه مجنون، وبعضهم قالوا: إنه ساحر، وبعضهم قالوا: إنه كاهن، وبعضهم قالوا: إنه شاعر، وبعضهم قالوا: إنه كذاب، فهم مختلفون في النبي ﷺ ، واختلاف الأقوال يدل على كذبها وفسادها، وكلما رأيت قولاً مختلفاً متناقضاً فاعلم أنه باطل وليس بصحيح؛ لأن الحق لا يمكن أن يتناقض، فهؤلاء المكذبون للرسول ﵊ اختلفوا هذا الاختلاف ﴿يؤفك عنه من

стр. 111

أفك﴾ بمعنى يصرف ﴿عنه﴾ قيل: إن الضمير يعود على الرسول ﵊، أي يصرف عن الرسول ﷺ من صرف من الناس، وقيل: إن الضمير يعود على القوم، وعلى هذا القول: تكون (عن) بمعنى الباء، أي يؤفك بهذا القول من أفك، يصرف بهذا القول عن الحق من صرف، وهما أي المعنيان متلازمان، والأقرب أن الضمير في قوله ﴿عنه﴾ يعود على القوم؛ لأنه أقرب مذكور ﴿يؤفك عنه﴾ أي عن هذا القول أي بسببه ﴿من أفك﴾ أي من صرف عن الحق، وذلك لأن من البيان لسحراً (١) فإذا جاءك رجل بليغ فصيح، وصار يورد عليك الشبهات والشكوك ألست تنخدع بقوله؟ بلى، فهؤلاء المكذبون للرسول ﵊ عندهم فصاحة وبلاغة وتمويه ودجل، فيصرفون الناس، وقوله ﴿من أفك﴾ هل المراد من قدر الله عليه أن يصرف، أو المراد من أفك؟ أي من صرفه هؤلاء المختلفون. هما متلازمان أيضاً، فإن هؤلاء الذين يضلون الناس لا يمكن أن يضلوهم إلا بإذن الله ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل﴾ فهم الذين يأفكون الناس أي: يصرفونهم فهم السبب، لكن المقدر للصرف هو الله ولكن اعلم أخي المسلم أنه لا يمكن أن يصرف عن الحق إلا من علم الله منه أنه ليس أهلاً للحق - نسأل الله السلامة - ولهذا قال الله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ وكذلك الله أعلم حيث يجعل رسالته في الذين يمتثلونها ويؤمنون بها. ويدل على

стр. 112

هذا الذي قلنا قول الله ﵎: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ ولكن احذر إذا رأيت ضالاًّ أن تقول: هذا ليس أهلاً للهداية؛ لأن هناك فرقاً بين القول بالعموم، والقول بالتعيين، فالقول بالتعيين حرام؛ لأنك قد ترى شخصاً ضالاًّ وتقول: هذا لا يهتدي، وإذا به يهديه الله ، والعكس بالعكس، ربما ترى شخصاً مستقيماً تقول: هذا لا يمكن أن يضل، فإذا به يضله الله، فإياك أن تشهد على معين، لكن حقيقة أنك إذا رأيت ضالاًّ متمرداً مستكبراً عن الحق فإنك بقلبك تستبعد أن الله يهديه، لكن لا تقل: إن الله لا يهديه، ففي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لايزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر. فوجده يوماً على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت عليَّ رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً، أو كنت على ما في يدي قادراً، وقال للمذنب؟ اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار» . قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وأخراه (١) . وفي رواية مسلم: فقال الله تعالى: «من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له، وأحبطت عملك» (٢)

стр. 113

نسأل الله العافية، لهذا لا تعجب بنفسك، ولا تيأس من رحمة الله فيما يتعلق بك، ولا فيما يتعلق بغيرك، فإن الله تعالى على كل شيء قدير، لكن نعلم على سبيل العموم أن الإنسان إذا لم يكن أهلاً للهداية فإنه لن يهتدي، فإذا رأينا هذا الشخص منحرفاً مستكبراً معانداً فلا شك أنه يغلب على ظننا أنه ليس أهلاً للهداية، لكن ليس لنا أن ننطق بذلك، ويحرم أن ننطق بذلك، ويخشى أن يقال لنا كما قيل لهذا الرجل: قد غفرت له وأحبطت عملك، وهنا مسألة مهمة وهي الفرق بين التعيين والإطلاق، فنحن مثلاً نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، لكن إذا رأينا شخصاً مستقيماً، ويصلي ويزكي، ويصوم، ويحج، ويتصدق، ويحسن، ويبر والديه، ويصل رحمه، فلا نشهد بأنه في الجنة؟ لأن التعيين شيء والإجمال شيء آخر، وإذا رأينا رجلاً كافراً ملحداً مسلطاً على المسلمين، يمزق كتاب الله ويدوسه برجليه ويستهزىء بالله ورسوله فلا نقول: هذا من أهل النار، بل نقول: من فعل هذا فهو من أهل النار. بلا تعيين، لأنه من الجائز في آخر لحظة أن يمنّ الله عليه ويهديه، فأنت لا تدري، لذلك يجب التفريق بين التعيين والإطلاق، أوالتعيين والإجمال، فإذا مات رجل ونحن نعرف أنه مات على النصرانية حسب ما يبدو لنا من حاله، فلا نشهد له بالنار؛ لأنه إن كان من أهل النار فسيدخل ولو لم نشهد، وإن لم يكن من أهل النار فشهادتنا شهادة بغير علم، فمثل هذه المسائل لا داعي لها، فلو قال قائل: مات رجل من الروس، من الملحدين،

стр. 114

مات رجل من الأمريكان من الملحدين منهم، مات رجل من اليهود من الملحدين، العنه واشهد له بالنار، نقول: لا يمكن، نحن نقول: من مات على هذا فهو من أهل النار، من مات على هذا لعناه، أما الشخص المعين فلا، ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة قالوا: لا نشهد لأحد بالجنة أو بالنار إلا لمن شهد له النبي ﷺ ، ولكننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. ﴿قتل الخراصون﴾ ﴿قتل﴾ كثير من المفسرين يفسرها بلعن، واللعن هوالطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولكن الصحيح أنها بمعنى أهلك، لأنه لا داعي أن نصرفها عن ظاهرها، وظاهرها صحيح مستقيم، فمعنى ﴿قتل﴾ : أهلك، و ﴿الخراصون﴾ جمع خراص، وهو الذي يتكلم بالظن والتخمين والارتياب والشك، لأنه منغمر في الجهل والسهو والغفلة، ولهذا وصفهم بقوله: ﴿الذين هم في غمرة ساهون﴾ أي في غمرة من الجهل، قد أحاط بهم الجهل من كل جانب، ﴿ساهون﴾ : غافلون، لا يحاولون أن يقبلوا على ما أنزل الله على رسله - عليهم الصلاة والسلام - ومن جهلهم أنهم ﴿يسئلون أيان يوم الدين﴾ ، سؤال استبعاد وإنكار، لو كانوا يسألون سؤال استعلام واستخبار، لعذروا، كما قال جبريل للنبي ﷺ : «أخبرني عن الساعة» ، استفهاماً واستخباراً، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (١) لكن أولئك الخراصون

стр. 115

يسألون: ﴿أيان يوم الدين﴾ يعني متى هو؟ استبعاداً، ولهذا قال الله عنهم في سورة (ق) : ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أءذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد﴾ يعني أنرجع بعد أن كنا تراباً، هذا رجع بعيد، فهم يسألون عن القيامة لا سؤال استفهام واستخبار ليستيقنوا، ولكنْ سؤال استبعاد وإنكار، قال الله تعالى: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ هذا الجواب يعني يوم القيامة: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ وعلى هذا فيوم هنا ظرف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: يوم القيامة يوم هم على النار يفتنون، ومعنى: ﴿على النار يفتنون﴾ أي: يعرضون عليها فيحترقون بها، لأن الفتنة بمعنى الاحتراق، ولكنها عديت بعلى، لأنها ضمنت معنى العرض، أي: يعرضون على النار فيحترقون بها، هذا هو يوم الدين ﴿ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ ذوقوا هذه جملة مقول لقول محذوف، والتقدير: يقال لهم: ذوقوا فتنتكم، وهذا أمر إهانة وإذلال، أي ذوقوا احتراقكم في النار التي كنتم تنكرونها ﴿هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ لأنهم يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، فيستعجلون بالقيامة استبعاداً لها، كما قال الله تعالى: ﴿يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق﴾ فيقال لهؤلاء: ﴿ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ ويقال لهم: ﴿أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنماتجزون ما كنتم تعملون﴾ يفتنون على النار فيحترقون بها، ويقال: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ هذا توبيخ وإهانة وإذلال يكون به:

стр. 116

العذاب القلبي، فيجمع لهم بين العذاب البدني وبين العذاب القلبي، فتجده يكون في أشد ما يكون من الحسرة، يتحسرون يقولون: ﴿ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ ، ولما كان القرآن الكريم مثاني، تثنى فيه المعاني الشرعية والخبرية، إذا ذكر الشيء ذكر ضده، لما ذكر عذاب هؤلاء المكذبين الخراصين قال: ﴿إن المتقين في جنات وعيون﴾ المتقون هم الذين اتقوا الله، والتقوى ترد في القرآن الكريم على وجوه متعددة: بالوصف تارة، وبالفعل تارة، وبالأمر تارة، وتارة تكون مضافة إلى الله، وتارة تكون مضافة إلى العقوبة وغير ذلك، مما يدل على أن التقوى شأنها عظيم في الإسلام، وليست التقوى قولاً يقال باللسان، بل هي قول يتبعه فعل وتطبيق، فإن سألتم ما هي التقوى؟ قلنا: التقوى كلمتان: فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، علم وبرهان واحتساب وخوف، تفعل ما أمر الله به، لأنك تعلم أن الله أمر به، تفعل ما أمر الله به لأنك تحتسب ثوابه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، تترك ما نهى الله عنه؛ لأنك تعلم أن الله نهى عنه. تترك ما نهى الله عنه خوفاً من عقاب الله، لأنك موقن بالعذاب، هذه هي التقوى، يقول الله عن المتقين: ﴿في جنات وعيون﴾ أي: مستقرون في جنات وعيون، والجنات جمع جنة، ويمر في القرآن (جنة) مفرداً و (جنات) جمعاً، فهل هي جنات متعددة أو هي جنة واحدة؟ هي جنات متعددة، لكن ذكرت بلفظ المفرد من باب ذكر الجنس، وإلا فهي جنات، وفي آخر سورة الرحمن، ذكر الله أربع جنات،

стр. 117

قال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ ثم قال: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ وقال النبي ﷺ : «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» (١) إذن فالجنات متعددة وجمعت باعتبار أنواعها وأصنافها، وقد جاءت في القرآن مفردة، مثل قوله: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ . وجاءت أيضاً مجموعة فهي مفردة باعتبار الجنس، ومجموعة باعتبار النوع، و (عيون) : جمع عين، وهي الأنهار الجارية، وقد ذكر الله تعالى أنها أربعة أنواع: ﴿أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ ﴿ءاخذين مآ ءاتهم ربهم﴾ . قوله: ﴿ءاخذين﴾ : حال من الضمير المستتر بالخبر، أي: حال كونهم آخذين ما آتاهم ربهم، أي: ما أعطاهم من النعيم، وهذه الآية كالآية التي في سورة الطور ﴿فكهين بمآ ءاتهم ربهم﴾ ، ثم بيَّن السبب الذي وصلوا به إلى هذا، فقال: ﴿إنهم كانوا قبل ذلك محسنين﴾ يعني في الدنيا محسنين، أي: قائمين بطاعة الله على الوجه الذي يرضاه الله وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٢) هذا الإحسان في العبادة، أما الإحسان في معاملة الخلق، فإنَّ أجمع ما يقال فيه ما قاله النبي ﵊: «من أحب أن

стр. 118

يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (١) هذا هو الإحسان إلى الناس، أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، من حسن الخلق، وطلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى إلى غير ذلك مما هو معروف، فهؤلاء محسنون في عبادة الله، ومحسنون إلى عباد الله، ثم ذكر نوعاً من هذا الإحسان فقال: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾ . (ما) هنا قيل: إنها زائدة في اللفظ، لكنها زائدة في المعنى، وأن التقدير: كانوا قليلاً يهجعون، أي لا ينامون إلا قليلاً: وماذا يصنعون في هذه اليقظة؟ يصنعون ما ذكره الله تعالى في سورة المزمل: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك﴾ . فهم ليسوا يسهرون على اللهو واللغو، أو يستيقظون على مثله، ولكنهم يقل نومهم للتفرغ لطاعة الله : ﴿وبالأَسحار هم يستغفرون﴾ . الأسحار: جمع سحر، وهو آخر الليل، ﴿هم يستغفرون﴾ ، يعني يسألون الله المغفرة، وهذا من حسن عملهم وعدم إعجابهم بأنفسهم، وكونهم يشعرون بأنهم وإن اجتهدوا فهم مقصرون، فيستغفرون الله بعد فعل الطاعة جبراً لما حصل فيها من خلل، ويشرع في نهاية العبادات أن يستغفر الإنسان ربه مما قد يكون فيها من خلل، فبعد الصلاة يستغفر الإنسان ربه ثلاثاً، وبعد الحج قال الله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ فهم يسألون المغفرة بعد تهجدهم وقيامهم

стр. 119

وسهرهم في طاعة الله، خوفاً من أن يكون هناك تقصير، وهذا مما يدل على معرفتهم بأنفسهم، وأنهم يرون أنفسهم مقصرين، خلافاً لما يفعله بعض الناس الآن إذا تعبد لله تعالى بأدنى عبادة شمخ بنفسه وأدل على الله تعالى بها، وظن أنه من عباد الله الصالحين، صحيح أن الإنسان ينبغي أن يرجو ربه إذا أنعم الله عليه بطاعة أن يقبلها، لكن كونه يرى أنه قد أتم كل شيء. فهذا يخشى أن يحبط عمله وهو لا يشعر. ﴿وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم﴾ في أموالهم كلها سواء الأموال الزكوية، أو غير الزكوية فيها حق للسائل والمحروم، إذا أتاهم سائل أعطوه، وإذا رأوا محروماً أي ممنوعاً من الرزق، وهو الفقير أعطوه، فمالهم قد أعدوه لما يرضي الله من السائلين والمحرومين وغير ذلك من الإنفاق المشروع، فهم يقومون بطاعة الله تهجد في الليل واستغفار وبذل للمال، لكن من غير إسراف ولا مخيلة. ﴿وفي الأَرض ءايات للموقنين﴾ لم يبين الله هذه الآيات بل جاءت منكرة، ليشمل كل آية في الأرض، سواء كانت الآيات فيما يحدث فيها من الحوادث، أو كانت في نفس طبيعة الأرض وتركيب الأرض، فإن فيها آيات عظيمة من حيث التركيب، كما قال الله : ﴿وفي الأَرض قطع متجاورت﴾ فتجد الحجر الواحد يشتمل على عدة معادن وهو حجر واحد، وترى أحياناً في ﴿الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألونها وغرابيب سود﴾ وتجد فيها الأرض اللينة الرخوة، والأرض الصلبة إلى غير ذلك مما يعرفه علماء الجيولوجيا من الآيات العظيمة، وفيها آيات من جهة

стр. 120

الحوادث التي تحدث فيها من الزلازل والبراكين وغيرها، وفيها آيات أيضاً من جهة طبيعة الجو من حر وبرد، ورياح عاصفة، ورياح باردة، ورياح دافئة، وغير ذلك مما إذا تأمله الإنسان عرف به قدرة الله من جهة، وعرف حكمته ورحمته أيضاً من جهة أخرى، لأن آيات الله يتبصر بها الإنسان من حيث القدرة والعظمة، ومن حيث الحكمة والرحمة، لأن كل شيء تجده مناسباً لمكانه وزمانه، وكل شيء تجده من آثار رحمة الله ﵎ فكلمة (آيات) نكرة عامة لكل ما يحدث في الأرض من آيات، ولكل ما فيها من طبيعتها وتركيبها وغير ذلك ﴿ءايات للموقنين﴾ أي لمن أيقن بوجود الله وعظمته وجلاله، أما من شك - والعياذ بالله - فإنه لن ينتفع بهذه الآيات، بل قد تكون هذه الآيات ضرراً عليه، فإن الآيات الكونية، أو الشرعية قد تكون خيراً للإنسان، وقد تكون شرًّا، قال الله ﵎: ﴿وإذا مآ أنزلت سورة﴾ يعني من القرآن ﴿فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ كذلك الآيات الكونية من الناس من ينتفع بها ويستدل بها على ما فيها من آيات الله ومن الناس من يكون بالعكس يؤدي ما يجده في الآيات إلى الإلحاد - والعياذ بالله - ولهذا قال: ﴿وفي الأَرض ءايات للموقنين﴾ يعني لا لكل إنسان بل للموقن، أما الشاك والمتردد والكافر فإنه لن ينتفع بهذه الآيات، ﴿وفي أنفسكم﴾ . أيضاً في

стр. 121

أنفسكم آيات ﴿أفلا تبصرون﴾ وآيات هنا محذوفة، ولهذا نقول في الإعراب: في أنفسكم، جار ومجرور، خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: وفي أنفسكم آيات. والحكمة - والله أعلم - ونحن في علمنا القاصر نظن أن الله حذف هذه الآيات لأنها أمس بالإنسان من الأرض وأدخل بالإنسان من الأرض، لأنها هي في نفسه، في أنفسكم آيات: ليس في تركيب الجسم فحسب، وليس فيما أودعه الله تعالى من القوة فحسب، بل حتى في تقلبات الأحوال، فالإنسان تجده يتقلب من سرور إلى حزن، ومن غم إلى فرح، تقلبات عجيبة عظيمة، حتى إن الإنسان في لحظة يجد نفسه متغيراً، وأحياناً يجد نفسه متغيراً بدون سبب، يكون منشرح الصدر واسع البال مسروراً، وإذا به يغتم بدون سبب، وأحياناً بالعكس، هذا بالنسبة للأحوال النفسية، كذلك أيضاً بالنسبة للأحوال الإيمانية، وهي أعظم وأخطر، تجد الإنسان في بعض الأحيان يكون عنده من اليقين ما كأنه يشاهد أمور الغيب مشاهدة حسية، كأنما يرى كل ما أخبر به الله من علوم الغيب، وفي بعض الأحيان يقل هذا اليقين، لأسباب قد تكون معلومة، وقد تكون غير معلومة، لكن من الأسباب المعلومة قلة الطاعة، فإن قلة الطاعة من أسباب ضعف اليقين، فإذا قلت طاعة الإنسان ضعف يقينه، قال الله تعالى: ﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم﴾ ومنها: اللهو، والغفلة، ولهذا قال الصحابة ﵃ لرسول الله ﵊ إنا إذا كنا عندك وذكرت الجنة والنار فكأنما نراها رأي العين، فإذا ذهبنا إلى أهلنا

стр. 122

عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا (١) . وهكذا الإنسان كلما لهى قل يقينه وقل إيمانه، ومن ثم نهى الشرع عن اللعب واللهو الباطل، الذي يزداد به الإنسان بعداً من الله وبعداً عن طاعة الله وعن التفكير في آيات الله. أيضاً في النفس آيات في نفوس الناس: فمن الناس من تجده هيناً ليناً طليق الوجه مسروراً، كل من رآه سر بوجهه، وكل من جلس إليه زال عنه الغم والهم، ومن الناس من هو بالعكس قطوب، عبوس، بمجرد ما تراه لو كنت مسروراً لأتاك الحزن والسوء، فهذا أيضاً من آيات النفس وهي كثيرة جداً، ومن أراد المزيد من هذا والاطلاع على قدرة الله تعالى فيما في أنفسنا من الآيات فعليه بمطالعة كلام ابن القيم ﵀ في كتاب (مفتاح دار السعادة) يجد العجب العجاب، وكذلك أيضاً كتابه الصغير وهو كبير في المعنى وهو (التبيان في أقسام القرآن) . ذكر من ذلك العجب العجاب ﴿أفلا تبصرون﴾ ، الاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار، كأنما يقول الله أبصروا في أنفسكم تبصَّروا وتأملوا وتفكروا، فإذا لم تعرفوا هذه الآيات فأنتم لا تبصرون، فيكون الاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار ألا نتبصر، وهي دعوة من الله لعباده أن يتبصروا في الآيات، فإذا لم تتبصر في الآيات فاعلم أنك محروم، قال الله تعالى: ﴿وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ . إذن إذا لم تنتفع بالآيات

стр. 123

فاعلم أنك محروم، وأن إيمانك ناقص ﴿وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ . فعليك يا أخي أن تتفكر في آيات الله الكونية، وما في هذا الكون العظيم من آيات الله الدالة على عظمته وسلطانه ورحمته وحكمته، وكذلك في آيات الله الشرعية، ومن فتح الله عليه في الآيات الشرعية ينتفع بها أكثر مما ينتفع بالآيات الكونية، إذا تأمل ما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات، والأفعال والأحكام، ازداد إيماناً بالله وعرف بذلك الحكمة والرحمة، وإذا تأمل فيما أخبر الله به عن اليوم الآخر، وما يكون فيه من ثواب وعقاب، وجزاء وحساب ازداد إيماناً بالله، وكلما تأمل الإنسان في آيات الله الشرعية ازداد إيماناً، فبعض الناس الموفقين يكون ازدياد إيمانه بالآيات الشرعية أكثر من ازدياد إيمانه بالآيات الكونية، أما الإنسان الذي يفتح الله عليه في هذا وهذا فيا حبذا. ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ ذهب كثير من العلماء أن المراد بالرزق هنا المطر، لأن الله تعالى قال: ﴿هو الذي يريكم ءاياته وينزل لكم من السماء رزقاً وما يتذكر إلا من ينيب﴾ . وسمي المطر رزقاً؛ لأنه سبب للرزق، فإذا أنزل الله المطر أخرجت الأرض الماء والمرعى، متاعاً لنا ولأنعامنا، وهذا رزق، كم من ناس يكون رزقهم على ما ينزل من المطر من الزروع والحشيش والمياه وغيرها، بل إن الله تعالى قال: ﴿أفرءيتم الماء الذي تشربون أءنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ هل أحد يستطيع أن ينزل من المزن ماءً؟ لا يمكن، وهل أحد يستطيع أن

стр. 124

يخلق في المزن ماءً؟ لا يمكن، وإنما الله هو الذي يتولى ذلك، هذا هو مادة الرزق، لولا الماء لهلكت، وتأمل قوله تعالى: ﴿أءنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون﴾ . لم يقل: لو نشاء لم ننزله، مع أنه لو شاء لم ينزله، لكن قال: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجاً﴾ يعني لو نشاء أنزلناه لكن جعلناه أجاجاً مالحاً، لا يمكن أن يشرب، وحسرة الإنسان على ماء بين يديه ولكن لا يستطيعه ولا يستسيغه أشد من حسرته على ماء مفقود، لأن ماءً موجوداً لا تنتفع به ولا تستطيع شربه أشد حسرة من ماء مفقود، ولهذا ذكرنا الله هذه الحال، أرأيتك الآن لو أن هذا المطر العذب الزلال اللذيذ صار أجاجاً مالحاً، ماذا تكون الحال؟ تكون صعبة جداً، ولهذا قال: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون﴾ . ﴿وفي السماء رزقكم﴾ إذن الرزق هو المطر كما في الآية الكريمة ﴿وينزل لكم من السماء رزقاً﴾ ويمكن أن نقول: إن الرزق الذي في السماء أعم من ذلك، فقد يقال: إن في السماء رزقاً من المطر، وما كتبه الله لنا في اللوح المحفوظ من المصالح والمنافع الجسدية من أموال وبنين وغير ذلك، فيكون هذا القول أشمل وأعم، واعلم أنه ينبغي أن يراعي المستدل بالقرآن والسنة قاعدة مفيدة، وهي إذا فسرنا النص القرآني أو النبوي بمعنى أخص وفسرناه بمعنى أعم، فنأخذ بالأعم، لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، إلا إذا دل دليل على أنه خاص، فهذا يتبع فيه الدليل، لكن عندما لا يدل الدليل، فخذ بالأعم، لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، فهنا إذا قلنا: المراد بالرزق ما هو أعم من

стр. 125

المطر، فالجواب صحيح، فيدخل فيه المطر وغيره، وقوله: ﴿وما توعدون﴾ يعني وفيه الذي توعدون، والذي نوعد الجنة، فالجنة في السماء وليست في الأرض، ولهذا قال الله تعالى في قصة آدم: ﴿قلنا اهبطوا منها﴾ . والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل، فالجنة في السماء، وقد أخبر النبي ﷺ أن الجنة درجات، وأن أعلاها الفردوس، وأنه أعلاها وأوسطها أيضاً، وهو إشارة إلى أن الجنات مثل القبة أعلاها هو وسطها، قال: «منه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» (١) إذن هي أعلى شيء، - نسأل الله أن يجعلنا من ساكنيها إنه على كل شيء قدير -، فالذي نوعد هو الجنة، فالرزق في السماء، والجنة التي نوعدها في الآخرة في السماء، إذا نحن أهل الأرض محتاجون إلى السماء في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ففي السماء رزقنا في الدنيا، وفيها ما نوعد في الآخرة وهو الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. ﴿فورب السماء والأَرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون﴾ الفاء عاطفة، والواو للقسم، ورب السماء والأرض هو الله أقسم بنفسه ﵎ بمقتضى ربوبيته للسماء والأرض، أن ما يوعدون حق؛ لأنه قال: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ ﴿فورب السماء والأَرض﴾ أي: ما توعدون. ويحتمل أن يكون الضمير عائداً للقرآن، ويحتمل أيضاً أنه عائد إلى النبي ﷺ ، والمعاني الثلاثة كلها متلازمة، وقوله: ﴿إنه لحق﴾ أي: ثابت، لأن الحق والباطل

стр. 126

متقابلان، فالباطل هوالزائل الضائع سداً، والحق هو الثابت الذي فيه الفائدة، وفيه الخير والصلاح، وقوله: ﴿مثل مآ أنكم تنطقون﴾ يعني كما أن الإنسان يتيقن نطقه، فإن هذا القرآن حق، ومعلوم أن كل واحد منا لا ينكر نطقه، وإذا نطق تيقن أنه نطق، إذن هذا القرآن كلام الله حق مثلما أن نطقنا حق. ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ الخطاب ليس للنبي ﷺ فحسب، بل له، ولكل من يتأتى خطابه ويصح توجيه الخطاب إليه، كأنه قال: هل أتاك أيها المخاطب ﴿حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ والاستفهام هنا للتشويق، كأنه يشوقك إلى أن تسمع هذا الحديث، ونظيره في التشويق قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ . ليس المراد بهذا الاستفهام أنه يستفهم، لكنه أراد أن يشوق المخاطبين إلى ذلك، ويكون الاستفهام للتهديد والإنذار والتخويف في مثل قوله تعالى: ﴿هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة﴾ فإذا قال قائل: أي شيء يدلنا على أن الاستفهام للتشويق، أو للتهديد، أو للاستخبار أو ما أشبه ذلك؟ نقول: الذي يدلنا على هذا السياق وقرائن الأحوال، والعاقل يفهم هذا وهذا، ﴿هل أتاك حديث﴾ أي: خبر ﴿ضيف إبراهيم﴾ ، ضيف هنا مفرد، لكنه يستوي فيه الجماعة والواحد، وهم جماعة ملائكة كرام عليهم الصلاة والسلام، ﴿ضيف إبراهيم﴾ يعني الذين نزلوا ضيوفاً عنده، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة

стр. 127

والسلام، وهو أبو العرب، وأبو بني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل﴾ . وهو الذي أمرنا الله تعالى أن نتبع ملته، قال الله تعالى: ﴿ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ . ولهذا ادعت اليهود أن إبراهيم يهودي، والنصارى ادعوا أنه نصراني، ولكن الله تعالى كذبهم في ذلك، فقال: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين﴾ . يقول الله : ﴿إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً﴾ يحتمل أن ﴿إذ دخلوا﴾ متعلق بقوله (المكرمين) يعني الذين أكرمهم حين دخولهم عليه، ويحتمل أنها مفعول لفعل محذوف، والتقدير: اذكر إذ دخلوا على إبراهيم ﴿فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون﴾ (قالوا سلاماً) ، أي: نسلم سلاماً، وعليه فسلاماً مصدر عامله محذوف، والتقدير: نسلم، ﴿قال سلام﴾ مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: عليكم سلام، وعلى هذا فيكون التسليم هنا ابتداؤه بالجملة الفعلية، وجوابه بالجملة الاسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، ولهذا قال العلماء ﵏: إن رد إبراهيم ﵊ أكمل من تسليم الملائكة، لأن تسليم الملائكة جاء بالصيغة الفعلية، ورد إبراهيم جاء بالصيغة الاسمية، ﴿قوم منكرون﴾ ، قوم خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أنتم قوم، وإنما قال إنهم قوم؛ لأنهم بصورة البشر، وقوله: ﴿منكرون﴾ أي: غير معروفين، كما قال تعالى: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفةً﴾ . في هذه الآية شاهد لحذف المبتدأ، وحذف الخبر، والشاهد

стр. 128

لحذف الخبر (سلام) ، لأن التقدير: عليكم سلام. والشاهد لحذف المبتدأ (قوم) ، لأن التقدير: أنتم قوم. ﴿فراغ إلى أهله﴾ راغ: انسل بخفية وسرعة، وذلك من حسن ضيافته. لم يقل: انتظروا آتي لكم بالطعام. ولم يقم متباطئاً كأنما يدفع دفعاً، وإنما قام بسرعة منسلاً، لئلا يقوموا إذا رأوه ذهب إلى أهله، فكأنه أخفى الأمر عنهم ﴿أهله﴾ يعني أهل بيته ﴿فجاء بعجل سمين﴾ وفي آية أخرى: ﴿بعجل حنيذ﴾ أي مشوي، واللحم إذا شوي يكون أطعم وألذ، لأن طعمه يبقى فيه لا يمتزج بالماء، بخلاف ما إذا طبخ يمتزج بعضه بالماء، فتقل لذته، لكن إذا كان مشوياً صار أطيب وأحسن، ﴿فجاء بعجل سمين﴾ يعني أنه ﵊ لا يتخير للضيوف البهائم العجفاء الهزيلة، وإنما يتخير لهم البهائم السمينة، لأنها ألذ وأطيب وأنفع، واختيار العجل إما أن يكون من عادته ﵊ أن يكرم الناس بهذا، أو أنه يكرم الضيوف بحسب ما تقتضيه الحال، فإذا كانوا كثيرين أتى بالعجل، وإذا كانوا أقل أتى بالغنم، وما أشبه ذلك حسب عادة الكرماء ﴿فقربه إليهم قال ألا تأكلون﴾ أي لم يجعله بعيداً، ويقول: قوموا إلى طعامكم، بل خدمهم حتى جعله بين أيديهم، وقربه إليهم قال: ﴿ألا تأكلون﴾ ولم يقل: كلوا. إنما عرضه عليهم عرضاً، لأن هذا أبلغ في الإكرام، والعرض أخف وألطف من الأمر، إذ إنه لو قال: كلوا. كان يحتمل أنه أراد أن يستعلي عليهم ويوجه الأمر إليهم، لكن قال: ألا تأكلون؟ والفرق بين العبارتين في الرق، فقوله: ﴿ألا تأكلون﴾ أرق

стр. 129

وأرفق. مسألة: هل نقول: إن السنة والأفضل أن الإنسان إذا دعا ضيوفاً، أو أتاه ضيوف أن يقرب إليهم الطعام في مجلس الجلوس أو نقول: هذا يختلف باختلاف الأحوال؟ الثاني هو الأظهر، لأن عموم قول الرسول ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه» (١) يدل على أنك تكرمهم بما جرت العادة بإكرامهم به، وعندنا الآن إذا دعوت أصحابك وأصدقاءك وهم قلة فلا يعدون تقديم الطعام في مكان جلوسهم إهانة، لأنهم إخوانكم وأصدقاؤكم، لكن لو نزل بك ضيف أو دعوت ضيفاً ليس بينك وبينه صلة تامة فإنه في عرف الناس الآن ليس من إكرامه أن تقدم الطعام في محل الجلوس، اللهم إلا لضرورة، إذا لم يكن عندك مكان، والآن الإكرام أن تجعل الطعام في مكانه، ثم إذا أراد أن يأكلوا يقول: تفضلوا، ألا تتفضلوا، أو ما أشبه ذلك من الكلمات المتداولة، فالمهم أن قوله ﵎ عن إبراهيم: ﴿فقربه إليهم قال ألا تأكلون﴾ ينبغي أن يجعل هذا حسب عادة الناس، إذا كان من الإكرام أن تأتي بالطعام إلى محل جلوسهم فأت به، وإذا كان من الإكرام أن تجعله في محل آخر فافعل، دليل ذلك قوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» . ﴿فأوجس منهم خيفةً﴾ أي: أحس بنفسه بخيفة منهم، وسبب تلك الخيفة أنه ﵊ لما قدَّم إليهم الطعام لم

стр. 130

يأكلوا منه ﴿فأوجس منهم خيفةً﴾ لأن العادة أن الضيف يأكل مما قدم له المضيف، لكن هؤلاء الملائكة، لم يأكلوا؛ لأن الملائكة صمد أي ليس لهم أجواف، كما جاء ذلك مأثوراً عن السلف، ولهذا لا يحتاجون إلى أكل ولا إلى شرب، فأوجس منهم خيفة ﴿قالوا لا تخف﴾ طمأنوه، قالوا: لا تخف لما رأوا على وجهه من علامة الإنكار والخوف، وكل إنسان يعرف حال قلب المرء المواجه له، هل هو في سرور؟ هل هو في انشراح؟ هل هو خائف؟ هل هو مطمئن؟ لأن هذا أمر معلوم بالفطرة، ولا يحتاج إلى كبير فراسة ﴿وبشروه بغلم عليم﴾ البشارة هي الإخبار بما يسر، أي أخبروه بما يسره وهو الغلام العليم، وكان إبراهيم ﵊ قد بلغ من الكبر عتيًّا قبل أن يولد له، فبشروه بهذا الغلام، وبشروه بأنه عليم أي سيكون عالماً؛ لأن الله تعالى جعله من الأنبياء، والأنبياء هم أعلم الخلق بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، وهذا الغلام العليم غير الغلام الحليم، لأن في القرآن أن إبراهيم بُشر بغلام عليم في آيتين من كتاب الله، وبشر بغلام حليم في آية واحدة، وهما غلامان، أما الغلام الحليم فإنه إسماعيل أبو العرب، وأما الغلام العليم فإنه إسحاق أبو بني إسرائيل، ولذلك تجد قصتهما مختلفة، ولقد أبعد عن الصواب، من قال: إن الغلام الحليم هو الغلام العليم، بل ونص صريح في سورة الصافات أنهما غلامان مختلفان، فإن الله تعالى لما ذكر قصة الذبيح في سورة الصافات قال بعدها: ﴿وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين﴾ فكيف يبشر بمن أمر بذبحه، وكان عنده وبلغ معه

стр. 131

السعي، كل هذا مما يدل على أن الغلام الحليم غير الغلام العليم، بشروه بغلام عليم، وهذه بشارة بثلاثة أشياء: أولاً بأنه سيأتيه مولود يصل إلى أن يكون غلاماً، ثانياً: أن هذا المولود ذكر لا أنثى لقوله (غلام) ، ثالثاً: أنه عليم أي ذو علم، وكل هذه البشارات عظيمة، كل واحدة تكفي أن تكون بشارة ﴿فأقبلت امرأته في صرة﴾ امرأته هذه: سارة أم إسحاق، أقبلت لما سمعت البشرى ﴿في صرة﴾ في صيحة سرور، لأنها جاءتها هذه البشرى بعد أن تقدمت بها السن، تصيح وكأنها والله أعلم تقول: غلام غلام، ﴿فصكت وجهها﴾ أي ضربته بيدها كالمتعجبة، كما يصنع الناس إلى اليوم إذا أتاهم خبر نادى: الله أكبر. وضرب على وجهه ﴿وقالت عجوز عقيم﴾ عجوز خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أنا عجوز عقيم، فكأنها تعجبت أن تحصل لها البشرى بهذا الغلام العليم، بعد أن تقدمت بها السن وعقمت من الولد، ولكنهم بينوا لها السبب الوحيد الذي به وجد هذا الولد، فقالوا: ﴿كذلك قال ربك﴾ أي مثلما قلنا وبشرنا به، قال الله وانظر إلى قوله: ﴿قال ربك﴾ حيث أضاف الربوبية هنا إلى هذه المرأة العجوز العقيم الكبيرة، إشارة إلى أن هذا من عناية الله بها، لأن إضافة الربوبية إلى الشخص المعين تكون ربوبية خاصة، والربوبية العامة لكل أحد، والله رب كل شيء، والخاصة ليست لأحد إلا لمن كان خاصًّا بالله، قال الله : ﴿قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾ الربوبية العامة ﴿برب العالمين﴾ ، والربوبية الخاصة ﴿رب موسى وهارون﴾ ، هنا قالوا لها: ﴿قال

стр. 132

ربك﴾ من باب الربوبية الخاصة التي تقتضي عناية خاصة ﴿قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم﴾ إن شئت فقل: (الحكيم) خبر إن و (هو) ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وإن شئت فقل: (هو) مبتدأ و (الحكيم) خبر هو، والجملة خبر إن، وهنا قدَّم الحكيم على العليم؛ لأن المقام يقتضي هنا تقديم الحكمة على العلم، والحكمة هنا في شيئين: أولاً: تأخير الولادة بالنسبة لهذه المرأة، إن الله لم يؤخر ولادتها إلى أن تبلغ العجز إلا لحكمة، ثانياً: كونها ولدت بعد أن أيست واعتقدت أنها عقيم، فهاهنا حكمتان: حكمة سابقة، وحكمة لاحقة، ومن ثم قدَّم اسم الحكيم على اسم العليم، والقرآن إذا جمع الله فيه بين هذين الاسمين الكريمين: العليم والحكيم يقدم غالباً العليم، لكن هنا قدَّم الحكيم؛ لأن المقام يقتضي ذلك ﴿إنه هو الحكيم العليم﴾ وأكثر الناس يظنون أن معنى (الحكيم) أنه المتصف بالحكمة، والحكمة هي وضع الشيء في مواضعه، ولكن الواقع أن الحكيم له معنيان: حكيم من الحكمة، وحكيم من الحكم، فالله حكيم من الحكمة، لأن الله تعالى هو الحكم بين العباد، والحاكم في العباد هو حاكم فيهم، وهو الحكم بينهم، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم ﴿ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ . ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ . وهذا استفهام للتقرير، يعني أن الله تعالى أحكم الحاكمين، وكلاهما في محله المناسب، ففي سورة المائدة ذكر الله ﴿ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ . ﴿الظالمون﴾ . ﴿الفاسقون﴾ ،

стр. 133

وتتابعت الآيات حتى قال: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ . فكأن المقام مقام مفاضلة بين الأحكام فبين أن حكم الله أحسن الأحكام، لكن في سورة التين المقام مقام سلطة وقوة، والله أحكم الحاكمين يعني أن حكمه نافذ وسلطته تامة، ولا أحد يعارض حكمه أبداً مهما قويت شوكته، وانظر إلى قول الله تعالى عن عاد ﴿من أشد منا قوةً﴾ . يعني لا أحد أشد منا قوة، فقال الله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم﴾ . وعذبهم بألطف الأشياء عذبهم بالريح، الهواء اللطيف الذي لا تحس بملمسه، وإن كان قوياً بأن يدفع كل شيء، وهو أقوى من الماء كما هو معروف، وهذا الهواء اللطيف أهلك به هؤلاء القوم الذين يقولون: من أشد منا قوة، أهلكهم به، فالحاصل أن الله أحكم الحاكمين حكمه نافذ صادر عن قوة وسلطان، ثم إن أحكم الحاكمين تضمن أيضاً حسن الحكم، فصار حكم الله يتضمن أنه الحاكم في العباد، وأنه الحاكم بين العباد، وأن حكمه أحسن الأحكام، وأنه تعالى أحكم الحاكمين، والحكمة البالغة لله ولا شيء من الأفعال القائمة بالوجود أحكم من حكمة الله، وإذا آمنت بهذا أيها المؤمن سهل عليك أمور كثيرة تشكل على كثير من الناس، منها بعض الأحكام الشرعية لا يدرك الناس، أو أكثرهم، أو بعضهم حكمتها، فهل نقول: إذا لم يدرك الحكمة إنه لا حكمة لها، أو نقول: إن لها حكمة، لكن عقولنا قاصرة، نقول: لها حكمة ولكن عقولنا قاصرة، وإذا آمنا هذا الإيمان اطمأننا إلى كثير من الأمور الشرعية التي تخفى علينا حكمتها، فنحن لا ندرك

стр. 134

الحكمة في كون الصلوات الخمس خمساً، أو أنها سبع عشرة ركعة، وأشياء كثيرة من الأمور الشرعية لا يدرك الإنسان حكمتها، لكن إذا آمنت أن الله حكيم آمنت بأنه لابد لهذا الشيء من حكمة تقتضيه، كذلك في الأمور القدرية قد يرسل الله عذاباً يشمل الصالح والطالح، وقد يرسل الله عذاباً على قوم لا تتوقع أن يصيبهم العذاب، فهل تقول: ما الحكمة؟ أو تقول: إن الله لابد أن يكون تقديره لهذا عن حكمة؟ ولذلك أقول: إن الواجب علينا فيما أمر الله به من الشرائع، وفيما قضاه من الأقدار أن نستسلم غاية التسليم، وأن لا نعترض قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ . أقسم الله أنه لا يمكن لأحد أن يؤمن إلا بهذه الشروط الثلاثة، هي: أن يحكموك فيما شجر بينهم، والثاني: ألا يجدوا في أنفسهم حرجاً، يعني لا تضيق صدورهم بحكم الله، الثالث: أن يسلموا تسليماً، وأكد هذا المصدر تسليماً يعني تسليماً تامًّا، فلا يتهاون الإنسان ويتباطأ في تنفيذ حكم الله، فإذا وجدت من نفسك عيباً يتعلق بهذه الأمور الثلاثة فصحح إيمانك، فإذا رأيت أنك تود أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله فصحح الإيمان، وإذا رأيت من قبلك أنك لا تريد إلا حكم الله ورسوله لكن يضيق صدرك بحكم الله ورسوله تحدث نفسك أنك لا يمكن تتحاكم إلى غير الله ورسوله لكن يضيق صدرك فأنت ناقص الإيمان، وإذا كنت لا يضيق صدرك ولا تريد التحاكم لغير الله ورسوله وأنت

стр. 135

منشرح الصدر لحكم الله ورسوله، لكن تتباطأ وتتهاون فأنت ناقص الإيمان، اقرأ قول الله تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ . لما لم يؤمنوا به أول مرة ولم يقبلوه من أول مرة صارت - والعياذ بالله - قلوبهم متقلبة، وتركهم الله في طغيانهم يعمهون، ولهذا يجب عليك أيها المؤمن أن تبادر بانقياد تام لحكم الله تعالى القدري. وأتكلم على آداب السلام، حيث إن الملائكة قالوا: (سلاماً) ، فقال إبراهيم: (سلام) ، ذكرنا فيما سبق أن رد إبراهيم ﵊ أحسن من ابتداء الملائكة؛ لأن رد إبراهيم ﵇ جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار، بخلاف سلام الملائكة ﵈، واعلم أن رد التحية واجب، لقول الله ﵎: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ﴾ . فقال: ﴿إذا حييتم﴾ ولم يذكر من يحيينا، فيشمل أي إنسان يحيينا، فإننا نحيه ونرد عليه أحسن من تحيته، أو مثلها كما قال: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ﴾ . فبدأ بالأحسن، لأنه هو الأفضل، أو ردوها، أي: ردوا مثلها، ويشمل هذا ما إذا سلم علينا أحد من اليهود، أو النصارى، أو البوذيين، أو غيرهم، فنرد عليهم، لكننا لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام، لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك (١) ، ثم إن السلام

стр. 136

المشروع هو: السلام عليكم، وأما أهلاً وسهلاً، ومرحباً، وكيف حالك وما أشبهها، فهذا ليس بمشروع، المشروع أن تبدأ أولاً بالسلام، ولهذا في حديث المعراج حين كان النبي ﷺ يمر بالأنبياء فيسلم عليهم، قال: فرد ﵇، وقال: مرحباً بالنبي الصالح (١) ، فابدأ أولاً بقولك السلام عليكم، والجواب يكون مثل ذلك أو أحسن، يكون: عليكم السلام، أو وعليكم السلام، أو عليكم السلام ورحمة الله، أو عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كل هذا من المشروع، ونرى كثيراً من الناس إذا سُلِّم عليه يقول: أهلاً وسهلاً، أو يقول: مرحباً بأبي فلان، وهذا لا يجزىء، فلو قال: أهلاً وسهلاً، مدى الدهر فإنه لا يجزىء؛ لأن الله يقول: ﴿فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ﴾ ، ومعلوم أن الذي يقول: السلام عليك، يدعو لك بالسلام من كل نقص ومن كل آفة، ومن كل مرض في القلب والبدن، ولا يكفي أن تقول مرحباً وأهلاً، بل لابد أن تقول: عليك السلام، أو وعليكم السلام، وإن زدت ورحمة الله وبركاته كان أحسن. ثانياً: من السنة أن يسلم الصغير على الكبير؛ لأن حق الكبير على الصغير أعظم من حق الصغير على الكبير، فيبدأ الصغير بالسلام على الكبير، ولكن إذا قدر أن الصغير لم يسلم فهل يدع الكبير السلام، لأن الحق له، أو يسلم لئلا تفوت السنة؟

стр. 137

والجواب: يسلم لئلا تفوت السنة، فكون الإنسان يقول: أنا صاحب الحق، لماذا لم يسلم عليَّ، هذا خطأ، صحيح أنك صاحب الحق وأن المشروع أن يسلم هو عليك، لكن إذا لم يفعل فسلم أنت. ثالثاً: يسلم الماشي على القاعد (١) ، ولو كان القاعد أصغر، فإذا مر شخص بإنسان قاعد فليسلم عليه، ولو كان أصغر منه سنًّا، أو قدراً، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يسلم على الصبيان إذا مر بهم (٢) ، وفي ذلك فوائد عظيمة منها: التواضع، أن الإنسان يضع نفسه إذا سلم على من هو دونه، ومنها الرحمة؛ لأن سلامك على الصغار نوع من الرحمة، وقد أخبر النبي ﵊ أن الراحمين يرحمهم الله (٣) ، ومنها تعويد هؤلاء الصبيان على السلام، يعني أن الصبي يعرف شعار المسلمين أن يسلم بعضهم على بعض، فيأخذ من هذا أدباً وخلقاً ينتفع به في شبابه وبعد هرمه. رابعاً: يسلم القليل على الكثير كالصغير مع الكبير، فإذا تقابل جماعة خمسة وستة فيسلم الخمسة على الستة، لأن الستة فيهم زيادة، فهذه الزيادة لها حق الزائد، فيسلم القليل على

стр. 138

الكثير، وإذا لم يفعلوا فليسلم الكثير على القليل، لئلا تفوت السنة بينهم. خامساً: يسلم الراكب على الماشي، فإذا تقابل رجلان أحدهما يمشي، والثاني راكب في سيارته أو على بعيره فيسلم الراكب على الماشي، لأن الراكب له علو فيسلم على الماشي، لأن السنة جاءت بهذا (١) ، كذلك الصاعد على النازل، فلو أن اثنين التقيا في درجة سلم فإن الصاعد هو الذي يسلم على النازل، وإذا لم تأت السنة ممن عليه أن يبدأ بها فليبدأ بها الثاني، قال النبي ﷺ : «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٢) قال: خيرهما، فدل ذلك على أن من بدأ غيره بالسلام فهو خير، وهو كذلك لأنك إذا سلمت حصلت عشر حسنات، ثم إذا رد صاحبك حصل عشر حسنات، والسبب الذي جعله يحصل عشر حسنات هو البادي، لولا أنه سلم ما رد، فتكون أنت متسبباً لهذا الذي عمل عملاً صالحاً فلك أجره، ولهذا قال العلماء: ابتداء السلام سنة، ورده واجب، ثم أوردوا على هذا إشكالاً فقالوا: ابتداء السلام أفضل من رده، فكيف تكون السنة أفضل من الواجب؟ والقاعدة الشرعية أن الواجب أفضل، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرَّب إليَّ بشيء أحبّ إليَّ مما افترضت

стр. 139

عليه» (١) أجابوا عن ذلك قالوا هذا الإشكال جوابه: أن هذا الواجب كان مبنيًّا على السنة، فصارت السنة التي بني عليها الواجب، لمن أتى بها ثواب أجره الخاص وثواب أجر الراد. سادساً: ينبغي أن يكون بصوت مسموع، فبعض الناس يلاقيك ويسلم لكن تشك: هل سلم أو لا؟ لأنه لم يرفع صوته، وهذا غلط، ارفع الصوت على وجه يدل على أنك فرح بهذا الأخ الذي قابلك أو الذي سلمت عليه لا بصوت مزعج ولا بخافت لا يسمع، وعلى العكس من ذلك، بعض الناس يسلم بصوت مزعج، والدين وسط بين الغالي والجافي، فنقول: سلم سلاماً مسموعاً يسمعه أخوك ويكون بأدب واحترام. سابعاً: من آداب السلام أيضاً: أن يكون المسلم منبسط الوجه منشرح الصدر، فإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق (٢) ، فإن طلاقة الوجه وانشراح الصدر والابتسامة في وجه أخيك لا شك أنها من الأمور المطلوبة لما فيها من إدخال السرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك من الأمور المستحبة التي تُؤجر عليها، لقول النبي ﷺ : «كل معروف صدقة» (٣) . ثامناً: رد السلام المحمول إن كان الحامل له شخصاً وقال: فلان يسلم عليك. فقل: عليك وعليه السلام، وإن شئت فقل: ﵇، أي على الذي حمله، أما إذا كان محمولاً بكتابة

стр. 140

يعني إنسان كتب لك كتاباً، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإن كنت تريد أن تجيبه بكتاب فرد عليه بجوابك، مثلاً: كتب إليك إنسان كتاباً وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تكتب إليه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قرأت كتابك وفهمت ما فيه، والجواب كذا وكذا، وأكثر الناس الآن لا يهتمون بهذا، تجده يكتب الجواب ويقول في ابتدائه: السلام عليكم ورحمة الله. هذا طيب، لكن الذي سلم عليك يريد جواباً فقل: جواب - يعني -: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وصلني كتابك أو قرأت كتابك، وفهمت ما فيه، وهذا الجواب، وتجيبه بما سألك، وإذا كان لا يحتاج إلى جواب مثل أن يكون الشخص كتب إليك كتاباً يخبرك بخبر لا يحتاج إلى جواب، فهنا إذا قرأت الكتاب فقل: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، لا أقول وجوباً، لأن صاحبك لن يسمع، لكن على سبيل الاستحباب، رجل دعا لك بظهر الغيب فادع له أنت بظهر الغيب. ﴿قال فما خطبكم أيها المرسلون﴾ القائل: ما خطبكم هو إبراهيم ﵊، أي ما شأنكم أيهاالمرسلون وهم الملائكة ﴿قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارةً من طين﴾ يعني أرسلنا الله ، لأنه من المعلوم أنه لا يرسل أحداً من الملائكة إلا خالقهم ﴿إلى قوم مجرمين﴾ أي: ذوي جرم عظيم ألا وهو اللواط - والعياذ بالله -، فإنهم كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، فيأتون ما لم يخلق لهم، ويدعون ما خلق لهم، كما قال لهم نبيهم لوط عليه

стр. 141

الصلاة والسلام: ﴿وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ ، وهذه الفاحشة فاحشة نكراء، لا يقرها عقل، ولا فطرة، ولا دين، ولهذا كانت عقوبتها القتل للفاعل والمفعول به، إذا كانا بالغين عاقلين، سواء كان محصنين أم غير محصنين، بخلاف الزنى، فالزنى أهون عقوبة، لأن الزنى من لم يكن محصناً فعقوبته أن يجلد مائة جلدة ويغرب عن البلد سنة كاملة، وإن كان محصناً وهو الذي قد تزوج وجامع: فعقوبته أن يرجم بالحجارة حتى يموت، أما هذا فعقوبته القتل بكل حال، كما جاء في الحديث: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (١) ووقعت هذه الفاحشة في عهد أبي بكر ﵁ فأمر أن يحرق كل من الفاعل والمفعول به، لأن الإحراق أعظم عقوبة يعاقب بها بنو آدم، وكذلك جاء عن بعض الخلفاء أنهم أمروا بإحراق اللوطي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أجمع الصحابة ﵃ على قتل اللوطي فاعلاً كان أو مفعولاً به، لكنهم اختلفوا: كيف يقتل؟ منهم من قال: يحرق، ومنهم من قال: يرمى بالحجارة حتى يموت كالزاني المحصن، ومنهم من قال: يلقى من أعلى شاهق في البلد، يعني في مكان مرتفع، أعلى ما يكون في البلد، ثم يتبع بالحجارة حتى يموت، فالمهم أنهم متفقون على قتله، ولا شك أن قتله هو الحكمة، لأن هذه الفاحشة متى دبت في الرجال صار الرجال كالنساء، وبدأ الذل والعار والخزي على وجه المفعول به، لا ينساه حتى يموت، ثم استغنى الرجال

стр. 142

بالرجال وبقيت النساء، لأن هذه الفاحشة - والعياذ بالله - إذا ابتلي بها الإنسان لا يلتفت إلى غيرها، لأنها مرض، فتاك ساري، فإذا أعدم هؤلاء وهم في الحقيقة جرثومة فاسدة مفسدة للإنسان، كان ذلك عين المصلحة، ثم اللواط - والعياذ بالله - لا يمكن التحرز منه، لأنه بين ذكرين لا يمكن لأي إنسان يجد ذكرين يمشيان في السوق أن ينكر عليهما اجتماعهما، ولكن الزنى إذا رأيت رجلاً مع امرأة تستنكره أو تتهمه وتتكلم معه، لذلك كانت عقوبة الإعدام في حق اللوطي أوفق ما يكون للحكمة وللرحمة، فهي رحمة بالفاعلين، يعني باللائط والملوط به، حتى لا يبقيا في حياتهما يكتسبان الإثم وتزداد العقوبة عليهما، ورحمة بالمجتمع فتكون عقوبتهما نكالاً حتى لا يفسد المجتمع، لهذا قالت الملائكة لإبراهيم: ﴿إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين﴾ وجرمهم - والعياذ بالله - ما سبقوا عليه، كما قال لهم نبيهم ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ . ﴿لنرسل عليهم حجارةً من طين مسومةً عند ربك للمسرفين﴾ حجارة من طين، لكنه ليس الطين الذي يتفتت بل الصلب العظيم الذي إذا أصابت هذه الحجارة أحداً من الناس وضربته على رأسه خرجت من دبره، لا يردها عظم ولا لحم، لقوتها وشدتها وصلابتها - والعياذ بالله - ﴿مسومةً عند ربك﴾ أي: معلمة عند الله، يعني عليها علامة، لأن كل شيء عند الله بمقدار، لا تظن أن الأمور التي يقدرها الله تأتي هكذا صدفة، بل هي بمقدار، حتى تباعد ما بين النجوم، وتفاوت ما بينها من الكبر والإضاءة بمقدار، لم يجىء هكذا فلتة أو جاء صدفة، كل

стр. 143

شيء عند الله بمقدار ولابد، فهذه الحجارة معلمة عند الله، وهل هي معلمة بمعنى أن هذه مكتوب عليها مثلاً حجارة عقوبة؟ أو مسومة بالنسبة لمن تقع عليه؟ الجواب: الثاني، لأن هذا أدق، هذه الحجارة لفلان، هذه الحجارة لفلان، مسومة عند ربك ﴿للمسرفين﴾ أي: للمتجاوزين حدودهم، ولا شك أن اللواط مجاوزة للحد والإسراف - والعياذ بالله - قال الله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ أخرجناهم أي: أمرناهم أمراً قدرياً فخرجوا، قال الله تعالى للوط: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ . فأخرج الله من كان فيها من المؤمنين، وهم لوط وأهله إلا امرأته، ولهذا ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ بيت واحد، قرية كاملة يدعوهم نبيهم إلى توحيد الله وإلى ترك هذه الفاحشة ما اتبعه أحد حتى أهل بيته لم يخلصوا، فيهم من لم يؤمن بلوط، فانتبه يا أخي الداعية، لا تجزع إذا دعوت فلم يستجب لك من المائة إلا عشرة، فالرسل عليهم الصلاة والسلام يبقون في أممهم دهوراً كثيرة ولا يتبعهم إلا القليل، ولوط ﵊ لم يتبعه من القرية أحد، وتخلف عن دعوته من تخلف، ولهذا قال: ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ وهنا يتساءل الإنسان في نفسه: كيف قال: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ ، هل المسلمون هنا بمعنى المؤمنين في الآية التي قبلها؟ ذهب بعض العلماء إلى ذلك، وقالوا: إن في هذا دليلاً على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وذهب الآخرون إلى

стр. 144

الفرق، وقالوا: أما المؤمنون فقد نجوا، وأما البيت فهو بيت إسلام، لأن المظهر في هذا البيت - بيت لوط - أنه بيت إسلامي، حتى امرأته لم تتظاهر بالكفر، تظاهرت بأنها مسلمة، ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما﴾ ليس المعنى خانتاهما بالفاحشة، بل خانتاهما بالكفر، لكنه كفر مستور، وهو خيانة من جنس النفاق، ولهذا يقال للمجتمع الذي فيه المنافقون: إنه مجتمع مسلم، وإن كان فيه المنافقون، لأن المظهر مظهر إسلام، إذن نقول: ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ إنما قال: من المسلمين، لأن امرأته ليست مؤمنة، ولكنها مسلمة. ﴿وتركنا فيها آيةً للذين يخافون العذاب الأَليم﴾ تركنا فيها آية أي علامة، فما العلامة؟ أهي علامة حسية، أم علامة معنوية، أم علامتان معنوية وحسية؟ والقاعدة المفيدة في التفسير: (إذا احتملت الآية أكثر من معنى لا مرجح لأحدهما على الآخر ولا منافاة بينهما، وجب حملها على المعنيين جميعاً) فهذه الآية حسية ومعنوية، أما الحسية: فما نشاهد مكان قريتهم التي تسمى بحيرة لوط، فإن هذا كان موضع القرية، كل يمر به ويراه ويشاهده، كما قال تعالى: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون﴾ وآية معنوية كل من قرأ قصتهم في جميع ما وردت فيه من السور الكريمة اعتبر واتعظ وخاف، لكن من الذي ينتبه لهذه الآيات؟ ومن يتعظ؟ ﴿للذين يخافون العذاب الأَليم﴾ أما المنكرون الذين

стр. 145

قست قلوبهم فإنهم لن ينتفعوا بالآيات، قال الله تعالى: ﴿وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ نسأل الله أن يجعلنا من المنتفعين بالآيات. ﴿وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين﴾ يعني في موسى آيات من آيات الله ، حين أرسله الله تعالى إلى فرعون، وفرعون علم جنس على كل من حكم مصر وهو كافر، وموسى بن عمران ﵇ أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو في المرتبة الثالثة من الفضل بالنسبة لأولي العزم الخمسة، فإن أفضلهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم نوح، وعيسى عليهم الصلاة والسلام، أرسله الله تعالى ﴿بسلطان مبين﴾ ، أي: بحجة بينة في نفسها مبينة لغيرها، فالآيات التي جاء بها الأنبياء بينات واضحة لكل ذي عدل وإنصاف، وهي أيضاً مبينة لصدق ما جاءت به الرسل، ولهذا اعلم أنه كلما جاء في القرآن كلمة: (مبين) فهي بمعنى مبين في ذاته، مبين لغيره، إلا ما دل السياق أن المراد البين في ذاته، فمن الآيات العظيمة التي جاء بها موسى، عصا موسى، التي كان يستعملها ويتوكأ عليها عند الحاجة، ويهش بها على غنمه أوراق الشجر عند رعيها، وله فيها حاجات أخرى، كما قال هو ﵊ لما سأله الله ﴿وما تلك بيمينك يموسى قال هي عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مأرب أخرى﴾ . فهي آية في كونه إذا وضعها على الأرض صارت ثعباناً مبيناً، أي: حية عظيمة تخيف من رآها، ولهذا رهب منها موسى عليه الصلاة والسلام
следующие страницы →