الإنسان عن ربه، ودينه، ونبيه، فأجاب الصواب، فإنه يفرش له فراش من الجنة، ويُفتح له باب إلى الجنة، ويُفسح له في قبره مُدَّ البصر (١) ،
وجمعت الجنات في الآية لأنها أنواع، ذكر الله في سورة الرحمن أربعة أنواع ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ . ثم قال: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ . هذه الجنان الأربع تختلف بما جاء في وصفها في سورة الرحمن، ﴿إن المتقين في جنات ونعيم﴾ أي نعيم البدن، ونعيم القلب، فهم في سرور دائم، وهم في صحة دائمة، وهم في حياة دائمة، فجميع أنواع النعيم كاملة لهم، نسأل الله أن يجعلنا منهم ﴿فاكهين بمآ ءاتهم ربهم﴾ ، الفاكه هو المسرور، كما في قوله تعالى: ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين﴾ . أي: مسرورين ﴿بمآ ءاتهم ربهم﴾ أي: بما أعطاهم ربهم من النعيم، ﴿ووقاهم ربهم عذاب الجحيم﴾ فحصلوا على السلامة من الشرور بوقاية الجحيم، وعلى تمام السرور في جنات النعيم ﴿كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون﴾ (كلوا واشربوا) فعل أمر، وهذا الأمر ليس تكليفاً وإنما الأمر هنا للتكريم، أي يقال لهم: كلوا من كل ما في الجنة من النعيم ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ . ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ . وفيها من كل النعيم، ﴿واشربوا﴾ مما فيها من الأنهار، وأنهار الجنة ذكرها الله تعالى أربعة في سورة القتال ﴿مثل الجنة التى وعد المتقون فيهآ أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل
стр. 177
مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم﴾ .
هذه أربعة أنهار: من ماء غير آسن، أي: غير متغير، والمياه في الدنيا إذا لم يأتها ما يمدها وبقيت راكدة لابد أن تتغير فتكون آسنة، وماء الجنة لا يتغير، غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، واللبن في الدنيا إذا أبقي يتغير ويفسد، لكن في الآخرة لا يتغير، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وخمر الدنيا فيه رائحة كريهة ثم أنه يقلب العاقل إلى مجنون، وفيه أيضاً الصداع، وفيه فساد المعدة، لكنه في الجنة أنهار من خمر لذة للشاربين، وقد قال الله تعالى في سورة الصافات: ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ . والرابع ﴿وأنهار من عسل مصفى﴾ ﴿هنيئاً بما كنتم تعملون﴾ الهنيء هو الذي لا يكون له عاقبة سيئة، ولا تبعة من تجاوز، أو إسراف ﴿بما كنتم تعملون﴾ أي: بسبب ما كنتم تعملون، (فالباء) هنا للسببية، وليست الباء للعوض، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله» (١) .
فإن قيل: إن الله تعالى قال: ﴿كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون﴾ ، فجعل الله تعالى ذلك بسبب العمل، والرسول ﷺ يقول: «لن يدخل الجنة أحد بعمله» مع أن الله يقول: ﴿بما كنتم تعملون﴾ ؟
стр. 178
والجواب على هذا الإشكال أن يقال: الباء تأتي للسببية، وتأتي للبدلية، فإذا قيل: دخل الرجل الجنة بعمله، فالمعنى السببية، وإذا قال: لن يدخل الجنة أحد بعمله، فالمعنى البدلية، وأضرب مثلاً يبين هذا: بعتك الثوب بدرهم، فالباء للبدلية، لأن الدرهم صار عوضاً عن الثوب، وإذا قلت: أدبت الولد بعبثه، هذه للسببية، إذن كلنا لن يدخل الجنة بعمله؛ لأن الله لو حاسبنا على عملنا ما قابل عملنا نعمة من نعم الله، نعمة واحدة. فالنفس الآن الذي هو من ضرورة الحياة يخرج منك ويدخل بدون تعب، وبدون مشقة، وكم يتنفس الإنسان في الدقيقة؟! فلو أننا حوسبنا على أعمالنا بالمعاوضة والمبادلة لكانت نعمة واحدة تستوعب جميع العمل، ونحن الآن لا نحس بنعمة النفس لكن لو أصيب أحد منا بكتم النفس لوجد أن النفس من أكبر نعم الله، لذلك نقول: إن الباء في قوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ للسببية وليست للبدلية، وفي قوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ شمول لكل العمل: الجوارح، والقلب، واللسان. فالجوارح: كالأفعال، كالركوع، والسجود. والأقوال: كالأذكار. والقلوب: كالخوف، والرجاء، والتوكل وما أشبه ذلك، فكل هذه تسمى أعمالنا.
﴿متكئين على سرر﴾ متكئين حال، أي: حال كونهم متكئين، والمتكىء تدل هيئته على أنه في سرور وانشراح وطمأنينة، لأن الاتكاء يدل على ذلك، والسرر جمع سرير، وهي الكراسي الفخمة المهيئة أحسن تهيئة للجالس عليها، ﴿مصفوفة﴾
стр. 179
أي مصفوف بعضها إلى بعض، يصفها الخدم والولدان، ﴿وزوجنهم بحور عين﴾ ، أي: قرناهم بحور عين، والحور جمع حوراء، والعين جمع عيناء، والأصل الحور هو البياض، وأما العيناء فهي التي كانت جميلة العين في سوادها وبياضها، فهن حسان الوجوه، حسان الأعين، ثم قال ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمن ألحقنا بهم ذريتهم﴾ أي: الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعاً هي الذرية الصغار، فيقول الله ﴿ألحقنا بهم ذريتهم﴾ أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم، وأما الكبار الذين تزوجوا فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة، لا يلحقون بآبائهم، لأن لهم ذرية فهم في مقرهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم فإنهم يرقون إلى آبائهم، وهذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: ﴿ومآ ألتنهم من عملهم من شيء﴾ أي: نقصناهم، يعني أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال: أخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعت من درجات الذرية، ﴿كل امرىء بما كسب رهين﴾ هذه قاعدة عامة في جميع العاملين أن كل واحد فإنه رهين بعمله لا ينقص منه شيء، أما الزيادة فهي فضل من الله ﵎ على من شاء من عباده ﴿وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون﴾ أمدهم الله تعالى، أي: أعطاهم عطاء مستمراً إلى الأمد وإلى الأبد بفاكهة وهي ما يتفكه به من المأكولات، ﴿ولحم مما يشتهون﴾ أي: مما يشتهونه ويستلذونه، وقد بين الله ﵎ نوع هذا اللحم بأنه لحم طير، وهو أشهى ما يكون
стр. 180
من اللحم وأبرأه وأمرأه ﴿يتنزعون فيها
كأساً﴾ أي: أن أهل الجنة ينازع بعضهم بعضاً على سبيل المداعبة، وعلى سبيل الأنس والانشراح ﴿كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ والمراد بها كأس الخمر، ومعنى ﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ أنه لا يحصل بها ما يحصل من خمر الدنيا، فإن خمر الدنيا يحصل بها السكر والهذيان، ولكن خمر الآخرة ليس فيها لغو ولا تأثيم، أي: لا يلغو بعضهم على بعض، ولا يتكلمون بالهذيان، ولا يعتدي بعضهم على بعض ﴿ويطوف عليهم﴾ أي: يتردد على أهل الجنة وهم على سررهم متكئين ﴿غلمان لهم﴾ أي: غلمان مهيئون لهم في الخدمة التامة المريحة ﴿كأنهم﴾ أي: الغلمان ﴿لؤلؤ مكنون﴾ أي: محفوظ عن الرياح وعن الغبار وعن غير ذلك مما يفسده، ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ أي صار بعضهم يسائل بعضاً، لكنه على وجه الأدب يتكلم معه وهو مقابل له لوجهه فلا يصعر خده له ولا يستدبره، بل يتكلم معه بأدب ومقابلة تامة ﴿قالوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿إنا كنا قبل﴾ أي: في الدنيا ﴿في أهلنا مشفقين﴾ أي خائفين من عذاب الله ﴿فمن الله علينا﴾ أي: أنعم علينا بنعمة عظيمة، ﴿ووقانا عذاب السموم﴾ أي: عذاب النار ﴿إنا كنا من قبل﴾ أي: قبل أن نصل إلى هذا المقر، وذلك في الدنيا ﴿ندعوه﴾ أي: نعبده ونسأله، لأن الدعاء يطلق على معنيين: على العبادة، وعلى السؤال، فمن إطلاقه على العبادة قول الله ﵎: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين﴾ .
стр. 181
وأما الدعاء بمعنى السؤال ففي قوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون﴾ .
فقولهم: ﴿إنا كنا من قبل ندعوه﴾ يشمل دعاء العبادة كالصلاة، والصدقة، والصيام، والحج، وبر الوالدين وصلة الأرحام، كل هذا دعاء، وإن كان هو عبادة، فلو سألت الداعي لماذا تعبد الله، ولو سألت العابد لماذا تعبد الله؟ لقال: أرجو رحمته وأخاف عذابه، فتكون هذه العبادة بمعنى الدعاء، كذلك ندعوه دعاء مسألة، لا يسألون غير الله ولا يلجئون إلا إلى الله، لأنهم يعلمون أنهم مفتقرون إليه، وأنه هو القادر على كل شيء ﴿إنه هو البر الرحيم﴾ (البر) بمعنى الواسع الإحسان والرحمة، ومن ذلك البرية، للمكان الخالي من الأبنية، فالمعنى أنه جل وعلا واسع الإحسان والعطاء والجود (الرحيم) أي ذو الرحمة البالغة، يرحم بها من يشاء من عباده ﵎، وفي هذه الآيات بيان نعيم أهل الجنة، وفيها أيضاً أن الله لما ذكر عذاب أهل النار ذكر نعيم أهل الجنة، لأن هذا القرآن الكريم مثاني تثنى فيه المعاني، إذا ذكر فيه الخير ذكر فيه الشر، وإذا ذكر فيه نعيم المتقين ذكر فيه جحيم الكافرين، وهكذا حتى يكون قارىء القرآن بين الخوف والرجاء، إن قرأ آيات النعيم رجا، وإن قرأ آيات العذاب خاف، فيعبد الله ﵎ بهذا وهذا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الجنات الناجين من الدركات، إنه على كل شيء قدير.
﴿فذكر فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ ،
стр. 182
الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمذكر محذوف، والتقدير: ذكر الناس، أو إن شئت فقل: ذكر من أرسلت إليهم من الجن والإنس، ﴿فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ هذا نفي لما ادعاه المكذبون للرسول ﷺ بأنه كاهن أو مجنون، قال الله تعالى: ﴿فذكر فمآ أنت بنعمة ربك﴾ أي بإنعام ربك عليك بما أنزل عليك، من الوحي لست ﴿بكاهن ولا مجنون﴾ ، والكاهن هو الذي يخبر عن الغيبيات في المستقبل، وكانت الكهانة في الجاهلية مشهورة، يكون للإنسان رئي من الجن يصحبه ويخدمه، ثم يصعد الجني إلى السماء يستمع ما يقال في السماء، وينزل به على هذا الكاهن، فيكون هذا علم غيب عن أهل الأرض، لكن الكاهن يزيد عليه أشياء كثيرة يتخرصها، فإذا وقع ما سمعه من السماء صار عظيماً في قومه، لأنه أخبر عن شيء مستقبل فوقع، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاء بالوحي رده المشركون وكذبوه، وقالوا: إنما جاء به محمد من الكهانة، لأن الكهان يخبرون عن الشيء فيقع، ولأن الكهان أيضاً يأتون بكلام مسجوع يشبه القرآن، والقرآن آيات مفصلة، أتى بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا قال النبي ﷺ في كلام حمل بن النابغة الذي قال: (يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل) فقال النبي ﷺ : «إنما هو من إخوان الكهان» (١)
من أجل سجعه الذي سجع، فهم
стр. 183
يقولون: إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاهن، فنفى الله ذلك، ثم قالوا: إنه مجنون يأتي بما لا يعرف، فكذبهم الله فقال: ﴿فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ هذه الجملة منفية مؤكدة بالباء، الباء الزائدة إعراباً، المفيدة معنى، وأصلها (فما أنت بنعمة ربك كاهناً ولا مجنوناً) لكن زيدت الباء توكيداً للنفي، ثم قال الله تعالى: ﴿أم يقولون شاعر﴾ يعني بل أيقولون، و (أم) هذه تسمى عند المعربين منقطعة، يعني لا عاطفة، لأن (أم) تأتي عاطفة وتأتي منقطعة، فهنا منقطعة، والتقدير (بل أيقولون شاعر؟) والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم، والشاعر هو الذي يأتي بكلام مقفى ويتضمن شعره أحياناً حكماً، ولهذا جاء في الحديث: «إن من البيان لسحراً» (١) «وإن من الشعر لحكمة» (٢) فيقولون: محمد شاعر ﴿نتربص به﴾ أي ننتظر به ﴿ريب المنون﴾ أي: حوادث الدهر وقوارعه، فيهلك كما هلك الشعراء من قبله، ولا يكون له أثر، فانظر - والعياذ بالله - كيف يترقبون موت الرسول ﵊ يقولون: هذا شاعر من جنس الشعراء يهلك وينتهي أمره، وقوله: ﴿ريب المنون﴾ ، قيل: إن المنون هو الدهر، وقيل: إن المنون هو الموت، وهما متلازمان، والمراد بذلك حوادث الدهر المهلكة المبيدة.
﴿قل﴾ في جوابهم ﴿تربصوا﴾ والأمر هنا للتهديد
стр. 184
والتحدي أيضاً، تربصوا بهذا الشاعر ريب المنون، وانظروا هل يموت وتموت دعوته، أو أنكم أنتم تموتون وتموت معارضتكم، ﴿فإني معكم من المتربصين﴾ يعني فأنا منتظر أيضاً، انتظروا أنتم، وأنا أنتظر لمن تكون العاقبة، وصارت العاقبة والحمد لله للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿أم تأمرهم﴾ أم هنا نقول: إنها منقطعة، وأم المنقطعة تقدر ببل، والتقدير: بل أتأمرهم؟ وهذا انتقال من الأول إلى الثاني ﴿أم تأمرهم أحلمهم بهذآ﴾ فيقولون: إنه مجنون إنه كاهن، إنه شاعر، هل عقولهم تأمرهم بهذا؟ الجواب: ﴿أم تأمرهم أحلمهم بهذآ﴾ أي بل لا تأمرهم عقولهم بهذا، وكثير منهم يعلم أن محمداً رسول الله ﷺ حق، لكن غلبتهم الكبرياء - والعياذ بالله - فأنكروا وكذبوا ولهذا قال: ﴿أم هم قوم طاغون﴾ أي: بل هم قوم طاغون معتدون ظالمون، وأصل الطغيان مجاوزة الحد، كما في قوله تعالى: ﴿إنا لما طغا الماء﴾ أي: ازداد وارتفع عن عادته ﴿حملناكم في الجارية﴾ بل هم قوم طاغون.
﴿أم يقولون تقوله﴾ أم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة، والمعنى بل أيقولون تقوله أي: اختلقه وكذب به، وهذاقسم منهم، قالوا: محمد ﵊ تقوَّل هذا القرآن واختلقه من عنده، وبعضهم يقولون: إنما يعلمه بشر ﴿بل لا يؤمنون﴾ يعني بل هم لا يؤمنون، ولو آمنوا لعلموا أن القرآن لا يمكن أن يتقوَّله بشر، لأن كلام الله لا يشبهه أي كلام، ثم تحداهم فقال: ﴿فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين﴾ يعني إذا
стр. 185
كنت أنت تقوَّلته فأنت مثلهم بشر تتكلم كما يتكلمون، وتخطب كما يخطبون، وتقول كما يقولون، فإذا كنت متقوِّلاً له وهو من عندك فليأتوا بحديث مثله، لأن البشر يمكن أن يأتي بكلام يشبه كلام البشر الآخر، فإذا كان محمد ﷺ تقوَّله فهاتوا مثله ﴿فليأتوا﴾ ، اللام هنا للأمر، والمقصود به التحدي والتعجيز، ﴿إن كانوا صادقين﴾ ، وهذا غاية التحدي، فعجزوا وما استطاعوا أن يأتوا بحديث مثله، مع أنهم أمراء البلاغة، وسلاطين الفصاحة، لكن عجزوا، فدل عجزهم على أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو من كلام الله ولهذا قال: ﴿فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين﴾ ومع قوة المعارضة وقوة البلاغة والفصاحة عجزوا أن يأتوا بحديث مثله فما استطاعوا، فدل ذلك على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتقوله، ولن يستطيع أن يأتي بمثله، وفي قوله: ﴿فليأتوا بحديث مثله﴾ كلمة (حديث) نكرة، والنكرة تدل على الإطلاق، لكن جاء في آية أخرى أن الله قال: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ . ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ .
وجاء في آية أخرى الإخبار بأنه لن يستطيع أحد أن يعارض القرآن، فقال تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ . فتبين بطلان قولهم: إنه تقوَّله؛ لأن الله تحداهم أن يأتوا بمثله، إن كانوا صادقين في دعواهم أنك تقوَّلته فليأتوا
стр. 186
بحديث مثله ولكنهم عجزوا. ثم قال الله تعالى مستدلاً بربوبيته على ألوهيته قال: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ بمعنى بل، والهمزة (بل أخلقوا من غير شيء) أي: من غير خالق، أم هم الخالقون، والجواب: لا خلقوا من غير خالق، ولا هم الخالقون، أما كونهم لم يخلقوا من غير خالق، فلأن القاعدة العقلية الحسية التي أجمع عليها العقلاء أن كل محدث لابد له من محدث، فإذا كان كل محدث لابد له من محدث، فإذا نظرنا في أنفسنا فنحن حادثون قال الله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ .
فالواحد منا الذي له عشرون سنة، هو قبل اثنتين وعشرين سنة ليس شيئاً مذكوراً، ولا يعرف ولا يدرى عنه، إذن نحن حادثون، وكل حادث لابد له من مُحدث، فهل أنتم خلقتم بغير محدث؟ الجواب: لا، وهذا جواب عقلي لا ينكر، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ الجواب: لا، لأنهم قبل أن يوجدوا عدم، وكيف يمكن للعدم أن يخلق؟ لا يمكن هذا، فإذا تبين أنهم لم يخلقوا من غير خالق، وأنهم لم يخلقوا أنفسهم تعين أن يكون لهم خالق قادر على إيجادهم وهو الله ، ولا يستطيع أحد منهم أن يقول: إن الذي خلقني أبي أو أمي، فإذا لم يكن كذلك تعين أن يكون لهم خالق وهو الله ﵎، وإذا كان لهم خالق وهم مخلوقون مربوبون مدبرون، فالواجب أن يخضعوا لهذا الخالق، وأن يعبدوه وحده، كما أنه هو الخالق وحده، وهذه الآية سمعها جبير بن مطعم وكان قد قدم إلى المدينة وهو مشرك، على النبي ﷺ في طلب الفداء لأسرى بدر، وغزوة
стр. 187
بدر انتصر فيها النبي ﷺ وأصحابه ﵃ والحمد لله - وقتلوا من قريش سبعين رجلاً، وأسروا سبعين رجلاً، وجاءوا بهم إلى المدينة، وانقسموا إلى أقسام، منهم من أطلقه النبي ﵊، ومنّ عليه، ومنهم من فداه بمال، ومنهم من فداه بأسير ومنهم من فداه بتعليم أهل المدينة الكتابة، وجبير بن مطعم أتى إلى النبي ﵊ يطلب فداء أسرى بدر لأنه من صميم قريش، والأسرى أيضاً من قريش، ويظهر لي - والله أعلم - أن جبيراً سمع قول النبي ﷺ : «لو كان المطعم بن عدي حيًّا فكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» (١) .
وذلك أن مطعم بن عدي لما رجع النبي ﵊ من الطائف أجاره، وصار يمشي معه من حين دخل مكة إلى أن وصل إلى الكعبة، وأمر أبناءه وهم متقلدي السيوف أن يقف كل واحد على ركن من أركان الكعبة حتى لا يعتدي على الرسول أحد، وقال لرسول الله ﷺ : طف. واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف فأقبل أبو سفيان إلى مطعم، فقال: أمجير أم تابع؟ قال: لا بل مجير. قال: إذاً لا تُخْفَر. فجلس معه حتى قضى رسول الله ﷺ طوافه، فلما انصرف انصرفوا معه.
فهو أحسن إلى النبي ﵊، فقال النبي ﵊ وهو أوفى الناس ﵊ بكرمه قال: «لو كان المطعم بن عدي حيًّا فكلمني في هؤلاء النتنى» أي: الأسرى، ووصفهم بأنهم نتنى؛ لأن
стр. 188
المشركين نجس، والنتن هو الرائحة الكريهة «في هؤلاء النتنى لتركتهم له» وجبير ابنه فلعله - والله أعلم - سمع بهذه المقالة فجاء إلى النبي ﷺ يطلب فداء الأسرى، وكان الرسول ﵊ يقرأ في المغرب بسورة الطور ولما بلغ هذه الآية: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ قال جبير: (كاد قلبي يطير) لأن هذه حجة ملزمة لا يمكن أن يتخلص منها أحد، قال: (ووقر الإيمان في قلبي) يعني معناه أنه دخل الإيمان في قلبه، سبحان الله، فانظر تأثير القرآن الكريم مع أن الرسول ﷺ ما دعاه في تلك الساعة، لكن سمع هذه الآية العجيبة العظيمة، فكاد قلبه يطير، ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ والجواب بكل سهولة: لا، في الأمرين، لا خلقوا من غير شيء، ولا هم الخالقون، بل لهم خالق وهو الله ، ولا أحد يمكن أن ينكر هاتين المقدمتين كلها حجة قطعية تدمغ كل كافر، يعني إذا قال: نعم لي خالق خلقني قلنا: إذن لماذا لا تعبده، لأنك عبد له مملوك له ﴿أم خلقوا السماوات والأَرض﴾ انتقل من الأدنى إلى الأعلى خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، فانتقل من الأدنى إلى الأعلى ﴿أم خلقوا السماوات والأَرض﴾ والجواب: لا، لأن أم هنا مثل سابقاتها، بل أخلقوا السموات والأرض، والجواب: لا، وهم يقرون بهذا ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأَرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ .
ولكن مع ذلك لا يعترفون بالرسالة، ولهذا قال: ﴿بل لا يوقنون﴾ ، يعني ليس عندهم إيقان في خلق السموات والأرض أن الذي خلقهم هو الله، لأنه لو كان عندهم
стр. 189
يقين لحملهم هذا اليقين على تصديق النبي ﷺ والإقرار برسالته. وهذه الإلزامات العظيمة التي ألزم الله تعالى بها قريشاً كل هذا من أجل إقامة الحجة عليهم، ولو شاء لعاقبهم بدون أن تكون هذه المجادلة وهذه المناقشة.
﴿أم عندهم خزآئن ربك أم هم المسيطرون﴾ أم هنا بمعنى بل، والهمزة، يعني بل أعندهم خزائن الله، يعني خزائن رزق الله حتى يمنعوا من شاءوا، ويعطوا من شاءوا، والجواب: ليس عندهم ذلك، ولا يملكون شيئاً من هذا، بل الذي يملك الرزق عطاء ومنعاً هو الله ﵎، ولما نفى أن يكون عندهم خزائن الله، قال: ﴿أم هم المسيطرون﴾ يعني بل أهم الذين لهم السيطرة والغلبة والسلطان والكلمة؟ والجواب: لا، فإذا لم يكن لهم شيء من هذا صاروا مربوبين، وصاروا أذلاء أمام قوة الله ، ثم قال تعالى: ﴿أم لهم سلم يستمعون فيه﴾ يعني بل ألهم سلم يستمعون فيه، والسلم هو المصعد والمرقى، والمعنى: هل لهم سلم يصعدون فيه على السماء يستمعون ما يقال في السماء؟ والجواب: لا، فإن ادعوا ذلك ﴿فليأت مستمعهم بسلطان مبين﴾ أي: بحجة بينة ظاهرة على أنه استمع ما يقال في السماء، والجواب: لن يجدوا إلى ذلك سبيلاً، اللهم إلا الكهنة الذين لهم رئي من الجن يستمع إلى ما يقال في السماء، ثم يكذب مئة كذبة على ما سمع، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعها من السماء، ثم قال تعالى: ﴿أم له البنت ولكم البنون﴾ وهذا أيضاً بمعنى بل، والاستفهام للتوبيخ والإنكار، يعني أيكون لله
стр. 190
البنات ولهم البنون، لأنهم ادعوا أن جند الله تعالى بنات، وأن لهم البنين، ومعلوم أن من له البنين غالب على من له البنات، لأن جنده رجال ذكور، أقوى وأحزم وأقدم من النساء، وقد جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، كما قال الله تعالى عنهم ذلك قال: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إنثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون﴾ .
يعني لم يشهدوا خلقهم حتى يقولوا: إنهم بنات ﴿ستكتب شهادتهم﴾ أي شهادتهم هذه التي هي زور وكذب، ﴿ويسئلون﴾ ، فهؤلاء المكذبون للرسول ﵊ من قريش قالوا: لهم البنون ولله البنات، قال الله تعالى: ﴿ويجعلون لله البنت سبحانه ولهم ما يشتهون﴾ . والذين يشتهون هم الذكور حتى إن أحدهم إذا بُشِّر بالأنثى ﴿ظل وجهه مسودا وهو كظيم﴾ . أي: مملوء غيظاً وغمًّا ﴿يتوارى من القوم﴾ يختبىء من القوم ﴿من سوء ما بشر به﴾ . ثم يتردد ﴿أيمسكه على هون﴾ أي: على ذل وهوان ﴿أم يدسه في التراب﴾ يرميه فيه وهذه المؤودة ﴿ألا ساء ما يحكمون﴾ .
﴿أم تسئلهم أجراً فهم من مغرم مثقلون﴾ يعني بل أتسألهم، والاستفهام هنا للنفي وكل (أم) هنا الاستفهام للنفي والتوبيخ، يعني هل أنت يا محمد حين دعوتهم إلى الله هل أنت تقول أعطوني أجراً مثقلاً كبيراً لا يستطيعونه حتى يردوك، والجواب: لا، قال الله تعالى: ﴿قل مآ أسئلكم عليه من أجر ومآ أنآ من المتكلفين﴾ . فالنبي ﷺ لم يقل لأي واحد: أعطني أجراً على دعوتي إياك، بل هو ﷺ يبذل المال ليؤلف القلوب، كما أعطى
стр. 191
المؤلفة قلوبهم من الأموال شيئاً عظيماً، وليس يطلب من أحد أي عوض على ما جاء به من الرسالة، واستدل بعض أهل العلم على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجراً على تعليم العلم بمعنى مؤاجرة، يقول الإنسان: لا أعلمك إلا بكذا وكذا، لكن هذا فيه نظر، لأن النبي ﷺ قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» (١) . ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ أي: ماغاب عن الناس فهم يحفظونه، والجواب: لا، ليس عندهم علم الغيب، بل إن الرسول ﵊ نفسه لا يعلم شيئاً من الغيب، يكون الشيء في داره لا يعلمه، حتى إنه دخل ذات يوم والبرمة على النار تغلي باللحم، ولم يعلم ما هو، وحتى إن أبا هريرة كان معه فانخنس منه ولم يعلم لأي شيء ذهب، فالحاصل أن الرسول نفسه لا يعلم الغيب، فمن دونه من باب أولى، وقد أمره الله تعالى أن يعلن بأنه لا يعلم الغيب، فقال تعالى: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾ .
وهنا يقول تعالى لهؤلاء المكذبين ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ ، والجواب: لا، ثم قال: ﴿أم يريدون كيداً﴾ يعني أيريد هؤلاء أن يكيدوا لك يا محمد بإبطال دعوتك، وإهلاكك وإماتتك، الجواب: نعم، ولكن كيدهم ليس بشيء بالنسبة إلى كيد الله ، قال الله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ . وقد كادوا له أعظم كيد، فإنهم اجتمعوا ماذا يصنعون بمحمد لما رأوا دعوته تنتشر، وأنه لا قبل لهم بردها، اجتمعوا يتشاورون، وذكروا ثلاثة
стр. 192
آراء: الحبس، والقتل والإخراج، ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ أي: يحبسوك ﴿أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ ، قال الله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ واستقر رأيهم على القتل، لكن من يستطيع أن يقتله، لأن بني هاشم سوف يطالبون؟ قالوا: يجتمع عشرة شبان من قبائل متفرقة من العرب، ويعطى كل واحد منهم سيفاً صارماً، ويضربون محمداً ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل فتعجز بنو هاشم عن المطالبة، فعلوا ذلك، ولكنهم مكروا ومكر الله ﴿والله خير الماكرين﴾ فأنجاه الله منهم ثم أذن له أن يهاجر، فهاجر إلى المدينة، ﴿أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون﴾ الجملة هنا جملة اسمية معرف طرفاها مفصولة بضمير الفصل، مما يدل على التوكيد والحصر يعني فالكيد للذين كفروا.
وهنا قال تعالى: ﴿أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون﴾ لم يقل: أم يريدون كيداً فهم المكيدون، وهذا الأسلوب عند علماء البلاغة يسمى الإظهار في موضع الإضمار، ومعناه بدل أن يقال: (فهم المكيدون) قال الله تعالى: ﴿فالذين كفروا﴾ ولهذا فائدة بل أكثر، إذا قال (فالذين كفروا) معناه أن هؤلاء كفار، ومعناه أن من كان كافراً فهو المكيد، وإن كان من غير هؤلاء، هاتان فائدتان معنويتان، الفائدة الثالثة: تنبيه المخاطب، لأن الكلام إذا كان على نسق واحد ربما يغفل الإنسان، لكن إذا جاء شيء يخرج الكلام عن النسق انتبه، ثم قال تعالى: ﴿أم لهم إله غير الله﴾ يعني بل ألهم إله غير الله؟ والجواب حقيقة: لا. وادعاءً: نعم لهم آلهة غير الله يعبدونها: اللات
стр. 193
والعزى ومناة، وهبل وغيرها من الأصنام المعروفة عند العرب، ولهذا قال: ﴿سبحان الله عما يشركون﴾ فنزه الله نفسه عما يشرك به هؤلاء، ليبين أن هذه الأصنام باطلة، وأن الله منزه عن كل شريك.
﴿وإن يروا كسفاً من السماء سقطاً يقولوا سحاب مركوم﴾ الكسف معناه قطع العذاب، ﴿يقولوا سحاب مركوم﴾ وهذا يدل على أنهم يرون أنهم على حق، وأنهم غير مستحقين للعذاب، وأن هذا الكسف النازل قطع العذاب ما هي إلا سحب متراكمة، وهذا كقول عاد حين رأوا الرياح مقبلة عليهم قالوا: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ . لأن هؤلاء المكذبين - والعياذ بالله - معاندون يرون أنهم على حق، وأنهم غير مستحقين للعذاب، فإذا رأوا العذاب قالوا: هذا شيء عادي، ولن نهابه ولن نخافه، قال الله تعالى: ﴿فذرهم﴾ أتركهم ﴿في خوضهم﴾ بأقوالهم ﴿يلعبون﴾ بأفعالهم ويلهون في الدنيا ويرون أنهم على حق ﴿حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون﴾ وهو يوم موتهم، يعني اترك هؤلاء فإن مآلهم إلى الموت وإن فروا، وهم إذا لاقوا يومهم الذي يوعدون عرفوا أنهم على باطل، وأن محمداً ﷺ على الحق ﴿يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئاً ولا هم ينصرون﴾ فإذا جاءهم الموت ما أغنى عنهم كيدهم شيئاً؛ لأنهم في قبضة الله، وقد انتهى استعتابهم، وليس أمامهم إلا العذاب ﴿وإن للذين ظلموا﴾ والمراد بهم الكفار، قال الله تعالى: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ . ﴿عذاباً دون ذلك﴾ ، يعني دون عذاب الموت، وهو ما أصيبوا به من الجدب والقحط والخوف
стр. 194
والحروب وغير ذلك مما كان قبل الموت ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ ، بل أكثرهم في غفلة عن هذا، ولا يظنون أن ذلك من العذاب في شيء.
﴿واصبر لحكم ربك﴾ اصبر يا محمد ﵊، والصبر حبس النفس عما لا ينبغي فعله، وقوله ﴿لحكم ربك﴾ يشمل الحكم الكوني، والحكم الشرعي، يعني اصبر لما حكم به ربك من وجوب إبلاغ الرسالة وإن أصابك ما يصيبك، واصبر لحكم ربك القدري الكوني، وهو ما يقدره الله تعالى عليك من هؤلاء السفهاء من السخرية والعدوان والظلم، ولقد أوذي النبي ﷺ كما أوذي إخوانه من المرسلين، أوذي إيذاءً عظيماً، وضع الكفار سلا الجزور على ظهره وهو ساجد تحت الكعبة، في أأمن مكان (١) ، وضرب، ورمي بالحجارة حين خرج إلى أهل الطائف حتى أدموا عقبه صلوات الله وسلامه عليه، ولم يفق إلا وهو في قرن الثعالب (٢) ، ويلقون القاذورات والأنتان على عتبة بابه ﵊، ويقول: «أي جوار هذا» وهذا من امتثال أمر الله، حيث قال الله له: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ أي: فإننا نراك بأعيننا ونراقبك ونلاحظك، ونعتني بك، وهذا كما يقول القائل لمن أشفق عليه وأحبه: أنت في عيني، ومن المعلوم أن
стр. 195
مثل هذا الأسلوب لا يعني أن مخاطبه حال في عينه، بل المعنى أنت مني على مرأى، وعلى رقابة، وعلى حماية. وفي هذه الآية إثبات العين لله وهي حقيقية ولكنها لا تماثل أعين الخلق، لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ .
﴿وسبح بحمد ربك حين تقوم﴾ أي: قل: سبحان الله وبحمده ﴿حين تقوم﴾ من أي شيء، حين تقوم من مجلسك، أو حين تقوم من منامك، فهي عامة، ولهذا كان كفارة المجلس أن يقول الإنسان: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» (١) ، فينبغي للإنسان كلما قام من مجلس أن يختم مجلسه بهذا: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ، ﴿ومن الليل فسبحه﴾ يعني وسبح ربك من الليل لا كل الليل، و (من) هنا للتبعيض، ولهذا لما سمع النبي ﷺ بأقوام من أصحابه قال أحدهم: (أنا أقوم ولا أنام) قال النبي ﷺ : «أما أنا فأقوم وأنام، ومن رغب عن سنتي فليس مني» (٢) ولذلك يكره للإنسان أن يقوم الليل كله حتى لو كان فيه قوة ونشاط، فلا يقوم الليل كله إلا في العشر الأواخر من رمضان، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحيي ليلها كله (٣) ، ﴿وإدبار النجوم﴾ يعني وقت أدبارها، وهل المراد
стр. 196
أدبار ضوئها بانتشار نور الشمس، أو أدبار ذواتها عند الغروب؟ فالجواب هذا وهذا، والمراد بذلك صلاة الفجر، لأن صلاة الفجر بها تدبر النجوم، وصلاة الفجر وصلاة العصر هما أفضل الصلوات الخمس، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها فافعلوا» (١)
والمراد بالصلاة قبل طلوع الشمس أي صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة العصر، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من صلى البردين دخل الجنة» (٢) والبردان هما صلاة الفجر، وصلاة العصر، فصلاة الفجر براد الليل، وصلاة العصر براد النهار، ﴿ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾ وبهذا انتهى الكلام بما يسر الله على سورة الطور، نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
стр. 197
تفسير سورة النجم
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ، تقدم الكلام عليها، ﴿والنجم إذا هوى﴾ النجم اسم جنس يُراد به جميع النجوم، وقوله ﴿إذا هوى﴾ : لها معنيان، المعنى الأول: إذا غاب، والمعنى الثاني: إذا سقط منه شهاب على الشياطين التي تسترق السمع وهو مقسم به ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ هذا جواب القسم، أي المقسم عليه ﴿ما ضل صاحبكم﴾ أي: ما جهل، ﴿وما غوى﴾ أي: ما عاند، لأن مخالفة الحق إما أن تكون عن جهل، وأما أن تكون عن غي، قال الله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ فإذا انتفى عن النبي ﷺ الجهل، وانتفى عنه الغي تبين أن منهجه ﷺ علم ورشد، علم ضد الجهل وهو الضلال، ﴿ما ضل صاحبكم﴾ ورشد ضد الغي ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ إذاً النبي ﵊ كلامه حق وشريعته حق، لأنها عن علم ورشد، وقوله: ﴿ما ضل صاحبكم﴾ يخاطب قريشاً، جاء بهذا الوصف لفائدتين:
الأولى: الإشارة إلى أنهم يعرفونه، ويعرفون نسبه، ويعرفون صدقه، ويعرفون أمانته، فهو ليس شخصاً غريباً عنهم حتى يقولوا لا نؤمن به، لأننا لا نعرفه، بل هو صاحبهم الذي نشأ فيهم، فكيف بالأمس يصفونه بالأمين، والآن يصفونه بالكاذب الخائن.
الثانية: أنه إذا كان صاحبهم فإن مقتضى الصحبة أن يصدقوه وينصروه لا أن يكونوا أعداء له. فهو لم يقل «ما ضل
стр. 198
رسول الله» أو «ما ضل محمد» ، بل قال: ﴿ما ضل صاحبكم﴾ ، فالفائدة من هذا هو أن مقتضى الصحبة أن يكونوا عارفين به، ومقتضى الصحبة أن يكونوا مناصرين له ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ أي: لا يتكلم بشيء صادر عن الهوى بأي حال من الأحوال، فما حكم بشيء من أجل الهوى، ولكنه ينطق بما أوحي إليه من القرآن، وما أوحي إليه من السنة، وما اجتهد به صلى الله عليه وعلى آله وسلم اجتهاداً يريد به المصلحة، فنطقه ﵊ ثلاثة أقسام: الأول: أن ينطق بالقرآن. الثاني: أن ينطق بالسنة الموحاة إليه التي أقرها الله تعالى على لسانه.
الثالث: أن ينطق باجتهاد لا يريد به إلا المصلحة، أما نحن فننطق عما نريد به المصلحة، وننطق عن الهوى، وليس كل إنسان منا سالم من الهوى، يميل مع صاحبه، ويميل مع قريبه، ويميل مع الغني، ويميل مع الفقير، لكن النبي ﷺ لا يمكن أن يتكلم عن هوى، وإذا كان لايمكن أن ينطق عن الهوى صار لا ينطق إلا بحق ﴿إن هو إلا وحى يوحى﴾ يعني ما القرآن ﴿إلا وحى يوحى﴾ ، أي: وحي من الله والواسطة بين الله وبين الرسول ﴿علمه شديد القوى﴾ يعني علم النبي ﷺ هذا الوحي شديد القوى، أي: ذو القوة الشديدة، فهو من إضافة الصفة إلى موصوفها، وهو جبريل ﵇، كما قال الله تعالى: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ فجبريل ﵇ قوي شديد أمين كريم، لا يمكن أبداً أن يفرط بهذا الوحي الذي نقله إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال تعالى: ﴿نزل به الروح الأَمين على
стр. 199
قلبك لتكون من المنذرين﴾ . ﴿ذو مرة فاستوى﴾ المرة: الهيئة الحسنة، فهو ذو قوة، وذو جمال وحسن، وقد رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صورته التي خُلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق (١) ، فهو الذي نزل بهذا القرآن، حتى ألقاه على رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿نزل به الروح الأَمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾ .
وقوله: ﴿فاستوى﴾ أي فعلى، أو فكمل؛ لأن الاستواء في اللغة العربية تارة يذكر مطلقاً دون أن يقيد، فيكون معناه الكمال، ومنه قوله تعالى: ﴿ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا﴾ أي: كمل، وتارة يقيد بعلى فيكون معناه العلو، كما في قوله تعالى: ﴿وجعل لكم من الفلك والأَنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾ فقال: ﴿لتستووا على ظهوره﴾ ، وقال: ﴿إذا استويتم عليه﴾ أي: علوتم عليه، ومنه قوله تعالى فيما وصف به نفسه: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ أي: علا عليه العلو الخاص بالعرش، وهذا غير العلو المطلق على جميع المخلوقات، وتارة يتعدى بإلى، ويقال: استوى إلى كذا، فيفسر بأنه القصد والانتهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ وتارة يقيد بالواو فيكون معناه التساوي مثل قولهم: استوى الماء والخشبة، أي ساواه، فقوله هنا: ﴿فاستوى﴾ يحتمل أن
стр. 200
المعنى استوى على؛ لأن جبريل ينزل من السماء، فيلقي الوحي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يصعد إلى السماء، ويحتمل معناه كمل، ويكون كامل القوة، والهيئة، وكامل من كل وجه مما يليق بالمخلوقات، ﴿وهو﴾ ، أي جبريل ﵊ ﴿بالأُفق الأَعلى﴾ أي: الأرفع، وهو أفق السماء، ﴿ثم دنا﴾ أي من النبي ﷺ ، ﴿فتدلى﴾ أي: قرب من فوق، ﴿فكان﴾ أي: جبريل من النبي ﷺ ﴿قاب قوسين أو أدنى﴾ ، وهذا مثل يضرب للقرب، ﴿قاب قوسين﴾ يعني قريباً جداً، بل أدنى، فقوله ﴿أو أدنى﴾ بمعنى بل، أي بل هو أدنى من ذلك، ﴿فأوحى﴾ أي: جبريل ﴿إلى عبده مآ أوحى﴾ أي: إلى عبد الله، فالضمير في ﴿أوحى﴾ يعود على جبريل والضمير في ﴿عبده ما أوحى﴾ يعود إلى الله ، أي: أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحى، ولم يبين ما أوحى به تعظيماً له، لأن الإبهام
يأتي مراداً به التفخيم والتعظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾ أي: غشيهم شيء عظيم، وهنا أوحى إلى عبده ما أوحى أي من الشيء العظيم، ولا كلام أعظم من القرآن الكريم؛ لأنه كلام الله .
ثم قال الله ﵎ في قصة المعراج: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ اعلم أيها الأخ المسلم أن للنبي ﷺ إسراءً ومعراجاً، فالإسراء ذكره الله في سورة الإسراء.
والمعراج ذكره الله في سورة النجم وكلاهما في ليلة واحدة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، أو سنة ونصف، اختلف المؤرخون في هذا، ثم إن الإسراء والمعراج كان ببدن الرسول ﷺ وروحه، وليس بروحه
стр. 201
فقط، وأما قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا فتنةً للناس﴾ فالمراد بها رؤية العين، لا رؤية المنام، يقول الله تعالى في سياق الآيات في المعراج: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ الفؤاد القلب، والمعنى أن ما رآه النبي ﷺ بعينه فإنه رآه بقلبه وتيقنه وعلمه، وذلك أن العين قد ترى شيئاً فيكذبها القلب، وقد يرى القلب شيئاً فتكذبه العين، فمثلاً قد يرى الإنسان شبحاً بعينه فيظنه فلاناً ابن فلان، ولكن القلب يأبى هذا، لأنه يعلم أن فلاناً ابن فلان لم يكن في هذا المكان، فهنا العين رأت، والقلب كذَّب، أو بالعكس، قد يتخيل الإنسان الشيء بقلبه ولكن العين تكذبه، أما ما رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة المعراج فإنه رآه حقًّا ببصره وبصيرته، ولهذا قال: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ بل تطابق القلب مع رؤية العين، فلم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاذباً فما رآه من الآيات العظيمة في تلك الليلة بل هو صادق، ولكن المشركين كذبوه، وقالوا: كيف يمكن أن يصل إلى بيت المقدس ويعرج إلى السماء في ليلة واحدة، ولهذا قال: ﴿أفتمارونه على ما يرى﴾ والاستفهام هنا للإنكار والتعجب، ومعنى تمارونه أي: تجادلونه بقصد الغلبة، لهذا عداها بعلى دون (في) ، فلم يقل: (أفتمارونه في ما يرى) بل قال ﴿على ما يرى﴾ ، إشارة إلى أن الفعل ضمن معنى المغالبة، أي أفتجادلونه تريدون أن تغلبوه على ما يرى، أي: على شيء رآه، ولكنه عبر عن الماضي بالمضارع إشارة إلى استحضار هذا الشيء، وأنه ﵊ حين أخبر به كأنما يراه الآن، لأن
الإنسان إذا حدث عن ماضي فربما
стр. 202
يقول قائل: لعله نسي فأخطأ، ولكن إذا عبر بالمضارع صار كأنه يتحدث عن شيء هو يشاهده، فالمعنى على ما رأى من قبل، ولكن عبر عمّا رأى من قبل بالمضارع لحكمة بالغة، والحكمة البالغة، حيث تكون تعبيرات القرآن الكريم إذا عبر بخلاف ما يتوقع فلابد أن يكون هناك حكمة تظهر للمتأمل ﴿ولقد رءاه نزلةً أخرى﴾ رآه الفاعل محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمفعول به جبريل، أي رأى محمدٌ جبريلَ ﴿نزلةً أخرى﴾ ، أي: مرة أخرى حين نزل، والمرة الأولى رأى الرسولُ ﵊ جبريلَ وهو في غار حراء، رآه على خلقته التي كان عليها، رآه وله ستمائة جناح قد سد الأفق، كل الأفق الذي حول الرسول ﵊ في حراء انسد من أجنحة هذا الملك الكريم، وهذا يدل على عظمته، ولهذا وصفه الله أنه ذو قوة عند ذي العرش مكين، وبأنه ذو مرة أي هيئة حسنة كما سبق في هذه السورة، والمرة الثانية: في السماء فوق السماء، فتارة رآه من تحت السماء من فوق الأرض، وتارة من فوق السماء، ولهذا قال: ﴿ولقد رءاه نزلةً أخرى﴾ أي مرة أخرى ﴿عند سدرة المنتهى﴾ ، أي رآه عند السدرة، والسدرة شجرة معروفة في الأرض، لكن السدرة التي في السماء السابعة ليست كصفة السدرة التي في الدنيا، بل نبقها كالقلال، وأوراقها كآذان الفيلة (١) ، فهي شجرة عظيمة، وسميت سدرة المنتهى لأنه ينتهي إليها كل صاعد من الأرض، وينتهي إليها كل نازل من عند الله عز
стр. 203
وجل (١) ،
فهي منتهى من الطرفين: الطرف الأول: ما يصعد من الأرض إلى السماء، ينتهي عند هذه السدرة، وما ينزل من الرب ينتهي عند هذه السدرة، ﴿عندها جنة المأوى﴾ ، أي: عند هذه السدرة جنة المأوى، إذاً الجنة فوق السماء السابعة، لأنه إذا كانت السدرة فوق السماء السابعة وكانت الجنة عندها لزم أن تكون الجنة فوق السماء السابعة، وهو كذلك، وأعلاها وأوسطها الفردوس، - جعلنا الله من أهلها - فوقها عرش الرحمن جل وعلا، ولهذا قال تعالى: ﴿كلا إن كتاب الأَبرار لفي عليين﴾ وعليين مبالغة من العلو، يعني في أعلى الشيء، ﴿المأوى﴾ يعني المصير، مأوى من جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، يأوون إليها ويخلدون فيها، وأما النار فهي مأوى الكافرين والعياذ بالله، وفي هذا دليل واضح على أن غاية الخلائق الجن والإنس إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا ثالث لهما، فالجن والإنس إما في النار وإما في الجنة، قال السفاريني ﵀ في عقيدته:
وكل إنسان وكل جِنةٍ في دار نارٍ أو نعيم جنة
ويستفاد من قوله ﴿المأوى﴾ أن القبور ليست هي المأوى والمثوى، لأن القبور ممر ومعبر، إذ إن وراء القبور بعث، ويذكر أن بعض الأعراب في البادية سمع قارئاً يقرأ قول الله تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾ فقال الأعرابي بفطرته وعربيته: «والله ما الزائر بمقيم، وإن وراء ذلك شيئاً» ، لأن الزائر يزور ويمشي، والقبور يمكث الناس فيها ما شاء الله أن يمكثوا، ثم
стр. 204
يخرجون منها، قال الله تعالى: ﴿ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ فالناس لابد أن يبعثوا، والعبارة التي نسمعها أو نقرأها أحياناً أن الرجل حملوه إلى مثواه الأخير، يعني إلى المقبرة عبارة غير صحيحة، لأن القبور ليست المثوى الأخير، ولو كان قائلها يعتقد معناها لكان لازم ذلك أنه ينكر البعث ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ السدرة هي سدرة المنتهى، لأنه تعالى قال: ﴿ولقد رءاه نزلةً أخرى عند سدرة المنتهى﴾ : ﴿إذ يغشى السدرة﴾ وأل في مثل هذه العبارة تسمى عند النحويين (ال) للعهد الذكري كقوله تعالى: ﴿كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول فأخذنه أخذاً وبيلاً﴾ ﴿ما يغشى﴾ ، أبهم الله ذلك للتفخيم والتعظيم، يعني غشيها شيء عظيم بأمر الله عزوجل بلحظة، كن فيكون، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه غشيها من الحسن والبهاء ما لايستطيع أحد أن يصفها (١) ،
﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ البصر بصر النبي ﷺ ، يقول العلماء: ﴿زاغ﴾ أي انحرف يميناً وشمالاً، ﴿وما طغى﴾ أي: تجاوز أمامه، فالرسول ﷺ كان على كمال الأدب في هذا المقام العظيم، لم يلتفت يميناً وشمالاً، ولم يتقدم بصره أكثر مما أذن له فيه، وهذا من كمال أدبه ﵊، وجرت العادة أن الإنسان إذا دخل منزلاً غريباً تجده ينظر يميناً وشمالاً في هذا المنزل، وخصوصاً إذا تغير تغيراً عظيماً في هذه اللحظة، لابد أن ينظر ما الذي حدث، لكن لكمال أدب النبي ﷺ ورباطة جأشه صلوات الله وسلامه عليه وتحمله ما لا
стр. 205
يتحمله بشر سواه صار في هذا الأدب العظيم، ولهذا قال تعالى عنه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ .
ثم قال : ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ وأنت أخي المسلم القارىء للقرآن يمر بك مثل هذا التعبير دائماً ﴿ولقد رءاه﴾ ، ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ ، ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سللة من طين﴾ والأمثلة كثيرة، هذه الجملة يقول العلماء: إنها مؤكدة بأنواع ثلاثة من المؤكدات: الأول: قسم مقدر، والثاني: اللام.
والثالث: قد، لأن المعنى: (والله لقد) فتكون جملة مؤكدة بالقسم واللام، وقد، والقسم مقدر لكن دل عليه السياق، ورأى يعني النبي ﷺ ﴿من آيات ربه الكبرى﴾ ، الآية هي العلامة المخصصة لمدلولها التي لا يشركه فيها أحد، وإلا لم تكن آية، فالآية لابد أن تكون خاصة بمدلوها، فليس كل علامة آية، بل هي التي تختص بمدلولها، فهذا الذي رآه النبي ﵊ من آيات الله كبير عظيم، وقوله ﴿الكبرى﴾ قيل: إنها مفعول ثان لرأى، أي: لقد رأى من آيات ربه الكبرى، وقيل: إن الكبرى صفة لآياته، والمعنى أنه رأى من آيات الله الكبيرة، والثاني أصح وأقرب، يعني أنه رأى من الآيات الكبرى ما رأى، وليس ما رآه أكبر شيء، بل قد يكون هناك شيء أكبر لا نعلمه، والحاصل أن الرسول ﷺ رأى في هذا المعراج من آيات الله الكبير ما لم يكن يره من قبل، وما لا يستطيع الصبر عليه أحد من البشر، ونحن لو رأينا سرادقاً عظيماً لملك من الملوك لانبهرنا وتعجبنا، وجعلنا نلتفت يميناً وشمالاً، لكن الرسول عليه
стр. 206
الصلاة والسلام لم يتغير عقله ولا اتزانه، بل كان على أكمل ما يكون الاتزان، وإلا فقد أسري به من المسجد الحرام من الحجر عند الكعبة - والحجر من الكعبة - أسري به من ذلك المكان إلى بيت المقدس مسيرة شهرين، في لحظة لأنه ركب البراق، والبراق دابة عظيمة قوية سريعة، خطوته مد بصره، وسريع جداً وصل إلى هناك وصلى بالأنبياء، ثم عُرج به إلى السماء، والسماء بعيدة جداً، ثم من سماء إلى سماء وتتلقاه الملائكة تسأل جبريل: من معك؟ فيقول: محمد، فيسألونه هل أرسله إلى الناس؟ فيقول: نعم، ثم يسلم على بعض من في السموات من أنبياء، ثم تفرض عليه الصلاة ويتردد بين الله وموسى كل هذا وهو ثابت الجأش ﵊، وهذا شيء حقيقي هو بنفسه
﵊ صعد، ولهذا لما جاء وحدث الناس من الغد أنكرته قريش، لأنها تنكر ما لا يمكن في عقلها، وإنكار ما لا يمكن في العقل ليس خاصًّا بكفار قريش حتى فيمن ينتسب إلى هذه الأمة أنكروا من صفات الله ما أثبته الله لنفسه، لأنه على زعمهم لا يمكن في العقل، فقريش أنكرت هذا المعراج: ولو كان مناماً لم تنكره قريش، لأن المنامات يكون فيها مثل هذا، لكنه أمر حسي حقيقي أسري بالرسول ﵊ بجسده وعُرج به في ليلة واحدة، وحصلت كل هذه الأمور ثم عاد إلى الأرض وصلى الفجر في مكة ﵊. ﴿لقد رأى من ءايات ربه الكبرى﴾ ، وفي هذا إشارة إلى أن آيات الله منها الكبير ومنها ما دون ذلك، ولا نقول: منها الصغير. لأن الكبرى
стр. 207
اسم تفضيل. وغلط من قال من المفسرين المتأخرين: إن الكبرى اسم فاعل، بل هي اسم تفضيل، لأن آيات الله إما كبيرة، وإما كبرى عظمى، فالمعراج الذي حصل لا شك أنه من الآيات الكبرى العظيمة.
ولما بين الله ما رآه النبي ﷺ من آيات ربه العظيمة في الآفاق، قال: ﴿أفرءيتم اللات والعزى﴾ وهذا الاستفهام للتحقير وانحطاط رتبة هذه الأصنام التي ذكرها الله يعني أخبروني بعد أن سمعتم من آيات الله الكبرى ما سمعتم، أخبروني عن شأن هذه الأصنام وما قيمتها، وما مرتبتها، وما عزتها ﴿أفرءيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأُخرى﴾ هذه ثلاثة أصنام مشهورة عند العرب يعبدونها من دون الله، ويخضعون لها كما يخضعون لله، ويتقربون إليها كما يتقربون لله ، ومع ذلك هم يعتقدون أنها لا تنفعهم عند الشدة، فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، وعلموا أنه لا منجي من هذه الشدة إلا رب العالمين، لكن الشيطان سوَّل لهم وأملى لهم في عبادة هذه الأصنام التي يدعون أنها تقربهم من الله تعالى، كما قال الله عنهم ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ ولكن في الحقيقة لا تقربهم إلى الله بل تبعدهم منه، ﴿أفرءيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأُخرى﴾ الثالثة بالنسبة لاثنتين قبلها ﴿الأُخرى﴾ يعني المتأخرة وكأنها - والله أعلم - دون اللات والعزى في المرتبة عند العرب، ثم قال تعالى منكراً على هؤلاء المشركين ﴿ألكم الذكر وله الأُنثى﴾ يعني أتجعلون لكم الذكور،
стр. 208
ولله الإناث، وذلك بقولهم إن الملائكة بنات الله، وهم لم يشهدوا خلق الملائكة، ولم يطلعوا على ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم﴾ والجواب: لا، لم يشهدوا خلقهم، ولكن مع ذلك ستكتب هذه الشهادة عليهم ويسألون، نسأل الله العافية، وهم ﴿وإذا بشر أحدهم بالأُنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به﴾ ، ومع ذلك يجعلون لرب العالمين الذي خلق الذكر والأنثى البنات، ويجعلون
لأنفسهم البنين، وهذه القسمة قسمة جور، ﴿تلك إذاً قسمة ضيزى﴾ ، يعني تلك القسمة، وهي أن يجعل لله البنات ولهم البنين ﴿قسمة ضيزى﴾ أي: جائرة مائلة عن الحق، لأننا لو قلنا بأنه جائز أن يكون لله ولد لكان الأولى أن يكون له البنون، لأن البنين أعلى من البنات بلا شك، وهو أعلى من المخلوقين، فيجب أن يكون الأعلى للأعلى، والأدنى للأدنى، هذه القسمة العادلة، ثم هناك قسمة أخرى دونها في العدل، ولكن فيها عدل أن يجعلوا لله البنات ولهم بنات، ولله البنين، ولهم بنين لكن ما فعلوا هذا، جعلوا الأدنى للخالق، والأعلى لهم، ولهذا قال : ﴿تلك إذاً قسمة ضيزى﴾ ثم عاد الله إلى بيان حقيقة هذه الأصنام المعبودة، فقال: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموهآ﴾ ﴿إن﴾ هنا نافية بمعنى ما، وهذا ضابط ينتفع به طالب العلم أنه إذا أتت (إلا) مثبتة بعد (أن) فإن (إن) هنا تكون نافية مثل: إن هذا إلا بشر، إن هذا إلا مجتهد، وما أشبه ذلك فـ (إن) هنا نافية بمعنى، ما هي إلا أسماء سميتموها، يعني ما
стр. 209
هذه الأصنام إلا مجردأسماء لا حقيقة لها، سموها إلهاً معبوداً، ولكنه لا حقيقة لذلك، ما هي إلا مجرد أسماء، والاسم لا يدل على مسماه، فلو أنك سميت الحديد خشباً، ما صار خشباً، ولو سميت الخشب حديداً، ما صار حديداً، ولو سميت البغل حماراً، لم يكن حماراً، وهكذا هذه الأصنام يسمونها آلهة، ولا تكون إلهاً، بل مجرد اسم، والاسم بلا مسمى لا فائدة منه، ولهذا قال ﴿إن هي﴾ ، أي: ما هذه الأصنام والمسميات ﴿إلا أسماء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان﴾ ، المخاطبون هم الذين أدركوا البعثة.
وآباؤكم يعني الأجداد السابقين مجرد أسماء ﴿مآ أنزل الله بها من سلطان﴾ (ما) نافية، والمعنى أن الله لم ينزل بها دليلاً، وسمي الدليل سلطاناً لأن صاحب الدليل معه سلطة يعلو بها على خصمه، ومن ليس له دليل ليس له سلطان، فالسلطان يأتي دائماً بمعنى الحجة أي الدليل، لأن من معه الدليل ذو سلطة على خصمه ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ . (إن) نافية بمعنى (ما) ﴿يتبعون﴾ أي: هؤلاء وآباؤهم ﴿إلا الظن﴾ ، أي: الوهم الذي لا حقيقة له، لأنهم يقولون هذه آلهة، واعتمدوا في ذلك على الوهم، فالظن هنا بمعنى الوهم، يعني ما يتبع هؤلاء بقولهم إنها آلهة إلا الظن، أي الوهم الخيال الذي لا حقيقة له، ﴿وما تهوى الأَنفس﴾ ، يعني وما تميل إليه نفوسهم من الباطل، ثم قال : ﴿ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المحذوف، واللام، وقد، وتقديره: والله لقد جاءهم من ربهم الهدى، فيؤكد الله هنا أنه قد جاءهم من ربهم
стр. 210
الهدى، وفي قوله: ﴿من ربهم﴾ ولم يقل: من الله.
إشارة إلى أنه لا يجوز تلقي الشريعة إلا من عند الله، لأن الله هو الرب، والرب هو الخالق المالك المدبر ﴿الهدى﴾ ، فاعل والمراد به العلم المقابل بقوله ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ فهم يتبعون الظن، والعلم جاء من عند الله، ﴿ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ أي: العلم على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام، الذين خُتموا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿أم للإنسان ما تمنى﴾ (أم) هنا منقطعة؛ لأنها تأتي منقطعة وتأتي متصلة، فإذا كان هناك مقابل فهي متصلة، وإذا لم يكن مقابل فهي منقطعة، فإذا قلت: أعندك زيد أم عمرو؟ فهي متصلة، وإذا قلت في مثل هذه الآية ﴿أم للإنسان ما تمنى﴾ فهي بمعنى بل، وهمزة استفهام، يعني بل أللإنسان ما تمنى، والاستفهام هنا للإنكار والنفي، أي ليس للإنسان ما تمنى، كم يتمنى الإنسان من شيء ولكن لا يحصل، لأن هناك مدبراً، وهو الله فليس للإنسان ما تمنى، وفي هذا إشارة إلى رد صنيع هؤلاء المشركين الذين يعبدون الأصنام، ويقولون: إنها تقربهم إلى الله، وليس لهم ذلك، وأيضاً رد لقولهم: إن لله البنات ولهم البنين، وليس لهم ذلك، وهم وإن تمنوا ذلك وصار في مخيلتهم فإنه لا يحصل، وليس للإنسان ما تمنى، كثيراً ما يتمنى الإنسان شيئاً ولكن لا يحصل، كثيراً ما يتمنى الشيء ويسعى في أسبابه ولكن لا يحصل، لأن الأمر بيد الله - جل وعلا - ولهذا قال: ﴿فلله الآخرة والأُولى﴾ وبدأ بالآخرة، لأن ملك الله في الآخرة يظهر أكثر مما في الدنيا،
стр. 211
فالدنيا فيها ملوك، وفيها رؤساء، وفيها زعماء، يرى العامة أن لهم تدبيراً، لكن في الآخرة لا يوجد هذا ﴿يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ قال الله ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن
الله لمن يشاء ويرضى﴾ كم تكثيرية لأنها تأتي تكثيرية، وتأتي استفهامية، فإذا قلت: كم مالك؟ فهي استفهامية، وهنا ﴿وكم من ملك في السماوات﴾ يعني كثير من الملائكة في السماوات لا تغني شفاعتهم وهنا نقول: كم من ملك وما أكرم الملائكة، كما قال الله تعالى: ﴿بل عباد مكرمون﴾ ﴿في السماوات﴾ لا في الأرض، والسماوات أعلى من الأرض وإذا كان هؤلاء الملائكة الكرام الذين مقرهم السماوات - إلا من أذن له ينزل الأرض - إذا كانت شفاعتهم لا تنفع، فهل يمكن أن تنفع شفاعة اللات والعزى ومناة؟ الجواب: لا، كأن الله تعالى يقول لهؤلاء: ما أصنامكم هذه التي تشفعون بها إلى الله، كم من ملك وهو أشرف من هذه الأصنام في السماوات وهي أشرف من الأرض، لا تغني شفاعتهم شيئاً لو شفع إلا بثلاثة شروط: الأول: أن يأذن الله لمن يشاء من الملائكة بأن يشفع فيشفع، الثاني: أن يرضى عن المشفوع له، الثالث: يرضى عن الشافع لأنه لا يمكن أن يأذن للشافع إلا بعد أن يرضى عنه، ولابد أن يرضى عن المشفوع له وإلا فلا تنفع الشفاعة، كما قال : ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾ فأصنامكم هذه لن تنفع ولن يقبل الله شفاعتها، فشروط الشفاعة ثلاثة: الأول: رضى الله عن الشافع
стр. 212
بأن يكون أهلاً للشفاعة لكونه من المقربين لله والثاني: أن يرضى عن المشفوع له، بأن يكون أهلاً لأن يشفع له، أما الكافر فما تنفعهم شفاعة الشافعين. الثالث: الإذن لقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ وقوله تعالى: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغنى شفعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ وهذا فيه تيئيس هؤلاء المشركين من شفاعة آلهتهم.
﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأُنثى﴾ أكد الله هذا الخبر بمؤكدين هما القسم المقدر واللام: ومعنى ﴿لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي: لا يصدقون بها ولا بما فيها من الثواب والعقاب، إذ إن الإيمان بالآخرة لابد أن يكون إيماناً بأن هذا اليوم سيكون، وإيماناً بكل ما ثبت من حصوله ووقعه فيه، إما في القرآن وإما في السنة، حتى إن شيخ الإسلام ﵀ قال: إن مما يدخل في الإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان بما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، وصدق ﵀، لأن الإنسان إذا مات قامت قيامته، وانتهى من الدنيا كأن لم يكن، فكما أنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، فسيأتي عليه حين من الدهر لم يكن إلا خبراً من الأخبار، كما قال الشاعر الحكيم:
في الدنيا بين يرى الإنسان فيه مخبراً
حتى يرى خبراً من الأخبار
فأنت الآن تخبر تقول: حصل كذا وحصل كذا، وقال فلان كذا وفي يوم من الأيام. سوف يخبر عنك، قال فلان كذا وأنت
стр. 213
رميم، فالإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور: الأول: الإيمان بوقوع اليوم الآخر أنه لابد كائن. الثاني: الإيمان بما سيكون في هذا اليوم من: أهوال، وحساب، وموازين، وصراط، وجنة، ونار لابد من هذا، الثالث: الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما يكون في القبر من فتنة القبر، سؤال الملكين الميت عن ثلاثة أشياء: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ ﴿إنَّ الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ هل أحد من الناس لا يؤمن بالآخرة؟ نعم كثير من الناس، أكثر الناس لا يؤمنون بالآخرة، حتى إن الله قال في الإنسان: ﴿أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً﴾ يعجزنا فيه ﴿ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم﴾ ما أحسن قوله: ﴿ونسي خلقه﴾ قبل أن يقول مقالة هذا الإنسان، يعني هذا الإنسان قال: ﴿من يحي العظام وهي رميم﴾ ﴿ونسي خلقه﴾ ، ما هو خلقه؟ إنه لم يكن شيئاً، خلق من ماء دافق، فصار عظاماً وعصباً ولحماً، وصار إنساناً ينطق ويخاصم ﴿من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾ وذكر الأدلة على إمكان ذلك (١) ، فمن الناس من ينكر اليوم الآخر، ويقول: لا بعث.
وهذا من سفهه في عقله وضلاله في دينه، وإلا فهل من الحكمة أن تخلق هذه الخليقة وتبتلى بالأمر والنهي، ويحصل الجهاد وقتال الأعداء، واستحلال دمائهم وأموالهم، ونسائهم ثم يكون نتيجة هذا لا شيء، هذا لا يمكن، وتأباه الحكمة، إذاً
стр. 214
الذين لا يؤمنون بالآخرة، سفهاء عقولاً، ضلال ديناً ﴿ليسمون الملائكة تسمية الأُنثى﴾ يعني يجعلون الملائكة إناثاً كالمشركين، قالوا: الملائكة بنات الله، فسموا الملائكة تسمية الأنثى، وهي البنت، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ولو آمنوا بالعقاب ما قالوا هذا، لكنهم لا يؤمنون، فيقولون ما يريدون، قال الله تعالى: ﴿وما لهم به من علم﴾ نفى أن يكون لهم بذلك علم، لأن هذا هو الواقع: هل شهدوا خلق الملائكة؟ ولهذا قال الله في آية أخرى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم﴾ والجواب: لا، لكن ﴿ستكتب شهادتهم ويسئلون﴾ حين لا يجدون جواباً فهؤلاء الذين قالوا: الملائكة بنات الله، يقول الله : ﴿ما لهم به من علم﴾ وعلم هنا مجرورة بحرف الجر وحرف الجر، هنا عند المعربين، حرف جر زائد، الفائدة منه توكيد النفي، ولهذا هنا قاعدة مفيدة: جميع الحروف الزائدة يقصد بها التوكيد، وهي من أدوات التوكيد.
﴿وما لهم به من علم﴾ يعني لا قليل ولا كثير، لأنهم لم يشهدوا خلقهم ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ ، ﴿إن﴾ هنا بمعنى ما، والضابط أنه إذا جاءت ﴿إلا﴾ بعد ﴿إن﴾ فهي بمعنى ما، ﴿إن هذا إلا بشر﴾ أي: ما هذا إلا بشر ﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ أي: ما هذا إلا ملك كريم ﴿إن أنتم إلا بشر مثلنا﴾ أي: ما أنتم إلا بشر مثلنا: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ أي ما هم إلا يظنون، والأمثلة على هذا كثيرة ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ يعني ما يتبعون إلا الظن، والمراد بالظن هنا الوهم الكاذب، وليس المراد بالظن هنا الراجح من أحد
стр. 215
الاحتمالين، وانتبه لهذا فالظن يأتي بمعنى التهمة، ويأتي بمعنى رجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين. قال الله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم﴾ والمراد: اليقين ولا يكفي الظن في اليوم الآخر، بل لابد تيقن، وقال النبي ﵊: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب (١) » والتحري هنا يعني هو الظن الغالب.
﴿وإن هم إلا يظنون﴾ ظن الاتهام يعني يظنون ظنًّا، هو وهم، ليس له أصل، وبعض العلماء أخذ من هذه الآية أنه لا يجوز العمل بالظن في المسائل الفقهية وغيرها، وهذا خطأ، لأن كثيراً من المسائل الفقهية ظنية: إما لخفاء الدليل، أو خفاء الدلالة: ليس كل مسألة في الفقه يقول بها الإنسان على سبيل اليقين أبداً، بل بعضها يقين وبعضها ظن، والظن إذا تعذر اليقين مما أحل الله، ومن نعمة الله أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، فليس كل ظن منكراً، لكن الظن الذي ليس له أصل يبنى عليه منكر. فهؤلاء الذين سموا الملائكة تسمية الأنثى لا علم لهم بذلك بل هو ظن مبني على وهم، وربما يكون مبنياً على أهواء، يعني لم يطرأ على بالهم أنهم إناث، ولكن تبعوا آباءهم ﴿وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ أي: هذا الظن المبني على الوهم لا على القرائن لا يغني من الحق شيئاً، أي لا يفيد شيئاً من الحق، لأنه وهم باطل، والوهم الباطل لا يمكن أن يفيد، ثم قال : ﴿فأعرض عن