الصلاة والسلام: ﴿وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ ، وهذه الفاحشة فاحشة نكراء، لا يقرها عقل، ولا فطرة، ولا دين، ولهذا كانت عقوبتها القتل للفاعل والمفعول به، إذا كانا بالغين عاقلين، سواء كان محصنين أم غير محصنين، بخلاف الزنى، فالزنى أهون عقوبة، لأن الزنى من لم يكن محصناً فعقوبته أن يجلد مائة جلدة ويغرب عن البلد سنة كاملة، وإن كان محصناً وهو الذي قد تزوج وجامع: فعقوبته أن يرجم بالحجارة حتى يموت، أما هذا فعقوبته القتل بكل حال، كما جاء في الحديث: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (١)
ووقعت هذه الفاحشة في عهد أبي بكر ﵁ فأمر أن يحرق كل من الفاعل والمفعول به، لأن الإحراق أعظم عقوبة يعاقب بها بنو آدم، وكذلك جاء عن بعض الخلفاء أنهم أمروا بإحراق اللوطي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أجمع الصحابة ﵃ على قتل اللوطي فاعلاً كان أو مفعولاً به، لكنهم اختلفوا: كيف يقتل؟ منهم من قال: يحرق، ومنهم من قال: يرمى بالحجارة حتى يموت كالزاني المحصن، ومنهم من قال: يلقى من أعلى شاهق في البلد، يعني في مكان مرتفع، أعلى ما يكون في البلد، ثم يتبع بالحجارة حتى يموت، فالمهم أنهم متفقون على قتله، ولا شك أن قتله هو الحكمة، لأن هذه الفاحشة متى دبت في الرجال صار الرجال كالنساء، وبدأ الذل والعار والخزي على وجه المفعول به، لا ينساه حتى يموت، ثم استغنى الرجال
стр. 142
بالرجال وبقيت النساء، لأن هذه الفاحشة - والعياذ بالله - إذا ابتلي بها الإنسان لا يلتفت إلى غيرها، لأنها مرض، فتاك ساري، فإذا أعدم هؤلاء وهم في الحقيقة جرثومة فاسدة مفسدة للإنسان، كان ذلك عين المصلحة، ثم اللواط - والعياذ بالله - لا يمكن التحرز منه، لأنه بين ذكرين لا يمكن لأي إنسان يجد ذكرين يمشيان في السوق أن ينكر عليهما اجتماعهما، ولكن الزنى إذا رأيت رجلاً مع امرأة تستنكره أو تتهمه وتتكلم معه، لذلك كانت عقوبة الإعدام في حق اللوطي أوفق ما يكون للحكمة وللرحمة، فهي رحمة بالفاعلين، يعني باللائط والملوط به، حتى لا يبقيا في حياتهما يكتسبان الإثم وتزداد العقوبة عليهما، ورحمة بالمجتمع فتكون عقوبتهما نكالاً حتى لا يفسد المجتمع، لهذا قالت الملائكة لإبراهيم: ﴿إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين﴾ وجرمهم - والعياذ بالله - ما سبقوا عليه، كما قال لهم نبيهم ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ .
﴿لنرسل عليهم حجارةً من طين مسومةً عند ربك للمسرفين﴾ حجارة من طين، لكنه ليس الطين الذي يتفتت بل الصلب العظيم الذي إذا أصابت هذه الحجارة أحداً من الناس وضربته على رأسه خرجت من دبره، لا يردها عظم ولا لحم، لقوتها وشدتها وصلابتها - والعياذ بالله - ﴿مسومةً عند ربك﴾ أي: معلمة عند الله، يعني عليها علامة، لأن كل شيء عند الله بمقدار، لا تظن أن الأمور التي يقدرها الله تأتي هكذا صدفة، بل هي بمقدار، حتى تباعد ما بين النجوم، وتفاوت ما بينها من الكبر والإضاءة بمقدار، لم يجىء هكذا فلتة أو جاء صدفة، كل
стр. 143
شيء عند الله بمقدار ولابد، فهذه الحجارة معلمة عند الله، وهل هي معلمة بمعنى أن هذه مكتوب عليها مثلاً حجارة عقوبة؟ أو مسومة بالنسبة لمن تقع عليه؟ الجواب: الثاني، لأن هذا أدق، هذه الحجارة لفلان، هذه الحجارة لفلان، مسومة عند ربك ﴿للمسرفين﴾ أي: للمتجاوزين حدودهم، ولا شك أن اللواط مجاوزة للحد والإسراف - والعياذ بالله - قال الله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ أخرجناهم أي: أمرناهم أمراً قدرياً فخرجوا، قال الله تعالى للوط: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ .
فأخرج الله من كان فيها من المؤمنين، وهم لوط وأهله إلا امرأته، ولهذا ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ بيت واحد، قرية كاملة يدعوهم نبيهم إلى توحيد الله وإلى ترك هذه الفاحشة ما اتبعه أحد حتى أهل بيته لم يخلصوا، فيهم من لم يؤمن بلوط، فانتبه يا أخي الداعية، لا تجزع إذا دعوت فلم يستجب لك من المائة إلا عشرة، فالرسل عليهم الصلاة والسلام يبقون في أممهم دهوراً كثيرة ولا يتبعهم إلا القليل، ولوط ﵊ لم يتبعه من القرية أحد، وتخلف عن دعوته من تخلف، ولهذا قال: ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ وهنا يتساءل الإنسان في نفسه: كيف قال: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ ، هل المسلمون هنا بمعنى المؤمنين في الآية التي قبلها؟ ذهب بعض العلماء إلى ذلك، وقالوا: إن في هذا دليلاً على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وذهب الآخرون إلى
стр. 144
الفرق، وقالوا: أما المؤمنون فقد نجوا، وأما البيت فهو بيت إسلام، لأن المظهر في هذا البيت - بيت لوط - أنه بيت إسلامي، حتى امرأته لم تتظاهر بالكفر، تظاهرت بأنها مسلمة، ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما﴾ ليس المعنى خانتاهما بالفاحشة، بل خانتاهما بالكفر، لكنه كفر مستور، وهو خيانة من جنس النفاق، ولهذا يقال للمجتمع الذي فيه المنافقون: إنه مجتمع مسلم، وإن كان فيه المنافقون، لأن المظهر مظهر إسلام، إذن نقول: ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ إنما قال: من المسلمين، لأن امرأته ليست مؤمنة، ولكنها مسلمة.
﴿وتركنا فيها آيةً للذين يخافون العذاب الأَليم﴾ تركنا فيها آية أي علامة، فما العلامة؟ أهي علامة حسية، أم علامة معنوية، أم علامتان معنوية وحسية؟ والقاعدة المفيدة في التفسير: (إذا احتملت الآية أكثر من معنى لا مرجح لأحدهما على الآخر ولا منافاة بينهما، وجب حملها على المعنيين جميعاً) فهذه الآية حسية ومعنوية، أما الحسية: فما نشاهد مكان قريتهم التي تسمى بحيرة لوط، فإن هذا كان موضع القرية، كل يمر به ويراه ويشاهده، كما قال تعالى: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون﴾ وآية معنوية كل من قرأ قصتهم في جميع ما وردت فيه من السور الكريمة اعتبر واتعظ وخاف، لكن من الذي ينتبه لهذه الآيات؟ ومن يتعظ؟ ﴿للذين يخافون العذاب الأَليم﴾ أما المنكرون الذين
стр. 145
قست قلوبهم فإنهم لن ينتفعوا بالآيات، قال الله تعالى: ﴿وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ نسأل الله أن يجعلنا من المنتفعين بالآيات.
﴿وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين﴾ يعني في موسى آيات من آيات الله ، حين أرسله الله تعالى إلى فرعون، وفرعون علم جنس على كل من حكم مصر وهو كافر، وموسى بن عمران ﵇ أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو في المرتبة الثالثة من الفضل بالنسبة لأولي العزم الخمسة، فإن أفضلهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم نوح، وعيسى عليهم الصلاة والسلام، أرسله الله تعالى ﴿بسلطان مبين﴾ ، أي: بحجة بينة في نفسها مبينة لغيرها، فالآيات التي جاء بها الأنبياء بينات واضحة لكل ذي عدل وإنصاف، وهي أيضاً مبينة لصدق ما جاءت به الرسل، ولهذا اعلم أنه كلما جاء في القرآن كلمة: (مبين) فهي بمعنى مبين في ذاته، مبين لغيره، إلا ما دل السياق أن المراد البين في ذاته، فمن الآيات العظيمة التي جاء بها موسى، عصا موسى، التي كان يستعملها ويتوكأ عليها عند الحاجة، ويهش بها على غنمه أوراق الشجر عند رعيها، وله فيها حاجات أخرى، كما قال هو ﵊ لما سأله الله ﴿وما تلك بيمينك يموسى قال هي عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مأرب أخرى﴾ . فهي آية في كونه إذا وضعها على الأرض صارت ثعباناً مبيناً، أي: حية عظيمة تخيف من رآها، ولهذا رهب منها موسى عليه الصلاة والسلام
стр. 146
حين ألقاها وولى هارباً، فناداه الله (لا تخف) ومنها أنه يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء في الحال، بيضاء لكن بدون سوء.
أي بدون عيب يعني ليست بيضاء برص، ولكنها بيضاء مخالفة للون جلده في الحال، حقيقة لا تخيلاً، وقال الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات﴾ المهم أنه أتى إلى فرعون بسلطان مبين وحجة دامغة بالغة، لكنه - والعياذ بالله - ﴿فتولى بركنه﴾ أي: بقوته وسلطانه وجنده، أعرض عن موسى استكباراً وجحوداً وظلماً وعدواناً، قال الله تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلماً وعلواً﴾ . ﴿وقال ساحر أو مجنون﴾ يعني أنه اتهم ﵊ بأنه ساحر، لأنه أتى بآيات تشبه ما يصنعه السحرة، عصا من خشب توضع في الأرض وتكون ثعباناً مبيناً، ويد تدخل في الجيب وتخرج بيضاء في الحال، هذا يشبه السحر، أو ﴿مجنون﴾ ، وذلك بكونه يدعي أن الله وحده خالق السموات والأرض وهو الرب وهو الإله، لأنهم كانوا لا يعرفون الإله إلا فرعون، فإذا جاء شخص يقول: إن الله هو رب العالمين، وأن فرعون ليس إلهاً ولا ربًّا. فإنهم يرمونه بالجنون، هذا مجنون خرج عما نعهد، قال الله تعالى: ﴿فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم﴾ أي طرحناهم فيه، واليم هو البحر، والبحر الذي هلك فيه فرعون هو البحر الأحمر، الذي بين آسيا وأفريقيا، وذلك أن فرعون جمع جنوده وحشدهم وأراد أن يقضي على موسى وقومه، فخرج موسى ﵇ وقومه من مصر متجهين إلى الشرق، ولكن حال بينهم وبين مرادهم البحر، فلما وصلوا إلى البحر كان
стр. 147
البحر بين أيديهم، وفرعون وقومه خلفهم، فقال قوم موسى: ﴿إنا لمدركون﴾ يعني هلكنا، لأن فرعون خلفنا والبحر أمامنا فكيف النجاة؟! فقال موسى: ﴿كلا إن معى ربي سيهدين﴾ .
وهذه معية خاصة، تقتضي النصر والتأييد، قال: ﴿سيهدين﴾ ولم يقل: سوف يهدين، بل قال: ﴿سيهدين﴾ إشارة إلى قرب هذا الحصر وأنه سيزول قريباً، وهذا هو الذي حصل، فأوحى الله تعالى إليه أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق اثنتي عشرة طريقاً في الحال ويبس في الحال، وصار صالحاً للمشي عليه في الحال، كما قال : ﴿فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى﴾ . فعبر موسى وقومه من هذه الطرق العظيمة التي كان الماء بينها كالجبال ولما انتهوا خارجين كان فرعون في أثرهم وانتهوا داخلين، فأمر الله بقدرته وسلطانه البحر أن يعود إلى ما كان عليه، فانطبق على فرعون وقومه فهلكوا عن آخرهم والحمد لله، ولهذا قال: ﴿وهو مليم﴾ أي: فرعون فاعل ما يلام عليه ولا شك أن رده للرسالة الإلهية، وادعائه أنه الرب وقوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيرى﴾ وما أشبه ذلك من الكلمات لا شك أنها كلمات يلام عليها، لأنه قد تبين له الحق، ولكنه عاند وأبى أن ينقاد للحق، كما قال له موسى: ﴿لقد علمت﴾ يعني يا فرعون ﴿مآ أنزل هؤلآء إلا رب السماوت والأَرض بصآئر وإني لأَظنك يفرعون مثبورًا﴾
ثم قال تعالى: ﴿وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ يعني وفي عاد آيات ﴿إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ عاد في جنوب
стр. 148
الجزيرة العربية، وكانوا قوماً أشداء حتى إنهم قالوا: ﴿من أشد منا قوةً﴾ فقال الله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً﴾ . فأصابهم القحط والجدب، فجعلوا يترقبون المطر، فأرسل الله عليهم الريح العظيمة الشديدة ﴿فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا﴾ قال الله تعالى: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ . فأرسل الله عليهم هذه الريح العقيم التي ليس لهم فيها ثمرة ولم تحمل ماء: كالمرأة العقيم التي لا تلد، هذه أيضاً ريح عظيمة لا تحمل سحاباً ولا مطراً، هذه الريح العقيم هي الريح الغربية، كما جاء عن النبي ﵊: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» (١) أي: بالريح الغربية، أرسل الله عليهم هذه الريح العقيم ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾ كل شيء تأتي إليه تجعله كالرميم هامداً، حتى إنها تأخذ الرجل - والعياذ بالله - إلى فوق ثم ترده إلى الأرض ﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ . ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ . هلكوا عن آخرهم، تأمل الآية، قوم عاد قوم أقوياء أشداء هلكوا بهذه الريح اللطيفة، التي لا ترى لها جسماً، وإنما تحس بها بدون أن ترى شيئاً، ومع ذلك قضت عليهم بأمر الله ، ولهذا قال تعالى: ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾ فهذا فيه آيات من آيات الله ، أرسل الله عليهم هذه الريح، فأهلكتهم عن آخرهم.
стр. 149
﴿وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين﴾ ثمود هم الذين أرسل الله إليهم نبيه صالحاً ﵊، فوعظهم وذكرهم، وجعل لهم آية وهي الناقة التي شرفها الله تعالى بإضافتها إلى نفسه الكريمة، حيث قال ﵎: ﴿فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقيها﴾ أي احذروا ناقة الله أن تعبثوا فيها، أو أن تنكروها، وهذه الآية (لها شرب) تشرب من البئر التي تسمى بئر الناقة، ولهم شرب يوم معلوم يشربونه، فالناقة تشرب يوماً وهم يشربون يوماً، وهذه الناقة ذكروا أنهم: ما جاء أحد يستقي من هذا البئر في يومها التي تشرب منه إلا أخذ بدل شربها شيئاً من لبنها بقدر ما شربت، فالله أعلم: هل هذا هو الواقع أو يختلف؟ لكن على كل حال هذه الناقة لا شك أنها ناقة ليست كسائر النوق، إذ إنها آية من آيات الله ، لكنهم كذبوا وأبوا وتوعدهم ﵊ أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، ولكنهم مازالوا على كفرهم وإنكارهم، ولهذا قال: ﴿وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين﴾ وديارهم معروفة الآن، موجودة في مكان يسمى الحجر، ويسمى الآن ديار ثمود، وقد مر بها النبي ﷺ في ذهابه إلى تبوك، لكنه ﵊ أسرع حين مر بهذه الديار وقنع رأسه، ونهى أمته أن يدخلوا إلى هذه الأماكن، أماكن المعذبين إلا أن يكونوا باكين، قال: «فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوها أن يصيبكم ما أصابهم» (١) وقوله: «أن يصيبكم ما
стр. 150
أصابهم» . لا يلزم منه أن يراد به ما أصابهم من العذاب الجسمي قد يكون المراد ما أصابهم من العذاب الحسي، وما أصابهم من الإعراض والكفر.
فلو قال قائل: إنه يوجد أناس يذهبون إلى هذه الأماكن وهم غير باكين ولم يصابوا بشيء.
فنقول: الجواب عن هذا من وجهين:
أولاً: أن الرسول ﵊ لم يؤكد أن يصابوا بهذا، ولكن قال: «حذار أن يصيبكم مثل ما أصابهم» (١) .
الوجه الثاني: أن نقول: لا يتعين أن يكون المراد بذلك أن يأخذوا بما أخذ به هؤلاء من العقوبة الحسية الظاهرة، وهي الرجفة والصيحة التي أماتتهم عن آخرهم، فقد يكون المراد مرض القلب، الذي هو الاستكبار والإعراض ورد الحق.
﴿إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين﴾ ، هذا الحين هو ثلاثة أيام ﴿فعتوا عن أمر ربهم﴾ أي: فأبوا ولم يرجعوا عن غيهم ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ التي صعقتهم، وهي رجفة وصيحة، ﴿وهم ينظرون﴾ أي: ينظر بعضهم إلى بعض يتهاوون ويتساقطون أمواتاً ﴿فما استطعوا من قيام﴾ أي: ما استطاعوا أن يقوموا ﴿وما كانوا منتصرين﴾ ، أي: لم يتمكن بعضهم أن ينصر بعضاً، بل كلهم هلكوا عن آخرهم، وهكذا يفعل الله تعالى بمن كذب أولياءه، وهكذا يفعل الله تعالى بمن كذب رسله عليهم الصلاة والسلام،
стр. 151
إلا أن العذاب المستأصل رفع عن هذه الأمة، فإن النبي ﷺ دعا ربه ألا يأخذهم بسنة بعامة، أي بعقوبة عامة، لكن ابتلوا بشيء آخر وهو أن يقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً (١) ، والأمر كذلك وقع، فإن هذه الأمة لم تصب بعذاب عام كما أصيبت به الأمم التي قبلها، لكن أصيبت بأن جعل الله بأسهم بينهم منذ زمن الخلفاء الراشدين ﵃ لما اختلفوا على عثمان وعلي ﵄ وحصلت الفتن تتوالى إلى يومنا هذا، ثم هذه الأمة التي جُعل بأسها بينها ليست هي أمة الإجابة فقط، بل أمة الإجابة وأمة الدعوة، ولهذا نقول: ما حصل من الفتن والبلاء في الأرض مشارقها ومغاربها من الكفار وغير الكفار فإنما هو نتيجة للمعاصي، وهي عقوبة هذه الأمة أن الله يذيقهم بأس بعض.
﴿وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوماً فسقين﴾ يعني اذكر قوم نوح من قبل، وهم أول أمة أرسل إليهم الرسول، ولكنهم كذبوا، ونوح ﵊ بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ويذكرهم ويعظهم، ولكنهم - والعياذ بالله - لم يؤمنوا، ما آمن معهم إلا قليل حتى أنه ﵊ يقول: ﴿كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم﴾ ، جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ما يقول، واستغشوا ثيابهم أي تغطوا بها لئلا يبصرون، نسأل الله العافية، وهذا غاية ما يكون من البغضاء لما يقول ولما يفعل، ﴿وأصروا﴾
стр. 152
على باطلهم ﴿واستكبروا استكباراً﴾ فكان آخر ما قال ﵊: ﴿رب لا تذر على الأَرض من الكافرين دياراً﴾ ودعا ربه أني مغلوب فانتصر، قال الله تعالى: ﴿ففتحنآ أبوب السماء بماء منهمر وفجرنا الأَرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ ولهذا والله أعلم سيكون عليهم نصيب من عذاب المكذبين لأنهم هم أول أمة كذبت الرسل، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة (١) ، كما أن من قتل نفساً فإن على ابن آدم الذي قتل أخاه كفلاً ونصيباً من عذاب القاتل إلى يوم القيامة (٢) .
ثم قال : ﴿والسماء بنينها بأيد وإنا لموسعون﴾ السماء مفعول لفعل محذوف والتقدير، وبنينا السماء، وقوله: ﴿بأيد﴾ أي: بقوة، كما قال الله تعالى: ﴿وبنينا فوقكم سبعاً شداداً﴾ فالأيد هنا أي القوة، وليست جمع يد كما يتوهم بعض الناس، ويظنون أن الله تعالى بنى السماء بيديه ؛ لأن الأيد هنا مصدر آد يئد بمعنى القوة، كما يقال باع يبيع بيعاً، ولهذا لم يضف الله هذه الكلمة إلى نفسه الكريمة كما أضافها إلى نفسه الكريمة في قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعماً﴾ فمن فسر الأيد بالقوة هنا فإنه لا يقال: إنه من أهل التأويل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، بل هو من التأويل الصحيح، والإنسان إذا تأمل وتفكر في السماوات عرف أنها قوية شديدة
стр. 153
عظيمة، وأن قوتها تدل على قوة بانيها ﴿وإنا لموسعون﴾ أي: لموسعون لأرجائها، لأنها واسعة عظيمة، ولهذا كانت السماوات أكبر بكثير من الأرض، وهي محيطة بالأرض من كل جانب، وعلى هذا فتكون أوسع من الأرض، وليست الأرض بالنسبة للسماء إلا شيئاً يسيراً، ﴿والأَرض فرشنها﴾ أي: فرشنا لأهلها، جعلناها لهم كالفراش يأوون إليها ويتمتعون بها، لم يجعلها الله تعالى صعبة ولا سهلة، بل هي متوسطة لو كانت لينة رخوة ما تمكن أحد من البقاء عليها، ولو كانت صعبة ما تمكن أحد من الانتفاع بها، ولكنها كانت كما وصفها الله : ﴿هو الذي جعل لكم الأَرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾ .
﴿فنعم المهدون﴾ أثنى على نفسه ﵎ بذلك، لأنه أهل للثناء، وقد جعل الله ﵎ الأرض على مستوى نافع للعباد، ليست بالقاسية التي يعجز الناس عن الانتفاع بها، وليست باللينة التي لا يستقرون عليها، بل هي مناسبة تماماً لهم، على أن فيها اختلافاً في الليونة وفي الصلابة، لكن هذا لا يمنع الانتفاع بها.
﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون﴾ خلق الله ﵎ من كل شيء زوجين متقابلين، حتى تتم الحال وتصلح باجتماع بعضهما إلى بعض، فالحيوان كله من إنسان وغيره يكون من زوجين بين ذكر وأنثى، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبآئل لتعرفوا﴾ إلا أن آدم عليه
стр. 154
الصلاة والسلام خلقه الله بيده من غير أم ولا أب، وحواء خلقت من أب بلا أم، وعيسى ابن مريم خلق من أم بلا أب، ولهذا ينقسم الناس إلى أربعة أقسام: الأول: من خلق بلا أم ولا أب وهو: آدم، والثاني: من خلق من أب بلا أم وهي: حواء، والثالث: من خلق من أم بلا أب وهو: عيسى، والرابع: بقية البشر خلقوا من ذكر وأنثى، فمن كل شيء خلق الله زوجين، اليابس والرطب، والحرارة والبرودة، واللين والقسوة، وغيره مما إذا تأمله الإنسان عرف بذلك حكمة الله ﴿لعلكم تذكرون﴾ ، أي: بينا ذلك لكم، لأجل أن تذكروا وتتعظوا بآيات الله ﵎، فإن الإنسان كلما كان أعلم بآيات الله الكونية أو الشرعية كان أكثر اتعاظاً واعتباراً، ولهذا حث الله على النظر في الآيات الكونية فقال تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السماوت والأَرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ . وقال تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوت والأَرض وما بينهمآ إلا بالحق﴾ ومدح الله تعالى الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض بقوله: ﴿إن في خلق السماوت والأَرض واختلاف الليل والنهار لأَيات لأُولى الأَلباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوت والأَرض ربنآ ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار﴾ . لهذا ينبغي الإنسان أن يتعظ ويتذكر ويتدبر آيات الله الكونية والشرعية.
﴿ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين﴾ هذا كأنه على لسان النبي ﷺ أي قل لهم ﴿ففروا إلى الله إني لكم منه﴾ أي: من
стр. 155
الله، والفرار إلى الله يكون بالقيام بطاعته واجتناب نواهيه، لأنه لا ينقذك من عذاب الله، إلا أن تقوم بطاعة الله، فكأن الإنسان إذا قام بطاعة الله كأنه فر من عدو، أرأيت لو أن وادياً عرماً يهدر، أقبل عليك فإنك لن تقف أمامه، بل تهرب منه وتفر منه، كذلك لو أن حريقاً ملتهباً أقبل إليك فإنك لن تقف بل تفر، كذلك نار جهنم أشد وأعظم وأولى بالفرار منها، ولهذا قال: ﴿ففروا إلى الله﴾ ، أي: من عذاب الله ﴿إني لكم منه نذير مبين﴾ أي: منذر ﴿مبين﴾ أي: مظهر لما أنذر به ومبين له، فهو ﵊ نذير من الله تعالى لعباده، ينذر من خالف أمره بالعذاب، ومع هذا هو ﷺ بشير لمن آمن وأطاع بالجنة والسعادة في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ لكن الله ﵎ يذكر الإنذار فقط في مقام التهديد والوعيد، وهذه السورة كلها ذكر للأمم السابقين وما حل بهم من العقوبة لمخالفتهم أمر الله ﵎، ﴿ولا تجعلوا مع الله إلهاً ءاخر﴾ ، أي: لا تجعلوا معه معبوداً تعبدونه، والمعبود أنواع وأصناف، فمن الناس من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهم من يعبد الحيوان، ومنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الحجر، ومنهم من يعبد المال، كما قال النبي ﷺ : «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط
стр. 156
سخط» (١)
فبين الرسول ﵊ أن الذي ليس لهم همٍّ إلا المال فإنه عابد له في الحقيقة، وإن كان لا يركع له ولا يسجد، لكن تعلق قلبه به واهتمامه به، وكونه يرضى لحصوله، ويسخط لمنعه، لا شك أنه قد استولى على قلبه استيلاء تامًّا، لكن المعبود تختلف عبادته في الحكم، فإن كان يصرف له شيء من العبادة، فهذا شرك أكبر، وإن كان لا يصرف له شيء من العبادة، ولكنه يتعلق به القلب تعلقاً كاملاً حتى إنه ليدع الواجبات ويقع في المحرمات من أجل الحصول عليه، فهذه عبادة لا تخرج من الدين لكنها حقًّا عبادة ﴿إني لكم منه نذير مبين﴾ كرر ذلك لأهمية الموضوع، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا الاتعاظ والانتفاع بآيات الله تعالى، إنه على كل شيء قدير.
﴿كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ يعني أن الأمر الذي حصل لك يا محمد حصل لمن قبلك، فقوله (كذلك) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك، يعني أن أمر الأمم السابقة كأمر هؤلاء الذين كذبوك يا محمد، وفسر ﴿كذلك﴾ بقوله: ﴿مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ يعني ما أتاهم رسول إلا قالوا كذا، و (من) في قوله (من رسول) زائدة من حيث الإعراب، كقوله تعالى: ﴿أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾ والمعنى ما جاءنا بشير ونذير، لكن تزاد الحروف في بعض الجمل للتأكيد، فما أتى الذين من قبلهم من رسول يعني ما أتاهم رسول إلا وصفوه بهذين الوصفين إلا قالوا:
стр. 157
ساحر أو مجنون، ساحر باعتبار تأثيره وبيانه وبلاغته، لأن النبي ﷺ قال: «إن من البيان لسحراً» (١) أو مجنون يعني أو قالوا مجنون باعتبار تصرفاته، لأن هذا التصرف في نظر هؤلاء المكذبين جنون، نسأل الله العافية، وفي هذا تسلية للرسول ﵊، لأن الإنسان إذا علم أن غيره أصابه ما أصابه تسلى بذلك، وهان عليه الأمر، ولهذا قالت الخنساء تماضر وهي ترثي أخاها صخراً:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي
وقد دل لذلك قول الله ﵎: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ . لأن الإنسان إذا شاركه غيره في العذاب هان عليه، لكن يوم القيامة لا ينفع الإنسان أن يشاركه غيره في عقوبته، والمهم أن في هذه الجملة بالنسبة للرسول ﵊ تسلية حتى لا يحزن، فإن ما أصابه قد أصاب غيره، وفيها أيضاً دليل على أن المكذبين للرسل طريقهم واحدة، ولو تباعدت أزمانهم، ولو تباعدت أقطارهم، لأن المجرم أخو المجرم، فالطريقة واحدة، قال الله تعالى: ﴿أتواصوا به﴾ أي بهذا القول ﴿بل هم قوم طاغون﴾ يعني هل هؤلاء المكذبين للرسل الذين اتفقوا على وصف الرسل بأنهم سحرة ومجانين، هل هم تواصوا بذلك؟ يعني هل كل واحد من هؤلاء الأمم كتب وصية إلى الأمم اللاحقة: أن قولوا لأنبيائكم:
стр. 158
إنكم سحرة ومجانين؟ الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿بل هم قوم طغون﴾ وهذا إضراب إبطال يعني لم يحصل تواصٍ، ولكن تواردت الخواطر، لأن الهدف واحد وهو تكذيب الرسل، فاتفقت الكلمة، وفي قوله (طاغون) وصف بأن هؤلاء طغاة معتدون، وهذا من أعظم الطغيان - والعياذ بالله - أن يوصف دعاة الحق بأنهم سحرة ومجانين، قال الله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾ أي: أعرض عن هؤلاء ولا تهتم بهم ﴿فمآ أنت بملوم﴾ يعني لا أحد يلومك لأنك بلَّغت الرسالة، وأدَّيت الأمانة، وصبرت وصابرت، فلقد صبر النبي ﷺ ، وصابر على أذى قريش وامتهانهم إياه، ولكنه كانت له العاقبة ولله الحمد، ولهذا قال: ﴿فتول عنهم﴾ ، بمعنى أنك لا تتعب نفسك بهم، ولا تهلك نفسك فيهم، فأنت في هذه الحال لا تلام على ذلك، لأنه ﷺ قام بما يجب عليه، وفي قوله ﴿فتول عنهم فمآ أنت بملوم﴾ أمران:
الأمر الأول: عذر النبي ﵊ وإقامة العذر له.
والثاني: تهديد هؤلاء المكذبين: فالله تعالى يهددهم بتولي الرسول عنهم، لأنهم لا خير فيهم.
ثم قال: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ أي: ذكر الناس بآيات الله وبأيامه، وشرائعه وما أوجب الله على العباد. وبأيامه: عقابه ﵎ للمكذبين وإثابته للطائعين، لكن أطلق الله الذكرى وقال: ﴿وذكر﴾ ولم يقل: وذكر المؤمنين، لكن بين أن الذي ينتفع بالذكرى هم المؤمنون فقال: ﴿فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ لأن المؤمن إذا ذكر فهو كما وصفه الله عز
стр. 159
وجل: ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً﴾ بل يقبلونها بكل رحابة صدر وبكل طمأنينة، وفي الآية الدليل على وجوب التذكير على كل حال، وفيها أن الذي ينتفع بالذكرى هم المؤمنون، وأن من لا ينتفع بالذكر فهو ليس بمؤمن: إما فاقد الإيمان، وإما ناقص الإيمان، وهنا فتش عن نفسك: هل أنت إذا ذكرت بآيات الله وخوفت من الله هل أنت تتذكر أم يبقى قلبك كما هو قاسياً، إن كانت الأولى فاحمد الله فإنك من المؤمنين، وإن كانت الثانية فحاسب نفسك، ولا تلومن إلا نفسك، وعليك أن ترجع إلى الله حتى تنتفع بالذكرى، وفي الآية دليل على أنه كلما كان الإيمان أقوى كان الانتفاع بالذكرى أعظم وأشد، وذلك من قاعدة معروفة عند العلماء، وهي: أن الحكم إذا علق بوصف ازداد بزيادته ونقص بنقصانه.
﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أي ما أوجدتهم بعد العدم إلا لهذه الحكمة العظيمة، وهي عبادة الله ﵎، وحده لا شريك له، واللام في قوله ﴿ليعبدون﴾ للتعليل، لكن هذا التعليل تعليل شرعي، أي لأجل أن يعبدون، حيث آمرهم فيمتثلوا أمري، وليست اللام هنا تعليلاً قدرياً، لأنه لو كان تعليلاً قدرياً للزم أن يعبده جميع الجن والإنس، لكن اللام هنا لبيان الحكمة الشرعية في خلق الجن والإنس، والجن عالم غيبي خلقوا من نار، لأن أباهم هو إبليس كما قال الله تعالى: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو﴾ فسموا جنًّا
стр. 160
لأنهم مستترون عن الأعين، حيث إنهم يروننا ولا نراهم، هذا هو الأصل أنهم عالم غيبي، لكن قد يظهرون أحياناً، والأصل فيهم أنهم كالإنس منهم المسلمون، ومنهم غير المسلمين، ومنهم الصالحون ومنهم دون ذلك، لكن الإنس يفضلونهم بأنهم أحسن منهم من حيث الابتداء، حيث إنهم خلقوا من الطين، من التراب، من صلصال كالفخار، وأما أولئك الجن فخلقوا من النار، كذلك يمتاز الإنس عنهم بأن منهم الرسل والأنبياء، وأما الجن فليس منهم رسل، ولكن منهم نُذر، يبلغونهم الرسالات من الإنس، كما في قول الله تعالى: ﴿وإذ صرفنآ إليك نفراً من الجن يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين﴾ فانظر إلى أدبهم في قولهم: أنصتوا ثم بقائهم حتى انتهى المجلس، ثم ذهبوا دعاة لما سمعوا، قالوا: ﴿أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين﴾ ﴿قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى﴾ إلى آخر الآية، وأما الإنس فهم بنو آدم البشر، هؤلاء خلقوا لشيء واحد، لعبادة الله، لا لأجل أن ينفعوا الله بطاعتهم، ولا أن يضروه بمعاصيهم، ولا أن يطعموه، ولهذا قال: ﴿مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون﴾ يعني ما أطلب منهم رزقاً أي
عطاءً أنتفع به، ولا أن يطعمون فأنتفع بإطعامهم، قال الله ﵎: ﴿قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأَرض وهو يطعم ولا يطعم﴾ ، فهو له الجود والغنى والكرم وهو غني عما سواه، فالحكمة من خلق الجن والإنس العبادة، فلم يخلقوا لأجل أن يعمروا الأرض، ولا لأجل أن يأكلوا، ولا لأجل أن
стр. 161
يشربوا، ولا أن يتمتعوا كما تتمتع الأنعام، وإنما خلقوا لعبادة الله، وخلق لهم ما في الأرض، فنحن مخلوقون للعبادة، وكل ما في الأرض مخلوق لنا، ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأَرض جميعاً﴾ والعجب أن قومنا الآن اشتغلوا فيما خلق لهم عما خلقوا له، وهذامن السفه أن يشتغلوا بشيء خلق لهم، عن شيء خلقوا من أجله. والعبادة تطلق على معنيين:
المعنى الأول: التعبد، يعني فعل العبد، فيقال: تعبد لله عبادة.
والثاني: المتعبد به، وهذا المعنى قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) ، فهي اسم جامع لكل شيء، فالصلاة عبادة، والصدقة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، والأمر بالمعروف عبادة، والنهي عن المنكر عبادة، وكل ما يقرب إلى الله من قول، أو فعل فإنه عبادة. ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ هو الرزاق يعني هو صاحب العطاء الذي يعطي، فالرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ أي: أعطوهم، وكلمة (الرزاق) أبلغ من كلمة (الرازق) ؛ لأن (الرزاق) صيغة مبالغة تدل على كثرة الرزق، وعلى كثرة المرزوق، فرزق الله تعالى كثير باعتبار كثرة المرزوقين، فكل دابة في الأرض على الله رزقها، من إنسان وحيوان، ومن طائر وزاحف، ومن صغير وكبير، ولا يمكن أن نحصي أنواع المخلوقات على الأرض، ولو قلت لك أحص
стр. 162
العوالم التي في الأرض ما استطعت، فضلاً عن أفرادها، فكل فرد منها فإن الله تعالى متكلف برزقه ﴿وما من دآبة في الأَرض إلا على الله رزقها﴾ فإذا كان الأمر كذلك صار رزق الله كثيراً باعتبار المرزوق، مَن يحصي المرزوقين؟ لا أحد يحصيهم أبداً، ورزقه كثير باعتبار الواحد، فكم لله عليك من رزق كثير لا يحصى، رزق الله لك دارٍّ عليك ليلاً ونهاراً، رزقك عقلاً، وصحة، ومالاً، وولداً، وأمناً وأشياء لا تحصى، ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ ، ولهذا جاء اسم الرزَّاق بالتشديد الدال على الكثرة، وقوله: ﴿ذو القوة﴾ أي: صاحب القوة التي لا قوة تضادها، كما قال الشاعر الجاهلي:
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب
فقوة الله لا يضاهيها قوة، قوته لا يعتريها ضعف، بخلاف قوة المخلوق، فقوته تنتهي إلى ضعف، كما قال الله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبةً يخلق ما يشاء وهو العليم القدير﴾ أما الرب فقوته لا يلحقها ضعف بأي وجه من الوجوه، ولما قالت عاد: من أشد منا قوة؟ قال الله؟ ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً﴾ وصدق الله وقوله: ﴿المتين﴾ يعني الشديد، شديد في قوته، شديد في عقابه، شديد في كل ما تقتضي الحكمة الشدة فيه، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأَخر وليشهد عذابهما طآئفة من
стр. 163
المؤمنين﴾ . هذه شدة، والله أرحم الراحمين، ومع ذلك ينهانا أن تأخذنا الرأفة، في الزانية والزاني ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة﴾ ، وهذا دليل على القوة، ومن قوته أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ولم يعِ بخلقهن، ومن قوته وقدرته أنه جل وعلا يبعث الناس كنفس واحدة ﴿فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة﴾ والأمثلة على هذا كثيرة، فهو جل وعلا له القوة البالغة التي لا يمكن أن تضاهيها أي قوة.
ثم قال الله تعالى: ﴿فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون﴾ أي: الذين ظلموا بالكفر لهم ﴿ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم﴾ والذنوب في الأصل هو الدلو، أو ما يستقى به، وشاهد ذلك قوله ﷺ : «أريقوا على بوله ذنوباً من ماء» (١) والمعنى: هؤلاء الظالمون لهم نصيب مثل نصيب من سبقهم ﴿فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم﴾ أي نصيباً من العذاب مثل نصيب أصحابهم، وانظر كيف سمى الله تعالى السابقين بأزمان بعيدة أصحاباً لهؤلاء، وذلك لاتفاقهم في التكذيب، ورمي الرسل بما لا يستحقون، فهم أصحاب في الواقع وإن تباعدت الأزمان والأماكن ﴿فلا يستعجلون﴾ ، النون هنا مكسورة على أنها نون الوقاية وحذف الضمير: الياء، وأصله فلا يستعجلوني، فحذفت الياء تخفيفاً، ولهذا لا يشكل على الإنسان فيقول: كيف كانت
стр. 164
النون مع أن (لا) ناهية؟ والجواب أن نقول: هذه النون ليست نون الإعراب، ولكنها نون الوقاية، فالفعل إذاً مجزوم، والنون للوقاية، والياء التي هي المفعول محذوفة، وفي قوله: ﴿فلا يستعجلون﴾ تهديد واضح أن هؤلاء سيأتيهم العذاب لا محالة، ولكن لا يستعجلون الله لأن الله تعالى يملي للظالم ويمهله حتى إذا أخذه لم يفلته، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (١) وتلا قوله تعالى: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ .
﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون﴾ ويل: بمعنى الوعيد والعذاب، يعني أنه يتوعدهم من هذا اليوم الذي يوعدون وهو يوم القيامة؛ لأنهم سيجدون ما أرسل إليهم حقًّا، وسيجدون الذل والعار ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ . ﴿ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً﴾ . فيكونون من بين هذا العالم - نسأل الله العافية - على هذا الوجه، ولهذا قال: ﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون﴾ وسيكون هذا اليوم يوماً عسيراً عليهم، لأنهم كفرة والعياذ بالله.
تم تفسير سورة الذاريات.
стр. 165
تفسير سورة الطور
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ البسملة تقدم الكلام عليها، ﴿والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور﴾ هذه أشياء أقسم الله بها، الأول: الطور وهوالجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ﵊، فإن الله تعالى كلمه أول ما كلمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أن جبل الطور أفضل الجبال وأشرفها، وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء، ولكن في هذا الظاهر نظراً، لأن جبل حراء كُلِّم منه الرسول ﵊ لكن كلمه جبريل ﵇ مرسلاً من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل، وأيضاً حراء داخل الحرم المكي، لأنه من الحرم الذي لا يحل صيده ولا قطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حراء ﴿وكتاب مسطور في رق منشور﴾ الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رق) هل الرق كل ما يكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك؟ أو هو خاص بما يكتب فيه من جلود ونحوها؟ إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء،
стр. 166
منها اللوح المحفوظ، ومنها الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها القرآن الكريم، ومنها التوراة، فيشمل عدة كتب، وإذا قلنا إن الرق هوالورق وشبهه مما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ لا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن، فالذين قالوا: إنه التوراة رجحوا قولهم بأنه قرن بالطور، والطور هو الذي كلَّم منه موسى ﵊، فكان الكتاب المسطور هو التوراة التي جاء بها موسى، ومن قال: إن
المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، وذكر الكتاب الذي هو القرآن أوحي إلى محمد ﷺ ، فيكون الله ﵎ ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمد ﷺ ، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم ﴿منشور﴾ صفة لكتاب، ويحتمل أن تكون صفة لرق، والمعنى واحد، والمراد بالمنشور يعني المفرق الذي يكون بأيدي كل قارىء، وهذا يصدق تماماً على القرآن الكريم، فإنه - ولله الحمد - بين يدي كل قارىء حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه، ﴿والبيت المعمور﴾ هذا هو الثالث مما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يقال له: الضراح، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه (١) ، فبناءً على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من
стр. 167
يحصي الأيام؟ ثم من يحصي سبعين ألفاً كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه.
وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين، والقائمين، والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعاً؟ القاعدة في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء، وليس بينهما منافاة وجب أن تحمل على كل منهما، لأن المتكلم بها وهو الله - جل وعلا - عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة لا المعاني الباطلة، وليس هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة، أو البيت المعمور في السماء، لأن كلا البيتين معظم، ذاك معظم في أهل السماء، وهذا معظم في أهل الأرض، ولا مانع، فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وُجد قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء ﴿والسقف المرفوع﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها﴾ وقال تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن ءاياتها معرضون﴾ . فالسماء سقف، والسماء مرفوعة، إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفاً لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب، كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر، وإحكام وإتقان، قال الله : ﴿الذي خلق سبع
стр. 168
سماوات طباقًا ما ترى في خلق الرحمن من تفوت فارجع البصر هل ترى من فطور ... ثم ارجع البصر كرتين﴾ .
يعني مرة بعد مرة ﴿ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير﴾ وأخبر أنه ليست للسماء فروج، وليس فيها تشقق وليس فيها عيب، وليس فيها تصدُّع، ولا تبلى على طول المدة، فهي جديرة بأن يقسم الله بها ﴿والبحر المسجور﴾ كلمة البحر قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن كما قال تعالى، ﴿وكان عرشه على الماء﴾ ، وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض لأنه المشاهد المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول، والصحيح أن المراد به بحر الأرض، لأن (ال) في البحر للعهد الذهني، يعني البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة من أسماك وأمواج وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه، ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿المسجور﴾ يعني الممنوع، ومنه سجرت الكلب يعني ربطته حتى لا يهرب، فالبحر ممنوع بقدرة الله ، إننا نعلم جميعاً أن الأرض كروية، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض، لأنه لا جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة، لقلنا: لابد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله ﵎ أمسكه بقدرته ، فهو مسجور، أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله، فلو صب فوق الكرة ماء، لذهب يغمرها يميناً وشمالاً، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض
стр. 169
على الأرض بقدرة الله ، وانظر إلى الحكمة تأتي أيام المد والجزر، نفس البحر يمتد امتداداً عظيماً لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر، مَن الذي مده؟ ولو شاء لبقي ممتداً حتى يغرق الأرض، ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديراً بأن يقسم الله به، وفي البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله
نظير في البحر بل أزيد، لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل أكثر من سبعين في المائة، وفيه أشياء لا نرى لها نظيراً في البر، وهذا من آيات الله ، وأعظم آية في البحر هو أنه مسجور، أي ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها.
وقيل: المراد بالمسجور الذي سيسجر، أي: يوقد كما قال الله تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ . أي: أوقدت. وهذا يكون يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن والذي لو سقطت فيه جمرة، أو مر على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون ناراً يسجر، وهذا من آيات الله والمراد به المعنيان جميعاً؛ لأنه لا منافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله أي سواء قلنا المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجور الذي سيسجر أي يوقد، فكل ذلك من آيات الله، ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ هذا هو جواب القسم، وهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسماً بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات، والثاني: بأن، والثالث: باللام، ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ يعني لابد أن يقع عذاب الله الذي وعد
стр. 170
به، هذه والله جملة عظيمة مؤثرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لين كلين الزبد أو أشد، أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنه حجارة، وكان عمر ﵁ إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعُاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعاد، فإذا كان واقعاً وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟ بلى والله، هذا هو الجدير، وقوله: ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ يعني لابد أن يقع، ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر قال الله تعالى: ﴿سأل سآئل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج﴾ . فضم هذه الآية إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع﴾ .
على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه، لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة فيرفع عنهم العذاب، أما عذاب الله للمؤمن المذنب فإن الأصل أنه واقع، كل ذنب توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يرفع بفضل من الله وقد يرفع بالشفاعة، وقد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، أما ترى أن الله يقول: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ . ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفَّعهم الله فيه» (١) فيرتفع عنه العذاب. وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على
стр. 171
عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، وقد أنذر الله العباد وخوَّفهم، وبيَّن لهم، لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة، ﴿إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع﴾ ، (ما) نافية، و (دافع) مبتدأ مؤخر، دخلت عليها (من) الزائدة للتوكيد، يعني ما من أحد ولو عظمت منزلته وقوته يدفع أو يرفع عذاب الله لأن (دافع) هنا تشمل المنع قبل الوقوع، والرفع بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله ولا يمنعه عن أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده، نسأل الله تعالى أن يعاملنا بعفوه، وأن يغفر لنا ما سلف من ذنوبنا وما حضر، إنه على كل شيء قدير.
﴿يوم تمور السماء موراً وتسير الجبال سيراً فويل يومئذ للمكذبين﴾ هذه الآية: ﴿يوم تمور السماء موراً﴾ متعلقة بقوله: ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ يعني أن العذاب يقع في ذلك اليوم، قوله: ﴿يوم تمور السماء موراً﴾ قد يظن الظانّ أن المصدر هنا (موراً) لمجرد التوكيد، ولكنه ليس كذلك، بل هو لبيان تعظيم هذا المور، والمور بمعنى الاضطراب، يعني أن السماء تضطرب وتتشقق، وتتفتح وتختلف عما هي عليه اليوم، كما قال تعالى: ﴿إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾ . ولا إنسان يتصور أو يعلم حقيقة ذلك اليوم، ولكننا نعلم المعنى بما أخبر الله به عنه، أما الحقيقة فهي شيء فوق ما نتصوره الآن، ﴿وتسير الجبال سيراً﴾ أي: تسير سيراً عظيماً، وذلك أن الجبال تكون هباءً منثوراً، وتتطاير كما تتطاير الغيوم، وتسير سيراً عظيماً هائلاً،
стр. 172
لشدة هول ذلك اليوم، وهذه الآية تدل على أن قول الله ﵎ في سورة النمل: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدةً وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون﴾ .
فإن هذه الآية هي نفس هذه الآية التي في الطور من حيث المعنى، فيكون قوله ﵎: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدةً وهي تمر مر السحاب﴾ يعني يوم القيامة ولا شك، ومن فسرها بأن ذلك في الدنيا وأنه دليل على أن الأرض تدور فقد حرَّف الكَلم عن مواضعه، وقال على الله ما لا يعلم، وتفسير القرآن ليس بالأمر الهين، لأن تفسير القرآن يعني أنك تشهد على أن الله أراد به كذا وكذا، فلابد أن يكون هناك دليل: إما من القرآن نفسه، وإما من السنة، وإما من تفسير الصحابة ﵃ أما أن يحول الإنسان القرآن على المعنى الذي يراه بعقله أو برأيه، فقد قال النبي ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (١) . والمهم أن تفسير قوله: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدةً وهي تمر مر السحاب﴾ يراد به ما في الدنيا، تفسير باطل لا يجوز الاعتماد عليه، ولا المعول عليه، أما كون الأرض تدور أو لا تدور، فهذا يعلم من دليل آخر، إما بحسب الواقع، وإما بالقرآن، وإما بالسنة، ولا يجوز أبداً أن نحمل القرآن معاني لا يدل عليها من أجل أن نؤيد نظرية أو أمراً واقعاً، لكنه لا يدل عليه اللفظ، لأن هذا أمر خطير جداً.
стр. 173
قال الله تعالى: ﴿فويل يومئذ للمكذبين﴾ ويل كلمة وعيد وتهديد، وإن كان قد روي أنها واد في جهنم (١) ، لكن الصواب أنها كلمة تهديد ووعيد، ﴿فويل يومئذ للمكذبين﴾ أي: المكذبين لله ورسوله، الجاحدين لما قامت الأدلة على ثبوته فإنهم سيجدون في ذلك اليوم من العذاب والنكال ما لا يخطر لهم على بال ﴿الذين هم في خوض يلعبون﴾ أي في الدنيا ﴿في خوض﴾ أي: في كلام باطل ﴿يلعبون﴾ أي: لا يقولون الجد ولا يعملون بالجد، وإنما أعمالهم كلها لعب ولهو، ولذلك تجد أعمارهم ليس فيها بركة، تمر بهم الليالي والأيام لا يستفيدون شيئاً ﴿يوم يدعون إلى نار جهنم دعا﴾ هذه متعلقة بما سبق أيضاً، ويُدَعُّون بمعنى يدفعون بعنف وشدة إلى نار جهنم دعًّا؛ لأنهم - والعياذ بالله - تمثل لهم النار كأنها سراب، أي كأنها حوض نهر، وهم على أشد ما يكونوا من العطش، فيذهبون إليها سراعاً، يريدون أن يشربوا منها حتى يزول عنهم العطش، فإذا بلغوها وإذا هي النار - والعياذ بالله - فكأنهم - والله أعلم - يتوقفون لئلا يتساقطوا فيها، فيدعُّون إليها دعًّا، أي يُدفعون بعنف وشدة فيتساقطون فيها - أجارنا الله من ذلك ويقال لهم: ﴿هذه النار التى كنتم بها تكذبون﴾ كانوا في الدنيا يقولون: لا بعث ولا جزاء، ولا عقوبة ولا نار، وإنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع ولا بعث، فيقال لهم توبيخاً على هذا الإنكار: ﴿هذه النار التى كنتم بها
стр. 174
تكذبون﴾ فما أشد حسرتهم إذا وُبِّخوا على أمر كان في إمكانهم أن يتخلوا عنه، ولكنهم الآن لا يستطيعون لذلك سبيلاً، يقولون إذا وقفوا على النار: ﴿ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ .
قال الله تعالى: ﴿بل بدالهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ . أي: حتى لو ردوا إلى الدنيا عادوا وكذبوا، فلن يستقيموا على أمر الله، لكن يقولون هذا تمنياً. ﴿أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون﴾ يعني أفهذا الذي ترون اليوم سحر كما كنتم تقولون ذلك في الدنيا، حيث يقولون: إن ما جاءت به الرسل سحر، ويصفون الرسول بأنه ساحر، فيقال: أسحر هذا أم أنتم لا تبصرون، يعني لا تبصرون بعين البصيرة، بل أنتم عمي عن الحق - والعياذ بالله - ﴿اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ أي: احترقوا بها، والأمر هنا للإهانة، كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون﴾ . فانظر إلى هؤلاء كيف تتهكم بهم الملائكة وتذلهم وتخزيهم - والعياذ بالله - وتهينهم، ﴿اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم﴾ يعني أن الصبر وعدمه سواء عليكم، ومعنى هذا أنه لن يفرج عنكم، سواء صبرتم أم لم تصبروا، مع أنه في الدنيا إذا أصيب الإنسان بشيء وصبر فإنه يفرج عنه، كما قال النبي ﵊: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً» (١) .
﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ يعني ما تجزون إلا ما عملتم فلم
стр. 175
تُظلموا شيئاً، ثم ذكر الله تعالى جزاء المؤمنين فقال: ﴿إن المتقين في جنات ونعيم﴾ هذه الجملة خبرية مؤكدة بإن، والتوكيد أسلوب من أساليب اللغة العربية، مستعمل عند العرب، وهذا القرآن نزل بلغة العرب، وإلا ففي الواقع أن خبر الله لا يحتاج إلى توكيد؛ لأنه أصدق القول، فالرب إذا أخبر بخبر فإنه لا يحتاج إلى أن يؤكد، لأن خبر الله صدق، لكن لما كان القرآن العظيم نزل بلسان عربي صار جارياً على ما كان يعرفه العرب في لغتهم، فهنا أكد الله هذه الجملة: ﴿إن المتقين في جنات ونعيم﴾ والمتقون هم الذين قاموا بطاعة الله امتثالاً لأمره واجتناباً لنهيه، هذه هي التقوى، فالتقوى طاعة الله في امتثال أمره واجتناب نهيه، فالذي يصلي امتثالاً لأمر الله نقول: هو متق، والذي يدع الزنا نقول: هو متقٍ بترك الزنا، وإنما سمي ذلك تقوى لأنه وقاية من عذاب الله، فإن الإنسان إذا قام بطاعة الله فقد اتخذ وقاية من عذاب الله هؤلاء المتقون يقول الله : ﴿في جنات ونعيم﴾ ، وجنات جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين في الآخرة، بدليل قول الله ﵎: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأَرض أعدت للمتقين﴾ وإذا قلنا: إن الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لعباده في الدار الآخرة، فهل يمكن أن تكون في الدنيا؟ نقول: أما بالنسبة لدخول الجنة التي هي الجنة فهذا لا يمكن في الدنيا، أما بالنسبة لكون الإنسان يأتيه من نعيم الجنة ما يأتيه، فهذا يمكن، وذلك في القبر إذا سُئل
стр. 176
الإنسان عن ربه، ودينه، ونبيه، فأجاب الصواب، فإنه يفرش له فراش من الجنة، ويُفتح له باب إلى الجنة، ويُفسح له في قبره مُدَّ البصر (١) ،
وجمعت الجنات في الآية لأنها أنواع، ذكر الله في سورة الرحمن أربعة أنواع ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ . ثم قال: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ . هذه الجنان الأربع تختلف بما جاء في وصفها في سورة الرحمن، ﴿إن المتقين في جنات ونعيم﴾ أي نعيم البدن، ونعيم القلب، فهم في سرور دائم، وهم في صحة دائمة، وهم في حياة دائمة، فجميع أنواع النعيم كاملة لهم، نسأل الله أن يجعلنا منهم ﴿فاكهين بمآ ءاتهم ربهم﴾ ، الفاكه هو المسرور، كما في قوله تعالى: ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين﴾ . أي: مسرورين ﴿بمآ ءاتهم ربهم﴾ أي: بما أعطاهم ربهم من النعيم، ﴿ووقاهم ربهم عذاب الجحيم﴾ فحصلوا على السلامة من الشرور بوقاية الجحيم، وعلى تمام السرور في جنات النعيم ﴿كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون﴾ (كلوا واشربوا) فعل أمر، وهذا الأمر ليس تكليفاً وإنما الأمر هنا للتكريم، أي يقال لهم: كلوا من كل ما في الجنة من النعيم ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ . ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ . وفيها من كل النعيم، ﴿واشربوا﴾ مما فيها من الأنهار، وأنهار الجنة ذكرها الله تعالى أربعة في سورة القتال ﴿مثل الجنة التى وعد المتقون فيهآ أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل
стр. 177
مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم﴾ .
هذه أربعة أنهار: من ماء غير آسن، أي: غير متغير، والمياه في الدنيا إذا لم يأتها ما يمدها وبقيت راكدة لابد أن تتغير فتكون آسنة، وماء الجنة لا يتغير، غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، واللبن في الدنيا إذا أبقي يتغير ويفسد، لكن في الآخرة لا يتغير، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وخمر الدنيا فيه رائحة كريهة ثم أنه يقلب العاقل إلى مجنون، وفيه أيضاً الصداع، وفيه فساد المعدة، لكنه في الجنة أنهار من خمر لذة للشاربين، وقد قال الله تعالى في سورة الصافات: ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ . والرابع ﴿وأنهار من عسل مصفى﴾ ﴿هنيئاً بما كنتم تعملون﴾ الهنيء هو الذي لا يكون له عاقبة سيئة، ولا تبعة من تجاوز، أو إسراف ﴿بما كنتم تعملون﴾ أي: بسبب ما كنتم تعملون، (فالباء) هنا للسببية، وليست الباء للعوض، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله» (١) .
فإن قيل: إن الله تعالى قال: ﴿كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون﴾ ، فجعل الله تعالى ذلك بسبب العمل، والرسول ﷺ يقول: «لن يدخل الجنة أحد بعمله» مع أن الله يقول: ﴿بما كنتم تعملون﴾ ؟
стр. 178
والجواب على هذا الإشكال أن يقال: الباء تأتي للسببية، وتأتي للبدلية، فإذا قيل: دخل الرجل الجنة بعمله، فالمعنى السببية، وإذا قال: لن يدخل الجنة أحد بعمله، فالمعنى البدلية، وأضرب مثلاً يبين هذا: بعتك الثوب بدرهم، فالباء للبدلية، لأن الدرهم صار عوضاً عن الثوب، وإذا قلت: أدبت الولد بعبثه، هذه للسببية، إذن كلنا لن يدخل الجنة بعمله؛ لأن الله لو حاسبنا على عملنا ما قابل عملنا نعمة من نعم الله، نعمة واحدة. فالنفس الآن الذي هو من ضرورة الحياة يخرج منك ويدخل بدون تعب، وبدون مشقة، وكم يتنفس الإنسان في الدقيقة؟! فلو أننا حوسبنا على أعمالنا بالمعاوضة والمبادلة لكانت نعمة واحدة تستوعب جميع العمل، ونحن الآن لا نحس بنعمة النفس لكن لو أصيب أحد منا بكتم النفس لوجد أن النفس من أكبر نعم الله، لذلك نقول: إن الباء في قوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ للسببية وليست للبدلية، وفي قوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ شمول لكل العمل: الجوارح، والقلب، واللسان. فالجوارح: كالأفعال، كالركوع، والسجود. والأقوال: كالأذكار. والقلوب: كالخوف، والرجاء، والتوكل وما أشبه ذلك، فكل هذه تسمى أعمالنا.
﴿متكئين على سرر﴾ متكئين حال، أي: حال كونهم متكئين، والمتكىء تدل هيئته على أنه في سرور وانشراح وطمأنينة، لأن الاتكاء يدل على ذلك، والسرر جمع سرير، وهي الكراسي الفخمة المهيئة أحسن تهيئة للجالس عليها، ﴿مصفوفة﴾
стр. 179
أي مصفوف بعضها إلى بعض، يصفها الخدم والولدان، ﴿وزوجنهم بحور عين﴾ ، أي: قرناهم بحور عين، والحور جمع حوراء، والعين جمع عيناء، والأصل الحور هو البياض، وأما العيناء فهي التي كانت جميلة العين في سوادها وبياضها، فهن حسان الوجوه، حسان الأعين، ثم قال ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمن ألحقنا بهم ذريتهم﴾ أي: الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعاً هي الذرية الصغار، فيقول الله ﴿ألحقنا بهم ذريتهم﴾ أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم، وأما الكبار الذين تزوجوا فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة، لا يلحقون بآبائهم، لأن لهم ذرية فهم في مقرهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم فإنهم يرقون إلى آبائهم، وهذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: ﴿ومآ ألتنهم من عملهم من شيء﴾ أي: نقصناهم، يعني أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال: أخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعت من درجات الذرية، ﴿كل امرىء بما كسب رهين﴾ هذه قاعدة عامة في جميع العاملين أن كل واحد فإنه رهين بعمله لا ينقص منه شيء، أما الزيادة فهي فضل من الله ﵎ على من شاء من عباده ﴿وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون﴾ أمدهم الله تعالى، أي: أعطاهم عطاء مستمراً إلى الأمد وإلى الأبد بفاكهة وهي ما يتفكه به من المأكولات، ﴿ولحم مما يشتهون﴾ أي: مما يشتهونه ويستلذونه، وقد بين الله ﵎ نوع هذا اللحم بأنه لحم طير، وهو أشهى ما يكون
стр. 180
من اللحم وأبرأه وأمرأه ﴿يتنزعون فيها
كأساً﴾ أي: أن أهل الجنة ينازع بعضهم بعضاً على سبيل المداعبة، وعلى سبيل الأنس والانشراح ﴿كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ والمراد بها كأس الخمر، ومعنى ﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ أنه لا يحصل بها ما يحصل من خمر الدنيا، فإن خمر الدنيا يحصل بها السكر والهذيان، ولكن خمر الآخرة ليس فيها لغو ولا تأثيم، أي: لا يلغو بعضهم على بعض، ولا يتكلمون بالهذيان، ولا يعتدي بعضهم على بعض ﴿ويطوف عليهم﴾ أي: يتردد على أهل الجنة وهم على سررهم متكئين ﴿غلمان لهم﴾ أي: غلمان مهيئون لهم في الخدمة التامة المريحة ﴿كأنهم﴾ أي: الغلمان ﴿لؤلؤ مكنون﴾ أي: محفوظ عن الرياح وعن الغبار وعن غير ذلك مما يفسده، ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ أي صار بعضهم يسائل بعضاً، لكنه على وجه الأدب يتكلم معه وهو مقابل له لوجهه فلا يصعر خده له ولا يستدبره، بل يتكلم معه بأدب ومقابلة تامة ﴿قالوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿إنا كنا قبل﴾ أي: في الدنيا ﴿في أهلنا مشفقين﴾ أي خائفين من عذاب الله ﴿فمن الله علينا﴾ أي: أنعم علينا بنعمة عظيمة، ﴿ووقانا عذاب السموم﴾ أي: عذاب النار ﴿إنا كنا من قبل﴾ أي: قبل أن نصل إلى هذا المقر، وذلك في الدنيا ﴿ندعوه﴾ أي: نعبده ونسأله، لأن الدعاء يطلق على معنيين: على العبادة، وعلى السؤال، فمن إطلاقه على العبادة قول الله ﵎: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين﴾ .